الْقُرْآنُ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿فَاسْتَمِعُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إِذا وجوبا ﴿استمعوا﴾: فاعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إِذا﴾، وجملة ﴿إِذا﴾ مستأنفة، ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿استمعوا﴾، ﴿وَأَنْصِتُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿استمعوا﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ ﴿لعل﴾: حرف نصب وترج، و ﴿الكاف﴾: اسمها، وجملة ﴿تُرْحَمُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥)﴾.
﴿وَاذْكُرْ﴾ الواو: استئنافية، ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على أي مكلف، والجملة مستأنفة، ﴿فِي نَفْسِكَ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿اذْكُرْ﴾، ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾: حالان من فاعل ﴿اذْكُرْ﴾، ولكن بعد تأويله بمشتق تقديره: حالة كونك متضرعا وخائفا من ربك، ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾: ظرف ومضاف إليه معطوف (١) على قوله: ﴿فِي نَفْسِكَ﴾ على كونه متعلقا بـ ﴿اذْكُرْ﴾، أو على كونه صفة لمصدر محذوف تقديره: واذكر ربك ذكرا دون الجهر، ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾: جار ومجرور حال (٢) من الدون؛ أي: حالة كون الدون من القول، أو متعلق بـ ﴿الْجَهْرِ﴾ على أن ﴿مِنَ﴾ بمعنى الباء؛ أي: الجهر بالقول تأمل، ﴿بِالْغُدُوِّ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿اذْكُرْ﴾، ﴿وَالْآصالِ﴾ معطوف على ﴿الغدو﴾، ﴿وَلا﴾ الواو: عاطفة ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَكُنْ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، واسمها ضمير يعود على أي مكلف، ﴿مِنَ الْغافِلِينَ﴾ خبرها، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿الَّذِينَ﴾ في محل النصب اسمها، ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾:
стр. 4552
ظرف ومضاف إليه، صلة الموصول، ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَنْ عِبادَتِهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ على كونها خبرا لـ ﴿إِنَّ﴾، ﴿وَلَهُ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿يَسْجُدُونَ﴾، وجملة ﴿يَسْجُدُونَ﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ المشهور (١) أن الحمل - بفتح الحاء - ما كان في بطن أو على شجرة، والحمل بكسرها خلافه، وقد حكى في كل منهما الكسر والفتح، وهو هنا إما مصدر فينتصب انتصاب المفعول المطلق، أو الجنين المحمول، فيكون مفعولا به، وخفته إما عدم التأذي به كالحوامل، أو على الحقيقة في ابتدائه، وكونه نطفة لا تثقل البطن اه «شهاب».
﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾؛ أي: صارت ذات ثقل، كقولهم: البن الرجل وأتمر؛ أي: صار ذا لبن وتمر، وقيل: دخلت في الثقل كقولهم: أصبح وأمسى؛ أي: دخل في الصباح والمساء، والمعنى: صار حملها ثقيلا.
﴿أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ﴾: اسم فاعل من صمت بمعنى سكت، والصمت السكوت، يقال منه: صمت يصمت صمتا بالفتح في الماضي والضم في المضارع من باب قتل، ويقال: صمت بالكسر يصمت بالفتح، والمصدر الصمت، والصمات بضم الصاد اه «سمين». وإصمت (٢) بوزن إضرب اسم فلاة معروفة، وهي مسماة بفعل الأمر قطعت همزته، إذ ذاك قاعدة في التسمية بفعل فيه همزة وصل، وكسرت الميم؛ لأن التغيير يأنس بالتغيير، ولئلا يدخل في وزن ليس في الأسماء.
стр. 4553
﴿يَبْطِشُونَ بِها﴾ في «المصباح»: بطش بطشا، من باب ضرب، وبها قرأ السبعة، وفي لغة من باب قتل، وبها قرأ الحسن البصري. وأبو جعفر المدني، والبطش: الأخذ بقوة وشدة وعنف، ويقال: بطشت اليد إذا عملت فهي باطشة اه.
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ النزغ (١): كالخنس والنغز والوكز، إصابة الجسد برأس محدد كالإبرة والمهماز والرمح، والمراد هنا: نزغ الشيطان بإثارته داعية الشر والفساد في النفس، بغضب أو شهوة، بحيث تلجىء صاحبها إلى العمل بتأثيرها، كما تنخس الدابة بالمهماز لتسرع، وفي «البحر المحيط»: النزغ أدنى حركة، ومن الشيطان أدنى وسوسة، قاله الزجاج، وقال ابن عطية: حركة فيها فساد، وقلما تستعمل إلا في فعل الشيطان؛ لأنّ حركته مسرعة مفسدة، وقيل: هو لغة الإصابة تعرض عند الغضب، وقال الفراء: النزغ: الإغراء والإغضاب. اه.
﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ والاستعاذة بالله الالتجاء إليه ليقيك من شر هذا النزغ.
﴿إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ الطائف الخاطر منه كما مر، وقرىء ﴿طيف﴾ بوزن (٢) بيع، يقال: طاف يطيف طيفا، كباع يبيع بيعا، فوزنه فعل، ويحتمل أنّه مخفف طيف، كميت مخفف ميّت، فوزنه فيل؛ لأن عينه - وهي الياء الثانية - محذوفة، وفي «المراغي»: والطوف والطواف بالشيء الاستدارة به، أو حوله، وطيف الخيال: ما يرى في النوم من مثال الشخص، والمس يراد به هنا ما ينال الإنسان من شر وأذى، فقد ذكر في التنزيل مس الضر والضراء والبأساء، والسوء والعذاب.
﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ والمد والإمداد الزيادة في الشيء ومن جنسه، واستعمل في القرآن في الخلق والتكوين، كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى
стр. 4554
رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ وفي مد الناس فيما يذم ويضر، كقوله: ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾، ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ والإقصار التقصير، ويقال أقصر عن الأمر تركه وكف عنه، وهو قادر عليه.
﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ الاستماع (١) أخص من السمع؛ لأنّه إنّما يكون بقصد ونية، أو توجيه الحاسة إلى الكلام لإدراكه، أما السمع فيحصل ولو بغير قصد، والانصات السكوت للاستماع حتى لا يكون شاغل عن الإحاطة بكل ما يقرأ، وقال (٢) الفراء: الانصات السكوت للاستماع، يقال: نصت وأنصت وانتصت، بمعنى واحد، وقد ورد الإنصات متعديا في شعر الكميت حيث قال:
أبوك الّذي أجدى عليه بنصره ... فأنصت عنّى بعده كلّ قائل
قال: يريد فأسكت عن، ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ والتضرع إظهار الضراعة، وهي الذلة والضعف والخضوع، والخيفة حالة الخوف والخشة، وأصله خوفة، فوقعت الواو ساكنة إثر كسرة فقلبت ياء، فهو واوي من الخوف ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾؛ أي: ذكرا دون الجهر برفع الصوت، وفوق التخافت والسر، بأن يذكر ذكرا وسطا.
﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ والغدو جمع غدوة، وهي ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والآصال (٣) جمع أصل، كعنق وأعناق، أو جمع أصيل كيمين وأيمان، ولا حاجة لدعوى أنّه جمع جمع كما ذهب إليه بعضهم، إذ ثبت أنّ أصلا مفرد، وإن كان يجوز جمع أصيل على أصل .. فيكون جمعا ككثيب وكثب، وممن ذهب إلى أنّ آصالا جمع أصل، ومفرد أصل أصيل الفراء، ويقال: جئناهم موصلين؛ أي: عند الآصال ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾؛ أي: ينزهونه عما لا يليق به.
﴿يَسْجُدُونَ﴾؛ أي: يصلون.
стр. 4555
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الكناية في قوله: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاها﴾؛ لأنّ التغشي هنا كناية عن الجماع، وهو من الكنايات اللطيفة.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿آتاهُما﴾، وفي قوله: ﴿وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ وفي قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى﴾.
ومنها: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، إن قلنا إنّه معطوف على قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ كما مر في بحث التفسير وبحث الإعراب.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ بعد قوله أولا: ﴿أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ وفائدته: الاشعار بمزيد الاعتناء بأمر التوبيخ، والتبكيت ببيان عجز الأصنام عما هو أدنى من النصر المنفي عنها وأيسر، وهو مجرد الدلالة على المطلوب من غير تحصيله للطالب.
ومنها: المبالغة في قوله: ﴿أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ﴾ في عدم إفادة الدعاء ببيان مساواته للسكوت الدائم المستمر، كما ذكره أبو السعود، وفي «السمين»: وإنّما أتى في الآية بالجملة الثانية اسمية ولم يقل: أم صمتم؛ لأنّ الفعل يشعر بالحدوث؛ ولأنّها رأس فاصلة. اه.
ومنها: التهكم في قوله: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ وكذا في المواضع الثلاثة المذكورة بعده.
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ آذانٌ﴾، وفائدته زيادة التقريع والتوبيخ لهم.
стр. 4556
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾؛ لأنّ النزغ في الأصل النخس - وهو حث السائق للدابة على السير - والمراد هنا الوسوسة، فشبهت الوسوسة بالنزغ، بمعنى الحث على السير، بجامع السرعة في كل، واستعير اسم المشبه به - الذي هو النزغ - للمشبه - الذي هو الوسوسة، فاشتق من النزغ بمعنى الوسوسة، ينزغنك بمعنى: يوسوسنك، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية، وذكر الشيطان تجريد؛ لأنه يلائم المشبه الذي هو الوسوسة.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو ما حذف فيه أداة التشبيه ووجه الشبه، وأصله: هذا كبصائر من ربكم، وقيل: إنّه من قبيل المجاز المرسل، حيث أطلق المسبب على السبب؛ لأنّ القرآن لما كان سببا لتنوير العقول .. أطلق عليه لفظ البصيرة؛ لأنّ البصائر جمع بصيرة، وأصل البصيرة ظهور الشيء واستحكامه حتى يبصره الإنسان فيهتدى به، فأطلق لفظ البصيرة على القرآن تسمية للسبب باسم المسبب. اه. «كرخي».
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾؛ لأنّ المراد به جميع الأوقات، من إطلاق اسم الجزء على الكل على ما قيل.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 4557
خاتمة في خلاصة ما اشتملت عليه هذه السورة من الموضوعات
جملة ما اشتملت عليه هذه السورة من المقاصد سبعة:
الأول: التوحيد: وهو يتضمن دعاء الله وحده، وإخلاص الدين له، وتخصيصه بالعبادة؛ فإنه شارع الدين، فيجب اتباع ما أنزله، ولا يجوز اتباع الأولياء من دونه في العقائد والعبادات، ولا التحليل والتحريم الديني، كما قال: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ وإنّ القول عليه بغير علم بتشريع أو غيره لا يجوز لأحد، كما قال: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ وأن جميع ما يشرعه لعباده حسن، وما سواه قبيح ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾ ونحن مأمورون بذكره تضرعا وخفية سرا وجهرا.
الثاني: الوحي والكتب: ويتضمن ذلك إنزال القرآن على النبي ﷺ للإنذار به، والأمر باستماعه والانصات له، رجاء الرحمة بسماعه والاهتداء به، وأمر المؤمنين باتباع المنزل عليهم من ربهم.
الثالث: الرسالة والرسل: ويشمل ذلك بعثة الرسل إلى جميع بني آدم كما قال: ﴿يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي﴾ وسؤالهم يوم القيامة عن التبليغ وسؤال الأمم عن الإجابة، ومجيء الرسل بالبينات من الله تعالى تأييدا منه لهم، وعقاب الأمم على تكذيب الرسل، كما ذكر في قصص نوح وهود وصالح وشعيب.
الرابع: عالم الآخرة: ويتضمن ذلك البعث والإعادة في الآخرة كما قال: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ووزن الأعمال يوم القيامة، وترتيب الجزاء على ثقل الموازين وخفتها، وأنّ الجزاء بالعمل، وإقامة أهل الجنة الحجة على أهل النار، والحجاب بين أهل الجنة وأهل النار، ونداء أصحاب النار أصحاب الجنة، واعتراف أهل النار في الآخرة بصدق الرسل، وصفة أهل النار، وقيام الساعة، وكونها تأتي بغتة.
الخامس: أصول التشريع: ويتضمن هذا وجوب اتباع الدين على أنّه قربة
стр. 4558
يثاب فاعلها عليها، ويعاقب تاركها في الآخرة، وتحريم التقليد فيه، والأخذ بآراء البشر، وتعظيم شأن النظر العقلي والتفكر، لتحصيل العلم بما يجب الإيمان به، ومعرفة آيات الله وسننه في خلقه، والأمر بالعدل في الأحكام والأعمال، كما قال: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ وحصر أنواع المحرمات الدينية العامة في قوله: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ...﴾ الخ وبيان أصول الفضائل الأدبية والتشريعية في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)﴾.
السادس: آيات الله وسننه في الكون: ويتضمن ذلك خلق السموات والأرض في ستة أيام، واستواءه على العرش، ونظام الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والنجوم بأمره، وخلق الرياح والمطر، وإحياء الأرض به، وإخراجه الثمرات من الأرض، خلق الناس من نفس واحدة، وخلق زوجها منها ليسكن إليها، وإعداد الزوجين للتناسل، وتفضيل الإنسان على من في الأرض جميعا، خلق بني آدم مستعدين لمعرفة الله تعالى، وإشهاد الرب إياهم على أنفسهم أنّه ربهم، وشهادتهم بذلك بمقتضى فطرتهم، بما منحوه من العقل، وحجته تعالى عليهم بذلك: خلقهم مستعدين للشرك وما يتبعه من الخرافات، وضرب الأمثال لاختلاف الاستعداد لكل من الخير والشر، وعلامة كل منهما فيهم يكون بما يرى من ثماره. وفي ذلك تعليم لنا بطلب معرفة الشيء بأثره، ومعرفة الأثر بمصدره، عداوة إبليس والشياطين من نسله لبني آدم، وإغوائهم بالفساد مع ذكر حكمة ذلك، بيان أن الشياطين أولياء للمجرمين الذين لا يؤمنون، منة الله تعالى على البشر، بتسهيل أسباب المعاش لهم في آيات الله تعالى ونعمه على بني إسرائيل، إلى نحو ذلك مما فيه سعادة البشر في دينهم ودنياهم.
السابع: سننه تعالى في الاجتماع والعمران البشري: ويتضمن ذلك إهلاك الله الأمم بظلمها لنفسها ولغيرها، وأن للأمم آجالا لا تتقدم ولا تتأخر عنها بما اقتضته السنن الإلهية العامة، ابتلاء الله الأمم بالبأساء والضراء تارة، وبالرخاء والنعماء أخرى، وأن الإيمان بما دعا إليه، والتقوى في العمل بشرعه، فعلا وتركا سبب لكثرة بركات السماء والأرض وخيراتها على الأمة، كما قال تعالى:
стр. 4559
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ وأن لله إرث الأرض، واستخلاف الأمم، والسيادة على الشعوب سننا لا تتبدل، كما قال: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾؛ أي: إن الأرض ليست رهن تصرف الملوك والدول بقدرتهم الذاتية، فتدوم لهم، وإنما هي لله، ولله سنن في سلبها من قوم،
وجعلها إرثا لقوم آخرين، وقد جعل العاقبة للمتقين الذين يتقون أسباب الضعف والتخاذل والفساد في الأرض، ويتصفون بضدها وبسائر ما تقوى به الأمم من الأخلاق والأعمال، كالصبر على المكاره، والاستعانة بالله الذي بيده ملكوت كل شيء وإنا نرى أن بعض الشعوب الإسلامية المستضعفة في هذا العصر باستعمار الشيوعية لها كالشعوب الأرمية في شرقي افريقيا يائسة من استقلالها وعزتها لما ترى من رجحان ذوي السيادة عليها في القوى المادية والسلاحية، جهلا منهم بسنة الله التي بينها للناس؛ فإنّ رجحان فرعون وقومه على بني إسرائيل، كان فوق رجحان قوى السائدين عليهم وقهرهم إياهم، وقد كان ينبغي للمسلمين أن يتقوه تعالى باتقاء كل ما قصه الله عليهم من ذنوب الأمم، التي هلك بها من كان قبلهم، حتى دالت دولتهم، وزال ملكهم، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (١).
стр. 4560
سورة الأنفال
سورة الأنفال مدنية إلا سبع آيات، من قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فمكية، والأصح (١): أنّ سورة الأنفال كلها مدنية كما في «الخازن» وإن كانت الآيات السبع المذكورة في شأن الواقعة التي وقعت بمكة، إذ لا يلزم من كون الواقعة في مكة أن تكون الآيات التي في شأنها مكية، فالآيات المذكورة نزلت بالمدينة تذكيرا له ﷺ بما وقع له في مكة، فقولهم: مدنية إلا سبع آيات ضعيف، وقيل: كلها مدنية إلا (٢) قوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾؛ فإنّها نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال.
وجملة آيات هذه السورة خمس أو ست (٣) وسبعون آية، وكلماتها ألف وست مئة وإحدى وثلاثون كلمة، وحروفها خمسة آلاف ومئتان وأربعة وتسعون حرفا، والله أعلم.
ومما ورد في فضلها: ما أخرجه الطبراني بسند صحيح عن أبي أيوب:
(أنّ (٤) النبي ﷺ كان يقرأ بها في صلاة المغرب).
وأخرج الطبراني أيضا عن زيد بن ثابت: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في الركعتين من المغرب بسورة الأنفال).
المناسبة: ومناسبة هذه السورة لسورة الأعراف (٥): أنّها في بيان أحوال النبي ﷺ مع قومه، وسورة الأعراف مبينة لأحوال الرسل مع أقوامهم.
الناسخ والمنسوخ: وجملة ما في هذه السورة من المنسوخ ست آيات (٦):
قال الله سبحانه جلّ وعلا:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤)﴾.
المناسبة
المناسبة بين أول هذه السورة وآخر سورة الأعراف: أن سورة الأنفال بدئت بالأمر بتقوى الله تعالى وبإصلاح ذات البين وبالحث على طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، وبيان أنّ الخوف من الله تعالى وعدم الاستكبار عن طاعته من صفات المؤمنين، وأن إقامة الصلاة التي من أركانها السجود من صفاتهم، وأن سورة الأعراف ختمت بأخذ العفو، والأمر بالمعروف، والإعراض عن الجاهلين، المستلزم لإصلاح ذات البين، وبالأمر باستماع القرآن والإنصات له عند قراءته،
стр. 4563
المسلتزم خوف القلوب من ربها، وزيادة الإيمان لها عند تدبرها معاني آيات الله تعالى، وختمت أيضا ببيان أنّ من صفات الملائكة المقربين عدم الاستكبار عن عبادته تعالى، وأنّهم يسبحونه وله يسجدون؛ أي: يصلون، كما أنّ من صفات المؤمنين إقامة الصلاة وعدم الاستكبار عن طاعة الله تعالى.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من قتل قتيلا .. فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرا .. فله كذا وكذا»، فأما المشيخة فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان فسارعوا إلى القتل والغنائم، فقالت المشيخة للشبان: أشركونا معكم فإنّا كنا لكم ردءا، ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا، فاختصموا إلى النبي ﷺ فنزلت: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
وروى أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر قتل أخي فقتلت به سعيد بن العاص، وأخذت سيفه، فأتيت به النبي ﷺ فقال: «اذهب فاطرحه في القبض» فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي، وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا يسيرا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال النبي ﷺ : «اذهب فخذ سيفك».
وروى (٢) أبو داود والترمذي والنسائي عن سعد قال: لما كان يوم بدر .. جئت بسيف فقلت: يا رسول الله، إنّ الله قد شفى صدري من المشركين، هب لي هذا السيف، فقال: «هذا ليس لي ولا لك»، فقلت: عسى أن يعطى هذا من لا يبلي بلائي، فجاءني الرسول ﷺ فقال: «إنّك سألتني وليس لي، وإنّه قد صار لي وهو لك»، قال: فنزلت ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ...﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد أنّهم سألوا النبي ﷺ عن الخمس بعد الأربعة
стр. 4564
الأخماس؟ فنزلت: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ ...﴾ الآية.
وأخرج الإمام أحمد وابن جرير والحاكم، وقال صحيح على شرط مسلم، عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع النبي ﷺ فشهدت معه بدرا، فالتقى الناس فهزم الله ﵎ العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، فأكبت طائفة على المعسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها، فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ : لستم بأحق بها منا، نحن أحدقنا برسول الله ﷺ ، وخفنا أن يصيب العدو منه غرة واشتغلنا، فنزلت: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فقسمها رسول الله ﷺ على وفاق بين المسلمين. الحديث هذا لفظ أحمد. ولا تنافي بين السببين، إذ لا مانع أن تكون الآية نزلت في الجميع، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال لنا رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة، وبلغه أن عير أبي سفيان قد أقبلت -: «ما ترون فيها لعل الله يغنمناها ويسلمنا؟» فخرجنا فسرنا يوما أو يومين، قال: «ما ترون فيهم» فقلنا: يا رسول الله، ما لنا طاقة بقتال القوم إنما أخرجنا للعير، فقال المقداد: لا تقولوا كما قال موسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ فأنزل الله : ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥)﴾. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس نحوه.
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ سبب نزوله: ما أخرجه الإمام أحمد (ج ١/ ص ٣٠) قال: حدثنا أبو نوح قراد، أنبأنا عكرمة عن عمار، حدثنا سماك الحنفي - أبو زميل - حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر النبي ﷺ إلى
стр. 4565
أصحابه وهم ثلاث مئة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي ﷺ القبلة، ثم مد يديه - وعليه رداؤه وإزاره - قال: «اللهم أين ما وعدتني، اللهم أنجزني ما وعدتني، اللهم إنّك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلن تعبد في الأرض أبدا» قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر ﵁، فأخذ رداءه، فرداه ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك؛ فإنّه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾. الحديث أخرجه مسلم والترمذي وقال حسن صحيح غريب.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾؛ أي: يسألك يا محمد أصحابك - منهم سعد بن أبي وقاص - سؤال استفتاء أو سؤال طلب ﴿عَنِ الْأَنْفالِ﴾؛ أي: عن الغنائم يوم بدر لمن هي؟ أللشبان أم للشيوخ أو للمهاجرين هي؟ أم للأنصار أم لهم جميعا؟ وسميت الغنائم أنفالا لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم التي لم تحل لهم الغنائم؛ ولأنّها عطية من الله تعالى زائدة على الثواب الأخروي للجهاد، وقرأ سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعلي بن الحسين وغيرهم ي ﴿سئلونك الأنفال﴾ بدون ﴿عَنِ﴾ ﴿قُلِ﴾ لهم يا محمد ﴿الْأَنْفالِ﴾ والغنائم يوم بدر ﴿لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾؛ أي: الحكم فيها لله ، يحكم فيها بحكمه، وللرسول ﷺ ، يقسمها بحسب حكم الله تعالى من غير أن يدخل فيه رأي أحد، وقد قسمها رسول الله ﷺ بالسواء، وقد (١) بين الله بهذه الجملة أنّ أمرها مفوض إلى الله ورسوله، ثم بين مصارفها، وكيفية قسمتها، في آية الخمس: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية. وللإمام أن ينفل من شاء من الجيش ما شاء قبل التخميس، وقد روي عن سعد بن وقاص أنّه قال: قتل أخي عمير يوم بدر، فقتلت به سعيد بن العاص، وأخذت سيفه فأعجبني، فجئت به إلى النبي ﷺ ، فقلت: إن الله شفى
стр. 4566
صدري من المشركين، فهب لي هذا السيف، فقال لي ﵊: «ليس هذا لي ولا لك، اطرحه في القبض» فطرحته وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قليلا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله ﷺ : «يا سعد، سألتني السيف وليس لي، وقد صار لي فخذه». والحديث سبق في أسباب النزول.
وكان سبب نزول الآية (١): اختلاف الصحابة ﵃ في يوم بدر كما سبق بيانه، فنزع الله ما غنموه من أيديهم وجعله لله والرسول فقال: ﴿قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾؛ أي: حكمها مختص بهما، يقسمها بينكم رسول الله ﷺ على حسب ما أمره الله سبحانه به، وليس لكم حكم في ذلك.
وقد ذهب (٢) جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن الأنفال كانت لرسول الله ﷺ خاصة، ليس لأحد فيها شيء، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ...﴾ الآية. ثم أمرهم بالتقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله والرسول بالتسليم لأمرهما، وترك الاختلاف الذي وقع بينهم، فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيها المؤمنون في أخذ الغنائم، واتركوا المنازعة فيها؛ أي: فاجتنبوا ما كنتم فيه من المشاجرة والتنازع والاختلاف الموجب لسخط الله، لما فيه من المضار، ولا سيما في حال الحرب. ﴿وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾؛ أي: وأصلحوا الحال والشأن والمواصلة بينكم، بترك النزاع وتفويض أمر الغنائم إلى الله ورسوله؛ أي: وأصلحوا ما بينكم من الأحوال والشؤون، حتى تكون أحوال ألفة ومودة ومحبة واتفاق، وعبارة «البيضاوي» هنا؛ أي: وأصلحوا الحال التي بينكم بالمواساة والمساعدة فيما رزقكم الله تعالى، وتسليم أمره إلى الله والرسول. انتهت. وعبارة «الصاوي» هنا قوله: ﴿وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾؛ أي: الحالة التي بينكم، وهي الوصلة الإسلامية، فالمعنى: اتركوا النزاع والشحناء، والزموا المودة والمحبة بينكم، ليحصل النصر والخير لكم، انتهت. وهذا
стр. 4567
الإصلاح (١) واجب شرعا، وعليه تتوقف قوة الأمة وعزتها، وبه تحفظ وحدتها، روي عن عبادة بن الصامت قال: نزلت هذه الآية فينا معشر أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من بين أيدينا، فجعله لرسوله، فقسمه بين المسلمين على السواء، وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله، وإصلاح ذات البين.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾ ﴿وَرَسُولَهُ﴾ ﷺ أيها المؤمنون في كل ما يأمر به وينهى عنه، ويقضى به ويحكم، فالله تعالى مالك أمركم، والرسول مبلغ عنه، ومبين لوحيه بالقول والفعل والحكم، وعلى هذه الطاعة تتوقف النجاة في الآخرة، والفوز بثوابها، والرسول ﷺ يطاع في اجتهاده في أمر الدنيا المتعلق بالمصالح العامة، ولا سيما في الشؤون الحربية؛ لأنّه القائد العام، فمخالفته تخل بالنظام، وتؤدي إلى الفوضى التي لا تقوم للأمة معها قائمة، ولأئمة المسلمين من حق الطاعة في تنفيذ الشرع، وإدارة شؤون الأمة، وقيادة الجند، ما كان له ﷺ بشرط عدم معصية الله تعالى، ومشاورة أولي الأمر، ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: امتثلوا لهذه الأوامر الثلاثة إن كنتم مستمرين على الإيمان بالله؛ لأنّ هذه الأمور الثلاثة - التي هي تقوى الله وإصلاح ذات البين وطاعة الله والرسول - لا يكمل الإيمان بدونها، بل لا يثبت أصلا لمن لم يمتثلها؛ فإن من ليس بمتق وليس بمطيع لله ورسوله ليس بمؤمن.
أي: إن كنتم كاملي الإيمان .. فامتثلوا هذه الأوامر الثلاثة، إذ كمال الإيمان يقتضي ذلك الامتثال؛ لأنّ الله أوجبه، فالمؤمن بالله حقا يكون من نفسه وازع يسوقه إلى الطاعة واتقاء المعاصي، إلا أن يعرض له ما يغلبه عليها أحيانا من ثورة شهوة، أو فورة غضب، ثم لا يلبث أن يفيء إلى أمر الله، ويتوب إليه مما عرض له.
٢ - ثم وصف الله تعالى المؤمنين بخمس صفات تدل على وجوب التقوى،
стр. 4568
وإصلاح ذات البين، وطاعة الله تعالى ورسوله، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: إنّما المؤمنون حقا المخلصون في إيمانهم هم الذين اجتمعت فيهم خمس خصال:
الأولى منها: ما ذكره بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ﴾ ورقت وخافت ﴿قُلُوبُهُمْ﴾: من الله تعالى خوف عقاب، وهو خوف العصاة، وخوف الهيبة والعظمة وهو خوف الخواص، ولفظة إِنَّمَا تفيد الحصر، والمعنى: ليس المؤمنون الذين يخالفون الله ورسوله، ﴿إنّما﴾ المؤمنون الصادقون في إيمانهم هم الذين إذا ذكروا الله بقلوبهم وجلت قلوبهم؛ أي: خضعت وخافت ورقت قلوبهم؛ أي: فزعوا لعظمته وسلطانه، أو لوعده ووعيده، ومحاسبته لخلقه، والآية بمعنى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾.
فإن قلت: إنّه قال في هذه الآية: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ بمعنى خافت، وقال في آية أخرى ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾، فكيف الجمع بينهما؟.
قلت: لا منافاة بين هاتين الحالتين؛ لأن الوجل هو خوف العقاب، والاطمئنان إنما يكون من ثلج اليقين، وشرح الصدر بنور المعرفة والتوحيد، وهذا مقام الخوف والرجاء، وقد جمعا في آية واحدة، وهي قوله : ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والمعنى: تقشعر جلودهم من خوف عقاب الله، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند ذكر الله، ورجاء ثوابه، وهذا حاصل في قلب المؤمنين.
والثانية: ما ذكره بقوله: ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾؛ أي: وإذا قرأت عليهم آيات القرآن المنزلة على خاتم أنبيائه ﷺ ﴿زادَتْهُمْ إِيمانًا﴾؛ أي: زادتهم تصديقا ويقينا في الإيمان، وقوة في الاطمئنان، ونشاطا في الأعمال؛ لأنّ تظاهر الأدلة، وتعاضد الحجج يوجد زيادة اليقين، فإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه كان مؤمنا بإحياء الله الموتى حين دعا ربه أن يريه كيف يحييها، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فمقام الطمأنينية في الإيمان يزيد على ما دونه من
стр. 4569
الإيمان المطلق قوة وكمالا، قيل: والمراد بزيادة الإيمان: هو زيادة انشراح الصدر، وطمأنينة القلب، وانثلاج الخاطر عند تلاوة الآيات. وقيل: المراد بزيادة الإيمان: زيادة العمل؛ لأنّ الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، والآيات المتكاثرة، والأحاديث المتواترة ترد ذلك وتدفعه، فقد روى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». ففي هذا الحديث دليل على أنّ الإيمان فيه أعلى وأدنى، وإذا كان كذلك .. كان قابلا للزيادة والنقص، ويروى أن عليا المرتضى قال: لو كشف عني الحجاب ما ازددت يقينا، والعلم التفصيلي في الإيمان أقوى من العلم الإجمالي، فمن آمن بأن لله علما محيطا بالمعلومات، وحكمة قام بها نظام الأرض والسموات، ورحمة وسعت جميع المخلوقات، ويعلم ذلك علما إجماليا، ولو سألته أنّ يبين لك شواهده في الخلق .. لعجز، لا يوزن إيمانه إيمان صاحب العلم التفصيلي بسنن الله في الكائنات في كل نوع من أنواع المخلوقات، ولا سيما في العصور الحديثة، التي اتسعت فيها معارف البشر بهذه السنن، فعرفوا منها ما لم يكن يخطر عشر معشاره لأحد من العلماء في القرون الخوالي، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: في وصف ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ في غزوة أحد ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ﴾.
والثالثة: ما ذكره بقوله: ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ﴾ ومالك أمرهم لا على غيره ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ أي: يعتمدون بالكلية، وينقطعون بالكلية عما سوى الله تعالى؛ أي: إنّهم يتوكلون على ربهم وحده، لا يفوضون أمرهم إلى غيره، فمن كان موقنا بأن الله هو المدبر لأموره وأمور العالم كله .. لا يمكن منه أن يكل شيئا منها إلى غيره، فلا يعتمد على مال، ولا على عمل، ولا يخاف من غيره.
واعلم: أن هذه الخصال الثلاث - أعني الوجل عند ذكر الله، وزيادة
стр. 4570
الإيمان عند تلاوة القرآن، والتوكل على الله - من أعمال القلوب، والصفتان الباقيتان من أعمال الجوارح، كما سترى قريبا.
واعلم: أنّه إذا كان الشرع والعقل حاكمين بأن للإنسان كسبا اختياريا كلفه الله العمل به، وأنه يجازى على عمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر .. وجب على الإنسان أن يسعى في تدبير أمور نفسه بحسب ما وضعه الله تعالى في نظام الأسباب وارتباطها بالمسببات، وأنّ هذا الارتباط لم يكن إلا بتسخير الله تعالى وأما ما يناله باستعمالها فهو فضل من الله تعالى الذي سخرها وجعلها أسبابا، وعلمه ذلك، وأن ما لا يعرف له سبب يطلب به، فالمؤمن يتوكل على الله وحده، وإليه يتوجه فيما يطلبه منه، أما ترك الأسباب وتنكب سنن الله في الخلق .. فهو جهل بالله وجهل بدينه، وجهل بسننه التي لا تتبدل ولا تتحول.
٣ - والرابعة: ما ذكره بقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ وهذا الموصول في محل رفع على أنّه وصف للموصول قبله، أو بدل منه، أو بيان له، أو في محل نصب على المدح، وخص إقامة الصلاة والصدقة لكونهما أصل الخير وأساسه، يعني: يقيمون الصلاة المفروضة بحدودها وأركانها في أوقاتها؛ أي: يؤدونها مقومة كاملة في صورتها وأركانها الظاهرة من قيام، وركوع، وسجود، وقراءة، وذكر، وفي معناها وروحها الباطن من خشوع وخضوع، في مناجاة الرحمن، واتعاظ وتدبر في تلاوة القرآن، وبهذا كله تحصل ثمرة الصلاة من الانتهاء عن الفحشاء والمنكر.
والخامسة: ما ذكره بقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾؛ أي: وينفقون بعض ما رزقناهم في وجوه البر، من الزكاة المفروضة، والحج والجهاد، والنفقات الواجبة والمندوبة للأقربين، والمحتاجين، وفي مصالح الأمة ومرافقها العامة، التي بها يعلو شأنها بين الأمم، ويكون عليه تقدمها وعمرانها.
٤ - ﴿أُولئِكَ﴾ الموصوفون بالصفات الخمس المذكورة ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إيمانا ﴿حَقًّا﴾ لا شك في إيمانهم؛ لأنهم حققوا إيمانهم بضم الأعمال القلبية والقالبية إليه.
стр. 4571
روى الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصاري ﵁، أنّه مر برسول الله ﷺ فقال له: «كيف أصبحت يا حارثة؟» قال: أصبحت مؤمنا حقا، قال: «انظر ماذا تقول يا حارثة؟ فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟» فقال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، فقال: «يا حارثة عرفت فالزم» ثلاثا.
وروي عن الحسن أنّ رجلا سأله: أمؤمن أنت؟ قال: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والجنة والنار، والبعث والحساب .. فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ ...﴾ الخ فو الله لا أدري أنا منهم أم لا.
وبعد أن ذكر الله أوصافهم، ذكر جزاءهم عند ربهم فقال: ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء الموصوفين بالصفات السابقة ﴿دَرَجاتٌ﴾ من الكرامة والزلفى، ومراتب متفاوتة، بعضها فوق بعض بحسب تفاوتهم في الإيمان، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة مئة درجة، ما بين كل درجتين مئة عام» أخرجه الترمذي.
وله أيضا عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: «إنّ في الجنة مئة درجة، لو أنّ العالمين اجتمعوا في إحداهن .. لوسعتهم مدخرة لهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الذي خلقهم وسواهم، وهو القادر على جزائهم على أعمالهم الصالحة في دار الجزاء والثواب، والله تعالى فضل بعض الناس على بعض، ورفعهم درجة أو درجات في الدنيا وفي الآخرة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)﴾ وقال تعالى في الرسل: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾.
الآية. وقال في درجات الدنيا وحدها: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾.
стр. 4572
وفي كونها عنده زيادة تشريف لهم، وتكريم وتعظيم وتفخيم.
﴿وَ﴾ لهم ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ من الله لذنوبهم التي سبقت وصولهم إلى درجات الكمال ﴿وَ﴾ لهم ﴿رِزْقٌ كَرِيمٌ﴾؛ أي: ثواب حسن في الجنة، مقرون بالإكرام والتعظيم، خال عن كد الاكتساب وخوف الحساب، وهو ما أعد الله لهم من نعيم الجنة، من لذيذ المآكل والمشارب، وهناء العيش، والكريم تصف به العرب كل شيء حسن، لا قبح فيه ولا شكوى.
٥ - والكاف في قوله: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ خبر لمبتدأ محذوف جوازا تقديره: الأمر والشأن كائن كما أخرجك ربك، و ﴿ما﴾ مصدرية؛ أي: قضاء الله وأمره وشأنه كائن كإخراجه إياك من بيتك في المدينة، حال كونك ملتبسا بالحق والوحي ﴿وَ﴾ الحال ﴿إِنَّ فَرِيقًا﴾ وجماعة ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ ذلك الخروج، لعدم استعدادهم له بالعدد والعدد، وقيل: إن الكاف اسم بمعنى مثل واقعة خبرا لمبتدأ محذوف تقديره: حالهم في كراهة ما رأيت من تنفل جميع الغزاة بالسوية، مثل حالهم في كراهة خروجهم للحرب؛ أي فكراهتهم لقسمة الغنيمة على السوية مثل كراهتهم لقتال قريش.
والحاصل: أنه وقع للمسلمين في وقعة بدر كراهتان:
كراهة قسمة الغنيمة على السوية، وهذه الكراهة من شبابهم فقط، وهي الداعي الطبيعي، ولتأولهم بأنّهم باشروا القتال دون الشيوخ.
والكراهة الثانية: كراهة قتال قريش، وعذرهم فيها أنّهم خرجوا من المدينة ابتداء لقصد الغنيمة، ولم يتهيؤوا للقتال، فكان ذلك سبب كراهتهم للقتال، فشبه إحدى الحالتين بالأخرى في مطلق الكراهة.
وقيل: إن التشبيه واقع بين إخراجين؛ أي: إخراج ربك إياك من بيتك في مكة بالحق والوحي، وأنت كاره للخروج، وكان عاقبة ذلك الإخراج الظفر والنصر، والخير كائن، كإخراجه إياك - وبعض المؤمنين - من بيتك في المدينة بالحق والوحي في أنّه يكون عقب ذلك الخروج الثاني الظفر والنصر والخير، كما
стр. 4573
كانت عقيب ذلك الخروج الأول، وقيل: المعنى الأنفال ثابتة لله ثبوتا بالحق والوحي، كثبوت إخراجك من بيتك بالمدينة بالحق والوحي، والحال: إنّ فريقا وطائفة من المؤمنين لكارهون ذلك الخروج.
وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام - وفيها تجارة عظيمة ومعه أربعون راكبا، منهم أبو سفيان وعمرو بن العاص وعمرو بن هشام - فأخبر جبريل رسول الله ﷺ ، فأخبر المسلمين، فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا وبلغوا وادي دقران - بوزن سلمان وهو قريب من الصفراء - نزل عليه ﷺ جبريل فقال: يا محمد، إن الله وعدكم إحدى الطائفتين، إما العير وإما قريشا، فاستشار النبي أصحابه فقال: «ما تقولون؟ إنّ القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول، فالعير أحب إليكم أم النفير؟» - وهو اسم عسكر مجتمع - فقالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدو، فتغير وجه رسول الله ﷺ ، ثم ردد عليهم فقال: «إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل؛ أي: بجمع أهل مكة، ومضى إلى بدر» فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو، فغضب رسول الله ﷺ ، فقام عند ذلك أبو بكر وعمر، فأحسنا في القول، ثم قال سعد بن عبادة فقال: انظر أمرك فامض، فو الله لو سرت إلى عدن ما تخلف عنك رجل من الأنصار، ثم قال مقداد بن عمرو: يا رسول الله، امض كما أمرك ربك، فإنا معك حيثما أحببت، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت عين منا تطرف، فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: «أشيروا علي أيها الناس» فقال سعد بن معاذ: امض يا رسول الله لما أردت، فو الله الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، ففرح رسول الله ﷺ ، وبسطه قول سعد، ثم قال ﷺ : «سيروا على بركة الله وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم».
وحاصل المعنى: أنّ الأنفال لله يحكم فيها بالحق، ولرسوله يقسمها بين من
стр. 4574
جعل الله لهم الحق فيها بالسوية، وإن كره ذلك بعض المتنازعين فيها ممن كانوا يرون أنّهم أحق بها، كما يكرهون إخراج ربك إياك من بيتك بالحق للقاء إحدى الطائفتين من المشركين، وقد كان كثير من المؤمنين كارهين لذلك، لعدم استعدادهم للقتال، ولقلة عددهم، وقلة سلاحهم، وكثرة عدوهم وسلاحهم،
٦ - ﴿يُجادِلُونَكَ﴾؛ أي: يجادلك يا محمد المؤمنون وينازعونك ﴿فِي الْحَقِّ﴾؛ أي: في القتال وتلقي النفير لإيثارهم عليه تلقي العير كراهية للقاء المشركين، وإنكارا لمسير قريش حين ذكروا لهم ﴿بَعْدَ ما تَبَيَّنَ﴾؛ أي: بعد أن ظهر لهم الحق الذي هو القتال بإخبارك أنّهم سينصرون أينما توجهوا، وبعد ما أمرت به، ويقولون: ما كان خروجنا إلا للعير، وهلا قلت لنا وأخبرته أولا لنستعد ونتأهب له، وما كان هذا إلا لكراهتهم للقتال، إذ أنّهم كانوا في حال ضعف، فكان من حكمة الله أو وعدهم أولا إحدى طائفتي قريش تكون لهم على طريق الإبهام لا على طريق التعيين، فتعلقت آمالهم بطائفة العير القادمة من الشام؛ لأنّها كسب عظيم لا مشقة في إحرازه لضعف الحامية، فلما ظهر لهم أنّها فاتتهم ونجت - إذ ذهبت من طريق سيف البحر، طريق الشاطىء - وأن طائفة النفير خرجت من مكة بكل ما لدى قريش من قوة، وأنّها قد قربت منهم، ووجب عليهم قتالها، إذ تبين أنّها هي الطائفة التي وعدهم الله تعالى بالنصر عليها .. صعب على بعضهم لقاؤها على قلتهم وكثرتها، وضعفهم وقوتها، وعدم استعدادهم للقتال كاستعدادها، وطفقوا يعتذرون إلى النبي ﷺ بأنّهم لم يخرجوا إلا للعير؛ لأنّه لم يذكر لهم قتالا فيستعدوا له.
ولكن الحق تبين بحيث لم يبق للجدل فيه وجه .. فلا ينبغي أن يقال: إنّ طائفة العير هي مراد الله؛ لأنّها نجت، ولا بأن يقال: إننا لم نعد للقتال عدته؛ لأنّه مهما تكن حالها فلا بد من الظفر بها لوعد الله به، فإذا لا وجه للجدل إلا الجبن والخوف من القتال، وقرأ عبد الله ﴿بعد ما بين﴾ بضم الباء من غير تاء، وفي قوله: ﴿بَعْدَ ما تَبَيَّنَ﴾ إنكار عظيم عليهم؛ لأن من جادل في شيء لم يتضح .. كان أخف عتبا، أما من نازع في أمر واضح .. فهو جدير باللوم والإنكار.
стр. 4575
﴿كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾؛ أي: يجادلونك في الحق حالة كونهم لشدة ما بهم من جزع ورهب، يساقون بعنف وشدة وقهر إلى موت محقق لا مهرب منه، لوجود أماراته وأسبابه، حتى كأنّهم ينظرون إليه بأعينهم، إذ ما بين حالهم وحال عدوهم، من التفاوت في القوة والعدد، والخيل والزاد، قاض بذلك، ولكن الله تعالى وعد رسوله والمؤمنين بالظفر والنصر عليهم ووعده لا يتخلف.
وأما هذه الأسباب العادية فكثيرا ما تتخلف: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الذي بيده كل شيء، وهو القادر على كل شيء، وهكذا أنجز الله وعده لرسوله والمؤمنين، وكان لهم الظفر والفوز على عدوهم، وكان هذا نصرا مؤزرا للمسلمين على المشركين، وبه علا ذكرهم في البلاد العربية، وهابهم قاصيها ودانيها.
٧ - ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾؛ أي: واذكروا أيها المؤمنون قصة إذ وعدكم الله تعالى الظفر بإحدى الطائفتين العير والنفير ﴿أَنَّها لَكُمْ﴾؛ أي: أن تلك الإحدى تكون وتحصل لكم وتتسلطون وتتصرفون فيها ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾؛ أي: والحال أنّكم تتمنون وتحبون كون الطائفة غير صاحب الشوكة والقوة، وحصولها لكم - وهي العير - لضعفها وقلة عددها؛ لأنّه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا، وعبر عنها بذلك تعريضا لكراهتهم للقتال، وطمعهم في المال، والمعنى: تمنون أنّ العير التي ليس فيها قتال ولا سلاح ولا شوكة تكون لكم، والشوكة: الشدة والقوة ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ﴾ بوعده غير ما أردتم ﴿أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ الذي أراده ويظهره، وهو نصر المؤمنين وخذلان الكافرين ﴿بِكَلِماتِهِ﴾؛ أي: بآياته المنزلة على رسوله في محاربة ذات الشوكة، أو بما أمر به الملائكة من نزولهم للنصرة، أو بما قضى به من أسر المشركين وقتلهم وطرحهم في قليب - بئر - بدر، أو بأمره إياكم بالقتال، وقيل: بعداته التي سبقت لكم من إظهار الدين وإعزازه، وقيل: كلماته هي ما وعد نبيه في سورة الدخان، فقال: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ أي من أبي جهل وأصحابه ﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ﴾؛ أي: ويهلك أصل الكافرين من أولهم إلى آخرهم،
стр. 4576
ويعدم المعاندين بالجملة، ويذهب أثرهم، ويمحق قوتهم، وقد كان الظفر ببدر فاتحة الظفر فيما بعدها، إلى أن قطع الله دابر المشركين بفتح مكة، قال صاحب (١) «الكشاف»: يعني أنّكم تريدون الفائدة العاجلة، وسفساف الأمور، وأن لا تلقوا ما يرزؤكم في أبدانكم وأموالكم، والله يريد معالي الأمور، وما يرجع إلى عمارة الدين، ونصرة الحق، وعلو الكلمة، والفوز في الدارين، وشتان ما بين المرادين، ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة، وكسر قوتهم بضعفكم، وغلب كثرتهم بقتلكم، وأعزكم وأذلهم اه.
٨ - وقوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: وعد بما وعد وأراد بإحدى الطائفتين ذات الشوكة ليحق الحق الذي هو الإسلام؛ أي: ليظهر حقيته ويثبته، ويبطل الباطل الذي هو الشرك؛ أي: ليظهر بطلانه ويزيله ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾؛ أي: المشركون أولو الاعتداء والطغيان إظهار الحق وإحقاقه، وإبطال الباطل وإزالته، ولا يكون ذلك بالاستيلاء على العير، بل بقتل أئمة الكفر من صناديد قريش الذين خرجوا إليكم من مكة ليستأصلوكم.
وفي الآية سؤالان (٢):
الأول: أن قوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ تكرير مع قوله: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ فما معناه؟
والجواب: أنّه ليس بتكرار؛ لأن المراد بالمذكور أولا تثبيت ما وعد في هذه الواقعة من النصر والظفر بالأعداء، وبالمذكور ثانيا تقوية الدين، وإظهار الإسلام مدى الأيام؛ لأنّ الذي وقع يوم بدر من نصر المؤمنين مع قلتهم، وقهر الكافرين مع كثرتهم .. كان سببا لإعزاز الدين وقوته، ولهذا السبب قرنه بقوله: ﴿وَيُبْطِلَ الْباطِلَ﴾، وقيل: إنّ الأول للفرق بين الإرادتين، إرادة الله تعالى وإرادتهم، والثاني لبيان الداعي إلى حمله ﷺ على اختيار ذات الشوكة ونصره؛ لأنّ الذي وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين كان سببا لإعزاز الدين وقوته مدى الأيام.
стр. 4577
السؤال الثاني: الحق حق لذاته، والباطل باطل لذاته، فما المراد بتحقيق الحق، وإبطال الباطل؟
والجواب: أنّ المراد من تحقيق الحق: إظهار كون ذلك الحق حقا، والمراد من إبطال الباطل: إظهار كون ذلك الباطل باطلا، وذلك بإظهار دلائل الحق، وتقويته، وقمع رؤساء الباطل وقهرهم.
وقرأ مسلمة بن محارب (١): ﴿يعدكم﴾ بسكون الدال لتوالي الحركات، وابن محيصن ﴿اللَّهُ إِحْدَى﴾: بإسقاط همزة إحدى على غير قياس، وعنه أيضا أحد على التذكير، إذ تأنيث الطائفة مجاز، وأدغم أبو عمرو ﴿الشَّوْكَةِ تَكُونُ﴾ وقرأ مسلم بن محارب ﴿بكلمته﴾ بالإفراد، وحكاها ابن عطية عن شيبة وأبي جعفر ونافع، بخلاف عنهم، وأطلق المفرد مرادا به الجمع للعلم به، أو أريد به كلمة تكوين الأشياء وهو: كن.
٩ - وقوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ ظرف متعلق بمحذوف تقديره: اذكروا أيها المؤمنون قصة وقت استغاثتكم ربكم؛ أي: وقت طلبكم الغوث والنصر من ربكم قائلين: ربنا انصرنا على عدوك، يا غياث المستغيثين أغثنا، والأمر بهذا الذكر لبيان نعمة الله عليهم حين التجائهم إليه، إذ ضاقت عليهم الحيل، وطلبوا مخلصا من تلك الشدة، فاستجاب دعاءهم كما قال: ﴿فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾؛ أي: فأجاب دعاءكم بأني ممدكم ومساعدكم فمعينكم ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾؛ أي: متتابعين؛ أي يردف بعضهم بعضا، ويتبعه؛ أي: يأتي بعضهم إثر بعض، وهذا (٢) الألف هم وجوههم وأعيانهم، وبهذا يطابق ما جاء في سورة آل عمران ﴿بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ و ﴿بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ وقيل (٣): يجمع بين ما هناك وهنا بأن الملائكة كانت ألفا في ابتداء الأمر، ثم صارت ثلاثة، ثم خمسة؛ أي: ثم صارت بعد الوعد بالألف ووقوع القتال بالفعل ومقاتلة الألف معهم صارت الألف بزيادة الله عليها ألفين ثلاثة آلاف، ثم صارت الثلاثة
стр. 4578
بزيادة ألفين عليها خمسة.
ومعنى بـ ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾؛ أي: (١) بإمدادي إياكم؛ أي: بوعدي إياكم بالإمداد، وذلك لأنّه وقت الإجابة لم يحصل الامداد بالفعل؛ لأن الدعاء واستجابته كانا قبل وقوع القتال، وفي «الخازن»: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ الأصل بأني ممدكم؛ أي: مرسل إليكم مددا وردءا لكم.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿أَنِّي﴾ بفتح الهمزة على تقدير حذف الجر؛ أي: بأني، وقرأ عيسى بن عمر ورواها عن أبي عمرو ﴿إني﴾ بكسرها، وفيه مذهبان:
مذهب البصريين: أنه على إضمار القول؛ أي: فقال: إني ممدكم.
ومذهب الكوفيين: أنّها محكية باستجاب، إجراء له مجرى القول؛ لأنّه بمعناه.
وقرأ الجمهور (٣): بألف بالإفراد، وقرأ الضحاك وأبو رجاء: ﴿بآلاف﴾ بهمزة ممدودة و ﴿بِأَلْفٍ﴾ على الجمع، وقرأ أبو العالية وأبو المتوكل: ﴿بألوف﴾ بوزن فلوس، بضم الهمزة واللام، وبواو بعدها، على الجمع، وقرأ تميم بن حذلم الضبي والجحدري: ﴿بألف﴾ بضم الألف واللام من غير واو ولا ألف، وقرأ أبو الجوزاء وأبو عمران: ﴿بيلف﴾: بياء مفتوحة، وسكون اللام من غير واو، ولا ألف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والحسن ومجاهد: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بكسر الدال؛ أي: متتابعين، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم وروي عن قنبل أيضا بفتح الدال، قال الفراء: أراد فعل ذلك بهم؛ أي: إن الله أردف المسلمين بهم، وقرأ معاذ القارىء وأبو المتوكل الناجي وأبو مجلز: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بفتح الراء والدال، مع التشديد، وقرأ أبو الجوزاء وأبو عمران: ﴿مُرْدِفِينَ﴾: بضم الراء وكسر الدال، وقال الزجاج: يقال ردفت الرجل إذا ركبت خلفه، وأردفته إذا أركبته خلفك، فمعنى ﴿مُرْدِفِينَ﴾ يأتون فرقة بعد
стр. 4579
فرقة، ويجوز في اللغة: مردّفين ومردّفين ومردّفين، فالدال مكسورة مشددة على كل حال، والراء يجوز فيها الفتح والضم والكسر، قال سيبويه: الأصل مرتدفين، فأدغمت التاء في الدال، فصار مردفين؛ لأنّك طرحت حركة التاء على الراء، وإن شئت لم تطرح حركة التاء، وكسرت التاء لالتقاء الساكنين، والذين ضموا الراء جعلوها تابعة لضم الميم
١٠ - ﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: وما جعل الله إمدادكم بإنزال الملائكة عيانا لعلة من العلل ﴿إِلَّا بُشْرى﴾؛ أي: إلا لأجل البشرى لكم بأنّكم تنصرون ﴿وَ﴾ إلا ﴿لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾؛ أي: وإلا لتسكن بذلك الإمداد قلوبكم من الزلزال الذي عرض لكم، فكان من مجادلتكم للرسول في أمر القتال ما كان، وبذا تلقون أعداءكم ثابتين، موقنين بالنصر، وفي هذا إشعار بأنّ الملائكة لم يقاتلوا، بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم وتثبيتها، وحذف ﴿لكم﴾ هنا وأثبته في آل عمران لأن القصة هناك مسهبة، فناسبها الإثبات، وهنا موجزة فناسبها الحذف، وهنا قدم لفظة ﴿بِهِ﴾ وأخر هناك على سبيل التفنن والاتساع في دائرة الكلام، وجاء هنا ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ مراعاة لأواخر الآي، وهناك ليست آخر آية، لتعلق ﴿يَقْطَعَ﴾ بما قبله، فناسب أن يأتي ﴿العزيز الحكيم﴾ على سبيل الصفة، وكلاهما يشعر بالعلية، ذكره أبو حيان.
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا من عند غيره؛ أي: إنّ الله ينصركم أيها المؤمنون فثقوا بنصره، ولا تتكلوا على قوتكم، فإمداد الملائكة، وكثرة العدد، والأهب ونحوها وسائط لا تأثير لها، فلا تحسبوا النصر منها، ولا تيأسوا منه بفقدها، وفيه تنبيه على أن الواجب على العبد المسلم أن لا يتوكل إلا على الله تعالى في جميع أحواله، ولا يثق بغيره؛ فإن الله تعالى بيده النصر والإعانة؛ أي: ليس النصر إلا من عند الله تعالى دون غيره من الملائكة أو سواهم من الأسباب، فهو سبحانه الفاعل للنصر، والمسخر له كتسخيره للأسباب الحسية والمعنوية، ولا سيما ما لا كسب للبشر فيه، كتسخير الملائكة لتخالط المؤمنين، فتفيد أرواحهم الثبات والاطمئنان.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: غالب على أمره، قوي منيع لا يقهره شيء، ولا يغلبه غالب، بل هو يقهر كل شيء ويغلب ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره
стр. 4580
ونصره، ينصر من يشاء، ويخذل من يشاء من عباده، لا يضع شيئا في غير موضعه.
وظاهر الآية يدل على أن لإنزال الملائكة وإمداد المسلمين بهم فائدة معنوية، فهو يؤثر في القلوب فيزيدها قوة، وإن لم يكونوا محاربين، وهناك روايات تدل على أنّهم قاتلوا فعلا، وفي يوم أحد وعدهم الله وعدا معلقا على الصبر والتقوى، ولكن الشرط الأخير قد انتفى، فانتفى ما علق عليه.
١١ - واذكروا أيها المؤمنون نعمة ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ﴾؛ أي: نعمة إذ يلقي الله عليكم ﴿النُّعاسَ﴾؛ أي: النوم الخفيف ﴿أَمَنَةً مِنْهُ﴾؛ أي: حالة كون النعاس أمانا من الله لكم؛ أي: سبب أمان وسلامة لكم من عدوكم أن يغلبكم، قال عبد الله بن مسعود (١) النعاس في القتال أمنة من الله؛ أي: طمأنينة منه، وفي الصلاة من الشيطان، والفائدة في كون النعاس أمنة في القتال: أنّ الخائف على نفسه لا يأخذه النوم، فصار حصول النوم وقت الخوف الشديد دليلا على الأمن، وإزالة الخوف، وقيل: إنّهم لما خافوا على أنفسهم لكثرة عدوهم وعددهم، وقلة المسلمين عددا وعددا وعطشوا عطشا شديدا .. ألقى الله عليهم النوم حتى حصلت لهم الراحة، وزال عنهم الكلال والعطش، وتمكنوا من قتال عدوهم، وكان ذلك النوم نعمة في حقهم؛ لأنّه كان خفيفا بحيث لو قصدهم لعرفوا وصوله إليهم، وقدروا على دفعه عنهم، وقيل في كون هذا النوم كان أمنة من الله: أنّه وقع عليهم النعاس دفعة واحدة، فناموا كلهم مع كثرتهم، وحصول النعاس لهذا الجمع العظيم - مع وجود الخوف الشديد - أمر خارج عن العادة، فلهذا السبب قيل: إن ذلك النعاس كان في حكم المعجزة؛ لأنّه أمر خارق للعادة، وهذه (٢) الآية تتضمن ذكر نعمة أنعم الله بها عليهم، وهي أنّهم مع خوفهم من لقاء العدو، والمهابة لجنابه، سكن الله قلوبهم وأمنها حتى ناموا آمنين غير خائفين، وكان هذا النوم في الليلة التي كان القتال في غدها.
قيل: وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان:
стр. 4581
أحدهما: أنّه قواهم بالاستراحة على القتال من الغد.
الثاني: أنّه أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم.
وقيل: إن النوم غشيهم في حال التقاء الصفين، وقد مضى في يوم أحد نحو من هذا في سورة آل عمران، وروى البيهقي في «الدلائل» عن علي كرم الله وجهه قال:
ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأينا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ يصلي تحت شجرة، حتى أصبح. والمتبادر من الآية أنّ النعاس كان في أثناء القتال، وهو يمنع الخوف؛ لأنّه ضرب من الذهول والغفلة عن الخطر.
وقرأ (١) ابن كثير، وأبو عمرو، ومجاهد، وابن محيصن ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾ بفتح الياء، وسكون الغين، وفتح الشين بعدها ألف مضارع غشي الثلاثي، والنعاس رفع به، وقرأ الأعرج وابن نصاح وأبو حفص ونافع: ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ بضم الياء وسكون الغين وكسر الشين، النعاس بالنصب مضارع أغشى الرباعي، وقرأ عروة بن الزبير، ومجاهد، والحسن وعكرمة، وأبو رجاء، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ بضم الياء وفتح الغين مشددة الشين مكسورة، النعاس بالنصب، وقرأ الجمهور ﴿أَمَنَةً﴾ بالتحريك، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو المتوكل، وأبو العالية، وابن يعمر، وابن محيصن، ﴿أَمَنَةً مِنْهُ﴾ بسكون الميم على وزان رحمة.
﴿وَ﴾ اذكروا نعمة ﴿إذ ينزل﴾ الله ﴿عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾؛ أي: مطرا ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾؛ أي: بذلك الماء من الأحداث والجنابات، ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾؛ أي: وسوسته إليكم، بأنكم لو كنتم على الحق ما كنتم عطاشا محدثين، والمشركون على الماء ﴿وَلِيَرْبِطَ﴾ به ﴿عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ باليقين والصبر، وقال الواحدي: ويشبه أن تكون لفظة ﴿عَلى﴾ صلة، والمعنى: وليربط قلوبكم بالصبر، وما أوقع فيها من اليقين، وفي «الوسيط»: ﴿عَلى﴾ زائدة، والمعنى: وليربط قلوبكم بما أنزل من الماء، ولا تضطرب بوسوسة الشيطان اه
стр. 4582
«زاده» أي: يقويها ويعينها باليقين، فجعلها صابرة قوية ثابتة في مواطن الحرب، ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ﴾؛ أي: بذلك الماء ﴿الْأَقْدامَ﴾ على الرمل فقدروا على المشي عليه، كيف أردوا في مواطن القتال.
روى (١) ابن المنذر من طريق ابن جرير عن ابن عباس ﵁: أنّ المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء، فظمىء المسلمون، وصلّوا مجنبين محدثين، وكان بينهم، رمال فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن، وقال أتزعمون أنّ فيكم نبيّا وأنكم أولياء، وتصلون مجنبين محدثين؟ فأنزل الله من السماء ماء، فسال عليهم الوادي ماء، فشرب المسلمون، وتطهّروا، وثبتت أقدامهم؛ أي: على الرمل اللين لتلبده بالمطر، وذهبت وسوسته.
وقال ابن القيم: أنزل الله تعالى تلك الليلة مطرا واحدا، فكان على المشركين وابلا شديدا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلا طهّرهم به، وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطأ به الأرض وصلب الرمل، وثبت الأقدام، ومهّد به المنزل، وربط على قلوبهم فسبق رسول الله وأصحابه إلى الماء، فنزلوا عليه شطر الليل، وصنعوا الحياض ثم غوروا ما عداها من المياه، ونزل رسول الله وأصحابه أعلى الحياض، وبني لرسول الله ﷺ عريش على تلّ مشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة، وجعل يشير بيده هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى، فما تعدّى أحد منهم موضع إشارته.
وقال ابن إسحاق (٢): إن الحباب بن المنذر قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا أن نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: «بل هو الحرب والرأي والمكيدة» قال: يا رسول الله، فإنّ هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم تغور ما وراءه من القلب، - الأبار غير المبنية - ثم نبني عليها حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله ﷺ : لقد أشرت بالرأي»
стр. 4583
وفعلوا ذلك، وقد فهم من الآية أنّه كان لهذا المطر أربع فوائد:
١ - تطهيرهم حسّيا بالنظافة التي تنشط الأعضاء وتدخل السرور على النفس، وشرعيّا بالغسل من الجنابة، والوضوء من الحدث الأصغر.
٢ - إذهاب رجس الشيطان ووسوسته.
٣ - الربط على القلوب؛ أي: توطين النفس على الصبر وتثبيتها، كما قال: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ وهذا لما للمطر من المنافع التي تكون أثناء القتال.
٤ - تثبيت الأقدام به؛ ذاك أنّ هذا المطر لبد الرمل وصيره بحيث لا تغوص فيه أرجلهم، فقدروا على المشي كيف أرادوا، ولولاه لما قدروا على ذلك.
وقرأ طلحة (١): ﴿وَيُنَزِّلُ﴾ بالتشديد، وعبارة النسفي: ﴿وينزل﴾ قرأ مكيّ وبصري بالتخفيف، وقرأ غيرهم بالتشديد. اه.
وقرأ الجمهور: ﴿ماءً﴾ بالمد، وقرأ الشعبي، ﴿ما﴾ بغير همز، والأصحّ أنها بمعنى ماء المدودة، قصر للتخفيف، وقيل: هي ما الموصول، ولا يصح لأنّ لام كي لا تكون صلة الموصول، وقرأ ابن المسيب ﴿ليطهركم﴾ بسكون الطاء، وقرأ عيسى بن عمر ﴿ويذهب﴾ بسكون الباء، وقرأ ابن محيصن ﴿رجز﴾ بضم الراء، وأبو العالية ﴿رجس﴾ بالسين.
١٢ - واذكر يا محمد نعمة ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ﴾؛ أي: نعمة وقت إيحاء ربك إلى الملائكة، الذين أمد بهم المؤمنين يوم بدر، وإعلامه إياهم، فأل فيه للعهد الذّكري ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾؛ أي: أني مع المؤمنين بالنصر، والمعونة، والتأييد، أو أني معكم يا ملائكتي في إمدادهم وإعانتهم ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: فثبتوا يا ملائكتي قلوب الذين آمنوا بإلقاء النصر والغلبة في قلوبهم، أو ثبتوهم بقتالكم معهم للمشركين. وقيل: بشّروهم بالنصر والظفر، فكان الملك يمشي في صورة رجل أمام الصف، ويقول: أبشروا فإنّ الله ناصركم عليهم، فالمراد بالمعية في
стр. 4584
قوله أنّي معكم معية الإعانة والنصر والتأييد في مواطن الجد، ومقاساة شدائد القتال، وهذه منة خفية أظهرها الله تعالى ليشكروه عليها.
وقال الزجاج (١): كان التثبيت لهم بأشياء يلقونها في قلوبهم، تصح بها عزائمهم، ويتأكد جدهم، وللملك قوة إلقاء الخير، ويقال له: إلهام، كما إن للشيطان قوة إلقاء الشر، ويقال لها وسوسة. وقوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ والخوف منكم تفسير لقوله: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ كأنه قيل: أني معكم في إعانتكم بإلقاء الرعب في قلوبهم، فلا يكون لهم ثبات، وكان ذلك نعمة من الله تعالى على المؤمنين، حيث ألقى الخوف منهم في قلوب المشركين، وقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾ كالتفسير لقوله: ﴿فَثَبِّتُوا﴾ وهو أمر للمؤمنين، أو للملائكة، وفيه دليل على أنّهم قاتلوا، قال ابن الأنباري: ما كانت الملائكة تعرف كيف تقاتل بني آدم، فعلمهم الله تعالى ذلك بقوله: فاضربوا يا ملائكتي فوق الأعناق ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾ (٢)؛ أي: فاضربوا رؤوسهم، واضربوا أطراف الأصابع؛ أي: اضربوا أيها المؤمنون، أو يا ملائكتي في جميع أعضاء المشركين من أعاليها إلى أسافلها، كيف شئتم؛ لأن الله تعالى ذكر الأشرف والأخس، فهو إشارة إلى جميع الأعضاء.
ومعنى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾؛ أي: فاضربوا الأعناق وما فوقها، وهي الرؤوس، ومعنى ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾؛ أي: واضربوا أطراف أصابع اليدين، سميت (٣) بذلك، لأنّ بها صلاح الأشياء التي يمكن الإنسان أن يعملها بيديه، وإنما خصّت بالذكر دون سائر الأطراف، لأجل أن الإنسان بها يقاتل، وبها يمسك السلاح في الحرب، وقيل: إنه أمرهم بضرب أعلى الجسد وهو الرأس، وهو أشرف الأعضاء وبضرب البنان، وهو أضعف الأعضاء، فيدخل في ذلك كلّ عضو في الجسد، وقيل: أمرهم بضرب الرأس، وفيه إهلاك الإنسان، وبضرب البنان وفيه تعطيل حركة الإنسان عن الحرب؛ لأنه بالبنان يتمكن من مسك
стр. 4585
السلاح وحمله والضرب به، فإذا قطعت بنانه تعطّل عن ذلك كلّه.
روي (١) عن أبي داود المازني، وكان شهد بدرا قال: إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري. وعن سهل بن حنيف قال: لقد لقينا يوم بدر، وإنّ أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف.
وقرأ (٢) عيسى بن عمر بخلاف عنه: ﴿إني معكم﴾ بكسر الهمزة على اضمار القول على مذهب البصريين، أو على إجراء ﴿يُوحِي﴾ مجرى يقول على مذهب الكوفيين، وقرأ ابن عامر، والكسائي، والأعرج: ﴿الرُّعْبَ﴾ بضم العين، وقال (٣) الفراء علمهم مواضع الضرب، فقال: اضربوا الرؤوس والأيدي، والأرجل، فكأنه قال: فاضربوا الأعالي إن تمكنتم من الضرب فيها، فإن لم تقدروا، فاضربوهم في أوساطهم، فإن لم تقدروا فاضربوهم في أسافلهم، فإنّ الضرب في الأعالي يسرع بهم إلى الموت، والضرب في الأوساط يسرع بهم إلى عدم الامتناع، والضرب في الأسافل يمنعهم من الكر والفر، فيحصل من ذلك إما إهلاكهم بالكلية، وإما الاستيلاء عليهم. انتهى.
والخلاصة (٤): فاضربوا الهام وافلقوا الرؤوس، واجتزوا الرقاب، وقطّعوها، وقطعوا الأيدي ذات البنان، التي هي أداة التصرف في الضرب وغيره، وقد كان النبي ﷺ يمر بين القتلى ببدر بعد انتهاء المعركة، ويقول: «نفلق هاما» فيتم البيت أبو بكر ﵁ وهو:
نفلّق هاما من رجال أعزّة ... علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما
وفي ذلك دليل على ألمه ﷺ من الضرورة التي ألجأته إلى قتل صناديد قومه، فالمشركون هم الذين ظلموه، هو ومن آمن به، حتى أخرجوهم من وطنهم بغيا وعدوانا، ثم تبعوهم إلى دار هجرتهم يقاتلونهم فيها.
стр. 4586
١٣ - ثم بيّن سبب ذلك التأييد والنصر فقال: ﴿ذلِكَ﴾ المذكور من تأييد الله للمؤمنين بالنصر والمعونة والإمداد، والظفر، والغلبة، وخذلانه للمشركين بالقتل والأسر والهزيمة، ﴿بِأَنَّهُمْ﴾؛ أي: كائن بسبب أنّ المشركين ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ﷺ ؛ أي: خالفوهما في الأوامر والنواهي وعادوهما، فكان كل منهما في شقّ، وجانب غير الذي فيه الآخر، فالله هو الحق، والداعي إلى الحق ورسوله، هو المبلغ عنه، والمشركون على الباطل، وما يستلزمه من الشرور والآثام، والخرافات، والكاف في ذلك، لخطاب الرسول، أو لخطاب كل سامع ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي: ومن يخالف الله ورسوله فيما أمرا به، ونهيا عنه. وأجمعوا (١) على الفك في ﴿يُشاقِقِ﴾ اتباعا لخط المصحف، وهي لغة الحجاز، والإدغام لغة تميم، كما جاء في الآية الأخرى ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ﴾ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ يعاقبه يوم القيامة على مخالفته، وشركه لأنه : ﴿شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ له، فالذي نزل بهم في ذلك اليوم قليل بالنسبة إلى ما أعده الله لهم من العقاب يوم القيامة، فلا أجدر بالعقاب من المشاقين له، الذين يؤثرون الشرك وعبادة الطاغوت على توحيده تعالى وعبادته، ويعتدون على أوليائه بمحاولة ردهم عن دينهم بالقوة والقهر، وإخراجهم من ديارهم، ثم اتّباعهم إلى مهجرهم يقاتلونهم فيه،
١٤ - والخطاب في قوله: ﴿ذلِكُمْ﴾ للمشركين؛ أي: هذا العقاب الذي عجلت لكم أيها المشركون، المشاقون لله ورسوله في الدنيا، من انكسار وهزيمة مع الخزي، والذل أمام فئة قليلة العدد والعدد من المسلمين؛ أي: ذلك العذاب المذكور ﴿فَذُوقُوهُ﴾ عاجلا في الدنيا وباشروه ﴿وَ﴾ اعلموا ﴿أَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ﴾؛ أي: إنّ لكم في الآخرة عذاب النار إن أصررتم على كفركم، وهو شر العذابين، وأبقاهما، وأشار بالتعبير بالذوق إلى أنّ عذاب الدنيا يسير بالنسبة لعذاب الآخرة، وقيل: المعنى ذوقوا ما عجل لكم في الدنيا مع ما أجل لكم في الآخرة.
وقرأ الحسن وزيد بن علي وسليمان التيمي (٢): ﴿وَإنَّ لِلْكافِرِينَ﴾ بكسر همزة ﴿إن﴾ على استئناف الإخبار.
стр. 4587
الإعراب
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾.
﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول ﴿عَنِ الْأَنْفالِ﴾ جار ومجرور متعلق به على كونه مفعولا ثانيا له، والجملة مستأنفة ﴿قُلِ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿الْأَنْفالُ لِلَّهِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكى لـ ﴿قُلِ﴾، وإن شئت قلت: ﴿الْأَنْفالِ﴾ مبتدأ ﴿لِلَّهِ﴾ خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿وَالرَّسُولِ﴾ معطوف على الجلالة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿الفاء﴾ حرف عطف وتفريع ﴿اتقوا الله﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿الْأَنْفالُ لِلَّهِ﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قال﴾ ﴿وَأَصْلِحُوا﴾ فعل وفاعل ﴿ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ مفعول به، ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ معطوف على الجلالة ﴿إِنْ﴾ حرف شرط وجزم ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِنْ مُؤْمِنِينَ﴾ خبرها وجواب ﴿إِنْ﴾ معلوم مما قبله تقديره: إن كنتم مؤمنين فأطيعوا الله ورسوله، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾.
﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ ﴿الَّذِينَ﴾ خبر، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان حقيقة المؤمنين المذكورين في الآية السابقة، ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿ذُكِرَ اللَّهُ﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الجر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذا﴾ من فعل شرطها، وجوابها صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد ضمير ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ ﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿تُلِيَتْ﴾ فعل
стр. 4588
ماض مغير الصيغة ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به ﴿آياتُهُ﴾ نائب فاعل، ومضاف إليه، والجملة في محل الخفض فعل شرط لـ ﴿إِذا﴾. ﴿زادَتْهُمْ﴾ فعل ومفعول أول ﴿إِيمانًا﴾ مفعول ثان، وفاعله ضمير يعود على الآيات، والجملة جواب إِذا وجملة إِذا معطوفة على جملة إِذا السابقة على كونها صلة الموصول، والعائد ضمير ﴿زادَتْهُمْ﴾. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾، وجملة ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ معطوفة على جملة إِذا الأولى على كونها صلة الموصول، أو مستأنفة أو في محل النصب حال من مفعول ﴿زادَتْهُمْ﴾.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾.
﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الرفع صفة للموصول الأول ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، به، والجملة صلة الموصول، ﴿وَمِمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾. ﴿رَزَقْناهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والثاني محذوف تقديره: مما رزقناهم إياه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف ﴿يُنْفِقُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ على كونها صلة ﴿الَّذِينَ﴾.
﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾.
﴿أُولئِكَ﴾ مبتدأ ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ خبر، والجملة مستأنفة مسوقة، لبيان ما للمؤمنين من الأجور ﴿حَقًّا﴾ صفة لمصدر محذوف، تقديره: المؤمنون إيمانا حقا ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم ﴿دَرَجاتٌ﴾ مبتدأ مؤخر ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ظرف، ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿دَرَجاتٌ﴾ تقديره: درجات كائنات عند ربهم، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ثان لـ أُولئِكَ. ﴿وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ﴾ معطوفان على ﴿دَرَجاتٌ﴾. ﴿كَرِيمٌ﴾ صفة لـ ﴿رِزْقٌ﴾.
﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥)﴾.
﴿كَما﴾ ﴿الكاف﴾ حرف جر وتشبيه ﴿ما﴾ مصدرية ﴿أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ فعل ومفعول وفاعل ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ متعلق به ﴿بِالْحَقِّ﴾ جار ومجرور متعلق به أيضا، أو حال من مفعول ﴿أَخْرَجَكَ﴾؛ أي: حال كونك ملتبسا بالحق، والجملة الفعلية صلة
стр. 4589
﴿ما﴾ المصدرية ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، تقديره: كإخراج ربك إياك ﴿مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ الجار والمجرور متعلق بواجب الحذف لوقوعه خبرا لمبتدأ محذوف تقديره الأمر والشأن كائن كإخراج ربك إياك من بيتك بالحق؛ أي: الأمر والشأن الجاري في الأنفال من قسمها بالتسوية بينهم، كائن كإخراج ربك من بيتك في كونه مكروها لهم، وقد ذكروا في متعلق هذه الكاف نحو عشرين وجها أكثرها معترضة، وبعضها صعبة، وفيما ذكرناه كفاية، لأنه أوضح الوجوه، وأسلمها من الاعتراض، ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا﴾ الواو: واو الحال ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿فَرِيقًا﴾ اسمها ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿فَرِيقًا﴾ ﴿لَكارِهُونَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء ﴿كارهون﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب حال من مفعول ﴿أَخْرَجَكَ﴾ تقديره: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، حال كون فريق من المؤمنين كارهين خروجك.
﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾.
﴿يُجادِلُونَكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿فِي الْحَقِّ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية مستأنفة إخبارا عن حالهم في المجادلة، أو حال ثانية من مفعول ﴿أَخْرَجَكَ﴾؛ أي: أخرجك في حال مجادلتهم إياك، ويحتمل أن تكون حالا من الضمير في ﴿لَكارِهُونَ﴾؛ أي: لكارهون في حال الجدال. ﴿بَعْدَ ما﴾ ﴿بَعْدَ﴾ منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بـ ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ ما مصدرية ﴿تَبَيَّنَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الحق، والجملة صلة ما المصدرية ما مع صلتها في تأويل مصدر مجرود بإضافة الظرف إليه، تقديره: بعد تبينه ﴿كَأَنَّما﴾ ﴿كأن﴾ حرف نصب وتشبيه ﴿ما﴾ كافة لكفها ﴿كأن﴾ عن العمل فيما بعدها، ولذلك دخلت على الجملة الفعلية ﴿يُساقُونَ﴾ فعل ونائب فاعل ﴿إِلَى الْمَوْتِ﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من الضمير في ﴿لَكارِهُونَ﴾؛ أي: حال كونهم مشبهين بالذين يساقون بالعنف والصغار إلى القتل، ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من واو ﴿يُساقُونَ﴾.
стр. 4590
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمحذوف تقديره: واذكروا ﴿إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ فعل ومفعول أول، وفاعل ومفعول ثان، ومضاف إليه، والجملة في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إِذْ﴾ تقديره: واذكروا نعمة وقت وعد الله إياكم إحدى الطائفتين؛ ﴿أَنَّها﴾ لَكُمْ أنّ حرف نصب والهاء اسمها ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور خبرها، وجملة ﴿أَنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر منصوب على البدلية من ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ بدل اشتمال تقديره: وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين كونها لكم ﴿وَتَوَدُّونَ﴾ الواو: حالية ﴿تَوَدُّونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من كاف ﴿يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿أَنَّ﴾ حرف نصب ﴿غَيْرَ﴾ اسمها ﴿ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ مضاف إليه، ﴿تَكُونُ﴾ فعل مضارع ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ وأنث الضمير مراعاة لمعنى ﴿غَيْرَ﴾ وهو الفرقة ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور خبر ﴿تَكُونُ﴾، وجملة ﴿تَكُونُ﴾ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ﴾ تقديره كائنة لكم، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: وتودون كون غير ذات الشوكة لكم، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿كاف﴾ ﴿إِذْ يَعِدُكُمُ﴾. ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُحِقَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: ويريد الله إحقاق الحق بكلماته، ﴿وَيَقْطَعَ﴾ معطوف على ﴿يُحِقَّ﴾ وفاعله ضمير يعود على الله ﴿دابِرَ الْكافِرِينَ﴾ مفعول به، ومضاف إليه، والتقدير: ويريد الله إحقاق الحق بكلماته، وقطع دابر الكافرين بقدرته وقهره.
﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾.
﴿لِيُحِقَّ﴾ ﴿اللام﴾ لام كي ﴿يحق﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي وفاعله ضمير يعود على الله ﴿الْحَقَّ﴾ مفعول به ﴿وَيُبْطِلَ الْباطِلَ﴾ فعل