← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة مستأنفة ﴿أَلْقُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن موسى أمرهم بالإلقاء، وأردت بيان ما وقع منهم بعد أمره بالإلقاء .. فأقول لك ﴿لما ألقوا﴾ ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم ﴿أَلْقُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾، ﴿سَحَرُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿أَعْيُنَ النَّاسِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة استئنافا بيانيا، ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿سَحَرُوا﴾، ﴿وَجاؤُ﴾: فعل، وفاعل معطوف على ﴿سَحَرُوا﴾، ﴿بِسِحْرٍ﴾: متعلق بـ ﴿جاؤُ﴾، ﴿عَظِيمٍ﴾: صفة لـ ﴿سحر﴾. ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾. ﴿وَأَوْحَيْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿إِلى مُوسى﴾: جار ومجرور، متعلق به ﴿أَنْ﴾: مفسرة أو مصدرية ﴿أَلْقِ﴾: فعل أمر في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾ ﴿عَصاكَ﴾: مفعول به، ومضاف إليه، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: وأوحينا إلى موسى إلقاءه عصاه ﴿فَإِذا هِيَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فألقاها فإذا هي ﴿إذا﴾: فجائية حرف لا محل لها من الإعراب، ﴿هِيَ﴾: مبتدأ، ﴿تَلْقَفُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على العصا، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة المحذوفة، ﴿مَا﴾: موصولة في محل النصب مفعول ﴿تَلْقَفُ﴾، أو مصدرية، وجملة ﴿يَأْفِكُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: ما يأفكونه، أو الجملة صلة ما المصدرية، والتقدير: تلقف إفكهم؛ أي: مأفوكهم من الحبال والعصي. ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩)﴾.

стр. 4307

﴿فَوَقَعَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿وقع الحق﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَوْحَيْنا﴾، ﴿وَبَطَلَ﴾: فعل ماض، ﴿ما﴾: موصولة في محل الرفع فاعل لـ ﴿بَطَلَ﴾، ويصح أن تكون مصدرية، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجملة كان صلة ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما كانوا يعملونه، أو صلة ﴿ما﴾ المصدرية والتقدير: وبطل عملهم، وجملة ﴿بَطَلَ﴾ معطوفة على جملة ﴿وقع﴾. ﴿فَغُلِبُوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿غلبوا﴾: فعل ونائب فاعل، معطوف على ﴿بَطَلَ﴾، ﴿هُنالِكَ﴾ ﴿هنا﴾: اسم إشارة يشار به للمكان البعيد، في محل النصب على الظرفية المكانية مبني على السكون، ﴿اللام﴾: لبعد المشار إليه، ﴿والكاف﴾: حرف دال على الخطاب، والظرف متعلق بـ ﴿غلبوا﴾، ﴿وَانْقَلَبُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿غلبوا﴾، ﴿صاغِرِينَ﴾: حال من الواو في ﴿انْقَلَبُوا﴾. ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢)﴾. ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾: فعل ونائب فاعل، معطوف على ﴿غلبوا﴾ ﴿ساجِدِينَ﴾: حال من ﴿السَّحَرَةُ﴾. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية حال ثانية من ﴿السَّحَرَةُ﴾ والتقدير: وألقي السحرة حالة كونهم ساجدين قائلين: آمنا برب العالمين. ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿رَبِّ مُوسى﴾: بدل من ﴿بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾، ﴿وَهارُونَ﴾: معطوف على ﴿مُوسى﴾. ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣)﴾. ﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿قالُوا﴾ مقول محكي، وإنّ شئت قلت: ﴿آمَنْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور، متعلق به، والجملة في محل النصب مقول القول، ﴿قَبْلَ﴾: منصوب

стр. 4308

على الظرفية، متعلق بـ ﴿آمَنْتُمْ﴾، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿آذَنَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾. وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنُ﴾، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه تقديره: قبل إذني لكم. ﴿إنْ﴾: حرف نصب، ﴿هذا﴾: اسمها، ﴿لَمَكْرٌ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿مكر﴾: خبرها، وجملة ﴿أَنْ﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿مَكَرْتُمُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿مكر﴾، ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مَكَرْتُمُوهُ﴾، ﴿لِتُخْرِجُوا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وكي ﴿تخرجوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ مضمرة بعد لام كي ﴿مِنْها﴾ متعلق بـ ﴿تخرجوا﴾، ﴿أَهْلَها﴾: مفعول به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لإخراجكم منها أهلها، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿مَكَرْتُمُوهُ﴾، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم مكركم وأردتم بيان عاقبته .. فأقول لكم سوف تعلمون ما يحل بكم، وجملة ﴿سوف تعلمون﴾: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول لقوله: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾. ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥)﴾. ﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم ﴿أقطعن﴾: فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير المتكلم المستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنُ﴾، ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: معطوف عليه ﴿مِنْ خِلافٍ﴾: جار ومجرور، حال من الأيدي والأرجل؛ أي: حالة كونها مختلفة في القطع، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، وجملة القسم مع جوابه في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿أصلبنكم﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنُ﴾، ﴿أَجْمَعِينَ﴾: تأكيد لضمير المخاطبين، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم في محل النصب

стр. 4309

معطوفة على جملة القسم الأول. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّا إِلى رَبِّنا﴾ إلى قوله: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ﴾: مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾ وإن شئت قلت: ﴿إِنَّا﴾: حرف نصب واسمه ﴿إِلى رَبِّنا﴾: متعلق بـ ﴿مُنْقَلِبُونَ﴾، ﴿مُنْقَلِبُونَ﴾: خبر ﴿إِنَّا﴾ وجملة إنّ في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾. ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿تَنْقِمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنُ مِنَّا﴾: جار ومجرور، متعلق به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِنَّا إِلى رَبِّنا﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿آمَنَّا﴾: فعل ماض، وفاعله في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿بِآياتِ رَبِّنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿آمَنَّا﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء تقديره: إلا إيماننا بآيات ربنا، ﴿لَمَّا﴾: حينية في محل النصب على الظرفية، ﴿جاءَتْنا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الآيات، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿لَمَّا﴾ تقديره: حين مجيئها إيانا، والظرف متعلق بـ ﴿آمَنَّا﴾، ﴿رَبِّنا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾، ﴿أَفْرِغْ﴾: فعل دعاء سلوكا مسلك الأدب مع الباري سبحانه، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿عَلَيْنا﴾: متعلق به، ﴿صَبْرًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾ على كونها جواب النداء ﴿وَتَوَفَّنا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿مُسْلِمِينَ﴾: حال من ضمير المتكلمين، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿أَفْرِغْ﴾ على كونها جواب النداء. التصريف ومفردات اللغة ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ﴾. ﴿مُوسى﴾ (١) موسى ابن عمران

стр. 4310

- بكسر العين - وأهل الكتاب يقولون: عمرام بفتح أوله، وإنّما سمي موسى لأنّه ألقي بين ماء وشجر، فالماء بالقبطية: مو، والشجر: سى، وذلك أنّ أمه وضعته بعد ولادته في تابوت - صندوق - وأقفلته إقفالا محكما، وألقته في نهر النيل، خوفا من فرعون وحكومته أن يعلموا به فيقتلوه، إذ كانوا يذبحون ذكور بني إسرائيل عند ولادتهم، ويتركون نساءهم، وفرعون لقب لملوك مصر القدماء، كلقب قيصر لملوك الروم، وكسرى لملوك الفرس، كما مر، والراجح لدى كثير ممن يعنون بالتاريخ المصري القديم، أن فرعون موسى هو الملك منفتاح، وكان يلقب بسليل الإله: رع؛ أي: الشمس وقد كتب بجانب هيكله الذي بدار الآثار المصرية. الآية الكريمة ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ ﴿وَمَلَائِهِ﴾ والملأ أشراف الناس، يملؤون المجالس بأجرامهم، والعيون بجمالهم، والقلوب بمهابتهم، كما مر عن أبي السعود، ومن المراد هنا ما يشمل الرفيع والوضيع ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾؛ أي: جحدوا بها وكفروا ﴿حَقِيقٌ﴾؛ أي: جدير وخليق به، يقال: أنت حقيق بكذا، كما يقال: أنت جدير به وخليق، وقال الليث: حق الشيء معناه: وجب، ويحق عليك أن تفعله، وحقيق أن أفعله، فهو بمعنى فاعل، وقد يكون بمعنى مفعول، تقول: فلان محقوق عليه أن يفعل ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ والنزع إخراج الشيء من مكانه ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾؛ أي: تشيرون في أمره، يقال: مرني بكذا على معنى: أشر علي وأدل رأيك. ﴿أَرْجِهْ وَأَخاهُ﴾؛ أي: أرجىء أمره وأخره ولا تقض فيه بادىء الرأي، وهو من أرجأ الرباعي ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ﴾ جمع مدينة، ومدينة على وزن فعيلة، فالياء زائدة في المفرد، فلذلك تقلب همزة في الجمع على حد قوله في الخلاصة: والمدّ زيد ثالثا في الواحد ... همزا يرى في مثل كالقلائد والمدينة من مدن بالمكان يمدن، إذا أقام به، فالفعل من باب نصر، وفي «السمين»: والمدائن جمع مدينة ووزنها فعيلة، فميمها أصلية، وياؤها زائدة، مشتقة من مدن يمدن مدونا؛ أي: أقام ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ يجوز (١) أن يكون استفعل هنا

стр. 4311

بمعنى أفعل؛ أي: أرهبوهم، وهو قريب من قولهم قر واستقر، وعظم واستعظم، وهذا رأي المبرد، ويجوز أن تكون السين على بابها؛ أي: استدعوا رهبة الناس منهم، وهو رأي الزجاج. اه «سمين». ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ (١) قرأ العامة: ﴿تَلْقَفُ﴾ بتشديد القاف من ﴿تَلْقَفُ﴾ والأصل تتلقف بتائين، فحذفت إحداهما، إما الأولى وإما الثانية، وقد تقدم ذلك في نحو ﴿تذكرون﴾ والبزي: على أصله وإدغامها فيما بعدها، فيقرأ: ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ﴾ بتشديد التاء أيضا، وقرأ حفص ﴿تَلْقَفُ﴾ بتخفيف القاف من لقف، كعلم يعلم، وركب يركب، يقال: لقفت الشيء ألقفه لقفا، وتلقفته أتلقفه تلقفا إذا أخذته بسرعة فأكلته أو ابتلعته، ويقال: لقف ولقم بمعنى واحد، قاله أبو عبيد اه «سمين»، وفي «المختار»: لقف من باب فهم، وتلقفته؛ أي: تناولته بسرعة اه. ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ أصل الإفك قلب الشيء عن وجهه، ومنه قيل للكذاب أفّاك؛ لأنّه يقلب الكلام عن وجهه الصحيح إلى الباطل. اه «خازن». وفي «المصباح» أفك يأفك من باب ضرب، إفكا بالكسر فهو أفوك وأفاك، وأفكته صرفته، وكل أمر صرف عن وجهه فقد أفك. اه وفي «المراغي»: المأفوك (٢) المصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه، ومن ثم يقال للرياح التي عدلت عن مهابها: مؤتفكة، كما قال تعالى: ﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩)﴾ وقال: ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: يصرفون عن الحق في الاعتقاد إلى الباطل، وعن الصدق في المقال إلى الكذب، وعن الجميل في الفعل إلى القبيح، فالإفك بالقول كالكذب، وقد يكون بالفعل، كعمل سحرة فرعون. ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ﴾. ﴿هُنالِكَ﴾: يجوز أن يكون مكانا؛ أي: غلبوا في المكان الذي وقع فيه سحرهم، وهذا هو الظاهر، وقيل: يجوز أن يكون زمانا، وهذا ليس أصله، وقد أثبت له بعضهم هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وفي قول الشاعر:

стр. 4312

فهناك يعترفون أين المفزع ولا حجة فيهما؛ لأن المكان فيهما واضح. اه «سمين» ﴿وَانْقَلَبُوا﴾؛ أي: عادوا ﴿صاغِرِينَ﴾؛ أي: أذلة بما رزئوا به من الخذلان والخيبة ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠)﴾؛ أي: خروا - سجدا؛ لأنّ الحق بهرهم، واضطرهم إلى السجود. ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: قال (١) ما ذكر منكرا على السحرة، موبخا لهم على ما فعلوه، فالاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ، وأصل هذا الفعل آمن بوزن آدم، وأصله أأمن بهمزتين، فقلبت الثانية ألفا وجوبا على القاعدة، والثانية هي فاء الكلمة، والأولى زائدة، فهو بوزن أفعل، كأكرم ثمّ إنّه دخلت عليه همزة الاستفهام، فاجتمع همزتان صريحتان، وبعدهما ألف منقلبة عن همزة في الأصل ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أصله (٢) أأذن وهو فعل مضارع منصوب بأن المصدرية، والهمزة الأولى همزة المتكلم التي تدخل على المضارع، والثانية قلبت ألفا لوقوعها ساكنة بعد همزة أخرى، وأصله أأذن على وزن أعلم. المكر: صرف الإنسان عن مقصده بحيلة، وهو نوعان، محمود: يراد به الخير، ومذموم: يراد به الشر ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، والعكس بالعكس ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ والصلب: الشد على خشبة ونحوها، وشاع في تعليق الشخص بنحو حبل في عنقه ليموت، وهو المتعارف اليوم. ﴿وَما تَنْقِمُ مِنَّا﴾ عبارة «الخازن» يعني: وما تكره منا وما تطعن علينا. وقال عطاء: معناه وما لنا عندك ذنب تعذبنا عليه. انتهت. وفي «المصباح» نقمت عليه أمره ونقمت منه نقما، من باب ضرب، ونقوما، ونقمته أنقمه من باب تعب لغة إذا عبته وكرهته أشد الكراهة لسوء فعله، وفي «التنزيل»: ﴿وَما تَنْقِمُ مِنَّا﴾ على اللغة الأولى؛ أي: وما تطعن فينا وتقدح، وقيل: ليس لنا عندك ذنب، ولا ركبنا

стр. 4313

مكروها. اه وقال: نقمت بالشيء إذا أنكرته إما باللسان وإما بالعقوبة، كما قال تعالى ﴿وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ و ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾. ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنا﴾؛ أي: افض علينا صبرا يغمرنا كما يفرغ الماء من القرب. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإبهام في قوله: ﴿بِآياتِنا﴾ إفادة للتفخيم والتعظيم. ومنها: التضمين في قوله: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ وهو إشراب كلمة معنى كلمة أخرى؛ لأنّه ضمن (ظلموا) بمعنى ﴿كفروا﴾ فعداه بالباء. ومنها: الاستفهام التعجبي في قوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. ومنها: التضمين أيضا في قوله: ﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. على قراءة العامة؛ لأنّه ضمن ﴿حَقِيقٌ﴾ بمعنى (حريص) فعداه بعلى. ومنها: المقابلة في قوله: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾، فإنّه في مقابلة قوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾؛ لأنّه بمعنى خل أمرهم، واترك سبيلهم حتى يذهبوا معي إلى الأرض المقدسة، وفي قوله: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾؛ لأنّه استعار النزع - الذي هو بمعنى أخذ الشيء بسرعة - للإخراج؛ لأنّه بمعنى: أخرج يده من جيبه، أو من كمه. ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ للمبالغة، أكده بإن وبإسمية الجملة، وباللام، وفي قوله: ﴿نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أكد الجملة بإن، وباللام لإزالة الشك من نفوس السحرة، ويسمى هذا النوع من أنواع الخبر إنكاريا. ومنها: التنكير إفادة للتعظيم في قوله: ﴿إِنَّ لَنا لَأَجْرًا﴾ قال الزمخشري:

стр. 4314

كقولهم: إن له لإبلا، وإن له لغنما وفي قوله: ﴿لَمَكْرٌ﴾. ومنها: الإبهام في قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: ما يحل بكم، ثم البيان بقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ﴾ جاء به في جملة قسمية تأكيدا لما يفعله. ومنها: الجناس المغاير بين ﴿تُلْقِيَ﴾ و ﴿الْمُلْقِينَ﴾ في قوله: ﴿يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾. وتغيير النظم في الجملة الثانية - بتعريف الخبر وتوسيط ضمير الفصل، وتأكيد الضمير المتصل بالمنفصل - يدل على رغبتهم في التقدم وعدم مبالاتهم بموسى؛ لأن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا ممن له قوة وملكة في الأمر الذي يدعيه، فيخير من يقابله في الابتداء في العمل أو التأخر، فكأنّه يقول: لا أبالي بفعلك سواء تقدم أو تأخر. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ لأنّه استعار الوقوع للثبوت والحصول، وفي قوله: ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾؛ لأنّ الإفراغ حقيقة في الماء. ومنها: تأكيد المدح بما يشبه الذم في قوله: ﴿وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا﴾ مثل قوله: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 4315

قال الله سبحانه جلّ وعلا: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله (١) يخبر عما تمالأ عليه

стр. 4316

فرعون وملؤه، وما أضمروه لموسى وقومه، لقد نصح موسى قومه، ودار بينهم حوار قصه الله علينا في تلكم الآيات. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ ...﴾ مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما حكى وعد موسى لقومه بقوله: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ...﴾ .. ذكر هنا مبادىء الهلاك الموعود به بما أنزله على فرعون وقومه من المحن، حالا بعد حال، إلى أن حل بهم عذاب الاستئصال تنبيها للسامعين، وزجرا لهم عن الكفر وتكذيب الرسل، حذر أن ينزل بهم من الشر مثل ما نزل بهؤلاء. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ...﴾ الآيات (١)، مناسبتها لما قبلها: لما ذكر الله الآيات الخمس التي سبق ذكرها .. بين هنا ما كان من أثرها في نفوس المصريين جميعا، وطلبهم من موسى أن يرفع الله عنهم العذاب، فإذا هو فعل .. آمنوا به، ثم تبين نكثهم وخلفهم للوعد كل مرة حدث فيها الطلب، حتى حل بهم عذاب الاستئصال بالغرق في البحر. قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا ...﴾ مناسبتها لما قبلها: أنّه لما بين ما حل بالمصريين من الغرق عقوبة لهم على تكذيبهم بموسى، بعد وجود الآية تلو الآية الدالة على صدقه .. ذكر هنا ما فعله ببني إسرائيل من الخيرات، إذ أصبحوا أعزة بعد أن كانوا أذلة، وملكوا الأرض المقدسة التي بارك الله فيها، وهي بلاد الشام. قوله تعالى: ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما بين أنواع نعمه على بني إسرائيل، بأن أهلك عدوهم، وأورثهم أرضهم وديارهم .. أتبع ذلك بالنعمة الكبرى عليهم، وهي أنّه جاوز بهم البحر آمنين، ثم ارتدوا وطلبوا من موسى أن يعمل لهم آلهة وأصناما. وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ عما رآه من اليهود بالمدينة، فإنّهم جروا معه على دأب

стр. 4317

أسلافهم مع أخيه موسى صلوات الله وسلامه عليهم، وإيقاظ للمؤمنين أن لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم، ومراقبة نعم الله تعالى عليهم، فإن بني إسرائيل وقعوا فيما وقعوا فيه من جزاء غفلتهم عما منّ الله تعالى به عليهم من النعم. التفسير وأوجه القراءة ١٢٧ - ﴿وَقالَ الْمَلَأُ﴾ والأشراف ﴿مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لفرعون لما خلى سبيل موسى: ﴿أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ﴾؛ أي: أتترك موسى وقومه بني إسرائيل أحرارا آمنين؟ والاستفهام للإنكار التعجبي؛ أي: لا تذرهم ﴿لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في أرض مصر؛ أي: لتكون عاقبتهم أن يفسدوا عليك قومك القبطيين بإدخالهم في دينهم، أو بجعلهم تحت سلطانهم ورياستهم. ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾؛ أي: ويترك عبادتك وعبادة آلهتك، فلا يعبدوك ولا يعبدوها، فيظهر لأهل مصر عجزك وعجزها، ولا يغيبن عنك إيمان السحرة، فقد يكون مقدمة لما بعده. والتاريخ (١) المصري المستمد من العادات المصرية يدل على أنه كان للمصريين آلهة كثيرة، منها: الشمس ويسمونها: رع، وفرعون عندهم سليل الشمس وابنها. قال ابن عباس ﵄ (٢): كانت لفرعون بقرة كان يعبدها، وكان إذا رأى بقرة حسنة أمرهم بعبادتها، ولذلك أخرج لهم السامري عجلا، وقال السدي: كان فرعون قد اتخذ لقومه أصناما، وكان يأمرهم بعبادتها، وقال لهم: أنا ربكم ورب هذه الأصنام، وذلك قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾، والأولى أن يقال: إن فرعون كان دهريا منكرا لوجود الصانع، فكان يقول: مدبر هذا العالم السفلي هي الكواكب، فاتخذ أصناما على صورة الكواكب، وكان يعبدها ويأمر بعبادتها، وكان يقول في نفسه،: إنه هو المطاع والمخدوم في الأرض، فلهذا قال: أنا ربكم الأعلى. اه من «الخازن».

стр. 4318

وقرأ الجمهور (١): ﴿وَيَذَرَكَ﴾ بياء الغيبة ونصب الراء، وفي النصب وجهان، أظهرهما: أنّه على العطف على ﴿لِيُفْسِدُوا﴾، والثاني: أنّه منصوب على جواب الاستفهام، كما ينصب في جوابه بعد الفاء، وقرأ نعيم بن ميسرة والحسن في رواية عنه: ﴿وَيَذَرَكَ﴾ بالرفع عطفا على أتذر بمعنى أتذره ويذرك، وعلى الاستئناف إخبارا بذلك، أو على الحال على تقدير: وهو يذرك، وقرأ الأشهب العقيلي والحسن في رواية عنه ﴿وَيَذَرَكَ﴾ بالجزم، إما على التخفيف بالسكون لثقل الضمة، أو عطفا على ﴿يفسدوا﴾ على توهم الجازم كما قيل: في ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وقرأ أنس بن مالك: ﴿ونذرك﴾ بالنون ورفع الراء، توعدوه بتركه وترك آلهته، أو على معنى الإخبار؛ أي: إن الأمر يؤول إلى هذا. وقرأ أبي وعبد الله (٢): ﴿ليفسدوا في الأرض وقد تركوك أن يعبدوك وآلهتك﴾ وقرأ الأعمش: ﴿وقد تركك وآلهتك﴾ وقرأ الجمهور: ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ بفتح الهمزة على صيغة الجمع. والظاهر: أن فرعون كان له آلهة يعبدها كما مر عن ابن عباس، وقيل: إن الإضافة لأدنى ملابسة باعتبار أنّه صنعها وأمرهم بعبادتها، لتقربهم إليه. وقرأ ابن مسعود وعلي وابن عباس وأنس ﵃، والشعبي والضحاك: ﴿وإلهتك﴾: بكسر الهمزة، وفسروا ذلك بأمرين: أحدهما: أن المعنى: ويذكر وعبادتك فلا يعبدك؛ لأن فرعون كان يعبد ولا يعبد، فيكون حينئذ مصدرا بمعنى العبادة. والثاني: أن المعنى: ويذرك ومعبودك، والمراد بالآلهة الشمس التي كان يعبدها، والشمس تسمى إلهة، علما عليها ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث، ونقل ابن الأنباري عن ابن عباس أنّه كان ينكر قراءة الجمهور ويقرأ: ﴿وإلهتك﴾ ويقول إن فرعون يعبد ولا يعبد. اه «سمين». واعلم (٣): أن فرعون بعد واقعة السحر كان كلما رأى موسى خافه أشد

стр. 4319

الخوف، ولا يتعرض له، إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك، فحملوه على أخذه وحبسه حين قالوا: ﴿أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ قال فرعون مجيبا للملأ - لما لم يقدر على موسى أن يفعل معه مكروها لخوفه منه - ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ﴾؛ أي: سنقتل أبناء بني إسرائيل تقتيلا كلما تناسلوا ﴿وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾؛ أي: ونستبقي نساءهم أحياء للخدمات كما كنا نفعل بهم قبل ولادته، حتى ينقرضوا ويعلموا أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة. وقال ابن عباس (١): كان فرعون قد ترك القتل في بني إسرائيل بعد ما ولد موسى، فلما جاءه موسى بالرسالة - وكان من أمره ما كان - أعاد فيهم القتل، وقيل: لم يعد فيهم القتل بل وعده وهدده إياهم، وقرأ نافع وابن كثير ﴿سَنُقَتِّلُ﴾ بالتخفيف مع فتح النون وسكون القاف، وقرأ الباقون بالتشديد مع ضم النون ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ﴾؛ أي: فوق بني إسرائيل في المنزلة والتمكن في الدنيا؛ أي: مستعلون عليهم بالغلبة والسلطان ﴿قاهِرُونَ﴾ لهم وغالبون عليهم، كما كنا من قبل فلا يقدرون على إذايتنا، ولا على الإفساد في أرضنا، ولا على الخروج من عبوديتنا، وإنما تركنا موسى وقومه بلا حبس لعدم التفاتنا إليهم، وعدم مبالاتنا لهم، لا لعجز ولا لخوف. واختلف المفسرون (٢): هل أعاد عليهم القتل أم لا؟ فمنهم من قال: أعاد عليهم القتل، ومنهم من قال: لم يفعل ذلك لعدم قدرته لقوله تعالى: ﴿أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ﴾. ١٢٨ - ولكن لما سمع بنو إسرائيل هذا الوعيد .. خافوا من فرعون، فشكوا ذلك إلى موسى، فطمأنهم موسى كما حكى الله عنه بقوله: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾: بني إسرائيل يا قوم ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾؛ أي: اطلبوا معونة الله وتأييده على رفع ذلك الوعيد عنكم، ورفع أذاهم عنكم؛ فإن الله هو الكافي لكم ﴿وَاصْبِرُوا﴾ على أذاهم، أو على ما سمعتم من أقاويله الباطلة، ولا تحزنوا ﴿إِنَّ الْأَرْضَ﴾؛ أي: أرض مصر وكذا سائر أقطار الأرض، شرقها وغربها ﴿لِلَّهِ﴾

стр. 4320

خلقا وملكا، لا لفرعون، فهو الذي بيده ملكوت كل شيء ﴿يُورِثُها﴾؛ أي: يورث الأرض ويعطيها ﴿مَنْ يَشاءُ﴾ أي لمن يشاء إعطاءه إياها ﴿مِنْ عِبادِهِ﴾ فهي على مقتضى سننه دول وأيام، وهذا إطماع من موسى ﵇ لبني إسرائيل أنه يهلك فرعون وقومه، ويملك بنو إسرائيل أرضهم وبلادهم بعد إهلاكهم كما قال: ﴿وَالْعاقِبَةُ﴾ المحمودة في الدنيا والآخرة، وعاقبة كل شيء آخره ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: لمن يتقون الله، ويراعون سننه في أسباب إرث الأرض، باتحاد الكلمة، والاعتصام بالحق، وإقامة العدل، والصبر على الشدائد، والاستعانة بالله لدى المكاره، ونحو ذلك مما هدت إليه التجارب، ودلت عليه الشرائع، وهم موسى وقومه. وقرأ الحسن، ورويت عن حفص (١): ﴿يورثها﴾: بضم الياء وفتح الواو وتشديد الراء المكسورة للتكثير، وقرأت فرقة: ﴿يورثها﴾: بفتح الراء، مبينا للمفعول. وقرأ ابن مسعود: ﴿الْعاقِبَةُ﴾: بالنصب عطفا على الأرض، فالاسم معطوف على الاسم، والخبر على الخبر فهو من عطف المفردات، فنتيجة طلب الإعانة توريث الأرض لهم، ونتيجة الصبر العاقبة المحمودة، والنصر على من عاداهم، فلذلك كان الأمر شيئين ينتج عنهما شيئان: قال الزمخشري (٢): فإن قلت: لم أخليت هذه الجملة - أعني قوله: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ - من الواو، وأدخلت على التي قبلها - أعني قوله: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ﴾؟ قلت: هذه جملة مستأنفة، والتي قبلها معطوفة على ما سبقها من قوله: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾. انتهى. والخلاصة: ليس الأمر كما قال فرعون، بل القهر والغلبة لمن صبر واستعان بالله، ولمن وعده الله تعالى توريث الأرض، ونحن الموعودون بذلك، ولكن بشرط أن نقيم شرعه ونسير على سننه في الخلق، وليس الأمر كما يظن فرعون وقومه من بقاء القوي على قوته، والضعيف على ضعفه، اعتمادا على أنّ

стр. 4321

الآلهة ضمنت له بقاء ملكه، وعظمته، وجبروته، لكن هذه الوصية وتلك النصائح لم تؤثر في قلوب بني إسرائيل، ففزعوا من فرعون وقومه ١٢٩ - ﴿وقالُوا﴾؛ أي: قال بنو إسرائيل لموسى استكشافا لكيفية وعد موسى إياهم بزوال تلك المضار، هل في الحال، أو لا، لا كراهة لمجيء موسى بالرسالة، وشكا في وعده ﴿أُوذِينا﴾ يا موسى من جهة فرعون وقومه، بقتل أبنائنا، واستخدام نسائنا ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا﴾ بالرسالة ﴿وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ رسولا بإعادة ذلك علينا، وذلك (١) أن بني إسرائيل كانوا مستضعفين في يد فرعون وقومه، وكان يستعملهم في الأعمال الشاقة نصف النهار، فلما جاء موسى - وجرى بينه وبين فرعون ما جرى - شدد فرعون في استعمالهم، فكان يستعملهم جميع النهار، وأعاد القتل فيهم، ولما ذكروا ذلك لموسى .. أجابهم بما حكاه الله عنه: ﴿قالَ﴾ موسى لقومه مسليا لهم، حين رأى شدة جزعهم بما شاهدوه من فعل فرعون ﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾؛ أي حقق ربكم ﴿أَنْ يُهْلِكَ﴾ ويستأصل ﴿عَدُوَّكُمْ﴾ فرعون وقومه ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يجعلكم خلفاء في أرض مصر بعد هلاك أهلها، أو المعنى: قال (٢) موسى لهم: إن رجائي من فضل الله أن يهلك عدوكم الذي ظلمكم، ويجعلكم خلفاء في الأرض. ﴿فَيَنْظُرَ﴾ ويرى ﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ بعد استخلافه إياكم فيها، أتشكرون النعمة أم تكفرون، وتصلحون في الأرض أم تفسدون، ويكون جزاؤكم في الدنيا والآخرة وفق ما تعملون، وعبر بالرجاء - دون أن يجزم بذلك - لئلا يتركوا ما يجب من العمل، ويتكلوا على ذلك، أو لئلا يكذبوه؛ لأنّ أنفسهم قد ضعفت بما طال عليها من الذل والاستخدام لفرعون وقومه، واستعظامهم لقومه وملكه، وقال التبريزي: يحتمل أن يكون قد أوحي بذلك إلى موسى، فعسى: للتحقيق، أو لم يوح، فيكون على الترجي منه، وهذا تصريح (٣) بما رمز إليه أولا. من أن الأرض لله، وقد حقق الله تعالى رجاءه وملكوا مصر في زمان

стр. 4322

داود وسليمان، وفتحوا بيت المقدس مع يوشع بن نون، وأهلك فرعون وقومه بالغرق، وأنجاهم. ١٣٠ - ثم شرع في تفصيل مبادىء هلاكهم فقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد ابتلينا آل فرعون وقومه، في المدة التي كان موسى أقام بينهم يدعوهم إلى الله تعالى، والأخذ (١) - التناول باليد - ومعناه: هنا الابتلاء ومعنى ﴿بِالسِّنِينَ﴾ بالقحوط والجدوب، والسنة تطلق على الحول، وتطلق على الجدب ضد الخصب. ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ وذهابها بالعاهات؛ أي: ابتليناهم بالجدب وضيق المعيشة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾؛ أي: لكي يتذكروا ضعفهم أمام قدرة الله، وعجز ملكهم العالي الجبار، وعجز آلهتهم، ويرجعوا عن ظلمهم لبني إسرائيل، ويجيبوا دعوة موسى ﵇، إذ قد دلت التجارب على أن الشدائد ترقق القلوب، وتهذب الطباع، وتوجه النفوس إلى مناجاة الرب سبحانه، والعمل على مرضاته والتضرع له، دون غيره من المعبودات متى اتخذوها وسائل إليه وشفعاء عنده. فإن لم تجد المصائب في تذكر المولى، وبلغ الأمر بالناس أن يشركوا به، حتى في أوقات الشدائد، فهم في خسران مبين، وضلال بعيد، وكذلك كان دأب آل فرعون، بعد أن أنذرهم موسى ﵇. قال ابن عباس وقتادة (٢): أما السنون فكانت لباديتهم ومواشيهم، وأما نقص الثمرات فكان في أمصارهم، وهذه سيرة الله في الأمم، يبتليها بالنقم ليزدجروا ويتذكروا بذلك ما كانوا فيه من النعم، فإن الشدة تجلب الإنابة والخشية ورقة القلب، والرجوع إلى طلب لطف الله وإحسانه، وكذا فعل بقريش حين دعا عليهم رسول الله ﷺ : «اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» وروي أنه يبس لهم كل شيء، حتى نيل مصر، ونقصوا من الثمرات، حتى كانت النخلة تحمل التمرة الواحدة. ١٣١ - ثم بين أن المصائب لم تفدهم ذكرى، بل زادتهم عتوا فقال: ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾؛ أي: فإذا جاءهم الخصب، والثمار، والمواشي، والسعة في الرزق

стр. 4323

والعافية ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال آل فرعون ﴿لَنا هذِهِ﴾ الحسنة؛ أي: نحن المستحقون لها بما لنا من التفوق على الناس، فبلادنا بلاد خصب ورخاء، وقد غاب عنهم أن يعلموا أن هذا من الله، فعليهم أن يشكروه عليها ويقوموا بحق النعمة فيه. قال أبو السعود: وهذه الجملة بيان لعدم تذكرهم وتماديهم في الغي. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾؛ أي: وإن أصابهم قحط وجدب ومرض وبلاء ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ﴾ من المؤمنين؛ أي: تشاءموا بموسى وقومه وقالوا: إنما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه، وغفلوا عن سيئات أنفسهم، وظلمهم لقوم موسى، توهما منهم أنّ ذلك حق من حقوقهم. وهذه المعاملة يعامل بها الآن الأجنبي في الوطن أو في الدين، كما نراه الآن في بعض الدول العصرية، فإنا لله وإنّا إليه راجعون. قال الزمخشري (١): فإن قلت: كيف قيل: ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ بـ ﴿إذا﴾ وتعريف الحسنة، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ بـ ﴿إِنْ﴾ وتنكير السيئة؟ قلت: لأنّ جنس الحسنة وقوعه، كالواجب لكثرته واتساعه، وأما السيئة: فلا تقع إلا في الندرة، ولا يقع إلا يسير منها، ومنه قول بعضهم: وقد عدّدت أيّام البلاء ... فهل عددت أيّام الرّخاء انتهى. وقرأ عيسى بن عمر وطلحة بن مصرف: ﴿تطيروا﴾ بالتاء وتخفيف الطاء، فعلا ماضيا ﴿أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ﴾؛ أي: حظهم ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: سبب خيرهم وشرهم في جميع ما ينالهم من خصب وقحط، هو من عند الله تعالى، ليس بسبب موسى ومن معه؛ أي: إن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله وتقديره، وهو الذي وضع لنظام الكون سننا تكون فيه المسببات وفق أسبابها، وبمقتضى هذه السنن والأقدار ينزل عليها البلاء، ويكون إمتحانا واختبارا لهم، ليتوبوا ويرجعوا عن ظلمهم وبغيهم على بني إسرائيل، وعن طغيانهم وإسرافهم في

стр. 4324

جميع أمورهم، وقرأ الحسن: ﴿ألا إنما طيرهم﴾ وكان النبي ﷺ (يتفاءل ولا يتطير) وأصل الفأل الكلمة الحسنة، كانت العرب مذهبها في الفأل والطيرة واحد، فأثبت النبي ﷺ الفأل وأبطل الطيرة ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: ولكن أكثر الناس لا يعلمون حكمة تصرف الخالق في هذا الكون، ولا أسباب الخير والشر، ولا أن كل شيء فيه جاء بمشيئته وتدبيره؛ لأن أكثر الخلق يضيفون الحوادث إلى الأسباب المحسوسة، ويقطعونها عن قضاء الله تعالى وقدره، والحق أن الكل من الله، فإسنادها إلى غير الله تعالى يكون جهلا بكمال الله تعالى. ١٣٢ - وبعد أن ذكر أن هذه الحسنات والسيئات لم تردعهم عماهم فيه من الطغيان .. ذكر أنّه أصابهم بضروب أخرى من العذاب، وهي في أنفسها آيات بينات وهم مع ذلك لم يرعووا عن كفرهم وعنادهم ﴿وَقالُوا﴾؛ أي: آل فرعون وهم القبطيون لموسى ﵇ ﴿مَهْما تَأْتِنا بِهِ﴾؛ أي: أي شيء تأتنا به وتظهره لدينا ﴿مِنْ آيَةٍ﴾؛ أي: من علامة من عند ربك ﴿لِتَسْحَرَنا﴾؛ أي: لتصرفنا عما نحن عليه من الدين بِها؛ أي: بتلك الآية ﴿فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: بمصدقين لك في الرسالة بسبب تلك الآية. أي: إنّك إن جئتنا بكل نوع من أنواع الآيات، التي يستدل بها على أنّك محق في دعوتك، لأجل أن تسحرنا بها، وتصرفنا بها بدقة ولطف عما نحن فيه من ديننا، ومن تسخيرنا لقومك في خدمتنا، فما نحن بمصدقين لك، ولا بمتبعين رسالتك، والضميران في ﴿بِهِ﴾ و ﴿بِها﴾ راجعان لـ ﴿مَهْما﴾ الأول مراعاة للفظها، والثاني مراعاة لمعناها. وهذا شروع في بيان ضرب آخر مما أخذوا به من فنون العذاب، التي هي أنفسها آيات بينات، وعدم رجوعهم مع ذلك عما كانوا عليه من العناد؛ أي: قالوا بعد ما رأوا ما رأوا من شأن العصا والسنين، ونقص الثمار: ﴿مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ ...﴾ الخ. وكان موسى رجلا حديدا حارا، فعند ذلك دعا عليهم وقال: يا رب إنّ عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتا، وإنّ قومه قد نقضوا العهد، رب فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدهم آية،

стр. 4325

فاستجاب الله له فقال تعالى: ١٣٣ - ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: أرسلنا على آل فرعون عقوبة على جرائمهم، وقد عدد سبحانه هنا من الآيات والعقوبات خمسا، وفي سورة الإسراء تسعا، الأول: منها ما ذكره بقوله: ﴿الطُّوفانَ﴾؛ أي: أنزلنا عليهم مطرا أغرق أرضهم، وأتلف زرعهم وثمارهم، وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط متشبكة مختلطة، فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، ومن جلس منهم غرق، ولم يدخل من ذلك الماء في بيوت بني إسرائيل شيء، وركب ذلك الماء على أرضهم، فلم يقدروا أن يحرثوا ولا يعملوا شيئا، ودام ذلك عليهم سبعة أيام، من السبت إلى السبت، حتى كان الرجل منهم لا يرى شمسا ولا قمرا، ولا يستطيع الخروج من داره، فصرخوا إلى فرعون فاستغاثوا به، فأرسل إلى موسى ﵇ فقال: اكشف عنا العذاب فقد صارت مصر بحرا واحدا؛ فإن كشفت هذا العذاب عنا .. آمنا بك، فأزال الله تعالى عنهم المطر، وأرسل الريح، فجفت الأرض، وخرج من النبات ما لم ير مثله قط، فقالوا: هذا الذي جزعنا منه خير لنا، لكنا لم نشعر، فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل، فنكثوا العهد ولم يؤمنوا، فأقاموا شهرا في عافية ﴿وَ﴾ أرسل الله عليهم ﴿الْجَرادَ﴾ فأكل زروعهم وثمارهم، وأبوابهم وسقوفهم وثيابهم، وابتلي الجراد بالجوع، فكانت لا تشبع، ولم يصب بني إسرائيل شيء من ذلك، وعظم الأمر عليهم، حتى صارت عند طيرانها تغطي الشمس، ووقع بعضها على بعض في الأرض ذراعا، فضجوا في ذلك إلى موسى وقالوا: يا موسى أدع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز .. لنؤمنن لك، فأعطوه عهد الله وميثاقه، فدعا موسى ﵇، فكشف الله تعالى عنهم الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام، من السبت إلى السبت، فأرسل الله تعالى ريحا فألقته في البحر، وكان قد بقي من زرعهم وغلاتهم بقية، فنظروا إلى ما بقي منها فقالوا: هذا الذي بقي يكفينا، ولا نؤمن بك ﴿وَ﴾ أقاموا شهرا في عافية، فأرسل الله عليم ﴿الْقُمَّلَ﴾ واختلفوا في معنى القمل، والصحيح أنّه هو القمل المعروف الذي يكون في بدن الإنسان وثيابه، ويؤيد هذا المعنى قراءة الحسن: ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ - بفتح القاف وسكون الميم - فيكون فيه لغتان. القمل - بصم القاف وتشديد الميم المفتوحة - كقراءة الجمهور، والقمل

стр. 4326

كقراءة الحسن، وقيل: القمل البراغيث، وقيل الجعلان، وقيل: إنه السوس الذي يخرج من الحنطة، وقيل: غير ذلك مما يطول الكلام بذكره، وعن سعيد بن جبير: كان إلى جنبهم كثيب أحمر، فضربه موسى ﵇ بعصاه، فصار قملا، فأخذت أبشارهم وأشعارهم، وأشعار عيونهم، وحواجبهم، ولزم جلودهم كأنّه الجدري، ومنعهم النوم والقرار، فصاحوا وصرخوا هم وفرعون إلى موسى ﵇، وقالوا: إنا نتوب فادع لنا ربك يكشف عنا هذا البلاء، فدعا موسى فرفع الله عنهم القمل بعدما أقام عليهم سبعة أيام، من السبت إلى السبت، فنكثوا وعادوا إلى أخبث أعمالهم وقالوا: اليوم قد تيقنا أنه ساحر، حيث جعل الرمل دواب ولم يؤمنوا ﴿وَ﴾ أقاموا شهرا في عافية، فأرسل الله عليهم ﴿الضَّفادِعَ﴾ الحيوان المعروف، فامتلأت منها بيوتهم وأطعمتهم وآنيتهم، فلا يكشف أحد منهم عن ثوب ولا طعام ولا شراب إلا وجد فيه الضفادع، وكان الرجل يجلس في الضفادع إلى رقبته، ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، وكان يثب في قدورهم، فيفسد عليهم طعامهم، ويطفىء نيرانهم، وكان أحدهم يضطجع، فيركبه الضفدع، فيكون عليه ركاما حتى لا يستطيع أن ينصرف إلى شقه الآخر، ويفتح فاه إلى أكله فيسبق الضفدع أكله إلى فيه، ولا يعجن عجينا، ولا يفتح قدرا إلا امتلأ الضفادع، فلقوا منها أذى شديدا، فشكوا إلى موسى وقالوا: ارحمنا هذه المرة، فما بقي إلا أن نتوب التوبة النصوح، ولا نعود إلى الكفر، فأخذ عهودهم ومواثيقهم، ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بأن أماتها وأرسل عليها المطر والريح فاحتملها إلى البحر بعد ما أقامت عليهم سبعة أيام، من السبت إلى السبت، ثم أظهروا الكفر ﴿وَ﴾ أقاموا شهرا في عافية فأرسل الله عليهم ﴿الدَّمَ﴾ في مياههم، فصارت مياههم كلها دما، فما يسقون من بئر ولا نهر إلا وجدوه دما عبيطا - الخالص الطري - أحمر، فشكوا إلى فرعون وقالوا: إنّه ليس لنا شراب، فقال فرعون: سحركم موسى، فقالوا: من أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا دما عبيطا، وكان فرعون لعنه الله تعالى يجمع بين القبطي والإسرائيلي على الإناء الواحد، فيكون ما يلي القبطي دما، وما يلي الإسرائيلي ماء، حتى كانت المرأة من آل فرعون تأتي المرأة من بني إسرائيل حين جهدهم

стр. 4327

العطش فتقول لها: اسقيني ماءك، فتصب لها من قربتها فيعود في إناء القبطية دما، حتى كانت القبطية تقول للإسرائيلية: اجعليه في فيك ثم مجيه في فيّ، فتأخذه في فيها ماء، وإذا مجته في فيها .. صار دما، واعترى فرعون العطش، حتى إنه ليضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة، فإذا مضغها صار ماؤها دما، فمكثوا على ذلك سبعة أيام، من السبت إلى السبت، لا يشربون إلا الدم فأتوا موسى وشكوا إليه ما يلقونه، وقالوا: ادع لنا ربك لئن كشفت عنا هذا الدم لنؤمنن لك، ولنرسلنّ معك بني إسرائيل مع أموالهم، فدعا موسى ﵇ ربه فكشفه عنهم وقوله: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ حال من تلك الأشياء الخمسة؛ أي: فأرسلنا عليهم هذه الأشياء الخمسة، حالة كونها آيات مفصلات؛ أي: علامات مبينات ومعجزات واضحات، لا يخفى على كل عاقل أن هذه الخمسة من آيات الله تعالى، التي لا يقدر عليها غيره، أو حالة كونها آيات مفرقات بعضها من بعض بزمان مدة شهر لامتحان أحوالهم، أيقبلون الحجة أو يستمرون على التقليد، وكان كل عذاب يبقى عليهم أسبوعا، من سبت إلى سبت، وبين كل عذابين شهر ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾؛ أي: تكبروا عن الإيمان بها وعن عبادة الله تعالى، لرسوخهم في الإجرام والإصرار على الذنوب، وإن كانوا يعتقدون صدق دعوته، وحجة رسالته، ﴿وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾؛ أي: مصرين على الذنب، لا يهتدون إلى الحق، ولا يقلعون عن الباطل. والذي دلت عليه الآية (١): أنّه أرسل عليهم ما ذكر فيها، وأما كيفية الإرسال ومكث ما أرسل عليهم من الأزمان والهيئات، فمرجعه إلى النقل عن الأخبار الإسرائيليات، إذ لم يثبت من ذلك في الحديث النبوي شيء. ١٣٤ - فقوله ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ ....﴾ الخ، موزع (٢) على الخمسة المذكورة، وهي الطوفان وما بعده، إذ كانوا في كل واحدة من الخمس المذكورة يلتجؤون إلى موسى ويطلبون منه الدعاء، ويسألونه أن يطلب لهم من ربه كشف ما نزل بهم، ويواعدونه بالإيمان به وإرسال بني إسرائيل معه، ويدعو الله فيكشف عنهم،

стр. 4328

فيستمرون على الإيمان شهرا ثم ينكثون؛ أي: فكلما وقع عليهم، وحل بهم الرجز والعذاب، الذي هو واحد من الخمسة المذكورة في الآية السابقة، اضطربوا وفزعوا أشد الفزع و ﴿قالُوا﴾ كل مرة منها ﴿يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ وتوسل إليه ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾؛ أي: بعهده عندك ورسالته لك أن يكشف عنا هذا الرجز والعذاب الذي نزل بنا، ونحن نقسم لك ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ﴾ ورفعت ﴿عَنَّا﴾ هذا ﴿الرِّجْزُ﴾ والعذاب بدعائك ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ ولنصدقن رسالتك ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ﴾؛ أي: لنطلقن ﴿مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ ليعبدوا ربهم معك. ١٣٥ - ﴿فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾؛ أي: فكلما كشفنا ورفعنا عنهم الرجز والعذاب، مرة بعد أخرى من المرات الخمسة السابقة ﴿إِلى أَجَلٍ﴾ ومدة من الزمن ﴿هُمْ بالِغُوهُ﴾ ومنتهون إليه لا بد، وهو وقت إهلاكهم بالغرق في اليم ﴿إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ وينقضون عهدهم ويحنثون في قسمهم في كل مرة؛ أي: فكلما رفعنا عنهم العذاب فاجؤوا نكث العهد من غير تأمل وتوقف، ثم عند حلول ذلك الأجل لا نزيل عنهم العذاب، بل نهلكهم به. والخلاصة (١): أنه كشف العذاب عنهم إلى حين من الزمان هم واصلون إليه ولا بد، فمعذبون فيه أو مهلكون، وهو وقت الغرق، كما روي عن ابن عباس ﵄. ١٣٦ - ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ عند بلوغ الأجل المضروب لهم؛ أي: فلما بلغوا الأجل المؤقت لهم .. أردنا الانتقام منهم، والعقوبة لهم على ما أسلفوا من المعاصي ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾؛ أي: فأهلكناهم في البحر الملح ﴿بـ﴾ سبب ﴿أنهم كذبوا بآياتنا﴾ التسع كلها الدالة على صدق رسولنا ﴿وَكانُوا عَنْها﴾، أي: عن تلك الآيات ﴿غافِلِينَ﴾؛ أي: معرضين غير ملتفتين إليها. أي فانتقمنا منهم عند بلوغ الأجل المضروب لهم، بأن أغرقناهم في البحر وذلك بسبب تكذيبهم بالآيات، وعدم تفكرهم فيها، حتى صاروا كالغافلين عنها،

стр. 4329

فالمراد بالغفلة عدم التدبر، وهذا مؤاخذ به، فسقط ما يقال: الغفلة لا مؤاخذة بها. والخلاصة: أنّهم كانوا يظهرون الإيمان عند كل آية من آيات العذاب، ثم يكذبون، حتى إذا انقضى الأجل المضروب لهم، انتقمنا منهم بسبب أنّهم كذبوا بها كلها، وكانوا غافلين عما يعقبها من العذاب في الدنيا والآخرة، إذ كانت في نظر الكثير منهم من قبيل السحر والصناعة، ومن ثم كانوا يكابرون أنفسهم في كل آية منها، ويحاولون أن يأتي سحرتهم وعلماؤهم بمثلها. ومنهم من اهتدى إلى الحق وظهر له صدقه، فآمن به جهرة ككبار السحرة، ومنهم من كتم إيمانه كالذي عارض فرعون وملأه بالحجة والبرهان، في قتل موسى كما سيأتي في سورة غافر، ومنهم من جحد بها كبرا وعلوا في الأرض، كفرعون وأكابر وزرائه ورؤسائه. ١٣٧ - ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾؛ أي: يغلبون ويذلون ويمتهنون بقتل أبنائهم، واستبقاء نسائهم، وضرب الجزية عليهم، واستعمالهم في الأعمال الشاقة لفرعون وقومه، وهم بنو إسرائيل ﴿مَشارِقَ الْأَرْضِ﴾ التي كانت للعمالقة أولا، التي باركنا فيها بكثرة الأشجار والثمار والأنهار فيها، وهي الشام ﴿وَمَغارِبَهَا﴾ التي كانت للفراعنة أولا ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ بالخصب وسعة الأرزاق، وبالنيل وهي مصر؛ أي: ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة وتمكنوا فيها ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى﴾؛ أي: نفذت كلمة الله وقضاؤه، ومضت على بني إسرائيل تامة كاملة، وأنجز لهم وعده الحسن الذي وعدهم بالنصر لهم على أعدائهم حيث قال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ فالمراد بالكلمة: وعدهم بالنصر على عدوهم والتمكين في الأرض من بعدهم، وتمامها: إنجاز ما وعدهم به من تمكينهم في الأرض وإهلاك عدوهم، وقوله: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ يرسم لفظ كلمت هنا بالتاء المبسوطة، وما عداها في القرآن يرسم بالهاء المربوطة على الأصل، ذكره في «الفتوحات» والحسنى صفة لكلمة، وهي تأنيث الأحسن ﴿بِما صَبَرُوا﴾؛ أي:

стр. 4330

بسبب صبرهم على الشدائد التي كابدوها من فرعون وقومه، وقد كان وعد الله تعالى إياهم مقرونا بأمرهم بالصبر والاستقامة، كما أمرهم نبيهم ﵇ مبلغا عن ربه ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ فمن قابل البلاء بالجزع .. وكله الله إليه، ومن قابله بالصبر .. ضمن الله له الفرج، وقد تم وعد الله تعالى لهم بذلك، ثم سلبهم تلك الأرض بظلمهم لأنفسهم وللناس، ولم يكن من مقتضى الوعد أن يعودوا إليها مرة أخرى. ﴿وَدَمَّرْنا﴾؛ أي: دمرنا ﴿ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ في مصر من المباني والقصور التي كانوا يبنونها للمصريين، والمكايد السحرية والصناعية التي كان يصنعها السحرة لإبطال آياته، والتشكيك فيها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾. فـ ﴿فِرْعَوْنُ﴾ (١) اسم كان، و ﴿يَصْنَعُ﴾ خبر لـ ﴿كانَ﴾ مقدم؛ أي: وخربنا الذي كان فرعون وقومه يصنعه من المدائن والقصور ﴿وَ﴾ خربنا ﴿ما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾؛ أي: ما كان فرعون وقومه يعرشونه ويرفعونه من الشجر والكروم، أو ما كانوا يرفعونه من البنيان كصرح هامان. وقرأ (٢) ابن عامر وشعبة وأبو بكر بضم الراء، وباقي السبعة والحسن ومجاهد، وأبو رجاء بكسر الراء هنا، وفي «النحل» وهي لغة الحجاز، وقال الزيدي: هي أفصح، وقرأ ابن أبي عبلة ﴿يعرشون﴾ بضم الياء وفتح العين وتشديد الراء، قال الزمخشري: وبلغني أنّه قرأ بعض الناس ﴿يغرسون﴾ من غرس الأشجار، وما أحسبه إلا تصحيفا. وأسباب هذا التدمير لتلك المصانع والعروش أمور (٣): ١ - الآيات التي أيد الله تعالى بها موسى من الطوفان والجراد وغيرها، وسمتها التوراة الضربات العشر. ٢ - إنجاء بني إسرائيل، وحرمان فرعون وقومه من استعبادهم في أعمالهم.

стр. 4331

٣ - هلاك من غرق من قوم فرعون، وحرمان البلاد وسائر الأمة من ثمرات أعمالهم في العمران، وقد أنذرهم موسى عاقبة ذلك، فكذبوا بالآيات وأصروا على الجمود والعناد، فظلموا أنفسهم وما ظلمهم الله تعالى. ووجه العبرة في هذه الآيات ما كان للإيمان في قلب موسى وهارون من التأثير، إذ تصديا لأكبر ملك، في أكبر دولة في الأرض استعبدت قومه في خدمتها عدة قرون، وما زالا يكافحانه بالحجج والآيات حتى أظفرهما الله تعالى به، وأنقذا قومهما من ظلمه، ولهذا يحذر ألا تستعظم قوة الدول الظالمة أمام قوة الحق كما قال: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ وقال: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وهذا (١) آخر ما قص الله تعالى من نبأ فرعون والقبط، وتكذيبهم بآيات الله وظلمهم ومعارضته، ثم أتبعه اقتصاص نبأ بني إسرائيل وما أحدثوه بعد إنقاذهم من مملكة فرعون واستعباده، ومعاينتهم الآيات العظام، ومجاوزتهم البحر من عبادة البقر، وطلب رؤية الله جهرة، وغير ذلك من أنواع الكفر والمعاصي، ليعلم حال الإنسان، وأنّه كما وصف: ظلوم كفار، جهول كفور إلا من عصمه الله تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾. وليسلي رسول الله ﷺ مما رأى من بني إسرائيل بالمدينة. ١٣٨ - ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وهذا (٢) شروع في قصة بني إسرائيل، وشرح ما أحدثوه من الأمور الشنيعة، بعد أن أنقذهم الله من مهلكة فرعون، والمقصود من سياقها تسلية رسول الله ﷺ ، وتنبيه المؤمنين، حتى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم. أي: عبرنا بهم ﴿الْبَحْرَ﴾ بالسلامة، بأن فلق الله تعالى البحر عند ضرب موسى البحر بالعصا؛ أي: إنّهم تجاوزوه وخرجوا منه بعناية الله تعالى وتأييده وحفظه، حتى كانوا من الشط الغربي إلى الشط الشرقي، والبحر بحر القلزم طرف من بحر فارس، كما في النهر، وهو عند خليج السويس الآن، وروي (٣) أنه عبر

стр. 4332

بهم موسى ﵇ يوم عاشوراء، بعد ما أهلك الله فرعون وقومه، فصاموا شكرا لله تعالى، وأعطي موسى التوراة يوم النحر، فبين الأمرين أحد عشر شهرا. وقرأ الحسن وإبراهيم وأبو رجاء ويعقوب: ﴿وجوّزنا﴾ بتشديد الواو المفتوحة، من باب فعل المضعف، وهو مما جاء فيه فعل بمعنى فعل المجرد، نحو: قدر وقدر، وليس التضعيف للتعدية. ﴿فَأَتَوْا﴾؛ أي: مروا عقب مجاوزتهم البحر ودخولهم في بلاد العرب من البحر الآسيوي. ﴿عَلى قَوْمٍ﴾ قال (١) قتادة وأبو عمرو الجوني: هم من لخم وجذام، كانوا يسكنون الريف، وقيل كانوا نزولا بالرقة رقة مصر، وهي قرية بريف مصر، تعرف بساحل البحر، يتوصل منها إلى الفيّوم، وقيل: هم الكنعانيون الذين أمر موسى بقتالهم ﴿يَعْكُفُونَ﴾؛ أي: يقيمون ويواظبون ﴿عَلى﴾ عبادة ﴿أَصْنامٍ﴾ وتماثيل على صور البقر كانت ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لأولئك القوم الذين مروا عليهم، وهذا مبدأ شأن العجل الذي اتخذوه بعد ذلك وتعلقوا به، وكان ذلك أول فتنة العجل. وقرأ الأخوان - حمزة والكسائي - وأبو عمرو في رواية عبد الوارث ﴿يَعْكُفُونَ﴾ بكسر الكاف، وباقي السبعة بضمها وهما فصيحتان. فصل في حقيقة الصنم والأصنام (٢) جمع صنم، وهو ما يصنع وينحت من الخشب أو الحجر أو المعدن، مثالا لشيء حقيقي أو خيالي، ليعظم تعظيم العبادة، وقد اتخذ بعض العرب في الجاهلية أصناما من عجوة التمر فعبدوها، ثم جاعوا فأكلوها، والتمثال لا بد أن يكون مثالا لشيء حقيقي، وقد يكون للعبادة فيسمى صنما، وقد يكون للزينة، كالذي يكون على جدران بعض القصور، أو أبوابها، أو في حدائقها، وقد يكون للتعظيم غير الديني، كالتماثيل التي تنصب لبعض الملوك

стр. 4333

وكبار العلماء والقادة، للتذكير بتاريخهم وأعمالهم، للاقتداء بهم. ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال بنو إسرائيل لموسى لما رأوا تلك التمثال عند أولئك القوم: ﴿يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا﴾؛ أي: عيّن لنا تمثالا نتقرب بعبادته إلى الله تعالى. ﴿كَما لَهُمْ﴾؛ أي: كما لهؤلاء القوم ﴿آلِهَةٌ﴾؛ أي: تماثيل يعبدونها. قالوا (١) ذلك حنينا منهم إلى ما ألفوا في مصر من عبادة المصريين وتماثيلها وأنصابها وقبورها، وسر هذا الطلب أنّهم لم يكونوا قد فهموا التوحيد الذي جاء به موسى كما فهمه من آمن من سحرة المصريين، إذ إن السحرة كانوا من العلماء، فأمكنهم التمييز بين آيات الله التي لا يقدر عليها غيره، والسحر الذي هو من صناعات البشر وعلومهم. ولم يذكر القرآن شيئا يعين شأن هؤلاء القوم الذين أتى عليهم بنو إسرائيل، والراجح أنّهم من العرب الذين كانوا يقيمون بقرب حدود مصر، روي عن قتادة أنّهم من عرب لخم كما مر، وعن ابن جريج أن أصنامهم كانت تماثيل بقر من النحاس. ﴿قالَ﴾ موسى للقائلين من قومه ﴿إِنَّكُمْ﴾ يا قوم ﴿قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾؛ أي: جاهلون عظمة الله تعالى، وأنّه لا يستحق أن يعبد سواه؛ لأنّه هو الذي أنجاكم من فرعون وقومه، فأغرقهم في البحر وأنجاكم منه، فلا جهل أعظم مما قلتم؛ فإنّكم قلتموه بعدما شاهدتم المعجزة العظمى، وعن (٢) واقد الليثي ﵁ أن رسول الله ﷺ : لما خرج إلى غزوة حنين .. مر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنن من قبلكم» أخرجه الترمذي، قال أبو حيان (٣): تعجب موسى ﵇ من قولهم على إثر ما رأوا من الآيات العظيمة، والمعجزات الباهرة، ووصفهم بالجهل المطلق، وأكده بـ ﴿إن﴾؛ لأنّه لا جهل أعظم من هذه المقالة، ولا أشنع، وأتى بلفظ

стр. 4334

﴿تَجْهَلُونَ﴾ ولم يقل جهلتم، إشعارا بأنّ ذلك منهم كالطبع والغريزة، لا ينتقلون عنه في ماض ولا مستقبل. انتهى. والخلاصة (١): أنّكم تجهلون مقام التوحيد، وما يجب من تخصيص الله بالعبادة بلا واسطة ولا مظهر من المظاهر، كالأصنام والتماثيل والعجل، فالله قد كرم البشر، وجعلهم أهلا لمعرفته ودعائه ومناجاته بلا واسطة تقربهم إليه، فإنه أقرب إليهم من حبل الوريد. وبعد أن بين لهم جهلهم وسفههم، بين لهم فساد ما طلبوه، عسى أن تستعد عقولهم لفهمه واستبانة قبحه فقال: ١٣٩ - ﴿إِنَّ هؤُلاءِ﴾ القوم الذين يعبدون تلك التماثيل ﴿مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ﴾؛ أي: مهلك مدمّر مكسر مضمحل معدوم، منمحق ما هم عليه من الدين والعبادة؛ أي: إنّ الله يهدم دينهم عن قريب، ويحطم أصنامهم ﴿وَباطِلٌ﴾ زائل ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من عبادتها؛ أي: فلا يعود عليهم من ذلك العمل نفع ولا دفع ضر. والمعنى: إن هؤلاء القوم الذين يعكفون على هذه الأصنام مقضي على ما هم فيه بالتبار والهلاك، بما سيظهر من التوحيد الحق في هذه الديار، وزائل ما كانوا يعملون من عبادة غير الله تعالى، فإنما بقاء الباطل في ترك الحق له وبعده عنه. ١٤٠ - وفي هذا بشارة منه ﵇ بزوال الوثنية من تلك الأرض، وقد حقق الله تعالى ما قال: ﴿قالَ﴾ لهم موسى متعجبا من قولهم: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا﴾؛ أي: أأطلب لكم معبودا غير الله : ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾؛ أي: والحال أنّه قد فضلكم على عالمي زمانكم، بالإسلام والتوحيد، أو فضلكم على العالمين كلهم بتخصيصكم بنعم لم يعطها

стр. 4335

غيركم، كالتخصيص بتلك الآيات القاهرات؛ فإنه لم يحصل مثلها لأحد من العالمين، وإن كان غيرهم فضلهم بسائر الخصال (١)، مثاله: رجل تعلم علما واحدا، وآخر تعلم علوما كثيرة سوى ذلك العلم، فصاحب العلم الواحد مفضل على صاحب العلوم الكثيرة بذلك الواحد، وفي الحقيقة أن صاحب العلوم الكثيرة مفضل على صاحب العلم الواحد، والمعنى: أأمركم أن تعبدوا ربا يتخذ ويطلب، بل الإله هو الذي يكون قادرا على الإيجاد وإعطاء الحياة، وجميع النعم، والاستفهام فيه للإنكار والتعجيب والتوبيخ. والخلاصة (٢): أن موسى بدأ جوابه لقومه بإثبات جهلهم بربهم وبأنفسهم، وثنى ببيان فساد ما طلبوه، وكونه عرضة للتبار والزوال؛ لأنّه باطل في نفسه، ثم انتقل إلى بيان أن العبادة لغير الله لا تصح ألبتة، سواء أكان المعبود أفضل المخلوقات كالملائكة والنبيين، أو أخسها كالأصنام، ثم أنكر عليهم أن يكون هو الوساطة في هذا الجعل الذي دعا إليه الجهل، ليعلمهم أن طلب هذا الأمر المنكر منه ﵇ جهل بمعنى رسالته، وأيد إنكاره لكلا الأمرين بما يعرفون من فضل الله تعالى عليهم، بتفضيلهم على أهل زمانهم، ممن كانوا أرقى منهم مدنية وحضارة، وسعة ملك وسيادة على بعض الشعوب، وهم فرعون وقومه، برسالة موسى وهارون منهم، وتجديد ملة إبراهيم فيهم، وإيتائهما من الآيات ما تقدم ذكره. ١٤١ - ثم ذكر منته على بني إسرائيل فقال: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: واذكروا يا بني إسرائيل قصة وقت إنجائنا إياكم من فرعون وقومه بإهلاكهم بالكلية، حالة كون آل فرعون ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾؛ أي: يذيقونكم أشد العذاب باستعمالكم في الأعمال الشاقة، وحالة كونهم ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ صغارا ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾؛ أي: ويبقون بناتكم بلا قتل لاستخدامهن، وجملة ﴿يُقَتِّلُونَ﴾ وما بعدها مفسرة لـ ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾، أو بدل منه ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾

стр. 4336

الإنجاء أو العذاب ﴿بَلاءٌ﴾؛ أي: إنعام أو ابتلاء ﴿مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أفلا تتعظون وتنتهون عن قولكم: اجعل لنا إلها؟!. وحاصل المعنى: واذكروا إذ أنجيناكم - بإرسال موسى وبما أيدناه من الآيات - من آل فرعون الذين كانوا يسومونكم سوء العذاب بجعلكم عبيدا مسخرين لخدمتهم، ويقتلون ما يولد لكم من الذكور، ويستبقون نساءكم لتزدادوا ضعفا بكثرتهن، وفي ذلك العذاب والإنجاء منه - بفضل الله عليكم، وتفضيله إياكم على غيركم من سكان مصر، وسكان الأرض المقدسة التي سترثونها - بلاء عظيم؛ أي: اختبار لكم من ربكم، المدبر لأموركم، ليس هناك اختبار أعظم منه، فلا أجدر بالاعتبار والاستفادة من أحداث الزمان ممن يعطى النعمة بعد النقمة، وأحق الناس بمعرفة الله تعالى، وإخلاص العبادة له، من يرى في نفسه وفي الآفاق ما يوقن به، أنّه لا يمكن أن يكون فيه شركة لغير الله، وإن أعجب العجب أن تطلبوا بعد هذا كله ممن رأيتم على يديه هذه الآيات أن يجعل لكم آلهة من أخس المخلوفات، تجعلونها واسطة بينكم وبين الله تعالى، وهو قد فضلكم عليها وعلى من يعبدونها، ومن هم أرقى منهم. وقرأ الجمهور: ﴿أَنْجَيْناكُمْ﴾ وفرقة: ﴿نجيناكم﴾: مشددا، وابن عامر: ﴿أنجاكم﴾، فعلى قراءة: ﴿أنجاكم﴾، يكون جاريا على قوله: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ﴾ خاطب به موسى قومه، وفي قراءة النون خاطبهم الله تعالى بذلك، قال الطبري: الخطاب لمن كان على عهد الرسول ﷺ تقريعا لهم بما فعل أسلافهم، وبما جاؤوا به، وقرأ نافع: ﴿يقتلون﴾ من قتل الثلاثي، والجمهور ﴿يُقَتِّلُونَ﴾ بالتشديد من قتل المضعف. الإعراب ﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧)﴾. ﴿وَقالَ﴾ الواو: عاطفة أو مستأنفة، ﴿قالَ الْمَلَأُ﴾: فعل وفاعل، والجملة

стр. 4337

معطوفة على جملة قوله: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾، أو مستأنفة، ﴿مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من ﴿الْمَلَأُ﴾، ﴿أَتَذَرُ مُوسى﴾ إلى قوله: ﴿قالَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَتَذَرُ﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري، ﴿تَذَرُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿مُوسى﴾ مفعول به ﴿وَقَوْمَهُ﴾: معطوف عليه، ﴿لِيُفْسِدُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وعاقبة، ﴿يفسدوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لإفسادهم في الأرض، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَذَرُ﴾، ﴿وَيَذَرَكَ﴾، الواو: عاطفة ﴿يَذَرَكَ﴾: فعل ومفعول، معطوف على ﴿لِيُفْسِدُوا﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، ﴿وَآلِهَتَكَ﴾: معطوف على الكاف في ﴿يَذَرَكَ﴾ ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا، ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير المتكلمين يعود على ﴿فرعون وقومه﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿سَنُقَتِّلُ﴾، ﴿وَإِنَّا﴾ ﴿إن﴾: حرف نصب و ﴿نا﴾: اسمها، ﴿فَوْقَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر أول لـ ﴿إن﴾ ﴿قاهِرُونَ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿سَنُقَتِّلُ﴾. ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. ﴿قالَ مُوسى﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿لِقَوْمِهِ﴾: جار ومجرور، متعلق به ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿اسْتَعِينُوا﴾ فعل وفاعل ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿وَاصْبِرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿اسْتَعِينُوا﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿الْأَرْضَ﴾: اسمها ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر إنّ، والجملة في محل

стр. 4338

النصب مقول ﴿قالَ﴾ على كونها معللة لما قبلها ﴿يُورِثُها﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله والجملة في محل نصب حال من الجلالة تقديره: حالة كونه مورثا لها من يشاء من عباده، أو حال من الضمير المستكن تقديره: إنّ الأرض مستقرة لله حال كونها موروثة من الله لمن يشاء من عباده. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ثان، وجملة ﴿يَشاءُ﴾: صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: من يشاؤه، ﴿مِنْ عِبادِهِ﴾: جار ومجرور، حال من العائد المحذوف، ﴿وَالْعاقِبَةُ﴾ مبتدأ، ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: خبره، والجملة في محل النصب، معطوفة على جملة إنّ على كونها مقولا لـ ﴿قالَ﴾ وعلى قراءة النصب معطوفة على اسم إن. ﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أُوذِينا﴾: إلى قوله: ﴿قالَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿أُوذِينا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾، ﴿مِنْ قَبْلِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أُوذِينا﴾ ﴿أَنْ تَأْتِيَنا﴾: ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه تقديره: من قبل إتيانك إلينا، ﴿وَمِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور، معطوف على الجار والمجرور قبله، ﴿ما﴾: مصدرية ﴿جِئْتَنا﴾: فعل وفاعل ومفعول، في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه تقديره: ومن بعد مجيئك إيانا، ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾ والجملة مستأنفة ﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿عَسى﴾: من أفعال الرجاء تعمل عمل كان، ﴿رَبُّكُمْ﴾: اسمها ﴿أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في تأويل مصدر منصوب على كونه خبر ﴿عَسى﴾ تقديره: عسى ربكم إهلاكه عدوكم، ولكنه في تأويل مهلكا عدوكم، ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ﴾: فعل ومفعول، معطوف على ﴿يُهْلِكَ﴾، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به،

стр. 4339

﴿فَيَنْظُرَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿ينظر﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يستخلف﴾: وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام معلق ما قبلها عن العمل فيما بعدها في محل النصب على التشبيه بالمفعول به، والعامل فيه ما بعدها ﴿تَعْمَلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مفعول به لـ ﴿ينظر﴾: علق عن العمل في لفظه باسم الاستفهام، والتقدير: عسى ربكم مهلكا عدوكم، ومستخلفا إياكم في الأرض فناظر كيف تعملون، وجملة عسى في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ الواو: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿أَخَذْنا﴾: فعل وفاعل ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾: مفعول ومضاف إليه، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، ﴿بِالسِّنِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَخَذْنا﴾، ﴿وَنَقْصٍ﴾: معطوف على ﴿السنين﴾، ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ متعلق بـ ﴿نَقْصٍ﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمها، وجملة ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾ وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل جواب القسم. ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾. ﴿فَإِذا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أخذنا إياهم بالسنين وما بعده، وأردت بيان حالهم ومقالتهم حينئذ .. فأقول لك: (إذا جاءتهم الحسنة): ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب، ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾: في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة، ﴿لَنا هذِهِ﴾: مقول محكي، أو مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾، ﴿وَإِنْ﴾ الواو: عاطفة، ﴿تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: فعل ومفعول، وفاعل مجزوم

стр. 4340

بإن الشرطية على كونها فعل شرط لها، ﴿يَطَّيَّرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾: على كونه جوابا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إذا﴾، ﴿بِمُوسى﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَطَّيَّرُوا﴾، ﴿وَمَنْ﴾ موصولة في محل الجر، معطوفة على ﴿موسى﴾. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صلة من الموصولة ﴿أَلا﴾: حرف استفتاح وتنبيه، ﴿إِنَّما﴾: أداة حصر ﴿طائِرُهُمْ﴾: مبتدأ ومضاف إليه، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة من قبله تعالى لرد مقالتهم الباطلة، ﴿وَلكِنَّ﴾، الواو: عاطفة ﴿لكِنَّ﴾: حرف استدراك ونصب، ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾: اسمها، وجملة ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾: خبرها، والجملة الاستدراكية معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾. ﴿وَقالُوا﴾ الواو: استئنافية ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿مَهْما تَأْتِنا بِهِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿مَهْما﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، أو في محل النصب مفعول مقدم، والخبر جملة الجواب، أو الشرط أو هما، على الخلاف المذكور، ﴿تَأْتِنا﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿مَهْما﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير المخاطب يعود على ﴿مُوسى﴾ ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تَأْتِنا﴾ والضمير عائد على ﴿مَهْما﴾ ذكره نظرا للفظه ﴿مِنْ آيَةٍ﴾: جار ومجرور، حال من ضمير به ﴿لِتَسْحَرَنا﴾: فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾. ﴿بِها﴾: متعلق به، والضمير عائد على ﴿مَهْما﴾، وأنثه نظرا إلى كونه بمعنى ﴿آيَةٍ﴾، وجملة ﴿تسحرنا﴾ في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لسحرك إيانا، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَأْتِنا﴾، ﴿فَما﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَهْما﴾ وجوبا، ﴿ما﴾: حجازية أو تميمية، ﴿نَحْنُ﴾: في محل الرفع اسمها أو مبتدأ، ﴿لَكَ﴾: متعلق بـ ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾: خبر ﴿ما﴾ الحجازية، أو خبر المبتدأ، وجملة ﴿ما﴾ الحجازية، أو جملة المبتدأ في محل الجزم بـ ﴿مَهْما﴾ على كونها جوابا لها، وجملة ﴿مَهْما﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾.

стр. 4341

﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾. ﴿فَأَرْسَلْنا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فدعا عليهم، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ﴾. ﴿أرسلنا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِمُ﴾ متعلق به، ﴿الطُّوفانَ﴾: مفعول به، ﴿وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ﴾: معطوفات على ﴿الطُّوفانَ﴾، وجملة ﴿أرسلنا﴾: معطوفة على جملة دعا المحذوفة، ﴿آياتٍ﴾: حال من الأشياء الخمسة، ﴿مُفَصَّلاتٍ﴾: صفة لآيات، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿استكبروا﴾: فعل وفاعل والجملة معطوفة على جملة ﴿أرسلنا﴾، ﴿وَكانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿قَوْمًا﴾ خبرها، ﴿مُجْرِمِينَ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمًا﴾، وجملة كان معطوفة على جملة ﴿استكبروا﴾. ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤)﴾. ﴿وَلَمَّا﴾ الواو: استئنافية ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿وَقَعَ﴾: فعل ماض، ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلق به، ﴿الرِّجْزُ﴾: فاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿ما﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾ مستأنفة، ﴿يا مُوسَى﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يا مُوسَى﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾، ﴿ادْعُ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾، ﴿لَنا﴾: متعلق به، ﴿رَبَّكَ﴾: مفعول به، وجملة ﴿ادْعُ﴾ جواب النداء، في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾، ﴿بِما﴾: ﴿الباء﴾: حرف جر، ﴿ما﴾ مصدرية، ﴿عَهِدَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، ﴿عِنْدَكَ﴾: متعلق بـ ﴿عَهِدَ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، وجملة ﴿ما﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: بعهده عندك؛ أي: برسالته عندك؛ أي: متوسلا بالرسالة التي جعلها عندك، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿ادْعُ﴾، ويصح أن تكون ﴿ما﴾ موصولا اسميا ﴿لَئِنْ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم ﴿إن﴾: حرف شرط: ﴿كَشَفْتَ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل

стр. 4342

شرط لها، ﴿عَنَّا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿كَشَفْتَ﴾، ﴿الرِّجْزُ﴾: مفعول به لـ ﴿كَشَفْتَ﴾، قال أبو حيان: وجملة القسم حال من واو ﴿قالُوا﴾؛ أي: قالوا ذلك مقسمين لئن كشفت .. الخ انتهى، ﴿لَنُؤْمِنَنَّ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم مؤكدة للام الأولى، أتي باللام ثانيا إيذانا بأنّ الجواب بعدها مبني على قسم مقدر قبلها، لا على الشرط تقديره: والله لئن كشفت .. الخ ذكره في «الفتوحات». ﴿نؤمنن﴾: فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير المتكلمين، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم تقديره: إن كشفت عنا الرجز نؤمن لك، وجملة القسم مع جوابه، وكذلك جملة الشرط في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾، ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿نؤمنن﴾ ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ﴾: الواو: عاطفة، ﴿اللام﴾: موطئة للقسم مؤكدة للأولى، ﴿نرسلن﴾: فعل مضارع في محل الرفع، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد وفاعله ضمير يعود على قوم فرعون، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَنُؤْمِنَنَّ﴾، على كونها جواب القسم، ﴿مَعَكَ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿نرسلن﴾، أو حال من ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ﴾، ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾. ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فدعا موسى الكشف عنهم فكشفنا عنهم الرجز المذكور، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿كَشَفْنا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَنْهُمُ﴾: متعلق به، ﴿الرِّجْزَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لما﴾: لا محل لها من الإعراب، ﴿إِلى أَجَلٍ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿كَشَفْنا﴾، ﴿هُمْ بالِغُوهُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل الجر صفة، لـ ﴿أَجَلٍ﴾، ولكنها سببية، ﴿إِذا﴾: فجائية خلف عن الفاء الرابطة، حرف لا محل لها من الإعراب، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَنْكُثُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على الجملة المحذوفة.

стр. 4343

﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾. ﴿فَانْتَقَمْنا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فنكثوا عهودهم فانتقمنا منهم، ﴿انتقمنا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على الجملة المحذوفة، ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿انتقمنا﴾، ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: تفسيرية عاطفة، ﴿أغرقناهم﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿انتقمنا﴾، مفسرة لها لأنّ الإغراق عين الانتقام، ﴿فِي الْيَمِّ﴾ متعلق بـ ﴿أغرقنا﴾، ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء حرف جر وسبب، ﴿أن﴾: حرف نصب و ﴿الهاء﴾: اسمها، ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِآياتِنا﴾: متعلق به، ﴿وَكانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿غافِلِينَ﴾: خبر كان، ﴿عَنْها﴾: متعلق بـ ﴿غافِلِينَ﴾، وجملة ﴿كانُوا﴾: معطوفة على جملة ﴿كَذَّبُوا﴾، على كونها خبرا لـ ﴿أن﴾، وجملة ﴿كَذَّبُوا﴾: في محل الرفع خبر أنّ، وجملة أنّ في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: فأغرقناهم بسبب تكذيبهم بآياتنا، وغفلتهم عنها، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أغرقنا﴾. ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾. ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة مستأنفة أو معطوفة على جملة ﴿أغرقنا﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمَ﴾، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه ﴿يُسْتَضْعَفُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب خبر كان صلة الموصول ﴿مَشارِقَ الْأَرْضِ﴾: مفعول ثان لـ ﴿أَوْرَثْنَا﴾، ﴿وَمَغارِبَهَا﴾: معطوف على ﴿مَشارِقَ الْأَرْضِ﴾، ﴿الَّتِي﴾: صفة للمشارق والمغارب كما أشرنا إليه في مبحث التفسير ﴿بارَكْنا﴾: فعل وفاعل ﴿فِيها﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه ﴿الْحُسْنى﴾: صفة لـ ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَوْرَثْنَا﴾، ﴿عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَمَّتْ﴾، ﴿بِما صَبَرُوا﴾ الباء حرف جر، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿صَبَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في تأويل مصدر مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَمَّتْ﴾ تقديره: وتمت عليهم كلمت ربك بسبب صبرهم على إذاية فرعون.

стр. 4344

﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾. ﴿وَدَمَّرْنا﴾: فعل وفاعل معطوف على جملة قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾، ولكن الواو لا تقتضي ترتيبا فلا يقال: إن التدمير قبل تمام النعمة، ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿دَمَّرْنا﴾، ﴿كانَ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿يَصْنَعُ﴾ فعل مضارع مرفوع بالضم والفاعل تقرير هو ﴿فِرْعَوْنُ﴾: اسم كان مؤخر، ﴿وَقَوْمُهُ﴾: معطوف عليه، وجملة ﴿يَصْنَعُ﴾: خبر كان، وجملة ﴿كانَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كان فرعون وقومه يصنعونه، ﴿وَما﴾ الواو: عاطفة، ﴿ما﴾: معطوفة على ﴿ما﴾ الأولى على كونها مفعول ﴿دَمَّرْنا﴾، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص، واسمه، وجملة ﴿يَعْرِشُونَ﴾: خبر كان، وجملة ﴿كان﴾: صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره وما كانوا يعرشون. ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾. ﴿وَجاوَزْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿بِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾: متعلق بـ ﴿جاوَزْنا﴾، ﴿الْبَحْرَ﴾ منصوب على الظرفية المكانية متعلق بـ ﴿جاوَزْنا﴾، ﴿فَأَتَوْا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿جاوَزْنا﴾. ﴿عَلى قَوْمٍ﴾: متعلق بـ ﴿أتوا﴾، وجملة ﴿يَعْكُفُونَ﴾ في محل الجر صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾، ﴿عَلى أَصْنامٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَعْكُفُونَ﴾، ﴿لَهُمْ﴾: صفة لـ ﴿أَصْنامٍ﴾، ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب لما المحذوفة تقديرها: فلما رأوهم وأصنامهم قالوا: يا موسى ... إلى قوله: ﴿قالَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾ وإن شئت قلت: ﴿يا مُوسَى﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء مقول: ﴿قالُوا﴾ ﴿اجْعَلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يوعد على ﴿مُوسَى﴾ والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. على كونها جواب النداء، ﴿لَنا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اجْعَلْ﴾، ﴿إِلهًا﴾: مفعول به لـ ﴿اجْعَلْ﴾؛ لأنه بمعنى اصنع فتعدى إلى مفعول واحد، ﴿كَما﴾: ﴿الكاف﴾: حرف جر، ﴿ما﴾: مصدرية ﴿لَهُمْ آلِهَةٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة صلة ﴿ما﴾: المصدرية، وحسن ذلك كون الظرف مقدرا بالفعل. كما ذكره أبو البقاء. الجار والمجرور صفة لـ ﴿إِلهًا﴾ تقديره: إلها كائنا كالآلهة التي

стр. 4345

استقرت لهم، ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾ وإن شئت قلت: ﴿إِنَّكُمْ﴾ ﴿إن﴾ حرف نصب والكاف اسمها، ﴿قَوْمٍ﴾: خبرها، وجملة ﴿تَجْهَلُونَ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾، وجملة إن في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿هؤُلاءِ﴾ في محل النصب اسمها، ﴿مُتَبَّرٌ﴾: خبرها، ولكنه خبر سببي، وجملة إنّ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿ما هُمْ فِيهِ﴾، ﴿ما﴾: موصولة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿مُتَبَّرٌ﴾: لأنه اسم مفعول يعمل عمل الفعل المغير لاعتماده على المخبر عنه، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة ﴿ما﴾ الموصولة ﴿وَباطِلٌ﴾: معطوف على ﴿مُتَبَّرٌ﴾، ﴿ما﴾: موصولة في محل الرفع فاعل، ﴿باطِلٌ﴾، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة كان صلة ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠)﴾. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة مستأنفة ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري حقها أن تدخل على الفعل المذكور بعده، ﴿غَيْرَ اللَّهِ﴾: مفعول به لـ ﴿أَبْغِيكُمْ﴾ مقدم عليه أصله: أأبغي غير الله لكم إلها؟ فلمّا قدم غير حذف الجار، واتصل الكاف بالفعل .. فصار، أبغيكم، ﴿إِلهًا﴾: تمييز لـ ﴿غَيْرَ﴾ منصوب به، أو منصوب على الحال ﴿وَهُوَ﴾ الواو: واو الحال، هو: مبتدأ، وجملة ﴿فَضَّلَكُمْ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب إما حال من الجلالة، أو من ضمير المخاطبين، أو مستأنفة، ﴿عَلَى الْعالَمِينَ﴾: متعلق بـ ﴿فضل﴾. ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾. ﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب على الظرفية مبنية على السكون، والظرف متعلق بمحذوف، تقديره:
следующие страницы →