معنى النفس، ليبين أنّ المراد بها آدم، وكان هذا في الجنة كما وردت بذلك الأخبار، ثم ابتدأ سبحانه بحالة أخرى كانت بينهما في الدنيا بعد هبوطهما إلى الأرض فقال: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاها﴾؛ أي: فلما جامع آدم حواء ﴿حَمَلَتْ﴾ حواء، وعلقت بعد الجماع ﴿حَمْلًا خَفِيفًا﴾؛ أي: حملا هينا غير ثقيل في بادىء الأمر ﴿فَمَرَّتْ﴾ حواء ودامت متلبسة ﴿بِهِ﴾؛ أي: بذلك الحمل من غير خروج ولا سيلان منها، حتى كبر الولد في بطنها، وأحست بثقل الحمل، أو المعنى: ترددت في أغراضها وحوائجها من غير مشقة ولا كلفة، كما في «الفتوحات» ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ حواء؛ أي: فلما أحست حواء بثقل الحمل في بطنها، وأحست تحركها، وعرفت أنّه حيوان في بطنها، وأخبرت حال حملها لآدم ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما﴾؛ أي: دعا آدم وحواء ربهما ومالك أمرهما أن يؤتيهما ولدا صالحا، حالفين بالله بقولهما والله ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾؛ أي: والله لئن أعطيتنا يا إلهنا ولدا صالحا؛ أي: بشرا سويا مثلنا؛ أي: كامل الخلق، مستوى الأعضاء، خاليا من العوج والعرج ﴿لَنَكُونَنَّ﴾ يا إلهنا ﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لك على هذه النعمة، وذلك (١) أنّ إبليس أتاها في غير صورته التي عرفته، وقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت ما أدري: قال: إنّي أخاف أن يكون بهيمة أو كلبا أو خنزيرا، وذكرت ذلك لآدم، فلم يزالا في هم من ذلك، ثم أتاها فقال: إن سألت الله أن يجعله خلقا سويا مثلك فسميه عبد الحارث، وكان اسم إبليس عند الملائكة الحارث، ولم يزل بها حتى غرها، فلما ولدت ولدا سوي الخلق .. سمته عبد الحارث برضا آدم فذلك قوله:
١٩٠ - ﴿فَلَمَّا آتاهُما﴾؛ أي: فلما أعطى الله آدم وحواء ﴿صالِحًا﴾؛ أي: ولدا صالحا، وبشرا سويا ﴿جَعَلا﴾؛ أي: جعل آدم وحواء ﴿لَهُ﴾ ﴿شُرَكاءَ﴾ يعني إبليس، فأوقع الواحد موقع الجمع ﴿فِيما آتاهُما﴾؛ أي: في تسمية ما أعطاهما الله من الولد الصالح، حيث سمياه عبد الحارث، ولا ينبغي أن يكون عبدا إلا لله تعالى، ولم تعرف حواء أنّه إبليس، ولم يكن هذا شركا بالله، لأنّهما لم يذهبا إلى أن الحارث
стр. 4517
ربهما، لكنهما قصدا إلى أنّه كان سبب نجاته وسلامة أمه. قال كثير (١) من المفسرين: إنّه جاء إبليس إلى حواء وقال لها: إن ولدت ولدا .. فسميه باسمي، فقالت: وما اسمك؟ قال: الحارث، ولو سمى لها نفسه لعرفته، فسمته عبد الحارث، فكان هذا شركا في التسمية، ولم يكن شركا في العبادة، وإنّما قصدت أن الحارث كان سبب نجاة الولد، كما سمى الرجل نفسه عبد ضيفه، كما قال حاتم الطائي:
وإنّي لعبد الضّيف ما دام ثاويا ... وما فيّ إلّا تلك من شيمة العبد
وقرأ (٢) حماد بن سلمة عن ابن كثير: ﴿حَمْلًا﴾: بكسر الحاء، وقرأ الجمهور: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قال الحسن: أي: استمرت به، وقيل: هذا على القلب؛ أي: فمر الحمل بها؛ أي: استمر بها، وقال الزمخشري: فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخراج ولا إزلاق، وقرأ ابن عباس فيما ذكر النقاش، وأبو العالية، ويحيى بن يعمر وأيوب ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ خفيفة الراء من المرية؛ أي: فشكت فيما أصابها أهو حمل أو مرض؟. وقيل: معناه استمرت به، لكنهم كرهوا التضعيف فخففوه، نحو: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ فيمن فتح من القرار، وقرأ عبد الله بن عمرو بن العاص والجحدري ﴿فمارت به﴾ بألف وتخفيف الراء؛ أي: جاءت وذهبت وتصرفت به، كما تقول: مارت الريح مورا، ووزنه فعل، وقال الزمخشري: من المرية كقوله تعالى: ﴿أفتمرونه﴾ ومعناه ومعنى المخففة: ﴿فَمَرَّتْ﴾ وقع في نفسها ظن الحمل، وارتابت به، ووزنه فاعل، وقرأ عبد الله ﴿فاستمرت بحملها﴾. وقرأ سعد بن أبي وقاص وابن عباس أيضا والضحاك: ﴿فاستمرت به﴾. وقرأ أبي بن كعب والجرمي ﴿فاستمارت به﴾. والظاهر رجوعه إلى المرية، بني منها استفعل كما بني منها فاعل في قولك: ﴿ماريت﴾.
وقرىء: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ على البناء للمفعول، وقرأ ابن عباس وأبو جعفر وشيبة وعكرمة ومجاهد، وأبان بن تغلب ونافع وأبو بكر عن عاصم: ﴿شركا﴾
стр. 4518
على المصدر، وهو على حذف مضاف؛ أي: ذا شرك، ويمكن أن يكون أطلق الشرك على الشريك، كقولهم: زيد عدل، قال الزمخشري: أو أحدث لله إشراكا في الولد. انتهى، وقرأ الأخوان - حمزة والكسائي - وابن كثير وأبو عمرو: ﴿شُرَكاءَ﴾. على الجمع ويبعد توجيه الآية أنها في آدم وحواء على هذه القراءة، وتظهر باقي الأقوال عليهما، وفي مصحف أبي ﴿فلما آتاهما صالحا أشركا فيه﴾ وجملة قوله: ﴿فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: فترفع الله ، وتنزه عن شركة ما يشرك به الكفار، من الأصنام والطواغيت، معطوفة (١) على جملة قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ والتقدير: هو الذي خلقكم من نفس واحدة، فتعالى عما يشركون، ويكون في قوله: ﴿يُشْرِكُونَ﴾ التفات وما بينهما، وهو قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْها﴾ إلى قوله: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، وفي «الكرخي»: هذه الجملة مسببة معطوفة على خلقكم؛ أي: وليس لها تعلق بقصة آدم وحواء أصلا، ويوضح ذلك تغيير الضمير إلى الجمع بعد التثنية، ولو كانت القصة واحدة لقال: عما يشركان، كقوله: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ اه، ويؤيد هذا التأويل قراءة السلمي: ﴿عما تشركون﴾ بتاء الخطاب، التفاتا من الغيبة إلى الخطاب.
وقال بعض المفسرين: وقد نسب (٢) هذا الجعل إلى آدم وحواء، والمراد أولادهما، قال الحسن البصري: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا، فهودوا ونصروا، وقال الحافظ ابن كثير: أما نحن فعلى مذهب الحسن البصري في هذا التأويل، وأنه ليس المراد من السياق آدم وحواء، وإنّما المراد من ذلك ذريته، ولهذا قال: ﴿فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ثم قال: فذكره آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس. اه وقال صاحب «الانتصاف»: إن المراد جنس الذكر والأنثى، لا يقصد فيه إلى معين، وكأن المعنى - والله أعلم -: خلقكم جنسا واحدا، وجعل أزواجكم منكم أيضا لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس
стр. 4519
الذي هو الأنثى .. جرى من هذين الجنسين كيت كيت، وإنّما نسب هذه المقالة إلى الجنس وإن كان فيهم الموحدون لأنّ المشركين منهم، كقوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ وقوله: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾. اه وقال صاحب «الكشاف»: إن المراد بالزوجين الجنس لا الفرد؛ أي: معينان، والغرض بيان حال البشر فيما طرأ عليهم من نزغات الشرك الخفي والجلي في هذا الشأن وأمثاله، والجنس يصدق ببعض أفراده.
وبهذا (١): تعلم أن ما روي عن بعض الصحابة والتابعين من أن الآية في آدم وحواء، وما روي في حديث سمرة بن جندب مرفوعا: قال: لما ولدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد - وذلك لأنّها ولدت قبل ذلك عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن فأصابهم الموت - فقال لها: سميه عبد الحارث، فإنّه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، فكان ذلك من وحي الشيطان؛ أي:
وسوسته، ونحوه آثار كثيرة في هذه المعنى مفصلة ومطولة، فهو خرافة من دس الإسرائيليين، نقلت عن مثل كعب الأحبار، ووهب بن منبه، فلا يوثق بها؛ لأنّ فيها طعنا صريحا في آدم وحواء ﵉، ورميا لهما بالشرك، ومن ثم رفضها كثير من المفسرين، وقال الحافظ ابن كثير: وهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنّها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم».
وأخبار أهل الكتاب ثلاثة أقسام (٢):
فمنها: ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله.
ومنها: ما علمنا كذبه بما دل الدليل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا.
ومنها: ما هو مسكوت عنه، فهو المأذون في روايته بقوله ﵇: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج».
وهو لا يصدق ولا يكذب لقوله: «فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم».
١٩١ - ثم بين
стр. 4520
سبحانه فساد رأيهم، وسخافة عقولهم لهذا الشرك، فقال: ﴿أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ والاستفهام فيه للتوبيخ والتقريع؛ أي: أيشركون به ، وهو الخالق لهم ولأولادهم، ولكل مخلوق ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾؛ أي: أصناما لا تقدر على خلق شيء من الأشياء وإن كان حقيرا، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؛ أي: بل هم مخلوقون، ولا يليق بذي العقل السليم أن يجعل المخلوق العاجز شريكا للخالق القادر، ومعبودا لنفسه، ومن حق المعبود أن يكون خالقا لعابده.
والمعنى (١): أتشركون الأصنام - وهي لا تقدر على خلق شيء - كما يخلق الله، وهم يخلقون؛ أي: يخلقهم الله تعالى ويوجدهم كما يوجدكم، أو المعنى: وهم ينحتون ويصنعون، فعبدتهم يخلقونهم، وهم لا يقدرون على خلق شيء، فهم أعجز من عبدتهم، وجملة ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ معطوفة على جملة الصلة، وجمع الضمير اعتبارا بمعنى ﴿ما﴾ كما أفرده في ﴿يَخْلُقُ﴾ اعتبارا بلفظه، وعبر عن الأصنام بضمير العقلاء نظرا لاعتقاد الكفار فيهم، أو لأن من جملة من عبد الشياطين والملائكة وبعض بني آدم، فغلبوا على غيرهم.
والآية وما بعدها حكاية لشرك عباد الأصنام عامة، وينتظم فيهم مشركو مكة وأمثالهم ممن نزل القرآن في عهدهم، وتوبيخ لهم بتفصيل أحوال أولئك الشركاء التي تنافي ما اعتقدوه، وقرأ السلمي ﴿أتشركون﴾ بالتاء من فوق.
١٩٢ - ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾؛ أي: ولا يستطيع المعبودون نصرا ومعونة لعابديهم إذا حزبهم أمر مهم وخطب ملم ﴿وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾؛ أي: كما لا يستطيعون نصرا لأنفسهم على من يعتدي عليهم بإهانة لهم، أو أخذ شيء مما عندهم من طيب أو حلي، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾.
والخلاصة: أنّهم يحتاجون إليكم في تكريمهم وفي الدفاع عنهم، وأنتم لا
стр. 4521
تحتاجون إليهم، فلو تفكرتم في ذلك .. لآمنتم بالله تعالى وكفرتم بها
١٩٣ - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ﴾؛ أي: وإن تدعوا أيها المشركون الأصنام ﴿إِلَى الْهُدى﴾؛ أي: إلى أن يهدوكم إلى الحق والرشاد ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾؛ أي: لا يجيبوكم كما يجيبكم الله تعالى.
والمعنى: وإن تدعوا تلك الأصنام إلى أن يهدوكم إلى ما تحصلون به رغباتكم، أو إلى ما تنجون به من المكاره التي تحيق بكم .. لا يتبعوكم؛ أي: لا يوافقوكم ولا يجيبوا لكم، ولا ينفعوكم بجلب المصالح، أو دفع المضار، ويجوز أن يكون ضمير الفاعل في ﴿تَدْعُوهُمْ﴾ إلى ﴿المؤمنين﴾ والمنصوب إلى ﴿الكفار﴾؛ أي: وإن تدعوا أيها المؤمنون هؤلاء الكفار إلى الهدى والإيمان .. لا يتبعوكم؛ أي: لا يوافقوكم إلى الإيمان والتوحيد، فهم مصرون على شركهم، راسخون فيه.
وقرأ الجمهور (١): ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ مشددا هنا وفي ﴿وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤)﴾. من اتبع الخماسي، ومعناه: لا يقتدوا بكم، وقرأ نافع فيهما: لا يتبعوكم مخففا من تبع الثلاثي، ومعناه: لا يتبعوا آثاركم، ثم أكد عدم نفعهم فقال: ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيها المشركون ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: أدعوتم تلك الأصنام واستغثتم بها ﴿أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ﴾ عن دعوتها، وساكتون عن الاستغاثة بها؛ أي:
دعاؤكم لهم عند الشدائد وعدمه سواء في عدم الإفادة، لا فرق بينهما؛ لأنهم لا ينفعون ولا يضرون، ولا يسمعون ولا يجيبون؛ فإنه لا يتغير حالكم في كلتا الحالتين إذ هم لا يفهمون دعاءكم، ولا يسمعون أصواتكم، ولا يعقلون ما يقال لهم، وفي «السمين»: وإنّما أتى بالجملة الثانية اسمية - ولم يقل أم صمتّم - لأنّ الفعل يشعر بالحدوث؛ ولأنّها رأس فاصلة اه.
والخلاصة: أنه لا ينبغي أن يعبد من كانت هذه صفته، وإنّما الرب المعبود هو النافع من يعبده، الضار من يعصيه، الناصر وليه، الخاذل عدوه، والهادي إلى الرشاد من أطاعه، السامع دعاء من دعاه.
стр. 4522
١٩٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ وتعبدونهم ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ﴿عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾ أيها المشركون في كونهم مخلوقين لله، خاضعين لإرادته وقدرته، مع أنّكم أكمل منهم؛ لأنكم أحياء تنطقون وتمشون وتسمعون وتبصرون، وهذه الأصنام ليست كذلك، ولكنها مثلكم في كونها مملوكة لله، مسخرة لأمره، لا آلهة.
وإذا كانوا أمثالكم .. كان من المستحيل عقلا أن تطلبوا منهم ما لا تستطيعون نيله بأنفسكم، ولا بمساعدة أمثالكم، وإنّما يدعى الرب الخالق لما وراء الأسباب المشتركة، والذي تخضع لإرادته الأسباب، وهو لا يخضع لها، ولا لإرادته أحد يحمله على ما لا يشاؤه منها، وفي هذا تقريع لهم بالغ، وتوبيخ لهم عظيم.
والدعاء: هو النداء لدفع الضر أو جلب النفع، الذي يوجه إلى من يعتقد الداعي أن له سلطانا يمكنه أن يجيبه إلى ما طلبه، إما بذاته وإما بحمله الرب الخالق على ذلك، وجملة قوله: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ مقررة لمضمون ما قبلها من أنّهم إن دعوهم إلى الهدى .. لا يتبعوهم، وأنّهم لا يستطيعون شيئا؛ أي: فادعوا هؤلاء الشركاء والأصنام، فإن كانوا كما تزعمون .. فليستجيبوا لكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فيما تدعونه لهم من قدرتهم على النفع والضر؛ أي: إن كنتم صادقين في زعمكم أنهم قادرون على ما تعجزون عنه بقواكم البشرية، من نفع أو ضر، فادعوهم، فليستجيبوا لكم إما بأنفسهم، وإما بحملهم الرب ﵎ على إعطائكم ما تطلبون. وقرأ سعيد بن جبير: ﴿إن الذين تدعون﴾ بتخفيف ﴿إن﴾، وقرأ ﴿عبادا أمثالكم﴾ بنصب الدال واللام، على إعمال ﴿إن﴾ النافية عمل ما الحجازية، وقد ضعفت هذه القراءة بأنها خلاف ما رجحه سيبويه وغيره، من اختيار الرفع في خبرها لإهمالها، وقد أطال أبو حيان الكلام فيها في «البحر»، فراجعه إن شئت.
ثم ارتقى سبحانه في الرد عليهم، وأثبت أنّهم ليسوا أمثالهم بل أحط منهم منزلة، ودونهم رتبة، ووبخهم وأنبهم على عبادة هذه الأحجار والأصنام فقال:
стр. 4523
١٩٥ - ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ والاستفهام فيه وفيما بعده للتقريع والتوبيخ والإنكار؛ أي: إن هؤلاء الذين جعلتموهم شركاء لله ليس لهم شيء من الآلات التي هي ثابتة لكم، فضلا عن أن يكونوا قادرين على ما تطلبونه منهم؛ فإنّهم - كما ترون هذه الأصنام التي تعكفون على عبادتها - ليست لهم ﴿أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ في نفع أنفسهم، فضلا عن أن يمشوا في نفعكم ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ في دفع ما يؤذي ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها﴾ المنافع من المضار ﴿أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ تضرعكم ودعاءكم؛ أي: وليست لهم أيد يبطشون ويعملون بها كما يبطش غيرهم من الأحياء، وليست لهم أعين يبصرون بها كما تبصرون، وليست لهم آذان يسمعون بها كما تسمعون، فكيف تدعون من هم على هذه الصفة من سلب الأدوات، وبهذه المنزلة من العجز؟!! و ﴿أَمْ﴾ في هذه المواضع هي المنقطعة التي بمعنى ﴿بل﴾ والهمزة؛ كما ذكره أئمة النحو.
والمعنى (١): أنّ هؤلاء فقدوا وسائل الكسب التي يناط بها النفع والضر في هذه الحياة، فليس لهم أرجل يسعون بها إلى دفع ضر أو جلب نفع، وليس لهم أيد يبطشون بها فيما ترجون منهم من خير، أو تخافون من شر، وليس لهم أعين يبصرون بها حالكم، ولا آذان يسمعون بها أقوالكم، ويعرفون بها مطالبكم، فهم ليسوا مثلكم، بل دونكم في الصفات والقوى التي أودعها الله في الخلق، فكيف ترفعونهم عن مماثلتكم وهم دونكم بالاختبار والمشاهدة، وإنّكم تستكبرون عن قبول الهدى والرشاد من الرسول، ويقول بعضكم لبعض ﴿ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ (٣٤)﴾ فما بالكم تأبون قبول الحق والخير من مثلكم، وقد فضله الله عليكم بالعلم والهدى، ثم ترفعون ما دونه ودونكم إلى مقام الألوهية، مع انحطاطه عن درجة المثلية؟
وقرأ الحسن والأعرج ونافع (٢): ﴿يَبْطِشُونَ﴾: بكسر الطاء، وقرأ أبو جعفر
стр. 4524
وشيبة ونافع بضمها. ثم أمر رسوله ﷺ أن يبين لهم حقارة شأنهم فقال: ﴿قُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء الذين يحتقرون نعم الله عليهم ﴿ادْعُوا﴾ ونادوا ﴿شُرَكاءَكُمْ﴾ الذين اتخذتموهم أولياء من دون الله، واستعينوا بهم في عداوتي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنتم وشركاؤكم جميعا؛ أي: تعاونوا على كيدي وبالغوا فيما تقدرون عليه من المكر وأوقعوا الضر بي سريعا ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾؛ أي: فلا تمهلوني ولا تؤخروني ساعة من نهار، فإني لا أبالي بكم لاعتمادي على ولاية الله وحفظه، فمعنى ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾: استعينوا بهم على إيصال الضر إلي ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾؛ أي: امكروا بي، ولا تؤخرون عما تريدون بي من الضر.
والحكمة في مطالبتهم بهذا (١): أن العقائد الموروثة يتضاءل دونها كل برهان، ولا يجدي معها دليل، ومن ثم طالبهم بأمر عملي ينزع هذا الوهم من أعماق القلوب، وهو أن ينادوا هؤلاء الشركاء ويستنجدوا بهم لصد دعوة الداعين إلى الكفر بها، وإثبات العجز له، وإنكار ما لهم من سلطان غيبي وتدبير كامن، فإن كان لها سلطان في أنفسها أو من عند الله تعالى .. فهذا أوان ظهوره، وإلا فمتى يظهر ليساعد إبطال عبادتها، وينصر عابديها ومعظمي شأنها، ومن الجلي أنّ القوم كانوا ينكرون البعث، فكل ما يرجونه منها من خير أو يخافونه منها من شر فهو في هذه الحياة.
وقرأ أبو عمرو وهشام بخلاف عنه: ﴿كيدوني﴾ بإثبات الياء وصلا ووقفا، وقرأ باقي السبعة بحذف الياء، اجتزاء بالكسرة عنها.
١٩٦ - ثم زاد الأمر بيانا، وبالغ في حقارة هذه المعبودات وعابديها على ما كان به من ضعف وقلة ناصر، وهو بمكة حين نزول هذه السورة، فقال: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ﴾؛ أي: إن ناصري ومتولي أموري هو ﴿اللَّهُ﴾ ﴿الَّذِي نَزَّلَ﴾ علي ﴿الْكِتابَ﴾ الكريم والقرآن العظيم المؤيد لوحدانيته، ووجوب عبادته، ودعائه عند الشدائد والملمات، والناعي على المشركين عبادة غيره من وثن أو صنم، ﴿وَهُوَ﴾
стр. 4525
سبحانه وتعالى ﴿يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ من عباده؛ أي: ينصرهم على أعدائه ولا يخذلهم، فلا تضرهم عداوة من عاداهم، وهم من صلحت أنفسهم بصحيح العقائد، وسلمت من الأوهام والخرافات، وبالأعمال التي تصلح بها شؤون الأفراد والجماعات، فنصرهم على ذوي الخزعبلات والأوهام، وفاسدي العقائد والأحلام، تصديقا لقوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ﴾.
وقرأ الجمهور (١): ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ بياء مشددة مضافا لياء المتكلم المفتوحة، وهي ياء فعيل، أدغمت في لام الكلمة، وهي قراءة واضحة، أضاف الولي إلى نفسه، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه: بياء واحدة مشددة مفتوحة، ورفع الجلالة، قال أبو علي: لا يخلو إما أن تدغم الياء التي هي لام الفعل في ياء الإضافة وهو لا يجوز؛ لأنّه ينفك الإدغام الأول، أو تدغم ياء فعيل في ياء الإضافة
ويحذف لام الفعل، فليس إلا هذا. انتهى.
وروي (٢): أن عمر بن عبد العزيز ما كان يدخر لأولاده شيئا، فقيل له في ذلك؟ فقال: ولدي إما أن يكون من الصالحين أو من المجرمين، فإن كان من الصالحين فوليه الله، ومن كان الله له وليا .. فلا حاجة له إلى مالي، وإن كان من المجرمين .. فقد قال تعالى: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ومن رده الله لم أشتغل بإصلاح مهماته.
١٩٧ - ثم أكد ما سلف بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: والذين تعبدونهم من دون الله تعالى من الأصنام ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ أيها المشركون في أمر من الأمور ﴿وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾؛ أي: ولا يحفظون أنفسهم ويمنعونها مما يراد بهم من الضرر، فكيف أبالي بهم؟!! وهذه الجملة (٣) من تمام التعليل لعدم مبالاته بهم فهي معطوفة على قوله: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾؛ أي: لا أبالي بهم؛ لأن
стр. 4526
وليي الله؛ ولأنّ ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الخ. وبهذا يندفع توهم التكرار مع ما سبق؛ لأنّ ما سبق للفرق بين من تجوز عبادته ومن لا، وما هنا لتعليل عدم المبالاة بهم.
والمعنى (١): أي وإنّ الذين تدعونهم لنصركم، وجلب النفع لكم، ودفع الضر عنكم عاجزون، فلا هم بالمستطيعون نصركم، ولا نصر أنفسهم على من يحقر شأنهم، أو يسلبهم شيئا مما وضع عليهم من طيب، أو حلي، فقد كسر إبراهيم الخليل صلوات الله عليه وسلامه الأصنام، فجعلهم جذاذا، فما استطاعوا أن يدفعوه عن أنفسهم، ولا أن ينتقموا منه لها.
وقد روي (٢) عن معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن جبل ﵄ وكانا شابين من الأنصار قد أسلما، لما قدم النبي ﷺ المدينة - أنّهما كانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانه ويتلفانها، ويتخذانها حطبا للأرامل، ليعتبر قومهما بذلك ويرتؤوا لأنفسهم رأيا آخر.
وكان لعمرو بن الجموح - وكان سيد قومه - صنم يعبده، فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه ويلطخانه بالعذرة، فيجيء عمرو فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيبه، ويضع عنده سيفا ويقول له: انتصر، ثم يعودان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضا حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء ورأى ذلك .. علم أن ما كان عليه من الدين باطل وأنشد:
تالله لو كنت إلها مستدن ... لم تك والكلب جميعا مقترن
ثم أسلم وحسن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيدا ﵁، وبعد أن نفى عنهم القدرة على النصرة، أردف ذلك بنفي قدرتهم على الإرشاد إلى الهدى والرشاد.
١٩٨ - فقال: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى﴾؛ أي: وإن تدعوا أيها المشركون أصنامكم إلى أن يهدوكم إلى ما تحصلون به مقاصدكم وتنتصرون به من أسباب خفية أو ظاهرة ﴿لا يَسْمَعُوا﴾ دعاءكم، ولا يجيبونه، فضلا عن مدّ يد المعونة والمساعدة؛
стр. 4527
لأنهم أموات غير أحياء، وقيل (١): المعنى وإن تدعوا أيها المؤمنون المشركين إلى الهدى والإيمان لا يسمعوا؛ أي: لا يقبلوا ذلك بقلوبهم، فلا يجيبوكم، والآية كقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾.
﴿وَتَراهُمْ﴾؛ أي: وترى أيها المخاطب تلك الأصنام ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ بما وضع لهم من أعين صناعية، وحدق زجاجية، أو جوهرية، موجهة إلى من يدخل عليها، كأنها تنظر إليه ﴿وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ بها؛ لأن حاسة الإبصار لا تحصل بالصناعة، وإنّما هي من خواص الحياة التي استأثر الله بها؛ أي: والحال أنّهم غير قادرين على الإبصار؛ لأنّهم أموات غير أحياء، وهم إذ فقدوا السمع لا يسمعون نداء ولا دعاء ممن يعبدونهم، ولا من غيرهم، وإذ فقدوا البصر لا يبصرون حاله وحال خصمه، فكيف يرجى منهم نصر وشد أزر؟ أو أي معونة أخرى؟ أو كيف يخشى منهم إيصال ضر وأذى لمن يحتقرهم؟!!
وقيل المعنى: وترى يا محمد المشركين ينظرون إليك بأعينهم، وهم لا يبصرونك بقلوبهم.
١٩٩ - ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ يا محمد؛ أي: اقبل الميسور من أخلاق الناس من غير تجسس لئلا تتوالد العداوة والبغضاء، أو المعنى: خذ ما تيسر من المال فما آتوك به فخذه، ولا تسأل عما وراء ذلك، وكان هذا قبل نزول فريضة الزكاة، وقال مجاهد: يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس، وذلك مثل قبول الاعتذار منهم، وترك البحث عن الأشياء، والعفو: المساهلة في كل شيء، وقال أبو السعود: ولما ذكر الله من أباطيل المشركين وقبائحهم ما لا يطاق .. حمله أمره ﵇ بمكارم الأخلاق، التي من جملتها الإغضاء عنهم، انتهى.
﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾؛ أي: وأمر الناس بكل ما أمرك الله به، وهو كل ما عرفته بالوحي من الله ، وقرأ (٢) عيسى بن عمر ﴿بِالْعُرْفِ﴾ - بضمتين - وهما لغتان، والعرف والمعروف والعارفة: كل خصلة حسنة ترتضيها العقول، وتطمئن
стр. 4528
إليها النفوس، ومنه قول الشاعر:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والنّاس
﴿وَأَعْرِضْ﴾ واصفح ﴿عَنِ﴾ إساءة ﴿الْجاهِلِينَ﴾ بالمعروف، المستهزئين بك؛ أي: إذا أقمت الحجة في أمرهم بالمعروف، فلم يفعلوا، فأعرض عنهم، ولا تمارهم، ولا تسافههم مكافأة لما يصدر منهم من المراء والسفاهة، قيل: وهذه الآية من جملة ما نسخ بآية السيف، قاله عبد الرحمن بن زيد وعطاء، وقيل: هي محكمة، قاله مجاهد وقتادة. وقيل (١): إن كان المراد بالجاهلين الكفار، وبالإعراض عدم مقاتلتهم .. فالآية منسوخة بآية السيف، وإن كان المراد بالجاهلين ضعفاء الإسلام وأجلاف العرب، وبالإعراض عدم تعنيفهم والإغلاظ عليهم .. فالآية محكمة، وفي معنى ذلك قوله سبحانه: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ وهو الذي لا عتاب فيه.
وقال بعضهم (٢): أول هذه الآية وآخرها منسوخ، ووسطها محكم، يريد بنسخ أولها أخذ الفضل من الأموال، فنسخ بفرض الزكاة، والأمر بالمعروف محكم، والإعراض عن الجاهلين منسوخ بآية القتال، وفي هذه الآية تعليم مكارم الأخلاق للعباد، فليس هذا الأمر من خصوصياته ﷺ .
وحاصل معنى الآية: أن الله (٣) أمر نبيه في هذه الآية بثلاثة أشياء، هي أسس عامة للشريعة في الآداب النفسية والأحكام العملية:
١ - العفو: وهو السهل الذي لا كلفة فيه؛ أي: خذ ما عفا لك وسهل من أفعال الناس وأخلاقهم، وما أتى منهم وتسهل من غير كلفة، ولا تطلب منهم ما يشق عليهم حتى ينفروا، وهذا كما جاء في الحديث: «يسروا ولا تعسروا». وقال الشاعر:
خذ العفو منّي تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
стр. 4529
وقيل إن المعنى: خذ العفو وما تسهل من صدقاتهم.
والخلاصة: أن من قواعد الدين وفوائده اليسر وتجنب الحرج، وما يشق على الناس، وقد صح أن النبي ﷺ : «ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما».
٢ - الأمر بالمعروف: وهو ما تعرفه النفس من الخير وتأنس به وتطمئن إليه، ولا شك أنّ هذا مبني على اعتبار عادات الأمة الحسنة، وما تتواطأ عليه من الأمور النافعة في مصالحها، وإجمال القول فيه: أنه اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس.
وقد ذكر المعروف في السور المدنية في الأحكام الشرعية العملية، كوصف الأمة الإسلامية وحكومتها كقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، وقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾، وعند ذكر الحقوق الزوجية كقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾، وفي أحكام الطلاق كقوله: ﴿فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ﴾، وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.
ومن ذلك ترى أن هذا اللفظ (المعروف) لم يذكر إلا في الأحكام الهامة، وأنّ المراد به ما هو معهود بين الناس في المعاملات والعادات، ولا شك أنّه يختلف باختلاف الشعوب والبلاد والأوقات، ومن ثم قال بعض الأئمة: المعروف ما يستحسن في العقل فعله، ولا تنكره العقول الصحيحة، ويكفي المسلمين المحافظة على النصوص الثابتة، إذ لا يمكن المؤمن أن يستنكر ما جاء عن الله ورسوله، وليكن للجماعة الإسلامية بعده رأي فيما يعرفون وينكرون، ويستحسنون ويستهجنون، ويكون عمدتهم في ذلك جمهور العقلاء، وأهل الفضل والأدب في كل عصر.
٣ - الإعراض عن الجاهلين: وهم السفهاء، بترك معاشرتهم، وعدم مماراتهم، ولا علاج للوقاية من أذاهم إلا الإعراض عنهم، وقد روي عن جعفر الصادق ﵀ أنه قال: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها.
стр. 4530
وروي الطبري وغيره عن جابر: «أنّه لما نزلت هذه الآية سأل النبي ﷺ جبريل عنها؟ فقال: لا أعلم حتى أسأل، ثم رجع فقال: إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك». كما مر وأخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال:
خذ العفو وأمر بعرف كما ... أمرت وأعرض عن الجاهلين
ولن في الكلام لكلّ الأنام ... فمستحسن من ذوي الجاه لين
وقال بعض العلماء: هذه الآية قد تضمنت قواعد الشريعة، فلم يبق فيها حسنة إلا وعتها، ولا فضيلة إلا شرحتها فقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ إيماء إلى جانب اللين ونفي الحرج في الأخذ والإعطاء وأمور التكليف وقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ تناول جميع المأمورات والمنهيات، وأنهما ما عرف في الشريعة حكمه، واتفقت القلوب على علمه، وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ تناول جانب الصفح بالصبر الذي يتأتى للعبد به كل مراد في نفسه وغيره. اه.
٢٠٠ - ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ ويصيبنك (١) يا محمد ويعرض لك ﴿مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾؛ أي: نخسة ووسوسة تحملك على خلاف ما أمرت به من العفو والإعراض عن الجاهلين ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: فاستجر بالله، والتجىء إليه في دفعه عنك ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿سَمِيعٌ﴾ يسمع دعاءك واستعاذتك ﴿عَلِيمٌ﴾ بحالك، أو سميع باستعاذتك بلسانك، عليم بما في ضميرك من استحضاره معاني الاستعاذة، فالقول اللساني بدون المعارف القلبية عديم الفائدة والأثر، أو سميع بأقوال من آذاك، عليم بأفعاله، فيجازيه عليها مغنيا لك عن الانتقام، ومتابعة الشيطان.
والمعنى (٢): وإن يثر فيك الشيطان داعية الشر والفساد، بسبب غضب أو شهوة، فيجعلك تتأثر وتتحرك للعمل بها، كما تتأثر الدابة إذا نخست بالمهماز فتسرع، فالجأ إلى الله وتوجه إليه بقلبك ليعيذك من شر هذا النزغ، حتى لا يحملك على ما يزعجك من الشر، وعبر عن ذلك بلسانك فقل: أعوذ بالله من
стр. 4531
الشيطان الرجيم؛ فإنّه سميع لما تقول، عليم بما تحدثك به نفسك، ويجيش به صدرك، فهو يصرف عنك تأثير نزغه بتزيين الشر.
وقد دلت التجربة على أن الالتجاء إلى الله تعالى، وذكره بالقلب واللسان يصرف عن النفس وسوسة الشيطان، قال تعالى: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾. والخطاب في الآية وما ماثلها من الآيات موجه إلى كل مكلف يبلغه، وأولهم الرسول ﷺ ، فإنّ الشيطان يجد مجالا في حمل الإنسان على ما لا ينبغي في حالة الغضب والغيظ، فأمر الله بالالتجاء إليه، والتعويذ في تلك الحالة، فهي تجري مجرى العلاج لذلك المرض.
فصل (١): واحتج الطاعن في عصمة الأنبياء بهذه الآية
فقالوا: لو كان النبي معصوما .. لم يكن للشيطان عليه سبيل حتى ينزغ في قلبه ويحتاج إلى الاستعاذة منه، والجواب عنه بأوجه:
الأول: أن معنى الكلام: إن حصل في قلبك نزغ من الشيطان .. فاستعذ بالله، وإنّه لم يحصل له ذلك ألبتة، فهو كقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ وهو بريء من الشرك ألبتة.
والوجه الثاني: على تقدير أنّه لو حصل وسوسة من الشيطان، لكن الله عصم نبيه ﷺ عن قبولها وثبوتها في قلبه، روى مسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال وإياي، إلا أنّ الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير».
قال النواوي: ويروى: (فأسلم) بفتح الميم وضمها، فمن رفع قال: معناه فاسلم من شره وفتنته، ومن فتح قال: معناه أن القرين أسلم من الإسلام، يعني:
стр. 4532
صار مؤمنا، لا يأمرني إلا بخير، ورجح النواوي الفتح لقوله: «فلا يأمرني إلا بخير».
والوجه الثالث: يحتمل أن يكون الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد به غيره، ومعناه: وإمّا ينزغنّك أيها الإنسان من الشيطان نزع .. فاستعذ بالله، فهو كقوله: ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾.
قال القاضي عياض: واعلم أنّ الأمة مجمعة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه، وفي هذا الحديث المذكور آنفا إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه، أعلمنا أنّه معنا لنحترز عنه بحسب الإمكان. والله أعلم.
٢٠١ - ثم بين سبحانه طريق سلام من يستعيذ من الشيطان من الوقوع في المعصية فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؛ أي: إن الذين اتصفوا بوقاية أنفسهم عما يضرها ﴿إِذا مَسَّهُمْ﴾ وأصابهم ﴿طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾؛ أي: شيء قليل من وسوسة الشيطان، وخاطر منه ﴿تَذَكَّرُوا﴾ ما أمرهم الله به، من ترك إمضاء الغضب، ومن أنّ الإنسان إذا أمضى الغضب .. كان شريكا للسباع المؤذية والحيات القاتلة، وإن تركه واختار العفو .. كان شريكا لأكابر الأنبياء والأولياء والصالحين، ومن أنّه ربما انقلب ذلك الضعيف الذي يريد أن يعدو عليه قويا قادرا على الغضب، فحينئذ ينتقم منه على أسوأ الوجوه، أما إذا عفا كان ذلك إحسانا منه إلى ذلك الضعيف ﴿فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ بسبب التذكر مواقع الخطأ، ومكايد الشيطان، ومنتبهون لها، فيتحرزون عنها، ولا يتبعونه فيها؛ أي: إذا حضرن هذه التذكرات في قلوبهم، ففي الحال يحصل الخلاص من وسوسة الشيطان، ويحصل لهم الإبصار لها، والانكشاف عنها، وينتهون عن المعصية.
والمعنى: أن خيار المؤمنين وهم ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ إذا ألم ونزل بهم طائف وخيال من الشيطان ليحملهم بوسوسته على المعصية، أو إيقاع البغضاء بينهم .. تذكروا أن هذا من إغواء الشيطان عدوهم الذي أمر الله بالاستعاذة منه، والالتجاء إليه في الحفظ من
стр. 4533
غوايته، فإذا هم أولو بصيرة يربئون أنفسهم أن تطيعه فهو إنّما تأخذ وسوسته الغافلين من ربهم، الذين لا يراقبونه في شؤونهم وأعمالهم، ولا شيء أقوى على طرد وسواس الشيطان من ذكر الله، ومراقبته في السر والعلن من قبل أن يقوي في النفس حب الحق، وداعي الخير، ويضعف فيها الميل إلى الشرور والآثام.
فقويّ الروح بالإيمان والتقوى غير قابل لتأثير الشيطان في نفسه، لكن الشيطان دائما يتحين الفرص وعروض بعض الأهواء النفسية، من شهوة أو غضب أو داعية حسد أو انتقام، حتى إذا وجد الفرصة سانحة افترصها، ولا بس النفس وقوىّ فيها داعي الشر، كالحشرات القذرة التي تعرض للنظيف إذا أهملها بالغفلة عنها فعلت فعلها، وإذا تداركها نجا من شرها وضرّها.
وإن الإنسان ليشعر بتنازع دواعي الخير والشر في نفسه، وإن لداعية الخير والحق مسلكا يقويها، ولداعية الشر والباطل شيطانا يقويها، وقد بين النبي ﷺ ذلك بقوله: «إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك .. فليعلم أنه من الله فليحمد الله على ذلك، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان ثم قرأ: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾.
وقرأ النحويان (١): أبو عمرو والكسائي وابن كثير: ﴿طيف﴾ فيحتمل أن يكون مصدرا من طاف يطيف طيفا، كباع يبيع بيعا، ويحتمل أن يكون مخففا من طيف، كميت وميت، وليّن ولين، وقرأ باقي السبعة ﴿طائِفٌ﴾ اسم فاعل من طاف، وقرأ ابن جبير: ﴿طيف﴾ بالتشديد، وهو فيعل، وقرأ ابن الزبير: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تأملوا فإذا هم مبصرون﴾ وفي مصحف أبي ﴿إن الذين اتقوا إذا طاف من الشيطان طائف تأملوا فإذا هم مبصرون﴾.
وينبغي أن يحمل هذا، وقراءة ابن الزبير على أن ذلك من باب التفسير، لا على أنّه قرآن، لمخالفته سواد ما أجمع عليه المسلمون من ألفاظ القرآن.
стр. 4534
٢٠٢ - ﴿وَإِخْوانُهُمْ﴾؛ أي: وإخوان الشياطين وهم الكفار، ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾؛ أي: تمدّهم الشياطين وتساعدهم وتشجعهم ﴿فِي الغَيِّ﴾ والضلالة بتزيينه لهم، ﴿ثُمَّ﴾ أولئك الإخوان الذين هم الكفار ﴿لا يُقْصِرُونَ﴾ ولا ينكفون عن الغي، ولا ينزجرون عنه بالتبصر فيه كما تبصر المتقون، وإخوانهم مبتدأ، والخبر جملة ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ ولكن الخبرجرى على غير من هو له؛ لأنّ الضمير المرفوع يعود على ﴿الشياطين﴾ والمنصوب على ﴿الكفار﴾، فكأنّه (١) قيل: والكفار الذين هم إخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي، وهذا التفسير الذي ذكرته هو قول الجمهور، وعليه عامة المفسرين، وجرى عليه الطبري، قال الزمخشري: وهذا التفسير هو أوجه التفاسير؛ لأنّ ﴿إِخْوانُهُمْ﴾ في مقابلة ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾.
وقيل الضمير المرفوع يعود على الإخوان، والمنصوب على ﴿الشياطين﴾.
والمعنى (٢): وإخوان الشياطين من الكفار يمدونهم، أي: يقوون الشياطين في الغي والضلال، وذلك لأن شياطين الإنس إخوان لشياطين الجن، فشياطين الإنس يضلون الناس، فيكون ذلك تقوية منهم لشياطين الجن على الإضلال ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾؛ أي: لا ينكف الغاوون عن الضلال، والمغوون عن الإضلال، وعلى هذا فالخبر جار على من هو له، وقيل غير ذلك.
والمعنى: أي إن (٣) إخوان الشياطين - وهم الجاهلون والمشركون - الذين لا يتقون الله يتمكن الشياطين من إغوائهم، فيمدونهم ويزيدونهم في غيهم وإفسادهم؛ لأنّهم لا يذكرون الله إذا شعروا بالنزوع إلى الشر، ولا يستعيذون به من نزغ الشيطان ومسه، إما لأنّهم لا يؤمنون بالله، وإما لأنّهم لا يؤمنون بأن للإنسان شيطانا من الجن يوسوس إليه ويغريه بالشر، ثم لا يقصرون ولا يكفون عن إغوائهم وإفسادهم، فلذلك يصرون على الشر والفساد لفقد الوازع النفسي، والواعظ القلبي.
стр. 4535
والخلاصة: أنّ المؤمنين إذا مسهم طائف من الشيطان يحملهم على المعاصي .. تذكروا فأبصروا وحذروا وسلموا، وإن زلوا تابوا وأنابوا، وإنّ إخوان الشياطين تتمكن الشياطين من إغوائهم، فيمدونهم في غيهم، ولا يكفون عن ذلك، ومن ثم تراهم يستمرون في شرورهم وآثامهم لفقد الوازع النفسي.
وقرأ نافع (١): ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ بضم الياء وكسر الميم، من أمد الرباعي، وباقي السبعة ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ بفتح الياء وضم الميم، من مد الثلاثي، وقرأ الجحدري ﴿يمادونهم﴾ بألف بعد الميم من ماد على وزن فاعل، وقرأ الجمهور ﴿لا يُقْصِرُونَ﴾ بضم الياء من أقصر الرباعي، بمعنى كف، وقرأ ابن أبي عبلة وعيسى ابن عمر ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ بفتح الياء وضم الصاد من قصر الثلاثي؛ أي: ثمّ لا ينقصون من إمدادهم وغوايتهم.
٢٠٣ - ﴿وَإِذا﴾ تباطأ ظهور الخوارق على يديك يا محمد و ﴿لَمْ تَأْتِهِمْ﴾؛ أي: لم تأت أهل مكة ﴿بِآيَةٍ﴾؛ أي: بمعجزة باهرة مما اقترحوا وطلبوا منك ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال أهل مكة استهزاء وسخرية ﴿لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾؛ أي: هلا اصطفيت تلك الآية واخترعتها وأنشأتها من عند نفسك، كما اخترعت واختلقت ما قبلها، وقال (٢) الكلبي: كان أهل مكة يسألون النبي ﷺ الآيات تعنتا، فإذا تأخرت اتهموه وقالوا: لولا اجتبيتها، يعني: هلا أحدثتها وأنشأتها من عند نفسك كما اختلقت ما قبلها.
قال الفراء: تقول العرب: اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته إذا افتعلته من قبل نفسك، وعبارة المراغي هنا: وإذا لم تأتهم أيها الرسول بآية قرآنية، بأن تراخى نزول الوحي زمنا ما .. قالوا: لولا افتعلت نظمها وتأليفها، واخترعتها من تلقاء نفسك، وقد يكون المعنى: وإذا لم تأتهم بآية مما اقترحوا عليك قالوا: هلا حباك الله بها بأن مكنك منها، فاجتبيتها وأبرزتها لنا إن كنت صادقا في أن الله يقبل دعاءك، ويجيب التماسك.
стр. 4536
ثم أمر الله رسوله أن يجيبهم الجواب الشافي بقوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوا الآيات: لست ممن يأتي بالآيات ويختلقها من عند نفسه كما تزعمون بل ﴿إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ فما أوحاه إلي وأنزله علي أبلغته إليكم؛ أي: إنه ليس لي أن اقترح على ربي أمرا من الأمور، وإنما انتظر الوحي، فكل شيء أكرمني به قلته، وإلا وجب علي السكوت وترك الاقتراح.
وقد يكون المعنى: ما أنا بقادر على إيجاد الآيات الكونية، ولا بمفتات على الله في طلبها، وإنّما أنا متبع لما يوحى إلي، فضلا من ربي علي إذ جعلني مبلغا عنه، وقد وصف الله تعالى القرآن بثلاثة أوصاف فقال:
١ - ﴿هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: وقل لهم يا محمد هذا القرآن الذي أنزل عليّ، وأوحاه الله إلي بصائر من ربكم؛ أي: بمنزلة البصائر للقلوب، فبه تبصر الحق وتدرك الصواب؛ أي: حجج بينة وبراهين نيرة للعقول في الدلالة على التوحيد والنبوة والمعاد - صادرة من ربكم، من تأملها حق التأمل يكن بصير العقل بما تدل عليه من الحق، فهي أدل عليه مما تطلبونه من الآيات الكونية.
٢ - ﴿وَهُدىً﴾؛ أي: وهو هاد إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
٣ - ﴿وَرَحْمَةٌ﴾؛ أي: وهو رحمة في الدنيا والآخرة.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: للذين يؤمنون به، ويمتثلون أوامره، ويجتنبون نواهيه؛ أي: فالقرآن في حق أصحاب عين اليقين، وهم من بلغوا - في معارف التوحيد والنبوة والمعاد - مرتبة أصبحوا بها كالمشاهدين لها، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فهو لهؤلاء بصائر، وفي حق أصحاب علم القين، وهم الذين بلغوا إلى درجات المستدلين به هدى، وفي حق عامة المؤمنين رحمة لا جرم، وهم أصحاب حق اليقين.
٢٠٤ - ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ عليكم أيها المؤمنون ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾؛ أي: فاصغوا إليه بأسماعكم لتفهموا آياته، وتعتبروا بمواعظه ﴿وَأَنْصِتُوا﴾؛ أي: اسكتوا عن
стр. 4537
الكلام لاستماعه لتعقلوه وتتدبروه، ولا تلغوا فيه فلا تعقلوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ أي: لكي يرحمكم ربكم باتعاظكم بمواعظه، واعتباركم بعبره، واستعمالكم ما بينه لكم من فرائضه في آيه، فمن استمع وأنصت كان جديرا أن يفهم ويتدبر، ومن كان كذلك .. كان حريا أن يرحم.
والآية تدل على وجوب الاستماع والانصات للقرآن إذا قرىء، سواء أكان ذلك في الصلاة أو في خارجها، وهو المروي عن الحسن البصري، لكن الجمهور خصوه بقراءة الرسول ﷺ في عهده، وبقراءة الصلاة والخطبة من بعده، ذلك أن إيجاب الاستماع والإنصات في غير الصلاة والخطبة فيه حرج عظيم، إذ يقتضي أن يترك له المشتغل بالعلم علمه، والمشتغل بالحكم حكمه، وكل ذي عمل عمله.
أما قراءة النبي ﷺ ، فكان بعضها تبليغا للتنزيل وبعضها وعظا وإرشادا، فلا يسع أحدا من المسلمين يسمعه يقرأ أن يعرض عن الاستماع، أو يتكلّم بما يشغله، أو يشغل غيره عنه، وهكذا شأن المصلي مع إمامة وخطيبه، إذ هذا هو المقصود من الصلاة، والواجب فيها.
وما يفعله جماهير الناس، والمحافل التي يقرأ فيها القرآن - كالمآتم وغيرها - من ترك الاستماع والاشتغال بالأحاديث المختلفة، فمكروه كراهة شديدة، ولا سيما لمن كانوا على مقربة من التالي.
ولا يجوز (١) لقارىء أن يقرأ على قوم لا يستمعون له، وإن كان أكثرهم يستمع وينصت فشذ بعضهم بمناجاة صاحبه بالجنب بلا تهويش على القارىء، ولا على المستمعين كانت المخالفة سهلة لا تقتضي ترك القراءة، ولا تنافي الاستماع.
والواجب على كل مؤمن بالقرآن أن يحرص على استماعه عند قراءته، كما يحرص على تلاوته، وأن يتأدب في مجلس التلاوة، والضابط في ذلك: أن لا
стр. 4538
يصدر من السامع - ما يعد في اعتقاده أو في عرف الناس - أنه مناف للأدب، ولا بأس بقراءة القرآن حال القيام والقعود، والاضطجاع والمشي والركوب، ولا تكره مع حدث أصغر ولا مع نجاسة ثوب أو بدن، وإن كان يستحب الوضوء حين القراءة حال الحدث، ولا سيما للقارىء في المصحف، وتستحب القراءة بالترتيل والنغم الدالة على التأثير والخشوع، من غير تكلف ولا
تصنع، فقد روى أبو هريرة مرفوعا: «ما أذن - استمع - الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن» رواه الشيخان.
فصل
واختلف (١) العلماء في القراءة خلف الإمام، فذهب جماعة إلى إيجابها، سواء جهر الإمام بالقراءة أو أسر، يروى ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ، وهو قول الأوزاعي، وإليه ذهب الشافعي، وذهب قوم إلى أنه يقرأ فيما أسر الإمام فيه القراءة ولا يقرأ فيما جهر الإمام فيه، يروى ذلك عن ابن عمر، وهو قول عروة بن الزبير والقاسم بن محمد، وبه قال الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد وإسحاق، وذهب قوم إلى أنّه لا يقرأ سواء أسر الإمام أو جهر، يروى ذلك عن جابر، وإليه ذهب أصحاب الرأي (٢). حجة من لا يرى القراءة خلف الإمام ظاهر هذه الآية، وحجة من قال: يقرأ في السرية دون الجهرية، قال: إن الآية تدل على الأمر بالاستماع لقراءة القرآن، ودلت السنة على وجوب القراءة خلف الإمام فحملنا مدلول الآية على صلاة الجهرية، وحملنا مدلول السنة على صلاة السرية، جمعا بين دلائل الكتاب والسنة، وحجة من أوجب القراءة خلف الإمام في صلاة السرية والجهرية قال: الآية واردة في غير الفاتحة؛ لأن دلائل السنة قد دلت على وجوب القراءة خلف الإمام، ولم يفرق بين السرية والجهرية، قالوا: وإذا قرأ الفاتحة خلف الإمام تتبع سكتاته، ولا ينازعه في
стр. 4539
القراءة، ولا يجهر بالقراءة خلفه، ويدل عليه ما روي عن عبادة بن الصامت: قال: صلى رسول الله ﷺ الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: أراكم تقرؤون وراء إمامكم؟! قال: قلنا: يا رسول الله إي والله، قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن؛ فإنّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» أخرجه الترمذي بطوله، وأخرجاه في الصحيحين أقصر منه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». وأخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج» يقولها ثلاثا غير تمام، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ قال: اقرأ بها في نفسك، وذكر الحديث.
٢٠٥ - والخطاب في قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ للنبي ﷺ ، ويدخل فيه غيره من أمته؛ لأنّه عام لسائر المكلفين؛ أي: واذكر أيها المكلف ربك الذي خلقك ورباك بنعمه، عارفا بمعاني الأذكار التي تقولها بلسانك، مستحضرا لصفات الكمال والجلال، والعز والعلو والعظمة ﴿فِي نَفْسِكَ﴾ وقلبك؛ أي: أسمع نفسك سرا، وذلك لأن الذكر باللسان إذا كان عاريا عن الذكر بالقلب .. كان عديم الفائدة؛ لأن فائدة الذكر حضور القلب واستشعاره عظمة المذكور ، وقيل: المعنى: أذكر ربك سرا في نفسك؛ لأن ذكر النفس أقرب إلى الإخلاص، وأبعد عن الرياء والسمعة.
وقوله: ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ منصوبان على الحال، ولكن بعد تأويله بالمشتق؛ أي: واذكر - أيها المكلّف - ربك في نفسك حالة كونك متضرعا ومتذللا وخاضعا له، وخائفا منه، راجيا نعمه، وقرىء ﴿وخفية﴾ بضم الخاء ﴿وَ﴾ اذكره بلسانك مع ذكره في نفسك ذكرا ﴿دُونَ الْجَهْرِ﴾ برفع الصوت ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾ وفوق التخافت والسر، بل ذكرا قصدا وسطا بين الجهر والمخافتة، بأن يذكر الشخص ربه بحيث يسمع نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا﴾.
وذكر اللسان وحده دون ذكر القلب، وملاحظة معاني الذّكر لا يجدي نفعا، فكم رأينا من ذوي الأوراد والأدعية، الذين يذكرون الله كثيرا بالمئين والألوف،
стр. 4540
ولا يفيدهم ذلك معرفة بالله تعالى، ولا مراقبة له؛ لأنّ ذلك أصبح عادة لهم، تصحبها عادات أخرى منكرة، ومن ثم كان الواجب الجمع بين ذكر القلب وذكر اللسان.
والمعنى: واذكر ربك أيها الملكف بأي (١) نوع من أنواع الذكر، من قرآن وتهليل وتحميد وتكبير وتسبيح ودعاء، وغير ذلك، سرا في نفسك إن لم يلزم عليه الكسل، وإلا جهرا وذكرا وسطا دون الجهر، وفوق السر ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾؛ أي: في البكر والعشايا وما بينهما من جميع الأوقات، وقرأ أبو مجلز ﴿والإيصال﴾ جعله مصدرا لقولهم: أصلت؛ أي: دخلت في وقت الأصيل، والغدو جمع غدوة، وهي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والآصال جمع أصيل، وهو من العصر إلى الغروب، وإنّما خص هذين الوقتين بالذكر؛ لأن الإنسان يقوم من النوم عند الغداة، فطلب أن يكون أول صحيفته ذكر الله تعالى، وأما وقت الآصال فلأن الإنسان يستقبل النوم - وهو أخو الموت - فينبغي له أن يشغله بالذكر، خيفة أن يموت في نومه، فيبعث على ما مات عليه، وقيل: إن الأعمال تصعد في هذين الوقتين، وقيل: لكراهة النفل في هذين الوقتين، فطلب بالذكر فيهما، لئلا يضيع على الإنسان وقته، ولأن من افتتح نهاره بذكر الله، واختتمه به، كان جديرا بأن يراقب الله ولا ينساه فيما بينهما، ﴿وَلا تَكُنْ﴾ أيها المكلف ﴿مِنَ الْغافِلِينَ﴾ عن ذكر الله تعالى، بل أشعر قلبك الخضوع له والخوف من قدرته عليك، إذا أنت غفلت عن ذلك، ومن غفل عن ذكره تعالى مرض قلبه، وضعف إيمانه، واستحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكره.
٢٠٦ - ثم ختم (٢) سبحانه هذه الآيات بما يؤكد الأمر والنهي السابقين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يا محمد؛ أي: إن ملائكة الرحمن المقربين عنده ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ كما يستكبر عنها هؤلاء المشركون، بل يؤدونها حسب ما أمروا به ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾؛ أي: ينزهون الله عن كل ما لا يليق
стр. 4541
بعظمته وكبريائه وجلاله، وعن اتخاذ الولد والند والشريك، ولا يفعلون كما يفعل هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله شفعاء وأندادا، يحبونهم كحبه ﴿وَلَهُ﴾ وحده ، يصلون و ﴿يَسْجُدُونَ﴾؛ فلا يشركون معه أحدا، فالواجب على كل مؤمن أن يجعل خواص الملائكة المقربين إليه تعالى من حملة عرشه، والحافين به أسوة حسنة له في صلاته وسجوده، وسائر عبادته.
فإن قلت (١): التسبيح والسجود داخلان في قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾؛ لأنّهما من جملة العبادة، فكيف أفردهما بالذكر؟
قلت: أخبر الله عن حال الملائكة أنّهم خاضعون لعظمته لا يستكبرون عن عبادته، ثم أخبر عن صفة عبادتهم أنّهم يسبحونه وله يسجدون.
ولما كانت الأعمال تنقسم إلى قسمين، أعمال القلوب وأعمال الجوراح، وأعمال القلوب هي: تنزيه الله عن كل سوء وهو الاعتقاد القلبي عبر عنه بقوله ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ وعبر عن أعمال الجوارح بقوله: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾.
وقد شرع الله لنا (٢) السجود عند تلاوة هذه الآية أو سماعها، إرغاما لمن أبى ذلك من المشركين، واقتداء بالملائكة المقربين، ومثلها آيات أخرى ستأتي في مواضعها، وقد كان ﷺ يقول في سجوده لذلك: «اللهم لك سجد سوادي، وبك آمن فؤادي، اللهم ارزقني علما ينفعي وعملا يرفعني» وفي سنن ابن ماجه عن ابن عباس أنّه ﷺ كان يقول في سجدة التلاوة: «اللهم احطط عني بها وزرا، واكتب لي بها أجرا، واجعلها لي عندك ذخرا».
وهذه السجدة (٣) من عزائم سجود القرآن، فيستحب للقارىء والمستمع أن يسجد عند قوله: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ ليوافق الملائكة المقربين في عباداتهم،
стр. 4542
والجمهور على أنّه ليس بواجب، وقال أبو حنيفة: هو واجب، ولا خلاف في أنّ شرطه شرط الصلاة من طهارة خبث وحدث ونية واستقبال ووقت، إلا ما روى البخاري عن ابن عمر وابن المنكدر عن الشعبي: أنّه يسجد على غير طهارة، وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه يكبر ويرفع اليدين، وقال مالك: يكبر لها في الخفض والرفع في الصلاة، وأما في غير الصلاة فاختلف عنه، ويسلم عنها عند الجمهور، وقال جماعة من السلف وإسحاق: لا يسلم ووقتها سائر الأوقات مطلقا؛ لأنّها صلاة بسبب، ذكره أبو حيان في «البحر» وعن عبد الله بن عمر ﵄، أنّ النبي ﷺ : (كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته في غير وقت صلاة) متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويلنا أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» رواه مسلم.
وعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عليك بكثرة السجود لله، فإنّك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة» رواه مسلم أيضا.
وفي الآية إرشاد إلى أن الأفضل إخفاء الذّكر، وقد روى أحمد قوله ﷺ : «خير الذّكر الخفي».
الإعراب
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها﴾.
﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة ﴿خَلَقَكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول، ﴿مِنْ نَفْسٍ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿خلق﴾، ﴿واحِدَةٍ﴾: صفة لـ ﴿نَفْسٍ﴾، ﴿وَجَعَلَ﴾: فعل ماض، ﴿مِنْها﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الموصول، ﴿زَوْجَها﴾: مفعول به
стр. 4543
ومضاف إليه والجملة معطوفة على جملة ﴿خلق﴾. ﴿لِيَسْكُنَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿يسكن﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على نفس واحدة، وذكره نظرا لمعناها، لأنّها بمعنى آدم ﴿إِلَيْها﴾ متعلق بـ ﴿يسكن﴾، وجملة يسكن: في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾؛ أي: وجعل منها زوجها لسكونه إليها.
﴿فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: ولما سكن إليها غشاها وجامعها، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿تَغَشَّاها﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على آدم، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿حَمَلَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على حواء، ﴿حَمْلًا﴾ مفعول به أو مفعول مطلق، ﴿خَفِيفًا﴾ صفة لـ ﴿حَمْلًا﴾: والجملة جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على جملة ﴿لما﴾ المحذوفة، ﴿فَمَرَّتْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿مرت﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على حواء، ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور، متعلق به، وجملة ﴿مرت﴾ معطوفة على جملة ﴿حَمَلَتْ﴾، ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: ولما مرت به أثقلت، ﴿لما﴾: حرف شرط ﴿أَثْقَلَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على حواء، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾، ﴿دَعَوَا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿رَبَّهُما﴾: بدل من الجلالة، والجملة جواب ﴿لما﴾ وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على جملة ﴿لما﴾ المحذوفة، ﴿لَئِنْ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة لقسم محذوف تقدير: أقسمنا والله، ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿آتَيْتَنا صالِحًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿لَنَكُونَنَّ﴾: ﴿اللام﴾ لام قسم مؤكدة للأولى جيء بها لتدل على أن ما بعدها جواب القسم لا جواب الشرط، ﴿نكونن﴾: فعل مضارع ناقص في محل الرفع، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واسمها ضمير يعود على آدم وحواء، ﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: خبرها،
стр. 4544
وجملة ﴿نكون﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم تقديره: إن آتيتنا صالحا .. نكن من الشاكرين، وجملة إن الشرطية معترضة لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين القسم وجوابه، وجملة القسم مع جوابه في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: دعوا الله ربهما فقالا: لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين، أو جملة مفسرة لجملة الدعاء لا محل لها من الإعراب، وفي «السمين» (١): هذا القسم وجوابه فيه وجهان:
أظهرهما: أنّه مفسر لجملة الدعاء، كأنّه قيل: فما كان دعاؤهما؟ فقيل:
كان دعاؤهما كيت وكيت.
والثاني: أنّه مفعول لقول محذوف تقديره: فقالا: لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين.
﴿فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فآتاهما صالحا، ﴿لما﴾: حرف شرط، ﴿آتاهُما صالِحًا﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿جَعَلا﴾: فعل وفاعل، ﴿لَهُ﴾ متعلق به، وهو في محل المفعول الثاني. ﴿شُرَكاءَ﴾ مفعول أول لـ ﴿جَعَلا﴾، والجملة الفعلية جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على الجملة المحذوفة ﴿فِيما﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿شُرَكاءَ﴾، ﴿آتاهُما﴾: فعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: فيما آتاه إياهما، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة ﴿لما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف. ﴿فَتَعالَى اللَّهُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية، ﴿تعالى الله﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وما بينهما اعتراض كما مر في مبحث التفسير، ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور، متعلق
стр. 4545
بـ ﴿تعالى﴾، وجملة ﴿يُشْرِكُونَ﴾ صلة ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: عما يشركونه به، أو صلة ﴿ما﴾ المصدرية، إن قلنا ﴿ما﴾ مصدرية أي: تعالى عن إشراكهم.
﴿أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾.
﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي ﴿يُشْرِكُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ما موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ﴿لا﴾: نافية، ﴿يَخْلُقُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ما، وأفرده نظرا للفظ ما، ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به، والجملة صلة ﴿لما﴾ أو صفة لها، ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يُخْلَقُونَ﴾: خبره، وجمع الضمير هنا نظرا لمعنى ما كما مر في بحث التفسير، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿يَخْلُقُ﴾، على كونها صلة ﴿لما﴾ الموصولة ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة أيضا على جملة الصلة ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به أو متعلق بنصرا ﴿نَصْرًا﴾: مفعول به ﴿وَلا﴾. الواو: عاطفة ﴿لا﴾ نافية، ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به مقدم على عامله لرعاية الفاصلة، والجملة معطوفة على جملة الصلة أيضا.
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣)﴾.
﴿وَإِنْ﴾ الواو: استئنافية، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم، ﴿تَدْعُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿إِلَى الْهُدى﴾ متعلق به، ﴿لا﴾ نافية، ﴿يَتَّبِعُوكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بإن الشرطية على كونه جوابا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿سَواءٌ﴾: خبر مقدم لمبتدأ متعد من الجملة التي بعدها، من غير سابك لإصلاح المعنى، ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلقان بـ ﴿سَواءٌ﴾. ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للتسوية، وهي في الأصل للاستفهام، ولكنه غير مراد هنا لوقوعها بعد ﴿سَواءٌ﴾، ﴿دَعَوْتُمُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مرفوع على كونه مبتدأ مؤخرا لـ ﴿سَواءٌ﴾ من غير
стр. 4546
سابك لإصلاح المعنى، وقيل: السابك هنا همزة التسوية كما مر في أول البقرة، ﴿أَمْ﴾: عاطفة متصلة لوقوعها بعد همزة التسوية، ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، ﴿صامِتُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية المذكورة قبلها على كونها في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء والتقدير: دعاؤكم إياهم وصمتكم عنهم سواء؛ أي: سيان في عدم الإفادة، والجملة الاسمية مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تَدْعُونَ﴾ صلة الموصول، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَدْعُونَ﴾. ﴿عِبادٌ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿أَمْثالُكُمْ﴾ صفة لـ ﴿عِبادٌ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿فَادْعُوهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب شرط محذوف تقديره: إن زعمتم أنّها آلهة .. فادعوهم، ﴿ادعوهم﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم على أنّها جواب الشرط، وجملة الشرط المحذوف مع جوابها مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها، ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿واللام﴾: لام الأمر، ﴿يستجيبوا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لام﴾ الأمر، والواو فاعل، والجملة في محل الجزم معطوفة على جملة ﴿فَادْعُوهُمْ﴾ على كونها جوابا لشرط محذوف، ﴿لَكُمْ﴾ متعلقان بالفعل ﴿يستجيبوا﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف شرط، ﴿كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره في محل الجزم بـ ﴿إِنَّ﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، وجواب الشرط معلوم مما قبله تقديره: إن كنتم صادقين في أنّها آلهة .. فادعوهم، وجملة إن الشرطية مستأنفة مقررة لما قبلها.
﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾.
﴿أَلَهُمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور، خبر مقدم، ﴿أَرْجُلٌ﴾: مبتدأ مؤخر، وجملة ﴿يَمْشُونَ بِها﴾ صفة ﴿أَرْجُلٌ﴾، والجملة الاسمية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿أَمْ﴾: عاطفة منقطعة بمعنى همزة الاستفهام الإنكاري، وبمعنى بل التي للإضراب الانتقالي من توبيخ إلى
стр. 4547
توبيخ آخر، ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور، خبر مقدم، ﴿أَيْدٍ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، منع من ظهورها الثقل، وجملة ﴿يَبْطِشُونَ بِها﴾: صفة لـ ﴿أَيْدٍ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ﴾، ﴿أَمْ﴾: عاطفة، ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿أَعْيُنٌ﴾: مبتدأ مؤخر، وجملة ﴿يُبْصِرُونَ بِها﴾ صفة ﴿أَعْيُنٌ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ﴾ وكذلك جملة ﴿أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ معطوفة على الجملة الأولى.
﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾.
﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة.
﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلِ﴾، وإن شئت قلت: ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول محكي لـ ﴿قُلِ﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب ﴿كِيدُونِ﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو: فاعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة النون في محل النصب مفعول به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾، ﴿فَلا﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿تُنْظِرُونِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية وعلامة جزمه حذف النون، والواو: فاعل و ﴿النون﴾ للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة النون في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿فَلا تُنْظِرُونِ﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾.
﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿وَلِيِّيَ﴾: اسمها منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، وهو مضاف وياء المتكلم في محل الجر مضاف إليه، ﴿اللَّهُ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وجملة إن في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾ على كونها تعليلا لما قبلها. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة للجلالة، ﴿نَزَّلَ الْكِتابَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول، ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ، ﴿يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود
стр. 4548
على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة في محل الرفع خبر ﴿هُوَ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿نَزَّلَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿تَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: والذين تدعونهم، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَدْعُونَ﴾، ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، ومعطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قُلِ﴾، ﴿وَلا أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول مقدم لما بعده، ﴿يَنْصُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ على كونها خبر الموصول.
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾.
﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِنْ﴾ حرف شرط ﴿تَدْعُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونها فعل الشرط، ﴿إِلَى الْهُدى﴾ متعلق به، ﴿لا يَسْمَعُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها جوابا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل الرفع معطوفة على جملة قوله: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ على كونها خبر الموصول ﴿وَتَراهُمْ﴾: فعل ومفعول به؛ لأنّ رأى بصرية، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على أي مخاطب، ﴿يَنْظُرُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب حال من مفعول ﴿تَراهُمْ﴾، وجملة ﴿تَراهُمْ﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾، على كونها خبر المبتدأ، ﴿وَهُمْ﴾، مبتدأ وجملة ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من واو ﴿يَنْظُرُونَ﴾.
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)﴾.
﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة، ﴿وَأْمُرْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة
стр. 4549
على جملة ﴿خُذِ﴾. ﴿بِالْعُرْفِ﴾ متعلق به ﴿وَأَعْرِضْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة ﴿خُذِ﴾، ﴿عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ متعلق به.
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾.
﴿وَإِمَّا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِمَّا﴾ ﴿إن﴾: حرف شرط جازم مبني بسكون على النون المدغمة في ميم ﴿ما﴾ الزائدة، ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾: فعل ومفعول في محل الجزم بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ﴿مِنَ الشَّيْطانِ﴾: متعلق به ﴿نَزْغٌ﴾ فاعل، ﴿فَاسْتَعِذْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل الجزم جواب ﴿إن﴾ الشرطية و ﴿الفاء﴾: فيه رابطة الجواب وجوبا، لكون الجواب جملة طلبية، ﴿بِاللَّهِ﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿استعذ﴾، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، ﴿سَمِيعٌ﴾: خبر أول له، ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر ثان له، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها أعني جملة الأمر بالاستعاذة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿الَّذِينَ﴾: اسمها، ﴿اتَّقَوْا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، إِذا ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿مَسَّهُمْ طائِفٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل ﴿مِنَ الشَّيْطانِ﴾: صفة لـ ﴿طائِفٌ﴾، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿تَذَكَّرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب إذا الشرطية، وجملة ﴿إِذا﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة إنّ مستأنفة، ﴿فَإِذا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية، ﴿إذا﴾ حرف فجأة لا محل لها من الإعراب، ﴿هُمْ مُبْصِرُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿تَذَكَّرُوا﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿وَإِخْوانُهُمْ﴾: مبتدأ، ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية خبر المبتدأ، ولكنه خبر سببي، والجملة الاسمية معطوفة على جملة
стр. 4550
﴿إِنَّ﴾. ﴿فِي الغَيِّ﴾ متعلق بـ ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف، ﴿لا يُقْصِرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ على كونها خبر المبتدأ.
﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾.
﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، إِذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿لَمْ تَأْتِهِمْ﴾: جازم وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، ﴿بِآيَةٍ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة إِذا إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب إِذا، وجملة إِذا مستأنفة، ﴿لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾ وإن شئت قلت: ﴿لَوْلا﴾: حرف تحضيض بمعنى هلّا، ﴿اجْتَبَيْتَها﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾، ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة، ﴿إِنَّما أَتَّبِعُ﴾: إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّما﴾: أداة حصر، ﴿أَتَّبِعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿ما يُوحى﴾: ﴿ما﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿أَتَّبِعُ﴾، ﴿يُوحى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾. ﴿إِلَيَّ﴾: جار ومجرور، متعلق به، وكذا ﴿مِنْ رَبِّي﴾ متعلق به، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، ﴿هذا بَصائِرُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: جار ومجرور، صفة لـ ﴿بَصائِرُ﴾، ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾: معطوفان على ﴿بَصائِرُ﴾، ﴿لِقَوْمٍ﴾: جار ومجرور تنازع فيه كل من ﴿هُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ على كونه صفة لهما، وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ صفة ﴿لِقَوْمٍ﴾.
﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿قُرِئَ
стр. 4551
الْقُرْآنُ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿فَاسْتَمِعُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إِذا وجوبا ﴿استمعوا﴾: فاعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إِذا﴾، وجملة ﴿إِذا﴾ مستأنفة، ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿استمعوا﴾، ﴿وَأَنْصِتُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿استمعوا﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ ﴿لعل﴾: حرف نصب وترج، و ﴿الكاف﴾: اسمها، وجملة ﴿تُرْحَمُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥)﴾.
﴿وَاذْكُرْ﴾ الواو: استئنافية، ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على أي مكلف، والجملة مستأنفة، ﴿فِي نَفْسِكَ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿اذْكُرْ﴾، ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾: حالان من فاعل ﴿اذْكُرْ﴾، ولكن بعد تأويله بمشتق تقديره: حالة كونك متضرعا وخائفا من ربك، ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾: ظرف ومضاف إليه معطوف (١) على قوله: ﴿فِي نَفْسِكَ﴾ على كونه متعلقا بـ ﴿اذْكُرْ﴾، أو على كونه صفة لمصدر محذوف تقديره: واذكر ربك ذكرا دون الجهر، ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾: جار ومجرور حال (٢) من الدون؛ أي: حالة كون الدون من القول، أو متعلق بـ ﴿الْجَهْرِ﴾ على أن ﴿مِنَ﴾ بمعنى الباء؛ أي: الجهر بالقول تأمل، ﴿بِالْغُدُوِّ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿اذْكُرْ﴾، ﴿وَالْآصالِ﴾ معطوف على ﴿الغدو﴾، ﴿وَلا﴾ الواو: عاطفة ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَكُنْ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، واسمها ضمير يعود على أي مكلف، ﴿مِنَ الْغافِلِينَ﴾ خبرها، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿الَّذِينَ﴾ في محل النصب اسمها، ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾:
стр. 4552
ظرف ومضاف إليه، صلة الموصول، ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَنْ عِبادَتِهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ على كونها خبرا لـ ﴿إِنَّ﴾، ﴿وَلَهُ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿يَسْجُدُونَ﴾، وجملة ﴿يَسْجُدُونَ﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ المشهور (١) أن الحمل - بفتح الحاء - ما كان في بطن أو على شجرة، والحمل بكسرها خلافه، وقد حكى في كل منهما الكسر والفتح، وهو هنا إما مصدر فينتصب انتصاب المفعول المطلق، أو الجنين المحمول، فيكون مفعولا به، وخفته إما عدم التأذي به كالحوامل، أو على الحقيقة في ابتدائه، وكونه نطفة لا تثقل البطن اه «شهاب».
﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾؛ أي: صارت ذات ثقل، كقولهم: البن الرجل وأتمر؛ أي: صار ذا لبن وتمر، وقيل: دخلت في الثقل كقولهم: أصبح وأمسى؛ أي: دخل في الصباح والمساء، والمعنى: صار حملها ثقيلا.
﴿أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ﴾: اسم فاعل من صمت بمعنى سكت، والصمت السكوت، يقال منه: صمت يصمت صمتا بالفتح في الماضي والضم في المضارع من باب قتل، ويقال: صمت بالكسر يصمت بالفتح، والمصدر الصمت، والصمات بضم الصاد اه «سمين». وإصمت (٢) بوزن إضرب اسم فلاة معروفة، وهي مسماة بفعل الأمر قطعت همزته، إذ ذاك قاعدة في التسمية بفعل فيه همزة وصل، وكسرت الميم؛ لأن التغيير يأنس بالتغيير، ولئلا يدخل في وزن ليس في الأسماء.
стр. 4553
﴿يَبْطِشُونَ بِها﴾ في «المصباح»: بطش بطشا، من باب ضرب، وبها قرأ السبعة، وفي لغة من باب قتل، وبها قرأ الحسن البصري. وأبو جعفر المدني، والبطش: الأخذ بقوة وشدة وعنف، ويقال: بطشت اليد إذا عملت فهي باطشة اه.
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ النزغ (١): كالخنس والنغز والوكز، إصابة الجسد برأس محدد كالإبرة والمهماز والرمح، والمراد هنا: نزغ الشيطان بإثارته داعية الشر والفساد في النفس، بغضب أو شهوة، بحيث تلجىء صاحبها إلى العمل بتأثيرها، كما تنخس الدابة بالمهماز لتسرع، وفي «البحر المحيط»: النزغ أدنى حركة، ومن الشيطان أدنى وسوسة، قاله الزجاج، وقال ابن عطية: حركة فيها فساد، وقلما تستعمل إلا في فعل الشيطان؛ لأنّ حركته مسرعة مفسدة، وقيل: هو لغة الإصابة تعرض عند الغضب، وقال الفراء: النزغ: الإغراء والإغضاب. اه.
﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ والاستعاذة بالله الالتجاء إليه ليقيك من شر هذا النزغ.
﴿إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ الطائف الخاطر منه كما مر، وقرىء ﴿طيف﴾ بوزن (٢) بيع، يقال: طاف يطيف طيفا، كباع يبيع بيعا، فوزنه فعل، ويحتمل أنّه مخفف طيف، كميت مخفف ميّت، فوزنه فيل؛ لأن عينه - وهي الياء الثانية - محذوفة، وفي «المراغي»: والطوف والطواف بالشيء الاستدارة به، أو حوله، وطيف الخيال: ما يرى في النوم من مثال الشخص، والمس يراد به هنا ما ينال الإنسان من شر وأذى، فقد ذكر في التنزيل مس الضر والضراء والبأساء، والسوء والعذاب.
﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ والمد والإمداد الزيادة في الشيء ومن جنسه، واستعمل في القرآن في الخلق والتكوين، كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى
стр. 4554
رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ وفي مد الناس فيما يذم ويضر، كقوله: ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾، ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ والإقصار التقصير، ويقال أقصر عن الأمر تركه وكف عنه، وهو قادر عليه.
﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ الاستماع (١) أخص من السمع؛ لأنّه إنّما يكون بقصد ونية، أو توجيه الحاسة إلى الكلام لإدراكه، أما السمع فيحصل ولو بغير قصد، والانصات السكوت للاستماع حتى لا يكون شاغل عن الإحاطة بكل ما يقرأ، وقال (٢) الفراء: الانصات السكوت للاستماع، يقال: نصت وأنصت وانتصت، بمعنى واحد، وقد ورد الإنصات متعديا في شعر الكميت حيث قال:
أبوك الّذي أجدى عليه بنصره ... فأنصت عنّى بعده كلّ قائل
قال: يريد فأسكت عن، ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ والتضرع إظهار الضراعة، وهي الذلة والضعف والخضوع، والخيفة حالة الخوف والخشة، وأصله خوفة، فوقعت الواو ساكنة إثر كسرة فقلبت ياء، فهو واوي من الخوف ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾؛ أي: ذكرا دون الجهر برفع الصوت، وفوق التخافت والسر، بأن يذكر ذكرا وسطا.
﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ والغدو جمع غدوة، وهي ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والآصال (٣) جمع أصل، كعنق وأعناق، أو جمع أصيل كيمين وأيمان، ولا حاجة لدعوى أنّه جمع جمع كما ذهب إليه بعضهم، إذ ثبت أنّ أصلا مفرد، وإن كان يجوز جمع أصيل على أصل .. فيكون جمعا ككثيب وكثب، وممن ذهب إلى أنّ آصالا جمع أصل، ومفرد أصل أصيل الفراء، ويقال: جئناهم موصلين؛ أي: عند الآصال ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾؛ أي: ينزهونه عما لا يليق به.
﴿يَسْجُدُونَ﴾؛ أي: يصلون.
стр. 4555
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الكناية في قوله: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاها﴾؛ لأنّ التغشي هنا كناية عن الجماع، وهو من الكنايات اللطيفة.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿آتاهُما﴾، وفي قوله: ﴿وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ وفي قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى﴾.
ومنها: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، إن قلنا إنّه معطوف على قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ كما مر في بحث التفسير وبحث الإعراب.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ بعد قوله أولا: ﴿أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ وفائدته: الاشعار بمزيد الاعتناء بأمر التوبيخ، والتبكيت ببيان عجز الأصنام عما هو أدنى من النصر المنفي عنها وأيسر، وهو مجرد الدلالة على المطلوب من غير تحصيله للطالب.
ومنها: المبالغة في قوله: ﴿أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ﴾ في عدم إفادة الدعاء ببيان مساواته للسكوت الدائم المستمر، كما ذكره أبو السعود، وفي «السمين»: وإنّما أتى في الآية بالجملة الثانية اسمية ولم يقل: أم صمتم؛ لأنّ الفعل يشعر بالحدوث؛ ولأنّها رأس فاصلة. اه.
ومنها: التهكم في قوله: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ وكذا في المواضع الثلاثة المذكورة بعده.
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ آذانٌ﴾، وفائدته زيادة التقريع والتوبيخ لهم.