هما اسمان بنيا على الفتح كاسم واحد، كخمسة عشر ونحوه، فعلى قوله: ليس مضافا إليه ابن، والحركة حركة بناء.
وقرأ باقي السبعة: بكسر الميم، فقياس قول الكوفيين: أنّه معرب وحذفت ياء المتكلم، واجتزىء عنها بالكسرة، كما اجتزؤا بالفتحة عن الألف المنقلبة عن ياء المتكلم، وقال سيبويه: هو مبني أضيف إلى ياء المتكلم، كما قالوا: يا أحد عشر أقبلوا، وحذفت الياء، واجتزؤا عنها بالكسرة، وقرىء بإثبات ياء الإضافة فتقول: يا ابن أمي. وقرىء ابن أمّ بكسر الهمزة والميم. ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ﴾؛ أي: فلا تفرح الأعداء أصحاب العجل بما تفعل بي من المكروه؛ أي: فلا تفعل بي من اللوم والتقريع ما يجعل الأعداء يشمتون ويفرحون بي.
وقرأ ابن محيصن (١): ﴿تُشْمِتْ﴾ بفتح التاء وكسر الميم ونصب الأعداء.
ومجاهد كذلك، إلا أنّه فتح الميم، وعن مجاهد أيضا ﴿فَلا تُشْمِتْ﴾ بفتح التاء والميم ورفع الأعداء، وعن حميد بن قيس كذلك، إلا أنّه كسر الميم، جعلاه فعلا لازما فارتفع به الأعداء.
﴿وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: لا تعجلني في زمرة القوم الظالمين لأنفسهم، وهم الذين عبدو العجل، فتغضب مني كما غضبت منهم، وتؤاخذني كما آخذتهم؛ فإني لست منهم في شيء؛ أي: ولا تظن أنّي واحد من الذين عبدوا العجل مع برائتي منهم، وإنما قال هارون تلك المقالة لأنّه خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أنّ موسى ﵇ غضبان عليه، كما أنّه غضبان على عبدة العجل.
وفي هذا دليل على أنّ هارون كان دون موسى في شدة العزيمة، وقوة الإرادة، وأخذ الأمور بالحزم، وهذا ما أطبق عليه المسلمون وأهل الكتاب،
١٥١ - ثم أبان سبحانه أثر هذا الاستعطاف في قلب موسى ﵇ فقال: ﴿قالَ﴾ موسى ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ فيما أقدمت على أخي هارون من هذا الغضب ﴿وَلِأَخِي﴾ في تركه
стр. 4377
التشديد على عبدة العجل ﴿وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ﴾؛ أي: في جنتك بمزيد الإنعام بعد غفران ما سلف منا ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾؛ أي: فأنت أرحم بنا منا على أنفسنا.
وحاصل المعنى: أي قال موسى: رب اغفر لي ما فرط مني من قول وفعل فيهما غلظة وجفاء، واغفر له ما عساه يكون قد قصر فيه من مؤاخذة القوم على ما اجترموه من الآثام، خوفا مما توقعه من الإيذاء الذي قد يصل إلى القتل، ﴿وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ﴾ التي وسعت كل شيء، واغمرنا بجودك وفضلك، فأنت أرحم بعبادك من كل رحم، والآية صريحة في براءة هارون من جريمة اتخاذ العجل وفي إنكاره على متخذيه وعابديه من قومه.
الإعراب
﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾.
﴿وَواعَدْنا﴾ الواو استئنافية، ﴿واعَدْنا﴾: فعل وفاعل، ﴿مُوسى﴾: مفعول أول، ﴿ثَلاثِينَ﴾: مفعول ثان ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: انقضاء ثلاثين أو تمام ثلاثين، ﴿لَيْلَةً﴾: تمييز لـ ﴿ثَلاثِينَ﴾. منصوب به، والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿وَأَتْمَمْناها﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿واعَدْنا﴾، بِعَشْرٍ: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أتممنا﴾، ﴿فَتَمَّ﴾: الفاء عاطفة تفريعية ﴿تم﴾: فعل ماض ﴿مِيقاتُ رَبِّهِ﴾: فاعل ومضاف إليه، ﴿أَرْبَعِينَ﴾: مفعول به، ﴿لَيْلَةً﴾: تمييز لـ ﴿أَرْبَعِينَ﴾ منصوب به، وجملة ﴿تم﴾ من الفعل والفاعل معطوفة مفرعة على جملة ﴿أتممنا﴾.
﴿وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
﴿وَقالَ مُوسى﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿لِأَخِيهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿قالَ﴾، ﴿هارُونَ﴾: بدل من ﴿أخيه﴾ بدل كل من كل، أو عطف بيان منه، ﴿اخْلُفْنِي﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿اخْلُفْنِي﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿هارُونَ﴾، والجملة في محل النصب مقول
стр. 4378
﴿قالَ﴾، ﴿فِي قَوْمِي﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿اخْلُفْنِي﴾، ﴿وَأَصْلِحْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿هارُونَ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿اخْلُفْنِي﴾، ﴿وَلا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَتَّبِعْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ لا الناهية، وفاعله ضمير يعود على ﴿هارُونَ﴾، ﴿سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَصْلِحْ﴾.
﴿وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾.
﴿وَلَمَّا﴾ الواو: استئنافية ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿جاءَ مُوسى﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿لِمِيقاتِنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿جاءَ﴾، ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعل معطوف على ﴿جاءَ﴾. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾ مستأنفة، ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإنّ شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿أَرِنِي﴾ (أر): فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وهي الياء، والكسرة قبلها دليل عليها، والنون نون الوقاية والياء ضمير المتكلم في محل النصب مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: أرني نفسك، والجملة الفعلية جواب النداء في محل النصب مقول القول، ﴿أَنْظُرْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق؛ لأنّه في تقدير: فإن فعلت بي ذلك أنظر إليك، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة في محل النصب مقول القول، ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلقان بـ ﴿أَنْظُرْ﴾ ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الرب، والجملة مستأنفة، ﴿لَنْ تَرانِي﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَنْ﴾: حرف نصب، ﴿تَرانِي﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿لَنْ﴾ وعلامة نصبه فتحة مقدرة منع من ظهورها التعذر، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والنون نون الوقاية، والياء ضمير المتكلم في محل النصب مفعول به لـ ﴿ترى﴾؛ لأنّ ترى
стр. 4379
بصرية تتعدى إلى مفعول واحد، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿وَلكِنِ﴾، الواو: عاطفة، ﴿لكِنِ﴾: حرف استدراك ﴿أَنْظُرْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، إِ ﴿لَى الْجَبَلِ﴾: جار ومجرور متعلقان بـ ﴿أَنْظُرْ﴾، والجملة الاستدراكية في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿لَنْ تَرانِي﴾.
﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَإِنِ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿اسْتَقَرَّ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْجَبَلِ﴾، ﴿مَكانَهُ﴾ منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿اسْتَقَرَّ﴾، ﴿فَسَوْفَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبا لكون الجواب جملة تسويفية، ﴿سوف﴾: حرف تنفيس، ﴿تَرانِي﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على الجملة الاستدراكية: ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فتجلى ربه للجبل، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿تَجَلَّى رَبُّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿لِلْجَبَلِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تَجَلَّى﴾، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على الجملة المحذوفة ﴿وَخَرَّ مُوسى﴾ فعل وفاعل ﴿صَعِقًا﴾ حال من موسى، والجملة معطوفة على جملة ﴿جعل﴾، ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطف على محذوف وتقديره: ثم أفاق موسى، ﴿لما﴾: حرف شرط، ﴿أَفاقَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾، ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة جواب لما، وجملة لما معطوف على جملة محذوفة، ﴿سُبْحانَكَ﴾ ... إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإنّ شئت قلت: ﴿سُبْحانَكَ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبا تقديره: أسبحك سبحانا، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿تُبْتُ﴾:
стр. 4380
فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿تُبْتُ﴾، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تُبْتُ﴾.
﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة مستأنفة ﴿يا مُوسى﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿يا مُوسى﴾ منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿إِنِّي﴾ ﴿إن﴾: حرف نصب، والياء اسمها ﴿اصْطَفَيْتُكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ على كونها جواب النداء، ﴿عَلَى النَّاسِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿اصطفى﴾، ﴿بِرِسالاتِي﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق أيضا بـ ﴿اصطفى﴾، ﴿وَبِكَلامِي﴾: جار ومجرور، معطوف على الجار والمجرور قبله، وكرر حرف الجر تنبيها على مغايرة الاصطفاء للكلام، كما في السمين، ﴿فَخُذْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿خذ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾ والجملة في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿إِنِّي﴾ على كونها مقول ﴿قالَ﴾، ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به، ﴿آتَيْتُكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: آتيتكه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾: أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف من ﴿آتَيْتُكَ﴾، ﴿وَكُنْ﴾: فعل ناقص واسمه، ضمير يعود على موسى، ﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿كُنْ﴾، وجملة ﴿كُنْ﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب، معطوفة على جملة قوله: ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾.
﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
﴿وَكَتَبْنا﴾ الواو: استئنافية ﴿كَتَبْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿كَتَبْنا﴾، وكذا يتعلق به قوله: ﴿فِي الْأَلْواحِ﴾،
стр. 4381
﴿مِنْ﴾: زائدة ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾: مفعول به لـ ﴿كَتَبْنا﴾. ﴿مَوْعِظَةً﴾ بدل من محل ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾: على كونه مفعول ﴿كَتَبْنا﴾. ﴿وَتَفْصِيلًا﴾ معطوف على ﴿مَوْعِظَةً﴾. ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَفْصِيلًا﴾.
﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾.
﴿فَخُذْها﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة داخلة على قول محذوف تقديره: فقلنا له خذها، وجملة القول المحذوف معطوفة على جملة ﴿كَتَبْنا﴾ ﴿خذها﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة في محل النصب مقول للقول المحذوف الذي قدرناه آنفا، ﴿بِقُوَّةٍ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿خذها﴾؛ أي: خذها حال كونك متلبسا بقوة ونشاط، لا بتكاسل وغفلة، ﴿وَأْمُرْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿خذها﴾، ﴿قَوْمَكَ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿يَأْخُذُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بالطلب السابق تقديره: إن أمرتهم يأخذوا، ﴿بِأَحْسَنِها﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿يَأْخُذُوا﴾، ﴿سَأُرِيكُمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، ﴿دارَ الْفاسِقِينَ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة مستأنفة.
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾.
﴿سَأَصْرِفُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة مسوقة لتحذيرهم عن التكبر الموجب لعدم التفكر في الآيات، التي هي ما كتب في ألواح التوارة أو ما يعمها وغيرها، ﴿عَنْ آياتِيَ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أصرف﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع في محل النصب مفعول به، ﴿يَتَكَبَّرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿يَتَكَبَّرُونَ﴾، ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، حال من ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾؛ أي: حالة كونهم ملتبسين بالدين غير الحق، ﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة ﴿إِنْ﴾ حرف شرط، ﴿يَرَوْا﴾: فعل وفاعل مجزوم بإن الشرطية، ﴿كُلَّ آيَةٍ﴾: مفعول به لـ ﴿يَرَوْا﴾؛ لأنّ رأى بصرية تتعدى إلى مفعول واحد، ﴿لا يُؤْمِنُوا﴾:
стр. 4382
فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها جوابا لها، ﴿بِها﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿لا يُؤْمِنُوا﴾، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية معطوفة على ﴿يَتَكَبَّرُونَ﴾، على كونها صلة الموصول ﴿وَإِنْ يَرَوْا﴾: جازم وفعل وفاعل مجزوم على كونه فعل الشرط ﴿سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿لا يَتَّخِذُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول مجزوم بإن الشرطية، على كونه جوابا لها، ﴿سَبِيلًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿اتخذوا﴾، جملة إن الشرطية معطوفة على جملة الصلة أيضا.
﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾.
﴿وَإِنْ﴾ الواو: عاطفة ﴿إِنْ يَرَوْا﴾: فعل وفاعل مجزوم بإن على كونه فعل شرط لها، ﴿سَبِيلَ الغَيِّ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان مجزوم بإن الشرطية على كونه جوابا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة الصلة أيضا. ﴿ذلِكَ﴾: مبتدأ ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: ﴿الباء﴾: حرف جر، وسبب، ﴿أنّهم﴾: ناصب واسمه، ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِآياتِنا﴾: جار ومجرور، متعلق به، ﴿وَكانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿عَنْها﴾ متعلق بـ ﴿غافِلِينَ﴾ ﴿غافِلِينَ﴾ خبر كان، وجملة كان في محل الرفع، معطوفة على جملة ﴿كَذَّبُوا﴾، وجملة ﴿كَذَّبُوا﴾ في محل الرفع خبر أنّ، وجملة أن من اسمها وخبرها في تأويل مصدر مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ تقديره: ذلك الصرف المذكور عن آياتنا كائن بسبب تكذيبهم آياتنا، وبسبب غفلتهم عنها، والجملة الاسمية مستأنفة استئنافا بيانيا.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿كَذَّبُوا﴾ صلة الموصول ﴿بِآياتِنا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾، ﴿وَلِقاءِ الْآخِرَةِ﴾: معطوف على ﴿آياتنا﴾ مجرور بالكسرة الظاهرة، ﴿حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل
стр. 4383
الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام الإنكاري، ﴿يُجْزَوْنَ﴾: فعل ونائب فاعل، وهو المفعول الأول، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿يُجْزَوْنَ﴾، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾: في محل النصب خبر كان، وجملة كان صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كانوا يعملونه، وجملة ﴿يُجْزَوْنَ﴾ جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب.
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (١٤٨)﴾.
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة، ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ اتَّخَذَ، ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿اتَّخَذَ﴾ أيضا، وجاز (١) تعلق حرفي جر بلفظ واحد بعامل واحد، لاختلاف مدلوليهما؛ لأنّ ﴿مِنْ﴾ الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض، وأجاز أبو البقاء أن يكون ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾: في موضع الحال، فيتعلق بمحذوف؛ لأنه لو تأخر لكان صفة؛ أي: عجلا كائنا من حليهم ﴿عِجْلًا﴾: مفعول أول لـ ﴿اتَّخَذَ﴾. ﴿جَسَدًا﴾: بدل من ﴿عِجْلًا﴾ أو عطف بيان منه أو صفة له. اه. والمفعول الثاني محذوف تقديره: واتخذوا عجلا جسدا له خوار إلها ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة في محل النصب صفة ﴿عِجْلًا﴾. ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، وقالوا: الهمزة للاستفهام الإنكاري التقريعي، ﴿لَمْ يَرَوْا﴾: جازم وفعل وفاعل، والجملة الفعلية إنشائية لا ملح لها من الإعراب ﴿أَنَّهُ﴾ ناصب واسمه، والضمير عائد للعجل، ﴿لا يُكَلِّمُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على العجل، والجملة في محل الرفع خبر أنّ، ﴿وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على العجل، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة قوله: ﴿لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ على كونها خبرا لـ ﴿أن﴾،
стр. 4384
وجملة أنّ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي رأى؛ لأنّ رأى هنا بمعنى علم، تقديره: ألم يروا عدم تكليمه إياهم، وعدم هدايته إياهم سبيلا ﴿اتَّخَذُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والثاني محذوف تقديره: اتخذوه إلها، والجملة توكيد لفظي لـ ﴿اتَّخَذَ﴾ الأول لا محل لها من الإعراب، ﴿وَكانُوا ظالِمِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة مستأنفة، وقال ابن عطية: يحتمل كونها حالا من فاعل ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ انتهى.
﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩)﴾.
﴿وَلَمَّا﴾ الواو: استئنافية، ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط غير جازم ﴿سُقِطَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ﴿فِي أَيْدِيهِمْ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، وأصله سقطت أفواههم على أيديهم، ففي بمعنى على، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿وَرَأَوْا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿سُقِطَ﴾، ﴿أَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي رأى تقديره: ورأوا ضلالهم، ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾، وجملة ﴿لَمَّا﴾ من فعل شرطها وجوابها مستأنفة، ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: لَئِنْ، ﴿اللام﴾: موطئة للقسم المحذوف، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم، ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم، ﴿يَرْحَمْنا﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لَئِنْ﴾، ﴿رَبُّنا﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل الجزم، بـ ﴿إن﴾ على كونها فعل شرط لها، ﴿وَيَغْفِرْ لَنا﴾ معطوف على ﴿يَرْحَمْنا﴾، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف دل عليه جواب القسم الآتي تقديره: إن لم يرحمنا نكن من الخاسرين، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾، ﴿لَنَكُونَنَّ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، مؤكدة للأولى، زيدت إشعارا بأنّ ما بعدها جواب القسم لا جواب الشرط، لتقدم القسم عليه، ﴿نكونن﴾ فعل مضارع ناقص في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، واسمها ضمير يعود على المتخذين عجلا، ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ﴾: جار ومجرور خبر نكون، وجملة نكون جواب القسم لا محل
стр. 4385
لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف مع جوابه في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾.
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾.
﴿وَلَمَّا﴾ الواو: عاطفة ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط، ﴿رَجَعَ مُوسى﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾، ﴿إِلى قَوْمِهِ﴾ متعلق: بـ ﴿رَجَعَ﴾ ﴿غَضْبانَ أَسِفًا﴾: حالان من ﴿مُوسى﴾ عند من يجيز تعدد الحال، وقيل: ﴿أَسِفًا﴾: بدل من ﴿غَضْبانَ﴾ بدل بعض من كل، أو بدل اشتمال ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾، وجملة لما معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى﴾، أو مستأنفة ﴿بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾ وإن شئت قلت: ﴿بِئْسَما﴾: فعل ماض لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: هو، يعود على الشيء المبهم و ﴿ما﴾: نكرة موصوفة في محل النصب على التمييز لفاعل بئس، ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب صفة ﴿لَمَّا﴾، والرابط محذوف تقديره: بئس الشيء خلافة خلفتمونيها، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: خلافتكم، وجملة بئس في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِي﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾ ﴿أَعَجِلْتُمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي التقريعي، ﴿عَجِلْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، عداه إلى المفعول بلا واسطة حرف جر لتضمينه معنى سبق، والأصل: أعجلتم عن أمر ربكم ﴿وَأَلْقَى الْأَلْواحَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿قالَ﴾، ﴿وَأَخَذَ﴾. فعل ماض معطوف على ﴿أَلْقَى﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾ ﴿بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أَخَذَ﴾ ﴿يَجُرُّهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، ﴿إِلَيْهِ﴾، متعلق به، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿أَخَذَ﴾.
﴿قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا
стр. 4386
تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿هارُونَ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ إلى آخر الآية. مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾ وإن شئت قلت: ﴿ابْنَ﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وعلامة نصبه فتحة ظاهرة في آخره، ﴿ابْنَ﴾ مضاف، ﴿أُمَّ﴾: مضاف إليه مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفا للتخفيف، بعد قلب الكسرة فتحة، المحذوفة تلك الألف اجتزاء عنها بالفتحة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة؛ لأنّ ما قبل ياء المتكلم لا يكون إلا مكسورا، ﴿أُمَّ﴾: مضاف، وياء المتكلم المنقلبة ألفا للتخفيف في محل الجر مضاف إليه، مبني على السكون، هذا على قراءة فتح ميم ﴿أم﴾. وأما على قراءة كسر ميم ﴿أُمَّ﴾ فتقول في إعرابه ﴿ابْنَ﴾: مضاف، ﴿أُمَّ﴾: مضاف إليه مجرور بالمضاف، وعلامة جره كسرة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة لياء المتكلم المحذوفة، اجتزاء عنها بالكسرة ﴿أُمَّ﴾ مضاف، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة في محل الجر مضاف إليه، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿إِنَّ الْقَوْمَ﴾: ناصب واسمه، ﴿اسْتَضْعَفُونِي﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ على كونها جواب النداء، ﴿وَكادُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وهو من أفعال المقاربة، ﴿يَقْتُلُونَنِي﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب خبر ﴿كادُوا﴾، جملة كاد في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿اسْتَضْعَفُونِي﴾ على كونها خبرا لـ ﴿إِنَّ﴾ ﴿فَلا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تقريعية ﴿لا﴾: ناهية جازمة ﴿تُشْمِتْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قالَ﴾، ﴿بِيَ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تُشْمِتْ﴾، ﴿الْأَعْداءَ﴾: مفعول به، ﴿وَلا تَجْعَلْنِي﴾: جازم وفعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، ﴿مَعَ الْقَوْمِ﴾: ظرف ومضاف إليه في محل المفعول الثاني لجعل، ﴿الظَّالِمِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمَ﴾ وجملة ﴿لا تَجْعَلْنِي﴾ في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلا تُشْمِتْ﴾.
стр. 4387
﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة مستأنفة ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿اغْفِرْ﴾: فعل دعاء مبني على السكون، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، ﴿لِي﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿اغْفِرْ﴾، ﴿وَلِأَخِي﴾، معطوف عليه، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ على كونها جواب النداء، ﴿وَأَدْخِلْنا﴾: فعل ومفعول، معطوف على ﴿اغْفِرْ﴾ وفاعله ضمير يعود على الرب ﷻ ، ﴿فِي رَحْمَتِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أَدْخِلْنا﴾، ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿أَدْخِلْنا﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَواعَدْنا﴾: من باب فاعل الرباعي، يتعدى إلى مفعولين؛ أي: واعدناه بأن نكلمه عند انتهاء ثلاثين ليلة يصومها ﴿مِيقاتُ رَبِّهِ﴾ الميقات الوقت الذي يقرر فيه عمل من الأعمال، كمواقيت الحج، ومواقيت الصلاة ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾؛ أي: كن خليفتي في سياسة القوم، وإصلاح أمورهم، دينا ودنيا، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ يقال: جلا الشيء والأمر، وانجلى وتجلى، إذا ظهر، وجلاه فتجلى: إذا انكشف ووضح بعد خفاء في نفسه، أو على مجتليه وطالبه، وجلوت العروس بمعنى: أبرزته، وجلوت السيف أخلصته من الصداء، والمعنى: لما ظهر ربه للجبل ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ والدك الدق، وهو تفتيت الشيء أو سحقه، وقيل: تسويته بالأرض، وهو مصدر بمعنى المفعول؛ أي: جعله مدكوكا مدقوقا، فصار ترابا، هذا على قراءة من قرأ ﴿دَكًّا﴾ بالمصدر، وهم أهل المدينة، وأهل البصرة. وأما على قراءة أهل الكوفة ﴿جعله دكاء﴾ على التأنيث والجمع دكاوات كحمراء وحمراوات، وهي اسم للرابية الناشزة من الأرض، أو للأرض المستوية، فالمعنى: أنّ الجبل صار صغيرا كالرابية، أو أرضا مستوية ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾
стр. 4388
الخر والخرور السقوط من علو والانكباب على الأرض كما قال: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿وصَعِقًا﴾؛ أي: صاعقا صائحا مغشيا عليه، يقال: صعق الرجل، من باب فرح، فهو صعق ومصعوق، إذا أصابته الصاعقة، والمعنى: أنّه صار حاله لما غشي عليه كحال من يغشى عليه ﴿فَلَمَّا أَفاقَ﴾ يقال: أفاق إذا رجع إليه عقله وفهمه بعد ذهابهما بالغشيان، والإفاقة رجوع الفهم والعقل إلى الإنسان بعد جنون أو سكر أو نحوهما، ومنه إفاقة المريض وهي رجوع قوته، وإفاقة الحلب وهي رجوع الدر إلى الضرع، يقال: استفق ناقتك، أي أتركها حتى يعود لبنها، والفواق ما بين حلبتي الحالب، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى اه «سمين».
﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي﴾ والاصطفاء وكذا الاجتباء: اختيار صفوة الشيء؛ أي: خالصه الذي لا شائبة فيه ﴿بِرِسالاتِي﴾ والمراد به المصدر؛ أي: بإرسالي إياك، أو على أنّه على حذف مضاف؛ أي: بتبليغ رسالتي ﴿وَبِكَلامِي﴾ يحتمل أن يراد به المصدر؛ أي: بتكليمي إياك، فيكون كقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾. ويحتمل أن يراد به التوراة، وما أوحاه إليه من قولهم:
القرآن كلام الله، تسمية للشيء باسم المصدر، وقدم الرسالة على الكلام لأنّها أسبق، أو ليترقى إلى الأشرف، وكرر حرف الجر تنبيها على مغايرة الاصطفاء للكلام كما مر.
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ التكبر: التكثر، من الكبر وهو: غمط الحق بعدم الخضوع له، ويصحبه احتقار الناس، فصاحبه يرى أنّه أكبر من أن يخضع لحق أو يساوي نفسه بشخص، والرشد والرشد والرشاد مصادر، كالسقم والسقم والسقام، واختلف في معنى الرشد والرشد، هل هما بمعنى واحد أم لا؟ فقال الجمهور: نعم هما لغتان في المصدر، كالبخل والبخل، والسّقم والسّقم، والحزن والحزن. وقال أبو عمرو بن العلاء: الرشد - بضم فسكون - الصلاح في النظر، وبفتحتين في الدين قال: ولذلك أجمعوا على قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ بالضم والسكون، وعلى قوله: ﴿فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ بفتحتين، وروي عن ابن عامر: ﴿الرشد﴾ - بضمتين - فكأنّه من باب الإتباع اه «سمين». وبالجملة الرشد الصلاح والاستقامة، وضده الغي والفساد،
стр. 4389
والآيات الأولى هي البينات والدلائل، والثانية هي الآيات المنزلة من حيث اشتمالها على الهداية، وتزكية النفوس.
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ الحلي - بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء - جمع حلي، بفتح الحاء وسكون اللام وتخفيف الياء، كثدي وثدي، وأصله حلوي، اجتمعت الواو والياء، وسبقت الواو بالسكون، فقلبت ياء، وادغمت في الياء وكسرت اللام لأجل الياء ﴿عِجْلًا﴾ والعجل ولد البقر من العراب، أو الجواميس، كالحوار لولد الناقة، والمهر لولد الفرس ﴿جَسَدًا﴾ الجسد: الجثة، وبدن الإنسان، والشيء الأحمر كالذهب والزعفران والدم الجاف ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ والخوار: صوت البقر، كالرغاء لصوت الإبل، والخور الضعف، ومنه أرض خوارة وريح خوارة، والخوران مجرى الروث، وصوت البهائم أيضا ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ وسقط (١) في يده، وأسقط في يده - بضم أولهما بالبناء للمفعول، أي: ندم ويقولون: فلان مسقوط في يده، وساقط في يده؛ أي: نادم.
قال في «العباب» و «تاج العروس» هذا نظم لم يسمع قبل القرآن، ولا عرفته العرب، وذكرت اليد لأنّ الندم يحدث في القلب، وأثره يظهر فيها بعضّها، أو الضرب بها على أختها، كما قال سبحانه في النادم: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها﴾؛ لأنّ اليد هي الجارحة العظمى، وربما يسند إليها ما لم تباشره كقوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾.
وقال الزمخشري (٢): ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: ولما اشتد ندمهم؛ لأنّ من شأن من اشتد ندمه وحزنه أن يعض يده غما، فتصير يده مسقوطا فيها؛ لأن فاه قد وقع فيها؛ وقيل: من عادة النادم أن يطأطىء رأسه، ويضع ذقنه على يده معتمدا عليها ويصير على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجهه، فكأن اليد مسقوط فيها، وفي بمعنى على، فمعنى ﴿فِي أَيْدِيهِمْ﴾ على أيديهم كقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ وأعلم أن (سقط في يده) عده بعضهم في الأفعال التي لا تتصرف كنعم وبئس ﴿أَسِفًا﴾ الأسف (٣) الحزن والغضب.
стр. 4390
ويقال: أسف يأسف - من باب تعب - حزن وتلهف، وأسف كغصب وزنا ومعنى، ويعدى بالهمزة فيقال: آسفته، ومن استعمال الأسف بمعنى الحزن، قوله تعالى حكاية عن يعقوب: ﴿وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ وبمعنى الغضب قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾. ﴿أَعَجِلْتُمْ﴾ يقال عجله إذا سبقه، وأعجله استعجله، ويقال: عجل عن الأمر إذا تركه غير تام، وفي «الخازن» العجلة التقدم على الشيء قبل وقته، والمعنى: أعجلتم ميعاد ربكم، فلم تصبروا له؟ أي: أعجلتم وعد ربكم من الأربعين، وقال الإمام: العجلة التقدم بالشيء قبل وقته، ولذلك كانت مذمومة، والسرعة غير مذمومة؛ لأن معناها عمل الشيء في أول أوقاته اه.
﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ﴾ أصل الشماتة الفرح ببلية من تعاديه ويعاديك، يقال: شمت فلان بفلان إذا سر بمكروه نزل به، والمعنى: لا تسر الأعداء بما تفعل بي من المكروه. اه «خازن»، وفي «المصباح» شمت به يشمت، من باب سلم إذا فرح بمصيبة نزلت به، والاسم الشماتة، وأشمت الله به العدو اه.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التكرار في قوله: ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ﴾ وقوله: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ وفي قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾، وفي قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي﴾.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿أَرِنِي﴾، ﴿لَنْ تَرانِي﴾: ﴿فَسَوْفَ تَرانِي﴾ وفي قوله: ﴿أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ و ﴿انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾؛ لأنّه بمعنى ولا تفسد فيهم، وفي قوله: ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمَّا أَفاقَ﴾.
ومنها: إرادة الخصوص بما ظاهره العموم في قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من قومه، وفي قوله: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾؛ أي: من أهل عصره.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، وفي قوله ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾، ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾، ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ﴾.
стр. 4391
ومنها: الطباق بين كلمتي ﴿الرُّشْدِ﴾ و ﴿الغَيِّ﴾.
ومنها: التكرار والتأكيد في قوله: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى﴾ مع قوله: ﴿اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ﴾.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾؛ لأنّ الذي صاغه موسى السامري، فأسند ما للبعض إلى الكل لرضاهم به، من إطلاق ما للبعض على الكل.
ومنها: الإضافة لأدنى ملابسة في قوله: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾؛ لأنّ الحلى للقبطيين، فاستعاروه لغرض العرس.
ومنها: الإبدال في قوله: ﴿جَسَدًا﴾؛ لدفع التوهم؛ لأنّه أبدله من ﴿عِجْلًا﴾ لدفع توهم أنّه صورة عجل منقوشة على حائط مثلا.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾، للمبالغة في الحض على سلوك نهج الصالحين، والأصل: سأريهم؛ أي: قومك.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾؛ لأنّه كناية عن الندم، فإن العادة أن الإنسان إذا ندم بقلبه على شيء عض بفمه على أصبعه، فسقوط الأفواه على الأيدي لازم للندم، فأطلق اسم اللازم، وأريد الملزوم على سبيل الكناية.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في استعارة لفظ ﴿فِي﴾ لمعنى (على) في قوله: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: على أيديهم، شبه الاستعلاء الكلي بالظرفية الكلية، بجامع التمكن في كل، واستعير لفظ الطرفية للاستعلاء؛ أي: يقدر ذلك، فسرى التشبيه من الكليات إلى الجزئيات التي هي معاني الحروف، فاستعير لفظ (في) الموضوعة لكل جزئي من جزئيات الظرفية لمعنى ﴿على﴾، وهو الاستعلاء الخاص؛ أي: المقيد بالسقوط في هذا المثال، على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ و ﴿سَبِيلَ الغَيِّ﴾؛ لأنّ السبيل حقيقة في مكان المرور، فاستعاره للإيمان والضلال اللذين
стр. 4392
هما من أعمال القلب، بجامع الإيصال إلى المقصود أو الهلاك في كل.
ومنها: الاستفهام الإنكاري (١) في قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ﴾ حيث عبدوا جمادا أو حيوانا عاجزا، عليه آثار الصنعة، لا يمكن أن يتكلم، أو لا يهدي، وقد ركز في العقول أن من كان بهذه المثابة .. استحال أن يكون إلها، وهذا نوع من أنواع البلاغة يسمى الاحتجاج النظري، وبعضهم يسميه المذهب الكلامي.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
السلام، ثم استغفاره لنفسه وله .. قفى على ذلك بذكر ما استحقه القوم من الجزاء على اتخاذ العجل، وهو مما أوحاه الله تعالى إلى موسى يومئذ.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر حال القوم، وقسمهم إلى قسمين: مصرّ على الذنب وعبادة العجل، وتائب منيب إلى ربه، وبين مآل كل من القسمين .. ذكر هنا بيان حال موسى بعد أن سكنت ثورة غضبه وهدأ روعه.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر كتابته للرحمة لمن يتبع محمدا ﷺ من قوم موسى، ووصفهم بأنّهم هم المفلحون .. ذكر هنا حال خواص أتباع موسى ﵇ الذين كانوا متبعين له حق الإتباع، وعطفهم على المهتدين باتباع خاتم النبيين ﷺ .
التفسير وأوجه القراءة
١٥٢ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ إلها؛ أي: عبدوا العجل واستمروا على عبادته، كالسامري وأشياعه ﴿سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: سيصيبهم غضب وسخط وعقوبة كائنة من ربهم في الحياة الدنيا، وهو ما أمروا به من قتل أنفسهم توبة ﴿وَذِلَّةٌ﴾؛ أي: ذل وهوان ومسكنة ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ منتظرة لهم ولأولادهم جميعا إلى يوم القيامة، والذلة (١) التي اختص بها السامري هو الإنفراد عن الناس، والابتلاء بلا مساس، ويروى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك؛ أي: لا مساس، وإذا مس أحدهم أحدا غيرهم .. حمّا جميعا في الوقت.
والمعنى (٢): أن الذين بقوا على اتخاذ العجل واستمروا عليه كالسامري وأشياعه، سيصيبهم غضب من ربهم في الحياة الدنيا، بأن لا يقبل توبتهم إلا إذا قتلوا أنفسهم، وذلة عظيمة في الحياة الدنيا، وبالخروج من الديار والغربة عن
стр. 4395
الوطن، وقال الواحدي (١): إن الذين اتخذوا العجل، يعني اليهود الذين كانوا في عصر النبي ﷺ ، وهم أبناء الذين اتخذوا العجل إلها، فأضيف إليهم تعييرا لهم فعل آبائهم .. سينالهم غضب من ربهم؛ أي: عذاب في الآخرة، وذلة في الحياة الدنيا، وهي الجزية.
قال في «الخازن»: ثم للمفسرين في هذه الآية قولان:
أحدهما: أن المراد بالذين اتخذوا العجل، الذين باشروا عبادته، وعلى هذا القول ففي الآية سؤال وهو: أن أولئك الأقوام الذين اتخذوا العجل تابوا إلى الله تعالى بقتلهم أنفسهم، كما أمرهم الله تعالى، فتاب عليهم، فكيف ينالهم الغضب والذلة مع التوبة؟ والجواب: أن ذلك الغضب إنما حصل لهم في الدنيا، وهو نفس القتل، فكان ذلك القتل غضبا عليهم، والمراد بالذلة هو: إسلامهم أنفسهم للقتل، واعترافهم على أنفسهم بالضلال والخطأ.
فإن قلت: السين في قوله: ﴿سَيَنالُهُمْ﴾ للاستقبال، فكيف تكون للماضي؟
قلت: هذا الكلام إنّما هو خبر عما أخبر الله به موسى ﵇ حين أخبره بافتتان قومه، واتخاذهم العجل، ثم أخبره الله في ذلك الوقت أنّه ﴿سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ﴾ فكان هذا الكلام سابقا لوقوعه، وهو القتل الذي أمرهم الله به بعد ذلك.
والقول الثاني: أنّ المراد بالذين اتخذوا العجل اليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ كما مر عن الواحدي آنفا. انتهى مع زيادة.
﴿وَكَذلِكَ﴾؛ أي: وكما جزينا هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلها في الحياة الدنيا ﴿نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾؛ أي: نجزي كل من افترى على الله كذبا وعبد غيره في كل زمان، إذ فضحوا بظهور افترائهم كما فضح هؤلاء، قال (٢) الحسن البصري: إنّ ذل البدعة على أكتافهم وإن هملجت (٣) بهم البغال، وطقطقت بهم البراذين،
стр. 4396
وروي عن أبي قلابة أنّه قرأ هذه الآية وقال: هي والله لكل مفتري إلى يوم القيامة أن يذله الله. وقال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وهو يجد فوق رأسه ذلة، ثم قرأ هذه الآية. قال: والمبتدع مفتر في دين الله، قال أبو حيان (١) ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾؛ أي: مثل ذلك النيل من الغضب والذلة، نجزي من افترى الكذب على الله، وأي افتراء أعظم من قولهم: ﴿هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى﴾، والمفترون عام في كل مفتر، انتهى.
١٥٣ - ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ من الكفر والمعاصي غيره ﴿ثُمَّ تابُوا﴾؛ أي: رجعوا إلى الله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِها﴾؛ أي: من بعد عمل السيئات، بأن رجع الكافر عن كفره، والعاصي عن عصيانه ﴿وَآمَنُوا﴾؛ أي: داموا واستمروا على إيمانهم، وزكوه بالعمل الصالح، أو تكون الواو حالية؛ أي: وقد آمنوا ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿مِنْ بَعْدِها﴾؛ أي: من بعد تلك التوبة المقرونة بالإيمان ﴿لَغَفُورٌ﴾ لهم؛ أي: لستار لذنوبهم وإن عظمت وكثرت ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم؛ أي: منعم عليهم، مبالغ في إفاضة فنون الرحمة الدنيوية والأخروية عليهم؛ أي: من أتى بجميع السيئات ثم تاب .. فإن الله يغفرها له، وهذا من أعظم ما يفيد البشارة للمذنبين.
وينتظم في هذا المسلك متخذوا العجل وغيرهم من المجترحين للسيئات، عظمت ذنوبهم أو حقرت؛ لأنّ الذنوب وإن جلت وعظمت، فعفو الله وكرمه أعظم وأجل، على شريطة التوبة والإنابة، وبدونها الطمع فيه طمع في غير مطمع، ألا ترى أن طمع الفساق في المغفرة بدون الإنابة إلى ربهم قد ذهب بكثير من حرمة الأوامر والنواهي من قلوبهم، وجعلهم يستحلون كثيرا من المحرمات، وكانوا شرا ممن قال الله فيهم: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ ولم يكن طمعهم ثمرة إيمان وعمل صالح، بل هي أماني جر إليها الحمق والغفلة عما يجب من تعظيم تلك الأوامر والنواهي:
إنّ الأماني والأحلام تضليل
١٥٤ - ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾؛ أي: زال وسكن عنه الغضب، باعتذار
стр. 4397
أخيه إليه وتوبة القوم، ولجأ إلى رحمة ربه وفضله، وجأر بالدعاء له أن يغفر له ولأخيه خطاياهما ﴿أَخَذَ الْأَلْواحَ﴾؛ أي: عاد إلى الألواح التي ألقاها غضبا، فأخذها ﴿وَفِي نُسْخَتِها﴾؛ أي: وفي المكتوب فيها من اللوح المحفوظ، وقيل: وفيما كتب له فيها، فلا يحتاج إلى أصل ينقل عنه، وقيل: وفيما نسخ من الألواح المتكسرة، ونقل إلى الألواح الجديدة، قال ابن عباس وعمرو بن دينار:
لما ألقى موسى الألواح فتكسرت .. صام أربعين يوما، فردت عليه في لوحين، وفيهما ما في الأولى بعينها، فيكون نسخها نقلها، وقال عطاء: ﴿وَفِي نُسْخَتِها﴾ معناه: وفيما بقي منها، وذلك أنّه لم يبق منها إلا سبعها، وذهب ستة أسباعها، ولكن لم يذهب من الحدود والأحكام شيء اه «قرطبي».
﴿هُدىً﴾؛ أي: بيان للحق ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ للخلق بإرشادهم إلى ما فيه الخير والصلاح، فالهدى ما يهتدون به من الأحكام، والرحمة ما يحصل لهم من الله تعالى عند عملهم بما فيها من الرحمة الواسعة، واللام في قوله: ﴿لِلَّذِينَ هُمْ﴾ متعلقة بمحذوف صفة لـ ﴿رَحْمَةٌ﴾، وفي قوله: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ متعلقة بـ ﴿يَرْهَبُونَ﴾ زيدت لتقوية العامل لضعفه بالتأخر، والمعنى: وفي نسختها هدى من الضلالة، ورحمة كائنة للذين هم يرهبون ويخافون عقاب ربهم، ويرجون ثوابه بالعمل بما فيها.
وقرأ معاوية بن قرة (١): ﴿ولما سكن عن موسى الغضب﴾ وقرىء: ﴿ولما أسكت﴾ رباعيا مبنيا للمفعول، وكذا في مصحف حفصة؛ أي: أسكت الله عن موسى الغضب، وفي مصحف عبد الله: ﴿ولما صبر عن موسى الغضب﴾. وفي مصحف أبي: ﴿ولما انشق عن موسى الغضب﴾.
١٥٥ - ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ هذا شروع في بيان ما كان من موسى ومن القوم الذين اختارهم، و ﴿سَبْعِينَ﴾ مفعول ﴿اخْتارَ﴾، و ﴿قَوْمَهُ﴾: منصوب بنزع الخافض، أي: من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل إليه؛ أي: وانتخب موسى واصطفى سبعين رجلا من خيار قومه ممن لم يعبدوا العجل، وجملتهم اثنا عشر ألفا، وكان جملة بني إسرائيل الذين خرجوا معه من مصر ست
стр. 4398
مئة ألف وعشرين ألفا، فكلهم عبدوا العجل إلا هذه الشرذمة القليلة، ﴿لِمِيقاتِنا﴾؛ أي: للميقات الذي وقته الله تعالى له، ودعاهم للذهاب معه إلى حيث يناجي ربه من جبل الطور.
روي (١): أن موسى اختار من اثني عشر سبطا ستة ستة، فصاروا اثنين وسبعين فقال: ليستخلف منكم رجلان، فتشاجروا فقال: إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع وذهب مع الباقين، وأمرهم أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم، فخرج بهم إلى طور سيناء. فلما دنوا من الجبل غشيه غمام فدخل موسى بهم الغمام، وخروا سجدا فسمعوه تعالى يكلم موسى، يأمره وينهاه، ثم انكشف الغمام فأقبلوا إلى موسى وقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة؛ أي: لن نصدقك في أن الآمر بما سمعنا من الأمر بقتل أنفسهم هو الله تعالى حتى نراه، فأخذتهم رجفة الجبل فماتوا يوما وليلة ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾؛ أي: الزلزلة الشديدة؛ أي: أهلكتهم وأماتتهم رجفة الجبل وزلزلته وتحركه ﴿قالَ﴾ موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ﴾ إهلاكهم ﴿أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل خروجهم إلى الميقات ﴿وَ﴾ أهلكتني ﴿إِيَّايَ﴾ معهم، قاله تسليما لقضاء الله تعالى؛ أي: إنا كنا مستحقين للإهلاك ولم يكن من موانعه إلا عدم مشيئتك إياه.
والمعنى: أي فلما أخذتهم رجفة الجبل، وصعقوا قال موسى: رب إنني أتمنى أن لو كانت سبقت مشيئتك أن تهلكهم من قبل خروجهم معي إلى هذا المكان، فأهلكتهم وأهلكتني معهم، حتى لا أقع في شديد الحرج مع قومي فيقولوا: قد ذهبت بخيارنا لإهلاكهم، وإن لم تفعل فإني أسألك برحمتك أن لا تفعل الآن، والاستفهام في قوله: ﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا﴾ للاستعطاف، وفيه معنى النفي، ظن موسى أنما أهلكهم الله تعالى بعبادة قومهم العجل، أو بسوء أدبهم بسؤالهم رؤية الله جهرة؛ أي: لا تهلكنا يا إلهي بما فعل واقترف السفهاء والجهال منا من عبادة العجل، أو من سؤال رؤيتك جهرة، وفي هذا إيماء إلى أن عقلاء بني إسرائيل، وأصحاب الرؤية منهم لم يعبدوه، إنما عبده السفهاء وهم
стр. 4399
الأكثرون ﴿إِنْ هِيَ﴾؛ أي (١): ما الفتنة التي وقع فيها السفهاء ﴿إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾؛ أي: إلا محنتك بأن أوجدت في العجل خوارا فزاغوا به، وأسمعتهم كلامك، فافتتنوا بذلك حتى طمعوا فيما فوق ذلك. ﴿تُضِلُّ بِها﴾؛ أي: بتلك الفتنة ﴿مَنْ تَشاءُ﴾ إضلاله، فلا يهتدي إلى التثبت ﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ﴾ هدايته إلى الحق، فلا يتزلزل في أمثالها فيقوى بها إيمانه.
وعبارة «المراغي»: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ ...﴾ الخ؛ أي: ما تلك الفعلة التي كانت سببا في أخذهم بالرجفة إلا محنة منك وابتلاء، جعلته سببا لظهور استعداد الناس وما طويت عليه سرائرهم من ضلال وهداية، وما يستحقون عليه العقوبة أو المثوبة، بحسب سننك في خلقك بالعدل والحق، تضل بمقتضاها من تشاء من عبادك، ولست بالظالم لهم في تقديرك، وتهدى من تشاء ولست بالمحابي لهم في توفيقك، فأمرهم دائر بين العدل والفضل. انتهت.
﴿أَنْتَ﴾ يا إلهي ﴿وَلِيُّنا﴾؛ أي: متولي أمورنا الدنيوية والأخروية، والقائم علينا بما تكسب نفوسنا ﴿فَاغْفِرْ لَنا﴾ ما اقترفته أنفسنا مما يترتب عليه المؤاخذة والعقاب من مخالفة سنتك، والتقصير فيما يجب من ذكرك وشكرك وعبادتك ﴿وَارْحَمْنا﴾ برحمتك التي وسعت كل شيء، بإفاضة آثار الرحمة الدنيوية والأخروية علينا ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ﴾ حلما وكرما وجودا؛ لأنّك تغفر ذنوب عبادك لا لغرض ولا لطلب عوض، بل لمحض الفضل والكرم والجود، أما غيرك فإنّما يتجاوز عن الذنب إما طلبا للثواب الجزيل، أو للثناء الجميل، أو دفعا للربقة الخسيسة عن القلب، وأنت خير الراحمين رحمة، وأوسعهم فيها فضلا وإحسانا، فرحمة من سواك نفحة مفاضة على قلوبهم من رحمتك
١٥٦ - ﴿وَاكْتُبْ لَنا﴾؛ أي: وأثبت لنا ﴿فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾؛ أي: في هذه الحياة القريبة الزوال والخسيسة ﴿حَسَنَةً﴾؛ أي: حياة طيبة من نعمة وعافية، وبسطة في الرزق، وتوفيق للطاعة ﴿وَفِي﴾ الدار ﴿الْآخِرَةِ﴾ حسنة؛ أي: واكتب (٢) لنا في الدار الآخرة مثوبة حسنة بدخول جنتك، ونيل رضوانك، فهو بمعنى قوله: فيما علمنا من دعائه ﴿رَبَّنا
стр. 4400
آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ ﴿إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾؛ أي: تبنا إليك مما فرط من سفهائنا، من طلب الآلهة، وعبادة العجل، ومن تقصير عقلائنا في الإنكار عليهم، مستغفرين مسترحمين كما فعل من قبل آدام ﵇، إذ تاب من معصيته إليك، فتبت عليه واجتبيته، فكانت تلك سنتك في ولده. وقرأ (١) زيد بن علي، وأبو وجزة: ﴿هدنا﴾ - بكسر الهاء - من هاد يهيد إذا حرك؛ أي:
حركنا أنفسنا وجذبناها لطاعتك، فيكون الضمير فاعلا، ويحتمل أن يكون مفعولا لم يسم فاعله؛ أي: حركنا إليك وأملنا، والضم في ﴿هُدْنا﴾ يحتملهما، وتضمنت هذه الجمل كونه تعالى هو ربهم ووليهم، وأنّهم تائبون عبيد له خاضعون، فناسب عز الربوبية أن يستعطف للعبيد التائبين الخاضعين بسؤال المغفرة والرحمة والكتب ﴿قالَ﴾ الله : ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ﴾؛ أي: اخص به ﴿مَنْ أَشاءُ﴾ من الكفار والعصاة، وليس لأحد علي اعتراض؛ لأنّ الكل ملكي ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ﴾ وعمت ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ من البر والفاجر، والمكلفين وغيرهم، قال (٢) جماعة من المفسرين: لما نزلت ورحمتي وسعت كل شيء .. تطاول إبليس إليها وقال: أنا من ذلك الشيء، فنزعها الله تعالى من إبليس، فقال تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ فآيس إبليس منها، وقالت اليهود: نحن نتقي ونؤتي الزكاة، ونؤمن بآيات ربنا، فنزعها الله من اليهود وأثبتها لهذه الأمة فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ الآية.
والظاهر (٣): أنّ هذه الجملة مستأنفة، مسوقة للإخبار عن عذابه ورحمته ، والمعنى؛ أي: قد كان (٤) من سبق رحمتي غضبي أن جعلت عذابي خاصا، أصيب به من أشاء من الكفار والعصاة، أما رحمتي فقد وسعت كل شيء في العالمين، فهي من صفاتي التي قام بها أمر العالم منذ خلقته، والعذاب من أفعالي المترتبة على صفة العدل، ولولا الرحمة العامة المبذولة لكل
стр. 4401
أحد لهلك كل كافر وعاص عقب كفره وفجوره ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾.
وقرأ زيد بن علي والحسن وطاووس وعمرو بن فائد (١): ﴿من أساء﴾ - بالسين المهملة - فعل ماض من الإساءة، وقال أبو عمرو الداني: لا تصح هذه القراءة عن الحسن وطاووس، وعمرو بن فائد رجل سوء، وقرأ بها سفيان بن عينية مرة واستحسنها، فقام إليه عبد الرحمن المقري، وصاح به وأسمعه، فقال سفيان: لم أدر ولم أفطن لما يقول أهل البدع.
ثم ذكر من ستكتب لهم الرحمة فقال: ﴿فَسَأَكْتُبُها﴾؛ أي: فسأكتب رحمتي، وأثبتها وأقدرها وأقضيها بمشيئتي في الآخرة خاصة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكفر والمعاصي ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾؛ أي: المفروضة؛ أي: يعطون زكاة أموالهم وصدقاتها التي تتزكى بها أنفسهم، وخص الزكاة بالذكر دون ما عداها من الطاعات لأن النفوس شحيحة، ففتنته تقتضي أن يكون المانعون للزكاة أكثر من التاركين غيرها من الطاعات، كما إنّ في ذلك إيماء إلى أنّ اليهود أشربوا في قلوبهم حب المال، وفتنوا بجمعه ومنع بذله في سبيل الله ﴿وَ﴾ سأكتبها لـ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا﴾؛ أي: بدلائل وحدانيتنا وقدرتنا، وصدق رسلنا ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: يصدقون تصديق إيقان مبني على العلم الصحيح، دون تقليد للآباء والأجداد.
١٥٧ - ثم بين الله هؤلاء الذين كتب لهم هذه الرحمة، ببيان أوضح مما قبله وأصرح فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾ نعت ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أو بدل منه، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم الذين يتمسكون دين الرسول الكريم ويتبعون ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ محمدا ﷺ ؛ أي: الذي لم يمارس القراءة والكتابة، ومع ذلك جمع علوم الأولين والآخرين، فخرجت اليهود والنصارى وسائر الملل، والأمي إما نسبة إلى الأمة الأمية التي لا تكتب ولا تحسب - وهم العرب - أو نسبة إلى الأم، والمعنى: إنه باق على حالته التي ولد عليها، لا يكتب ولا يقرأ
стр. 4402
المكتوب، وقيل نسبة إلى أم القرى - وهي مكة - وقرأ يعقوب ﴿الأمي﴾ بفتح الهمزة، وخرجها بعضهم على أنّه من تغيير النسب كما قالوا في النسب إلى أمية: أموي بفتح الهمزة، وخرجها بعضهم على أنّه نسبة إلى الأم، بمعنى القصد الذي هو مصدر أم يؤم أما، بمعنى قصد، ومعناه: المقصود لكل أحد، وهذا الوصف من خصوصياته ﷺ ، إذ كثير من الأنبياء كان يكتب ويقرأ، فالأمية آية من آيات نبوته ﷺ ، فهو مع أميته قد جاء بأعلى العلوم النافعة، التي بها يصلح ما فسد من عقائد البشر وأخلاقهم وآدابهم وأعمالهم، فغير نظم البشر في تلك الحقبة الطويلة، وأثر في حياة الأمم التي حوله أكبر الأثر، بما شهد له المنصفون في كل الأديان، وقد وصف الله تعالى ذلك الرسول الذي أوجب اتباعه على كل من أدركه من بني إسرائيل بصفات:
منها: أنّه نبي أمي.
ومنها: أنّه هو ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ﴾؛ أي: يجد الذين يتبعونه من بني إسرائيل اسمه ونعته ﴿مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ اللذين هما مرجعهم في الدين، بحيث لا يشكون أنّه هو، وبالجملة فأهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا يتناقلون خبر بعثة محمد ﷺ فيما بينهم، ويذكرون البشارات من كتبهم، حتى إذا ما بعثه الله تعالى بالهدى ودين الحق آمن به كثيرون، وكان علماؤهم يصرحون بذلك، كعبد الله بن سلام وأصحابه من علماء اليهود، وتميم الداري من علماء النصارى، وغيرهم من الذين أسلموا في عصر النبي ﷺ .
ومنها: أنه ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بكل ما تعرفه القلوب ولا تنكره، من التوحيد ومكارم الأخلاق، وبر الوالدين وصلة الأرحام ﴿وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾؛ أي: عن كل ما تنكره القلوب ولا تعرفه، وهو ما كان من مساوىء الأخلاق، كعبادة الأوثان، والكفر بما أنزل الله على النبيين، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين.
ومنها: أنّه ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾؛ أي: كل ما تستطيبه الأذواق السليمة من الأطعمة، وفيه فائدة في التغذية مما حرم عليهم في التوراة، كلحوم الإبل،
стр. 4403
وشحوم البقرة والغنم.
ومنها: أنّه ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾؛ أي: كل ما تستخبثه الطبائع السليمة، وتستقذره النفوس، كالميتة والدم المسفوح، والخنازير، وما يؤخذ من الأموال بغير حق، كالربا والرشوة والغضب والخيانة.
ومنها: أنّه ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾؛ أي: يسقط عنهم ثقل العهد الذي أخذ عليهم، والمراد (١) بالإصر هنا: العهد والميثاق الذي أخذ على بني إسرائيل على أن يعملوا بما في التوراة من الأحكام، فكانت تلك الشدائد، قاله ابن عباس.
وقيل (٢): التشديد الذي كان عليهم من تحريم السبت، وأكل الشحوم، وغير ذلك من الأمور الشاقة، قاله قتادة. وقال مسروق: لقد كان الرجل من بني إسرائيل يذنب الذنب فيصبح وقد كتب على باب بيته أن كفارته أن تنزع عينيك فينزعهما. وقرأ ابن عامر ﴿أصارهم﴾ بالجمع. وقرىء: ﴿أصرهم﴾ بفتح الهمزة وبضمها. وقرأ طلحة: ﴿ويذهب عنهم إصرهم﴾ ﴿وَ﴾ يخفف عنهم ﴿الْأَغْلالَ﴾؛ أي: التكاليف الشاقة ﴿الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ في عبادتهم ومعاملاتهم، كقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم، وكاشتراط قتل النفس في صحة التوبة، وتعيين القصاص في القتل العمد والخطأ، وقطع الأعضاء الخاطئة، وعدم صحة صلاتهم إلا في الكنائس، وغير ذلك من التكاليف التي كانت على بني اسرائيل، شبهت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق، كما أن اليد لا تمتد مع وجود الغل، فكذلك لا تمتد إلى الحرام الذي نهيت عنه.
والخلاصة (٣): أنّ بني إسرائيل كانوا قد أخذوا بالشدة في أحكام العبادات والمعاملات الشخصية والمدنية والعقوبات، فكانت مثلهم مثل من يحمل أثقالا يئط منها، وهو موثق بالسلاسل والأغلال في عنقه ويديه ورجليه، وقد خفف المسيح ﵇ عنهم بعض التخفيف في الأمور المادية، وشدد في الأحكام
стр. 4404
الروحية، إلى أن جاءت الشريعة الوسطى السمحة التي بعث بها خاتم الرسل محمد صلوات الله عليه.
ثم بين كيفية اتباعه ﷺ ، وعلو مرتبة متبعيه، واغتنامهم مغانم الرحمة في الدارين، إثر بيان نعوته الجليلة فقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾؛ أي: بالرسول النبي الأمي حين بعث من قوم موسى، ومن كل أمة ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾؛ أي: منعوه وحموه من كل من يعاديه، مع التعظيم والإجلال؛ لا كما يحمون بعض ملوكهم مع الكره والاشمئزاز ﴿وَنَصَرُوهُ﴾ على أعدائه باللسان والسنان ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ﴾ الأعظم ﴿الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾؛ أي: مع رسالته، وهو القرآن. سماه نورا لأنّه يظهر نور الإيمان لصاحبه، ويزيل عنه ظلمة الجهل والضلال ﴿أُولئِكَ﴾ الموصوفون بالصفات السابقة، من الإيمان به والتعزير والنصر له، واتباع النور الذي أنزل معه ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ أي: الفائزون بالرحمة والرضوان؛ أي: الفائزون بالمطلوب في الدنيا والآخرة، والناجون من السخط والعذاب، دون غيرهم من حزب الشيطان الذين خذلهم الله تعالى في الدنيا والآخرة.
وقرأ الجحدري وقتادة وسليمان التيمي وعيسى (١): ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ بالتخفيف. وقرأ جعفر بن محمد: ﴿وعززوه﴾ بزايين،
١٥٨ - ولما ذكر الله أوصاف رسول الله ﷺ المكتوبة في التوراة والإنجيل .. أمره سبحانه أن يقول هذا القول الآتي، المقتضي لعموم رسالته ﷺ إلى الناس جميعا فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لجميع البشر من عرب أو عجم ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾؛ أي: مرسل إليكم كافة لا إلى قومي خاصة، فهو بمعنى قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ وقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾؛ أي: وأنذر به كل من بلغه من الثقلين، وقوله: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧)﴾ ..
وجاءت أحاديث صحيحة ناطقة باختصاصه ﷺ ، بالرسالة العامة:
стр. 4405
فمنها: ما روى الشيخان عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
«أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة وطهورا ومسجدا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب على العدو بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة». وفي رواية: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد من قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي بعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة». وقوله في الرواية الأولى: «وبعثت إلى كل أحمر وأسود». قيل: أراد بالأحمر العجم، وبالأسود العرب، وقيل: أراد بالأحمر الإنس، وبالأسود الجن.
ومنها: ما روى مسلم عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «فضلت على الأنبياء بستة: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون».
ثم وصف الله تعالى نفسه بتوحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية وبالإحياء وبالإماتة فقال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ﴾؛ أي: إن الإله الذي أنا رسوله هو من له التصرف والملك في السموات والأرض وتدبير العالم كله، إذ وحدة النظام في جملة المخلوقات، وعدم التفاوت فيها دليل على وحدة مصدرها وتدبيرها، فهو المعبود وحده لا إله إلا هو، وتوحيد الربوبية بالإيمان، وتوحيد الألوهية بالإيمان والعمل؛ أي: بعبادة الله وحده، هما أصل الدين، والركن الأول في العقيدة، والركن الثاني: الإيمان برسالة محمد ﷺ ، والركن الثالث: عقيدة البعث بعد الموت، وهي تتضمن الإحياء والإماتة وتصرف الرب في خلقه.
وقد بنى على تقرر هذه الأمور الثلاثة الدعوة إلى الإيمان فقال: ﴿فَآمِنُوا﴾
стр. 4406
أيها الناس جميعا ﴿بِاللَّهِ﴾ الواحد في ربوبيته وألوهيته، الذي يحيي كل ما تحله الحياة، ويميت كل ما يعرض له الموت بعد الحياة، وهذا أمر مشاهد كل يوم ﴿وَ﴾ آمنوا بـ ﴿رَسُولِهِ﴾ النبي الأمي الذي بعثه في الأميين رسولا إلى الخلق أجمعين يعلمهم الكتاب، والحكمة، ويطهرهم من خرافات الشرك والجهل، والتفرق والتعادي، ليكونوا بهدايته أمة واحدة، يتحقق بها الإخاء البشري العام، وقد بشر
بهذا النبي والأنبياء صلوات الله عليهم؛ لأنّه المتمم لما بعثوا به من هداية الناس، قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: فآمنوا بالله وبي، بعد قوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾؟
قلت: عدل عن المضمر إلى الاسم الظاهر لتجري عليه الصفات التي أجريت عليه، ولما في طريقه الالتفات من البلاغة، وليعلم أنّ الذي يجب الإيمان به واتباعه هو هذا الشخص المستقل بأنّه النبي الأمي، الذي يؤمن بالله وكلماته كائنا من كان أنا أو غيري، إظهارا للنصفة ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ﴾؛ أي: يؤمن يتوحيد الله وبكلماته التشريعية، التي أنزلها لهداية خلقه على ألسنة رسله، وهي مظهر علمه ورحمته، والمراد بها القرآن وسائر الكتب السماوية، وبكلماته التكوينية التي هي مظهر إرادته وقدرته وحكمته، وقرأ الأعمش: ﴿الذي يؤمن بالله وآياته﴾ بدل ﴿كَلِماتِهِ﴾. وبعد أن أمرهم سبحانه بالإيمان أمرهم بالإسلام فقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾؛ أي: واتبعوا ذلك النبي الأمي، واسلكوا طريقه، واقتفوا أثره في كل ما يأتي ويذر من أمر الدين ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ أي: رجاء اهتدائكم بالإيمان وباتباعه إلى ما فيه سعادتكم في الدنيا والآخرة، وتلك هي الثمرة التي تجنى منهما، فما آمن قوم بنبي ... إلا كانوا بعد الإيمان به خيرا مما كانوا قبله من العزة والكرامة في دنياهم، وسعادتهم في آخرتهم، بنيل رضوان ربهم، والحظوة بالقرب منه.
وليس من التشريع الذي يجب فيه امتثال الأمر واجتناب النهي ما لا تعلق له بحق الله ولا حق خلقه، من جلب مصلحة أو دفع مفسدة، كمسائل العادات والزراعات والصناعات والعلوم، والفنون المبنية على التجارب، وما جاء فيها من أمر ونهي فهو إرشاد لا تشريع، وقد ظن بعض الصحابة أنّ إنكار النبي ﷺ لبعض
стр. 4407
الأمور الدنيوية المبنية على التجارب من قبيل التشريع، كامتناعهم عن تلقيح النخل حين نهاهم عنه فأشاص - أي خرج ثمره شيصا رديئا - فراجعوه فأخبرهم أنّ مقاله كان عن ظن ورأي، لا عن تشريع ووحي، وقال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم». والحكمة في ذلك تنبيه الناس إلى أن مثل هذه الأمور الدنيوية والمعاشية متروكة لمعارف الناس وتجاربهم.
١٥٩ - قوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى﴾ كلام مستأنف، مسوق لدفع ما عسى أن يتوهم من تخصيص كتابة الرحمة بمن يتبع محمدا ﷺ ، وذلك المتوهم هو حرمان قوم موسى من كل خير، وبيانه أنّهم ليسوا كلهم يحرمون منها، بل من قوم موسى ﴿أُمَّةٌ﴾؛ أي: جماعة عظيمة ﴿يَهْدُونَ﴾ الناس ويرشدونهم، ويدعونهم إلى الخير والهدى حالة كونهم متلبسين ﴿بِالْحَقِّ﴾ والعدل الذي جاء به موسى ﵇ من عند الله تعالى ﴿وَبِهِ﴾؛ أي: وبالحق الذي جاء به موسى لا بغيره ﴿يَعْدِلُونَ﴾؛ أي: يحكمون بين الناس حكما عدلا موافقا للصواب إذا حكموا بين الناس، فلا يتبعون هوى، ولا يأكلون سحتا ولا رشا، واختلف (١) في هؤلاء القوم، فقيل: هم الذين أسلموا من بني إسرائيل، كعبد الله بن سلام وأصحابه، وقيل: هم قوم بقوا على الدين الحق الذي جاء به موسى ﵇ قبل التحريف والتبديل، ودعوا الناس إليه، فإن (٢) قيل: إن هؤلاء القوم كانوا قليلين في العدد ولفظ الأمة ينبىء عن الكثرة؟ فالجواب: أنّهم لما أخلصوا في الدين جاز إطلاق الأمة عليهم كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾. اه كرخى.
١٦٠ - ﴿وَقَطَّعْناهُمُ﴾؛ أي: وفرقنا قوم موسى الذين كان منهم ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ومنهم الظالمون والفاسقون فجعلناهم ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا﴾؛ أي: جعلناهم اثنتي عشرة فرقة تسمى أسباطا؛ أي: قبائل، وصيرناهم ﴿أُمَمًا﴾؛ أي: جماعات، يمتاز كل منهم بنظام خاص في معيشته، وبعض شؤونه؛ لأنّ كل سبط كان أمة عظيمة، وسبب (٣) تفرقهم اثنتى عشرة أسباطا أنّ أولاد يعقوب كانوا
стр. 4408
كذلك، فكل سبط ينتمي لواحد منهم، والأسباط جمع سبط وهو ولد الولد، فهو كالحفيد. هكذا في كتب اللغة، وتخصيص السبط بولد البنت، والحفيد بولد الابن أمر عرفي.
وقرأ أبان بن تغلب عن عاصم (١): ﴿وقطعناهم﴾: بتخفيف الطاء، وابن وثاب والأعمش وطلحة بن سليمان: ﴿عشرة﴾ بكسر الشين، وعنهم الفتح أيضا، وأبو حيوة وطلحة بن مصرف بالكسر، وهي لغة تميم، والجمهور بالإسكان، وهي لغة الحجاز.
﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ بنو إسرائيل؛ أي: حين طلبوا منه السقيا - وقد أخذهم العطش في التيه - فاستسقى ربه لهم؛ أي: أوحينا إليه بـ ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ﴾ وهو الذي فرّ بثوبه، خفيف مربع كرأس الرجل، رخام أو كذان، كما في «الجلالين» في سورة البقرة فضربه ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾؛ أي: فانفجرت ونبعت وسالت منه عقب ضربه إياه اثنتا عشرة عينا من الماء، بقدر عدد أسباطهم، وخص كل واحدة من الأسباط بعين منها للزحام وحفظا للنظام ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾؛ أي: كل سبط منهم ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾؛ أي: عينهم الخاصة بهم بالعلم الضروري الذي خلقه الله في كلّ ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ﴾؛ أي: سخرنا لهم السحاب في التيه، تقيهم بظلها من حرّ الشمس، تسير بسيرهم وتسكن بإقامتهم، وكان ينزل لهم في الليل عمود من نور، يسيرون بضوئه، ولولا السحاب في التيه .. لأحرقتهم حرارة الشمس، إذ لم يكن هناك من الشجر ما يستظلون به ﴿وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ﴾ وهو شيء حلو كان ينزل عليهم مثل الثلج من الفجر إلى طلوع الشمس، ويأخذ كل إنسان صاعا ﴿وَالسَّلْوى﴾؛ أي: الطير السماني - بتخفيف الميم - وبالقصر بوزن حبارى، وتسوقه ريح الجنوب عليهم، فيذبح كل واحد ما يكفيهم، وهو (٢) يموت إذا سمع صوت الرعد، فيلهمه الله تعالى أن يسكن جزائر البحر، التي لا يكون فيها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوانهما، فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض، وخاصيته
стр. 4409
أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية.
والمعنى (١): فسهلنا عليهم الطعام والشراب على أحسن الوجوه، وكان المن يقوم مقام الخبز عندهم، ويكفي الألوف من الناس، وتقوم السماني مقام اللحوم والطيور الأخرى، وقلنا لهم ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾؛ أي: من مستلذات ما رزقناكم، وهو المن والسلوى، وفي ذلك تنبيه وتذكير لهم بما يجب عليهم من شكر هذه النعم، وقرأ عيسى الهمداني (٢): ﴿من طيبات ما رزقتكم﴾ موحدا للضمير.
والمعنى: أقصروا أنفسكم على ذلك المطعوم، ولا تطلبوا غيره، واشكروا رزق ربكم، وسئموا منه وقالوا: لن نصبر على طعام واحد، وطلبوا غيره، فظلموا أنفسهم بكفران هذه النعم ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ بكفرهم بهذه النعم ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمخالفة ما أمروا به؛ أي: بل ظلموا أنفسهم وأضروها بهذا الجحود والكفران، وكان ذلك من دأبهم وعادتهم آنا بعد آن.
ولا شك أن من ظلم نفسه .. كان لغيره أظلم، وإن كان ظلمه لنفسه مما يجهل أنّه ظلم لها، إذ يتجلى له في صورة المنفعة، وتكون عاقبته مضرة، وهكذا الحال في جميع الظالمين والمجرمين، فهم يظنون أنّهم بظلمهم وإجرامهم ينفعون أنفسهم، جهلا منهم للعواقب، وقلة تدبر ما ينبغي أن يتفطن له.
الإعراب
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾: اسمها، ﴿اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: إلها، والجملة الفعلية صلة الموصولة، ﴿سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل، ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾: جار
стр. 4410
ومجرور صفة لـ ﴿غَضَبٌ﴾. ﴿وَذِلَّةٌ﴾ معطوف على ﴿غَضَبٌ﴾، ﴿فِي الْحَياةِ﴾: متعلق بـ ﴿ينال﴾. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة لـ ﴿الْحَياةِ﴾، وجملة ﴿سَيَنالُهُمْ﴾ من الفعل والفاعل في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة إنّ مستأنفة، ﴿وَكَذلِكَ﴾: الواو: استئنافية، ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: ونجزي المفترين جزاء مثل جزائنا لهؤلاء المتخذين العجل، ﴿نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية مستأنفة.
﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿تابُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿عَمِلُوا﴾، ﴿مِنْ بَعْدِها﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تابُوا﴾، ﴿وَآمَنُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿تابُوا﴾. ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿مِنْ بَعْدِها﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، تنازع فيه ﴿غفور رحيم﴾، ﴿لَغَفُورٌ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿غفور﴾: خبر أول لـ ﴿إِنَّ﴾، ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾.
﴿وَلَمَّا﴾ الواو: استئنافية، ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿سَكَتَ﴾: فعل ماض، ﴿عَنْ مُوسَى﴾: متعلق به، ﴿الْغَضَبُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿أَخَذَ الْأَلْواحَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة الفعلية جواب ﴿لَمَّا﴾: لا محل له من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾ مستأنفة، ﴿وَفِي نُسْخَتِها﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿هُدىً﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ معطوف على ﴿هُدىً﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ﴿الْأَلْواحَ﴾، ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور، تنازع فيه كل من ﴿هُدىً وَرَحْمَةٌ﴾، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿لِرَبِّهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَرْهَبُونَ﴾، وجملة ﴿يَرْهَبُونَ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول.
стр. 4411
﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾.
﴿وَاخْتارَ مُوسى﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿قَوْمَهُ﴾: منصوب بنزع الخافض؛ أي: من قومه وهو في محل المفعول الثاني ﴿سَبْعِينَ﴾: مفعول أول لـ ﴿اخْتارَ﴾، ﴿رَجُلًا﴾: تمييز له منصوب به، ﴿لِمِيقاتِنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿اخْتارَ﴾، ﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فخرج بهم فأخذتهم الرجفة، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿قالَ﴾:
فعل ماض وفاعله ضمير يعود على موسى، والجملة جواب ﴿لما﴾ وجملة لما معطوفة على ذلك المحذوف الذي قدرناه آنفا، ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قالَ عَذابِي﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿شِئْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ لا محل لها من الإعراب، ﴿أَهْلَكْتَهُمْ﴾: فعل وفاعل، ومفعول، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أَهْلَكْتَهُمْ﴾، ﴿وَإِيَّايَ﴾ معطوف على ضمير ﴿أَهْلَكْتَهُمْ﴾، وجملة ﴿أَهْلَكْتَهُمْ﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، مع كونها جواب النداء.
﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ﴾.
﴿أَتُهْلِكُنا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الاستعطافي الإنكاري، ﴿تُهْلِكُنا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿بِما﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تُهْلِكُنا﴾، ﴿فَعَلَ السُّفَهاءُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما فعله السفهاء. ﴿مِنَّا﴾: جار ومجرور حال من ﴿السُّفَهاءُ﴾، ﴿إِنْ﴾: نافية بطل عملها لانتقاض نفيها بإلا، ﴿هِيَ﴾: مبتدأ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿فِتْنَتُكَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿تُضِلُّ﴾: فعل
стр. 4412
مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿بِها﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تُضِلُّ﴾، ﴿مِنْ﴾: موصولة في محل النصب مفعول ﴿تُضِلُّ﴾، وجملة ﴿تَشاءُ﴾: صلة ﴿مِنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من تشاء إضلاله، وجملة ﴿تُضِلُّ﴾ في محل النصب حال من الكاف في ﴿فِتْنَتُكَ﴾، ﴿وَتَهْدِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، وجملة ﴿تَهْدِي﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿تُضِلُّ﴾، ﴿مِنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿تَهْدِي﴾، وجملة ﴿تَشاءُ﴾: صلتها، والعائد محذوف تقديره: من تشاء هدايته، أَنْتَ وَلِيُّنا: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، مسوقة لتعليل ما قبلها، فَاغْفِرْ ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية، ﴿اغفر﴾: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا﴾ على كونها مقول ﴿قالَ﴾، ﴿لَنا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿اغفر﴾، ﴿وَارْحَمْنا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿فَاغْفِرْ لَنا﴾، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿فَاغْفِرْ﴾ أو معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه.
﴿وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ﴾.
﴿وَاكْتُبْ﴾: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَاغْفِرْ﴾، ﴿لَنا﴾: متعلق به، وكذا قوله: ﴿فِي هذِهِ الدُّنْيا﴾ متعلق بـ ﴿اكْتُبْ﴾، ﴿حَسَنَةً﴾: مفعول ﴿اكْتُبْ﴾، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: جار ومجرور، معطوف على الجار والمجرور قبله ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿هُدْنا﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّا﴾، وجملة ﴿إِنَّا﴾ في محل النصب مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة، ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿عَذابِي﴾: مبتدأ ومضاف إليه، ﴿أُصِيبُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿بِهِ﴾:
стр. 4413
متعلق بـ ﴿أُصِيبُ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿أُصِيبُ﴾، ﴿أَشاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: من أشاؤه.
﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَرَحْمَتِي﴾: مبتدأ، ﴿وَسِعَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الرحمة، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿عَذابِي﴾ على كونها مقول ﴿قالَ﴾، ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: مفعول ﴿وَسِعَتْ﴾، ﴿فَسَأَكْتُبُها﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية ﴿سأكتبها﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع، معطوفة على جملة ﴿وَسِعَتْ﴾ على كونها خبر المبتدأ، ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿سأكتبها﴾، ﴿يَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾:فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يَتَّقُونَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿بِآياتِنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول.
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾.
﴿الَّذِينَ﴾ في محل الجر نعت لـ ﴿الَّذِينَ﴾ الأول، أو بدل منه، ويجوز قطعه إلى النصب أو الرفع، ﴿يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، ﴿النَّبِيَّ﴾ بدل من ﴿الرَّسُولَ﴾ أو عطف بيان له ﴿الْأُمِّيَّ﴾ صفة أولى لـ ﴿النَّبِيَّ﴾. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿النَّبِيَّ﴾، يَجِدُونَهُ فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿مَكْتُوبًا﴾: مفعول ثان، ﴿عِنْدَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿مَكْتُوبًا﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول ﴿فِي التَّوْراةِ﴾: متعلق بـ ﴿مَكْتُوبًا﴾ أيضا، ﴿وَالْإِنْجِيلِ﴾: معطوف على ﴿التَّوْراةِ﴾.
стр. 4414
﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾.
﴿يَأْمُرُهُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿الرَّسُولَ﴾، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب حال من ﴿الرَّسُولَ﴾، ﴿وَيَنْهاهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الرَّسُولَ﴾، ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَأْمُرُهُمْ﴾. ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾: عطف على ما تقدم، وكذلك الجمل التي بعدها إلى قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ﴾ معطوفات على جملة قوله: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿الْأَغْلالَ﴾، ﴿كانَتْ﴾: فعل ناقص واسمها ضمير يعود على ﴿الْأَغْلالَ﴾، ﴿عَلَيْهِمُ﴾: خبر كان، وجملة كان صلة الموصول.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
﴿فَالَّذِينَ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت صفاته المذكورة، وأردت بيان كيفية اتباعه .. فأقول لك، ﴿الذين آمنوا به﴾: ﴿الذين﴾: مبتدأ أول ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول، وقوله: ﴿وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ﴾ جمل معطوفات على جملة الصلة. ﴿الَّذِي﴾: في محل النصب صفة لـ ﴿النُّورَ﴾، ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على الموصول، ﴿مَعَهُ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾، والجملة صلة الموصول، ﴿أُولئِكَ﴾: مبتدأ ثان، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ الذي مر في قوله: ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ﴾.
﴿قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ﴾.
стр. 4415
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾: حرف نداء ﴿أي﴾ منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد، ﴿النَّاسُ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾، ﴿إِنِّي﴾ ﴿إن﴾: حرف نصب و ﴿الياء﴾ اسمها، ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾: خبرها وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ على كونها جواب النداء، ﴿إِلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾؛ أي: حالة كوني مرسلا إليكم، أو متعلق بـ ﴿رَسُولُ جَمِيعًا﴾ حال من ضمير المخاطبين في ﴿إِلَيْكُمْ﴾، ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الجر صفة للجلالة، أو بدل منه، ويجوز القطع إلى الرفع أو النصب، ﴿لَهُ﴾:
خبر مقدم ﴿مُلْكُ السَّماواتِ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّماواتِ﴾، والجملة الاسمية صلة الموصول، ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل إن، ﴿إِلهَ﴾ في محل النصب اسمها، وخبر ﴿لا﴾ محذوف جوازا تقديره: موجود، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿هُوَ﴾: ضمير للمفرد المنزه في محل الرفع بدل من الضمير المستكن في خبر لا، وجملة لا من اسمها وخبرها بدل أول من جملة الصلة لا محل لها من الأعراب، ﴿يُحيِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية بدل ثان من جملة الصلة، أو حال من الجلالة، وجملة ﴿وَيُمِيتُ﴾: معطوفة على جملة ﴿يُحيِي﴾.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
﴿فَآمِنُوا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أنّي رسول الله إليكم، وأردتم بيان ما هو الأصلح اللازم لكم .. فأقول لكم: ﴿أمنوا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به، ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة على كونها مقولا لـ ﴿قال﴾، ﴿النَّبِيِّ﴾: بدل من ﴿الرسول﴾ أو عطف بيان منه، ﴿الْأُمِّيِّ﴾: صفة أولى لـ ﴿النَّبِيِّ﴾، ﴿الَّذِي﴾: