← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

ما يراد بهم؛ لأنّهم كانوا إذا أتوا بجرم، أو أقدموا على ذنب .. فتح الله عليهم من أبواب الخير والنعمة في الدنيا، فيزدادون بذلك تماديا في الغي والضلال، ويتدرجون في الذنوب والمعاصي، فيأخذهم الله أخذة واحدة أغفل ما يكونون عليه، والمعنى: أي: والذين كذبوا بآيات الله، ولم يؤمنوا بها سندعهم ونتركهم يسترسلون ويستمتعون في غيهم وضلالهم، لا يدرون شيئا من عاقبة أمرهم لجهلهم سنن الله تعالى في المنازعة بين الحق والباطل، وأن الحق يدفع الباطل، وما ينفع الناس يتغلب على ما يضرهم، كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ﴾ وقال: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾. وقد صدق الله وعده، فقد كان كفار قريش وصناديدها يبالغون في عداوة النبي ﷺ اغترارا بكثرتهم وثروتهم، لا يعتدون به ولا بغيره ممن آمن به أولا، وأكثرهم من الضعفاء الفقراء، فما زالوا يتدرجون في عداوتهم له، وقتالهم إياه حتى أظهره الله تعالى عليهم في غزوة بدر، فلم يعتبروا، ثم زادهم غرورا تغلبهم عليه آخر معركة أحد، حتى قال أبو سفيان يوم بيوم بدر، إلى أن كان الفتح الأعظم فتح مكة، فأظهر رسوله ﷺ ومن اتبعه عليهم من حيث لا يعلمون سننه تعالى. وأثر عن عمر ﵁ أنه قال: لما حملت إليه كنوز كسرى: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا، فإني سمعتك تقول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾ وقرأ بعضهم: سيستدرجهم بالياء فيحتمل أن يكون الفاعل الله سبحانه، وهو التفات من التكلم إلى الغيبة، وأن يكون الفاعل ضمير التكذيب المفهوم من قوله: ﴿كَذَّبُوا﴾. ١٨٣ - ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾؛ أي: وأمهل لهؤلاء المكذبين المستدرجين في العمر، وأمد لهم في أسباب المعيشة، والتدرب على الحرب بمقتضى سنني في نظام الاجتماع البشري، كيدا لهم ومكرا بهم، لا حبا فيهم، ونصرا لهم، كما قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ وروى الشيخان من حديث أبي موسى: «إن الله ليمد للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته».

стр. 4482

وخلاصة ذلك: أنّ سنة الله قد مضت في الأمم والأفراد بأن يكون عقابهم بمقتضى الأسباب التي قام بها نظام الخلق، فالظالم إذا لم ينزل به العقاب عقب ظلمه ازداد بغيا وظلما، ولا يحسب للعواقب حسابا، فيسترسل في ظلمه إلى أن تحيق عاقبة ظلمه في الدنيا بأخذ الحكام له، أو بوقوعه في المصائب والمهالك، وله في الآخرة عذاب النار، وبئس القرار. ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾؛ أي: إنّ استدراجي ومكري وأخذي قوي لا يدافع بقوة، ولا بحيلة، وسمى العذاب كيدا لأنّ ظاهره إحسان ولطف، وباطنه خذلان وقهر، وقرأ عبد الحميد عن ابن عامر: ﴿أن كيدي﴾ بفتح الهمزة على معنى: لأجل أن كيدي. وقرأ الجمهور بكسرها على الاستئناف، ١٨٤ - والهمزة في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف تقديره: أكذبوا بآياتنا ولم يتفكروا فيها فيعلموا ﴿ما بِصاحِبِهِمْ﴾ محمد ﷺ ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾؛ أي: شيء من جنون؛ أي: أكذبوا الرسول ولم يتفكروا في حاله من بدء نشأته، وفي حقيقة دعوته، ودلائل رسالته، وآيات وحدانية الله وقدرته على إعادة خلقه كما بدأهم. إنّهم إن تفكروا في ذلك مليا .. أوشكوا أن يعرفوا الحق، وما الحق إلا أن صاحبهم ليس به جنة، وقد حكى الكتاب الكريم أنّهم رموه بالجنون كقوله في كفار مكة: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠)﴾، وقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾ وقوله: ﴿أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾. وعبر عنه ﷺ بصاحبهم للإعلام بأن طول مصاحبتهم له ﷺ مما يطلعهم على نزاهته ﷺ عن شائبة الجنون. وقد جرت عادة الكفار أن يرموا رسلهم بالجنون؛ لأنّهم ادعوا أن الله خصهم برسالته ووحيه على كونهم بشرا كغيرهم، لا يمتازون من سائر الناس بزعمهم؛ ولأنّهم ادعوا ما لم يعهد له نظير عندهم، فقد حكى الله عن قوم نوح أنّهم اتهموه بالجنون فقالوا: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾.

стр. 4483

وقال في شأنهم: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩)﴾. وقال حكاية عن فرعون في موسى ﵇: ﴿قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾. وقد بين سبحانه ذلك على وجه عام فقال: ﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾. ﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: ما صاحبكم محمد ﷺ ﴿إِلَّا﴾ رسول ﴿نَذِيرٌ﴾؛ أي: مخوف من عذاب الله لمن كذب به ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: مظهر لهم في التخويف بلغة يعرفونها؛ أي: إنّه ليس بمجنون بل هو منذر ناصح، ومبلغ عن الله تعالى، فهو ينذركم ما يحل بكم من عذاب الدنيا والآخرة إذا لم تستجيبوا له، وقد دعاكم إلى ما فيه صلاحكم في الدنيا بجمع الكلمة، وصلاح حال الفرد والمجتمع، والسيادة على من سواكم، وصلاحكم في الآخرة بلقاء ربكم وأنتم في جنان النعيم. ولو تأمل مشركوا مكة في نشأته ﷺ وما جربوا من أمانته وصدقه - إلى أن اكتهل، ثم تفكروا فيما قام يدعوهم إليه من توحيد الله وعبادته وحده، وما دعاهم إليه من إصلاح في حالهم الدينية والمدنية والاجتماعية .. لعلموا أن هذا كله لا يصدر من مجنون، بل الذي يقتضيه العقل، ويسرع إليه الفكر أن هذا ليس من رأي ذلك النبي الأمي الناشىء بين الأميين، وأنّ ما أقامه من الحجج والبراهين العقلية والكونية على ما يدعي لا يصدر ممن لم يناظر، ولم يفاخر، ولم يجادل أحدا فيما مضى، إن هو إلا وحي من الله ألقاه في روعه، ونزل من لدنه على روح القدس، والله يختص بفضله ورحمته من يشاء، وهو ذو الفضل العظيم. ١٨٥ - والهمزة في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ للاستفهام التوبيخي التعجبي، داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف تقديره: أكذبوا الرسول الذي علموا صدقة وأمانته وقالوا: إنه مجنون، وهو الذي شهر لديهم بالروية والعقل، ولم ينظروا نظرة تأمل واستدلال في هذا الكون العظيم من السموات والأرض، فيروا ذلك النظام البديع فيهما الدال على القدرة الباهرة والحكمة الظاهرة ﴿وَ﴾ لم ينظروا في ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ﴾ فيهما ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من الأجناس التي لا يحصرها عدد، وإن دق وصغر، فإنّهم لو تأملوا

стр. 4484

في كل ذلك .. لرأوا آثار قدرته وعلمه وفضله ورحمته، وأنّه لم يخلق شيئا من ذلك عبثا، ولا ترك الناس سدى، إنّ كل ذرة فيهما لدليل لائح على الصانع المجيد، وسبيل واضح إلى التوحيد. وفي كلّ شيء له آية ... تدلّ على أنّه الواحد إنهم لو نظروا في شيء من ملكوت السموات والأرض .. لاهتدوا بدلائله إلى تصديق الرسول ﷺ وقوله: ﴿وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ معطوف (١) على ﴿مَلَكُوتِ السَّماواتِ﴾ و ﴿أَنْ﴾ مصدرية أو مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وكذا اسم ﴿يَكُونَ﴾ ضمير الشأن، والمعنى: أو لم ينظروا في اقتراب آجالهم، وتوقع حلولها، فيسارعون إلى طلب الحق، والتوجه إلى ما ينجيهم قبل مغافصة (٢) الموت، ونزول العذاب، فإنهم لو نظروا في توقع قرب آجالهم وقدومهم على ربهم بسوء عملهم .. لاحتاطوا لأنفسهم، ورأوا أنّ من الحكمة أن يقبلوا إنذاره ﷺ لهم، فما جاءهم به لا ينكرون أنّه خير لهم في الدنيا، وخير لهم في الآخرة إذا صدق ما يقرره من أمر البعث والجزاء، وهو صدق وحق لا شك فيه. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ وكتاب ﴿بَعْدَهُ﴾؛ أي: بعد القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: يصدقون إن لم يؤمنوا به، وهو أكمل كتب الله تعالى بيانا، وأقواها برهانا، فمن لم يؤمن به .. فلا مطمع في إيمانه بغيره، وقوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ وهي جملة استفهامية سيقت للعجب؛ أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث .. فكيف يؤمنون بغيره. والمعنى (٣): فبأي كتاب بعد الكتاب الذي جاء به محمد ﷺ يصدقون إن لم يصدقوا به، وليس بعد محمد نبي، ولا بعد كتابه كتاب؛ لأنّه خاتم الأنبياء، وكتابه آخر الكتب لانقطاع الوحي بعد محمد ﷺ ؟ ١٨٦ - ثم ذكر علة إعراضهم عن الإيمان فقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾؛ أي: من يرد الله إضلاله عن الحق والصواب: ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾؛ أي: فلا مرشد له إلى الحق، فإنّ إعراضهم

стр. 4485

عن الإيمان لإضلال الله إياهم؛ أي: إن الله تعالى قد جعل هذا الكتاب أعظم أسباب الهداية للمتقين لا للجاحدين المعاندين، وجعل الرسول المبلغ له أقوى الرسل برهانا، وأكملهم عقلا وأجملهم أخلاقا، فمن فقد الاستعداد للإيمان بهذا الكتاب وهذا الرسول .. فهو الذي أضله الله؛ أي: هو الذي قضت سنته في خلق الإنسان، وارتباط أعماله بأسباب تترتب عليها مسبباتها، بأن يكون ضالا راسخا في الضلال، وإذا كان ضلاله بمقتضى تلك السنن .. فمن يهديه من بعد الله؟ ولا قدرة لأحد من خلقه على تغيير تلك السنن وتبديلها ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾؛ أي: وهو يذر هؤلاء الضالين ويتركهم ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ وضلالهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ أي: يتحيرون يترددون حيرة، ولا يهتدون سبيلا للخروج مما هم فيه، بما كسبت أيديهم من الطغيان، وتجاوز الحد في الظلم والفجور. والخلاصة (١): أنّه ليس معنى إضلال الله لهم أنّه أجبرهم على الضلال وأعجزهم بقدرته عن الهدى، فكان ضلالهم جبرا لا اختيارا، بل المراد أنّهم لما مرنت قلوبهم على الكفر والضلال، وأسرفوا فيهما حتى وصلوا إلى حد العمه في الطغيان .. فقدوا بهذه الأعمال الاختيارية ما يضادها من الهدى والإيمان، فأصبحت نفوسهم لا تستنير بالهدى، وقلوبهم لا ترعوي لدى الذكرى ﴿كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾. وقرأ الحسن (٢) وقتادة وأبو عبد الرحمن وأبو جعفر والأعرج وشيبة ونافع وابن كثير وابن عامر: ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ بالنون ورفع الراء، وأبو عمرو وعاصم: بالياء ورفع الراء، وهو استئناف إخبار قطع أو أضمر قبله نحن، فيكون جملة اسمية، وقرأ ابن مصرف والأعمش والأخوان - حمزة والكسائي - وأبو عمرو فيما ذكر أبو حاتم: بالياء والجزم، وروى خارجة عن نافع: بالنون والجزم، وخرج سكون الراء على وجهين: أحدهما: أنّه سكن لتوالي الحركات، كقراءة: ﴿وما يشعركم وينصركم﴾ فهو مرفوع.

стр. 4486

والآخر: أنّه مجزوم عطفا على محل ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾؛ فإنه في موضع جزم، فصار مثل قوله: ﴿فهو خير لكم ونكفر﴾: في قراءة من قرأ بالجزم، في (راء) و ﴿نكفر﴾، ١٨٧ - ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾؛ أي: يسألك يا محمد كفار قريش سؤال استهزاء وسخرية ﴿عَنِ السَّاعَةِ﴾؛ أي: عن وقت قيام الساعة ومجيء القيامة، والساعة من الأسماء الغالبة، كالنجم للثريا، وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة على حين غفلة من الناس، أو لأنّ حساب الخلق يقضي فيها في ساعة واحدة، أو لأنّها مع طولها في نفسها عند الخلق كساعة من الساعات عند الله. وهذا كلام مستأنف مسوق لبيان بعض أنواع ضلالهم وطغيانهم؛ أي: يسألونك عن الساعة بقولهم ﴿أَيَّانَ مُرْساها﴾؛ أي: متى إرساؤها ووقوعها وحصولها، وكأنه شبهها بالسفينة القائمة في البحر تشبيها للمعاني بالأجسام، والساعة الوقت الذي تموت فيها الخلائق، وقرأ الجمهور: ﴿أَيَّانَ﴾ بفتح الهمزة، والسلمي بكسرها حيث وقعت، وهي لغة قومه بني سليم. ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد في جواب سؤالهم ﴿إِنَّما عِلْمُها﴾؛ أي: علم وقت مجيئها كائن ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾ سبحانه قد انفرد بعلمها، بحيث لم يخبر به أحدا من ملك مقرب، أو نبي مرسل؛ أي: ما علمها حاصل إلا عند الله ، والمعنى: يسألونك أيها الرسول عن الساعة يقولون: متى إرساؤها واستقرارها؟ - والسائلون هم قريش - لأنّ السورة مكية ولم يكن في مكة أحد من اليهود، وسؤالهم عن هذا الوقت استبعاد منهم لوقوعه، وتكذيب بوجوده، كما جاء حكاية عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨)﴾ وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾. وفي التعبير عن زمن وقوعها - بالإرساء الدال على استقرار ما شأنه الحركة والاضطراب - إيماء إلى أنّ قيام الساعة هو انتهاء أمر هذا العالم، وانقضاء عمر هذه الأرض التي تدور بما فيها من العوالم المتحركة المضطربة ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾؛ أي: قل إن علم الساعة عند ربي وحده، لا عندي ولا عند غيري من الخلق، وقد جاء بمعنى الآية قوله: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها﴾ وقوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣)

стр. 4487

إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤)﴾ وفي قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾ إشارة إلى أنّ ما هو من شأن الرب لا يكون للعبد، فالله قد أعد نبيه ليكون منذرا ومبشرا، والإنذار إنّما يكون بالساعة وأهوالها، لا للإخبار عن الغيوب بأعيانها وأوقاتها، إذ تحديد ذلك ينافي هذه الفائدة، بل فيه مفاسد، إذ لو وقت الرسول ميعاد الساعة بتاريخ معين لاستهزأ به المكذبون، ولألحوا في تكذيبه، وازدادوا ارتيابا، حتى إذا ما وقع الأجل وقع المؤمنون في رعب عظيم، ينغص عليهم حياتهم، ويشنج أعصابهم، فلا يستطيعون عملا، ولا يستسيغون طعاما ولا شرابا، ويسخر الكافرون من المؤمنين. والخلاصة: أن هناك حكمة بالغة في إبهام أمر الساعة العامة للعالم، والساعة الخاصة بالأفراد والأمم والأجيال يجعلها من الغيب الذي استأثر الله تعالى به. ﴿لا يُجَلِّيها﴾؛ أي: لا يظهر أمرها الذي تسألونني عنه ﴿لِوَقْتِها﴾؛ أي: في وقتها المعين لها ﴿إِلَّا هُوَ﴾ ؛ أي: لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإخبار عنه إلا هو ، والمعنى: لا يكشف حجاب الخفاء عنها، ولا يظهرها في وقتها المحدود عند الله تعالى، إلا هو سبحانه، إذ لا وساطة بينه وبين عباده في إظهارها، ولا في الإعلام بميقاتها، وإنّما وساطة الرسل في الإنذار بها. ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: ثقل وصعب تحصيل العلم بوقتها على أهل السموات والأرض، فلم يعلم أحد من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين متى وقوعها، وقيل المعنى: ثقل وقتها، وعظم أمرها في السموات والأرض على أهلهما من الملائكة والإنس والجن؛ لأنّ الله تعالى أنبأهم بأهوالها، ولم يشعرهم بميقاتها، فهم دائما يتوقعون أمرا عظيما لا يدرون متى يفجؤهم قيامها. وقال السدي: خفيت في السموات والأرض، فلا يعلم قيامها ملك مقرب ولا نبي مرسل. وقال ابن عباس: ليس شيء من الخلق إلا يصيبه ضرر يوم القيامة. وروي عن ابن جريج: أن ثقلها يكون يوم مجيئها ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)

стр. 4488

وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ إلى نحو ذلك مما وصفه الله تعالى من أمر قيامها ﴿لا تَأْتِيكُمْ﴾ الساعة أيها السائلون عنها ﴿إِلَّا بَغْتَةً﴾؛ أي: إلا فجأة وحين غفلة من الخلق بلا إشعار ولا إنذار، وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه - أي يصلحه بطين وجص ليمسك الماء - فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فمه فلا يطعمها». والمراد من هذا كله أنّها تبغت الناس وهم منهمكون في أمور معايشهم. ويجب (١) على المؤمنين أن يخافوا ذلك، وأن يحملهم ذلك على مراقبة الله تعالى في أعمالهم، بأن يلتزموا فيها الحق ويتحروا الخير، ويتقوا الشر والمعاصي، ولا يجعلوا حظهم من أمر الساعة الجدل فيها، وكثرة القيل والقال في شأنها، وفي تعيين ميقاتها، وقوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ فيه تقديم وتأخير؛ أي: يسألونك عنها كأنك حفي بها؛ أي: سألك قومك يا محمد عن حقيقة الساعة وكنهها وثقلها وشدائدها، كأنك حفي أي: عالم بها، ومتيقن لها، فعلى هذا التفسير فلا تكرار مع ما سبق؛ لأن السؤال الأول عن وقت مجيئها، وهذا الثاني عن حقيقتها وكنهها وثقلها، وقيل: السؤال هنا أيضا عن وقت مجيئها، ولكن كرره تأكيدا لما سبق، وتقريرا له. وقد يكون المعنى: يسألونك عنها كأنك حفي وشفيق بهم، وصديق لهم بينك وبينهم مودة، ويؤيد هذا ما روي عن ابن عباس قال: لما سأل الناس النبي ﷺ عن الساعة سألوه سؤال قوم كأن محمدا حفي بهم؟ فأوحى الله إليه: «إنما علمها عنده استأثر به، فلا يطلع عليه ملكا مقربا ولا رسولا» وما روي عن قتادة قال: قالت قريش لمحمد ﷺ : إن بيننا وبينك قرابة. فأشر إلينا متى الساعة، فقال: الله : ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾. وقرأ عبد الله (٢): ﴿كأنك حفي بها﴾ بالباء مكان عن؛ أي: عالم بها، بليغ

стр. 4489

في العلم بها ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿إِنَّما عِلْمُها﴾؛ أي: علم حقيقتها أو علم وقت مجيئها كائن ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ، استأثر بعلمه لا يعلمه أحد من خلقه، أنا ولا غيري، وكرر الجواب إثر تكرير السؤال مبالغة في التأكيد، وإيآسا لهم من العلم بوقت مجيئها، وتخطئة لمن يسألون عنها، وعبّر في هذا الجواب بلفظ الجلالة حيث قال: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وفي الجواب السابق بلفظ: ﴿رَبِّي﴾ حيث قال: ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾ إشارة إلى أنّه استأثر بعلمها لألوهيته، كما أشعر في السابق بأن علمها من شؤون ربوبيته، وكلاهما مستحيل على خلقه. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: لا يعلمون اختصاص علمها به تعالى، ولا حكمة ذلك، ولا أدب السؤال ولا نحو ذلك مما ينبغي أن يعلم في هذا الباب، وإنّما يعلم ذلك القليلون منهم، وهم المؤمنون بما جاء في كتاب الله من أخبارها، وبما سمع من رسوله ﷺ ، كمن حضروا تمثل جبريل ﵇ بصورة رجل، وسؤاله النبي محمد ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان، ثم عن الساعة؟ وإجابة النبي ﷺ له عن سؤاله الأخير بقوله: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»؛ أي: إنا سواء في جهل هذا الأمر، فلا يعلم أحد منا متى تقوم الساعة. وقال الطبري (١): المعنى: لا يعلمون أنّ هذا الأمر لا يعلمه إلا الله، بل يظن أكثرهم أنّه مما يعلمه البشر. اه وقيل: لا يعلمون أن القيامة حق؛ لأنّ أكثر الناس ينكرون المعاد ويقولون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا﴾ ... الآية. قيل: لا يعلمون أني أخبرتك أن وقتها لا يعلمه إلا الله، وقيل: لا يعلمون السبب الذي لأجله أخفيت معرفة وقتها، والأظهر قول الطبري كما أشرنا إليه في الحل. قال الألوسي (٢): وإنّما أخفى سبحانه أمر الساعة لاقتضاء الحكمة التشريعية ذلك، فإنه أدعى إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية، كما أن إخفاء الأجل الخاص للإنسان كذلك، وظاهر الآيات أنه ﵇ لم يعلم وقتها، نعم علم عليه

стр. 4490

الصلاة والسلام قربها على الإجمال، وأخبر به، فقد أخرج الترمذي وصححه عن أنس مرفوعا: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وأشار بالسبابة والوسطى، وفي «الصحيحين» عن ابن عمر مرفوعا أيضا «إنما أجلكم فيما مضى قبلكم من الأمم من صلاة العصر إلى غروب الشمس». اه. فصل في عمر الدنيا ألف الجلال السيوطي رسالة سماها: «الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف» أخرج فيها عدة أحاديث في أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وأن مدة هذه الأمة تزيد على ألف ولا تبلغ الزيادة خمس مئة، وسمى بعضهم الألف الثانية بالألف المخضرمة؛ لأن نصفها دنيا، ونصفها الآخر أخرى، ولا شك أن ما جاء في هذا الباب كله مأخوذ من الإسرائيليات التي كان يبثها زنادقة اليهود والفرس في المسلمين، حتى رووه مرفوعا وقد اغتر بها من لا ينظر في نقد الروايات إلا من جهة أسانيدها، وقد هدمها الزمان وهدم كثيرا مثلها من الأوهام والخرافات، التي أريد بها الكيد للإسلام. والخلاصة: أنّ القول بتعيين مدة الدنيا من أولها إلى آخرها بسبعة آلاف لم يثبت في نص يعتمد عليه، وإن كانت قد رويت فيه آثار عن السلف، أكثرها مأخوذ عن أهل الكتاب، وفي أسانيدها مقال، قال ابن حزم المتوفى سنة ٤٥٦ هـ: أما نحن فلا نقطع على علم عدد معروف عندنا، ومن ادعى في ذلك سبعة آلاف سنة أو أكثر أو أقل .. فقد قال ما لم يأت قط عن رسول الله ﷺ فيه لفظة تصح، بل صح عنه خلافه، بل نقطع على أنّ للدنيا أمدا لا يعلمه إلا الله تعالى، قال الله : ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾. وقال رسول الله ﷺ : «ما أنتم في الأمم قبلكم إلا كالشعر البيضاء في الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض» وهذه نسبة من تدبرها، وعرف مقدار عدد أهل الإسلام، ونسبة ما بأيديهم من معمور الأرض، وأنّه الأكبر .. علم أنّ للدنيا أمدا لا يعلمه إلا الله اه.

стр. 4491

فصل في بعض أشراط الساعة وعلاماتها الأشراط واحدها شرط، أسباب وسبب، وهي العلامات والأمارات الدالة على قربها، وقد ثبت في الكتاب والسنة أنّ للساعة أشراطا كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨)﴾ ومن أعظم أشراطها بعثة خاتم النبيين بآخر هداية الوحي الإلهي للناس أجمعين، فبعثته قد كمل بها الدين، وبكماله تكمل الحياة البشرية الروحية، ويتلوها كمال الحياة المادية، وما بعد الكمال إلا الزوال. وقد وردت أحاديث في أشراط الساعة يدل بعضها على أنّ الشهوات المادية تتنازع مع الهداية الروحية فيكون لها الغلبة زمنا. ثم تنتصر الهداية الروحية، ثم يغلب الضلال والشر والفجور والكفر، حتى تقوم الساعة على شرار الخلق، وقد قسموا أشراطها ثلاثة أقسام: ١ - ما وقع بالفعل منذ قرون خلت، كقتال اليهود، وفتح بيت المقدس، والقسطنطينية. ٢ - ما وقع بعضه - وهو لا يزال في ازدياد - كالفتن والفسوق، وكثرة الزنا وكثرة الدجالين، وكثرة النساء وتشبههن بالرجال، والكفر والشرك، حتى في بلاد العرب. ٣ - ما سيقع بين يدي الساعة من العلامات الصغرى والكبرى. المهدي المنتظر أشهر الروايات أنّ اسمه محمد بن عبد الله، والشيعة يقولون: إنّه محمد بن الحسن العسكري، ويلقبونه بالحجة والقائم والمنتظر، ويقولون: إنّه دخل السرداب في دار أبيه في مدينة «سرّ من رأى» التي تسمى الآن «سامراء» سنة (٣٦٥)، وله من العمر تسع سنين، وأنّه لا يزال في السرداب حيا، وزعمت الكيسانية أنه محمد بن الحنفية، وأنه حي مقيم بجبل رضوى - جبل بالمدينة - بين أسدين يحفظانه، وعنده عينان نضاختان تفيضان عسلا ولبنا، ومعه أربعون من أصحابه.

стр. 4492

والمشهور في نسبه أنّه علوي فاطمي من ولد الحسن، وهناك رواية مصرحة بأنّه من ولد العباس، فقد روى الرافعي عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال للعباس: «ألا أبشرك يا عم إنّ من ذريتك الأصفياء ومن عترتك الخلفاء، ومنك المهدي في آخر الزمان، به ينشر الله الهدى، ويطفىء نيران الضلالة، إن الله فتح بنا هذا الأمر وبذريتك يختم». ومن حديث ابن عساكر عنه مرفوعا «اللهم انصر العباس وولد العباس - ثلاثا - يا عم، أما علمت أن المهدي من ولدك موفقا مرضيا». وفي معناهما أحاديث أخرى لأبي هريرة وأم سلمة وعلي، وأكثر العلماء ينكرون هذه الأحاديث، ويقولون: إنها موضوعة لا نصيب لها من الصحة، ومن ثم لم يعتد بها الشيخان، ومن هؤلاء ابن خلدون، فقد ذكر الأحاديث التي وردت في المهدي وضعفها، وضعف أسانيدها، وانتهت به خاتمة المطاف إلى أنّه لم يصح فيه شيء يوثق به، إلى أن قال: إن لله سننا - في الأمم والدول والعمران - مطردة في كل زمان ومكان، كما ثبت في مصحف القرآن وصحف الأكوان، ومنها أن الدول لا تقوم إلا بعصبية، وأن الأعاجم سلبوا العصبية من قريش والعترة النبوية، فإن صحت أخبار هذا المهدي فلا يظهر إلا بعد تجديد عصبية هاشمية علوية، ولو سمعوا وعقلوا لسعوا وعملوا، ولكان استعدادهم لظهور المهدي بالاهتداء بسنن الله رحمة لهم تجاه ما كانوا في أخباره من الفتن والنقم فيهم، وربما أغناهم عن بعض ما يروجون من زعامته، إن لم يغنهم عنه كله. هذا والمسلمون لا يزالون على ظهور المهدي، ويزعم دهماؤهم أنّه سينقض لهم سنن الله، أو يبدلها تبديلا وهم يتلون قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾. فإذا كان من أشراط الساعة آيات، وكان في زمانها خوارق عادات، فهل يضرهم أن تأتيهم وهم على هدى من ربهم، وإقامة لشرعهم في عزة وسلطان في أرضهم، وكان لكعب الأحبار جولة واسعة في تلفيق تلك الأخبار. وقد كانت هذه المسألة أكبر مثارات الفساد والفتن في الشعوب الإسلامية،

стр. 4493

إذ تصدى كثير من محبي الملك والسلطان، ومن أدعياء الولاية لدعوى المهدوية في الشرق والغرب، وتأييد دعواهم بالقتال والحرب، وبالبدع والإفساد في الأرض، حتى خرج ألوف الألوف من هداة الدين، ومرقوا من الإسلام. وقد كان من حصافة الرأي أن يكون خروج المهدي باعثا لهم على الاستعداد لظهوره، بتأليف عصبية قوية بزعامته، تجدد الإسلام وتنشر العدل في الإسلام، لكنهم لم يفعلوا، بل تركوا ما يجب من حفظ سلطان الملة بجمع كلمة الأمة، وبإعداد ما استطاعوا من حول وقوة، واتكلوا على قرب ظهور المهدي، وأنه هو الذي سيرد إليهم ملكهم بالكرامات وخوارق العادات، لا بالمدافع والدبابات والطيارات، والقاذفات، والأساطيل، والغواصات، وقد فاتهم أنّ الحرب كانت بين النبي ﷺ وبين المشركين سجالا، وكان المؤمنون ينفرون منه خفافا وثقالا، فهل يكون المهدي أهدى وأحسن منه حالا ومآلا؟. ١٨٨ - ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد فيما تبلغه لهم من أمر دينهم ﴿لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ ولا لغيري ﴿نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾؛ أي: جلب نفع ولا دفع ضر، مستقلا بقدرتي على ذلك ﴿إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أن يقدرني عليه، فإذا أقدرني على جلب النفع .. جلبته بفعل أسبابه، وإذا أقدرني على منع الضر .. منعته بتسخير الأسباب كذلك. وقد كان المسلمون - ولا سيما حديثوا العهد بالإسلام - يظنون أنّ منصب الرسالة يقتضي علم الساعة وغيرها من علم الغيب، وأنّ الرسول يقدر على ما لا يصل إليه كسب البشر من جلب النفع ومنع الضر عن نفسه وعمن يحب، أو عمن يشاء، أو منع النفع وإحداث الضر بمن يكره، أو بمن يشاء، فأمره الله تعالى أن يبين للناس أنّ منصب الرسالة لا يقتضي ذلك، وأن وظيفة الرسول إنّما هي التعليم والإرشاد لا الخلق والإيجاد، وأنّه لا يعلم من الغيب إلا ما يتعلق بذلك مما علمه الله بوحيه، وأنه فيما عدا ذلك بشر كسائر الناس ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ﴾ ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾؛ أي: جلب منافع الدنيا، ودفع مضراتها ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾؛ أي: لحصلت كثيرا من الخير بترتيب الأسباب، كالادخار في زمن الخصب لزمن الجدب ﴿وَ﴾ لـ ﴿ما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾؛ أي: ولما أصابني

стр. 4494

الضر والفقر لاحترازي عنه باجتناب الأسباب، وفي «الكرخي»: ﴿وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾؛ أي: سوء يمكن التقصي عنه بالتوقي عن موجباته، والمدافعة بموانعه، لا سوء ما؛ فإن منه ما لا مدفع له. اه. قال ابن كثير: أمره الله تعالى أن يفوض الأمر إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب في المستقبل، ولا اطلاع له على شيء من ذلك، إلا ما أطلعه الله عليه كما قال: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ روى الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾؛ أي: من المال. وقال ابن جرير: أي: لو كنت أعلم الغيب .. لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة، ولوقت الغلاء من الرخص. وقال عبد الله بن زيد بن أسلم: ﴿وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ قال: لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون واتقيته. اه. ثم علل نفي امتيازه عن البشر بملك النفع والضر من غير طرق الأسباب، وسنن الله في الخلق، ونفي امتيازه عنهم بعلم الغيب فقال: ﴿إِنْ أَنَا﴾؛ أي: ما أنا ﴿إِلَّا نَذِيرٌ﴾؛ أي: مخوف من النار ﴿وَبَشِيرٌ﴾ بالجنة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بالجنة والنار؛ أي: كتب في الأزل أنهم يؤمنون فإنّهم المنتفعون به، فلا ينافي كونه بشيرا ونذيرا للناس كافة، واللام في قوله: ﴿لِقَوْمٍ﴾ تتعلق بكل من (النذير) و (البشير)؛ لأن (١) النذارة والبشارة إنما ينفعان فيهم، أو متعلق بالبشير وحده، والمتعلق بالنذير محذوف؛ أي: إلا نذير للكافرين، وبشير للمؤمنين. والمعنى (٢): إنّه لا امتياز لي عن جميع البشر إلا بالتبليغ عن الله بالإنذار والتبشير، وكل منهما يوجه إلى جميع أمة الدعوة، والآيات في ذلك كثيرة نحو قوله: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ وقوله: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾. والخلاصة: أنّ الرسل عليهم الصلاة والسلام عباد مكرمون، لا يشاركون الله في صفاته ولا في أفعاله، ولا سلطان لهم على التأثير في علمه، ولا في

стр. 4495

تدبيره، وإنّما يمتازون باختصاص الله تعالى إياهم بوحيه واصطفائهم لتبليغ رسالته لعباده، وجعلهم قدوة صالحة للناس في العمل بما جاؤوا به عن الله تعالى من الصلاح والتقوى والأخلاق الفاضلة. قال الشوكاني: وفي (١) هذه الآية من إظهار العبودية، والإقرار بالعجز عن الأمور التي ليست من شأن العبيد، والاعتراف بالضعف عن انتحال ما ليس له ﷺ ما فيه أعظم زاجر، وأبلغ واعظ لمن يدعي لنفسه ما ليس من شأنها، وينتحل علم الغيب بالنجامة أو الرمل، أو الطرق بالحصى أو الزجر اه. قال أبو حيان: وظاهر (٢) قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ انتفاء العلم عن الغيب على جهة عموم الغيب، كما روي عنه: «لا أعلم ما وراء هذا الجدار إلا أن يعلمنيه ربي» بخلاف ما يذهب إليه هؤلاء الذين يدعون العلم بالمستقبل الغيبي، وأنّهم برياضة نفوسهم يحصل لهم إطلاع على المغيبات، وإخبار بالكوائن التي تحدث، وما أكثر ادعاء الناس لهذا الأمر، وخصوصا في ديار مصر، حتى إنّهم لينسبون ذلك إلى رجل متضمخ بالنجاسة، يظل دهره لا يصلي ولا يستنجي من نجاسة، ويكشف عورته للناس حين يبول، وهو عار عن العلم والعمل الصالح. انتهى. الإعراب ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥)﴾. ﴿وَاتْلُ﴾ الواو: عاطفة، ﴿اتْلُ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على العامل المقدر في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ كما ذكره أبو السعود، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿اتْلُ﴾، ﴿نَبَأَ الَّذِي﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿آتَيْناهُ آياتِنا﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة صلة الموصول، ﴿فَانْسَلَخَ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، ﴿انسلخ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الموصول، ﴿مِنْها﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿آتَيْناهُ﴾، ﴿فَأَتْبَعَهُ

стр. 4496

الشَّيْطانُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿انسلخ﴾، ﴿فَكانَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿كان﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على المنسلخ، ﴿مِنَ الْغاوِينَ﴾ خبرها، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾. ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾. ﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط، ﴿شِئْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ ﴿لَرَفَعْناهُ﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾، ﴿رفعناه﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿بِها﴾: متعلق به، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَلكِنَّهُ﴾: ﴿لكن﴾: حرف استدراك. ﴿والهاء﴾: اسمها. ﴿أَخْلَدَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على المنسلخ، ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾، وجملة ﴿لكن﴾ معطوفة على جملة ﴿لَوْ﴾، ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على المنسلخ، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿أَخْلَدَ﴾، ﴿فَمَثَلُهُ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت صفات المنسلخ المذكورة، وأردت بيان مثله لك .. فأقول: مثله كمثل الكلب، ﴿مثله﴾: مبتدأ ومضاف إليه، ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط، ﴿تَحْمِلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ وفاعله ضمير يعود على المخاطب ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿تَحْمِلْ﴾، ﴿يَلْهَثْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه جوابا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْكَلْبِ﴾، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب حال من ﴿الْكَلْبِ﴾؛ أي: حالة كون الكلب لاهثا في كل حال، ﴿أَوْ تَتْرُكْهُ﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿إِنْ تَحْمِلْ﴾ على كونه فعل شرط لـ ﴿إِنْ﴾ وفاعله ضمير يعود على المخاطب، ﴿يَلْهَثْ﴾: فعل مضارع معطوف على

стр. 4497

﴿يَلْهَثْ﴾ الأول على كونه جوابا لـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْكَلْبِ﴾. ﴿ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. ﴿ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمِ﴾، ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، بـ ﴿بِآياتِنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾، ﴿فَاقْصُصِ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا تحققت أن المثل المذكور مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، وأردت بيان ما هو اللازم .. فأقول لك: ﴿اقصص القصص﴾: ﴿اقصص﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، ﴿الْقَصَصَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ﴿لعل﴾: حرف ترج، ﴿والهاء﴾: اسمها، وجملة ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ خبرها، وجملة (١) الترجي في محل النصب على أنّها حال من ضمير المخاطب، أو على أنّها مفعول له؛ أي: فأقصص القصص راجيا لتفكرهم، أو رجاء لتفكرهم. ﴿ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾. ﴿ساءَ﴾: فعل ماض من أفعال الذم، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا لشبهه بالمثل تقديره: هو، يعود على مبهم يفسره التمييز، ﴿مَثَلًا﴾ تمييز لفاعل ﴿ساءَ﴾ المستتر فيه، ﴿الْقَوْمُ﴾ مخصوص بالذم مرفوع على الابتداء، ولكنه على تقدير مضاف تقديره: مثل القوم، وخبره جملة ﴿ساءَ﴾ والتقدير: مثل القوم الذي كذبوا بآياتنا ساء مثلا، والجملة الاسمية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل رفع صفة لـ ﴿الْقَوْمُ﴾. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِآياتِنا﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول ﴿وَأَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول مقدم لـ ﴿يَظْلِمُونَ﴾، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَظْلِمُونَ﴾: خبره، وجملة

стр. 4498

﴿كانُوا﴾ معطوفة على جملة ﴿كَذَّبُوا﴾ على كونها صلة الموصول. ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨)﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب، أو جملة الشرط، أو هما، ﴿يَهْدِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾: مبتدأ وخبر، و ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب وجوبا، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونها جواب شرط لها، وجملة من الشرطية مستأنفة. ﴿وَمَنْ﴾: الواو: عاطفة ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب على الخلاف المذكور آنفا، ﴿يُضْلِلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿فَأُولئِكَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب، ﴿أولئك﴾: مبتدأ، ﴿هُمُ﴾: ضمير فعل، ﴿الْخاسِرُونَ﴾: خبره والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية، على كونها جوابا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى. ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿اللام﴾ موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿ذَرَأْنا﴾: فعل وفاعل، ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ متعلق به، ﴿كَثِيرًا﴾: مفعول به، ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾: صفة لـ ﴿كَثِيرًا﴾، ﴿وَالْإِنْسِ﴾: معطوف على ﴿الْجِنِّ﴾، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، وجملة القسم مع جوابه مستأنفة، ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، ﴿قُلُوبٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿كَثِيرًا﴾، لا ﴿يَفْقَهُونَ﴾: فعل وفاعل، بِها متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة لـ ﴿قُلُوبٌ﴾، ﴿وَلَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿أَعْيُنٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ﴾ على كونها صفة لـ ﴿كَثِيرًا﴾، وجملة ﴿لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ في محل الرفع صفة لـ ﴿أَعْيُنٌ﴾، وجملة ﴿وَلَهُمْ آذانٌ﴾ في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ﴾ وجملة ﴿لا

стр. 4499

يَسْمَعُونَ بِها﴾ في محل الرفع صفة لـ ﴿آذانٌ﴾ ﴿أُولئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿كَالْأَنْعامِ﴾: خبره، والجملة مستأنفة، ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿أَضَلُّ﴾: خبره، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ﴾، ﴿أُولئِكَ﴾: مبتدأ، ﴿هُمْ﴾: ضمير فصل، ﴿الْغافِلُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾. ﴿وَلِلَّهِ﴾: خبر مقدم، ﴿الْأَسْماءُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿الْحُسْنى﴾: صفة له، والجملة مستأنفة، ﴿فَادْعُوهُ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أن لله الأسماء وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم، ﴿ادعوه﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿بِها﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿فادعوا﴾، ﴿يُلْحِدُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿فِي أَسْمائِهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول، ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعل، ﴿ما﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبرها، وجملة: ﴿كانُوا﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: كانوا يعملونه. ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾. ﴿وَمِمَّنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿خَلَقْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: وممن خلقناه، ﴿أُمَّةٌ﴾: مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿يَهْدُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق به، والجملة صفة لـ ﴿أُمَّةٌ﴾، ﴿وَبِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَعْدِلُونَ﴾، وجملة ﴿يَعْدِلُونَ﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَهْدُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِآياتِنا﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول،

стр. 4500

﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿مِنْ حَيْثُ﴾: جار ومجرور، متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، وجملة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾. ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾. ﴿وَأُمْلِي﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿أُمْلِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، لَهُمْ: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾، وفيه نوع من الالتفات؛ لأنّ مقتضى السياق أن يقال: ونملي، أو مستأنفة أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: وأنا أملي، ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿كَيْدِي﴾: اسمها ومضاف إليه، ﴿مَتِينٌ﴾: خبرها، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿أَوَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف تقديره: أكذبوا بآياتنا ولم يتفكروا، الواو: عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿لَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، والجملة معطوفة على المحذوف الذي قدرناه آنفا، والجملة المحذوفة مستأنفة، ما: نافية، ﴿بِصاحِبِهِمْ﴾: خبر مقدم، ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿ومِنْ﴾: زائدة، والجملة الاسمية في محل النصب مفعول لـ ﴿يَتَفَكَّرُوا﴾؛ لأنّها علقت بما النافية، ﴿إِنْ﴾: نافية، ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿نَذِيرٌ﴾: خبر، ﴿مُبِينٌ﴾: صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها وتأكيده. ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾. ﴿أَوَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف تقديره: أكذبوا الرسول الذي علموا صدقه، والواو: عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿لَمْ يَنْظُرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّماواتِ﴾، والجملة الفعلية معطوفة على ذلك المحذوف، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿وَما خَلَقَ اللَّهُ﴾.

стр. 4501

الواو: عاطفة، ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل الجر، معطوفة على ﴿مَلَكُوتِ السَّماواتِ﴾، ﴿خَلَقَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ حال من الضمير المحذوف من ﴿خَلَقَ﴾؛ أي: وفي ما خلقه الله من شيء، والجملة الفعلية صلة لـ ما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: وفي ما خلقه من شيء، ﴿وَأَنْ﴾ الواو: عاطفة ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن؛ أي: وفي أنّه، ﴿عَسى﴾: فعل ماض تام من أفعال الرجاء، ﴿أَنْ﴾: حرف مصدر، ﴿يَكُونَ﴾ منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، واسمها ضمير الشأن، ﴿قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿يَكُونَ﴾، وجملة ﴿يَكُونَ﴾ في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لـ ﴿عَسى﴾ والتقدير: وأن عسى اقتراب أجلهم، وجملة ﴿عَسى﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنْ﴾ المخففة، وجملة ﴿أَنْ﴾ المخففة في تأويل مصدر معطوف على ﴿مَلَكُوتِ السَّماواتِ﴾ والتقدير: أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وفي ما خلق الله من شيء، وفي توقع اقتراب أجلهم، ﴿فَبِأَيِّ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب شرط محذوف تقديره: إن لم يؤمنوا بهذا القرآن .. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿بأي حديث﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، والاستفهام فيه تعجبي، ﴿بَعْدَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بالفعل ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بالشرط المحذوف، وجملة الشرط المحذوف مستأنفة. ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، ﴿يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿فَلا﴾: الفاء رابطة الجواب بالشرط وجوبا، ﴿لا﴾ نافية تعمل عمل ليس، ﴿هادِيَ﴾ في محل النصب اسمها، ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور، خبر ﴿لا﴾، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابا لها، وجملة من الشرطية مستأنفة، وهذه الجملة تذييل لما قبلها، ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾: فعل ومفعول،

стр. 4502

وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجزم معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلا هادِيَ﴾، وجملة ﴿يَعْمَهُونَ﴾ في محل النصب حال من هاء ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾. ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة مستأنفة ﴿عَنِ السَّاعَةِ﴾ متعلق بـ ﴿يسئلون﴾ على أنه مفعول ثان له، ﴿أَيَّانَ﴾: ظرف زمان بمعنى متى في محل النصب على الظرفية مبني على الفتح لشبهه بالحرف شبها معنويا، لتضمنه معنى حرف الاستفهام، وهو خبر مقدم، و ﴿مُرْساها﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل الجر بدل عن ﴿السَّاعَةِ﴾، تقديره: يسألونك عن الساعة عن زمان حلول الساعة، كما ذكره أبو البقاء. ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة، ﴿إِنَّما عِلْمُها﴾ إلى قوله: ﴿بَغْتَةً﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّما﴾: أداة حصر، ﴿عِلْمُها﴾: مبتدأ ومضاف إليه، ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول القول، ﴿لا﴾: نافية، ﴿يُجَلِّيها﴾: فعل ومفعول، ﴿لِوَقْتِها﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق به، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿هُوَ﴾: ضمير للمفرد المنزه في محل الرفع فاعل، والجملة مستأنفة في محل النصب مقول القول، ﴿ثَقُلَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿السَّاعَةِ﴾، والجملة في محل النصب مقول القول، ﴿فِي السَّماواتِ﴾: متعلق به ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّماواتِ﴾، ﴿لا تَأْتِيكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿السَّاعَةِ﴾، والجملة مستأنفة في محل النصب مقول القول، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿بَغْتَةً﴾: منصوب على المفعولية المطلقة؛ أي: لا تأتيكم إلا إتيان بغتة. ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان خطئهم في

стр. 4503

توجيه السؤال إلى رسول الله ﷺ بناء على زعمهم أنّه ﵊ عالم بالمسؤول عنه، ﴿كَأَنَّكَ﴾: ﴿كأن﴾: حرف نصب وتشبيه، ﴿والكاف﴾: اسمها، حَفِيٌّ خبرها، وجملة ﴿كأن﴾ في محل النصب حال من مفعول ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾؛ أي: يسألونك حال كونك مشبها حالك عندهم بحال من هو حفي بها؛ أي: عالم، عَنْها: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿يسئلون﴾، وجملة ﴿كأن﴾ معترضة، وصلة ﴿حَفِيٌّ﴾: محذوف تقديره: بها، ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مؤكدة للجواب السابق؛ لأنّها عينه، وعبارة أبي السعود: أمر ﵇ بإعادة الجواب الأول تأكيدا للحكم وإشعارا بعلته. انتهت. ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّما﴾: أداة حصر، ﴿عِلْمُها﴾: مبتدأ، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ خبره، والجملة في محل النصب مقول القول، ﴿وَلكِنَّ﴾: حرف نصب واستدراك، ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ﴾: اسمها، وجملة ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾: خبرها، وجملة الاستدراك مستأنفة. ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت. ﴿لا﴾: نافية، ﴿أَمْلِكُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل النصب مقول القول، ﴿لِنَفْسِي﴾: جار ومجرور، متعلق به ﴿نَفْعًا﴾: مفعول به ﴿وَلا ضَرًّا﴾ معطوف على ﴿نَفْعًا﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب على الاستثناء، ﴿شاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: إلا ما شاءه الله. ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. ﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط، ﴿كُنْتُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على محمد، وجملة ﴿أَعْلَمُ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾: فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا

стр. 4504

محل لها من الإعراب، ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ ﴿استكثرت﴾: فعل وفاعل ﴿مِنَ الْخَيْرِ﴾ متعلق به، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾، ﴿وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾: فعل ومفعول وفاعل معطوف على ﴿استكثرت﴾. ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿إِنْ﴾: نافية مهملة لانتقاض نفيها بإلا، ﴿أَنَا﴾ مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿نَذِيرٌ﴾: خبر، ﴿وَبَشِيرٌ﴾: معطوف عليه، والجملة في محل النصب مقول القول، ﴿لِقَوْمٍ﴾: جار ومجرور تنازع فيه ما قبله، فعند البصريين يتعلق بـ ﴿بَشِيرٌ﴾ لقربة، وعند الكوفيين بـ ﴿نَذِيرٌ﴾ لسبقه، ويجوز أن يكون متعلق النذارة محذوفا؛ أي: نذير للكافرين، وحذف لدلالة ما قبله عليه، كما في «الكرخي» وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ في محل الجر صفة لـ ﴿قوم﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها﴾ التلاوة: القراءة، والنبأ الخبر الذي له شأن، وانسلاخه منها: كفره بها ونبذه لها من وراء ظهره، ويقال لكل من فارق شيئا بحيث لا تحدثه نفسه بالرجوع إليه: انسلخ منه، وقال أبو حيان: الانسلاخ التعري من الشيء حتى لا يعلق به منه شيء، ومنه: انسلخت الحياة من جلدها إذا خرجت منه اه. ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾؛ أي: أدركه ولحقه، قال الجوهري: يقال: اتبعت القوم إذا سبقوك فلحقتهم، والمعنى: فصار هو قدوة ومتبوعا للشيطان على سبيل المبالغة. ﴿فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾؛ أي: من الراسخين في الغواية بعد أن كان مهتديا، ﴿وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾؛ أي: ركن إلى الدنيا ومال إليها، وقال أبو السعود: الإخلاد إلى الشيء الميل إليه مع الاطمئنان به، وفي «المصباح» خلد بالمكان خلودا - من باب قعد - أقام، وأخلد بالألف مثله، وخلد إلى كذا وأخلد إليه ركن اه ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾؛ أي: الذي هو أخس الحيوانات،

стр. 4505

والكلب (١) حيوان معروف، ويجمع في القلة على أكلب، وفي الكثرة على كلاب، وشذوا في هذا الجمع، فجمعوه بالألف والتاء فقالوا: كلابات، وتقدمت هذه المادة في مكلبين، وكررناها لزيادة الفائدة ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: تشد عليه وتطرده ﴿يَلْهَثْ﴾ يقال: لهث الكلب يلهث من باب قطع، لهثا بفتح اللام ولهثا بضمها ولهاثا بضمها أيضا إذا أخرج لسانه مع التنفس الشديد، وهي حالة له في التعب والراحة والعطش والري، بخلاف غيره من الحيوان، فإنّه لا يلهث إلا إذا أعيا أو عطش ﴿ساءَ مَثَلًا﴾ يقال ساء الشيء يسوء فهو سيء، إذا قبح، وساءه يسوؤه مساءة والمثل الصفة. ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾. الذرء (٢) لغة: الخلق، يقال: ذرأ الله الخلق إذا أوجد أشخاصهم، والخلق التقدير؛ أي: إيجاد الأشياء بتقدير ونظام لا جزافا، والجن: الأحياء العاقلة المكلفة الخفية غير المدركة بالحواس. والقلب يطلق أحيانا على المضغة الصنوبرية الشكل في الجانب الأيسر من جسد الإنسان، وأحيانا على العقل والوجدان الروحي الذي يسمونه أحيانا بالضمير وهو محل الحكم في أنواع المدركات والشعور الوجداني لما يلائم أو يؤلم، وهو كثير بهذا المعنى في الكتاب الكريم كقوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾، ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨)﴾، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ وسر استعمال القلب في هذا المعنى: ما يراه الإنسان من انقباض أو انشراح حين الخوف والاشمئزاز، أو حين السرور والابتهاج. والفقه: العلم بالشيء والفهم له، وفسره الراغب بالتوصل بعلم شاهد إلى علم غائب، وقد استعمله القرآن في مواضع كثيرة بمعنى دقة الفهم، والتعمق في العلم ليترتب عليه أثره - وهو الانتفاع به - ومن ثم نفاه عن الكفار والمنافقين؛ لأنهم لم يدركوا كنه المراد مما نفى فقهه عنهم، ففاتتهم المنفعة مع العلم المتمكن من النفس.

стр. 4506

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ و ﴿الْأَسْماءُ﴾ جمع اسم، وهو اللفظ الدال على الذات، أو عليها مع صفة من صفاتها، و ﴿الْحُسْنى﴾ بوزن فعلى مؤنث الأحسن، كالكبرى والصغرى، وقيل: الحسنى مصدر وصف به، كالرجعى، وأفرده كما أفرد وصف ما لا يعقل في قوله: ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ ولو طوبق به .. لكان التركيب الحسن كقوله: ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ﴿فَادْعُوهُ بِها﴾؛ أي: سموه ونادوه بها للثناء عليه، أو للسؤال وطلب الحاجات ﴿وَذَرُوا﴾؛ أي: أتركوا ﴿يُلْحِدُونَ﴾ يقال: لحد وألحد لغتان، قيل بمعنى واحد، وهو العدول عن الحق، والإدخال فيه ما ليس منه - قاله ابن السكيت - وقال غيره: العدول عن الاستقامة، والرباعي أشهر في الاستعمال من الثلاثي، قال الشاعر: ليس الأمير بالشّحيح الملحد والإلحاد الميل عن الوسط حسا أو معنى، والأول هو الأصل فيه، ومنه لحد القبر وهو ما يحفر في أسفل جانب القبر، مائلا عن وسطه، وألحد السهم الهدف: إذا مال في أحد جانبيه ولم يصب وسطه، ومن الثاني: ألحد فلان إذا مال عن الحق، وقيل: ألحد بمعنى مال وانحرف، ولحد بمعنى ركن وانضوى، قال الكسائي: ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾؛ أي: سيلقون جزاء عملهم. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾، الاستدراج (١) إما مأخوذ من درج الكتاب والثوب وأدرجه إذا طواه، وإما من الدرجة وهي المرقاة، فعلى الأول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾؛ أي: سنطويهم طي الكتاب، ونغفل أمرهم كما قال: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ وعلى الثاني: سنأخذهم درجة بعد درجة بإدنائهم من العذاب شيئا فشيئا، كالمراقي والمنازل في ارتقائها ونزولها، وقال في «التحرير» (٢): الاستدراج استفعال من الدرج، بمعنى النقل درجة بعد درجة من سفل إلى علو، فيكون استصعادا، أو بالعكس، فيكون استنزالا، والمعنى؛ أي: نقربهم إلى الهلاك بإمهالهم وإدرار النعم عليهم، حتى يأتيهم وهم غافلون لاشتغالهم بالترفه، ولذا قيل: إذا رأيت

стр. 4507

الله أنعم على عبده - وهو مقيم على معصيته - فاعلم أنه مستدرج له، ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ الإملاء الإمداد في الزمن، والامهال والتأخير من الملوة والملاوة، وهي الطائفة الطويلة من الزمن، والملوان الليل والنهار (والكيد) كالمكر: هو التدبير الذي يقصد به غير ظاهره، بحيث ينخدع المكيد بمظهره، فلا يفطن له حتى ينتهي إلى ما يسؤه، وأكثره احتيال مذموم، ومنه ما هو محمود يقصد به المصلحة، ككيد يوسف لأخذ أخيه الشقيق من إخوته لأبيه برضاهم، ومقتضى شريعتهم، وفي «الكرخي»: وسمى الأخذ كيدا لأنّ ظاهره إحسان وباطنه خذلان. اه. و ﴿الْمَتِينُ﴾ القوي الشديد، ومنه المتن وهو الوسط؛ لأنّه أقوى ما في الحيوان، وقد متن بالضم يمتن متانة؛ أي: قوي واشتد. ﴿الجنة﴾: بالكسر نوع من الجنون، والإنذار: التعليم والإرشاد المقترن بالتخويف من مخالفته، والملكوت: الملك العظيم، ﴿ومَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مجموع العالم، والحديث: كلام الله تعالى وهو القرآن، والطغيان: تجاوز الحد في الباطل والشر، من الكفر والفجور والظلم، والعمه: التردد في الحيرة. ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها﴾. ﴿السَّاعَةِ﴾: لغة: جزء قليل غير معين من الزمن، وعند الفلكيين: جزء من أربع وعشرين متساوية، يضبط بآلة تسمى الساعة، وقد كان ذلك معروفا عند العرب، فقد جاء في الحديث: «يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة». وقد تطلق بمعنى الوقت الحاضر، وبمعنى الوقت الذي تقوم فيه القيامة، كما هنا، وأكثر استعمال (ساعة) بدون أل في الكتاب الكريم بمعنى الساعة الزمنية، وبأل بمعنى الساعة الشرعية، وهي ساعة خراب العالم، وموت أهل الأرض جميعا، وجاء المعنيان في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾، والغالب التعبير بيوم القيامة عن يوم البعث والحشر الذي يكون فيه الحساب والجزاء، والتعبير بالساعة عن الوقت الذي يموت فيه الأحياء في هذا العالم، ويضطرب نظامه، فالساعة مبدأ، والقيامة غاية ﴿أَيَّانَ مُرْساها﴾. ﴿أَيَّانَ﴾ بمعنى متى، فهي للسؤال عن الزمان، و ﴿مُرْساها﴾؛ أي: إرساؤها وحصولها واستقرارها، ويقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت، وأرساه

стр. 4508

غيره، ومنه إرساء السفينة وإيقافها بالمرساة التي تلقى في البحر، فتمنعها من الجريان كما قال تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ وقال أبو البقاء: ﴿وَمُرْساها﴾: مفعل من أرسى، وهو مصدر مثل المدخل والمخرج بمعنى الإدخال والإخراج؛ أي: متى أرساها. اه وفي «المختار»: رسا الشيء ثبت، وبابه عدا، ورست السفينة وقفت عن الجري، وبابه عدا وسما. اه. ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ﴾ يقال جلى فلان الأمر تجلية إذا أظهره أتم الإظهار، ﴿لِوَقْتِها﴾؛ أي: في وقتها كما يقال: كتبت هذا لغرة رمضان؛ أي: في غرته ﴿بَغْتَةً﴾؛ أي: فجأة من غير توقع ولا انتظار ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ من قولهم: أحفى في السؤال، إذا ألحف، وهو حفي عن الأمر بليغ في السؤال عنه، واستحفيته عن كذا استخبرته على وجه المبالغة، وتحفى بك فلان إذا تلطف بك وبالغ في إكرامك ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾: ﴿الْغَيْبَ﴾ قسمان: حقيقي لا يعلمه إلا الله تعالى، وإضافي يعلمه بعض الخلق دون بعض ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ والخير ما يرغب الناس فيه من المنافع المادية والمعنوية كالمال والعلم ﴿وَالسُّوءَ﴾ ما يرغبون عنه مما يسؤهم ويضرهم ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ والإنذار تبليغ مقترن بتخويف من العقاب على الكفر والمعاصي، والتبشير تبليغ مقترن بترغيب في الثواب مع الإيمان والطاعة. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا من الفصاحة والبلاغة والبيان والبديع: فمنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْها﴾؛ لأنه شبه الإعراض عن الآيات بانسلاخ نحو الحية من جلدها بجامع التجرد والتبري في كلّ. ومنها: المبالغة في قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ حيث جعله قدوة وإماما ومتبوعا للشيطان على سبيل المبالغة، مع أنّه تابع للشيطان. ومنها: التشبيه التمثيلي في قوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ حيث شبه حاله

стр. 4509

التي هي مثل في السوء، بحال أخس الحيوانات وأسفلها، وهي حالة الكلب في دوام لهثه، في حالتي التعب والراحة، فالصورة منتزعة من متعدد، ولهذا يسمى التشبيه التمثيلي. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾؛ لأنّ المراد بالأرض ما فيها من المستلذات والشهوات، فهو من إطلاق المحل وإرادة الحال. ومنها: الطباق في قوله: ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ ﴿أَوْ تَتْرُكْهُ﴾. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ هَواهُ﴾، والجناس المغاير في قوله: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾. ومنها: الطباق في قوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨)﴾. ومنها: المقابلة في قوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ﴾ ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ﴾ و ﴿وَلَهُمْ آذانٌ﴾. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ﴾؛ لأنه ذكرت فيه الأداة، ولم يذكر فيه وجه الشبه. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾؛ لأنّ الاستدراج في الأصل التحول والتنقل على الدرجات استصعادا أو نزولا، فاستعاره للأخذ والعقوبة شيئا فشيئا. ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾. ومنها: الاستفهام التعجبي في قوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾. ومنها: التذييل في قوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾؛ لأنّه تذييل (١) لما قبله خارج مخرج المثل.

стр. 4510

ومنها: الالتفات في قوله: ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ﴾ على قراءة النون. ومنها: الاستعارة (١) بالكناية في قوله: ﴿أَيَّانَ مُرْساها﴾ حيث شبه الساعة بسفينة في البحر، وطوى ذكر المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو الإرساء، فذكره تخييل. ومنها: التكرار في قوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ وفي قوله: ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها﴾. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ لذكر أداة التشبيه وحذف وجه الشبه. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 4511

قال الله سبحانه جلّ وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أنه لما تقدم سؤال الكفار عن الساعة ووقتها، وكان فيهم من لا يؤمن بالبعث .. ذكر ابتداء خلق الإنسان وإنشائه تنبيها على أن الإعادة ممكنة،

стр. 4512

كما أن الإنشاء كان ممكنا، وإذا كان إبرازه من العدم الصرف إلى الوجود واقعا بالفعل، فإعادته أحرى أن تكون واقعة بالفعل. وقيل: وجه المناسبة أنّه لما بين الذين يلحدون في أسمائه ويشتقون منها أسماء لآلهتهم وأصنامهم، وأمر بالنظر والاستدلال المؤدي إلى تفرده بالإلهية والربوبية .. بين هنا أنّ أصل الشرك من إبليس لآدم وزوجته حين تمنيا الولد الصالح، وأجاب الله دعاءهما، فأدخل عليهما إبليس الشرك، بقوله: سمياه عبد الحرث؛ فإنّه لا يموت، ففعلا ذلك. وقيل المناسبة: لما افتتح (١) الله هذه السورة بالدعوة إلى التوحيد، واتباع ما أنزل على لسان رسوله، وتلاه بالتذكير بنشأة الإنسان الأولى في الخلق والتكوين والعداوة بينه وبين الشيطان .. اختتم السورة بهذه المعاني، فذكر بالنشأة الأولى، ونهى عن الشرك، واتباع وسوسة الشيطان، وأمر بالتوحيد، واتباع ما جاء به القرآن. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (٢): أنّها من تتمة ما قبلها مؤكدة له، ومقررة لما تتضمنه، وهو إثبات التوحيد ونفي الشرك، وهو رأس الإسلام وركنه المتين، فلا غرو أن يتكرر الكلام فيه في القرآن نفيا وإثباتا ليتأكد في النفوس، ويثبت في القلوب، وبه تخلع جذور الوثنية، ويحل محلها نور الوحدانية. قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٣): لما أنكر تعالى عليهم عبادة الأصنام، وحقر شأنها، وأظهر كونها جمادا عارية عن شيء من القدرة .. أمر تعالى نبيه أن يقول لهم ذلك؛ أي: لا مبالاة بكم ولا بشركائكم، فاصنعوا ما تشاؤون، وهو أمر تعجيز؛ أي: لا يمكن أن يقع منكم دعاء لأصنامكم، ولا كيد لي، وكانوا قد خوفوه آلهتهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ ...﴾ الآية، مناسبة (٤) هذه

стр. 4513

الآية لما قبلها: أن الله لما أحالهم على الاستنجاد بآلهتهم في ضره، وأراهم أنّ الله هو القادر على كل شيء .. عقب ذلك بالاستناد إلى الله تعالى، والتوكل عليه، والإعلام أنّه تعالى هو ناصره عليهم، وبين جهة نصره بأن أوحى إليه كتابه، وأعزه برسالته، ثم إنّه تعالى يتولى الصالحين من عباده، وينصرهم على أعدائه ولا يخذلهم. قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أنّ الله لما ذكر أنّه هو الذي يتولى أمر رسوله وينصره: وأن الأصنام وعابديها لا يقدرون على إيذائه، وإيصال الضر إليه .. بين في هذه الآية النهج القويم، والصراط المستقيم في معاملة الناس، وهذه الآية تشمل أصول الفضائل، فهي من أسس التشريع التي تلي - في المرتبة - أصول العقيدة المبنية على التوحيد الذي تقرر فيما سلف، بأبلغ وجه وأتم برهان. قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله لما ذكر في الآيات أمثل الطرق في معاملة الناس بعضهم بعضا، مما لو عملوا بهديه لم يجد الفساد إلى نفوسهم سبيلا .. أردف ذلك بالوصية التي تتضمنها هذه الآيات الثلاث، وهي اتقاء إفساد الشياطين؛ أي: شياطين الجن المستترة، فالآية السالفة أمرت بالإعراض عن الجاهلين - وهم السفهاء - اتقاء لشرهم، وهذه الآيات أمرت بالاستعاذة بالله من الشياطين اتقاء لشرهم. قوله تعالى: ﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّه لما ذكر في الآية السالفة أن شياطين الجن والإنس لا يقصرون في الإغواء والإضلال .. أردف ذلك بذكر نوع خاص من هذا الإغواء، وهو طلبهم آيات معينة ومعجزات مخصوصة، تعنتا كما قال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾؛ أي: إذا

стр. 4514

لم تأتهم بما طلبوا .. قالوا: هلا افتعلتها وأتيت بها من عند نفسك؛ لأنّهم كانوا يقولون: ﴿ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (١) ذكر مزايا القرآن الكريم، وأنّه آيات بينات للمؤمنين، وهدى ورحمة لهم .. أردف ذلك بذكر الدلائل على الطريق الموصلة لنيل الرحمة به، والفوز بالمنافع الجليلة التي ينطوي عليها، وهي الإنصات له إذا قرىء. وقال أبو حيان (٢): مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر أن القرآن بصائر وهدى ورحمة .. أمر باستماعه إذا شرع في قراءته، وبالانصات وهو السكوت مع الإصغاء إليه؛ لأنّ ما اشتمل على هذه الأوصاف من البصائر والهدى والرحمة، حري بأن يصغى إليه حتى يحصل منه للمنصت هذه النتائج العظيمة، وينتفع بها، فيستبصر من العمى، ويهتدي من الضلال، ويرحم بها. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ...﴾ أخرج (٣) البخاري عن عبد الله بن الزبير قال: ما نزلت: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ إلا في أخلاق الناس. وأخرج (٤) ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن الشعبي قال: لما أنزل الله ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)﴾ قال رسول الله ﷺ : «ما هذا يا جبريل؟ قال لا أدري حتى أسال العالم، فذهب ثم رجع، فقال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك» وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزل ﴿خُذِ الْعَفْوَ ....﴾ الآية، قال رسول الله ﷺ : «كيف بالغضب يا رب»؟ فنزل: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما

стр. 4515

أخرجه (١) ابن أبي حاتم وغيره عن أبي هريرة قال: نزلت: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ في رفع الأصوات في الصلاة خلف النبي ﷺ . وأخرج عنه أيضا قال: كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ ....﴾ الآية، وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود مثله، وأخرج عن الزهري قال: نزلت الآية في فتى من الأنصار كان كلما قرأ رسول الله ﷺ شيئا قرأه. وقال سعيد بن منصور في «سننه»: حدثنا أبو معتمر عن محمد بن كعب قال: كانوا يتلقفون من رسول الله ﷺ إذا قرأ شيئا قرؤوا معه، حتى نزلت هذه الآية التي في الأعراف: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. قلت: ظاهر ذلك أنّ الآية مدنيّة. التفسير وأوجه القراءة ١٨٩ - ﴿هُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وأوجدكم وأنشأكم يا أهل مكة ﴿مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾؛ أي: من آدم ﵇ على طريق التوالد والتناسل، وهذا كلام (٢) مستأنف يتضمن ذكر نعم الله تعالى على عباده، وعدم مكافأتهم لها بما يجب من الشكر عليها، والاعتراف بالعبودية، وأنّه المنفرد بالألوهية قال جمهور المفسرين: المراد بالنفس الواحدة آدم وقوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾ معطوف على ﴿خَلَقَكُمْ﴾؛ أي: وهو الذي خلقكم من نفس آدم على سبيل التوالد والتناسل، وجعل من هذه النفس الواحدة زوجها وقرينتها، على سبيل النزع والفصل، وهي حواء، خلقها من ضلع من أضلاع آدم من غير ألم، وقيل المعنى: ﴿جَعَلَ مِنْها﴾؛ أي: من جنسها ﴿زَوْجَها﴾، كما في قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا﴾ والأول أولى، وقوله: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْها﴾ علة للجعل المذكور؛ أي: جعله منها ليسكن آدم ويميل إليها، ويستأنس بها، ويطمئن إليها اطمئنان الشيء إلى جزئه، أو جنسه؛ لأنّ الجنس إلى الجنس أميل، خصوصا إذا كان بعضا منه كما سكن الإنسان إلى ولده، ويحبه محبة نفسه لكونه بضعة منه، وإنّما ذكر ضمير النفس في قوله: ﴿لِيَسْكُنَ﴾ بعد ما أنث في قوله: ﴿واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ نظرا إلى

стр. 4516

معنى النفس، ليبين أنّ المراد بها آدم، وكان هذا في الجنة كما وردت بذلك الأخبار، ثم ابتدأ سبحانه بحالة أخرى كانت بينهما في الدنيا بعد هبوطهما إلى الأرض فقال: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاها﴾؛ أي: فلما جامع آدم حواء ﴿حَمَلَتْ﴾ حواء، وعلقت بعد الجماع ﴿حَمْلًا خَفِيفًا﴾؛ أي: حملا هينا غير ثقيل في بادىء الأمر ﴿فَمَرَّتْ﴾ حواء ودامت متلبسة ﴿بِهِ﴾؛ أي: بذلك الحمل من غير خروج ولا سيلان منها، حتى كبر الولد في بطنها، وأحست بثقل الحمل، أو المعنى: ترددت في أغراضها وحوائجها من غير مشقة ولا كلفة، كما في «الفتوحات» ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ حواء؛ أي: فلما أحست حواء بثقل الحمل في بطنها، وأحست تحركها، وعرفت أنّه حيوان في بطنها، وأخبرت حال حملها لآدم ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما﴾؛ أي: دعا آدم وحواء ربهما ومالك أمرهما أن يؤتيهما ولدا صالحا، حالفين بالله بقولهما والله ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾؛ أي: والله لئن أعطيتنا يا إلهنا ولدا صالحا؛ أي: بشرا سويا مثلنا؛ أي: كامل الخلق، مستوى الأعضاء، خاليا من العوج والعرج ﴿لَنَكُونَنَّ﴾ يا إلهنا ﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لك على هذه النعمة، وذلك (١) أنّ إبليس أتاها في غير صورته التي عرفته، وقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت ما أدري: قال: إنّي أخاف أن يكون بهيمة أو كلبا أو خنزيرا، وذكرت ذلك لآدم، فلم يزالا في هم من ذلك، ثم أتاها فقال: إن سألت الله أن يجعله خلقا سويا مثلك فسميه عبد الحارث، وكان اسم إبليس عند الملائكة الحارث، ولم يزل بها حتى غرها، فلما ولدت ولدا سوي الخلق .. سمته عبد الحارث برضا آدم فذلك قوله: ١٩٠ - ﴿فَلَمَّا آتاهُما﴾؛ أي: فلما أعطى الله آدم وحواء ﴿صالِحًا﴾؛ أي: ولدا صالحا، وبشرا سويا ﴿جَعَلا﴾؛ أي: جعل آدم وحواء ﴿لَهُ﴾ ﴿شُرَكاءَ﴾ يعني إبليس، فأوقع الواحد موقع الجمع ﴿فِيما آتاهُما﴾؛ أي: في تسمية ما أعطاهما الله من الولد الصالح، حيث سمياه عبد الحارث، ولا ينبغي أن يكون عبدا إلا لله تعالى، ولم تعرف حواء أنّه إبليس، ولم يكن هذا شركا بالله، لأنّهما لم يذهبا إلى أن الحارث

стр. 4517

ربهما، لكنهما قصدا إلى أنّه كان سبب نجاته وسلامة أمه. قال كثير (١) من المفسرين: إنّه جاء إبليس إلى حواء وقال لها: إن ولدت ولدا .. فسميه باسمي، فقالت: وما اسمك؟ قال: الحارث، ولو سمى لها نفسه لعرفته، فسمته عبد الحارث، فكان هذا شركا في التسمية، ولم يكن شركا في العبادة، وإنّما قصدت أن الحارث كان سبب نجاة الولد، كما سمى الرجل نفسه عبد ضيفه، كما قال حاتم الطائي: وإنّي لعبد الضّيف ما دام ثاويا ... وما فيّ إلّا تلك من شيمة العبد وقرأ (٢) حماد بن سلمة عن ابن كثير: ﴿حَمْلًا﴾: بكسر الحاء، وقرأ الجمهور: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قال الحسن: أي: استمرت به، وقيل: هذا على القلب؛ أي: فمر الحمل بها؛ أي: استمر بها، وقال الزمخشري: فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخراج ولا إزلاق، وقرأ ابن عباس فيما ذكر النقاش، وأبو العالية، ويحيى بن يعمر وأيوب ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ خفيفة الراء من المرية؛ أي: فشكت فيما أصابها أهو حمل أو مرض؟. وقيل: معناه استمرت به، لكنهم كرهوا التضعيف فخففوه، نحو: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ فيمن فتح من القرار، وقرأ عبد الله بن عمرو بن العاص والجحدري ﴿فمارت به﴾ بألف وتخفيف الراء؛ أي: جاءت وذهبت وتصرفت به، كما تقول: مارت الريح مورا، ووزنه فعل، وقال الزمخشري: من المرية كقوله تعالى: ﴿أفتمرونه﴾ ومعناه ومعنى المخففة: ﴿فَمَرَّتْ﴾ وقع في نفسها ظن الحمل، وارتابت به، ووزنه فاعل، وقرأ عبد الله ﴿فاستمرت بحملها﴾. وقرأ سعد بن أبي وقاص وابن عباس أيضا والضحاك: ﴿فاستمرت به﴾. وقرأ أبي بن كعب والجرمي ﴿فاستمارت به﴾. والظاهر رجوعه إلى المرية، بني منها استفعل كما بني منها فاعل في قولك: ﴿ماريت﴾. وقرىء: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ على البناء للمفعول، وقرأ ابن عباس وأبو جعفر وشيبة وعكرمة ومجاهد، وأبان بن تغلب ونافع وأبو بكر عن عاصم: ﴿شركا﴾

стр. 4518

على المصدر، وهو على حذف مضاف؛ أي: ذا شرك، ويمكن أن يكون أطلق الشرك على الشريك، كقولهم: زيد عدل، قال الزمخشري: أو أحدث لله إشراكا في الولد. انتهى، وقرأ الأخوان - حمزة والكسائي - وابن كثير وأبو عمرو: ﴿شُرَكاءَ﴾. على الجمع ويبعد توجيه الآية أنها في آدم وحواء على هذه القراءة، وتظهر باقي الأقوال عليهما، وفي مصحف أبي ﴿فلما آتاهما صالحا أشركا فيه﴾ وجملة قوله: ﴿فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: فترفع الله ، وتنزه عن شركة ما يشرك به الكفار، من الأصنام والطواغيت، معطوفة (١) على جملة قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ والتقدير: هو الذي خلقكم من نفس واحدة، فتعالى عما يشركون، ويكون في قوله: ﴿يُشْرِكُونَ﴾ التفات وما بينهما، وهو قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْها﴾ إلى قوله: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وفي «الكرخي»: هذه الجملة مسببة معطوفة على خلقكم؛ أي: وليس لها تعلق بقصة آدم وحواء أصلا، ويوضح ذلك تغيير الضمير إلى الجمع بعد التثنية، ولو كانت القصة واحدة لقال: عما يشركان، كقوله: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ اه، ويؤيد هذا التأويل قراءة السلمي: ﴿عما تشركون﴾ بتاء الخطاب، التفاتا من الغيبة إلى الخطاب. وقال بعض المفسرين: وقد نسب (٢) هذا الجعل إلى آدم وحواء، والمراد أولادهما، قال الحسن البصري: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا، فهودوا ونصروا، وقال الحافظ ابن كثير: أما نحن فعلى مذهب الحسن البصري في هذا التأويل، وأنه ليس المراد من السياق آدم وحواء، وإنّما المراد من ذلك ذريته، ولهذا قال: ﴿فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ثم قال: فذكره آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس. اه وقال صاحب «الانتصاف»: إن المراد جنس الذكر والأنثى، لا يقصد فيه إلى معين، وكأن المعنى - والله أعلم -: خلقكم جنسا واحدا، وجعل أزواجكم منكم أيضا لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس

стр. 4519

الذي هو الأنثى .. جرى من هذين الجنسين كيت كيت، وإنّما نسب هذه المقالة إلى الجنس وإن كان فيهم الموحدون لأنّ المشركين منهم، كقوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ وقوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾. اه وقال صاحب «الكشاف»: إن المراد بالزوجين الجنس لا الفرد؛ أي: معينان، والغرض بيان حال البشر فيما طرأ عليهم من نزغات الشرك الخفي والجلي في هذا الشأن وأمثاله، والجنس يصدق ببعض أفراده. وبهذا (١): تعلم أن ما روي عن بعض الصحابة والتابعين من أن الآية في آدم وحواء، وما روي في حديث سمرة بن جندب مرفوعا: قال: لما ولدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد - وذلك لأنّها ولدت قبل ذلك عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن فأصابهم الموت - فقال لها: سميه عبد الحارث، فإنّه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، فكان ذلك من وحي الشيطان؛ أي: وسوسته، ونحوه آثار كثيرة في هذه المعنى مفصلة ومطولة، فهو خرافة من دس الإسرائيليين، نقلت عن مثل كعب الأحبار، ووهب بن منبه، فلا يوثق بها؛ لأنّ فيها طعنا صريحا في آدم وحواء ﵉، ورميا لهما بالشرك، ومن ثم رفضها كثير من المفسرين، وقال الحافظ ابن كثير: وهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنّها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم». وأخبار أهل الكتاب ثلاثة أقسام (٢): فمنها: ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله. ومنها: ما علمنا كذبه بما دل الدليل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا. ومنها: ما هو مسكوت عنه، فهو المأذون في روايته بقوله ﵇: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». وهو لا يصدق ولا يكذب لقوله: «فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم». ١٩١ - ثم بين

стр. 4520

سبحانه فساد رأيهم، وسخافة عقولهم لهذا الشرك، فقال: ﴿أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ والاستفهام فيه للتوبيخ والتقريع؛ أي: أيشركون به ، وهو الخالق لهم ولأولادهم، ولكل مخلوق ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾؛ أي: أصناما لا تقدر على خلق شيء من الأشياء وإن كان حقيرا، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؛ أي: بل هم مخلوقون، ولا يليق بذي العقل السليم أن يجعل المخلوق العاجز شريكا للخالق القادر، ومعبودا لنفسه، ومن حق المعبود أن يكون خالقا لعابده. والمعنى (١): أتشركون الأصنام - وهي لا تقدر على خلق شيء - كما يخلق الله، وهم يخلقون؛ أي: يخلقهم الله تعالى ويوجدهم كما يوجدكم، أو المعنى: وهم ينحتون ويصنعون، فعبدتهم يخلقونهم، وهم لا يقدرون على خلق شيء، فهم أعجز من عبدتهم، وجملة ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ معطوفة على جملة الصلة، وجمع الضمير اعتبارا بمعنى ﴿ما﴾ كما أفرده في ﴿يَخْلُقُ﴾ اعتبارا بلفظه، وعبر عن الأصنام بضمير العقلاء نظرا لاعتقاد الكفار فيهم، أو لأن من جملة من عبد الشياطين والملائكة وبعض بني آدم، فغلبوا على غيرهم. والآية وما بعدها حكاية لشرك عباد الأصنام عامة، وينتظم فيهم مشركو مكة وأمثالهم ممن نزل القرآن في عهدهم، وتوبيخ لهم بتفصيل أحوال أولئك الشركاء التي تنافي ما اعتقدوه، وقرأ السلمي ﴿أتشركون﴾ بالتاء من فوق. ١٩٢ - ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾؛ أي: ولا يستطيع المعبودون نصرا ومعونة لعابديهم إذا حزبهم أمر مهم وخطب ملم ﴿وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾؛ أي: كما لا يستطيعون نصرا لأنفسهم على من يعتدي عليهم بإهانة لهم، أو أخذ شيء مما عندهم من طيب أو حلي، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾. والخلاصة: أنّهم يحتاجون إليكم في تكريمهم وفي الدفاع عنهم، وأنتم لا
следующие страницы →