← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾. ﴿وَاخْتارَ مُوسى﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿قَوْمَهُ﴾: منصوب بنزع الخافض؛ أي: من قومه وهو في محل المفعول الثاني ﴿سَبْعِينَ﴾: مفعول أول لـ ﴿اخْتارَ﴾، ﴿رَجُلًا﴾: تمييز له منصوب به، ﴿لِمِيقاتِنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿اخْتارَ﴾، ﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فخرج بهم فأخذتهم الرجفة، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿قالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على موسى، والجملة جواب ﴿لما﴾ وجملة لما معطوفة على ذلك المحذوف الذي قدرناه آنفا، ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قالَ عَذابِي﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿شِئْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ لا محل لها من الإعراب، ﴿أَهْلَكْتَهُمْ﴾: فعل وفاعل، ومفعول، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أَهْلَكْتَهُمْ﴾، ﴿وَإِيَّايَ﴾ معطوف على ضمير ﴿أَهْلَكْتَهُمْ﴾، وجملة ﴿أَهْلَكْتَهُمْ﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، مع كونها جواب النداء. ﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ﴾. ﴿أَتُهْلِكُنا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الاستعطافي الإنكاري، ﴿تُهْلِكُنا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿بِما﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تُهْلِكُنا﴾، ﴿فَعَلَ السُّفَهاءُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما فعله السفهاء. ﴿مِنَّا﴾: جار ومجرور حال من ﴿السُّفَهاءُ﴾، ﴿إِنْ﴾: نافية بطل عملها لانتقاض نفيها بإلا، ﴿هِيَ﴾: مبتدأ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿فِتْنَتُكَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿تُضِلُّ﴾: فعل

стр. 4412

مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿بِها﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تُضِلُّ﴾، ﴿مِنْ﴾: موصولة في محل النصب مفعول ﴿تُضِلُّ﴾، وجملة ﴿تَشاءُ﴾: صلة ﴿مِنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من تشاء إضلاله، وجملة ﴿تُضِلُّ﴾ في محل النصب حال من الكاف في ﴿فِتْنَتُكَ﴾، ﴿وَتَهْدِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، وجملة ﴿تَهْدِي﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿تُضِلُّ﴾، ﴿مِنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿تَهْدِي﴾، وجملة ﴿تَشاءُ﴾: صلتها، والعائد محذوف تقديره: من تشاء هدايته، أَنْتَ وَلِيُّنا: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، مسوقة لتعليل ما قبلها، فَاغْفِرْ ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية، ﴿اغفر﴾: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا﴾ على كونها مقول ﴿قالَ﴾، ﴿لَنا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿اغفر﴾، ﴿وَارْحَمْنا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿فَاغْفِرْ لَنا﴾، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿فَاغْفِرْ﴾ أو معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه. ﴿وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ﴾. ﴿وَاكْتُبْ﴾: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَاغْفِرْ﴾، ﴿لَنا﴾: متعلق به، وكذا قوله: ﴿فِي هذِهِ الدُّنْيا﴾ متعلق بـ ﴿اكْتُبْ﴾، ﴿حَسَنَةً﴾: مفعول ﴿اكْتُبْ﴾، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: جار ومجرور، معطوف على الجار والمجرور قبله ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿هُدْنا﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّا﴾، وجملة ﴿إِنَّا﴾ في محل النصب مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة، ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿عَذابِي﴾: مبتدأ ومضاف إليه، ﴿أُصِيبُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿بِهِ﴾:

стр. 4413

متعلق بـ ﴿أُصِيبُ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿أُصِيبُ﴾، ﴿أَشاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: من أشاؤه. ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَرَحْمَتِي﴾: مبتدأ، ﴿وَسِعَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الرحمة، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿عَذابِي﴾ على كونها مقول ﴿قالَ﴾، ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: مفعول ﴿وَسِعَتْ﴾، ﴿فَسَأَكْتُبُها﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية ﴿سأكتبها﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع، معطوفة على جملة ﴿وَسِعَتْ﴾ على كونها خبر المبتدأ، ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿سأكتبها﴾، ﴿يَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾:فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يَتَّقُونَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿بِآياتِنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول. ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ في محل الجر نعت لـ ﴿الَّذِينَ﴾ الأول، أو بدل منه، ويجوز قطعه إلى النصب أو الرفع، ﴿يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، ﴿النَّبِيَّ﴾ بدل من ﴿الرَّسُولَ﴾ أو عطف بيان له ﴿الْأُمِّيَّ﴾ صفة أولى لـ ﴿النَّبِيَّ﴾. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿النَّبِيَّ﴾، يَجِدُونَهُ فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿مَكْتُوبًا﴾: مفعول ثان، ﴿عِنْدَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿مَكْتُوبًا﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول ﴿فِي التَّوْراةِ﴾: متعلق بـ ﴿مَكْتُوبًا﴾ أيضا، ﴿وَالْإِنْجِيلِ﴾: معطوف على ﴿التَّوْراةِ﴾.

стр. 4414

﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. ﴿يَأْمُرُهُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿الرَّسُولَ﴾، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب حال من ﴿الرَّسُولَ﴾، ﴿وَيَنْهاهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الرَّسُولَ﴾، ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَأْمُرُهُمْ﴾. ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾: عطف على ما تقدم، وكذلك الجمل التي بعدها إلى قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ﴾ معطوفات على جملة قوله: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿الْأَغْلالَ﴾، ﴿كانَتْ﴾: فعل ناقص واسمها ضمير يعود على ﴿الْأَغْلالَ﴾، ﴿عَلَيْهِمُ﴾: خبر كان، وجملة كان صلة الموصول. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ﴿فَالَّذِينَ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت صفاته المذكورة، وأردت بيان كيفية اتباعه .. فأقول لك، ﴿الذين آمنوا به﴾: ﴿الذين﴾: مبتدأ أول ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول، وقوله: ﴿وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ﴾ جمل معطوفات على جملة الصلة. ﴿الَّذِي﴾: في محل النصب صفة لـ ﴿النُّورَ﴾، ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على الموصول، ﴿مَعَهُ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾، والجملة صلة الموصول، ﴿أُولئِكَ﴾: مبتدأ ثان، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ الذي مر في قوله: ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ﴾. ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ﴾.

стр. 4415

﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾: حرف نداء ﴿أي﴾ منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد، ﴿النَّاسُ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾، ﴿إِنِّي﴾ ﴿إن﴾: حرف نصب و ﴿الياء﴾ اسمها، ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾: خبرها وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ على كونها جواب النداء، ﴿إِلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾؛ أي: حالة كوني مرسلا إليكم، أو متعلق بـ ﴿رَسُولُ جَمِيعًا﴾ حال من ضمير المخاطبين في ﴿إِلَيْكُمْ﴾، ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الجر صفة للجلالة، أو بدل منه، ويجوز القطع إلى الرفع أو النصب، ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم ﴿مُلْكُ السَّماواتِ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّماواتِ﴾، والجملة الاسمية صلة الموصول، ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل إن، ﴿إِلهَ﴾ في محل النصب اسمها، وخبر ﴿لا﴾ محذوف جوازا تقديره: موجود، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿هُوَ﴾: ضمير للمفرد المنزه في محل الرفع بدل من الضمير المستكن في خبر لا، وجملة لا من اسمها وخبرها بدل أول من جملة الصلة لا محل لها من الأعراب، ﴿يُحيِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية بدل ثان من جملة الصلة، أو حال من الجلالة، وجملة ﴿وَيُمِيتُ﴾: معطوفة على جملة ﴿يُحيِي﴾. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ﴿فَآمِنُوا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أنّي رسول الله إليكم، وأردتم بيان ما هو الأصلح اللازم لكم .. فأقول لكم: ﴿أمنوا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به، ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة على كونها مقولا لـ ﴿قال﴾، ﴿النَّبِيِّ﴾: بدل من ﴿الرسول﴾ أو عطف بيان منه، ﴿الْأُمِّيِّ﴾: صفة أولى لـ ﴿النَّبِيِّ﴾، ﴿الَّذِي﴾:

стр. 4416

في محل الجر صفة ثانية له ﴿يُؤْمِنُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُ﴾، ﴿وَكَلِماتِهِ﴾: معطوف على الجلالة، ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على قوله ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تَهْتَدُونَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة لعل مسوقة لتعليل ما قبلها على كونها مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾. ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر مقدم، ﴿أُمَّةٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لدفع ما عسى أن يتوهم من تخصيص كتابة الرحمة بمن يتبع محمدا، وذلك المتوهم هو حرمان قوم موسى من كل خير، وبيانه: أنّهم ليسوا كلهم يحرمون منها، بل منهم أمة الخ ذكره في «الفتوحات»، وجملة ﴿يَهْدُونَ﴾: في محل الرفع صفة لـ ﴿أُمَّةٌ﴾، ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور حال من الواو في ﴿يَهْدُونَ﴾ تقديره: حالة كونهم متلبسين بالحق، ﴿وَبِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ وجملة ﴿يَعْدِلُونَ﴾: في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَهْدُونَ﴾ على كونها صفة لـ ﴿أُمَّةٌ﴾. ﴿وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾. ﴿وَقَطَّعْناهُمُ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾: عدد مركب معرب الصدر مبني العجز، ﴿اثْنَتَيْ﴾: حال من مفعول ﴿قَطَّعْناهُمُ﴾، ﴿عَشْرَةَ﴾ جزء حال لا محل له من الإعراب، مبني على الفتح، والتقدير: وفرقناهم حالة كونهم معدودين بهذا العدد، ويجوز أن يكون ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ مفعولا ثانيا لـ ﴿قَطَّعْناهُمُ﴾، إذا كان بمعنى صيرناهم، وجملة ﴿قَطَّعْناهُمُ﴾ مستأنفة، وتمييز ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ محذوف لفهم المعنى تقديره اثنتي عشرة فرقة ﴿أَسْباطًا﴾: بدل من التمييز المحذوف، ولا يجوز كون أسباطا تمييزا؛ لأنّه جمع ﴿أُمَمًا﴾: بدل من أَسْباطًا، ﴿وَأَوْحَيْنا﴾: فعل وفاعل، معطوف على قوله: ﴿وَقَطَّعْناهُمُ﴾، ﴿إِلى مُوسى﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَوْحَيْنا﴾ ﴿إِذِ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، ﴿اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾: فعل

стр. 4417

ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر بإضافة إذ إليها تقديره: وقت استسقاء قومه إياه، والظرف متعلق بـ ﴿وَأَوْحَيْنا﴾. ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى﴾. ﴿أَنِ﴾: مفسرة بمعنى أي التفسيرية، أو مصدرية، ﴿اضْرِبْ﴾: فعل أمر مبني على السكون أو في محل النصب بـ ﴿أَنِ﴾ المصدرية مبني على السكون، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، ﴿بِعَصاكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿اضْرِبْ﴾. ﴿الْحَجَرَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية جملة مفسرة لـ ﴿أَوْحَيْنا﴾ لا محل لها من الإعراب، أو في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، متعلق بـ ﴿أَوْحَيْنا﴾ تقديره: وأوحينا إلى موسى بالضرب بعصاه الحجر، ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فضربه فانبجست، ﴿انبجست﴾: فعل ماض، ﴿مِنْهُ﴾: متعلق به، ﴿اثْنَتا عَشْرَةَ﴾: عدد مركب معرب الصدر مبني العجز، ﴿اثْنَتا﴾: فاعل مرفوع بالفعل، وعلامة رفعه الألف، ﴿عَشْرَةَ﴾: جزء فاعل مبني على الفتح لشبهه بالحرف شبها معنويا لتضمنه معنى حرف العطف، وإنّما حرك ليعلم أنّ له أصلا في الإعراب، وكانت الحركة فتحة للخفة مع ثقل التركيب، ﴿عَيْنًا﴾: منصوب على التمييز، والجملة الفعلية معطوفة على ذلك المحذوف، ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾: مفعول به؛ لأنّ علم بمعنى عرف والجملة مستأنفة ﴿وَظَلَّلْنا﴾: فعل وفاعل ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلق به ﴿الْغَمامَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَوْحَيْنا﴾. ﴿وَأَنْزَلْنا﴾: فعل وفاعل معطوف أيضا على ﴿أَوْحَيْنا﴾، ﴿عَلَيْهِمُ﴾ متعلق به ﴿الْمَنَّ﴾: مفعول به ﴿وَالسَّلْوى﴾: معطوف عليه. ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. ﴿كُلُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْ طَيِّباتِ ما﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿كُلُوا﴾. ﴿رَزَقْناكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو

стр. 4418

صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما رزقناكموه، وجملة ﴿كُلُوا﴾ مقول لقول محذوف معطوف على ﴿أَنْزَلْنا﴾ تقديره: وأنزلنا عليهم المن والسلوى وقلنا لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم، ﴿وَما ظَلَمُونا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على محذوف تقديره: فظلموا وكفروا بتلك النعم، ﴿وَلكِنْ﴾ الواو: عاطفة، ﴿لكِنْ﴾: حرف استدراك ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به لـ ﴿يَظْلِمُونَ﴾، وجملة ﴿يَظْلِمُونَ﴾: في محل النصب خبر كان، وجملة كان من اسمها وخبرها جملة استدراكية معطوفة على الجملة التي قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ السكوت (١) في اللغة: ترك الكلام، نسب إلى الغضب على تصويره بصورة شخص ذي قوة ورياسة، يأمر وينهى، فيطاع. قال في «الكشاف»: هذا مثل كأن الغضب كان يغريه على ما فعل، ويقول له: قل لقومك كذا، وألق الألواح، وجر برأس أخيك إليك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء. اه. ﴿وَفِي نُسْخَتِها﴾؛ أي: فيما نسخ وكتب منها، من النسخ كالخطبة من الخطاب، فهي فعلة بمعنى مفعول؛ أي: منسوخها؛ أي: مكتوبها، فالنسخ يطلق على الكتابة كما يطلق على النقل والتغيير والإضافة على معنى في؛ أي: المنسوخ والمكتوب فيها. وفي «الخازن» ﴿وَفِي نُسْخَتِها﴾ النسخ عبارة عن النقل والتحويل، فإذا نسخت كتابا من كتاب حرفا بحرف .. فقد نسخت هذا الكتاب، فهو نقلك ما في الأصل إلى الفرع، فعلى هذا قيل: أراد بها الألواح لأنها نسخت من اللوح المحفوظ، وقيل: أراد بها النسخة المكتتبة من الألواح التي أخذها موسى بعدما تكسرت. انتهى. ﴿هُدىً﴾، أي: بيان للحق ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بالإرشاد إلى ما فيه الخير والإصلاح

стр. 4419

﴿يَرْهَبُونَ﴾ والرهبة أشد الخوف ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ يقال: اختاره من الرجال وانتقاه، إذا اصطفاه من بينهم، اختار (١) افتعل من الخير، وهو التخير والانتقاء، واختار من الأفعال التي تعدت إلى اثنين، أحدهما بنفسه والآخر بواسطة حرف الجر، وهي مقصورة على السماع، وهي اختار واستغفر وأمر وكنى ودعا وزوج وصدق، ثم يحذف حرف الجر ويتعدى إليه الفعل فيقال: اخترت زيدا من الرجال، واخترت زيدا الرجال، قال الشاعر: اخترتك النّاس إذ رثّت خلائقهم ... واعتلّ من كان يرجى عنده السّول أي: اخترتك من الناس. ﴿والرَّجْفَةُ﴾ الصاعقة ﴿إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ والفتنة الاختبار والامتحان مطلقا، أو بالأمور الشاقة ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا﴾ الولي المتولي أمور غيره القائم عليها ﴿والحسنة﴾ في الدنيا هي العافية وبسطة الرزق، وعز الاستقلال، والملك و ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ دخول الجنة، ونيل الرضوان ﴿هُدْنا إِلَيْكَ﴾ من هاد يهود، كقال يقول، إذا تاب ورجع إلى الحق، فهو هائد، وقوم هود، وأصل (٢) الهود: الرجوع برفق، وبه سميت اليهود، وكان اسم مدح قبل نسخ شريعتهم، وبعده صار اسم ذم، وهو لازم لهم. ﴿النَّبِيَّ﴾ (٣) من النبأ، وهو الخبر المهم العظيم الشأن، وفي لسان الشرع من أوحى الله إليه وأنبأه بما لم يكن يعلم، بكسبه من خبر أو حكم به، يعلم علما ضروريا أنّه من الله ﴿والرَّسُولَ﴾ نبي أمره الله تعالى بتبليغ شرع ودعوة دين، وبإقامته والعمل به، ولا يشترط أن يكون كتابا يقرأ وينشر، ولا شرعا جديدا يعمل به ويحكم بين الناس، بل يكون تابعا لشرع غيره كله، كالرسل من بني إسرائيل الذين كانوا يتبعون التوراة عملا وحكما ﴿والْأُمِّيَّ﴾ الذي لا يقرأ ولا يكتب نسبة إلى الأم، وأهل الكتاب يلقبون العرب: بالأميين، كما حكى الله عنهم: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ﴿والمعروف﴾ ما تعرف العقول السليمة حسنه لموافقته للفطرة والمصلحة، بحيث لا تستطيع أن ترده أو

стр. 4420

تعترض عليه إذا ورد به الشرع ﴿والْمُنْكَرِ﴾: ما تنكره القلوب وتأباه على الوجه المذكور و ﴿الطيب﴾ ما تستطيبه الأذواق من الأطعمة، وتستفيد منه التغذية النافعة و ﴿الخبيث﴾ من الأطعمة ما تمجه الطباع السليمة، كالميتة والدم المسفوح، أو تصد عنه العقول الراجحة، لضرره في البدن، كالخنزير الذي تتولد من أكله الدودة الوحيدة، أو لضرره في الدين، كالذي يذبح للتقرب به إلى غير الله تعالى على سبيل العبادة و ﴿الخبيث﴾ من الأموال ما يؤخذ بغير حق، كالربا والرشوة والغلول والسرقة والغصب، ونحو ذلك ﴿والإصر﴾ الثقل الذي يأصر صاحبه؛ أي: يحبسه من الحركة لثقله ﴿وَالْأَغْلالَ﴾ واحدها غل - بالضم - وهي الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه، ويقال لها: جامعة، وفي «المصباح» الغل - بضم الغين - طوق من حديد يجعل في العنق اه. ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾؛ أي: عظموه، والتعزير: الإعانة والنصرة حتى لا يقوى عليه عدو، وتعزير الشيء تعظيمه وإجلاله ودفع الأعداء عنه ﴿وَنَصَرُوهُ﴾؛ أي: على أعدائه، فهو معطوف على عزروه عطف لازم على ملزوم، ﴿وَقَطَّعْناهُمُ﴾ (١)؛ أي: صيرناهم قطعا وفرقا، كل فرقة منها سبط، والسبط ولد الولد مطلقا، وقد يختص بولد البنت، وأسباط بني إسرائيل سلائل أولاده العشرة؛ أي: ما عدا لاوى، وسلائل ولدي ابنه يوسف وهما: افرايم ومنسى، إذ سلائل لاوى نيطت بها خدمة الدين في جميع الأسباط، ولم تجعل سبطا مستقلا ﴿والأمة﴾ الجماعة التي تؤلف بين أفرادها رابطة خاصة، أو مصلحة واحدة، أو نظام واحد ﴿إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ والاستسقاء طلب الماء للسقيا ﴿وانبجست﴾ والانبجاس والانفجار واحد، يقال: بجسه فانبجس وبجسه فتبجس، كما يقال: فجره؛ أي: شقه فانفجر، وقال الراغب: الانبجاس أكثر ما يقال فيما يخرج من شيء ضيق، والانفجار يستعمل فيه وفيما يخرج من شيء واسع، وفي «المصباح»: بجست الماء بجسا من باب قتل فانبجس، بمعنى فجرته فانفجر. اه ﴿والْغَمامَ﴾ السحاب مطلقا أو الأبيض منه أو الرقيق ﴿والْمَنَّ﴾ مادة بيضاء تنزل من السماء كالطّلّ،

стр. 4421

حلوة الطعم، شبيهة بالعسل، وإذا جفت .. كانت كالصمغ ﴿وَالسَّلْوى﴾ طير يشبه السماني - بوزن حبارى - لكنه أكبر منه ﴿كُلُّ أُناسٍ﴾ وأناس اسم جمع، واحده إنسان، وقيل: جمع تكسير له، وفي «المصباح» والإنسان اسم جنس يقع على الذكر والأنثى، والواحد والجمع، والأناس بالضم مشتق من الإنس وقد تحذف همزته تخفيفا على غير قياس فيصير: ناس. اه. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا من البلاغة، وضروبا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ في هذا الكلام (١) مبالغة وبلاغة من حيث إنّه جعل الغضب الحامل له على ما فعل كالآمر به، والمغري له عليه، حتى عبر عن سكونه بالسكوت اه «بيضاوي». ففي هذه الجملة استعارتان: استعارة بالكناية: حيث شبه الغضب بإنسان ناطق يغرى موسى ويقول له: قل لقومك كذا وكذا، وألق الألواح، وخذ برأس أخيك، ثم يقطع الإغراء ويترك الكلام كما مر، واستعارة تصريحية تبعية: حيث شبه سكون الغضب وخموده بانقطاع كلام المتكلم وسكوته. ومنها: الطباق بين لفظي ﴿تُضِلُّ﴾ و ﴿تَهْدِي﴾ وبين لفظي: ﴿يُحيِي﴾ ويُمِيتُ وبين لفظي: ﴿الدُّنْيا﴾ و ﴿الْآخِرَةِ﴾. ومنها: جناس الاشتقاق بين: ﴿فَاغْفِرْ﴾ و ﴿الْغافِرِينَ﴾. ومنها: المقابلة بين قوله: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وقوله: ﴿وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وبين قوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ وقوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾ وهي - أعني المقابلة - أن يؤتى بأمرين أو أمور ثم يؤتى بما يقابلها على الترتيب، وهي من المحسنات البديعية.

стр. 4422

ومنها: التعريض في قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾؛ فإنّ فيه تعريضا بقومه كأنّه قيل: لا لقومك لأنهم غير متقين. ومنها: الالتفات في قوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؛ فإنّ فيه التفاتا من التكلم إلى الغيبة؛ لأنّ الاسم الظاهر من قبيل الغيبة، لما في الالتفات من البلاغة والنكات المقررة عندهم، كما مر في مبحث التفسير، فحق العبارة أن يقال: فآمنوا بالله وبي. ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿وَالْأَغْلالَ﴾؛ لأنّ الغل في الأصل حديدة تجمع اليد إلى العنق وتمنعها من المد والتحرك، فشبه التكاليف الشاقة بالغل الذي هو الحديد، بجامع المنع في كل؛ لأنّ التكاليف والتحريمات تمنع من الفعل، كما أن الغل يمنع من الفعل، وقيل: شبهت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق، فكما أن اليد لا تمتد مع وجود الغل، فكذلك لا تمتد إلى الحرام الذي نهيت عنه، ذكره في «الفتوحات». ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا﴾؛ لأنّه استعار التقطيع للتفريق؛ لأنّ التقطيع حقيقة في فصل الأجسام المتصلة بعضها عن بعض كالحبل، فاشتق منه قطعنا بمعنى فرقنا، على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 4423

قال الله سبحانه جلّ وعلا: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢) وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ ...﴾ الآيات، إلى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ لا يزال الكلام في قصة بني إسرائيل فالمناسبة ظاهرة؛ لأنّ السابقة واللاحق كله في قصة واحدة.

стр. 4424

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله (١) لما ذكر هدايته للبشر بإرسال الرسل، وإنزال الكتب في قصة بني إسرائيل .. قفّى على ذلك بذكر هدايته إياهم بما أودع في فطرتهم، وركب في عقولهم من الاستعداد للإيمان به، وتوحيده وشكره منذ النشأة الأولى، فهو سبحانه بعد أن أظهر تمادي هؤلاء اليهود في الغي بعد أخذ الميثاق الخاص الذي دل عليه قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ وذكر هنا أنّهم نقضوا أيضا الميثاق العام الذي أخذه على بني آدم جميعا - وهم في صلب آدم - واشركوا بالله وقالوا: عزير ابن الله. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ ...﴾ الآية، ذكر (٢) في سبب نزولها أنّ بعض اليهود المعاصرين للرسول ﷺ قالوا له: لم يكن من بني إسرائيل عصيان ولا معاندة لما أمروا به، فنزلت هذه الآية موبخة لهم، ومقررة كذبهم، ومعلمة ما جرى على أسلافهم من الإهلاك والمسخ، وكانت اليهود تكتم هذه القصة، فهي من ما لا يعلم إلا بكتاب أو وحي، فإذا أعلمهم بها من لم يقرأ كتابهم .. علم أنّه من جهة الوحي. التفسير وأوجه القراءة ١٦١ - ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ﴾؛ أي: واذكر يا محمد لهؤلاء اليهود المعاصرين لك، المنكرين عصيان أسلافهم ومعاندتهم لأمر الله تعالى قصة إذ قيل لهم؛ أي: لأسلافهم ﴿اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾؛ أي: قرية الجبارين، قوم من بقية عاد - رئيسهم عوج بن عنق - أي: قصة إذ قال الله تعالى لهم على لسان موسى: إذا خرجتم من التيه .. أسكنوا بيت المقدس، أو قال لهم على لسان يوشع بعد خروجهم من التيه: اسكنوا أريحاء ﴿وَكُلُوا مِنْها﴾؛ أي: من ثمار القرية

стр. 4425

وزروعها وحبوبها وبقولها ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾؛ أي: من أي مكان شئتم من نواحيها، وفي أي وقت شئتم من غير أن يزاحمكم فيها أحد ﴿وَقُولُوا﴾ وقت دخولها: مسألتنا ومطلبنا منك يا إلهنا ﴿حِطَّةٌ﴾؛ أي: حط ذنوبنا وامحوها بعفوك عنا ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ﴾؛ أي: باب القرية، وقيل: باب القبة التي كانوا يصلون إليها ﴿سُجَّدًا﴾؛ أي: حالة كونكم ساجدين سجود انحناء لا سجودا شرعيا بوضع الجبهة على الأرض، بل المراد اللغوي، وهو الانحناء بأن يكونوا على هيئة الراكعين، شكرا على إخراجهم من التيه ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ﴾ وذنوبكم التي سلفت منكم، إن فعلتم ذلك المذكور الذي أمرتم به من القول والسجود. وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي والحسن والأعمش (١): ﴿نَغْفِرْ﴾ بالنون ﴿لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ﴾ جمع سلامة بالتاء مهموزا، إلا أنّ الحسن خفف الهمزة وادغم الياء فيها، وقرأ أبو عمرو: ﴿نَغْفِرْ﴾ بالنون ﴿لكم خطاياكم﴾ على وزن قضاياكم جمع تكسير، وقرأ نافع ومحبوب عن أبي عمرو: ﴿تغفر﴾ بالتاء مبنيا للمفعول ﴿لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ﴾ بجمع سلامة، وقرأ ابن عامر: ﴿تغفر﴾ بتاء مضمومة مبنيا للمفعول ﴿لكم خطيئتكم﴾ بالإفراد مهموزا، وقرأ ابن هرمز ﴿تغفر﴾ بتاء مفتوحة على معنى إن الحطة تغفر، إذ هي سبب الغفران، وقرىء (٢): ﴿يغفر﴾ بالياء، فعلى هذا لا يقرأ ﴿خطايا﴾ بالإفراد. ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالطاعة والامتثال لأمرنا ثوابا في حسناتهم، وقيل المعنى: من كان محسنا منكم .. كانت تلك الكلمة سببا في زيادة ثوابه، ومن كان مسيئا .. كانت له توبة ومغفرة كما مر في البقرة، ١٦٢ - ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم ﴿مِنْهُمْ﴾ وهم أصحاب الخطيئة؛ أي: غيروا تلك الكلمة التي أمروا بها للتوبة وقالوا: ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أي: قالوا حنطة بدل حطة، وكذلك بدلوا الفعل الذي أمروا به من دخولهم سجدا فدخلوا زحفا، فالحاصل أنّهم دخلوا الباب زاحفين على أدبارهم، قائلين حنطة على شعيرة، استخفافا بأمر الله

стр. 4426

تعالى واستهزاء بموسى، وهذا القول مجرد هذيان منهم، قصدهم إغاظة موسى، وليس له معنى يقابلون به معنى القول الذي قيل لهم. ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ عقب ما فعلوا من غير تأخير ﴿رِجْزًا﴾؛ أي: عذابا كائنا. ﴿مِنَ السَّماءِ﴾؛ أي: طاعونا وبلاء وعذابا مقدرا من السماء. ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أنفسهم؛ لأنّهم خرجوا عن طاعة الله تعالى؛ أي: بسبب ظلمهم وخروجهم عن طاعتنا، روي أنه مات منهم في ساعة واحدة أربعة وعشرون ألفا أو أقل، فهذا الوباء غير الوباء الذي حل بهم في التيه كما مر في البقرة. تنبيه: تقدم (١) مثل هاتين الآيتين في سورة البقرة، غير أن بين الموضعين فروقا كثيرة: منها: أنّه قال هنا: ﴿اسكنوا القرية﴾ وفي سورة البقرة ﴿ادْخُلُوا﴾ والفائدة هنا أتم؛ لأنّ السكنى تستلزم الدخول دون العكس. ومنها: أنّه قال هنا: ﴿وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ﴾، وفي سورة البقرة ﴿فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾، فجاء العطف هناك بالفاء؛ لأنّ بدء الأكل يكون عقب الدخول، كأكل الثمرات والفواكه التي تكون في كل ناحية من القرية، أما السكنى فأمر ممتد يكون الأكل في أثنائه لا عقبه. كما وصف هناك الأكل بالرغد - وهو الواسع الهنىء - لأنّ الأكل في أول الدخول يكون ألذ، وبعد السكنى والإقامة لا يكون كذلك. ومنها: أنّه قال هنا: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا﴾ وقدم هنا ما أخر هناك، وأخر ما قدمه، والواو لا تدل على طلب ترتيب بين الأمرين، فالاختلاف في التعبير دال على عدم الفرق بين تقديم هذا وتأخير ذاك، وبين عكسه، إذ لا فارق بين أن يدعوا بقولهم: ﴿حِطَّةٌ﴾؛ أي: حط عنا أوزارنا وخطايانا الذي هو بمعنى قولنا: اللهم غفرانا، في حال التلبس بالتواضع والخضوع، وتنكيس الرؤوس شكرا لله على نعمه عند دخول القرية، وبين أن يبدؤوا بتنكيس الرؤوس

стр. 4427

والخضوع والتواضع، ثم يدعوا بقوله: ﴿حِطَّةٌ﴾. ومنها: أنّه قال هنا ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بدون واو وهناك ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالعطف، والمعنى واحد، وترك الواو أدل على أن الزيادة تفضل من الله ليست مشاركة للمغفرة فيما جعل سببا لها من الخضوع والسجود والاستغفار، والدعاء بحط الأوزار. ومنها: أنّه قال ههنا: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ فزيد منهم على مثله في سورة البقرة. ومعنى تبديلهم قولا غير الذي قيل لهم: أنهم عصوا بالقول والفعل، وخالفوا الأمر مخالفة تامة لا تحتمل اجتهادا ولا تأويلا، فلم يراعوا ظاهر مدلول اللفظ، ولا الفحوى والمقصود منه، حتى كأن المطلوب منه غير الذي قيل لهم. وما روي في الإسرائيليات من هذا التبديل من الألفاط العبرانية أو العربية، فلا ثقة به، وإن خرج بعضه في الصحيح والسنن موقوفا ومرفوعا، كحديث أبي هريرة في «الصحيحين» وغيرهما: قيل لبني إسرائيل: ﴿ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: ﴿حِطَّةٌ﴾ حبة في شعيرة، إذ هو مروي من طريق همام بن منبه - أخي وهب - وهمام، صاحب الغرائب في الإسرائيليات، وأبو هريرة لم يصرح بسماعه من النبي ﷺ ، فيحتمل أنه سمعه من كعب الأحبار، إذ ثبت أنّه روي عنه. ومنها: أنّه قال: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وقال هناك ﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾، فالاختلاف بين الإنزال والإرسال، وهو خلاف لفظي، وبين ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و ﴿عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وبين ﴿يَظْلِمُونَ﴾ و ﴿يَفْسُقُونَ﴾، وفائدته بيان أنّهم كانوا يجمعون بين الظلم: الذي هو نقص للحق أو إيذاء للنفس أو للغير، والفسق: الذي هو الخروج عن الطاعة، والرجز كما تقدم العذاب الذي تضطرب له القلوب، أو يضطرب له الناس في شؤونهم ومعايشهم.

стр. 4428

والعبرة في هذه القصص (١): أن نعلم أنّ الله يعاقب الأمم على ذنوبها في الدنيا قبل أن يعذبها في الأخرة، وأنّ نبتعد بقدر الطاقة عن الظلم والفسق، فقد عاقب الله بني إسرائيل بظلمهم، ولم يحل دون عقابه ما كان لهم من فضائل ومزايا، ككثرة الأنبياء فيهم، وتفضيلهم على العالمين كما تقدم. ١٦٣ - وقوله: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ (٢) معطوف على عامل إذ المقدر؛ أي: واذكر لهم يا محمد إذ قيل لهم ﴿وَسْئَلْهُمْ﴾ وهذا سؤال توبيخ وتقريع؛ أي: اسألهم عن هذا الحادث الذي حدث لهم فيها، المخالف لما أمرهم الله به وقرىء ﴿وسلهم﴾. وقد ذكرت (٣) هذه القصة في سورة البقرة إجمالا، وههنا ذكرت تفصيلا، إذ كانت سورة الأعراف نزلت بمكة في أوائل الإسلام، ولم يكن النبي ﷺ لقي أحدا من اليهود، وقد كان أميا لا يقرأ كتابا كما قال تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ فكان ذلك أدل على الإعجاز. والخطاب فيه للنبي ﷺ ، والسؤال للتقرير المتضمن للتقريع والتوبيخ، وبيان أن كفر أهل الكتاب بمحمد ﷺ وبمعجزاته ليس بدعا جديدا منهم، فإنّ أسلافهم أقدموا على هذا الذنب القبيح، والمعصية الفاحشة، واعتدوا هذا الاعتداء الشائن الذي قص خبره. والمعنى: واسأل يا محمد اليهود المعاصرين لك سؤال تقريع عن خبر أهل المدينة التي كانت قريبة من بحر القلزم - وهي أيلة قرية بين مدين والطور - وقيل: هي قرية يقال لها مقنا بين مدين وعينونا، وتقدم لك في أسباب النزول: أن اليهود قالوا: لم يصدر من بني إسرائيل عصيان ولا مخالفة للرب، فأمره الله

стр. 4429

تعالى أن يسألهم عن حال أهل هذه القرية في زمن داود ﵇ تقريعا فإنّهم يعتقدون أنّه لا يعلمه أحد غيرهم، فذكر الله لهم قصة أهل تلك المدينة، فبهتوا وظهر كذبهم، والظرف في قوله ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ متعلق بمضاف محذوف تقديره: واسألهم عن حال القرية إذ يتجاوزون حدود الله بصيد السمك في يوم السبت المأمورين بتركه فيه، وذلك أن اليهود أمرهم الله تعالى باتخاذ يوم الجمعة عيدا يعظمونه كما نعظمه، فأبوا واختاروا يوم السبت، فشدد الله عليهم ونهاهم عن الصيد فيه، وفيما اختاروه إشارة إلى انقطاعهم عن الخير إذ السبت في اللغة: القطع، فاختاروا ما فيه قطيعتهم، وقرىء (١): ﴿يَعْدُونَ﴾ من الإعداد للآلة، وكانوا يعدون آلات الصيد يوم السبت، وهم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة، وقرأ شهر بن حوشب، وأبو نهيك ﴿يَعْدُونَ﴾ - بفتح العين وتشديد الدال - وأصله يعتدون، فأدغمت التاء في الدال، كقراءة من قرأ: ﴿لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ وقرأ الجمهور ﴿يَعْدُونَ﴾ بفتح الياء وسكون العين، وضم الدال مخففة، وقرأ (٢) ابن السميقع في: ﴿الأسبات﴾ على الجمع. والظرف في قوله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ متعلق بـ ﴿يَعْدُونَ﴾؛ أي: يتجاوزون حدود الله وينتهكون حرماتها باصطياد السمك، إذ تأتيهم الحيتان والأسماك يوم سبتهم؛ أي: يوم تعظيمهم لأمر السبت بالتجرد والتفرغ للعبادة، وقرأ عمر بن عبد العزيز: ﴿يوم أسباتهم﴾، قال أبو الفضل الرازي في كتاب «اللوامع»: وقد ذكرت هذه القراءة عن عمر بن عبد العزيز، وهو مصدر من أسبت الرجل إذا دخل في السبت، وقوله: شرعا، حال من فاعل ﴿تَأْتِيهِمْ﴾؛ أي: إذ تأتيهم الحيتان حالة كونها شرعا؛ أي: ظاهرة على وجه الماء، قريبة من الساحل، ينظرون إليها ابتلاء من الله واختبارا لهم، فإذا انقضى السبت ذهبت وما تعود إلا في السبت المقبل، كما قال: ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾؛ أي: لا يدخلون في السبت ولا يراعون حرمتها، وهو سائر الأيام ﴿لا تَأْتِيهِمْ﴾ كما كانت تأتيهم يوم سبتهم؛ أي: لا تظهر على ظاهر الماء، ولا تقرب إلى

стр. 4430

الساحل، حذرا من اصطيادهم لاعتيادها أحوالهم، قيل: إنّها اعتادت أن لا يتعرض أحد لصيدها يوم السبت، فأمنت وصارت تظهر فيه، وتختفي في الأيام التي لا يسبتون فيها، لما اعتادت من اصطيادها فيها، فلما رأوا ظهورها وكثرتها يوم السبت .. أغراهم ذلك بالاحتيال على صيدها فيه. وقرأ عيسى بن عمر وعاصم بخلاف عنه ﴿لا يَسْبِتُونَ﴾ بضم كسرة الباء في قراءة الجمهور، وقرأ علي والحسن وعاصم بخلاف عنه ﴿يَسْبِتُونَ﴾ بضم ياء المضارعة، من أسبت إذا دخل في السبت، قال الزمخشري: وعن الحسن ﴿لا يَسْبِتُونَ﴾ بضم الياء على البناء للمفعول؛ أي: لا يدار عليهم السبت، ولا يؤمرون بأن يسبتوا. ﴿كَذلِكَ﴾؛ أي: مثل هذا البلاء والاختبار بظهور السمك يوم السبت ﴿نَبْلُوهُمْ﴾؛ أي: نبتليهم ونختبرهم، ونعاملهم معاملة المختبر لحال من يراد إظهار حاله، ليترتب الجزاء على عمله ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾؛ أي: بسبب فسقهم المستمر، وخروجهم عن أمر ربهم، واعتدائهم حدود شرعه، وقد جرت سنة الله تعالى بأن من أطاعه .. سهل له أمور الدنيا، وأجزل له الثواب في الآخرة، ومن عصاه .. ابتلاه بأنواع المحن والبلاء. ١٦٤ - والظرف في قوله: ﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ معطوف على قوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ معمول لعامله داخل في حكمه؛ أي: واسألهم يا محمد عن حال أهل تلك القرية، حين قالت جماعة منهم؛ أي: من صلحائهم الذين ركبوا الصعب والمشقة في موعظة أولئك الصيادين، حتى أيسوا من قبولهم الموعظة - لأقوام آخرين من الصلحاء الذين لم يقلعوا عن وعظ الصيادين، ولم يتركوه رجاء للنفع، وطمعا في فائدة الإنذار؛ أي: قال الآيسون من الوعظ للمستمرين فيه: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾؛ أي: لم تستمرون في وعظ قوم ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾؛ أي: مخزيهم في الدنيا بعذاب الاستئصال ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾؛ موجعا لعدم إقلاعهم عما كانوا عليه من الفسق والاصطياد.

стр. 4431

وفي ذلك (١) دلالة على أن الذين كانوا يعدون في السبت بعض أهل القرية لا جميعهم، وإنّ أهلها كانوا فرقا ثلاثا: فرقة العادين في السبت التي أشير إليها في الآية الأولى. وفرقة الواعظين لهؤلاء العادين، لينتهوا عن عدوانهم ويكفوا عنه. وفرقة اللائمين للواعظين التي قالت لهم: لم تعظون قوما قضى الله عليهم بالهلاك بالاستئصال، أو بعذاب شديد دون الاستئصال، أو المراد: مهلكهم في الدنيا، ومعذبهم في الآخرة، والاستفهام فيه للتوبيخ والتقريع. ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال الواعظون للائمين لهم: نعظهم ﴿مَعْذِرَةً﴾؛ أي: موعظة اعتذار نعتذر بها ﴿إِلى رَبِّكُمْ﴾ عن السكوت على المنكر، فإذا طولبنا بإقامة فريضة النهي عن المنكر .. قلنا قد فعلنا، فنكون بذلك معذورين ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾؛ أي: ورجاء لأن يتقوا بعض التقاة، ويتركوا الصيد في السبت، فهو معطوف على معنى معذرة؛ أي: وعظناهم للاعتذار إلى ربكم، ولرجاء أن ينتفعوا بالموعظة، فيحملهم ذلك على اتقاء الاعتداء الذي اقترفوه، إذ نحن لم نيأس من رجوعهم إلى الحق كما أنتم منهم يائسون، وقرأ الجمهور (٢): ﴿معذرة﴾ بالرفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: موعظتنا معذرة؛ أي: موعظتنا إقامة عذر إلى الله، ولئلا ننسب في النهي عن المنكر إلى بعض التقصير، ولطمعنا في أن يتقوا المعاصي، وقرأ حفص عن عاصم وزيد بن علي وعيسى بن عمر وطلحة بن مصرف ﴿مَعْذِرَةً﴾ - بالنصب - على أنّه مفعول لأجله؛ أي: وعظناهم لأجل المعذرة، وللرجاء في اتقائهم المعاصي. ١٦٥ - ﴿فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ أي: فلما ترك العادون ما وعظوا به، وأعرضوا عنه، حتى صار كالمنسي عنه، بحيث لا يخظر ببالهم شيء من تلك المواعظ أصلا، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾؛ أي: عن العمل السيء الذي هو أخذ الحيتان في يوم السبت، وهم الفريقان الآخران ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أنفسهم بأخذ

стр. 4432

الحيتان يوم السبت؛ أي: أهلكناهم ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾؛ أي: بعذاب شديد موجع ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾؛ أي: بسبب تماديهم في الفسق، حتى صار ديدنهم وهجيرهم؛ أي: أخذناهم بالعذاب بسبب الفسق الذي هو الخروج عن الطاعة، وهو الظلم، فالباءان متعلقتان بـ ﴿أَخَذْنَا﴾؛ لأنّ الأولى للتعدية، والثانية للسببية، فلا اعتراض. والخلاصة (١): أنه لما ذكّر المذكّرون ولم يتذكر المعتدون .. أنجينا الأولين وأخذنا الآخرين، وقد جرت سنة الله بأن لا يؤخذ الظالم في الدنيا بكل ما يقع منه من ظلم، كما يدل على ذلك قوله: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾، وقوله: ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾، ولكنه يؤاخذ الأمم والشعوب في الدنيا قبل الآخرة بما يقع منها من ظلم يظهر أثره بالاستمرار عليه كما قال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، كما عاقب الله بني إسرائيل كافة بتنكيل البابليين، ثم النصارى بهم، وسلبهم ملكهم حين عم فسقهم، ولم يدفع ذلك عنهم وجود بعض الصالحين فيهم. وبالجملة: فالآية صريحة في هلاك الظالمين الفاسقين، ونجاة الصالحين الذين نهوهم عن عمل السوء وارتكاب المنكر، وسكت عن الفرقة التي أنكرت على الواعظين وعظهم وإنكارهم، وهي ناجية أيضا؛ لأنّها كانت منكرة للمنكر مستقبحة له، بدليل أنّها لم تفعله، وإنّما لم تنه عنه ليأسها من فائدة النهي، واعتقادها أنّ القوم قد استحقوا عقاب الله تعالى بإصرارهم على الفسق، فلا يفيدهم الوعظ، وهذا رأي ابن عباس ﵄. قوله: ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ﴿بَئِيسٍ﴾ على وزن فعيل، كرئيس، فالهمزة بين الباء والياء، وقرأ نافع: ﴿بيس﴾ بكسر الباء من غير همز، وقرأ ابن عامر كذلك، إلا أنّه همز، وروى خارجة عن نافع: ﴿بيس﴾ - بفتح الباء - من غير همز - على وزن فعل -، وروى أبو بكر عن

стр. 4433

عاصم: ﴿بيأس﴾ على وزن فيعل كضيغم، وقرأ ابن عباس وأبو رزين وأيوب: ﴿بيآس﴾ على وزن فيعال، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ومعاذ القارىء: ﴿بئس﴾ بفتح الباء وكسر الهمزة، من غير ياء على وزن تعس، وقرأ الضحاك وعكرمة: ﴿بيس﴾ بتشديد الياء، مثل قيم، وقرأ أبو العالية وأبو مجلز: ﴿بئس﴾ بفتح الباء والسين وبهمزة مكسورة، من غير باء ولا ألف، على وزن فعل، وقرأ أبو المتوكل وأبو رجاء ﴿بائس﴾ بألف ومدّة بعد الباء، وبهمزة مكسورة بوزن فاعل. ١٦٦ - ﴿فَلَمَّا عَتَوْا﴾ وأبوا أن ينكفوا ويقلعوا ﴿عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ من الاصطياد؛ أي: فلما تمرّدوا وتكبروا، وأبو أن يتركوا ما نهاهم عنه الواعظون ﴿قُلْنا لَهُمْ﴾؛ أي: لأولئك العادين باصطياد السمك ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾؛ أي: صاغرين أذلاء بعداء عن الناس؛ أي: تعلقت إرادتنا بأن يكونوا كذلك، فكانوها صورة ومعنى. وهذا الجزاء تفصيل للعذاب البئيس الذي ذكر في الآية السالفة، وقيل: إنّه عذاب آخر، فقد عاقبهم أوّلا بالبؤس والشقاء في المعيشة، إذ من الناس من لا يربيه ولا يهذبه إلا الشدة والبؤس، ولما لم يزدهم البؤس إلا عتوا وإصرارا على الفسق والظلم .. مسخهم مسخ خلق وجسم، فكانوا قردة على الحقيقة، وهذا ما يراه جمهرة العلماء، أو مسخ خلق ونفس، فكانوا كالقردة في الطيش والشر والإفساد لما تصل إليه أيديهم، وهذا رأي مجاهد قال: مسخت قلوبهم فلم يوفقوا لفهم الحق. وفي الآية إيماء إلى أنّ هذا المسخ كان لمخالفتهم الأوامر وتماديهم في العصيان، ولم يكن لاصطياد الحيتان فحسب. ١٦٧ - ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾؛ أي: واذكر يا محمد قصة إذ أعلم ربك أسلاف اليهود على ألسنة أنبيائهم، إن لم يؤمنوا بأنبيائهم وعزني وجلالي ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: ليسلطن عليهم ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ﴾؛ أي: من يذيقهم ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾؛ أي: أشد العذاب؛ أي: من يقاتلهم إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية، وهو محمد ﷺ وأمته، والظرف في قوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾ منصوب على المفعولية بمقدر معطوف على ﴿وَسْئَلْهُمْ﴾ والتقدير: واذكر يا محمد لليهود وقت أن تأذن ربك؛

стр. 4434

أي أعلم أسلافهم، والمعنى: واذكر أيها الرسول إذ أعلم ربك هؤلاء القوم مرة إثر أخرى أنّه قضى عليهم في علمه، وفقا لما قامت عليه نظم الاجتماع، ليسلطن عليهم إلى يوم القيامة من يوقع بهم العذاب الشديد على ظلمهم وفسقهم وفسادهم في الأرض، والآية بمعنى قوله في سورة الإسراء ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾ إلى أن قال: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾؛ أي: وإن عدتم بعد عقاب المرة الآخرة إلى الإفساد .. عدنا إلى التعذيب والإذلال، وقد عادوا فسلط الله عليهم النصارى، فسلبوا ملكهم الذي أقاموه بعد أن نجوا من سبى البابليين، وقهرهم واستذلالهم، إلى أن جاء الإسلام فعاداه منهم الذين هربوا من الذل والنكال، ولجؤوا إلى بلاد العرب، فعاشوا فيها آمنين أعزاء، لكنهم نكثوا العهد الذي أعطوه للنبي ﷺ ، وبه أمنهم على أنفسهم وأموالهم وحرية دينهم، فنصروا المشركين عليه، فسلطه الله عليهم، فقاتلهم ونصره عليهم، فأجلى بعضهم، وقتل بعضا، وأجلى عمر البقية الباقية منهم إلى سورية، ولما فتحها .. انتقل اليهود من حكم الروم الجائر إلى سلطة الإسلام العادلة، ولكنهم فقدوا الملك والاستقلال في جميع الحالات. ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَسَرِيعُ الْعِقابِ﴾ لمن عصاه إذا جاء وقته، فيعاقبهم في الدنيا، أما قبل مجيء وقت العذاب فهو شديد الحلم .. والمعنى: أي إن ربك سريع العقاب للأمم التي تفسق عن أمره، وتفسد في الأرض، فلا يتخلف عقابه عنها كما يتخلف عن بعض الأفراد، يؤيد هذا قوله: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا (١٦)﴾؛ أي: وإذا أردنا هلاك قرية من القرى .. أمرنا سادتها وكبرائها بالحق والعدل والرحمة، فعصوا أمر ربهم وأفسدوا وظلموا في الأرض، فحق عليهم القول بمقتضى سنته في خلقه، فحل بهم الهلاك، وحاق بهم النكال جزاء بما كانوا يعملون. ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن تاب من الكفر واليهودية ودخل في دين الإسلام. والمعنى: ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن أقلع عن ذنبه وأناب إليه، وأصلح ما كان قد أفسد في الأرض، قبل أن يحل به عذابه، والآية بمعنى قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ

стр. 4435

لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى (٨٢)﴾ وقلما ذكر عذاب الفاسقين إلا قرنه بذكر الرحمة والمغفرة للمحسنين، حتى لا ييأس صالح مصلح من رحمة ربه بذنب عمله بجهالة، ولا يأمن مفسد من عقابه اغترارا بعفوه وكرمه، وهو مصرّ على ذنبه، ١٦٨ - وقد فصل سبحانه عقابهم، فذكر بدء إذلالهم بإزالة وحدتهم، وتمزيق جامعتهم، فقال: ﴿وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾؛ أي: وفرقنا بني إسرائيل الذين قبل النبي ﷺ في نواحي الأرض وأقطارها حالة كونهم فرقا كثيرة، وأمما؛ أي: جماعات مشتتة، فيها كل فرقة منهم في قطر من أقطارها، فلا يخلو منهم قطر، وليس لهم شوكة ولا دولة .. ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ كالذين نهوا من اعتدوا في السبت عن ظلمهم، والذين كانوا يؤمنون بالأنبياء من بعد موسى، والذين آمنوا بمحمد ﷺ ﴿وَمِنْهُمْ﴾ أناس ﴿دُونَ ذلِكَ﴾ المذكورين في الصلاح لم يبلغوا مبلغهم، وهم سائر المؤمنين من بني إسرائيل، ومنهم الغلاة في الكفر والفسق، كالذين كانوا يقتلون النبيين بغير حق، ومنهم السماعون للكذب، الأكالون للسحت والرشا، لتبديل الأحكام، والقضاء بغير ما أنزل الله تعالى، كما هو شأن الأمم؛ فإنّها تفسد تدريجا لا دفعة واحدة، كما نشاهد ذلك في المسلمين الذين تتبعوا نظم النصارى، ورضعوا البانهم، وقيل معنى ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾؛ أي: ومنهم أناس غير أولئك الصالحين، وهم الذين كفروا من بني إسرائيل وبدلوا وغيروا ﴿وَبَلَوْناهُمْ﴾؛ أي: واختبرناهم ﴿بِالْحَسَناتِ﴾؛ أي: بالنعم والخصب والعافية وَالسَّيِّئاتِ؛ أي: بالجدوبة والشدائد ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: لكي يرجعوا عن معصيتهم إلى طاعة ربهم؛ فإن كلا من الحسنات والسيئات يدعو إلى الطاعة بالترغيب والترهيب، والمعنى: واختبرنا بني إسرائيل وامتحنا استعدادهم بالنعم التي تحسن في عيونهم، وتقر بها أفئدتهم، وبالنقم التي تسؤهم - وإن كانت قد تحسن بالصبر عاقبتها لديهم - رجاء أن يرجعوا عن ذنبهم، وينيبوا إلى ربهم، فيعود إليهم فضله ورحمته. ١٦٩ - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾؛ أي: جاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم بدل سوء ﴿وَرِثُوا الْكِتابَ﴾؛ أي: أخذوا التوراة من أسلافهم يقرؤونها ولا يعملون بها وقرأ الحسن: ﴿ورثوا﴾ بضم الواو وتشديد الراء، حالة كونهم ﴿يَأْخُذُونَ﴾ من

стр. 4436

سفلتهم ﴿عَرَضَ هذَا الْأَدْنى﴾؛ أي: متاع الدنيا على تحريف الكلام في صفة محمد ﷺ ، وفي الأحكام، وهم يستحقرون ذلك الذنب ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾؛ أي: يغفر الله لنا ذنبنا ولا يؤاخذنا عليه؛ لأننا أبناؤه وأحباؤه، ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ﴾؛ أي: وإن يأتهم متاع مثل ما أتاهم أمس ﴿يَأْخُذُوهُ﴾ لحرصهم على الدنيا، أو المعنى: إنّهم يتمنون المغفرة من الله تعالى، والحال أنّهم مصرون على الذنب غير تائبين عنه. وحاصل المعنى: أي نبتت من أولئك - الذين منهم الصالح والطالح - نابتة ورثوا التوراة؛ أي: وقفوا على ما فيها، وكانوا عالمين بأحكامها بعد أسلافهم، والحال أنّهم يؤثرون حطام الدنيا ومتاعها، بما يأكلونه من السحت والرشا، والاتجار بالدين والمحاباة في الحكم، ويقولون: سيغفر لنا ولا يؤاخذنا بما فعلنا، فإنّنا أبناء الله وأحباؤه، وسلائل أبنائه وشعبه الذي اصطفاه من سائر البشر، إلى نحو ذلك من الأماني والأضاليل، وهم بالغون في خطاياهم، مصرون على ذنوبهم، فإن يأتهم عرض آخر مثل الذي أخذوه أولا بالباطل .. يأخذوه ولا يستعففوا عنه، وهم يعلمون أن الله إنما وعد بالمغفرة للتائبين الذين يقلعون عن ذنبهم، ندما وخوفا من ربهم، ويصلحون ما كانوا قد أفسدوا، ثم رد الله عليهم ما زعموه بقولهم: سيغفر لنا، وهم مقيمون على ظلمهم وفسادهم وحبهم للدنيا فقال: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ﴾ والاستفهام فيه لتقرير ما بعد النفي، ولا يخفى ما فيه من التقريع والتوبيخ؛ أي: ألم يؤخذ ويجعل عليهم في التوراة العهد المؤكد باليمين على ﴿أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾؛ والصدق الذي بينه فيه، وقد منعوا فيها من تحريف الكتاب وتغيير الشرائع لأجل أخذ الرشوة. وللتمني، ففيه افتراء على الله تعالى، ففيها أن من ارتكب ذنبا عظيما فإنّه لا يغفر له إلا بالتوبة، ﴿وَ﴾ قد ﴿دَرَسُوا ما فِيهِ﴾؛ أي: ما في الكتاب وقرؤوه وعلموا ما فيه، والمعنى: أنّهم تركوا العمل بالميثاق المأخوذ عليهم في الكتاب، والحال أنّهم قد درسوا ما في الكتاب وعلموه، فكان الشرك منهم عن علم لا عن جهل، والمقصود من الاستفهام التقريري: إثبات ما بعد النفي، والمعنى: قد أخذ عليهم الميثاق في الكتاب، ودرسوا ما فيه من الميثاق، وفهموا ما فيه، فهم ذاكرون لما أخذ عليهم من تحريم أكل أموال الناس بالباطل، والكذب على الله تعالى، وقيل: معنى

стр. 4437

﴿دَرَسُوا ما فِيهِ﴾؛ أي: محوه بترك العمل به والفهم له، من قولهم: درست الريح الآثار، إذا محتها، ولكن فيه بعد، وقرأ علي والسلمي: ﴿وادارسوا﴾، وأصله وتدارسوا، كقوله: ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾؛ أي: تدارأتم ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ﴾؛ أي: ولثواب دار الآخرة ونعميها وهو الجنة ﴿خَيْرٌ﴾ من تلك الرشوة الخبيثة الخسيسة، المعقبة خزي الدنيا والآخرة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ عقاب الله، بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، ﴿أَ﴾ تجهلون خيرية ذلك ﴿فَلا تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: فلا تعلمون أنّ الدنيا فانية والآخرة باقية، وفي هذا الاستفهام من التوبيخ والتقريع ما لا يقادر قدره، أو المعنى: أفلا يعقل هؤلاء الذين يرضون بعرض الدنيا أنّ ما في الآخرة خير وأبقى؛ لأنّها دار المتقين. والمعنى (١): والدار الاخرة وما فيها من النعيم خير للذين يقتون المعاصي ما ظهر منها وما بطن؛ أي: خير لهم من حطام الدنيا الفاني، الذي يؤخذ بالرشا والسحت وغير ذلك، أتجهلون ذلك فلا تعقلون، وهو واضح لا يخفى على كل ذي عقل لم تطمسه الشهوات، ولم يعم بصيرته حطام الدنيا العاجل، وبذا يرجح الخير على الشر، والنعيم المقيم على المتاع الزائل، وفي هذا إيماء إلى أنّ الطمع في متاع الدنيا هو الذي أفسد على بني إسرائيل أمرهم، واستحوذ عليهم حب العاجلة، فأذهب عنهم رشدهم. وفي هذا عبرة للمسلمين الذين سرى إليهم كثير من هذا الفساد، وغلب عليهم الطمع وحب الدنيا وعرضها الزائل، وهم قد درسوا كتابهم الكريم، لكن التحلي بلقب الإسلام - والتعلل بأماني المغفرة مع الإصرار على الذنوب اتكالا على الشفاعات والمكفرات - هو الذي غرهم وجعلهم يتمادون في غيهم، وكتابهم ينهاهم عن الأماني والأوهام، وكون الشفاعة لا تقع إلا بإذن الله تعالى لمن رضي عنه كما قال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. وقرأ (٢) نافع وابن عامر وحفص بالتاء على الخطاب إلتفاتا لهم، ويكون المراد إعلاما بتناهي الغضب، وتشديد التوبيخ، أو يكون خطابا لهذه الأمة؛ أي:

стр. 4438

أفلا تعقلون حالهم، والباقون بالياء جريا على الغيبة في الضمائر السابقة. ١٧٠ - ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ﴾ قرأ عمر (١) وأبو العالية وأبو بكر عن عاصم ﴿يُمَسِّكُونَ﴾ من أمسك، والجمهور ﴿يُمَسِّكُونَ﴾ مشددا، من مسك المضعف، وهما لغتان جمع بينهما كعب بن زهير: فما تمسّك بالعهد الّذي زعمت ... إلّا كما يمسك الماء الغرابيل وقرأ عبد الله والأعمش ﴿استمسكوا﴾ وفي حرف أبي ﴿تمسكوا﴾ بالكتاب. أي: والذين يعملون ﴿بـ﴾ ما في ﴿الكتاب﴾ الأول التوراة والإنجيل، ويحلون حلاله ويحرمون حرامه، ويبينون صفة محمد ﷺ ونعته، ولم يحرفوه ولم يغيروا، فإنّهم بالتمسك به، كانوا أشد تمسكا بالكتاب الثاني الذي هو القرآن ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾؛ أي: وداموا على إقامتها في مواقيتها، كعبد الله بن سلام وأصحابه، وإنّما أفرد الصلاة بالذكر - وإن كانت داخلة في التمسك بالكتاب - تنبيها على عظم قدرها، وأنّها من أعظم العبادات بعد الإيمان بالله ورسوله، والموصول مبتدأ والخبر قوله: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ بالعمل بما في الكتاب وبالصلاة؛ أي: لا نضيع ولا نحبط أجر أعمالهم الصالحة، وجاز جعل هذه الجملة خبرا عن الموصول؛ لأن الربط حاصل بلفظ ﴿الْمُصْلِحِينَ﴾؛ لأنّه قائم مقام الضمير، لا سيما وهو فيه الألف واللام؛ فإنها تكفي في الربط عند الكوفيين، ويجوز أن يكون الموصول معطوفا على الموصول الذي قبله، وهو قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، وتكون حينئذ جملة ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ جملة معترضة. والمعنى (٢): أن طائفة من أهل الكتاب لا يتمسكون بالكتاب، ولا يعملون بما فيه مع كونهم قد درسوه وعرفوه، وهم من تقدم ذكره، وطائفة يتمسكون بالكتاب؛ أي: بالتوراة ويعملون بما فيه، ويرجعون إليه في أمر دينهم، فهم المحسنون الذين لا يضيع أجرهم عند الله تعالى.

стр. 4439

وحاصل معنى الآية: أي والذين يستمسكون بأوامر الكتاب، ويعتصمون بحبله في جميع شؤونهم، ويقيمون الصلاة التي هي عماد الدين وركن منه متين، كعبد الله بن سلام وأصحابه، لا نضيع أجرهم؛ لأنّهم قد أصلحوا أعمالهم، والله لا يضيع أجر المصلحين، وهي بمعنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾. ١٧١ - ثم ختم سبحانه هذه القصة مذكرا ببدء حالهم في إنزال الكتاب عليهم، عقب بيان مخالفتهم لأمور دينهم، والخروج عنه فقال: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾؛ أي: واذكر يا محمد لهم قصة إذ نتقنا جبل الطور وقلعناه من أصله ورفعناه ﴿فَوْقَهُمْ﴾؛ أي: فوق بني إسرائيل حتى صار ﴿كَأَنَّهُ﴾؛ أي: كأن ذلك الجبل ﴿ظُلَّةٌ﴾ وغمامة أظلت فوقهم ﴿وَظَنُّوا﴾؛ أي: أيقنوا أنّهم إن خالفوا أوامر دينهم ﴿أَنَّهُ﴾؛ أي: أنّ ذلك الجبل ﴿واقِعٌ بِهِمْ﴾؛ أي: ساقط عليهم لا محالة. وذلك أنّه أخذ عليهم الميثاق ليأخذن الشريعة بقوة وعزم، فخالفوا الميثاق، فرفع فوقهم الطور، وأوقع في قلوبهم الرعب خوف وقوعه عليهم، فخر كل واحد منهم ساجدا لربّه، وقيل العمل بالميثاق. روي (١): أنّ بني إسرائيل أبو أن يقبلوا التوراة، فرفع الجبل فوقهم، وقيل لهم: إنّ قبلتم العمل بها وإلا ليقعن عليكم، فوقع كل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر، وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من سقوطه، فلذلك لا ترى يهوديا يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون: هي السجدة التي رفعت عنّا بها العقوبة حين امتثلنا ما أمرنا به. وفي الآية تعريض بأنّهم إذا كانت حالهم في مبدأ أمرهم مخالفة كتابهم، فلا عجب إذا آل أمرهم إلى ترك العمل به بعد طول الأمد، وقساوة القلوب، والأنس بالمعاصي والذنوب، وقلنا لهم في حال رفع الجبل فوقهم: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾؛ أي: ما أعطيناكم من الكتاب وأحكام الشريعة، واعملوا به حالة

стр. 4440

كونكم متلبسين ﴿بِقُوَّةٍ﴾؛ أي: بجد واجتهاد وعزم على تحمل تكاليفه ﴿وَاذْكُرُوا ما فِيهِ﴾؛ أي: واذكروا ما في الكتاب الذي أعطيناكموه من الأوامر والنواهي بالعمل به، ولا تنسوه، وقيل: واذكروا ما فيه من الثواب والعقاب، وقيل: واعملوا بما فيه من الحلال والحرام. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ أي: لكي تجعلوا ذلك الامتثال وقاية وسترا لكم من عذاب الله تعالى، وتزكية لنفوسكم من الأدناس؛ فإنّ قوة العزيمة في إقامة الدين تزكي النفوس وتهذب الأخلاق، كما أنّ التهاون فيها يدسّيها ويغريها على اتباع الشهوات ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠)﴾ أو المعنى: لكي تتقون قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق. وقرأ (١) الأعمش ﴿واذكروا﴾ بالتشديد من الأذكار. وقرأ ابن مسعود ﴿وتذكروا﴾، وقرىء ﴿وتذكروا﴾ بالتشديد بمعنى وتذكروا. ١٧٢ - قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ عطف قصة على قصة، والحكمة في تخصيص (٢) بني إسرائيل بهذه القصة الزيادة في إقامة الحجة عليهم، حيث أعلمهم الله بأنّه أعلم نبيه بمبدأ العالم، فضلا عن وقائعم؛ أي: واذكر يا محمد للناس كافة قصة إذ أخذ ربك العهد ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ على التوحيد وقال لهم: اعلموا أنه لا إله غيري، وأنا ربكم لا رب لكم غيري، فلا تشركوا بي شيئا، فإنّي سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن بي، وإنّي مرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي هذا، ومنزل عليكم كتابا، فتكلموا جميعا وقالوا: شهدنا أنك ربنا لا رب لنا غيرك، فأخذ بذلك مواثيقهم حين استخرج ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ أي: أخرج بعضهم من ظهور بعض، آخر الأبناء من الآباء بطنا بعد بطن، فأخرج أولا ذرية آدم من ظهره، فأخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس، ثم أخرج من هذا الذر الذي أخرجه من آدم ذريته ذرا، ثم أخرج من الذر الآخر ذريته ذرا، وهكذا إلى آخر النوع الإنساني، وانحصر الجميع قدام آدم، ونظر لهم بعينه، وخلق فيهم العقل والفهم والحركة والكلام، وبين مسلمهم من كافرهم، بأن جعل الذر المسلم أبيض والكافر أسود ﴿وَأَشْهَدَهُمْ

стр. 4441

عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: أشهد أنفسهم على أنفسهم على أخذ ذلك الميثاق وقبوله؛ أي: قررهم، فإنّ الشهادة على النفس معناها الإقرار، وأشهد بعضهم على بعض، وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ﴾ أنا ﴿بِرَبِّكُمْ﴾ وخالقكم ومعبودكم ﴿قالُوا بَلى﴾ أنت ربنا لا رب لنا غيرك، فأخذ بذلك مواثقهم، ثم كتب الله آجالهم، وأرزاقهم، ومصائبهم، فنظر إليهم آدم ﵇، فرأى منهم الغني والفقير، وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب هلا سويت بينهم؟ فقال: إني أحب أن أشكر، فلمّا قررهم بتوحيده، وأشهد بعضهم على بعض، أعادهم إلى صلب آدم، فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ منه الميثاق، ثم استشهد الملائكة على قبولهم الميثاق، فقال: يا ملائكتي اشهدوا على قبولهم هذا الميثاق. قالت الملائكة: ﴿شَهِدْنا﴾ ذلك عليهم، وعلى هذا المعنى يحسن الوقف على قوله ﴿بَلى﴾؛ لأنّ كلام الذرية قد تم وانقطع بقوله: ﴿بَلى﴾؛ وقوله: ﴿شَهِدْنا﴾ مستأنف من كلام الملائكة، وقيل هو من كلام الذرية، والمعنى: شهدنا على أنفسنا بهذا الإقرار، وعلى هذا المعنى لا يحسن الوقف على بلى؛ لأنّ مقولهم لم يتم ولم ينقطع على ﴿بَلى﴾ وقيل (١): المراد ببني آدم هنا آدم نفسه، وعلى هذا يكون معنى الآية: أن الله لما خلق آدم .. مسح ظهره، فاستخرج منه ذريته، وأخذ عليهم العهد، وهؤلاء هم عالم الذر، وهذا هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه، ولا المصير إلى غيره لثبوته مرفوعا إلى النبي ﷺ ، وموقوفا على غيره من الصحابة. وقد أخرج مالك في «الموطأ» وأحمد في «المسند» وعبد بن حميد والبخاري في «تاريخه»، وأبو داود والترمذي، وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن حبان في «صحيحه» وغيرهم: أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ .. الآية فقال: سمعت رسول الله ﷺ يسأل عنها؟ فقال: «إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا

стр. 4442

رسول الله ففيم العمل؟ فقال: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله النار». والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وأما المروي عن الصحابة في تفسير هذه الآية بإخراج ذرية آدم من صلبه في عالم الذر، وأخذ العهد عليهم وإشهادهم على أنفسهم .. فهي كثيرة، منها عن ابن عباس عند ابن حميد وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ ... الآية. قال: خلق الله آدم، وأخذ ميثاقه أنّه ربه، وكتب أجله ورزقه، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر، فأخذ مواثيقهم أنّه ربهم، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصيباتهم. وقد أخرج عن جماعة ممن بعد الصحابة تفسير هذه الآية بإخراج ذرية آدم من ظهره، وفيما قاله رسول الله ﷺ في تفسيرها، مما قدمنا ذكره ما يغني عن التطويل. وقرأ أبو عمرو وابن عامر ونافع (١): ﴿ذرياتهم﴾ بالجمع، وقرأ باقي السبعة ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بالإفراد، وهي تقع على الواحد والجمع، ثم بين سبب الإشهاد وعلته فقال: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ قرأ أبو عمرو هنا وفيما يأتي بالياء التحتية على الغيبة، كما كان فيما قبله على الغيبة، وقرأ الباقون بالتاء الفوقية على الخطاب، وجملة ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ علة لمحذوف تقديره: فعلنا ذلك الأخذ والإشهاد كراهة أن تقولوا أيها الذرية، أو لكي لا تقولوا: ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا﴾ التوحيد؛ أي: عن كون الله ربنا وحده لا شريك له ﴿غافِلِينَ﴾؛ أي: ساهين جاهلين؛ أي: إنّا (٢) فعلنا هذا الأخذ والإشهاد بكم منعا لاعتذاركم يوم القيامة بأن تقولوا: «إذا عذبت على الإشراك: إنا كنا عن هذا التوحيد غافلين، إذ لم ينبهنا إليه منبه، ومآل هذا أنّه لا يقبل منهم الاعتذار بالجهل؛ لأنّهم نبهوا بنصب الأدلة، وجعلوا

стр. 4443

مستعدين لتحقيق الحق، وإبعاد الشرك عن قلوبهم وقوله: ١٧٣ - ﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ بالتاء أو الياء معطوف على ﴿تَقُولُوا﴾ الأول؛ أي: فعلنا ذلك الأخذ والميثاق كراهية أن تعذروا بالغفلة أو بقولكم: ﴿إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: إنّما أسس الإشراك آباؤنا من قبل زماننا ﴿وَكُنَّا ذُرِّيَّةً﴾ موجودين ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ مقتدين بهم في الإشراك، جاهلين لا نهتدي إلى الحق، ولا نعرف الصواب، والفاء في قوله ﴿أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ داخلة على محذوف تقديره: أتؤاخذنا يا مولانا فتهلكنا بالإشراك الذي أسسه لنا، واخترعه آباؤنا المبطلون؛ أي: الملتبسون بالباطل، الذي هو الإشراك، ولا ذنب لنا لجهلنا وعجزنا عن النظر واقتفائنا آثارهم، والاستفهام فيه للاستعطاف، وفيه معنى الإنكار ولفظة ﴿أَوْ﴾ مانعة خلو لا جمع، فقد يعتذرون بمجموع الأمرين. والمعنى: أي أو (١) تقولوا في ذلك اليوم: إن آباءنا اخترعوا الإشراك وسنوه من قبل زماننا، وكنا جاهلين ببطلان شركهم، فلم يسعنا إلا الاقتداء بهم، ولم نهتد إلى التوحيد، أتؤاخذنا فتهلكنا اليوم بالعذاب بما فعله المبطلون من آبائنا المضلين، فتجعل عذابنا كعذابهم؟ والخلاصة (٢): أنّ الله لا يقبل منهم الاعتذار بتقليد الآباء والأجداد، إذ التقليد عند قيام الدلائل، والقدرة على الاستدلال بها، مما لا يركن إليه ولا ينبغي لعاقل أن يلجأ إليه، كما أنّ الاعتذار بالجهل بعدما أقام عليهم من البينات الفطرية والعقلية مما لا يقبل. والحاصل: أنّ الله (٣) بين في هذه الآية الحكمة التي لأجلها أخرجهم من ظهر آدم، وأشهدهم على أنفسهم، وأنّه فعل ذلك لئلا يقولوا هذه المقالة يوم القيامة، ويعتلوا بهذه العلة الباطلة، ويعتذروا بهذه المعذرة الساقطة. ١٧٤ - ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾؛ أي (٤): ومثل هذا التفصيل الذي فصلناه في

стр. 4444

الآيات السابقة في أخذ الميثاق وغيره، نفصل الآيات؛ أي: نبين الآيات اللاحقة الدالة على توحيدنا ليتدبروا فيها ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: ولكي يرجعوا عن شركهم، وعبادة غير الله تعالى، إلى عبادته وتوحيده بذلك التفصيل والتوضيح، وقرأت فرقة ﴿يفصل﴾ بالياء؛ أي: يفصل هو؛ أي: الله تعالى. والمعنى (١): أي ومثل ذلك التفصيل المستتبع للمنافع الجليلة نفصل لبني آدم الآيات والدلائل، ليستعملوا عقولهم في التبصر فيها، والتدبر في أمرها، لعلهم يرجعون بها عن جهلهم، وتقليد آبائهم وأجدادهم. وفي الآية إيماء إلى أنّ من لم تبلغه بعثة رسول .. لا يعذر يوم القيامة في الشرك بالله تعالى، ولا بفعل الفواحش والموبقات التي تنفر منها الفطر السليمة، وتدرك ضررها العقول الحصيفة، بل يعذرون بمخالفة هداية الرسل فيما شأنه أن لا يعرف إلا منهم، وهو تفصيل العبادات، وعالم الغيب، وما سيكون في اليوم الآخر من أحوال العاصين، وشؤون النبيين والصديقين من عقاب وثواب، وكنه ذلك على الحقيقة. الإعراب ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ﴾. ﴿وَإِذْ﴾ الواو: استئنافية، ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب على الظرفية متعلقة بمحذوف تقديره: واذكر يا محمد لهم قصة إذ قيل لهم، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿لَهُمُ﴾: متعلق به، ﴿اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ إلى آخر الآية نائب فاعل محكي، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿اسْكُنُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿هذِهِ﴾: في محل النصب على الظرفية عند سيبويه، وعلى المفعول به عند الأخفش ﴿الْقَرْيَةَ﴾ نعت لـ ﴿هذِهِ﴾ أو عطف بيان منه، والجملة الفعلية في محل الرفع نائب فاعل

стр. 4445

لـ ﴿قِيلَ﴾، ﴿وَكُلُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿اسْكُنُوا﴾. ﴿مِنْها﴾ متعلق به، ﴿حَيْثُ﴾: في محل النصب على الظرفية المكانية، متعلق بـ ﴿كُلُوا﴾. ﴿شِئْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾. ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿وَقُولُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿اسْكُنُوا﴾، ﴿حِطَّةٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: مسألتنا حطة، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُولُوا﴾، ﴿وَادْخُلُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿اسْكُنُوا﴾، ﴿الْبابَ﴾ منصوب على الظرفية المكانية، متعلق بـ ﴿ادْخُلُوا﴾، ﴿سُجَّدًا﴾ حال من واو ﴿ادْخُلُوا﴾. ﴿نَغْفِرْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة جواب الطلب لا محل لها من الإعراب، ﴿لَكُمْ﴾ متعلقان بـ ﴿نَغْفِرْ﴾. ﴿خَطِيئاتِكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿سَنَزِيدُ﴾: فعل مضارع، ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾: مفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة بعاطف مقدر كما أظهره في سورة البقرة على جملة ﴿نَغْفِرْ﴾ على كونها جواب الطلب، وإنّما لم يجزم لأنّ الطلب عامل ضعيف فلا يعمل في المعطوف. ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾. ﴿فَبَدَّلَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أنّهم أمروا بقول حطة وأردت بيان ما قالوا .. فأقول لك، ﴿بدل الذين﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذ المقدرة، وجملة إذ المقدرة مستأنفة استئنافا بيانيا، ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور، حال من واو ﴿ظَلَمُوا﴾، ﴿قَوْلًا﴾: مفعول به، ﴿غَيْرَ﴾: صفة لـ ﴿قَوْلًا﴾، ﴿غَيْرَ﴾: مضاف، ﴿الَّذِي﴾: مضاف إليه، ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على الموصول، ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول، ﴿فَأَرْسَلْنا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية، ﴿أرسلنا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿بدل﴾،

стр. 4446

﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أرسلنا﴾، ﴿رِجْزًا﴾ مفعول به، ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: جار ومجرور، صفة لـ ﴿رِجْزًا﴾، ﴿بِما﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَظْلِمُونَ﴾ في محل النصب خبر كان، وجملة كان صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: بسبب ظلمهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أرسلنا﴾. ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾. ﴿وَسْئَلْهُمْ﴾: الواو: عاطفة قصة على قصة، ﴿سْئَلْهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على الجملة المحذوفة في قوله: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ أعني: أذكر، أو مستأنفة، ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني، متعلق بـ ﴿اسأل﴾، ﴿الَّتِي﴾: صفة لـ ﴿الْقَرْيَةِ﴾، ﴿كانَتْ﴾: فعل ناقص واسمها ضمير يعود على ﴿الْقَرْيَةِ﴾، ﴿حاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾: خبرها ومضاف إليه، والجملة صلة الموصول، ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب على الظرفية، متعلق بمضاف محذوف في قوله: ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ تقديره: واسألهم عن حال القرية وقت عدوانهم في يوم السبت، ﴿يَعْدُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، ﴿فِي السَّبْتِ﴾ متعلق بـ ﴿يَعْدُونَ﴾، ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، والظرف بدل من الظرف الذي قبله، أعني قوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ﴾، ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَأْتِيهِمْ﴾، ﴿شُرَّعًا﴾: حال من ﴿حِيتانُهُمْ﴾؛ أي: تأتيهم حيتانهم حالة كونها ظاهرة على وجه الماء. ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾. ﴿وَيَوْمَ﴾ الواو: استئنافية، ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿لا تَأْتِيهِمْ﴾، ﴿لا يَسْبِتُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، ﴿لا تَأْتِيهِمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الحيتان،

стр. 4447

والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا، ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: بلاء مثل البلاء المذكور وهو إتيانها لهم يوم السبت شرعا، وعدم إتيانها في غيره نبلوهم بلاء آخر بسبب فسقهم، نَبْلُوهُمْ: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة، بِما: ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَفْسُقُونَ﴾: خبرها، وجملة كان صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: بسبب فسقهم، الجار والمجرور، متعلق بـ ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ بسبب فسقهم وتقدير الكلام: نبلوهم بسبب فسقهم المستمر بلاء آخر مثل البلاء المذكور في الحيتان. ﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾. ﴿وَإِذْ﴾ الواو: عاطفة ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان معطوف على الظرف في قوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ﴾ على كونه متعلقا بالمضاف المحذوف الذي قدرناه سابقا، والتقدير: واسألهم عن حال القرية إذ يعدون في السبت، واسألهم عن حالهم إذ قالت أمة منهم، ﴿قالَتْ أُمَّةٌ﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْهُمْ﴾: صفة لأمة، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿قالُوا﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَتْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿لِمَ﴾: اللام حرف جر، ﴿م﴾: اسم استفهام في محل الجر باللام، مبني بسكون على الألف المحذوفة فرقا بينها وبين ﴿ما﴾ الموصولة، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَعِظُونَ﴾ والاستفهام فيه للتوبيخ والتقريع، ﴿تَعِظُونَ قَوْمًا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَت﴾، ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿مُهْلِكُهُمْ﴾ خبره ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب صفة لـ ﴿قَوْمًا﴾، ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾: معطوف على ﴿مُهْلِكُهُمْ﴾، ﴿عَذابًا﴾: مفعول مطلق لـ ﴿مُعَذِّبُهُمْ﴾، ﴿شَدِيدًا﴾: صفة لـ ﴿عَذابًا﴾، ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾ وإن شئت قلت: ﴿مَعْذِرَةً﴾: منصوب على كونه مفعولا لأجله لفعل محذوف تقديره وعظناهم لأجل المعذرة، أو منصوب على المفعولية المطلقة بفعل مقدر من لفظه

стр. 4448

تقديره نعتذر معذرة، وعلى قراءة الرفع مرفوع على كونه خبر مبتدأ محذوف تقديره: موعظتنا معذرة إلى ربكم ﴿إِلى رَبِّكُمْ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿مَعْذِرَةً﴾ ﴿وَلَعَلَّهُمْ﴾ الواو: عاطفة، لعل: حرف نصب والهاء اسمها، وجملة ﴿يَتَّقُونَ﴾: خبرها، وجملة لعل في محل النصب معطوفة على معنى معذرة، على كونها مقولا لـ ﴿قالُوا﴾ والتقدير: قالوا وعظناهم معذرة إلى ربكم ولعلهم يرجعون عما هم عليه من العدوان باصطياد السمك. ﴿فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾. ﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت انقسام أهل القرية إلى واعظة وعادية، وأردت بيان عاقبة كل من الفريقين .. فأقول لك، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿نَسُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿نَسُوا﴾، ﴿ذُكِّرُوا﴾: فعل ونائب فاعل، بِهِ متعلق به، والجملة صلة ﴿لما﴾ أو صفة ﴿لما﴾ والعائد أو الرابط ضمير به، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ من فعل شرطها، وجوابها في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿يَنْهَوْنَ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَنِ السُّوءِ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول، ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿أَنْجَيْنَا﴾، ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِعَذابٍ﴾: متعلق به، ﴿بَئِيسٍ﴾: صفة لـ ﴿عذاب﴾: والجملة الفعلية صلة الموصول، ﴿بِما﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر، وسبب، و ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَفْسُقُونَ﴾ خبره، وجملة كان صلة ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، والباء متعلقة بـ ﴿أَخَذْنَا﴾؛ أي: أخذناهم بالعذاب بسبب فسقهم، والباء الأولى للتعدية، وهذه للسببية، فلا اعتراض بتعلق حرفي جر متحدي اللفظ بعامل واحد، لاختلاف معناها.

стр. 4449

﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦)﴾. ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفصيل، ﴿لما﴾: حرف شرط، ﴿عَتَوْا﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾، ﴿عَنْ ما﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿عَتَوْا﴾، ﴿نُهُوا﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿عَنْهُ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة ﴿لما﴾ أو صفة لها، ﴿قُلْنا﴾: فعل وفاعل، ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به، والجملة جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على جملة ﴿لما﴾ الأولى على كونها مفصلة لأخذهم بالعذاب، ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قُلْنا﴾: وإن شئت قلت: ﴿كُونُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿قِرَدَةً﴾: خبر ﴿كُونُوا﴾، ﴿خاسِئِينَ﴾: صفة لـ ﴿قِرَدَةً﴾: وجملة ﴿كُونُوا﴾: في محل النصب مقول ﴿قُلْنا﴾. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾. ﴿وَإِذْ﴾ الواو: عاطفة، ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى، متعلق بمحذوف معطوف على قوله ﴿وَسْئَلْهُمْ﴾ تقديره: واسألهم عن القرية واذكر إذ تأذن ربك، ﴿تَأَذَّنَ﴾: فعل ماض بمعنى: أقسم ﴿رَبُّكَ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾: ﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿يبعثن﴾: فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يبعثن﴾، وكذلك قوله: ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾: متعلق به أيضا، ﴿مَنْ﴾: موصولة في محل النصب مفعول ﴿يبعثن﴾، ﴿يَسُومُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على مَنْ الموصولة، ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿رَبُّكَ﴾: اسمها، ﴿لَسَرِيعُ الْعِقابِ﴾: خبرها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، وكذلك جملة قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: معطوفة عليها على كونها مسوقة لتعليل ما قبلها.

стр. 4450

﴿وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)﴾. ﴿وَقَطَّعْناهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، أو مفعول أول، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة، ﴿أُمَمًا﴾ إما حال من مفعول ﴿قَطَّعْناهُمْ﴾، وإما مفعول ثان على تضمين قطع معنى صير، ﴿مِنْهُمُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿الصَّالِحُونَ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب صفة لـ ﴿أُمَمًا﴾، ﴿وَمِنْهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿دُونَ ذلِكَ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة لمبتدأ محذوف تقديره: ومنهم فريق كان دون ذلك الفريق الصالح، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ على كونها صفة لـ ﴿أُمَمًا﴾، ﴿وَبَلَوْناهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿قَطَّعْناهُمْ﴾، ﴿بِالْحَسَناتِ﴾: متعلق بـ ﴿بلونا﴾، ﴿وَالسَّيِّئاتِ﴾: معطوف على ﴿الحسنات﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ﴿لعل﴾: حرف ترج بمعنى كي التعليلية، والهاء اسمها، وجملة ﴿يَرْجِعُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ في محل الجر مسوقة لتعليل ما قبلها والتقدير: وبلوناهم بالحسنات والسيئات لرجاء رجوعهم إلى طاعة الله تعالى. ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾. ﴿فَخَلَفَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت انقسام هؤلاء المذكورين إلى فريقين فريق صالح وفريق طالح، وأردت بيان من خلف عنهم .. فأقول لك، ﴿خلف﴾: فعل ماض، ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: متعلق به، ﴿خَلْفٌ﴾: فاعل، والجملة من الفعل والفاعل في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿وَرِثُوا الْكِتابَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿خَلْفٌ﴾، ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿هذَا الْأَدْنى﴾: مضاف إليه، والجملة في محل النصب حال من واو ﴿وَرِثُوا﴾، ﴿وَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَأْخُذُونَ﴾، ﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾: مقول محكي وإن شئت قلت: ﴿سَيُغْفَرُ﴾:
следующие страницы →