﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أرسلنا﴾، ﴿رِجْزًا﴾ مفعول به، ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: جار ومجرور، صفة لـ ﴿رِجْزًا﴾، ﴿بِما﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَظْلِمُونَ﴾ في محل النصب خبر كان، وجملة كان صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: بسبب ظلمهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أرسلنا﴾.
﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾.
﴿وَسْئَلْهُمْ﴾: الواو: عاطفة قصة على قصة، ﴿سْئَلْهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على الجملة المحذوفة في قوله: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ أعني: أذكر، أو مستأنفة، ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني، متعلق بـ ﴿اسأل﴾، ﴿الَّتِي﴾: صفة لـ ﴿الْقَرْيَةِ﴾، ﴿كانَتْ﴾: فعل ناقص واسمها ضمير يعود على ﴿الْقَرْيَةِ﴾، ﴿حاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾: خبرها ومضاف إليه، والجملة صلة الموصول، ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب على الظرفية، متعلق بمضاف محذوف في قوله: ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ تقديره: واسألهم عن حال القرية وقت عدوانهم في يوم السبت، ﴿يَعْدُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، ﴿فِي السَّبْتِ﴾ متعلق بـ ﴿يَعْدُونَ﴾، ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، والظرف بدل من الظرف الذي قبله، أعني قوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ﴾، ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَأْتِيهِمْ﴾، ﴿شُرَّعًا﴾: حال من ﴿حِيتانُهُمْ﴾؛ أي: تأتيهم حيتانهم حالة كونها ظاهرة على وجه الماء.
﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ﴾ الواو: استئنافية، ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿لا تَأْتِيهِمْ﴾، ﴿لا يَسْبِتُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، ﴿لا تَأْتِيهِمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الحيتان،
стр. 4447
والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا، ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: بلاء مثل البلاء المذكور وهو إتيانها لهم يوم السبت شرعا، وعدم إتيانها في غيره نبلوهم بلاء آخر بسبب فسقهم، نَبْلُوهُمْ: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة، بِما: ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَفْسُقُونَ﴾: خبرها، وجملة كان صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: بسبب فسقهم، الجار والمجرور، متعلق بـ ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ بسبب فسقهم وتقدير الكلام: نبلوهم بسبب فسقهم المستمر بلاء آخر مثل البلاء المذكور في الحيتان.
﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو: عاطفة ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان معطوف على الظرف في قوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ﴾ على كونه متعلقا بالمضاف المحذوف الذي قدرناه سابقا، والتقدير: واسألهم عن حال القرية إذ يعدون في السبت، واسألهم عن حالهم إذ قالت أمة منهم، ﴿قالَتْ أُمَّةٌ﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْهُمْ﴾: صفة لأمة، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿قالُوا﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَتْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿لِمَ﴾: اللام حرف جر، ﴿م﴾: اسم استفهام في محل الجر باللام، مبني بسكون على الألف المحذوفة فرقا بينها وبين ﴿ما﴾ الموصولة، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَعِظُونَ﴾ والاستفهام فيه للتوبيخ والتقريع، ﴿تَعِظُونَ قَوْمًا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَت﴾، ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿مُهْلِكُهُمْ﴾ خبره ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب صفة لـ ﴿قَوْمًا﴾، ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾: معطوف على ﴿مُهْلِكُهُمْ﴾، ﴿عَذابًا﴾: مفعول مطلق لـ ﴿مُعَذِّبُهُمْ﴾، ﴿شَدِيدًا﴾: صفة لـ ﴿عَذابًا﴾، ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾ وإن شئت قلت: ﴿مَعْذِرَةً﴾: منصوب على كونه مفعولا لأجله لفعل محذوف تقديره وعظناهم لأجل المعذرة، أو منصوب على المفعولية المطلقة بفعل مقدر من لفظه
стр. 4448
تقديره نعتذر معذرة، وعلى قراءة الرفع مرفوع على كونه خبر مبتدأ محذوف تقديره: موعظتنا معذرة إلى ربكم ﴿إِلى رَبِّكُمْ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿مَعْذِرَةً﴾ ﴿وَلَعَلَّهُمْ﴾ الواو: عاطفة، لعل: حرف نصب والهاء اسمها، وجملة ﴿يَتَّقُونَ﴾: خبرها، وجملة لعل في محل النصب معطوفة على معنى معذرة، على كونها مقولا لـ ﴿قالُوا﴾ والتقدير: قالوا وعظناهم معذرة إلى ربكم ولعلهم يرجعون عما هم عليه من العدوان باصطياد السمك.
﴿فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت انقسام أهل القرية إلى واعظة وعادية، وأردت بيان عاقبة كل من الفريقين .. فأقول لك، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿نَسُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿نَسُوا﴾، ﴿ذُكِّرُوا﴾: فعل ونائب فاعل، بِهِ متعلق به، والجملة صلة ﴿لما﴾ أو صفة ﴿لما﴾ والعائد أو الرابط ضمير به، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ من فعل شرطها، وجوابها في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿يَنْهَوْنَ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَنِ السُّوءِ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول، ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿أَنْجَيْنَا﴾، ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِعَذابٍ﴾: متعلق به، ﴿بَئِيسٍ﴾: صفة لـ ﴿عذاب﴾: والجملة الفعلية صلة الموصول، ﴿بِما﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر، وسبب، و ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَفْسُقُونَ﴾ خبره، وجملة كان صلة ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، والباء متعلقة بـ ﴿أَخَذْنَا﴾؛ أي: أخذناهم بالعذاب بسبب فسقهم، والباء الأولى للتعدية، وهذه للسببية، فلا اعتراض بتعلق حرفي جر متحدي اللفظ بعامل واحد، لاختلاف معناها.
стр. 4449
﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفصيل، ﴿لما﴾: حرف شرط، ﴿عَتَوْا﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾، ﴿عَنْ ما﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿عَتَوْا﴾، ﴿نُهُوا﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿عَنْهُ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة ﴿لما﴾ أو صفة لها، ﴿قُلْنا﴾: فعل وفاعل، ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به، والجملة جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على جملة ﴿لما﴾ الأولى على كونها مفصلة لأخذهم بالعذاب، ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قُلْنا﴾: وإن شئت قلت: ﴿كُونُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿قِرَدَةً﴾: خبر ﴿كُونُوا﴾، ﴿خاسِئِينَ﴾: صفة لـ ﴿قِرَدَةً﴾: وجملة ﴿كُونُوا﴾: في محل النصب مقول ﴿قُلْنا﴾.
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو: عاطفة، ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى، متعلق بمحذوف معطوف على قوله ﴿وَسْئَلْهُمْ﴾ تقديره: واسألهم عن القرية واذكر إذ تأذن ربك، ﴿تَأَذَّنَ﴾: فعل ماض بمعنى: أقسم ﴿رَبُّكَ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾: ﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿يبعثن﴾: فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يبعثن﴾، وكذلك قوله: ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾: متعلق به أيضا، ﴿مَنْ﴾: موصولة في محل النصب مفعول ﴿يبعثن﴾، ﴿يَسُومُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على مَنْ الموصولة، ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة.
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿رَبُّكَ﴾: اسمها، ﴿لَسَرِيعُ الْعِقابِ﴾: خبرها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، وكذلك جملة قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: معطوفة عليها على كونها مسوقة لتعليل ما قبلها.
стр. 4450
﴿وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)﴾.
﴿وَقَطَّعْناهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، أو مفعول أول، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة، ﴿أُمَمًا﴾ إما حال من مفعول ﴿قَطَّعْناهُمْ﴾، وإما مفعول ثان على تضمين قطع معنى صير، ﴿مِنْهُمُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿الصَّالِحُونَ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب صفة لـ ﴿أُمَمًا﴾، ﴿وَمِنْهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿دُونَ ذلِكَ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة لمبتدأ محذوف تقديره: ومنهم فريق كان دون ذلك الفريق الصالح، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ على كونها صفة لـ ﴿أُمَمًا﴾، ﴿وَبَلَوْناهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿قَطَّعْناهُمْ﴾، ﴿بِالْحَسَناتِ﴾: متعلق بـ ﴿بلونا﴾، ﴿وَالسَّيِّئاتِ﴾: معطوف على ﴿الحسنات﴾، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ﴿لعل﴾: حرف ترج بمعنى كي التعليلية، والهاء اسمها، وجملة ﴿يَرْجِعُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ في محل الجر مسوقة لتعليل ما قبلها والتقدير: وبلوناهم بالحسنات والسيئات لرجاء رجوعهم إلى طاعة الله تعالى.
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾.
﴿فَخَلَفَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت انقسام هؤلاء المذكورين إلى فريقين فريق صالح وفريق طالح، وأردت بيان من خلف عنهم .. فأقول لك، ﴿خلف﴾: فعل ماض، ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: متعلق به، ﴿خَلْفٌ﴾: فاعل، والجملة من الفعل والفاعل في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿وَرِثُوا الْكِتابَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿خَلْفٌ﴾، ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿هذَا الْأَدْنى﴾: مضاف إليه، والجملة في محل النصب حال من واو ﴿وَرِثُوا﴾، ﴿وَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَأْخُذُونَ﴾، ﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾: مقول محكي وإن شئت قلت: ﴿سَيُغْفَرُ﴾:
стр. 4451
فعل مضارع مغير الصيغة، ﴿لَنا﴾: جار ومجرور نائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿وَإِنْ﴾. الواو: حالية أو استئنافية، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط، ﴿يَأْتِهِمْ﴾: فعل ومفعول مجزوم بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿عَرَضَ﴾: فاعل، ﴿مِثْلُهُ﴾: صفة لـ ﴿عَرَضَ﴾، ﴿يَأْخُذُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه جوابا لها، وجملة إن الشرطية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَقُولُونَ﴾ أو مستأنفة.
﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾.
﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، وهو الاستفهام الذي يقصد به إثبات ما بعد حرف النفي ﴿لَمْ﴾: حرف جزم، ﴿يُؤْخَذْ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به، ﴿مِيثاقُ الْكِتابِ﴾: نائب فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿إِنْ﴾: حرف نصب، ﴿لا﴾: نافية، ﴿يَقُولُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿إِنْ﴾ المصدرية، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿يَقُولُوا﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿الْحَقَّ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مرفوع على كونه بدلا من ﴿مِيثاقُ﴾ تقديره: ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب عدم قولهم على الله إلا الحق، ﴿وَدَرَسُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على ﴿يُؤْخَذْ﴾ الداخل عليه همزة الاستفهام التقريري؛ أي: ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب، وألم يدرسوا ما فيه، ما: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿دَرَسُوا﴾، ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور، صلة لـ ﴿ما﴾: أو صفة لها، ﴿وَالدَّارُ﴾: مبتدأ، ﴿الْآخِرَةُ﴾: صفة له ﴿خَيْرٌ﴾ خبر، والجملة مستأنفة، ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور، متعلق بخبر، وجملة ﴿يَتَّقُونَ﴾: صلة الموصول، ﴿أَفَلا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف تقديره: أتجهلون خيرية ذلك، ﴿فَلا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿لا﴾: نافية ﴿تَعْقِلُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف تقديره: أفلا تعقلون خيرية ذلك، والجملة معطوفة على ذلك المحذوف، والجملة
стр. 4452
المحذوفة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب.
﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿يُمَسِّكُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿بِالْكِتابِ﴾: متعلق به، ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة يمسكون، ﴿إِنَّا﴾: حرف نصب واسمه، ﴿لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾: فعل ومفعول ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على الله، وجملة ﴿إن﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والرابط محذوف، تقديره: لا نضيع أجر المصلحين منهم، والجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة.
﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو: استئنافية أو عاطفة، ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمحذوف معطوف على قوله: ﴿وَسْئَلْهُمْ﴾ تقديره: واسئلهم عن القرية واذكر إذ نتقنا الجبل أو مستأنفة استئنافا نحويا، ﴿نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه، ﴿فَوْقَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿نَتَقْنَا﴾، ﴿كَأَنَّهُ﴾: حرف نصب واسمه، ﴿ظُلَّةٌ﴾: خبره، وجملة ﴿كأن﴾ في محل النصب حال من ﴿الْجَبَلَ﴾ تقديره: حالة كونه مشابها بظلة، ﴿وَظَنُّوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر معطوفة على ﴿نَتَقْنَا﴾ أو في محل النصب حال من ﴿الْجَبَلَ﴾، ولكنه على تقدير: قد، ﴿أَنَّهُ﴾ حرف نصب واسمه ﴿واقِعٌ﴾ خبره. ﴿بِهِمْ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿واقِعٌ﴾ وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ظن تقديره: وظنوا وقوعه بهم، ﴿خُذُوا ما﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف حال من فاعل ﴿نَتَقْنَا﴾ تقديره: وإذ نتقنا الجبل فوقهم حالة كوننا قائلين لهم: خذو ما آتيناكم أو معطوف على ﴿نَتَقْنَا﴾ تقديره: وقلنا لهم، ﴿آتَيْناكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف؛ لأن آتى بمعنى أعطى تقديره: ما آتيناكموه، والجملة
стр. 4453
صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، ﴿بِقُوَّةٍ﴾: جار ومجرور حال من واو ﴿خُذُوا﴾؛ أي: خذوا حالة كونكم ملتبسين بقوة، ﴿وَاذْكُرُوا ما﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿خُذُوا﴾، ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ما أو صفة لها، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ ﴿لعل﴾: حرف ترج وتعليل بمعنى، كي والكاف اسمها، وجملة ﴿تَتَّقُونَ﴾: خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو: استئنافية، ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمحذوف تقديره: واذكر قصة إذ أخذ ربك، والجملة مستأنفة أو معطوفة على القصص التي قبلها، ﴿أَخَذَ رَبُّكَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أَخَذَ﴾، ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، بدل من الجار والمجرور قبله، بدل بعض من كل، ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه ﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَبُّكَ﴾، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿أَخَذَ﴾، ﴿عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أشهد﴾.
﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾.
﴿أَلَسْتُ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، ﴿لَسْتُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِرَبِّكُمْ﴾: خبره، ﴿والباء﴾: صلة، والجملة مقول لقول محذوف معطوف على ﴿أَخَذَ﴾ تقديره: وقال ألست بربكم ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿بَلى﴾: حرف جواب لإثبات النفي المذكور قبلها، قائمة مقام الجواب المحذوف تقديره: بلى أنت ربنا، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾.
فائدة: ﴿بَلى﴾ حرف جواب تفيد إثبات النفي المذكور قبلها؛ لأنّها لا يجاب بها إلا النفي، سواء كان مقرونا بالاستفهام التقريري كما هنا، أو مجردا، وأما نعم .. فحرف جواب لتصديق ما قبلها، قال ابن عباس: لو قالوا: نعم ..
стр. 4454
لكفروا؛ لأنّ نعم لتقرير ما قبلها، مثبتا كان أو منفيا، فكأنهم أقروا أنّه ليس بربهم، وإلى ذلك أشار علي الأجهوري ﵀ بقوله:
بلى حرف جواب لكنّه ... يصير إثباتا كذا قرّروا
نعم لتقرير الّذي قبلها ... إثباتا أو نفيا كذا حرّروا
﴿شَهِدْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾ إن قلنا إنّه من كلام الذر، أو مقول لقول محذوف، إن قلنا إنّه من كلام الملائكة تقديره: قالت الملائكة: شهدنا على قبولهم الميثاق ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾: ظرف متعلق به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بإضافة المصدر المقدر إليه، المعلل لفعل محذوف تقديره: فعلنا الأخذ بالميثاق كراهية قولكم يوم القيامة، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ مقول محكي لـ ﴿تَقُولُوا﴾ وإن شئت قلت: ﴿إِنَّا﴾: حرف نصب واسمه، ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿عَنْ هذا﴾: متعلق بـ ﴿غافِلِينَ﴾، ﴿غافِلِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿تَقُولُوا﴾.
﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ معطوف على ﴿تَقُولُوا﴾ الأول ﴿إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا﴾ إلى آخر الآية: مقول ﴿تَقُولُوا﴾: وإن شئت قلت: ﴿إِنَّما﴾: أداة حصر ونفي، ﴿أَشْرَكَ آباؤُنا﴾: فعل وفاعل ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أَشْرَكَ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿تَقُولُوا﴾، ﴿وَكُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه ﴿ذُرِّيَّةً﴾: خبره ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: جار ومجرور، صفة لذرية تقديره: كائنة من بعدهم ﴿أَفَتُهْلِكُنا﴾. ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الاستعطافي الإنكاري داخلة على محذوف تقديره: أتؤاخذنا، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿تهلكنا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الرب، ﴿بِما﴾: جار ومجرور متعلق به ﴿فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾: فعل وفاعل صلة لما أوصفه لها والعائد أو الرابط محذوف تقديره بما فعله
стр. 4455
﴿الْمُبْطِلُونَ﴾، وجملة ﴿تهلكنا﴾: معطوفة على الجملة المحذوفة الداخلة عليها الهمزة كما قدرناه آنفا، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿تَقُولُوا﴾.
﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
﴿وَكَذلِكَ﴾. الواو: استئنافية ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: وتفصيلا مثل ذلك التفصيل المذكور هنا ﴿نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾: فعل ومفعول، والفاعل ضمير يعود على الله، والتقدير: ونفصل الآيات اللاحقة تفصيلا مثل تفصيلنا الآيات السابقة ليتدبروها ﴿وَلَعَلَّهُمْ﴾. الواو: عاطفة، ﴿لعل﴾: حرف ترج وتعليل، و ﴿الهاء﴾: اسمها، وجملة ﴿يَرْجِعُونَ﴾: في محل الرفع خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ معطوفة على جملة محذوفة معللة للفعل السابق، والتقدير: ونفصل الآيات مثل ذلك ليتدبروها، ولعلهم يرجعون إلى طاعة الله ؛ أي: ولرجاء رجوعهم إلى طاعة الله عما هم عليه من الإشراك.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾، ﴿الْقَرْيَةِ﴾، هي أيلة، وقيل: مدين، وقيل: طبرية، والعرب تسمى المدينة قرية: ﴿حاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾؛ أي: قريبة منه على شاطئه. ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾؛ أي: يتجاوزون حكم الله بالصيد المحرم عليهم فيه.
﴿حِيتانُهُمْ﴾ سمكهم جمع حوت، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، كنون ونينان لفظا ومعنى. ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾؛ أي: تعظيمهم للسبت، وهو مصدر سبت اليهود تسبت، من باب ضرب، إذا عظمت السبت بترك العمل فيه، والتفرغ فيه للعبادة، وقيل: إنه اسم لليوم، والإضافة لاختصاصهم بأحكام فيه. ذكره أبو السعود.
وفي «المصباح» وسبت اليهود انقطاعهم عن المعيشة والاكتساب، وهو مصدر، يقال: سبتوا سبتا، من باب ضرب إذا قاموا بذلك، وأسبتوا بالألف لغة اه.
﴿شُرَّعًا﴾: جمع شارع كراكع وركع، من شرع عليه إذا دنا وأشرف؛
стр. 4456
أي: ظاهرة على وجه الماء ﴿نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم ﴿أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: جماعة منهم ﴿مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ﴾ والمعذرة بوزن المغفرة، اسم مصدر لعذر يعذر عذرا، من باب ضرب، وهي بمعنى العذر، وهو التنصل من الذنب، فمعنى معذرة إلى ربكم، قياما وإظهارا بعذر أنفسنا إلى الله تعالى ﴿فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ أي: تركوه ترك الناس، وأعرضوا عنه إعراضا تاما ﴿عَنِ السُّوءِ﴾ والسوء العمل الذي تسوء عاقبته ﴿بَئِيسٍ﴾ والبئيس الشديد، من البأس وهو الشدة، أو من البؤس وهو المكروه، أو الفقر، فهو فعيل من بؤس يبؤس بأسا وبؤسا إذا اشتد. ﴿فَلَمَّا عَتَوْا﴾ العتو الإباء والعصيان ﴿خاسِئِينَ﴾؛ أي: أذلاء صاغرين.
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ قال سيبويه: أذن أعلم، وأذن نادى وصاح للإعلام ومنه ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ ومثله تأذن ﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾ ليسلطن ﴿يَسُومُهُمْ﴾ يذيقهم ويوليهم ﴿وَقَطَّعْناهُمْ﴾ فرقناهم ﴿أُمَمًا﴾؛ أي: جماعات ﴿دُونَ ذلِكَ﴾؛ أي: منحطون عنهم ﴿وَبَلَوْناهُمْ﴾ امتحانهم ﴿بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ﴾ الحسنات النعم، والسيئات النقم ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ والخلف بسكون اللام يستعمل في الأشرار، وبالتحريك في الأخيار يقال: خلف سوء بسكون اللام، وخلف صدق بفتحها اه «الخازن»، وفي «البيضاوي»: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾؛ أي: بدل سوء، وهو مصدر نعت به، ولذلك يقع على الواحد والجمع، وقيل: هو جمع وهو شائع في البشر، والخلف بالفتح في الخير. انتهى. وفي «السمين» والخلف بفتح اللام وبإسكانها هل هما بمعنى واحد؛ أي: يطلق كل منهما على القرن الذي يخلف غيره، صالحا كان أو طالحا أو أن الساكن اللام في الطالح، ومفتوحها في الصالح خلاف مشهور بين اللغويين، قال الفراء: يقال للقرن خلف: يعني ساكنا، ولمن استخلفته خلف يعني متحرك اللام. اه ﴿عَرَضَ هذَا الْأَدْنى﴾ والعرض بالتحريك متاع الدنيا وحطامها، ﴿والْأَدْنى﴾: الشيء القريب الزوال، والمراد به هنا الدنيا. ﴿وَدَرَسُوا ما فِيهِ﴾؛ أي: قرؤوا فهم ذاكرون له ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ﴾؛ أي: يتمسكون به ويعملون.
وفي «المختار» أمسك بالشيء وتمسك واستمسك به، كله بمعنى اعتصم به وكذا مسك به تمسيكا. اه.
стр. 4457
وفي «المصباح» مسكت بالشيء مسكا، من باب ضرب، وتمسكت وامتسكت بمعنى أخذت به وتعلقت واعتصمت، وأمسكته بيدي إمساكا قبضته باليد، وأمسكت عن الأمر: كففت عنه. اه. ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾؛ أي: رفعناه، كما روى عن ابن عباس أو زلزلناه، وهو مرفوع يقال: نتق السقاء إذا هزه ونفضه ليخرج منه الزبد، أو اقتلعناه، كما هو رأي كثير من العلماء، وفي «الفتوحات»:
﴿والنتق﴾ اختلفت فيه عبارات أهل اللغة، فقال أبو عبيدة: هو قلع الشيء من موضعه والرمي به، ومنه نتق ما في الجراب إذا نفضه فرمى ما فيه، وامرأة ناتق ومنتاق إذا كانت كثيرة الولادة، وفي الحديث: «عليكم بزواج الأبكار فإنهم أنتق أرحاما وأطيب أفواها وأرضى باليسير» وقيل: النتق الجذب بشدة، ومنه نتقت السقاء إذا جذبته بشدة لتقلع الزبدة من فمه، وقال الفراء: هو الرفع، وقال ابن قتيبة: هو الزعزعة وبه فسر مجاهد، وكل هذه معان متقاربة، وقد عرفت أن ﴿فَوْقَهُمْ﴾ يجوز أن يكون منصوبا بنتق؛ لأنّه بمعنى رفع وقلع اه «سمين»، ونتق من باب نصر كما في «المختار».
﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ والظلة كل ما أظلك من سقف بيت، أو سماء، أو جناح طائر، والجمع ظلل وظلال ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ والظهور جمع ظهر، وهو ما فيه العمود الفقري لهيكل الإنسان الذي هو قوام بنيته فيصح أن يعبر به عن جملة الجسد ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ والذرية سلالة الإنسان من الذكور والإناث، شَهِدْنا والشهادة تارة قولية كما قال: ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا ...﴾ الآية وتارة تكون حالية، كما قال: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾؛ أي: حالهم شاهدة عليهم بذلك، لا أنهم قائلون ذلك.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا من البلاغة، وضروبا من الفصاحة والبيان والبديع.
فمنها: التكرار في قوله: ﴿اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ وفي قوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾.
стр. 4458
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾؛ أي: عن أهل القرية لما فيه من إطلاق المحل وإرادة الحال.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾، ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ﴾.
وفي قوله: ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا﴾.
ومنها: المقابلة في قوله: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾، وفي قوله: ﴿بِالْحَسَناتِ﴾ ﴿وَالسَّيِّئاتِ﴾.
ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إشعارا بسرعة إيقاع العذاب بهم، وترجية لمن آمن منهم في غفرانه ورحمته.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ لأنه استعار النسيان للشرك، فاشتق من النسيان بمعنى الشرك نسوا، بمعنى تركوا، بجامع الإعراض في كل على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: المقابلة في قوله: ﴿أَنْجَيْنَا﴾ ﴿وَأَخَذْنَا﴾.
ومنها: الإضافة في قوله: ﴿حِيتانُهُمْ﴾: لاختصاصهم بأحكام فيها.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ لأنّه استعار الأخذ للإخراج، فاشتق منه أخذ بمعنى أخرج، وإيثار (١) الأخذ على الإخراج للاعتناء بشأن المأخوذ، لما فيه من الإنباء عن اختيار الاصطفاء، وهو السبب في إسناده إلى الرب بطريق الالتفات مع ما فيه من التمهيد للاستفهام الآتي.
ومنها: إضافة ﴿رَبُّكَ﴾ إلى ضميره ﷺ للتشريف.
ومنها: الالتفات في لفظ ﴿رَبُّكَ﴾ من التكلم إلى الغيبة؛ لأن مقتضى السياق أن يقال: وإذا أخذنا، كما قال أولا: وإذ نتقنا الجبل فوقهم، والنكتة
стр. 4459
فيه: تعظيم شأن الرسول بتوجيه الخطاب إليه، وفي الآية أيضا البيان بعد الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال، في قوله: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ونكتته: التوبيخ والتأنيب.
ومنها: الإظهار في وضع الإضمار في قوله: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾؛ لأنّ مقتضى السياق أن يقال: إنا لا نضيع أجرهم، ونكتة الإظهار: الإشارة إلى شرفهم، والاعتناء بهم.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾.
ومنها: ذكر الخاص بعد العام إظهارا لفضله وشرفه في قوله: ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾؛ لأنّها داخلة بما في الكتاب، خصها بالذكر لأنّها أعظم أركان الدين بعد التوحيد.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾؛ لأنّه كناية عن سرعة المسخ، إذ لا يكلف الشخص إلا بما يقدر عليه، وكونهم قردة ليس في طاقتهم.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 4460
قال الله سبحانه جلّ وعلا:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما (١) ذكر أنّه أخذ العهد والميثاق على بني آدم جميعا، وأشهدهم على أنفسهم بأنّ الله ربهم، كي لا يكون لهم العذر يوم القيامة في الإشراك بالله، جهلا أو تقليدا .. أردف ذلك بضرب المثل للمكذبين
стр. 4461
بآياته المنزلة على رسوله، بعد أن أيدها بالأدلة العقلية والكونية، وهو مثل من آتاه الله آياته فكان عالما بها، قادرا على بيانها، والجدل بها، لكنّه لم يؤت العمل مع العلم، بل كان عمله مخالفا لعلمه فسلبها لأنّ العلم الذي لا يعمل به لا يلبث أن يزول، فأشبه الحية تنسلخ من جلدها، وتخرج منه وتتركه على الأرض.
وقال أبو حيان: مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لما (١) ذكر أخذ الميثاق على توحيده تعالى وتقرير ربوبيته، وذكر إقرارهم بذلك وإشهادهم على أنفسهم .. ذكر حال من آمن به، ثم بعد ذلك كفر، كحال اليهود كانوا مقرين منتظرين بعثة رسول الله ﷺ ، لما اطلعوا عليه من كتب الله المنزلة، وتبشيرها به، وبذكر صفاته، فلما بعث .. كفروا، فذكروا أنّ ما صدر منهم هو طريقة لأسلافهم اتبعوها.
قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله لما أمر (٢) نبيه ﷺ بأن يقص قصص المنسلخ عن آيات الله تعالى على أولئك الضالين الذين حالهم كحاله ليتفكروا فيه، ويتركوا ما هم عليه من الإخلاد إلى الضلالة، ويعودوا إلى حظيرة الحق .. أردف ذلك ببيان أنّ أسباب الهدى والضلال ينتهيان للمستعد لأحدهما إلى إحدى الغايتين بتقدير الله تعالى، والسير على سننه في استعمال مواهبه، وهداياته الفطرية من العقل والحواس في أحد السبيلين كما قال: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) وإِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾.
وقال أبو حيان: مناسبتها لما قبلها: أن الله لما قدم ذكر المهتدين والضالين .. أخبر هنا أنّه هو المتصرف فيهم بما شاء من هداية وضلال. انتهى.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ...﴾ مناسبة (٣) هذه
стр. 4462
الآية لما قبلها: أنّه تعالى لما ذكر أنّه هو الهادي وهو المضل .. أعقبه بذكر من خلق للخسران والنار، وذكر أوصافهم فيما ذكر، وفي ضمنه وعيد الكفار.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله لما بين (١) في الآية السالفة أنّ المخلقين لجهنم لما يستعملوا عقولهم ومشاعرهم في الاعتبار بالآيات، والتفقه في تزكية أنفسهم بالعلم النافع، فأورثهم ذلك الإهمال الغفلة التامة عن صلاح أنفسهم، بذكر الله تعالى وشكره والثناء عليه بما هو أهله من صفات الكمال .. أردف ذلك بذكر الدواء لتلك الغفلة، والوسائل التي تخرج إلى ضدها، وهي ذكر الله تعالى، ودعاؤه في السر والعلن، بكرة وعشيا.
وقال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر (٢) أنّه ذرأ كثيرا من الجن والإنس للنار .. ذكر نوعا منهم - وهم يلحدون في أسمائه - وهم أشد الكفار عتيا، أبو جهل وأحزابه، وأيضا لما نبه على أن دخول جهنم هو للغفلة عن ذكر الله تعالى، والمخلص من العذاب هو ذكر الله تعالى .. أمر بذكر الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، والقلب إذا غفل عن ذكر الله وأقبل على الدنيا وشهواتها وقع في الحرص، وانتقل من رغبة إلى رغبة، ومن طلب إلى طلب، ومن ظلمة إلى ظلمة، وقد وجدنا ذلك بالذوق، حتى إنّ أحدهم ليصلي الصلوات كلها قضاء في وقت واحد، فإذا انفتح على قلبه باب ذكر الله تعالى تخلص من آفات الغفلة، وامتثل ما أمره الله به، واجتنب ما نهى عنه. انتهى.
قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لما ذكر (٣) أنّه ذرأ لجهنم كثيرا من الثقلين - الجن والإنس - وأبان أهم أسباب ذلك، وهي أن هؤلاء أفسدوا فطرتهم بإهمال مواهبهم من العقل والحواس، ثم أرشدنا إلى ما يصلح الفطرة من دعائه بأسمائه الحسنى .. أردف ذلك ببيان وصف أمة الإجابة، وثنى بذكر المكذبين من
стр. 4463
أمة الدعوة، وثلث بتنفيذ ما عرض لهم من الشبهة، ثم أرشد إلى التفكر الموصل إلى الفقه في الأمور ومعرفة الحقائق، وإلى النظر الهادي إلى الحجة والبرهان الموصل إلى معرفة صدق الرسول، ثم ختمها ببيان عدم الطمع في هداية من قضت سنة الله بضلاله، وتركه يعمه في طغيانه.
وقال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّه تعالى لما ذكر (١) من ذرأ للنار .. ذكر مقابلهم، وفي لفظة ﴿وَمِمَّنْ﴾ دلالة على التبعيض، وأن المعظم من المخلوقين ليسوا هداة إلى الحق، ولا عادلين به، انتهى.
وقال أيضا: قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّه تعالى لما حضهم على التفكر في حال الرسول، وكان مفرعا على تقرير دليل التوحيد .. أعقب بما يدل على التوحيد ووجود الصانع الحكيم.
قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله لما أرشد من كانوا في عصر التنزيل وعصر نزول السورة إلى النظر والتفكر في اقتراب أجلهم بقوله: ﴿وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ .. أتبع ذلك بالإرشاد إلى النظر والتفكر في أمر الساعة التي ينتهي بها جميع أجل الناس.
والخلاصة: أن هذا كلام في الساعة العامة بعد الكلام في الساعة الخاصة بكل فرد، وهي انتهاء أجله.
وقال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّه لما ذكر (٢) التوحيد والنبوة والقضاء والقدر .. أتبع ذلك بذكر المعاد، وأيضا فلما تقدم قوله: ﴿وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾، وكان ذلك باعثا على المبادرة إلى التوبة .. أتى بالسؤال عن الساعة ليعلم أن وقتها مكتوم عن الخلق، فيكون ذلك سببا للمسارعة إلى التوبة. انتهى.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا ...﴾ الآية، مناسبة هذه
стр. 4464
الآية لما قبلها: أنّ (١) الله لما أمر خاتم رسله أن يجيب السائلين عن الساعة: بأن علمها عند الله تعالى وحده .. قفى على ذلك بأمر رسوله ﷺ أن يبين للناس أنّ كل الأمور بيده وحده، وأن علم الغيب كله عنده.
وهذه الآية أساس (٢) من أسس الدين وقواعد عقائده، إذ بينت حقيقة الرسالة، وفصلت بينها وبين الربوبية، وهدمت قواعد الشرك، واجتثت جذور الوثنية.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها﴾ قيل: نزلت هذه الآية في بلعم بن باعوراء، وكان قد (٣) حفظ بعض الكتب المنزلة، وقيل: كان قد أوتي النبوة، وكان مجاب الدعوة، بعثه الله إلى مدين يدعوهم إلى الإيمان، فأعطوه الأعطية الواسعة، فاتبع دينهم وترك ما بعث به، فلما أقبل موسى في بني إسرائيل لقتال الجبارين .. سأل الجبارون بلعم بن باعوراء أن يدعو على موسى، فقام ليدعو عليه فتحول لسانه على أصحابه، فقيل له في ذلك؟ فقال: لا أقدر على أكثر مما تسمعون، واندلع لسانه على صدره فقال: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والخديعة، وسأمكر لكم، وإنّي أرى أن تخرجوا إليهم فتياتكم، فإن الله يبغض الزنا، فإن وقعوا فيه هلكوا، فوقع بنوا إسرائيل في الزنا، فأرسل الله عليهم الطاعون، فمات منهم سبعون ألفا، وقيل: إنّ هذا الرجل اسمه باعم، وهو من بني إسرائيل، وقيل: المراد به أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان قد قرأ الكتب المتقدمة، وعلم أن الله مرسل رسولا في ذلك الوقت، فرجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل محمد ﷺ ، وشرفه الله بالنبوة .. حسده وكذبه، وكان أمية صاحب حكمة وشعر ومواعظ حسنة، فقصد بعض الملوك، فلما رجع مر على قتلى بدر فسأل عنهم؟ فقيل له: قتلهم محمد، فقال: لو كان نبيا ما قتل أقرباءه. فلما مات أمية .. أتت أخته فازعة إلى
стр. 4465
رسول الله ﷺ ، فسألها رسول الله ﷺ عن وفاة أخيها؟ فقالت: بينما هو راقد أتاه اثنان، فكشفا سقف البيت ونزلا، فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: أوعى؟ قال: وعي، قال أذكى؟ قال: أبى، قالت: فسألته عن ذلك؟ فقال: خير أريد بي، فصرف عني ثم غشى عليه فلما أفاق من غشيته قال شعرا:
كلّ عيش وإن تطاول دهرا ... صائر مرّة إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في قلال الجبال أرعى الوعولا
إنّ يوم الحساب يوم عظيم ... شاب فيه الصّغير يوما ثقيلا
فقال لها رسول الله ﷺ : أنشديني من شعر أخيك، فأنشدته بعض قصائده، فقال رسول الله ﷺ : «آمن شعره وكفر قلبه» فأنزل الله تعالى : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها ...﴾ الآية، وقيل نزلت في قريش، آتاهم الله آياته التي أنزلها على محمد ﷺ فكفروا بها، وقيل: نزلت في اليهود والنصارى، انتظروا خروج محمد ﷺ فكفروا به.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ...﴾ الآية. قال (١) مقاتل: إن رجلا دعا الله في صلاته، ودعا الرحمن، فقال بعض مشركي مكة - قال ابن الجوزي: هو أبو جهل - إن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يعبدون إلها واحدا، فما بال هذا يدعو اثنين؟ فأنزل الله هذه الآية: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ...﴾ أخرج (٢) أبو حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قام على الصفا ليلا، فجعل يدعو قريشا فخذا فخذا: يا بني فلان، يا بني فلان، إنّي لكم نذير مبين، وكان يحذرهم بأس الله ووقائعه، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون بات يهوت؛ أي: إلى الصباح، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ ...﴾ قال قتادة: قالت قريش لرسول الله ﷺ :
стр. 4466
إن بيننا وبينك قرابة، فأسر إلينا متى الساعة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وأخرج (١) ابن جرير وغيره عن ابن عباس قال: قال جبل بن أبي قشير وسموأل بن زيد لرسول الله ﷺ وهما من اليهود -: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا كما تقول، فإنا نعلم ما هي؟ فأنزل الله : ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ يعني عن خبر الساعة.
التفسير وأوجه القراءة
١٧٥ - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: واقرأ وقص يا محمد على هؤلاء اليهود النبأ العجيب ﴿نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾؛ أي: خبر الشخص الذي أعطيناه حجج توحيدنا، وأفهمناه دلائل قدرتنا، حتى صار عالما بها، وكان يعلم علوم الكتب المتقدمة، والتصرف بالاسم الأعظم، وهو أحد علماء بني إسرائيل على ما قيل، فكان يدعو به حيث شاء، فيجاب بعين ما طلب في الحال ﴿فَانْسَلَخَ﴾ وانسل وخرج ﴿مِنْها﴾؛ أي: من آياتنا، وتركها وراءه ظهريا، ولم يلتفت إليها ليهتدي بها؛ أي: انسلخ منها كما تنسلخ الحية من جلدها، بأن كفر بها، وأعرض عنها، وفي التعبير بالانسلاخ إيماء إلى أنّه كان متمكنا منها، ظاهرا لا باطنا ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾؛ أي: وبعد أن انسلخ منها باختياره أتبعه الشيطان ولحقه وأدركه واستحوذ عليه، وتمكن من الوسوسة إذ لم يبق لديه من نور البصيرة، ولا أمارات الهداية ما يحول بينه وبين قبول وسوسته، وسلوك فهمه.
وقرأ طلحة بخلاف، والحسن فيما روى عنه هارون: ﴿فاتبعه﴾ مشددا بمعنى تبعه، ﴿فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ أي فصار من الضالين المضلين المفسدين في الأرض، قال ابن عباس: هو بلعم بن باعوراء، كان عنده اسم الله الأعظم، وقال (٢) ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل، بعثه موسى إلى ملك مدين داعيا إلى الله، فرشاه الملك، وأعطاه الملك على أنّ يترك دين موسى، ويتابع الملك على دينه، ففعل وأضل الناس بذلك.
стр. 4467
والخلاصة: أنّه أوتي الهدى فانسلخ منه إلى الضلال، ومال إلى الدنيا، فتلاعب به الشيطان، وكانت عاقبته البوار والخذلان، وخاب في الآخرة والأولى.
١٧٦ - وفي الآية عبرة وعظة للمؤمنين، وتحذير لهم من اتباع أهوائهم، حتى لا ينزلقوا في مثل تلك الهوة التي انزلق إليها صاحب المثل بحبه للدنيا، وركونه إلى شهواتها ولذاتها، ﴿وَلَوْ شِئْنا﴾؛ أي: ولو أردنا أن نرفعه بتلك الآيات وبالعمل بها إلى درجات الكمال والعرفان ﴿لَرَفَعْناهُ﴾؛ أي: لرفعنا ذلك المنسلخ ﴿بِها﴾؛ أي: بتلك الآيات إلى درجات الكمال، ومنازل العلماء الأبرار، بأن نخلق له الهداية خلقا، ونلزمه العمل بها طوعا أو كرها، إذ لا يعجزنا ذلك ولكنه مخالف لسنتنا ﴿وَلكِنَّهُ﴾؛ أي: ولكن ذلك المنسلخ ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾؛ أي: أراد الخلود في الأرض، وركن إلى الدنيا، ومال إليها، وآثر لذاتها وشهواتها على الآخرة، وأصله من الخلود وهو الدوام والمقام، والأرض هنا عبارة عن الدنيا؛ لأنّ الأرض عبارة عن المفاوز والقفار، وفيها المدن والضياع، والمعادن والنبات، ومنها يستخرج ما يعاش به في الدنيا، فالدنيا كلها هي الأرض. ذكره في «الخازن» ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾؛ أي: واتبع ما تهواه نفسه، وجعل كل حظه من حياته التمتع من لذائذها الجسدية، ولم يوجه إلى الحياة الروحية عزما، وركب رأسه فلم يراع الاهتداء بشيء مما آتيناه من آياتنا، فخسر دنياه وآخرته، ووقع هاوية الردى والهلاك وانحط في أسفل سافلين، وقيل: المعنى: اتبع رضا زوجته، وكانت هي التي حملته على الانسلاخ من آيات الله تعالى.
وخلاصة ذلك (١): أنّ من شأن من يؤتى الآيات أن تسمو نفسه وتصعد في سلم الكمال، لما فيها من الهداية إلى سبيل الخير الحاضة على العمل النافع، وما فيه فائدة روحية له، على شريطة أن يتلقاها بعزيمة ونية صادقة، كما جاء في الحديث: «إنّما الأعمال بالنيات وإنّما لكل امرىء ما نوى». أما من تلقاها بغير
стр. 4468
قصد أو بنية كسب المال والجاه، وفي نفسه ما يصرفه عنها .. فلن يستفيد منها شيئا، وسرعان ما ينسلخ منها.
وهذه الآية من أشد الآيات على العلماء الذين يريدون بعلمهم الدنيا، وشهوات النفس، ويتبعون الهوى، وذلك لأنّ الله خص هذا الرجل بآياته وحكمته، وعلمه اسمه الأعظم، وجعل دعاءه مستجابا، ثم إنّه لما اتبع هواه، وركب إلى الدنيا، ورضي بها عوضا عن الآخرة .. نزع منه ما كان أعطيه، وانسلخ من الدين، فخسر الدنيا والآخرة، ومن الذي يسلم من الميل إلى الدنيا واتباع الهوى إلا من عصمه الله بالورع، وثبته بالعلم، وبصره بعيوب نفسه.
وعن كعب بن مالك الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه» أخرجه الترمذي. ثم ضرب الله تعالى مثلا لهذا الرجل الذي آتاه آياته فانسلخ منها واتبع هواه فقال: ﴿فَمَثَلُهُ﴾؛ أي: مثل هذا المنسلخ عن آيات الله تعالى وصفته في الدناءة والخسة، ولزوم حاله له ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾؛ أي: كصفة الكلب الذي صار لهث اللسان طبيعة له ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ أيها المخاطب؛ أي: إن تزجره وتطرده ﴿يَلْهَثْ﴾؛ أي: يخرج لسانه مع التنفس الشديد ﴿أَوْ تَتْرُكْهُ﴾؛ أي: تترك ذلك الكلب غير مطرود ﴿يَلْهَثْ﴾؛ أي: يخرج لسانه مع التنفس؛ أي: (١) إن شددت عليه وأجهدته لهث، أو تركته على حاله لهث، لأن اللهث طبيعة أصلية فيه، فكذلك حال الحريص على الدنيا، إن وعظته .. فهو حرص لا يقبل الوعظ ولا ينجع فيه، وإن تركته ولم تعظه .. فهو حريص أيضا؛ لأن الحرص على طلب الدنيا صار طبيعة له لازمة، كما أن اللهث طبيعة لازمة للكلب اه. «خازن».
وعبارة الشوكاني هنا قوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾؛ أي: (٢) فصار لما انسلخ عن الآيات ولم يعمل بها منحطا إلى أسفل رتبة، مشابها لأخس الحيوانات في الدناءة، مماثلا له في أقبح أوصافه، وهو أنه يلهث في كلا حالتي قصد
стр. 4469
الإنسان له وتركه فهو لاهث، سواء زجر أو ترك، طرد أو لم يطرد، شد عليه أو لم يشد عليه، وليس بعد هذا في الخسة والدناءة شيء، وجملة قوله: ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ في محل النصب على الحال؛ أي: مثله كمثل الكلب حال كونه متصفا بهذه الصفة، والمعنى: إن هذا المنسلخ عن الآيات لا يرعوى عن المعصية في جميع أحواله سواء وعظه الواعظ، وذكره المذكر، وزجره الزاجر، أو لم يقع شيء من ذلك، قال القتيبي: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب؛ فإنّه يلهث في حال الكلال، وحال الراحة، وحال المرض، وحال الصحة وحال الري، وحال العطش، فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته، فقال: إن وعظته ضل، وإن تركته ضل، فهو كالكلب، إن تركته لهث، وإن طردته لهث كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣)﴾، واللهث: إخراج اللسان لتعب أو عطش، أو غير ذلك مع التنفس الشديد، وقيل معنى الآية: إنك إذا حملت على الكلب نبح وولى هاربا، وإن تركته شد عليك ونبح فيتعب نفسه مقبلا عليك، ومدبرا عنك، فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان. انتهت.
والمعنى (١): أن هذا الرجل كالكلب في صفته هذه، وهي أقبح حالاته وأخسها، فهو لإخلاده وميله إلى الدنيا واتباعه هواه يكون كذلك في أسوء حال، فهو في هم دائب، وشغل شاغل في جمع عرض الدنيا وزخرفها - يعني بخسيس أمورها وجليلها - كشأن عباد الأهواء وطلاب الأموال، ترى المرء منهم كاللاهث من الإعياء والتعب، وإن كان ما يعنى به حقيرا لا يتعب ولا يعيي، وتراه كلما أصاب سعة وبسطة في الدنيا .. زاد طمعا فيها كما قال الأول:
فما قضى أحد منها لبانته ... ولا انتهى أرب إلّا إلى أرب
والإشارة بقوله: ﴿ذلِكَ﴾ إلى ما تقدم من التمثيل بتلك الحالة الخسيسة، وهو مبتدأ خبره قوله: ﴿مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾؛ أي: ذلك المثل الخسيس مثل القوم؛ أي: تلك الصفة الخسيسية الدنيئة المذكورة في المنسلخ عن
стр. 4470
آياتنا صفة ليست خاصة به، بل هي صفة عامة قائمة بجميع القوم الذين كذبوا بآياتنا من اليهود والمشركين وغيرهم، بعد أن علموا بها وعرفوها فحرفوا، وبدلوا وكتموا صفة محمد ﷺ ، وكذبوا بها، فعم (١) هذا المثل جميع من كذب بآيات الله تعالى وجحدها، فوجه التمثيل بينهم وبين الكلب اللاهث: أنّهم إذا جاءتهم الرسل ليهدوهم .. لم يهتدوا، وإن تركوهم لم يهتدوا أيضا، بل هم ضلال في كل حال.
أي (٢): ذلك المثل البالغ في الغرابة، مثل هؤلاء القوم الذين جحدوا بآياتنا واستكبروا عنها، جهلا بها وتقليدا للآباء والأجداد، فهم قد ظنوا أن إيمانهم بها يسلبهم العزة، ويحط من أقدارهم، ويحول بينهم وبين ما يستمتعون به من اللذات، فكان ذلك حجابا حائلا بينهم وبين النظر فيها نظر تبصر واستدلال، وإن كانوا نظروا إليها من تلك الناحية التي تروق لهم - وهي حرمانهم من التمتع بالحظوظ والشهوات - إلى ما فيها من الاعتراف بضلال السلف من الآباء والأجداد، فما أشبه حالهم، بحال من أوتي الآيات فانسلخ منها، وذلك ليس بعيب فيها، بل العيب عليه باتباعه هواه الذي حرمه من الانتفاع بها، قال بعضهم:
قد تنكر العين ضوء الشّمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم
﴿فَاقْصُصِ﴾ يا محمد على هؤلاء المكذبين لك من اليهود وغيرهم هذا ﴿الْقَصَصَ﴾ الذي هو صفة الرجل المنسلخ عن آياتنا؛ فإن مثله المذكور كمثل هؤلاء القوم المكذبين من اليهود الذين تقص عليهم، فالقصص مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي: أخبرهم هذا الخبر ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذلك، ويعملون فيه أفهامهم، فينزجرون عن الضلال، ويقبلون على الصواب.
قال أبو السعود (٣): وجملة الترجي في محل نصب على أنها حال من ضمير
стр. 4471
المخاطب، أو على أنّها مفعول له؛ أي: فاقصص القصص راجيا لتفكرهم، أو رجاء لتفكرهم. انتهى.
والخلاصة: فاقصص (١) أيها الرسول الكريم قصص ذلك الرجل الذي تشبه حاله حال أولئك المكذبين بما جئت به من الأيات البينات رجاء أن يتفكروا فيه، فيحملهم سوء حالهم، وقبح مثلهم على إطالة التأمل والتفكر في المخلص مما هم فيه، والنظر في الآيات بعين البصيرة لا بعين الهوى والعداوة، إذ هو من القصص الذي لا يعلمه إلا من درس الكتب، إذ هو من خفي أخبارهم، ففي إخبارك بذلك أعظم معجز.
١٧٧ - ﴿ساءَ﴾ وقبح من جهة كونه ﴿مَثَلًا﴾ وصفة مثل ﴿الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ بعد قيام الحجة عليها، وعلمهم بها وقوله: ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ معطوف على ﴿كَذَّبُوا﴾ فهو داخل مع حكم الصلة، أي: ساء مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، وكانوا يظلمون أنفسهم بذلك التكذيب؛ أي: الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله، وظلم أنفسهم خاصة؛ أي: ما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم لا يتعداها ظلمهم إلى غيرها ولا يتجاوزها.
والمعنى (٢): قبحت صفة أولئك القوم في الصفات، وساء مثلهم في الأمثال، بإعراضهم عن التفكر في الآيات، وبالنظر إليها نظر عداوة وبغضاء، وهم بعملهم هذا إنّما يظلمون أنفسهم وحدها بحرمانها من الاهتداء بها، وجعلها السبيل الموصلة إلى السعادة في الدنيا والآخرة، وقرأ (٣) الحسن وعيسى ابن عمر والأعمش ﴿ساء مثل﴾ بالرفع ﴿القوم﴾ بالجر، واختلف على الجحدري، فقيل: كقراءة الأعمش، وقيل بكسر الميم وسكون الثاء وضم اللام مضافا إلى القوم.
ولم يبين الكتاب الكريم اسم من ضرب به المثل ولا جنسه ولا وطنه، ولا جاء في السنة الصحيحة شيء من ذلك، فلا حاجة لنا في العظة إلى بيانه، ولرواة
стр. 4472
التفسير بالمأثور روايات كثيرة في شأنه كما ذكرنا في مبحث أسباب النزول، وبالجملة فهذه الروايات الإسرائيلية لا يعتد بها، وليست بحجة في بيانه.
١٧٨ - ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾؛ أي: من يوفقه الله تعالى لسلوك سبيل الهداية باستعماله عقله وحواسه فيما خلقا له، بمقتضى الفطرة وإرشاد الدين ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ الذي شكر نعم الله عليه، وأدى حقه عليه، ففاز بسعادة الدنيا وسعادة الآخرة، وفي (١) «السمين»: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ راعى لفظ ﴿مَنْ﴾ فأفرد، وراعى معناها في قوله: ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ فجمع، وياء ﴿الْمُهْتَدِي﴾ ثابتة عند جميع القراء لثبوتها في الرسم، وسيأتي لك خلاف في التي في الإسراء والكهف، وبحثها، وقال الواحدي: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ يجوز إثبات الياء فيه على الأصل، ويجوز حذفها استخفافا اه.
﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾؛ أي: ومن يخذله ويحرمه التوفيق، فيتبع شيطانه وهواه، ويترك استعمال عقله وحواسه في فقه آياته، وشكر ما أنعم به عليه ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾؛ أي: فهو الكفور الضال، الذي خسر سعادة الدنيا وسعادة الآخرة إذ هو قد خسر تلك المواهب التي كان بها إنسانا مستعدا للسعادتين الدنيوية والأخروية؛ أي: ﴿فَأُولئِكَ﴾ الموصوفون بالضلالة ﴿هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أي: الكاملون في الخسران في الدنيا والآخرة، فالهداية والضلالة من جهة الله تعالى، وإنما العظة والتذكير من جهة الوسائط العادية في حصول الاهتداء، من غير تأثير لها فيه سوى كونها دواعي إلى صرف العبد اختياره جهة تحصيله، كسائر أفعال العباد. ولا شك أن الهداية الإلهية نوع واحد وهو الإيمان الذي ثمرته العمل الصالح، أما أنواع الضلال فلا حصر لها، يرشد إلى ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
١٧٩ - ثم فصل سبحانه ما أجمله في الآية السالفة مع بيان سببه فقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد خلقنا في العالم ﴿كَثِيرًا مِنَ الْجِنِ
стр. 4473
وَالْإِنْسِ﴾؛ أي: خلقا كثيرا منهما لسكنى جهنم، والمقام فيها، وهم الذين حقت كلمة العذاب عليهم، وخلقنا للجنة مثل ذلك بمقتضى استعداد الفريقين كما قال: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ وقال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾. ومن خلقه للنار فلا حيلة له في الخلاص منها؛ أي: خلق خلقا كثيرا من النوعين لسكنى جهنم بحكم القبضة الإلهية حين قبض قبضة وقال: هذه للجنة ولا أبالي، وقبض قبضة وقال: هذه للنار ولا أبالي، وقوله: ﴿كَثِيرًا﴾ يؤخذ منه أن أهل النار أكثر من أهل الجنة، وهو كذلك لما ورد من أنه من كل ألف واحد للجنة والباقي للنار، ثم بين سبب كونهم معدين لجهنم، وصفاتهم المؤهلة لذلك فقال: ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لأولئك الكثير ﴿قُلُوبٌ﴾ وعقول ﴿لا يَفْقَهُونَ بِها﴾؛ أي: لا يعقلون ولا يفهمون بها الخير والهدى؛ أي: إنّهم لا يفقهون بقلوبهم ما تزكو به أنفسهم من توحيد الله، المبعد لها عن الخرافات والأوهام، وعن الذلة والصغار؛ فإن من يعبد الله تعالى وحده .. تسمو نفسه بمعرفته، فلا تذل بدعاء غيره، ولا الخوف منه ولا الرجاء فيه، والاتكال عليه، بل يطلب من الله ما يحتاج إليه، فإن كان مما أقدر الله عليه خلقه بإعلامهم بأسبابه، وتمكينهم منها .. طلبه بسببه مع مراعاة سننه في خلقه، وإن لم يكن كذلك .. توجه إلى الله لهدايته إلى العلم بما لم يعلم من سببه، وإقداره على ما يقدر عليه من وسائله، أو تسخير من شاء من خلقه لمساعدته عليه، كالأطباء لمداواة الأمراض، وأقوياء الأبدان لرفع الأثقال، والعلماء الراسخين للفتوى في المسائل العلمية، وحل إشكال ما غمض من حقيقتها.
﴿وَلَهُمْ﴾؛ أي: ولأولئك الكثير ﴿أَعْيُنٌ﴾ وأبصار ﴿لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ إبصار تأمل وتفكر في مصنوعات الله ﴿وَلَهُمْ آذانٌ﴾ وأسماع ﴿لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ سماع اعتبار واتعاظ في مصنوعاته؛ أي: فهم لا يفهمون بقلوبهم، ولا يبصرون بأعينهم، ولا يسمعون بآذانهم ما يرجع إلى مصالح الدين؛ أي: وكذلك لهم أبصار وأسماع لا يوجهونها إلى التأمل والتفكر فيما يرون من آيات الله في خلقه، وفيما يسمعون من آياته المنزلة على رسله، ومن أخبار التاريخ الدالة على سنته في خلقه، فيهتدوا بكل منها إلى ما فيه سعادتهم في دنياهم وآخرتهم، فالآذان إنّما خلقت للإنسان ليستفيد من كل ما يسمع، والأبصار إنّما خلقت لينتفع بكل ما يبصر، وإنّما يكون
стр. 4474
ذلك بتوجيه الإرادة والقصد إلى استعمال كل منهما فيما خلق له، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾.
وا أسفا للمسلمين أصبحوا اليوم أشد الناس إهمالا لاستعمال أسماعهم وأبصارهم وأفئدتهم في النظر في آيات الله في الأنفس والآفاق، وصاروا أجهل الشعوب بالعلوم التي تعرف بها آياته في مشاعر الإنسان، وانفعالاته النفسية، وقواه العقلية، وآياته في الحيوان والنبات، والجماد والهواء، والماء والبخار، وسنن النور والكهرباء، والعلوم الفلكية. ومن أصاب منهم حظا من معرفتها فإنّما يعرفها للانتفاع بها في الحياة الدنيا، من غير مراعاة أنّها آيات دالة على أن لها ربا خالقا مدبرا عليما قديرا رحيما، يجب أن يعبد وحده وأن يخشى ويحب فوق كل أحد، وأن تكون معرفته منتهى كل غاية من هذه الحياة ﴿أُولئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر من الصفات ﴿كَالْأَنْعامِ﴾ من إبل وبقر وغنم، فهم لا حظ لهم من عقولهم إلا استعمالها فيما يتعلق بمعيشهم في هذه الحياة. ﴿بَلْ هُمْ﴾؛ أي: بل هؤلاء الموصوفون بالصفات المذكورة ﴿أَضَلُّ﴾ وأجهل وأخطأ من الأنعام؛ لأنّها تعرف صاحبها وتطيعه، وهؤلاء الكفار لا يعرفون ربهم ولا يطيعونه؛ أي: بل هم أضل سبيلا منها، إذ هذه البهائم لا تجني على أنفسها بتجاوز سنن الفطرة وحدود الحاجة الطبيعية في أكلها وشربها، وجمع حاجاتها، لكن عبيد الشهوات يسرفون في كل ذلك إسرافا عظيما، قد تتوالد منه الأمراض الكثيرة، كما قد يجاهدون هذه الشهوات جهادا يفرطون فيه بحقوق البدن، فلا يعطونه ما يكفيه من الغذاء، ويقصرون في الحقوق الزوجية، فيجنون على أشخاصهم وعلى النوع كله بالتفريط، كما يجني عليهما عبيد الشهوات بالإفراط، وهداية الإسلام تحظر هذا وذاك، وتوجب الأكل من الطيبات بشرط عدم الإسراف، ولو سلكوا مسلك الإهتداء بالقرآن في فهم أسرار الخلق، ومعرفة منافعه .. لاستفادوا السعادة في معاشهم، والاستعداد لمعادهم ﴿أُولئِكَ﴾ المذكورون ﴿هُمُ الْغافِلُونَ﴾ والساهون عما فيه صلاحهم في الحياتين، أو عما أعد الله لأوليائه من الثواب، ولأعدائه
стр. 4475
من العقاب، وهم في الغفلة على درجات، فمنهم الغافلون عن آيات الله في الأنفس والآفاق التي تهدي العبد إلى معرفة ربه، والغافلون عن استعمال مشاعرهم وعقولهم في أفضل ما خلقت لأجله، والغافلون عن ضروريات حياتهم الشخصية والقومية والدينية.
والخلاصة: أنّ أهل النار هم الأغبياء الجاهلون الغافلون الذين لا يستعملون عقولهم في فقه حقائق الأمور، وأبصارهم وأسماعهم في استنباط المعارف، واستفادة العلوم، ولا في معرفة آيات الله الكونية، وآياته التنزيلية، وهما سبب كمال الإيمان والباعث النفسي على كمال الإسلام
١٨٠ - ﴿وَلِلَّهِ﴾ لا لغيره ﴿الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾؛ أي: الأسماء التي هي أحسن الأسماء وأجلها، لدلالتها على أحسن المعاني وأشرفها. ﴿فَادْعُوهُ﴾؛ أي: فادعو الله وسموه ونادوه ﴿بِها﴾؛ أي: بتلك الأسماء عند الدعاء لحوائجكم، وعند الذكر والثناء عليه، كأن تقول: يا الله يا رحمن يا رحيم؛ أي: فاذكروه ونادوه بها إما للثناء عليه نحو ﴿اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * ونحو: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ وإما لدى السؤال، وطلب الحاجات، وذكر الأسماء الحسنى في أربع سور من القرآن:
أولها: هذه السورة.
ثانيها: في آخر سورة الإسراء في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ﴾.
وثالثها: في أول طه في قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨)﴾.
رابعها: في آخر الحشر في قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾. اه. الخطيب.
وللذكر فوائد: منها تغذية الإيمان، ومراقبة الله تعالى، والخشوع له، والرغبة فيما عنده، واحتقار آلام الدنيا، وقلة المبالاة بما يفوت المؤمن من نعيمها، ومن ثم جاء في الحديث: «من نزل به غم أو كرب أو أمر مهم فليقل:
стр. 4476
لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش الكريم» رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
وروى الحاكم في «المستدرك» عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لفاطمة: «ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به؟ أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين».
وأسماء الله كثيرة، وكلها حسنى لدلالة كل منها على منتهى كمال معناه، وتفضيلها على ما يطلق منها على المخلوقين، كالرحيم والحكيم والحفيظ والعليم.
وروى الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن لله تسعة وتسعين اسما من حفظها .. دخل الجنة، والله وتر يحب الوتر».
وفي رواية: «من أحصاها» في رواية أخرى: «لله تسعة وتسعون اسما، مئة إلا واحدا، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر». قال البخاري: أحصاها: حفظها. وفي رواية الترمذي قال: قال رسول الله ﷺ «إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك القدوس، السلام المؤمن، المهيمن العزيز، الجبار المتكبر، الخالق البارىء المصور، الغفار القهار، الوهاب الرزاق، الفتاح العليم، القابض الباسط، الخافض الرافع، المعز المذل، السميع البصير، الحكم العدل، اللطيف الخبير، الحليم العظيم، الغفور الشكور، العلي الكبير، الحفيظ المقيت، الحسيب الجليل، الكريم الرقيب، المجيب الواسع، الحكيم الودود، المجيد الباعث، الشهيد الحق، الوكيل القوي، المتين الولي، الحميد المحصي، المبدىء المعيد، المحي المميت، الحي القيوم، الواجد الماجد، الواحد الصمد، القادر المقتدر، المقدم المؤخر، الأول الآخر، الظاهر الباطن، الوالي المتعال، البر التواب، المنتقم العفو،
стр. 4477
الرؤوف، مالك الملك ذو الجلال والإكرام، المقسط الجامع، الغني المغني، المانع الضار النافع، النور الهادي، البديع الباقي، الوارث الرشيد الصبور» وقد شرحت معاني هذه الأسماء كلها في كتابي «هدية الأذكياء على طيبة الأسماء منظومة الأسماء الحسنى» لرستم الحلبي، فراجعه إن شئت.
وقد اختلف (١) المحدثون في سرد هذه الأسماء، هل هو مرفوع أو مدرج في الحديث من بعض الرواة؟ والثاني هو الراجح، ومن ثم لم يخرجه الشيخان لتفرد الوليد بن مسلم به واحتمال الإدراج كما قاله الحافظ بن حجر في «الفتح».
﴿فَادْعُوهُ بِها﴾؛ أي: فادعوا (٢) بأسمائه التي سمى بها نفسه، أو سماه بها رسوله، ففيه دليل على أن أسماء الله تعالى توقيفية لا اصطلاحية، ومما يدل على صحة هذا القول ويؤكده أنّه يجوز أن يقال: يا جواد، ولا يجوز أن يقال: يا سخي، ويجوز أن يقال: يا عالم، ولا يجوز أن يقال: يا عاقل، ويجوز أن يقال: يا حكيم، ولا يجوز أن يقال: يا طبيب.
وللدعاء بها شروط: منها أن يعرف الداعي معاني الأسماء التي يدعو بها، ويستحضر في قلبه عظمة المدعو ، ويخلص النية في دعائه، مع كثرة التعظيم والتبجيل والتقديس لله، ويعزم المسألة مع رجاء الإجابة، ويعترف لله بالربوبية، وعلى نفسه بالعبودية، فإذا فعل العبد ذلك .. عظم موقع الدعاء، وكان له تأثير عظيم.
﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ تعالى؛ أي (٣): واتركوا أيها المؤمنون تسمية الذين يزيفون ويميلون عن الحق في أسمائه تعالى، الذين يسمونه بما لا توقيف فيه، يا سخي يا عاقل، أو بما يوهم معنى فاسدا، كقولهم: يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، أو لا تبالوا بإنكارهم ما سمى به نفسه، كقولهم: ما نعرف إلا رحمن اليمامة، أو: وذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على الأصنام،
стр. 4478
واشتقاق أسمائها منها، كاللات من الله، والعزى من العزيز، ولا توافقوهم عليه، أو: أعرضوا عنهم، فإنّ الله مجازيهم كما قال: ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: لأنّهم سيلقون جزاء عملهم، وتحل بهم العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، فاجتنبوا إلحادهم كيلا يصيبكم مثل ما يصيبهم، وهذا تهديد لمن ألحد في أسمائه تعالى، وهذا قبل الأمر بالقتال، فهو منسوخ بآية السيف، وقرأ حمزة يلحدون بفتح الياء والحاء هنا وفي فصلت والنحل، ووافقه عاصم والكسائي في النحل، يقال: لحد وألحد إذا مال عن الحق، وهي قراءة ابن وثاب والأعمش وطلحة وعيسى، وقرأ باقي السبعة بضم الياء وكسر الحاء فيهن من ألحد الرباعي.
فصل في الإلحاد في أسمائه تعالى وأقسامه
والإلحاد ضربان (١): إلحاد إلى الشرك بالله وهو ينافي الإيمان ويبطله، وإلحاد إلى الشرك بالأسباب كأن ينظر إليها مع الغفلة عن كونها من خلق الله وتسخيره، أو يعتقد أنّها مؤثرة بذاتها لا بفعله تعالى، وهذا يوهن عرا الإيمان، ولا يبطله.
والخلاصة: أن الإلحاد في أسمائه الحسنى أقسام:
١ - تسميته تعالى بما لم يسم به نفسه في كتابه أو ما صح من حديث رسوله ﷺ ، فقد اتفق أهل الحق على أن أسماءه وصفاته تعالى توقيفية؛ أي: تحتاج إلى إذن من الشارع لصحة إطلاقها عليه تعالى، وكل ما ورد في الكتاب والأحاديث الصحيحة دعاء ووصفا له، وإخبارا عنه، يصح إثباته له، ويمنع كل ما دلت على منعه، قال في «الكشاف»: كقول أهل البدو: يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يا سخي.
стр. 4479
٢ - ترك تسميته بما سمى به نفسه، أو وصفها به، أو ترك إسناد ما أسنده تعالى إلى نفسه من الأفعال، بناء على أن ذلك لا يليق به تعالى، أو أنّه يوهم نقصا في حقه، كأن هؤلاء الملحدين أعلم منه ومن رسوله ﷺ بما يليق به وما لا يليق.
٣ - تغيير أسمائه بوضعها لغيره مما عبد من دونه، كاللات والعزى.
٤ - تحريف أسمائه وصفاته تعالى عما وضعت له بضرب من التأويل، فقد ذهب جماعة من المسلمين إلى جعل الرب القدوس الذي ليس كمثله شيء كرجل من خلقه؛ لأنّه تعالى وصف نفسه بصفات يدل مجموعها على ذلك، كالسمع والبصر والكلام، والوجه، واليد، والرجل، والضحك، والرضا والغضب، وذهبوا إلى تأويل جميع صفاته تعالى حتى جعلوها كالعدم.
٥ - إشراك غيره فيما هو خاص به من أسمائه باللفظ، كاسم الجلالة الله، والرحمن، ورب العالمين، وما في معناه كرب السماء والأرض، أو رب الكعبة أو رب البيت (الكعبة) كما قال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣)﴾.
٦ - إشراك غيره في كمال أسمائه، كمن يزعم أو يعتقد أن لغيره تعالى رحمة كرحمته، ورأفة كرأفته، وغير ذلك من معاني أسمائه، كالمجيب مثلا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ﴾.
وبعض الذين يدعون غير الله تعالى من الموتى يعتقدون أنّهم أسرع وأقرب في إجابتهم من الله تعالى، فيجمعون بذلك بين شركين، شرك دعاء غير الله مع اعتقاد إجابته، وشرك الكفر بتفضيل غيره عليه سبحانه في سرعة الإجابة مع أن الله يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ﴾؛ أي: لا يجيب المضطر إلا هو، فهو المستحق وحده للعبادة
١٨١ - ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ﴾؛ أي: جماعة وعصابة كثيرة ﴿يَهْدُونَ﴾ الناس ويدلونهم على الاستقامة حالة كونهم ملتبسين ﴿بِالْحَقِّ﴾ والعدل والصواب ﴿وَبِهِ﴾؛ أي: وبالحق ﴿يَعْدِلُونَ﴾؛ أي: يحكمون بين الناس في الحكومات والخصومات الجارية فيما بينهم، ولا يجورون فيها، والمعنى: وبالحق خاصة يجعلون الأمور متعادلة، لا
стр. 4480
زيادة في شيء منها على ما ينبغي، ولا نقص، لأنّا وفقناهم فكشفنا عن أبصارهم حجاب الغفلة التي ألزمناها أولئك المتقدمين، والمعنى (١): ويكون ممن خلقنا جماعة كبيرة مؤلفة من شعوب وقبائل كثيرة يهدون الناس بالحق، ويدلونهم على الاستقامة، وبالحق يحكمون في الحكومات التي تجري بينهم، ولا يجورون في حكمهم، فسبيلهم واحدة؛ لأن الحق واحد لا يتعدد، وهؤلاء هم أمة محمد ﷺ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن جريج في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ قال: ذكر لنا أن النبي ﷺ قال: «هذه أمتي بالحق يحكمون ويقضون ويأخذون ويعطون»، وأخرج عبد الله بن حميد وابن المنذر عن قتادة فيها قال: بلغنا أنّ النبي ﷺ كان يقول إذا قرأها: «وهذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها» ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾.
وأخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال: لتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة، يقول تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾ فهذه هي التي تنجو من هذه الأمة.
وروى الشيخان عن معاوية قال - وهو يخطب -: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» وفي الآية دليل على أنه لا يخلو زمان من قائم بالحق يعمل به، ويهدي إليه.
١٨٢ - ثم لما بين حال هذه الأمة الصالحة .. بين حال من يخالفهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ القرآنية والكونية التي جاء بها محمد ﷺ ، وهم جميع أنواع الكفرة من المشركين واليهود والنصارى وغيرهم ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾؛ أي: سنأخذهم قليلا قليلا ﴿مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: من حيث لا يحتسبون الهلاك والأخذ ولا يظنونه، وقيل معناه (٢): سنقربهم إلى ما يهلكهم، ويضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون
стр. 4481
ما يراد بهم؛ لأنّهم كانوا إذا أتوا بجرم، أو أقدموا على ذنب .. فتح الله عليهم من أبواب الخير والنعمة في الدنيا، فيزدادون بذلك تماديا في الغي والضلال، ويتدرجون في الذنوب والمعاصي، فيأخذهم الله أخذة واحدة أغفل ما يكونون عليه، والمعنى: أي: والذين كذبوا بآيات الله، ولم يؤمنوا بها سندعهم ونتركهم يسترسلون ويستمتعون في غيهم وضلالهم، لا يدرون شيئا من عاقبة أمرهم لجهلهم سنن الله تعالى في المنازعة بين الحق والباطل، وأن الحق يدفع الباطل، وما ينفع الناس يتغلب على ما يضرهم، كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ وقال: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾.
وقد صدق الله وعده، فقد كان كفار قريش وصناديدها يبالغون في عداوة النبي ﷺ اغترارا بكثرتهم وثروتهم، لا يعتدون به ولا بغيره ممن آمن به أولا، وأكثرهم من الضعفاء الفقراء، فما زالوا يتدرجون في عداوتهم له، وقتالهم إياه حتى أظهره الله تعالى عليهم في غزوة بدر، فلم يعتبروا، ثم زادهم غرورا تغلبهم عليه آخر معركة أحد، حتى قال أبو سفيان يوم بيوم بدر، إلى أن كان الفتح الأعظم فتح مكة، فأظهر رسوله ﷺ ومن اتبعه عليهم من حيث لا يعلمون سننه تعالى.
وأثر عن عمر ﵁ أنه قال: لما حملت إليه كنوز كسرى: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا، فإني سمعتك تقول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ وقرأ بعضهم: سيستدرجهم بالياء فيحتمل أن يكون الفاعل الله سبحانه، وهو التفات من التكلم إلى الغيبة، وأن يكون الفاعل ضمير التكذيب المفهوم من قوله: ﴿كَذَّبُوا﴾.
١٨٣ - ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾؛ أي: وأمهل لهؤلاء المكذبين المستدرجين في العمر، وأمد لهم في أسباب المعيشة، والتدرب على الحرب بمقتضى سنني في نظام الاجتماع البشري، كيدا لهم ومكرا بهم، لا حبا فيهم، ونصرا لهم، كما قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ وروى الشيخان من حديث أبي موسى: «إن الله ليمد للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته».
стр. 4482
وخلاصة ذلك: أنّ سنة الله قد مضت في الأمم والأفراد بأن يكون عقابهم بمقتضى الأسباب التي قام بها نظام الخلق، فالظالم إذا لم ينزل به العقاب عقب ظلمه ازداد بغيا وظلما، ولا يحسب للعواقب حسابا، فيسترسل في ظلمه إلى أن تحيق عاقبة ظلمه في الدنيا بأخذ الحكام له، أو بوقوعه في المصائب والمهالك، وله في الآخرة عذاب النار، وبئس القرار.
﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾؛ أي: إنّ استدراجي ومكري وأخذي قوي لا يدافع بقوة، ولا بحيلة، وسمى العذاب كيدا لأنّ ظاهره إحسان ولطف، وباطنه خذلان وقهر، وقرأ عبد الحميد عن ابن عامر: ﴿أن كيدي﴾ بفتح الهمزة على معنى: لأجل أن كيدي. وقرأ الجمهور بكسرها على الاستئناف،
١٨٤ - والهمزة في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف تقديره: أكذبوا بآياتنا ولم يتفكروا فيها فيعلموا ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ محمد ﷺ ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾؛ أي: شيء من جنون؛ أي: أكذبوا الرسول ولم يتفكروا في حاله من بدء نشأته، وفي حقيقة دعوته، ودلائل رسالته، وآيات وحدانية الله وقدرته على إعادة خلقه كما بدأهم.
إنّهم إن تفكروا في ذلك مليا .. أوشكوا أن يعرفوا الحق، وما الحق إلا أن صاحبهم ليس به جنة، وقد حكى الكتاب الكريم أنّهم رموه بالجنون كقوله في كفار مكة: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠)﴾، وقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾ وقوله: ﴿أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾.
وعبر عنه ﷺ بصاحبهم للإعلام بأن طول مصاحبتهم له ﷺ مما يطلعهم على نزاهته ﷺ عن شائبة الجنون.
وقد جرت عادة الكفار أن يرموا رسلهم بالجنون؛ لأنّهم ادعوا أن الله خصهم برسالته ووحيه على كونهم بشرا كغيرهم، لا يمتازون من سائر الناس بزعمهم؛ ولأنّهم ادعوا ما لم يعهد له نظير عندهم، فقد حكى الله عن قوم نوح أنّهم اتهموه بالجنون فقالوا: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾.
стр. 4483
وقال في شأنهم: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩)﴾. وقال حكاية عن فرعون في موسى ﵇: ﴿قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾. وقد بين سبحانه ذلك على وجه عام فقال: ﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾. ﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: ما صاحبكم محمد ﷺ ﴿إِلَّا﴾ رسول ﴿نَذِيرٌ﴾؛ أي: مخوف من عذاب الله لمن كذب به ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: مظهر لهم في التخويف بلغة يعرفونها؛ أي: إنّه ليس بمجنون بل هو منذر ناصح، ومبلغ عن الله تعالى، فهو ينذركم ما يحل بكم من عذاب الدنيا والآخرة إذا لم تستجيبوا له، وقد دعاكم إلى ما فيه صلاحكم في الدنيا بجمع الكلمة، وصلاح حال الفرد والمجتمع، والسيادة على من سواكم، وصلاحكم في الآخرة بلقاء ربكم وأنتم في جنان النعيم.
ولو تأمل مشركوا مكة في نشأته ﷺ وما جربوا من أمانته وصدقه - إلى أن اكتهل، ثم تفكروا فيما قام يدعوهم إليه من توحيد الله وعبادته وحده، وما دعاهم إليه من إصلاح في حالهم الدينية والمدنية والاجتماعية .. لعلموا أن هذا كله لا يصدر من مجنون، بل الذي يقتضيه العقل، ويسرع إليه الفكر أن هذا ليس من رأي ذلك النبي الأمي الناشىء بين الأميين، وأنّ ما أقامه من الحجج والبراهين العقلية والكونية على ما يدعي لا يصدر ممن لم يناظر، ولم يفاخر، ولم يجادل أحدا فيما مضى، إن هو إلا وحي من الله ألقاه في روعه، ونزل من لدنه على روح القدس، والله يختص بفضله ورحمته من يشاء، وهو ذو الفضل العظيم.
١٨٥ - والهمزة في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ للاستفهام التوبيخي التعجبي، داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف تقديره: أكذبوا الرسول الذي علموا صدقة وأمانته وقالوا: إنه مجنون، وهو الذي شهر لديهم بالروية والعقل، ولم ينظروا نظرة تأمل واستدلال في هذا الكون العظيم من السموات والأرض، فيروا ذلك النظام البديع فيهما الدال على القدرة الباهرة والحكمة الظاهرة ﴿وَ﴾ لم ينظروا في ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ﴾ فيهما ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من الأجناس التي لا يحصرها عدد، وإن دق وصغر، فإنّهم لو تأملوا
стр. 4484
في كل ذلك .. لرأوا آثار قدرته وعلمه وفضله ورحمته، وأنّه لم يخلق شيئا من ذلك عبثا، ولا ترك الناس سدى، إنّ كل ذرة فيهما لدليل لائح على الصانع المجيد، وسبيل واضح إلى التوحيد.
وفي كلّ شيء له آية ... تدلّ على أنّه الواحد
إنهم لو نظروا في شيء من ملكوت السموات والأرض .. لاهتدوا بدلائله إلى تصديق الرسول ﷺ وقوله: ﴿وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ معطوف (١) على ﴿مَلَكُوتِ السَّماواتِ﴾ و ﴿أَنْ﴾ مصدرية أو مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وكذا اسم ﴿يَكُونَ﴾ ضمير الشأن، والمعنى: أو لم ينظروا في اقتراب آجالهم، وتوقع حلولها، فيسارعون إلى طلب الحق، والتوجه إلى ما ينجيهم قبل مغافصة (٢) الموت، ونزول العذاب، فإنهم لو نظروا في توقع قرب آجالهم وقدومهم على ربهم بسوء عملهم .. لاحتاطوا لأنفسهم، ورأوا أنّ من الحكمة أن يقبلوا إنذاره ﷺ لهم، فما جاءهم به لا ينكرون أنّه خير لهم في الدنيا، وخير لهم في الآخرة إذا صدق ما يقرره من أمر البعث والجزاء، وهو صدق وحق لا شك فيه.
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ وكتاب ﴿بَعْدَهُ﴾؛ أي: بعد القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: يصدقون إن لم يؤمنوا به، وهو أكمل كتب الله تعالى بيانا، وأقواها برهانا، فمن لم يؤمن به .. فلا مطمع في إيمانه بغيره، وقوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ وهي جملة استفهامية سيقت للعجب؛ أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث .. فكيف يؤمنون بغيره.
والمعنى (٣): فبأي كتاب بعد الكتاب الذي جاء به محمد ﷺ يصدقون إن لم يصدقوا به، وليس بعد محمد نبي، ولا بعد كتابه كتاب؛ لأنّه خاتم الأنبياء، وكتابه آخر الكتب لانقطاع الوحي بعد محمد ﷺ ؟
١٨٦ - ثم ذكر علة إعراضهم عن الإيمان فقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾؛ أي: من يرد الله إضلاله عن الحق والصواب: ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾؛ أي: فلا مرشد له إلى الحق، فإنّ إعراضهم
стр. 4485
عن الإيمان لإضلال الله إياهم؛ أي: إن الله تعالى قد جعل هذا الكتاب أعظم أسباب الهداية للمتقين لا للجاحدين المعاندين، وجعل الرسول المبلغ له أقوى الرسل برهانا، وأكملهم عقلا وأجملهم أخلاقا، فمن فقد الاستعداد للإيمان بهذا الكتاب وهذا الرسول .. فهو الذي أضله الله؛ أي: هو الذي قضت سنته في خلق الإنسان، وارتباط أعماله بأسباب تترتب عليها مسبباتها، بأن يكون ضالا راسخا في الضلال، وإذا كان ضلاله بمقتضى تلك السنن .. فمن يهديه من بعد الله؟ ولا قدرة لأحد من خلقه على تغيير تلك السنن وتبديلها ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾؛ أي: وهو يذر هؤلاء الضالين ويتركهم ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ وضلالهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ أي: يتحيرون يترددون حيرة، ولا يهتدون سبيلا للخروج مما هم فيه، بما كسبت أيديهم من الطغيان، وتجاوز الحد في الظلم والفجور.
والخلاصة (١): أنّه ليس معنى إضلال الله لهم أنّه أجبرهم على الضلال وأعجزهم بقدرته عن الهدى، فكان ضلالهم جبرا لا اختيارا، بل المراد أنّهم لما مرنت قلوبهم على الكفر والضلال، وأسرفوا فيهما حتى وصلوا إلى حد العمه في الطغيان .. فقدوا بهذه الأعمال الاختيارية ما يضادها من الهدى والإيمان، فأصبحت نفوسهم لا تستنير بالهدى، وقلوبهم لا ترعوي لدى الذكرى ﴿كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾.
وقرأ الحسن (٢) وقتادة وأبو عبد الرحمن وأبو جعفر والأعرج وشيبة ونافع وابن كثير وابن عامر: ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ بالنون ورفع الراء، وأبو عمرو وعاصم: بالياء ورفع الراء، وهو استئناف إخبار قطع أو أضمر قبله نحن، فيكون جملة اسمية، وقرأ ابن مصرف والأعمش والأخوان - حمزة والكسائي - وأبو عمرو فيما ذكر أبو حاتم: بالياء والجزم، وروى خارجة عن نافع: بالنون والجزم، وخرج سكون الراء على وجهين:
أحدهما: أنّه سكن لتوالي الحركات، كقراءة: ﴿وما يشعركم وينصركم﴾ فهو مرفوع.