﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾.
﴿فَأَرْسَلْنا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فدعا عليهم، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ﴾. ﴿أرسلنا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِمُ﴾ متعلق به، ﴿الطُّوفانَ﴾: مفعول به، ﴿وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ﴾: معطوفات على ﴿الطُّوفانَ﴾، وجملة ﴿أرسلنا﴾: معطوفة على جملة دعا المحذوفة، ﴿آياتٍ﴾: حال من الأشياء الخمسة، ﴿مُفَصَّلاتٍ﴾: صفة لآيات، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿استكبروا﴾: فعل وفاعل والجملة معطوفة على جملة ﴿أرسلنا﴾، ﴿وَكانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿قَوْمًا﴾ خبرها، ﴿مُجْرِمِينَ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمًا﴾، وجملة كان معطوفة على جملة ﴿استكبروا﴾.
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤)﴾.
﴿وَلَمَّا﴾ الواو: استئنافية ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿وَقَعَ﴾: فعل ماض، ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلق به، ﴿الرِّجْزُ﴾: فاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿ما﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾ مستأنفة، ﴿يا مُوسَى﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يا مُوسَى﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾، ﴿ادْعُ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾، ﴿لَنا﴾: متعلق به، ﴿رَبَّكَ﴾: مفعول به، وجملة ﴿ادْعُ﴾ جواب النداء، في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾، ﴿بِما﴾: ﴿الباء﴾: حرف جر، ﴿ما﴾ مصدرية، ﴿عَهِدَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، ﴿عِنْدَكَ﴾: متعلق بـ ﴿عَهِدَ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، وجملة ﴿ما﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: بعهده عندك؛ أي: برسالته عندك؛ أي: متوسلا بالرسالة التي جعلها عندك، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿ادْعُ﴾، ويصح أن تكون ﴿ما﴾ موصولا اسميا ﴿لَئِنْ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم ﴿إن﴾: حرف شرط: ﴿كَشَفْتَ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل
стр. 4342
شرط لها، ﴿عَنَّا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿كَشَفْتَ﴾، ﴿الرِّجْزُ﴾: مفعول به لـ ﴿كَشَفْتَ﴾، قال أبو حيان: وجملة القسم حال من واو ﴿قالُوا﴾؛ أي: قالوا ذلك مقسمين لئن كشفت .. الخ انتهى، ﴿لَنُؤْمِنَنَّ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم مؤكدة للام الأولى، أتي باللام ثانيا إيذانا بأنّ الجواب بعدها مبني على قسم مقدر قبلها، لا على الشرط تقديره: والله لئن كشفت .. الخ ذكره في «الفتوحات». ﴿نؤمنن﴾: فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير المتكلمين، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم تقديره: إن كشفت عنا الرجز نؤمن لك، وجملة القسم مع جوابه، وكذلك جملة الشرط في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾، ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿نؤمنن﴾ ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ﴾: الواو: عاطفة، ﴿اللام﴾: موطئة للقسم مؤكدة للأولى، ﴿نرسلن﴾: فعل مضارع في محل الرفع، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد وفاعله ضمير يعود على قوم فرعون، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَنُؤْمِنَنَّ﴾، على كونها جواب القسم، ﴿مَعَكَ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿نرسلن﴾، أو حال من ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ﴾، ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ﴾: مفعول به ومضاف إليه.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فدعا موسى الكشف عنهم فكشفنا عنهم الرجز المذكور، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿كَشَفْنا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَنْهُمُ﴾: متعلق به، ﴿الرِّجْزَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لما﴾: لا محل لها من الإعراب، ﴿إِلى أَجَلٍ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿كَشَفْنا﴾، ﴿هُمْ بالِغُوهُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل الجر صفة، لـ ﴿أَجَلٍ﴾، ولكنها سببية، ﴿إِذا﴾: فجائية خلف عن الفاء الرابطة، حرف لا محل لها من الإعراب، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَنْكُثُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على الجملة المحذوفة.
стр. 4343
﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾.
﴿فَانْتَقَمْنا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فنكثوا عهودهم فانتقمنا منهم، ﴿انتقمنا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على الجملة المحذوفة، ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿انتقمنا﴾، ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: تفسيرية عاطفة، ﴿أغرقناهم﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿انتقمنا﴾، مفسرة لها لأنّ الإغراق عين الانتقام، ﴿فِي الْيَمِّ﴾ متعلق بـ ﴿أغرقنا﴾، ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء حرف جر وسبب، ﴿أن﴾: حرف نصب و ﴿الهاء﴾: اسمها، ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِآياتِنا﴾: متعلق به، ﴿وَكانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿غافِلِينَ﴾: خبر كان، ﴿عَنْها﴾: متعلق بـ ﴿غافِلِينَ﴾، وجملة ﴿كانُوا﴾: معطوفة على جملة ﴿كَذَّبُوا﴾، على كونها خبرا لـ ﴿أن﴾، وجملة ﴿كَذَّبُوا﴾: في محل الرفع خبر أنّ، وجملة أنّ في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: فأغرقناهم بسبب تكذيبهم بآياتنا، وغفلتهم عنها، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أغرقنا﴾.
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾.
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة مستأنفة أو معطوفة على جملة ﴿أغرقنا﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمَ﴾، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه ﴿يُسْتَضْعَفُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب خبر كان صلة الموصول ﴿مَشارِقَ الْأَرْضِ﴾: مفعول ثان لـ ﴿أَوْرَثْنَا﴾، ﴿وَمَغارِبَهَا﴾: معطوف على ﴿مَشارِقَ الْأَرْضِ﴾، ﴿الَّتِي﴾: صفة للمشارق والمغارب كما أشرنا إليه في مبحث التفسير ﴿بارَكْنا﴾: فعل وفاعل ﴿فِيها﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه ﴿الْحُسْنى﴾: صفة لـ ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَوْرَثْنَا﴾، ﴿عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَمَّتْ﴾، ﴿بِما صَبَرُوا﴾ الباء حرف جر، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿صَبَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في تأويل مصدر مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَمَّتْ﴾ تقديره: وتمت عليهم كلمت ربك بسبب صبرهم على إذاية فرعون.
стр. 4344
﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾.
﴿وَدَمَّرْنا﴾: فعل وفاعل معطوف على جملة قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾، ولكن الواو لا تقتضي ترتيبا فلا يقال: إن التدمير قبل تمام النعمة، ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿دَمَّرْنا﴾، ﴿كانَ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿يَصْنَعُ﴾ فعل مضارع مرفوع بالضم والفاعل تقرير هو ﴿فِرْعَوْنُ﴾: اسم كان مؤخر، ﴿وَقَوْمُهُ﴾: معطوف عليه، وجملة ﴿يَصْنَعُ﴾: خبر كان، وجملة ﴿كانَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كان فرعون وقومه يصنعونه، ﴿وَما﴾ الواو: عاطفة، ﴿ما﴾: معطوفة على ﴿ما﴾ الأولى على كونها مفعول ﴿دَمَّرْنا﴾، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص، واسمه، وجملة ﴿يَعْرِشُونَ﴾: خبر كان، وجملة ﴿كان﴾: صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره وما كانوا يعرشون.
﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾.
﴿وَجاوَزْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿بِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾: متعلق بـ ﴿جاوَزْنا﴾، ﴿الْبَحْرَ﴾ منصوب على الظرفية المكانية متعلق بـ ﴿جاوَزْنا﴾، ﴿فَأَتَوْا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿جاوَزْنا﴾. ﴿عَلى قَوْمٍ﴾: متعلق بـ ﴿أتوا﴾، وجملة ﴿يَعْكُفُونَ﴾ في محل الجر صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾، ﴿عَلى أَصْنامٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَعْكُفُونَ﴾، ﴿لَهُمْ﴾: صفة لـ ﴿أَصْنامٍ﴾، ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب لما المحذوفة تقديرها: فلما رأوهم وأصنامهم قالوا: يا موسى ... إلى قوله: ﴿قالَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾ وإن شئت قلت: ﴿يا مُوسَى﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء مقول: ﴿قالُوا﴾ ﴿اجْعَلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يوعد على ﴿مُوسَى﴾ والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. على كونها جواب النداء، ﴿لَنا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اجْعَلْ﴾، ﴿إِلهًا﴾: مفعول به لـ ﴿اجْعَلْ﴾؛ لأنه بمعنى اصنع فتعدى إلى مفعول واحد، ﴿كَما﴾: ﴿الكاف﴾: حرف جر، ﴿ما﴾: مصدرية ﴿لَهُمْ آلِهَةٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة صلة ﴿ما﴾: المصدرية، وحسن ذلك كون الظرف مقدرا بالفعل. كما ذكره أبو البقاء. الجار والمجرور صفة لـ ﴿إِلهًا﴾ تقديره: إلها كائنا كالآلهة التي
стр. 4345
استقرت لهم، ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾ وإن شئت قلت: ﴿إِنَّكُمْ﴾ ﴿إن﴾ حرف نصب والكاف اسمها، ﴿قَوْمٍ﴾: خبرها، وجملة ﴿تَجْهَلُونَ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾، وجملة إن في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾.
﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿هؤُلاءِ﴾ في محل النصب اسمها، ﴿مُتَبَّرٌ﴾: خبرها، ولكنه خبر سببي، وجملة إنّ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿ما هُمْ فِيهِ﴾، ﴿ما﴾: موصولة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿مُتَبَّرٌ﴾: لأنه اسم مفعول يعمل عمل الفعل المغير لاعتماده على المخبر عنه، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة ﴿ما﴾ الموصولة ﴿وَباطِلٌ﴾: معطوف على ﴿مُتَبَّرٌ﴾، ﴿ما﴾: موصولة في محل الرفع فاعل، ﴿باطِلٌ﴾، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة كان صلة ﴿ما﴾ الموصولة.
﴿قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٤٠)﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة مستأنفة ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري حقها أن تدخل على الفعل المذكور بعده، ﴿غَيْرَ اللَّهِ﴾: مفعول به لـ ﴿أَبْغِيكُمْ﴾ مقدم عليه أصله: أأبغي غير الله لكم إلها؟ فلمّا قدم غير حذف الجار، واتصل الكاف بالفعل .. فصار، أبغيكم، ﴿إِلهًا﴾: تمييز لـ ﴿غَيْرَ﴾ منصوب به، أو منصوب على الحال ﴿وَهُوَ﴾ الواو: واو الحال، هو: مبتدأ، وجملة ﴿فَضَّلَكُمْ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب إما حال من الجلالة، أو من ضمير المخاطبين، أو مستأنفة، ﴿عَلَى الْعالَمِينَ﴾: متعلق بـ ﴿فضل﴾.
﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب على الظرفية مبنية على السكون، والظرف متعلق بمحذوف، تقديره:
стр. 4346
واذكروا إذا أنجيناكم، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿أَنْجَيْناكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أَنْجَيْناكُمْ﴾، ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾: مفعول ثان، ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب بدل من جملة ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ على كونها حالا من ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، وجملة قوله: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾، معطوفة على جملة ﴿يُقَتِّلُونَ﴾ على كونها بدلا من ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾، ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿بَلاءٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: صفة أولى لـ ﴿بَلاءٌ﴾، ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة ثانية له، والجملة الاسمية مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ كثر استعمال الأخذ في العذاب كقوله: وَ ﴿كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾، و ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ قومه وخاصته وأعوانه في أمور الدولة، وهم الملأ من قومه، ولا يستعمل هذا اللفظ إلا فيمن يختص بالإنسان بقرابة قريبة، كما قال عزّ اسمه. ﴿وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ﴾ أو بموالاة ومتابعة في الرأي، كما قال: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾.
﴿بِالسِّنِينَ﴾: جمع سنة، وهي بمعنى الحول، ولكن أكثر ما تستعمل في الحول الذي فيه الجدب، كما هنا بدليل نقص الثمرات، وأصل سنة سنهة، فلامها هاء لقولهم: عاملته مسانهة، وقيل لامها واو لقولهم: سنيوة، وفي لفظ سنين لغتان:
أشهرهما: إجراؤه مجرى جمع المذكر السالم فيرفع بالواو وينصب ويجر بالياء، وتحذف نونه للإضافة، كما في الحديث الصحيح «اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف».
واللغة الثانية: أن يجعل الإعراب على النون، ولكن مع الياء خاصة، نقل هذه اللغة أبو زيد والفراء.
стр. 4347
﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾: والمراد بالحسنة هنا الخصب والرخاء، وبالسيئة: ما يسؤهم من جدب وجائحة، أو مصيبة في الأبدان والأرزاق ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى﴾؛ أي: يتشاءموا، وسر (١) إطلاق التطير على التشاؤم أن العرب كانت تتوقع الخير والشر مما تراه من حركة الطير، فإذا طارت من جهة اليمين .. تيمنت بها، ورجت الخير والبركة، وإذا طارت من جهة الشمال .. تشاءمت وتوقعت الشر، وسمي الطائر الأول السانح، والثاني البارح، وسموا الشؤم طيرا وطائرا، والتشاؤم تطيرا.
وأصل (٢) ﴿يَطَّيَّرُوا﴾: يتطيروا فأدغمت التاء في الطاء لمقاربتها لها في المخرج، وقيل أصل التطير: أن يفرق المال ويطير بين القوم، فيطير لكل واحد حظه وما يخصه، ثم أطلق على الحظ والنصيب السيء بالغلبة، وفي «الخازن»: قال ابن عباس (٣): طائرهم ما قضي لهم وقدر عليهم من عند الله تعالى، وفي رواية عنه: شؤمهم عند الله، ومعناه أنّ ما جاءهم بكفرهم بالله تعالى، وقيل الشؤم العظيم هو الذي لهم عند الله تعالى من عذاب النار. انتهى.
وفي «المصباح»: طائر الإنسان عمله الذي يقلده، وتطير من الشيء واطّير منه، والاسم الطيرة، وزان عنبة أو هي التشاؤم. اه وفيه أيضا: الشؤم الشر، ورجل مشؤوم غير مبارك، وتشاءم القوم به مثل تطيروا به.
﴿الطُّوفانَ﴾ الطوفان لغة: ما طاف بالشيء وغشيه، وغلب في طوفان الماء سواء كان من السماء أو من الأرض، وفيه قولان، أحدهما: أنّه جمع طوفانه؛ أي: هو اسم جنس كقمح وقمحة، وشعير وشعيرة، وقيل: بل هو مصدر كالنقصان والرجحان. وهذا قول المبرد مع آخرين، والأول قول الأخفش، قال: هو فعلان من الطواف؛ لأنه يطوف حتى يعم، وواحدته في القياس طوفانة، والطوفان الماء الكثير. قاله الليث، اه «سمين» ﴿الْجَرادَ﴾ جمع جرادة، الذكر والأنثى فيه سواء، يقال: جرادة ذكر وجرادة أنثى، كنملة وحمامة، قال أهل اللغة: وهو مشتق من
стр. 4348
الجراد، قالوا: والاشتقاق (١) في أسماء الأجناس قليل جدا، يقال: أرض جرداء؛ أي: ملساء، وثوب أجرد إذا ذهب وبره. اه «سمين» ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ قيل: هو القردان، وقيل: دواب تشبهها أصغر منها، وقيل: هو السوس الذي يخرج من الحنطة، وقيل: هو نوع من الجراد وأصغر منه، وقيل: الحمنان الواحدة حمنانة نوع من القردان، وقيل: هو القمل المعروف الذي يكون في بدن الإنسان وثيابه، ويؤيد هذا المعنى قراءة الحسن: ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ بفتح القاف وسكون الميم كما مر.
﴿وَالضَّفادِعَ﴾ جمع ضفدع بوزن درهم، ويجوز كسر داله، فيصير بزنة زبرج، والضفدع مؤنث وليس بمذكر، فعلى هذا يفرق بين مذكره ومؤنثه بالوصف فيقال: ضفدع ذكر، وضفدع أنثى، كما قلنا ذلك في الملتبس بتاء التأنيث نحو: حمامة وجرادة وقملة اه «سمين».
وفي «القاموس» (٢) الضفدع كزبرج وجعفر وجندب ودرهم، وهذا أقل ومردود، الواحدة بهاء، والجمع ضفادع وضفادي اه ﴿وَالدَّمَ﴾ هو الرعاف، وقيل هو دم كان يحدث في مياه المصريين. ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾، ﴿الرِّجْزُ﴾ (٣): العذاب الذي يضطرب له الناس في شؤونهم ومعايشهم، وذلك شامل نقمة وجائحة أنزلها الله تعالى على قوم فرعون، كالخمس التي ذكرت قبل. ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ والعهد النبوة والرسالة كما مر ﴿إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ والنكث لغة نقض ما غزل أو ما فتل من الحبال، ثم استعمل في الحنث في العهود والمواثيق، وأصله (٤) من نكث الصوف ليغزله. ثانيا، فاستعير لنقض العهد بعد إحكامه وإبرامه.
﴿وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ وفي «القاموس»: غفل عنه غفولا إذا تركه وسها عنه اه وفي «المصباح» وقد تستعمل الغفلة في ترك الشيء إهمالا وإعراضا اه ﴿فِي الْيَمِّ﴾، ﴿الْيَمِّ﴾: البحر في اللغة المصرية الموافقة للغة العربية في كثير من مفرداتها، مما يدل على أن أصل الأمتين واحد ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ وتمام الشيء وصوله إلى آخر حده، وكلمة الله هي وعده لبني إسرائيل بإهلاك عدوهم
стр. 4349
واستخلافهم في الأرض ﴿وَدَمَّرْنا﴾ والتدمير إدخال الهلاك على السالم والخراب على العامر ﴿وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ والعرش رفع المباني والسقائف للنبات والشجر المتسلق، كعرائش العنب ومنه عرش الملك.
﴿وَجاوَزْنا﴾ وفي «الخازن» يقال: جاز الوادي وجاوزه إذا قطعه وخلفه وراء ظهره اه، وجاز الشيء وجاوزه وتجاوزه بمعنى؛ أي: عداه وانتقل عنه، وجاوز هنا بمعنى جاز، ففاعل بمعنى فعل ﴿يَعْكُفُونَ﴾ والعكوف على الشيء الإقبال عليه وملازمته تعظيما له يقال: عكف يعكف بضم الكاف وكسرها من بابي قعد وضرب.
﴿مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ﴾ والتبتر الإهلاك والتدمير، يقال: تبره إذا أهلكه ودمره، والتبار الهلاك، ومنه التبر وهو كسارة الذهب لتهالك الناس عليه، وقيل: التبتير التكسير والتحطيم، ومنه التبر؛ لأنّه كسارة الذهب اه «سمين» ﴿وَباطِلٌ﴾؛ أي: هالك وزائل لا بقاء له، ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا﴾ يقال بغى وابتغاه إذا طلبه.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الجناس المماثل في، قوله: ﴿أَتَذَرُ مُوسى﴾ ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾، والجناس المغاير في قوله: ﴿يَطَّيَّرُوا﴾ وفي قوله: ﴿أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ وقوله: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾.
ومنها: الطباق بين قوله: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ وبين قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا﴾ وقوله: ﴿وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ وبين قوله: ﴿أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ﴾ وبين قوله: ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ وبين قوله: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ﴾ وقوله ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ ومنها الوصل في قوله: ﴿وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ﴾.
ومنها: الاستفهام الإنكاري التعجبي في قوله: ﴿أَتَذَرُ مُوسى﴾، وفي قوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهًا﴾.
стр. 4350
ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ وفي قوله: ﴿وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ عدل عن الماضي إلى المضارع لاستحضار الصورة الماضية في ذهن المخاطب، والأصل: ما صنعوا وما عرشوا.
ومنها: العدول عن صيغة الماضي إلى المضارع في قوله: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ولم يقل (١) جهلتم إشعارا بأن ذلك منهم كان كالطبع والغريزة لا ينتقلون عنه في ماض ولا مستقبل.
ومنها: تصدير (٢) الجملة بالقسم في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ لإظهار الاعتناء بمضمونها.
ومنها: تصديرها بحرف التنبيه في قوله: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ لإبراز كمال العناية بمضمونها.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾؛ لأنّه استعار الأخذ للابتلاء على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية، وفي قوله: ﴿أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ﴾؛ لأنّ الطائر حقيقة في الحيوان استعارة للحظ والنصيب أو الشؤم، ومنها الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾؛ لأن النكث (٣) حقيقة في حل الصوف ليغزله ثانيا، استعاره هنا لنقض العهد على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿بِالسِّنِينَ﴾؛ لأنّ السنة حقيقة في الحول، استعارها هنا للجدوب والقحوط ونقص الثمرات تجريد، وهو ذكر ما يلائم المشبه المستعار له.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
تعالى لها من العبادات والأحكام .. ذكر هنا بدء وحي الشريعة لموسى ﵇، ممتنا عليهم بما حصل لهم من الهداية، بتكليم موسى وإعطائه التوراة، وفيها تفاصيل شرعهم وبيان ما يقربهم من ربهم من الأحكام، وقد روي أن موسى ﵇ وعد بني إسرائيل وهو بمصر إن أهلك الله عدوهم .. أتاهم بكتاب من عند الله تعالى فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون .. سأل موسى ربه الكتاب، فبينت هذه الآيات كيفية نزول هذا الكتاب وهو التوراة.
قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما بين في الآيات السالفة ما لحق فرعون وقومه من الهلاك بسبب استكباره وظلمه، وفساده في الأرض .. ذكر هنا سننه تعالى في ضلال البشر بعد مجيء البينات، وتكذيبهم لدعاة الحق والخير من الرسل وأتباعهم، وأبان أن السبب الأول لذلك هو التكبر، فإن من شأن الكبر أن يصرف أهله عن النظر والاستدلال على الحق والهدى، فهم يكونون دائما من المكذبين بالآيات الدالة عليه، ومن الغافلين، كما هي حال الملوك والرؤساء والزعماء الضالين، كفرعون وملئه، وفي هذا إيماء للنبي ﷺ بأن الطاغين المستكبرين من صناديد قومه لن ينظروا في دعوته، ولا في آيات القرآن الدالة على وحدانية الله تعالى، بما أقامته عليها من البراهين الكثيرة من آيات كونية، وآيات في الآفاق والأنفس.
وجملة الموانع الصادة لهم عن اتباعه ترجع إلى التكبر، فإنّهم بزعمهم يعتقدون أنهم سادة قريش وكبراؤها وأقوياؤها، فلا ينبغي أن يتبعوا من دونهم سنا وقوة وثروة وعصبية.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّه لما ذكر خبر مناجاة موسى لربه، واصطفائه إياه برسالاته وبكلامه، وأمره بأخذ الألواح بقوة .. ذكر هنا ما حدث أثناء المناجاة من اتخاذ قومه بني إسرائيل عجلا مصوغا من الذهب والفضة، ثم عبادته من دون الله تعالى، لما رسخ في نفوسهم من فخامة المظاهر الوثنية الفرعونية في
стр. 4353
مصر، وقد ذكرت هذه القصة عقب تلك لما بينهما من العلاقات الظاهرة، وللاشتراك في الزمن.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا ...﴾ مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر ما أحدثه السامري من اتخاذه العجل لبني إسرائيل وعبادته له، ثم ندمهم على ما فرط منهم في جنب الله، وطلبهم الرحمة من ربهم .. ذكر هنا ما حدث من موسى من الأسى والحزن، حين رأى قومه على هذه الحال من الضلال والغي، ومن التعنيف واللوم لهارون على السكوت على قومه، حين رآهم في ضلالتهم يعمهون.
التفسير وأوجه القراءة
١٤٢ - ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾؛ أي: ضربنا وجعلنا موعدا لموسى ﵇ لمكالمته وإعطائه الألواح المشتملة على أصول الشريعة ثلاثين ليلة، قيل هي شهر ذي القعدة. ﴿وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾؛ أي: وزدنا على تلك الثلاثين بعشر ليال تامات، وفي مصحف أبي ﴿تممناها﴾ بالتضعيف ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ﴾؛ أي: فتم ميقات وعد ربه للمكالمة بتلك العشر المزيدة ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ صعد على جبل سيناء في أول هذا الموعد، وهبط في آخره، قيل: وكان التكليم في يوم النحر، وفائدة الإتيان بقوله: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ مع العلم بأنّ الثلاثين والعشر أربعون، لئلا يتوهم أنّ المراد أتممنا الثلاثين بعشر منها، وقيل: إزالة توهم أن تكون عشر ساعات؛ أي: اتممناها بعشر ساعات، والذي يظهر أن هذه الجملة تأكيد وإيضاح ما ذكره أبو حيان في «البحر».
وروي (١) عن أبي العالية أنّه قال في بيان زمان الموعد - يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة -: فمكث على الطور ليلة، وأنزل عليه التوراة في الألواح فقربه الرب نجيا، وكلمه وسمع صريف الأقلام، والمعنى أي (٢): وعدناه بأن نكلمه عند انتهاء ثلاثين ليلة يصومها، وإنّما عبر بالليالي مع أن الصوم في الأيام
стр. 4354
لما نقله «زاده على البيضاوي» عن ابن عباس: أنّه صام تلك المدة الليل والنهار، فكان يواصل الصوم، وحرمة الوصال إنما هي على غير الأنبياء. اه شيخنا.
وفي «الخازن» (١) قال المفسرون: إن موسى ﵇ وعد بني إسرائيل - وهو بمصر - إذا أهلك الله تعالى عدوهم فرعون أن يأتيهم بكتاب من عند الله تعالى، فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما أهلك الله تعالى فرعون سأل موسى ربه أن ينزل عليه الكتاب الذي وعد به بني إسرائيل، فأمره أن يصوم ثلاثين يوما فصامها - وهي شهر ذي القعدة - فلما أتم الثلاثين .. أنكر خلوف فمه فتسوك بعود خرنوب فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك، فأمره الله أن يصوم عشر ذي الحجة وقال له: «أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك؟» فكانت فتنة بني إسرائيل في تلك العشر التي زادها الله تعالى لموسى ﵇، وقيل: أمره بأن يتخلى ثلاثين يوما بالصوم والعبادة، ويعمل فيها ما يتقرب به، ثم كلمه وأعطاه الألواح في العشر التي زادها فلهذا قال: وأتممناها بعشر.
وهذا التفصيل الذي ذكره هنا هو تفصيل ما أجمله في سورة البقرة وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ فذكره هناك على الإجمال وهنا على التفصيل اه.
وفي «زاده على البيضاوي» (٢): ما الحكمة في تفصيل الأربعين هنا إلى الثلاثين والعشر مع الاقتصار على الأربعين في البقرة حيث قال: ﴿وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾؟ وتقرير الجواب: أنّ الحكمة في التفصيل هنا الإشارة إلى أنّ أصل المواعدة كان على صوم الثلاثين، وزيادة العشرة كانت لإزالة الخلوف، وما ذكره في سورة البقرة فهو بيان للحاصل وجمع بين العددين، أو يقال: فصل الأربعين هنا إلى مدتين لكون ما وقع في إحدى المدتين مغايرا لما وقع في الأخرى، فالثلاثون للتقرب، والعشر لإنزال التوراة. انتهى.
стр. 4355
﴿وَقالَ مُوسى﴾ حين أراد الذهاب إلى الجبل لميقات ربه ﴿لِأَخِيهِ هارُونَ﴾ وكان أكبر منه سنا ﴿اخْلُفْنِي﴾؛ أي: كن خليفتي ﴿فِي قَوْمِي﴾ وراقبهم فيما يأتون وما يذرون، وكانت الرياسة فيهم لموسى، وكان هارون وزيره ونصيره بسؤاله لربه حين قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾، ﴿وَأَصْلِحْ﴾ ما يحتاج إلى الإصلاح من أمور دينهم وأمرهم بعبادة الله تعالى، فهي صلاحهم ﴿وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي ولا تسلك سبيل من سلك الإفساد في الأرض بالمعاصي، ومن دعاك منهم إلى الإفساد فلا تتبعه ولا تطعه، واتباع سبيل المفسدين يشمل مشاركتهم في أعمالهم، ومساعدتهم عليها، ومعاشرتهم والإقامة معهم حال اقتراف الإفساد.
والمقصود (١) من هذا النهي التأكيد؛ لأنّ هارون ﵇ لم يكن ممن يتبع سبيل المفسدين، فهو كقوله: ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ وكقولك للقاعد: أقعد، بمعنى دم على ما أنت عليه من القعود، والمعنى: دم على عدم اتباع سبيل المفسدين.
١٤٣ - ﴿وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾؛ أي: لميعادنا الذي وقتنا له للكلام فيه، ولإعطاء الشريعة له، وعبارة «المراح»: ولما جاء موسى لميعادنا في مدين، في يوم الخميس، يوم عرفة، فكلمه الله تعالى فيه من غير واسطة وأعطاه التوراة صبيحة يوم الجمعة يوم النحر. انتهى.
﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ من وراء حجاب بغير واسطة ملك؛ أي: أزال الحجاب بين موسى وبين كلامه فسمعه من جميع جهاته، استشرفت نفسه للجمع بين فضيلتي الكلام والرؤية فـ ﴿قالَ﴾ موسى ﴿رَبِّ أَرِنِي﴾ ذاتك المقدسة، واجعل لي من القوة على حمل تجليك ما أقدر به على النظر إليك، وكمال المعرفة بك؛ أي: مكنّي من رؤيتك ﴿أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ يا إلهي ﴿قالَ﴾ لموسى: ﴿لَنْ تَرانِي﴾؛ أي: إنك لا تراني الآن ولا فيما يستقبل من الزمان الدنيوي، إذ ليس لبشر أن يطيق النظر إلي في الدنيا.
стр. 4356
قال أهل الأخبار: لما جاء موسى لميقات ربه تطهر وطهر ثيابه وصام، ثم أتى طور سيناء، فأنزل الله تعالى ظلة غشيت الجبل على أربع فراسخ من كل ناحية، وطرد عنه الشيطان وهوام الأرض، ونحى عنه الملكين، وكشط له السماء، فرأى الملائكة قياما في الهواء، ورأى العرش بارزا، وأدناه ربه حتى سمع صريف الأقلام على الألواح، وكلّمه وكان جبريل معه لم يسمع ذلك الكلام، فاستحلى موسى كلام ربه، فاشتاق إلى رؤيته فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي ...﴾ الخ. وإنّما سألها مع علمه بأنّها لا تجوز في الدنيا لما هاج به من الشوق، وفاض عليه من أنواع الجلال، واستقر في بحر المحبة، فعند ذلك سأل الرؤية، وقيل: إنما سأل الرؤية ظنا منه بأنه تعالى يرى في الدنيا، وتعالى الله عن ذلك.
وقال السدي: لما كلم الله موسى ﵇ .. غاص عدو الله إبليس الخبيث في الأرض حتى خرج من بين قدمي موسى، فوسوس إليه أن مكلمك شيطان، فعند ذلك سأل موسى ربه الرؤية اه «خازن».
وسؤال موسى (١) للرؤية يدل على أنّها جائزة عنده في الجملة، ولو كانت مستحيلة عنده لما سألها، والجواب بقوله: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ يفيدا أنّه لا يراه في هذا الوقت الذي طلب رؤيته فيه، أو أنّه لا يرى ما دام الرائي حيا في دار الدنيا، وأما رؤيته في الآخرة فقد ثبت بالأحاديث المتواترة تواترا لا يخفى على من يعرف السنة المطهرة، والجدال في مثل هذا لا يأتي بفائدة، ومنهج الحق واضح، والاستدراك بقوله: ﴿وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ معناه أنّك لا تثبت لرؤيتي ولا يثبت لها ما هو أعظم منك جرما وصلابة وقوة، وهو الجبل فانظر إليه ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ﴾ الجبل ﴿مَكانَهُ﴾ ولم يتزلزل عند رؤيتي له ﴿فَسَوْفَ تَرانِي﴾؛ أي: فلعلك تراني وإن ضعف الجبل عن ذلك فأنت منه أضعف، فهذا الكلام بمنزلة ضرب المثل لموسى ﵇ بالجبل، أو من باب التعليق بالمحال، وعلى تسليم هذا فهو في الرؤية في الدنيا لما قدمنا.
والمعنى: فإن (٢) ثبت الجبل لدى التجلي، وبقي مستقرا في مكانه .. فسوف
стр. 4357
تراني، إذ هو مشارك لك في مادة هذا العالم الفاني، وإذا كان الجبل في قوته وثباته لا يستطيع أن يثبت ويستقر؛ لأنّ مادته غير مستعدة لقوة تجلي خالقه وخالق كل شيء، فاعلم أنّك لن تراني أيضا، وأنت مشارك له في كونك مخلوقا من هذه المادة، وخاضعا للسنن الربانية في ضعف استعدادها، وقبولها للفناء ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ﴾؛ أي: رب موسى أو رب الجبل ﴿لِلْجَبَلِ﴾؛ أي: ظهر له بعض ظهور وأدناه وأقله ظهورا بلا كيف ﴿جَعَلَهُ﴾؛ أي: جعل ذلك التجلي الجبل ﴿دَكًّا﴾؛ أي: مدكوكا مدقوقا، فصار ترابا من الدك، وهو الدق مصدر بمعنى اسم المفعول، هذا على قراءة الجمهور (١)، وقرأ حمزة والكسائي ﴿دكاء﴾ بزنة حمراء، والدكاء الناقة التي لا سنام لها، والمعنى: جعله أرضا دكاء؛ أي: مستوية لا ارتفاع فيها، تشبيها له بالناقة الدكاء، وقال الزمخشري: والدكاء اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكة. انتهى، والمعنى على هذا: جعله جبلا صغيرا كالرابية، وقرأ ابن وثاب: ﴿دك﴾ بضم الدال، وبالقصر جمع دكاء بالمد نحو: غز جمع غزاء، والمعنى: جعله قطعا صغارا ﴿وَخَرَّ مُوسى﴾؛ أي: سقط موسى على وجهه ﴿صَعِقًا﴾؛ أي: مغشيا عليه كمن أخذته الصاعقة، والتجلي إنّما كان للجبل دونه، فما بالك لو كان له، والمعنى: أنّه صار حاله لما غشى عليه، كحال من يغشى عليه عند إصابة الصاعقة له، أي: النار النازلة من السماء عند الرعد والبرق ﴿فَلَمَّا أَفاقَ﴾ موسى وصحا من غشيته ﴿قالَ﴾ موسى: ﴿سُبْحانَكَ﴾ يا إلهي؛ أي: تنزيها لك وتقديسا عما لا ينبغي في شأنك مما سألت؛ أي: أنزهك تنزيها من أن أسألك شيئا لم تأذن لي به ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ عن العود إلى مثل هذا السؤال، وأكثر المفسرين يجعلون وجه التنزيه والتوبة أنّه سأل الرؤية بغير إذن من الله تعالى، فتاب ورجع عما طلب، وقال مجاهد: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾؛ أي: اسألك الرؤية. قال القرطبي: وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية؛ فإنّ الأنبياء معصومون، وقيل: هي توبة من قتله للقبطي. ذكره القشيري.
ولا وجه له في مثل هذا المقام.
стр. 4358
﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بك قبل قومي الموجودين في هذا العصر، المعترفين بعظمتك وجلالك.
والخلاصة (١): أنّ موسى لما نال فضيلة التكليم بلا واسطة، فسمع من عالم الغيب ما لم يسمع من قبل، تاقت نفسه أن يمنحه الرب شرف رؤيته، فطلب ذلك منه، وهو يعلم أنّه ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته التي منها كلامه، ولكن الله ﵎ قال له: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ ولكي يخفف عليه ألم الرد أراه بعينه من تجليه للجبل ما فهم منه أنّ المانع من جهته لا من جانب الفيض الإلهي، حينئذ نزه الله وسبّحه وتاب إليه من هذا الطلب، فبشره بأنّه اصطفاه على الناس برسالته وبكلامه، وأمره أن يأخذ ما أعطاه ويكون من الشاكرين له كما قال.
١٤٤ - ﴿قالَ﴾ الله : ﴿يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ واخترتك وفضلتك ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ المعاصرين لك من بني إسرائيل ﴿بِرِسالاتِي﴾، قرأ نافع وابن كثير بالإفراد، وهو مراد به المصدر؛ أي: بإرسالي، أو يكون على حذف مضاف؛ أي: بتبليغ رسالتي؛ لأنّ مدلول الرسالة غير مدلول المصدر، وقرأ باقي السبعة بالجمع نظرا إلى أن الذي أرسل به ضروب وأنواع من الوحي ﴿وَ﴾ اصطفيتك ﴿بِكَلامِي﴾؛ أي: بتكليمي لك بلا توسط ملك، وإن كان من وراء حجاب، وقد طلب موسى رفع هذا الحجاب لتحصل له الرؤيا مع الكلام، وقرأ الجمهور ﴿وَبِكَلامِي﴾ بالإفراد، على أنّه مصدر كما فسرنا، أو على أنّه على حذف مضاف؛ أي: وبسماع كلامي، وقرأ أبو رجاء ﴿برسالتي وبكلمي﴾ جمع كلمة؛ أي: وسماع كلمي، وقرأ الأعمش ﴿برسالاتي وتكلمي﴾ ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾؛ أي: فخذ ما أعطيتك من الشريعة، وهي التوراة ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾؛ أي: من جماعة الشاكرين لنعمتي عليك وعلى قومك بإقامتها بقوة وعزيمة، والعمل بها، وأداء حقوق نعمي جميعها عليك، تنل المزيد من فضلي ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
стр. 4359
فصل في كلام الله تعالى ورؤيته
وأعلم (١): أن إثبات الكلام والتكليم لله تعالى صريح في القرآن الكريم في آيات عدة، لا تعارض بينها، وأما الرؤية ففيها آيات متعارضة كقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ وقوله: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ وهما أصرح في النفي من دلالة قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣)﴾ على الإثبات؛ فإن استعمال النظر بمعنى الانتظار كثير في القرآن وفي كلام العرب، كقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ وقوله: ﴿ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ وفي الأحاديث الصحيحة تصريح بإثبات الرؤية بحيث لا تحتمل تأويلا، والمرفوع منها مروي عن أكثر من عشرين صحابيا، ولم يرد في معارضتها شيء أصرح من حديث عائشة عن مسروق قال: قلت لعائشة ﵂: يا أماه هل رأى محمد ﷺ ربه ليلة المعراج؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، ثلاث من حدثكهن .. فقد كذب، من حدثك أن محمدا ﷺ رأى ربه .. فقد كذب وفي رواية: فقد أعظم الفرية، ثم قرأت ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾. ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ ومن حدثك أنه يعلم ما في غد .. فقد كذب، ثم قرأت ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ ومن حدثك أنّه كتم شيئا من الدين .. فقد كذب، ثم قرأت ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ قال مسروق - وكنت متكئا - فجلست وقلت: ألم يقل الله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣)﴾؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله ﷺ على ذلك؟ فقال: «إنما هو جبريل».
ومن هذا تعلم أنّ عائشة تنفي دلالة سورة النجم على رؤية النبي ﷺ لربه بالحديث المرفوع، وتنفي جواز الرؤية مطلقا، أو في هذه الحياة الدنيا بالاستدلال بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ وقوله: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ وهذا الاستدلال ليس نصا في النفي حتى يرجح على الأحاديث الصريحة في الرؤية، وقد قال بها بعض علماء الصحابة، كابن
стр. 4360
عباس ﵄، والمثبتون للرؤية يقولون: إن استنباط عائشة إنما هو لنفي الرؤية في الدنيا فقط، كما قال بذلك الجمهور، ولا تقاس شؤون البشر في الآخرة على شؤونهم في الدنيا؛ لأنّ لذلك العالم سننا ونواميس تخالف سنن هذا العالم ونواميسه، حتى في الأمور المادية كالأكل والشرب والمأكول والمشروب، فماء الجنة غير آسن، فلا يتغير كماء الدنيا بما يخالطه أو يجاوره في مقره أو جوّه، قال ابن عباس: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء.
وجمهرة المسلمين: أن رؤية العباد لربهم في الآخرة حق، وأنّها أعلى وأكمل للنعيم الروحاني التي يرتقي إليه البشر في دار الكرامة، وأنّها أحق ما يصدق عليه قوله ﷺ : «قال الله : اعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» وهي المعبر عنها بقولهم: إنّها رؤية بلا كيف.
١٤٥ - وبعد أن أخبر سبحانه في الآيات السالفة أنّه منع موسى رؤيته في الدنيا، وبشره بأنّه اصطفاه على أهل زمانه برسالته وبكلامه، اخبرنا فيما بعد بما أتاه يومئذ بالإجمال فقال: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ﴾؛ أي: وكتبنا لموسى في ألواح التوراة ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: كل شيء يحتاج إليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام، والمحاسن والقبائح، فـ ﴿مِنْ﴾ زائدة في المفعول. وقوله: ﴿مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا﴾ بدل ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، باعتبار محله وهو النصب على المفعولية. وقوله: ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾؛ متعلق بتفصيلا؛ أي: وكتبنا (١) له في الألواح كل شيء من المواعظ التي توجب الرغبة في الطاعة، والنفرة عن المعصية، ومن تفصيل الأحكام وشرح أقسامها؛ أي: إننا (٢) أعطيناه ألواحا كتبنا له فيها أنواع الهداية، والمواعظ التي تؤثر في القلوب، ترغيبا، وترهيبا، وتفصيلا لأصول الشرائع، وهي أصول العقائد والآداب، وأحكام الحلال والحرام، والراجح أنّ هذه الألواح كانت أول ما أوتيه من وحي التشريع الإجمالي، أما سائر الأحكام
стр. 4361
التفصيلية من العبادات والمعاملات المدنية والحربية والعقوبات .. فكانت تنزل عليه وقت الحاجة كالقرآن.
وهذه (١) الألواح هي التوراة، قيل كانت من زمردة خضراء، وقيل: من ياقوتة حمراء، وقيل: من زبرجد، وقيل: من صخرة صماء، وقد اختلفوا في عدد الألواح، فمن مقل قال: إنّها اثنان وهذا ضعيف؛ لأنّ أقل ما يصدق عليه الجمع ثلاثة على المشهور، ومن مكثر قال: إنّها اثنا عشر، أو عشرة، أو سبعة، والله أعلم بحقيقة الحال. والألواح جمع لوح، وسمي لوحا لكونه تلوح فيه المعاني، وأسند الله الكتابة إلى نفسه تشريفا للمكتوب في الألواح، وهي مكتوبة بأمره سبحانه، وقيل: هي كتابة خلقها الله تعالى في الألواح.
﴿فـ﴾ قلنا له ﴿خذها﴾؛ أي: خذ الألواح واعمل بما فيها ﴿بِقُوَّةٍ﴾؛ أي: بجد ونشاط، لا بتراخ وكسل؛ فإن العلم لا يأتي إلا للمجد المشتاق، سواء كان كسبيا أو وهبيا، فلا بد لمتعاطي العلم من الكد والتعب، ومخالفة النفس قال بعضهم:
بقدر الكدّ تكتسب المعالي ... ومن طلب العلا سهر اللّيالي
تروم العزّ ثمّ تنام ليلا ... يغوص البحر من طلب الّلآلي
وقال بعض العارفين:
فجد بالرّوح والدّنيا خليلي ... كذا الأوطان تدرك من سناه
ذكره الصاوي.
وهذا الأمر على إضمار القول كما قدرنا؛ أي: وكتبنا له في الألواح ما ذكر، وقلنا له: هذه وصايانا وأصول شريعتنا وكلياتها، فخذها بقوة وجد وعزم ذاك أنّك ستكون بها شعبا جديدا بعادات جديدة، وأخلاق جديدة، مخالفة في جوهرها وصفاتها لما كان عليه هذا الشعب من الذل والعبودية لدى فرعون وقومه، وما كانوا عليه من الشرك والوثينة التي ألفوها من فرعون وقومه، وراضت
стр. 4362
أنفسهم لقبولها، فأنى للقائد والمرشد أن يصلح ذلك الفساد، ويرأب ذلك الصدع، إذا لم يكن ذا عزيمة وقوة وبأس شديد وحزم في أوامره ونواهيه ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ﴾ بني إسرائيل أن ﴿يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها﴾؛ أي: بأحسن ما في تلك الألواح التي هي التوراة؛ لأنّ فيها حسنا وأحسن، كالقود والعفو، والانتصار والصبر، والمأمور به والمباح، فأمروا بما هو الأكثر ثوابا، فعلى هذا المعنى: فأفعل التفضيل على بابه وهو مثل قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: أكثره أجرا، وقيل: أفعل التفضيل ليس على بابه، فمعنى: ﴿بِأَحْسَنِها﴾: بحسنها إذ كل ما فيها حسن، أو يقال: أمروا فيها بالخير، ونهوا عن الشر، وفعل الخير أحسن من ترك الشر.
وقيل المعنى (١): يعملوا بمحكمها، ويؤمنوا بمتشابهها، وقال بعضهم: الحسن يدخل فيه الواجب والمندوب والمباح، وأحسن هذه الثلاثة الواجبات، والمندوبات، وقال المراغي: أي: وأمر قومك بالاعتصام بهذه الموعظة، والأحكام المفصلة في الألواح التي هي منتهى الكمال والحسن، كالإخلاص لله في العبادة، إذ يتحلى العقل، وتتزكى النفس مع ترك اتخاذ الصور والتماثيل؛ لأنّها ذرائع للشرك، وسبب للوصول إليه ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ قيل (٢) هي أرض مصر التي كانت لفرعون وقومه، وقيل: منازل عاد وثمود، وقيل: هي جهنم، وقال مجاهد: وهذا المعنى أحسن، وقيل منازل الكفار من الجبابرة والعمالقة ليعتبروا بها، والمعنى على هذا القول: سأدخلكم الشام بطريق الايراث، وأريكم منزال الكافرين الذيك كانوا متوطنين فيها من الجبابرة والعمالقة لتعتبروا بها، فلا تفسقوا مثل فسقهم، وقيل: الدار بمعنى الهلاك، والمعنى: سأريكم هلاك الفاسقين والخارجين عن طاعتنا كفرعون وقومه.
وقرأ الحسن (٣): ﴿سأوريكم﴾ بواو ساكنة بعد الهمزة، على ما يقتصيه رسم المصحف، وقال الزمخشري: وهذه لغة فاشية بالحجاز، يقال: أورني كذا
стр. 4363
وأوريته، فوجهه أن يكون من أوريت الزند، كأن المعنى: بينه لي، والمعنى هنا: سأبين لكم عاقبتها، وقرأ ابن عباس وقسامة بن زهير ﴿سأورثكم﴾ بالثاء المثلثة، قال الزمخشري: وهي قراءة حسنة يقويها قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾.
وقال المراغي: ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾؛ أي (١): إن لم تأخذوا ما آتيناكم بقوة، وتتبعوا أحسنه .. كنتم فاسقين عن أمر ربكم، فيحل بكم ما حل بالفاسقين من قوم فرعون الذين أنجاكم الله منهم، ونصركم عليهم، وسيريكم ما حل بهم بعدكم من الغرق.
قال ابن كثير: أي سترون عاقبة من خالف أمري، وخرج عن طاعتي، كيف يصير إلى الهلاك والدمار.
قال ابن جرير: وإنّما قال: ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ كما يقول القائل لمن يخالفه: سؤريك غدا ما يصير إليه حال من خالف أمري، على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره، وفي الآية عبرة لمن يقرأها ويتدبر أمرها من وجوه:
١ - أن الشريعة يجب أن تتلقى بعزيمة وجد لتنفيذ ما بها من الإصلاح، وتكوين الأمة تكوينا جديدا، ومظهر ذلك الرسول المبلّغ لها والداعي إليها، والمنفذ لها بقوله وعمله، فهو الأسوة والقدوة، وهذه سنة الله في كل انقلاب وتجديد اجتماعي وسياسي، وإن لم يكن بهدى الله، فما بالك بالدين - وهو أحوج ما يكون إلى إصلاح الظاهر والباطن - وقد أخذ سلفنا الصالح القرآن بقوة بالعمل بهداية دينهم، فسادوا جميع الأمم التي كانت لها القوة الحربية والصناعية والمالية والعددية، وسعدوا به في دنياهم، وسيكونون كذلك في آخرتهم، وخلف من بعدهم خلف أعرضوا عنه، وتركوا هدايته، فشقوا في دنياهم وآخرتهم كما قال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي
стр. 4364
الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧)﴾.
٢ - أن شعب إسرائيل عظم ملكه حين أقام شريعته بقوة، حتى إذا غلبه الغرور، وظن أن الله ينصره لنسبه، وأنّه شعب الله، ففسق وظلم .. أنزل الله به البلاء، وسلط عليهم البابليين، فأزالوا ملكه، ثم ثاب إلى رشده، فرحمه وأعاد إليه بعض ملكه، ثم ظلم وأفسد، فسلط عليه النصارى، فمزقوه كل ممزق.
٣ - أن المسلمين الذين اتبعوا سننهم، اغتروا بدينهم كما اغتروا واتكلوا على لقب الإسلام ولقب أمة محمد ولم يثوبوا إلى رشدهم، فزالت دولتهم، وذهب ريحهم، وامتلك عدوهم ناصيتهم، وجد في إفساد عقائدهم وأخلاقهم، وإيقاع الشقاق فيما بينهم، وتولى تربيتهم وتعليمهم كما يحب ويهوى، كما يرى ذلك كثيرا في أكثر بلدان المسلمين، خصوصا في الجهات التي دخلها الشيوعيون شرقا وغربا، خاصة في شرقي إفريقيا كالشعوب الأروميا التي استعبدها استعمار الحبوش، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
١٤٦ - ﴿سَأَصْرِفُ﴾ وادفع ﴿عَنْ آياتِيَ﴾ التي جاء بها موسى وغيره من الرسل ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾؛ أي: مكر الذين يتكبرون ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ حالة كونهم ملتبسين ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ويترفعون عن الإيمان بها بإهلاكهم؛ أي: سأزيل (١) الذين يتكبرون في الأرض بالدين الباطل، وأدفعهم عن إبطال آياتي بإهلاكهم على يد موسى، وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعون في إبطال ما رآه من الآيات على يد موسى، فلا يقدرون على منع موسى من تبغليها، وعلى منع المؤمنين من الإيمان بها، وقال الشوكاني (٢): سأمنعهم فهم كتابي، وقيل: سأصرفهم عن الإيمان بها، وقيل: سأصرفهم عن نفعها مجازاة على تكبرهم، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. وقيل: سأطبع على قلوبهم حتى لا يتفكروا فيها، ولا يعتبروا بها، واختلف في تفسير الآيات فقيل: هي المعجزات، وقيل: الكتب المنزلة، وقيل:
هي خلق السموات والأرض، وصرفهم عنها أن لا يعتبروا بها، ولا مانع من
стр. 4365
حمل الآيات على جميع ذلك، وحمل الصرف على جميع المعاني المذكورة، و ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ إما متعلق بقوله: ﴿يَتَكَبَّرُونَ﴾؛ أي: يتكبرون بما ليس بحق، أو بمحذوف وقع حالا؛ أي: يتكبرون ملتبسين بغير الحق. انتهى.
وقال المراغي: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ ...﴾ إلخ، أي: سأمنع (١) قلوب المتكبرين عن طاعتي وعلى الناس بغير حق، فهم الأدلة والحجج الدالة على عظمتي وعلى ما في شرائعي من هدى وسعادة لهم كما قال: ﴿فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. كما منعت فرعون وقومه عن فهم آيات موسى التي أوحيناها إليه، وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾؛ أي: بتلبسهم بالباطل، وانغماسهم فيه، إذ لا قيمة للحق عندهم، فهم لا يبحثون عنه، ولا يطلبونه، وقد تظهر لهم آياته ويجحدونها، وهم بها موقنون، كما قال تعالى في قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ثم بين صفات المتكبرين وأحوالهم فقال:
١ - ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾؛ أي: وإن يشاهدوا كل معجزة كفروا بكل واحدة منها، فهذه الجملة (٢) معطوفة على ﴿يَتَكَبَّرُونَ﴾ منتظمة معه في حكم الصلة، والمعنى: سأصرف عن آياتي المتكبرين التاركين للإيمان بما يرونه من الآيات، ويدخل تحت كل آية الآيات المنزلة، والآيات التكوينية والمعجزات، أي: لا يؤمنون بآية من الآيات كائنة ما كانت.
والمعنى (٣): أنّهم إذا رأوا الآيات التي تدل على الحق وتثبته ... لا يستفيدون منها فائدة ما، فلا يؤمنون بها؛ لأنّ كثرة الآيات وتعدد أنواعها إنّما تفيد من تكون نفسه تواقة لمعرفة الحق لكنه يجهل الوصول إليه، أو يشك في الطريق الموصلة إليه، لتعارض الأدلة لديه لخفاء دلالتها، أو لسوء فهمه لها، فإذا خفيت عليه دلالة بعضها .. فقد تظهر له دلالة غيره، فتنكشف الحقيقة واضحة أمامه، وتسفر له عن وجهها، وفي هذا إيماء إلى النبي ﷺ بأن الذين يقترحون
стр. 4366
عليه الآيات من قومه لا يقصدون استبانة الحق وإيضاحه، بل يريدون إحداث الشغب والتعجيز، فإن هم أجيبوا إلى طلبهم لم يؤمنوا بما جئت به، وقرأ مالك بن دينار ﴿وإن يروا﴾ بضم الياء في الموضعين.
٢ - ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾؛ أي: سبيل الهدى والبيان الذي جاء من الله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾؛ أي (١): لا يسلكوا سبيله؛ أي: وهم ينفرون من سبيل الهدى والرشاد، وهي السبيل المعبدة الواضحة، فإذا رأى أحدهم هذه السبيل لا يختارها لنفسه، ولا يفضلها على ما هو عليه من الغي، وهذا منتهى ما يكون من الطبع على القلب، والخروج عن جادة العقل، والفطرة، ومن الناس من يسلك هذه السبيل عن جهل، فإذا رأى لنفسه مخرجا منها ارعوى وتركها، واختار لنفسه سبيل الرشاد.
٣ - ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ﴾؛ أي: الضلال ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾؛ أي: يختارونه مسلكا لأنفسهم؛ أي: إنّهم إذا رأوا سبيل الغي والضلال ... هرعوا إليها، وخبوا فيها، وأوضعوا بما تزينه لهم أنفسهم من سلوكها، والسير فيها إلى آخر الحلبة، وهذه حال لهم شر من سابقتيها، وهؤلاء الذين اجتمعت لهم هذه الصفات هم الذين طبع الله على قلوبهم، وختم على سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة، فسبيل الحق بغيضة إليهم، وطريقه مكروهة لديهم.
قال الشوكاني (٢): وجملة قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ معطوفة على ما قبلها، داخلة في حكمها، وكذلك جملة قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ المعنى: أنّهم إذا وجدوا سبيلا من سبل الرشد .. تركوه وتجنبوه، وإن رأوا سبيلا من سبل الغي .. سلكوه واختاروه لأنفسهم.
وقرأ حمزة والكسائي (٣): ﴿الرَّشَد﴾ بفتح الراء والشين، والباقون بضم الراء وسكون الشين. وروي عن ابن عامر بضمتين، وقال أبو عمرو بن العلاء
стр. 4367
﴿الرُّشْدِ﴾ - بضم وسكون - الصلاح في النظر، وبفتحتين الاستقامة في الدين، وقرأ أبو عبد الرحمن ﴿الرشاد﴾ وهي مصادر كالسقم والسقم والسقام، وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿لا يتخذوها ويتخذوها﴾ على تأنيث السبيل، والسبيل تذكر وتؤنث قال تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي﴾ ولما نفى عنهم الإيمان وهو من أفعال القلب، استعار للرشد والغي سبيلين، فذكر أنّهم تاركوا سبيل الرشد، سالكوا سبيل الغي.
ثم علل ما سلف من صرفهم عن النظر في الآيات، وعدم اعتبارهم بها فقال: ﴿ذلِكَ﴾؛ أي: تكبرهم وعدم إيمانهم بشيء من الآيات، وإعراضهم عن سبيل الرشد، وإقبالهم التام إلى سبيل الغي، حاصل ﴿بـ﴾ سبب ﴿أنهم كذبوا بآياتنا﴾ الدالة على صدق رسلنا، وباهر قدرتنا ﴿وَ﴾ بسبب أنّهم ﴿كانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾؛ أي: كانوا معرضين عن النظر والتفكر فيها؛ أي: ذلك حاصل بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها.
أي: إننا (١) عاقبناهم على تكذيبهم بالآيات والغفلة عن النظر إلى الأدلة الموصلة إلى الحق، فيما أمرنا به ونهينا عنه بالختم على قلوبهم والغشاوة على أعينهم، حتى لا يجد الحق منفذا في الوصول إليها.
والخلاصة: أنّ الله لم يخلق هؤلاء مطبوعين على الغي والضلال طبعا، ولم يجبرهم إجبارا ويكرههم عليه إكراها، بل كان ذلك بكسبهم واختيارهم، إذ هم آثروا التكذيب بالآيات، والصد عن السبيل الموصلة إلى الرشاد، وغفلوا عن النظر في أدلتها لشغلهم بأهوائهم، واتباع شهواتهم، وبذا لجوا في الطغيان، وتمادوا في العصيان، واحتقروا ما سوى ذلك، مما يهدي عقولهم إلى صواب الحق وسلوك طريقه، وأمثال هؤلاء هم الذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩)﴾.
стр. 4368
ولا شك أنّ كثيرا من المسلمين الذين تعلموا التعاليم الغربية، ورأوا زخرف المدنية الأوروبية، وغرهم بهرجها وخبلتهم زينتها، تنطبق عليهم هذه الصفات، فهم يحتقرون هداية الدين الروحية وأوامره ونواهيه، وسائر تعاليمه، وماله من تأثير عظيم في النفوس وتوجيه لها إلى الخير، وصد لها عن الشر، والبعد عن الفواحش والمنكرات.
ذاك أنّهم رأوا أنفسهم بعيدين عن الفنون والصناعات وزخرف الحياة الذي وصل فيه الغربيون إلى الغاية القصوى، وهم عبيد شهواتهم، منصرفون عن هداية الأديان إلى أبعد غاية، فحدثتهم أنفسهم أن ينهجوا نهجهم، ويسيروا على سنتهم، علهم يصلون في ذلك إلى بعض ما وصلوا إليه، ولو ساغ لبني إسرائيل أن لا يتبعوا موسى ﵇؛ لأنّه لم يكن عنده من زينة الدنيا ومن الفنون والصناعات، ومن رائع المدنية مثل ما كان عند فرعون وقومه، لساغ لهم أن ينحدروا في تلك الهوة ويقعوا في تلك الحفرة، ولله في خلقه شؤون، وهو يصرف الأمور بيده، وله الأمر من قبل ومن بعد
١٤٧ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ وجحدوا ﴿بِآياتِنا﴾ المنزلة على رسلنا؛ أي: لم يصدقوها، ولم يأتمروا بأوامرها، ولم ينتهوا بنواهيها ﴿وَلِقاءِ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: وكذبوا بلقائهم الدار الآخرة، وما فيها من المجازاة بالبعث والنشور، وماتوا على ذلك ﴿حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾؛ أي (١): حسناتهم التي لا تتوقف على نية، كصلة الأرحام، وإغاثة الملهوفين؛ أي: لا يثابون عليها في الآخرة وإن نفعتهم في تخفيف العذاب، لكن التخفيف لا يقال له ثواب، والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إنكاري، بمعنى النفي؛ أي: ما يجزون في الآخرة إلا على ما كانوا يعملون في الدنيا من الكفر والمعاصي.
والمعنى (٢): والذين كذبوا بآياتنا المنزلة بالحق، والهدى على رسلنا، فلم يؤمنوا بها، ولم يهتدوا بهديها، وكذبوا بما يكون في الآخرة من الجزاء على الأعمال، من ثواب على الخير وعقاب على الشر، تحبط أعمالهم وتذهب
стр. 4369
سدى؛ لأنّهم عملوا لغير الله تعالى وأتعبوا أنفسهم في غير ما يرضي الله تعالى، فتصير أعمالهم وبالا عليهم، ولا يجزون إلا جزاء ما استمروا على عمله من الكفر والمعاصي، فأثر في نفوسهم وأرواحهم، حتى دساها وأفسدها، فقد مضت سننه تعالى بجعل الجزاء في الآخرة أثرا للعمل، مرتبا عليه، كترتيب المسبب على السبب ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ في جزائه مثقال ذرة
١٤٨ - ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى﴾؛ أي: وصاغ بنو إسرائيل ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من بعد إنطلاق موسى ﵇ وذهابه إلى الجبل لمناجاة ربه، وفاء للموعود الذي وعده إياه ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾؛ أي: من حلي القبط وذهبهم التي استعاروها منهم لعلة العرس ﴿عِجْلًا﴾، أي: تبيعا وأبدل منه قوله: ﴿جَسَدًا﴾؛ أي: جرما وتمثالا، لدفع توهم أنّه صورة عجل منقوشة على حائط مثلا ﴿لَهُ خُوارٌ﴾؛ أي: له صوت مثل صوت تبيع البقر؛ أي: صاغ لهم موسى السامري - رجل منهم، وكان رجلا مطاعا فيهم، ذا منزلة واحترام؛ لأنّه رباه جبريل في الجبل -، ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ وتمثالا على صورة عجل البقر، له صوت وصياح، فقال لهم: هذا إلهكم وإله موسى فاعبدوه، وإنّما نسب الاتخاذ إليهم - مع أن الصائغ له هو موسى السامري - لأنّه عمله برأي جمهورهم الذين طلبوا أن يجعل لهم إلها يعبدونه.
قيل (١): إن بني إسرائيل كان لهم عيد يتزينون فيه، ويستعيرون من القبط الحلي، فلما أغرق الله القبط بقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، وصارت ملكا لهم، فجمع السامري تلك الحلي - وكان رجلا مطاعا فيهم، صائغا - فصاغ السامري عجلا، وأخذ كفا من تراب حافر فرس جبريل ﵇، فألقاه في جوف ذلك العجل، فانقلب لحما ودما، وظهر منه الخوار مرة واحدة، فقال السامري: هذا إلهكم وإله موسى ﵇، وكان (٢) اسم السامري موسى بن ظفر، من قرية تسمى سامرة، وكان ابن زنا، وضعته أمه في جبل فأرسل الله جبريل فصار يرضعه من إصبعه، فكان يعرفه إذا نزل إلى الأرض، فلما نزل جبريل يوم غرق فرعون، وكان راكبا فرسا، فكان كل شيء وطئه بحافرها يخضر
стр. 4370
ويثمر، ففطن موسى السامري لذلك، وعلم أن هذا التراب له أثر، فأخذ شيئا منه ادخره، فلما توجه موسى ﵇ للمناجاة .. صنع لهم العجل، ووضع التراب في فيه فصار له خوار، فقال: هذا إلهكم وإله موسى، فنسي كما في سورة طه، وكان موسى السامري منافقا، وانظر إلى من رباه جبريل، حيث كان منافقا، وإلى من رباه فرعون، حيث كان مرسلا فإنّ هذا دليل على أن السعادة والشقاوة بيد الله، قال بعضهم:
إذا المرء لم يخلق سعيدا من الأزل ... فقد خاب من ربّى وخاب المؤمّل
فموسى الّذي ربّاه جبريل كافر ... وموسى الّذي ربّاه فرعون مرسل
قال ابن كثير (١): وقد اختلف المفسرون في ذلك العجل، هل صار لحما ودما له خوار؟ أو استمر على كونه من ذهب إلا أنّه يدخل فيه الهواء، فيصوت كالبقر، على قولين والله أعلم، انتهى.
ويرى (٢) الرأي الأول قتادة والحسن البصري، في جماعة آخرين، وتعليل ذلك عندهم: أن السامري رأى جبريل حين جاوز ببني إسرائيل البحر راكبا فرسا، ما وطىء بها أرضا إلا حلت فيها الحياة، واخضر نباتها، فأخذ من أثرها قبضة فنبذها في جوف تمثال العجل، فحلت فيه الحياة وصار يخور كما يخور العجل.
ويرى جماعة آخرون الرأي الثاني، ويقولون: إن خواره كان بتأثير دخول الريح في جوفه وخروجها من فيه، ذاك أنّه صنع تمثال عجل مجوفا، ووضع في جوفه أنابيب على طريق فنية، مستمدة من دراسة علم الصوت، وجعل وضعه على مهب أنابيب الرياح، فمتى دخلت الريح في جوف التمثال انبعث منه صوت يشبه خوار العجل، وقال آخرون: بل ذلك الخوار كان تمويها وعملا منه يشبه عمل الحواة، ذاك أنّه جعل التمثال أجوف، وجعل تحت الموضع الذي نصب فيه من ينفخ فيه من حيث لا يشعر الناس، فسمعوا الصوت من جوفه كالخوار، والناس يفعلون مثل هذا في النافورات التي تجري فيها المياه، وبهذا الطريق ونحوه ظهر
стр. 4371
الصوت من التمثال، ثم ألقى في روع الناس أن هذا العجل إلهكم وإله موسى، فعبدوه كلهم إلا هارون وقليلا منهم وافقوه، كما قال الحسن، وقال الكرماني (١):
جعل في بطن العجل بيتا يفتح ويغلق، فإذا أراد أن يخور .. أدخل غلاما يخور بعلامة بينهما إذا أراد، وقيل: يحتمل أن يكون الله أخاره ليفتن بني إسرائيل، وخواره قيل مرة واحدة ولم يثنّ، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وقيل مرارا، فإذا خار سجدوا، وإذا سكت رفعوا رؤوسهم، وقال ابن عباس وأكثر المفسرين: إن هذا العجل قد ذبحه موسى وحرقه وذرأه في الهواء، كما سيأتي في سورة طه في قوله: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ الخ.
وقرأ الكسائي وحمزة (٢): ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ بكسر الحاء، إتباعا لحركة اللام، كما قالوا: عصي، وهي قراءة أصحاب عبد الله ويحيى بن وثاب، وطلحة والأعمش، وقرأ باقي السبعة والحسن وأبو جعفر وشيبة بضم الحاء، وهو جمع نحو: ثدي وثديّ، وقرأ يعقوب: مِنْ حُلِيِّهِمْ بفتح الحاء وسكون اللام وهو مفرد، ويراد به الجنس، أو اسم جنس مفرده حلية، كثمر وثمرة، وأضيفت الحلي إليهم لأنّهم ملكوها غنيمة لما غرق قوم فرعون، أو أضيفت إليهم وإن كانت لغيرهم تجوزا لأدنى ملابسة.
وقرأ علي وأبو السمال وفرقة ﴿جؤار﴾ بالجيم والهمز، من جار إذا صاح بشدة صوت. فرد الله عليهم ضلالاتهم، وأبان لهم فساد آرائهم، وقرعهم على جهالاتهم فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ والاستفهام فيه للتقريع والتوبيخ؛ أي: ألم يعلم قوم موسى أنّ هذا العجل لا يكلمهم بشيء ﴿وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقا توصلهم إلى مصالحهم وسعادتهم بوجه من الوجوه.
أي: ألم يروا أنّه فاقد لما يعرف به الإله الحق من تكليمه لمن يختاره من البشر لرسالته، لتعليم عباده ما يجب عليهم معرفته من صفاته، وسبيل عبادته، كما كلم رب العالمين موسى ﵇، وألقى إليه الألواح التي فيها من
стр. 4372
الشرائع ما يزكي النفوس، وتقوم بها مصالح العباد، وعليها سعادتهم في دنياهم وآخرتهم.
وخلاصة ذلك: أنّه فاقد لأهم صفة من صفات الإله الحق، وهي صفة الهداية والإرشاد للعباد، بإرسال الرسل الذين يختارهم إلى الناس، ومرجعها صفة الكلام، ثم أكد ما سلف وقرره بقوله: ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ أي: اتخذوا ذلك العجل إلها وعبدوه ﴿وَكانُوا ظالِمِينَ﴾ لأنفسهم حيث أعرضوا عن عبادة الله تعالى، واشتغلوا بعبادة العجل.
أي: إنهم لم يتخذوه عن دليل وبرهان، بل اتخذوه عن تقليد للمصريين، إذ رأوهم يعبدون العجل - أبيس - من قبل، وعن تقليد لما رأوه من العاكفين على أصنام لهم من بعد، فعبدوه مثلهم،
﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: ولما اشتد ندمهم على عبادة العجل، وازدادت حسرتهم على ما فرط منهم في جنب الله تعالى، وتحيروا بعد عود موسى من الميقات ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾؛ أي: وعلموا أنّهم قد ضلوا ضلالا بعيدا بعبادة العجل ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال بعضهم لبعض: إن ذنبنا لعظيم، وإن جرمنا لكبير، وإنّه لن يسعهم بعد هذا الذنب إلا رحمة الله التي وسعت كل شيء و ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ بقبول توبتنا ﴿وَيَغْفِرْ لَنا﴾ بالتجاوز عن جريمتنا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾؛ أي: من الذين خسروا سعادة الدنيا - وهي الحرية والاستقلال في أرض الموعد - وخسروا سعادة الآخرة وهي دار الكرامة والنعيم المقيم وجنات النعيم.
١٤٩ - وفي «الفتوحات» قوله: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ هذا كناية عن (١) الندم، ومعلوم أنّ الندم متأخر عن علمهم بالخطأ، فتقديمه على الرؤية للمسارعة إلى بيانه، والإشعار بغاية سرعته، حتى كأنّه سابق على الرؤية. اه «أبو السعود».
﴿وسُقِطَ﴾ فعل ماض مبني للمجهول، وأصل الكلام: سقطت أفواههم على أيديهم، ففي بمعنى على، وذلك من شدة الندم، فإن العادة أنّ الإنسان إذا ندم بقلبه على شيء عض بفمه على أصابعه، فسقوط الأفواه على الأيدي لازم للندم،
стр. 4373
فأطلق اسم اللازم، وأريد الملزوم على سبيل الكناية، وهذا التركيب لم تعرفه العرب إلا بعد نزول القرآن الكريم.
وقرأ ابن أبي عبلة (١): ﴿أسقط في أيديهم﴾ رباعيا مبنيا للمفعول، وقرأ ابن السميقع ﴿سقط في أيديهم﴾ مبنيا للفاعل، وفاعله مضمر؛ أي: الندم، هذا قول الزجاج، وقال الزمخشري: سقط العض، وقال ابن عطية: سقط الخسران والخيبة. وكل هذه أمثلة، ذكره في «الفتوحات».
وقرأ الأخوان - حمزة والكسائي - والشعبي وابن وثاب، والجحدري وابن مصرف، والأعمش وأيوب: بالخطاب في ﴿ترحمنا وتغفر لنا﴾ ونصب ﴿ربنا﴾ على النداء حكاية لدعائهم، وفاعل الفعلين مستتر؛ أي: لئن لم تغفر أنت يا ربنا. وقرأ باقي السبعة ومجاهد والحسن والأعرج، وأبو جعفر وشيبة بن نصاح وغيرهم: ﴿يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا﴾ بالياء فيهما، ورفع ﴿رَبُّنا﴾ على الفاعلية حكاية لأخبارهم فيما بينهم؛ أي: قال بعضهم لبعض: لئن يرحمنا ربنا ويغفر لنا، وفي مصحف أبي: ﴿قالوا ربنا لئن ترحمنا وتغفر لنا﴾ بتقديم المنادى، وهو ﴿ربنا﴾ وفي قولهم: ﴿رَبُّنا﴾ استعطاف حسن إذ الرب هو المالك الناظر في أمر عبيده، والمصلح منهم ما فسد.
١٥٠ - ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى﴾ ﵇ من مناجاته لربه في جبل الطور ﴿إِلى قَوْمِهِ﴾ بني إسرائيل حالة كونه ﴿غَضْبانَ﴾ على أخيه هارون، إذ رأى أنّه لم يكن فيهم صلب الرأي، قوي الشكيمة، نافذ الكلمة ﴿أَسِفًا﴾؛ أي: حزينا لما فعله قومه من عبادة غير الله تعالى، وكان قد أخبره الله تعالى بذلك قبل رجوعه كما سيأتي في سورة طه: ﴿قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾ فقوله: ﴿غَضْبانَ أَسِفًا﴾ حالان من موسى، وذكر جواب لما بقوله ﴿قالَ﴾ موسى لهم ﴿بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي﴾؛ أي: بئس وقبح خلافة خلفتمونيها ﴿مِنْ بَعْدِي﴾؛ أي: من بعد ذهابي عنكم إلى مناجاة ربي، وقد كنت لقنتكم التوحيد، وكففتكم عن الشرك، وبينت
стр. 4374
لكم فساده وسوء عاقبته، وحذرتكم صنيع القوم الذين كانوا يعكفون على أصنام لهم من تماثيل البقر.
وقد كان من الحق عليكم أن تقتفوا أثري وتتبعوا سيرتي، بيد أنّكم سلكتم ضد ذلك، فصنعتم صنما كأحد أصنامهم، فعبده بعضكم، ولم يردعكم عن ذلك باقيكم ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ والاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ، قال صاحب «الكشاف»: المعنى: أعجلتم عن أمر ربكم - وهو انتظار موسى - حافظين لعهده وما وصاكم به، فبنيتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره، ولم أرجع إليكم فحدثتكم أنفسكم بموتي، فغيرتم كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم.
وعبارة «المراح» هنا قوله: ﴿بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾؛ أي: بئسما قمتم مقامي، وكنتم خلفائي من بعد انطلاقي إلى الجبل، وهذا الخطاب إما لعبدة العجل - السامري وأشياعه - أي: بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله تعالى، وإما لهارون والمؤمنين معه؛ أي: بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوهم من عبادة غير الله تعالى، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم هذه ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: أعجلتم وعد ربكم من الأربعين، فلم تصبروا له، وذلك أنّهم قدروا أن موسى لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة قد مات.
﴿وَأَلْقَى﴾ موسى ﴿الْأَلْواحَ﴾؛ أي: ألواح التوراة التي جاء بها؛ أي: وضعها في موضع ليتفرغ لما قصده من مكالمة قومه، فلما فرغ من مكالمتهم عاد إليها فأخذها؛ أي: طرحها من يديه ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾؛ أي: بشعر رأس هارون بيمينه ولحيته بشماله حالة كونه ﴿يَجُرُّهُ﴾؛ أي: يجر هارون ﴿إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى نفسه بذؤابته لا على سبيل الإهانة، بل ليستكشف منه كيفية تلك الواقعة، ظنا منه أنه قد قصر في ردعهم وتأنيبهم، وكفهم عن عبادة العجل، كما فعل هو بتحريقه وإلقائه في اليم إن قدر، أو أن يتبعه إلى جبل الطور إن لم يستطع، كما حكى الله تعالى عنه في سورة طه ﴿يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ ولا شك أنّ سياسة الأمم تختلف باختلاف أحوال رعاتها وسائسيها،
стр. 4375
فالقوي منهم الشديد الغضب للحق كموسى، يشعر بما لا يشعر به من يغلب عليه الحلم ولين العريكة كهارون ﵇.
ثم ذكر سبحانه جواب هارون لموسى فقال: ﴿قالَ﴾ هارون لموسى ﴿ابْنَ أُمَّ﴾؛ أي: يا ابن أمي لا تعجل بلومي وتعنيفي، ولا تظنن تقصيري في جنب الله تعالى، فإنّي لم آل جهدا في الإنكار على القوم والنصح لهم ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾؛ أي: ولكن القوم قد وجدوني واعتقدوني ضعيفا، ولم يرعووا لنصحي، ولم يمتثلوا لأمري ﴿وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾؛ أي: بل وأوشكوا وقاربوا أن يقتلونني لأنّي نهيتهم عن عبادة العجل.
ناداه (١) نداء استعطاف وترفق، وكان شقيقه، وهي عادة العرب تتلطف وتتحنن بذكر الأم، كما قال:
يا ابن أمّي ويا شقيق نفسي
وقال آخر:
يا ابن أمّي فدتك نفسي ومالي
وأيضا: فكانت أمهما مؤمنة، قالوا: وكان أبوه مقطوعا عن القرابة بالكفر، كما قال تعالى: لنوح ﵇ ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ وأيضا لما كان حقها أعظم، لمقاساتها الشدائد في حمله وتربيته، والشفقة عليه .. ذكره بحقها، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين، وكان كثير الحلم، ولهذا كان محببا في بني إسرائيل.
وقرأ الحرميان (٢) - نافع وابن كثير - وأبو عمرو وحفص ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ بفتح الميم، فقال الكوفيون أصله: يا ابن أماه، فحذفت الألف تخفيفا كما حذفت في يا غلام، أصله: يا غلاما، وسقطت هاء السكت لأنّه درج، فعلى هذا الاسم معرب، إذ الألف منقلبة عن ياء المتكلم فهو مضاف إليه لابن، وقال سيبويه:
стр. 4376
هما اسمان بنيا على الفتح كاسم واحد، كخمسة عشر ونحوه، فعلى قوله: ليس مضافا إليه ابن، والحركة حركة بناء.
وقرأ باقي السبعة: بكسر الميم، فقياس قول الكوفيين: أنّه معرب وحذفت ياء المتكلم، واجتزىء عنها بالكسرة، كما اجتزؤا بالفتحة عن الألف المنقلبة عن ياء المتكلم، وقال سيبويه: هو مبني أضيف إلى ياء المتكلم، كما قالوا: يا أحد عشر أقبلوا، وحذفت الياء، واجتزؤا عنها بالكسرة، وقرىء بإثبات ياء الإضافة فتقول: يا ابن أمي. وقرىء ابن أمّ بكسر الهمزة والميم. ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ﴾؛ أي: فلا تفرح الأعداء أصحاب العجل بما تفعل بي من المكروه؛ أي: فلا تفعل بي من اللوم والتقريع ما يجعل الأعداء يشمتون ويفرحون بي.
وقرأ ابن محيصن (١): ﴿تُشْمِتْ﴾ بفتح التاء وكسر الميم ونصب الأعداء.
ومجاهد كذلك، إلا أنّه فتح الميم، وعن مجاهد أيضا ﴿فَلا تُشْمِتْ﴾ بفتح التاء والميم ورفع الأعداء، وعن حميد بن قيس كذلك، إلا أنّه كسر الميم، جعلاه فعلا لازما فارتفع به الأعداء.
﴿وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: لا تعجلني في زمرة القوم الظالمين لأنفسهم، وهم الذين عبدو العجل، فتغضب مني كما غضبت منهم، وتؤاخذني كما آخذتهم؛ فإني لست منهم في شيء؛ أي: ولا تظن أنّي واحد من الذين عبدوا العجل مع برائتي منهم، وإنما قال هارون تلك المقالة لأنّه خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أنّ موسى ﵇ غضبان عليه، كما أنّه غضبان على عبدة العجل.
وفي هذا دليل على أنّ هارون كان دون موسى في شدة العزيمة، وقوة الإرادة، وأخذ الأمور بالحزم، وهذا ما أطبق عليه المسلمون وأهل الكتاب،
١٥١ - ثم أبان سبحانه أثر هذا الاستعطاف في قلب موسى ﵇ فقال: ﴿قالَ﴾ موسى ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ فيما أقدمت على أخي هارون من هذا الغضب ﴿وَلِأَخِي﴾ في تركه
стр. 4377
التشديد على عبدة العجل ﴿وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ﴾؛ أي: في جنتك بمزيد الإنعام بعد غفران ما سلف منا ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾؛ أي: فأنت أرحم بنا منا على أنفسنا.
وحاصل المعنى: أي قال موسى: رب اغفر لي ما فرط مني من قول وفعل فيهما غلظة وجفاء، واغفر له ما عساه يكون قد قصر فيه من مؤاخذة القوم على ما اجترموه من الآثام، خوفا مما توقعه من الإيذاء الذي قد يصل إلى القتل، ﴿وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ﴾ التي وسعت كل شيء، واغمرنا بجودك وفضلك، فأنت أرحم بعبادك من كل رحم، والآية صريحة في براءة هارون من جريمة اتخاذ العجل وفي إنكاره على متخذيه وعابديه من قومه.
الإعراب
﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾.
﴿وَواعَدْنا﴾ الواو استئنافية، ﴿واعَدْنا﴾: فعل وفاعل، ﴿مُوسى﴾: مفعول أول، ﴿ثَلاثِينَ﴾: مفعول ثان ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: انقضاء ثلاثين أو تمام ثلاثين، ﴿لَيْلَةً﴾: تمييز لـ ﴿ثَلاثِينَ﴾. منصوب به، والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿وَأَتْمَمْناها﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿واعَدْنا﴾، بِعَشْرٍ: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أتممنا﴾، ﴿فَتَمَّ﴾: الفاء عاطفة تفريعية ﴿تم﴾: فعل ماض ﴿مِيقاتُ رَبِّهِ﴾: فاعل ومضاف إليه، ﴿أَرْبَعِينَ﴾: مفعول به، ﴿لَيْلَةً﴾: تمييز لـ ﴿أَرْبَعِينَ﴾ منصوب به، وجملة ﴿تم﴾ من الفعل والفاعل معطوفة مفرعة على جملة ﴿أتممنا﴾.
﴿وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿وَقالَ مُوسى﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿لِأَخِيهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿قالَ﴾، ﴿هارُونَ﴾: بدل من ﴿أخيه﴾ بدل كل من كل، أو عطف بيان منه، ﴿اخْلُفْنِي﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿اخْلُفْنِي﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿هارُونَ﴾، والجملة في محل النصب مقول
стр. 4378
﴿قالَ﴾، ﴿فِي قَوْمِي﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿اخْلُفْنِي﴾، ﴿وَأَصْلِحْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿هارُونَ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿اخْلُفْنِي﴾، ﴿وَلا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَتَّبِعْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ لا الناهية، وفاعله ضمير يعود على ﴿هارُونَ﴾، ﴿سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَصْلِحْ﴾.
﴿وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾.
﴿وَلَمَّا﴾ الواو: استئنافية ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿جاءَ مُوسى﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿لِمِيقاتِنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿جاءَ﴾، ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعل معطوف على ﴿جاءَ﴾. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾ مستأنفة، ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإنّ شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿أَرِنِي﴾ (أر): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وهي الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والنون نون الوقاية والياء ضمير المتكلم في محل النصب مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: أرني نفسك، والجملة الفعلية جواب النداء في محل النصب مقول القول، ﴿أَنْظُرْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق؛ لأنّه في تقدير: فإن فعلت بي ذلك أنظر إليك، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة في محل النصب مقول القول، ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلقان بـ ﴿أَنْظُرْ﴾ ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الرب، والجملة مستأنفة، ﴿لَنْ تَرانِي﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَنْ﴾: حرف نصب، ﴿تَرانِي﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿لَنْ﴾ وعلامة نصبه فتحة مقدرة منع من ظهورها التعذر، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والنون نون الوقاية، والياء ضمير المتكلم في محل النصب مفعول به لـ ﴿ترى﴾؛ لأنّ ترى
стр. 4379
بصرية تتعدى إلى مفعول واحد، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿وَلكِنِ﴾، الواو: عاطفة، ﴿لكِنِ﴾: حرف استدراك ﴿أَنْظُرْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، إِ ﴿لَى الْجَبَلِ﴾: جار ومجرور متعلقان بـ ﴿أَنْظُرْ﴾، والجملة الاستدراكية في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿لَنْ تَرانِي﴾.
﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَإِنِ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿اسْتَقَرَّ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْجَبَلِ﴾، ﴿مَكانَهُ﴾ منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿اسْتَقَرَّ﴾، ﴿فَسَوْفَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبا لكون الجواب جملة تسويفية، ﴿سوف﴾: حرف تنفيس، ﴿تَرانِي﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على الجملة الاستدراكية: ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فتجلى ربه للجبل، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿تَجَلَّى رَبُّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿لِلْجَبَلِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تَجَلَّى﴾، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على الجملة المحذوفة ﴿وَخَرَّ مُوسى﴾ فعل وفاعل ﴿صَعِقًا﴾ حال من موسى، والجملة معطوفة على جملة ﴿جعل﴾، ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطف على محذوف وتقديره: ثم أفاق موسى، ﴿لما﴾: حرف شرط، ﴿أَفاقَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾، ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة جواب لما، وجملة لما معطوف على جملة محذوفة، ﴿سُبْحانَكَ﴾ ... إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإنّ شئت قلت: ﴿سُبْحانَكَ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبا تقديره: أسبحك سبحانا، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿تُبْتُ﴾:
стр. 4380
فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿تُبْتُ﴾، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تُبْتُ﴾.
﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة مستأنفة ﴿يا مُوسى﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿يا مُوسى﴾ منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿إِنِّي﴾ ﴿إن﴾: حرف نصب، والياء اسمها ﴿اصْطَفَيْتُكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ على كونها جواب النداء، ﴿عَلَى النَّاسِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿اصطفى﴾، ﴿بِرِسالاتِي﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق أيضا بـ ﴿اصطفى﴾، ﴿وَبِكَلامِي﴾: جار ومجرور، معطوف على الجار والمجرور قبله، وكرر حرف الجر تنبيها على مغايرة الاصطفاء للكلام، كما في السمين، ﴿فَخُذْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿خذ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾ والجملة في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿إِنِّي﴾ على كونها مقول ﴿قالَ﴾، ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به، ﴿آتَيْتُكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: آتيتكه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾: أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف من ﴿آتَيْتُكَ﴾، ﴿وَكُنْ﴾: فعل ناقص واسمه، ضمير يعود على موسى، ﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿كُنْ﴾، وجملة ﴿كُنْ﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب، معطوفة على جملة قوله: ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾.
﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
﴿وَكَتَبْنا﴾ الواو: استئنافية ﴿كَتَبْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿كَتَبْنا﴾، وكذا يتعلق به قوله: ﴿فِي الْأَلْواحِ﴾،