١٣ - ثم بيّن سبب ذلك التأييد والنصر فقال: ﴿ذلِكَ﴾ المذكور من تأييد الله للمؤمنين بالنصر والمعونة والإمداد، والظفر، والغلبة، وخذلانه للمشركين بالقتل والأسر والهزيمة، ﴿بِأَنَّهُمْ﴾؛ أي: كائن بسبب أنّ المشركين ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ﷺ ؛ أي: خالفوهما في الأوامر والنواهي وعادوهما، فكان كل منهما في شقّ، وجانب غير الذي فيه الآخر، فالله هو الحق، والداعي إلى الحق ورسوله، هو المبلغ عنه، والمشركون على الباطل، وما يستلزمه من الشرور والآثام، والخرافات، والكاف في ذلك، لخطاب الرسول، أو لخطاب كل سامع ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي: ومن يخالف الله ورسوله فيما أمرا به، ونهيا عنه. وأجمعوا (١) على الفك في ﴿يُشاقِقِ﴾ اتباعا لخط المصحف، وهي لغة الحجاز، والإدغام لغة تميم، كما جاء في الآية الأخرى ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ﴾ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ يعاقبه يوم القيامة على مخالفته، وشركه لأنه : ﴿شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ له، فالذي نزل بهم في ذلك اليوم قليل بالنسبة إلى ما أعده الله لهم من العقاب يوم القيامة، فلا أجدر بالعقاب من المشاقين له، الذين يؤثرون الشرك وعبادة الطاغوت على توحيده تعالى وعبادته، ويعتدون على أوليائه بمحاولة ردهم عن دينهم بالقوة والقهر، وإخراجهم من ديارهم، ثم اتّباعهم إلى مهجرهم يقاتلونهم فيه،
١٤ - والخطاب في قوله: ﴿ذلِكُمْ﴾ للمشركين؛ أي: هذا العقاب الذي عجلت لكم أيها المشركون، المشاقون لله ورسوله في الدنيا، من انكسار وهزيمة مع الخزي، والذل أمام فئة قليلة العدد والعدد من المسلمين؛ أي: ذلك العذاب المذكور ﴿فَذُوقُوهُ﴾ عاجلا في الدنيا وباشروه ﴿وَ﴾ اعلموا ﴿أَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ﴾؛ أي: إنّ لكم في الآخرة عذاب النار إن أصررتم على كفركم، وهو شر العذابين، وأبقاهما، وأشار بالتعبير بالذوق إلى أنّ عذاب الدنيا يسير بالنسبة لعذاب الآخرة، وقيل: المعنى ذوقوا ما عجل لكم في الدنيا مع ما أجل لكم في الآخرة.
وقرأ الحسن وزيد بن علي وسليمان التيمي (٢): ﴿وَإنَّ لِلْكافِرِينَ﴾ بكسر همزة ﴿إن﴾ على استئناف الإخبار.
стр. 4587
الإعراب
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾.
﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول ﴿عَنِ الْأَنْفالِ﴾ جار ومجرور متعلق به على كونه مفعولا ثانيا له، والجملة مستأنفة ﴿قُلِ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿الْأَنْفالُ لِلَّهِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكى لـ ﴿قُلِ﴾، وإن شئت قلت: ﴿الْأَنْفالِ﴾ مبتدأ ﴿لِلَّهِ﴾ خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿وَالرَّسُولِ﴾ معطوف على الجلالة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿الفاء﴾ حرف عطف وتفريع ﴿اتقوا الله﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿الْأَنْفالُ لِلَّهِ﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قال﴾ ﴿وَأَصْلِحُوا﴾ فعل وفاعل ﴿ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ مفعول به، ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ معطوف على الجلالة ﴿إِنْ﴾ حرف شرط وجزم ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِنْ مُؤْمِنِينَ﴾ خبرها وجواب ﴿إِنْ﴾ معلوم مما قبله تقديره: إن كنتم مؤمنين فأطيعوا الله ورسوله، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾.
﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ ﴿الَّذِينَ﴾ خبر، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان حقيقة المؤمنين المذكورين في الآية السابقة، ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿ذُكِرَ اللَّهُ﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الجر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذا﴾ من فعل شرطها، وجوابها صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد ضمير ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ ﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿تُلِيَتْ﴾ فعل
стр. 4588
ماض مغير الصيغة ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به ﴿آياتُهُ﴾ نائب فاعل، ومضاف إليه، والجملة في محل الخفض فعل شرط لـ ﴿إِذا﴾. ﴿زادَتْهُمْ﴾ فعل ومفعول أول ﴿إِيمانًا﴾ مفعول ثان، وفاعله ضمير يعود على الآيات، والجملة جواب إِذا وجملة إِذا معطوفة على جملة إِذا السابقة على كونها صلة الموصول، والعائد ضمير ﴿زادَتْهُمْ﴾. ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾، وجملة ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ معطوفة على جملة إِذا الأولى على كونها صلة الموصول، أو مستأنفة أو في محل النصب حال من مفعول ﴿زادَتْهُمْ﴾.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾.
﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الرفع صفة للموصول الأول ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، به، والجملة صلة الموصول، ﴿وَمِمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾. ﴿رَزَقْناهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والثاني محذوف تقديره: مما رزقناهم إياه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف ﴿يُنْفِقُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ على كونها صلة ﴿الَّذِينَ﴾.
﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾.
﴿أُولئِكَ﴾ مبتدأ ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ خبر، والجملة مستأنفة مسوقة، لبيان ما للمؤمنين من الأجور ﴿حَقًّا﴾ صفة لمصدر محذوف، تقديره: المؤمنون إيمانا حقا ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم ﴿دَرَجاتٌ﴾ مبتدأ مؤخر ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ظرف، ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿دَرَجاتٌ﴾ تقديره: درجات كائنات عند ربهم، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ثان لـ أُولئِكَ. ﴿وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ﴾ معطوفان على ﴿دَرَجاتٌ﴾. ﴿كَرِيمٌ﴾ صفة لـ ﴿رِزْقٌ﴾.
﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥)﴾.
﴿كَما﴾ ﴿الكاف﴾ حرف جر وتشبيه ﴿ما﴾ مصدرية ﴿أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ فعل ومفعول وفاعل ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ متعلق به ﴿بِالْحَقِّ﴾ جار ومجرور متعلق به أيضا، أو حال من مفعول ﴿أَخْرَجَكَ﴾؛ أي: حال كونك ملتبسا بالحق، والجملة الفعلية صلة
стр. 4589
﴿ما﴾ المصدرية ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، تقديره: كإخراج ربك إياك ﴿مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ الجار والمجرور متعلق بواجب الحذف لوقوعه خبرا لمبتدأ محذوف تقديره الأمر والشأن كائن كإخراج ربك إياك من بيتك بالحق؛ أي: الأمر والشأن الجاري في الأنفال من قسمها بالتسوية بينهم، كائن كإخراج ربك من بيتك في كونه مكروها لهم، وقد ذكروا في متعلق هذه الكاف نحو عشرين وجها أكثرها معترضة، وبعضها صعبة، وفيما ذكرناه كفاية، لأنه أوضح الوجوه، وأسلمها من الاعتراض، ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا﴾ الواو: واو الحال ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿فَرِيقًا﴾ اسمها ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿فَرِيقًا﴾ ﴿لَكارِهُونَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء ﴿كارهون﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب حال من مفعول ﴿أَخْرَجَكَ﴾ تقديره: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، حال كون فريق من المؤمنين كارهين خروجك.
﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾.
﴿يُجادِلُونَكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿فِي الْحَقِّ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية مستأنفة إخبارا عن حالهم في المجادلة، أو حال ثانية من مفعول ﴿أَخْرَجَكَ﴾؛ أي: أخرجك في حال مجادلتهم إياك، ويحتمل أن تكون حالا من الضمير في ﴿لَكارِهُونَ﴾؛ أي: لكارهون في حال الجدال. ﴿بَعْدَ ما﴾ ﴿بَعْدَ﴾ منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بـ ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ ما مصدرية ﴿تَبَيَّنَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الحق، والجملة صلة ما المصدرية ما مع صلتها في تأويل مصدر مجرود بإضافة الظرف إليه، تقديره: بعد تبينه ﴿كَأَنَّما﴾ ﴿كأن﴾ حرف نصب وتشبيه ﴿ما﴾ كافة لكفها ﴿كأن﴾ عن العمل فيما بعدها، ولذلك دخلت على الجملة الفعلية ﴿يُساقُونَ﴾ فعل ونائب فاعل ﴿إِلَى الْمَوْتِ﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من الضمير في ﴿لَكارِهُونَ﴾؛ أي: حال كونهم مشبهين بالذين يساقون بالعنف والصغار إلى القتل، ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من واو ﴿يُساقُونَ﴾.
стр. 4590
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمحذوف تقديره: واذكروا ﴿إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ فعل ومفعول أول، وفاعل ومفعول ثان، ومضاف إليه، والجملة في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إِذْ﴾ تقديره: واذكروا نعمة وقت وعد الله إياكم إحدى الطائفتين؛ ﴿أَنَّها﴾ لَكُمْ أنّ حرف نصب والهاء اسمها ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور خبرها، وجملة ﴿أَنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر منصوب على البدلية من ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ بدل اشتمال تقديره: وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين كونها لكم ﴿وَتَوَدُّونَ﴾ الواو: حالية ﴿تَوَدُّونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من كاف ﴿يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿أَنَّ﴾ حرف نصب ﴿غَيْرَ﴾ اسمها ﴿ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ مضاف إليه، ﴿تَكُونُ﴾ فعل مضارع ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ وأنث الضمير مراعاة لمعنى ﴿غَيْرَ﴾ وهو الفرقة ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور خبر ﴿تَكُونُ﴾، وجملة ﴿تَكُونُ﴾ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ﴾ تقديره كائنة لكم، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: وتودون كون غير ذات الشوكة لكم، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿كاف﴾ ﴿إِذْ يَعِدُكُمُ﴾. ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُحِقَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: ويريد الله إحقاق الحق بكلماته، ﴿وَيَقْطَعَ﴾ معطوف على ﴿يُحِقَّ﴾ وفاعله ضمير يعود على الله ﴿دابِرَ الْكافِرِينَ﴾ مفعول به، ومضاف إليه، والتقدير: ويريد الله إحقاق الحق بكلماته، وقطع دابر الكافرين بقدرته وقهره.
﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾.
﴿لِيُحِقَّ﴾ ﴿اللام﴾ لام كي ﴿يحق﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي وفاعله ضمير يعود على الله ﴿الْحَقَّ﴾ مفعول به ﴿وَيُبْطِلَ الْباطِلَ﴾ فعل
стр. 4591
ومفعول معطوف على ﴿يحقّ الحقّ﴾ وفاعله ضمير يعود على الله، وجملة ﴿يحقّ﴾ مع ما عطف عليها صلة أن المضمرة أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام كي تقديره: لإحقاقه الحق، وإبطاله الباطل، الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: وعد بما وعد وأراد بإحدى الطائفتين ذات الشوكة لإحقاقه الحقّ وإبطاله الباطل، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿وَلَوْ﴾ الواو: واو الحال ﴿لَوْ﴾ حرف شرط وغاية لا جواب لها ﴿كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من الحق والباطل، تقديره: وعد بما وعد ليحق الحق، ويبطل الباطل، حالة كون المجرمين كارهين إحقاق الحق، وإبطال الباطل، ﴿ولَوْ﴾ الغائية هي التي لا تطلب جوابا، ويكون ما بعدها حالا. وقال أبو حيان (١): والتحقيق أن الواو فيه للعطف على محذوف، وذلك المحذوف في موضع الحال، والمعطوف على الحال حال، ونظيره قولهم: أعطوا السائل ولو جاء على فرس؛ أي: على كل حال، ولو على هذه الحالة التي تنافي الصدقة على السائل، وإن ﴿وَلَوْ﴾ هذه تأتي لاستقصاء ما بطن، لأنه لا يندرج في عموم ما قبله، لملاقاة التي بين هذه الحال وبين المسند الذي قبلها. انتهى.
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾.
﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره، واذكروا إذ تستغيثون، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إِذْ﴾ تقديره، واذكروا أيها المؤمنون نعمة وقت استغاثتكم ربكم ﴿فَاسْتَجابَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿استجاب﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة على جملة ﴿تَسْتَغِيثُونَ﴾ ﴿أَنِّي﴾ ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر، والياء اسمها ﴿مُمِدُّكُمْ﴾ خبرها، ومضاف إليه بـ ﴿بِأَلْفٍ﴾ متعلق به ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ صفة
стр. 4592
لـ ﴿ألف﴾. ﴿مُرْدِفِينَ﴾ حال من ألف لتخصصه بالصفة، أو صفة ثانية لألف، وجملة ﴿أن﴾ المفتوحة في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: بإمدادي إياكم بألف ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿استجاب﴾، وعلى قراءة كسر همزة إن فهو مقول لقول محذوف تقديره: وقال: إني ممدكم بألف من الملائكة.
﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾.
﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿ما﴾ نافية ﴿جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول به، وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ من أعم العلل ﴿بُشْرى﴾ مفعول لأجله ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة و ﴿اللام﴾ لا كي ﴿تطمئن﴾ منصوب بأن مضمرة ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلق به ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ فاعل ومضاف إليه، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ولاطمئنان قلوبكم به، وهذا المصدر المؤول معطوف (١) على ﴿بُشْرى﴾ على كونه مفعولا لأجله، ولكن جر باللام لفقد شرط النصب من اتحاد الفاعل كما لا يخفى، فإن فاعل الجعل هو الله تعالى وفاعل الاطمئنان القلوب، وعبارة «السمين» هنا: ﴿إِلَّا بُشْرى﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه مفعول لأجله، وهو استثناء مفرغ، إذ التقدير: وما جعله لشيء من الأشياء، إلا للبشرى، وشروط نصبه موجودة، وهي اتحاد الفاعل، والزمان، وكونه مصدرا.
والثاني: أنه مفعول ثان لـ ﴿جعل﴾ على أنه بمعنى صير.
والثالث: أنه بدل من ﴿الهاء﴾ في جَعَلَهُ قاله الحوفي.
﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ما نافية، ﴿النَّصْرُ﴾ مبتدأ ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿إِنَ﴾ حرف نصب ﴿اللَّهُ﴾ اسمها ﴿عَزِيزٌ﴾ خبر أول لها ﴿حَكِيمٌ﴾ خبر ثان
стр. 4593
لها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١)﴾.
﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمحذوف تقديره: اذكروا إذ يغشّيكم النعاس، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾ فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿أَمَنَةً﴾ إما حال من ﴿النُّعاسَ﴾، و ﴿مِنْهُ﴾ صفة له؛ أي: حالة كونه أمانا منه تعالى لكم، أو مفعول لأجله، أي لأجل تأمينه لكم، وفي المقام أوجه أخر من الإعراب تركناها خوف الإطالة. ﴿وَيُنَزِّلُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق به ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ متعلق به أيضا ﴿ماءً﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة على جملة ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾ على كونها مضافا إليه، لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ ﴿اللام﴾ لام كي ﴿يطهركم﴾ فعل ومفعول به منصوب بأن مضمرة وفاعله ضمير يعود على الله ﴿بِهِ﴾ متعلق به، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لتطهيره إياكم به الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُنَزِّلُ﴾ ﴿وَيُذْهِبَ﴾ معطوف على ﴿يطهر﴾، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿عَنْكُمْ﴾ متعلق به ﴿رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ مفعول به، ومضاف إليه، ﴿وَلِيَرْبِطَ﴾ الواو: عاطفة ﴿اللام﴾ لام كي ﴿يربط﴾ منصوب بأن مضمرة، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ متعلق به، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ولربطه على قلوبكم، الجار والمجرور معطوف على الجار، والمجرور في قوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ ﴿وَيُثَبِّتَ﴾ معطوف على ﴿يربط﴾ ﴿بِهِ﴾ متعلق به وفاعله ضمير يعود على الله ﴿الْأَقْدامَ﴾ مفعول به.
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢)﴾.
﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمحذوف، تقديره: اذكر يا محمد إذ ﴿يُوحِي رَبُّكَ﴾ فعل وفاعل ﴿إِلَى الْمَلائِكَةِ﴾ متعلق به، والجملة في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إِذْ﴾، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿أَنِّي﴾ أن حرف نصب، والياء
стр. 4594
اسمها ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف، ومضاف إليه والظرف متعلق بمحذوف خبر ﴿أن﴾ وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر ومجرور بحرف جر، محذوف تقديره: بكوني ﴿مَعَكُمْ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُوحِي﴾. ﴿فَثَبِّتُوا﴾ ﴿الفاء﴾ حرف عطف وتفريع ﴿ثبتوا﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة مفرعة على جملة ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿سَأُلْقِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة، وهذه الجملة كالتفسير لقوله: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾. ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿ألقى﴾ ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿الرُّعْبَ﴾ مفعول به منصوب بـ ﴿ألقى﴾. ﴿فَاضْرِبُوا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿اضربوا﴾ فعل وفاعل ﴿فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾ ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿اضربوا﴾، وعلى هذا المفعول محذوف تقديره فاضربوا رؤوسهم فوق الأعناق، وقيل: ﴿فَوْقَ﴾ مفعول به على التوسع منصوب بالفعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿سَأُلْقِي﴾ وهذه الجملة كالتفسير لقوله: ﴿فَثَبِّتُوا﴾ الخ. ﴿وَاضْرِبُوا﴾ فعل وفاعل ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿اضْرِبُوا﴾ أو حال من ﴿كُلَّ بَنانٍ﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها ﴿كُلَّ بَنانٍ﴾ مفعول به، ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾.
﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣)﴾.
﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ ﴿الباء﴾ حرف جر وسبب ﴿أن﴾ حرف نصب و ﴿الهاء﴾ اسمها ﴿شَاقُّوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿وَرَسُولَهُ﴾ معطوف على الجلالة، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ تقديره: ذلك بأنهم مشاقوا الله ورسوله، وجملة ﴿أن﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الباء﴾ تقديره: ذلك بسبب مشاقتهم الله ورسوله، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: ذلك كائن بسبب مشاقتهم الله ورسوله، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿وَمَنْ﴾ الواو: عاطفة ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب أو هما ﴿يُشاقِقِ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿اللَّهَ﴾ لفظ الجلالة مفعول
стр. 4595
به، ﴿وَرَسُولَهُ﴾ معطوف عليه ﴿فَإِنَّ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبا أو تعليلية للجواب المحذوف ﴿إن﴾ حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾ اسمها ﴿شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ خبرها، ومضاف إليه، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجزم بمن الشرطية على كونها جوابا لها، والرابط محذوف تقديره، فإن الله شديد العقاب له، أو الجملة في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المدلول عليها بالفاء التعليلية، على كونها معللة للجواب المحذوف، تقديره: ومن يشاقق الله ورسوله يعاقبه الله تعالى؛ لأنّ الله شديد العقاب، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ على كونها مقررة ومكملة لها.
﴿ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤)﴾.
﴿ذلِكُمْ﴾: مبتدأ. ﴿فَذُوقُوهُ﴾ ﴿الفاء﴾: زائدة في الخبر على رأي الأخفش، ﴿ذوقوه﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو ﴿ذلِكُمْ﴾: مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: ذالكم العذاب، والجملة مستأنفة. ﴿فَذُوقُوهُ﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، وجملة: ﴿ذوقوه﴾: مستأنفة. ﴿وَأَنَّ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿لِلْكافِرِينَ﴾: خبر مقدم لـ ﴿أَنَّ﴾ ﴿عَذابَ النَّارِ﴾: اسمها مؤخر ومضاف إليه، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم المحذوف تقديره: واعلموا كون عذاب النار للكافرين، وجملة علم المحذوفة معطوفة على جملة قوله: ﴿ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يَسْئَلُونَكَ﴾؛ أي (١): سؤال استفتاء، لأنّ هذا أول تشريع الغنيمة، وفاعل السؤال يعود على معلوم، وهو من حضر بدرا، وسأل: تارة يكون لاقتضاء معنى في نفس المسؤول، فيتعدّى بعن كهذه الآية، وقد يكون لاقتضاء مال فيتعدى لاثنين، نحو سألت زيدا مالا، وقد ادعى بعضهم أن السؤال هنا بهذا المعنى، وزعم أن ﴿عَنِ﴾ زائدة، والتقدير: يسألونك الأنفال، وأيد هذا بقراءة سعد بن
стр. 4596
أبي وقاص وابن مسعود وعلي بن الحسين وغيرهم ﴿يسئلونك الأنفال﴾ بدون عن، والصحيح أن هذه القراءة على إرادة حرف الجر ﴿عَنِ الْأَنْفالِ﴾ (١) جمع نفل بفتح النون والفاء، كفرس وأفراس، والمراد بها هنا الغنائم، وسميت أنفالا، والنفل هو الزيادة لزيادة هذه الأمة بها على الأمم السابقة، وفي «المصباح» النفل: الغنيمة، والجمع أنفال مثل سبب وأسباب، والنفل: وزان فلس
مثله اه ومنه: صلاة النفل، وقيل: الغنيمة (٢) كل ما حصل مستغنما بتعب أو بغير تعب، وقبل الظفر أو بعده، والنفل ما يحصل للإنسان قبل القسمة من الغنيمة، ومن إطلاقها على الغنيمة قول عنترة:
إنّا إذا احمرّ الوغى نروي القنا ... ونعفّ عند مقاسم الأنفال
أي الغنائم.
ويطلق (٣) النفل على معان أخر: منها اليمين، والابتغاء، ونبت معروف، والنافلة التطوع لكونها زائدة على الواجب، والنافلة ولد الولد، لأنه زيادة على الولد.
﴿وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ والبين: يطلق على الاتصال والافتراق، وعلى كل ما بين طرفين، كما قال: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ وذات البين الصلة التي تربط بين شيئين، وإصلاحها بالمودة وترك النزاع.
﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الوجل: الفزع والخوف وفي «السمين» (٤) يقال: وجل بالكسر في الماضي يوجل بالفتح في المضارع، وفيه لغة أخرى قرىء بها شاذا ﴿وَجِلَتْ﴾: بفتح الجيم في الماضي، وكسرها في المضارع، فتحذف الواو في المضارع، كوعد يعد، ويقال في المشهورة: وجل يوجل بإثبات الواو في المضارع اه.
﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ﴾ والدرجات منازل الرفعة، ومراقي الكرامة ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾
стр. 4597
والطائفتان طائفة العير الآتية من الشام، وطائفة النفير التي جاءت من مكة للنجدة، وغير ذات الشوكة هي العير، والشوكة الحدة، والقوة: وأصلها واحدة الشوك شبهوا بها أسنة الرماح ﴿دابِرَ الْكافِرِينَ﴾ ودابر القوم: آخرهم الذي يأتي في دبرهم، ويكون من روائهم و ﴿يحق الحق﴾؛ أي: يعز الإسلام؛ لأنه الحق ﴿وَيُبْطِلَ الْباطِلَ﴾؛ أي: يزيل الباطل، وهو الشرك ويمحقه.
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ فالسين والثاء فيه للطلب؛ أي: تطلبون الغوث من ربكم، والاستغاثة طلب الغوث، وهو التخليص من الشدة والنقمة ﴿فَاسْتَجابَ لَكُمْ﴾؛ أي: أجاب لكم، فالسين والتاء فيه زائدتان ﴿مُمِدُّكُمْ﴾؛ أي: ناصركم ومعينكم ﴿بِأَلْفٍ﴾ قرىء بألف، وأصل آلف أألف بوزن أفلس فقلبت الهمزة الثانية ألفا، فصار آلفا ﴿مُرْدِفِينَ﴾ من أردفه إذا أركبه وراءه ﴿إِلَّا بُشْرى﴾ مصدر على وزن فعلى كرجعى بمعنى البشارة، وهو الخبر السار ﴿وتطمئن﴾: تسكن بعد ذلك الزلزال والخوف الذي عرض لكم في جملتكم ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: غالب على أمره ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يضع شيئا في غير موضعه ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾؛ أي: يجعله مغطيا لكم، ومحيطا بكم، وفيه ثلاث قراءات سبعية، يغشاكم كيلقاكم من غشيه، إذا أتاه، وأصابه، وفي «المصباح» غشيته أغشاه من باب تعب أتيته ﴿ويُغَشِّيكُمُ﴾: من أغشاه؛ أي: أنزله بكم، وأوقعه عليكم ﴿ويُغَشِّيكُمُ﴾ من غشاه تغشية غطّاه؛ أي: يغشيكم الله النعاس؛ أي: يجعله عليكم كالغطاء من حيث اشتماله عليكم، والنعاس على الأولى مرفوع على الفاعلية، وعلى الأخيرتين منصوب على المفعولية.
﴿النُّعاسَ﴾ والنعاس: فتور في الحواس وأعصاب الرأس يعقبه النوم، فهو يضعف الإدراك، ولا يزيله كله، فإذا أزاله كان نوما، وقال بعض الفقهاء: علامة النعاس: أن تسمع كلام الحاضرين ولا تفهمه، وعلامة النوم: أن لا تسمع كلامهم. ﴿رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ والرجز والرجس والركس الشيء المستقذر حسا، أو معنى، ويراد به هنا وسوسة الشيطان، وفي الكرخي: الرجز في الأصل العذاب الشديد، وأريد به هنا نفس وسوسة الشيطان مجازا لمشقتها على أهل الايمان،
стр. 4598
كما قيل: كل ما اشتدت مشقته على النفوس فهو رجز. اه.
﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ والربط على القلوب تثبيتها وتوطينها على الصبر، وفي «زاده» الربط الشد، يقال لكل من صبر على أمر ربط على قلبه، أي قواه وشدده. وعدى بعلى للإيذان بأن قوة قلوبهم بلغت في الكمال إلى أن صارت مستولية على القلوب، حتى صارت كأنها علت عليها، وارتفعت فوقها؛ أي: فتفيد التمكن في القوة ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ والرعب الخوف الذي يملأ القلب ﴿فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾؛ أي: الرؤوس ﴿كُلَّ بَنانٍ﴾ والبنان: أطراف الأصابع من اليدين والرجلين، وهي جمع بنانة وفي «المصباح» البنان الأصابع، وقيل: أطرافها، والواحدة بنانة اه وفي «السمين» والبنان قيل: الأصابع، وهو اسم جنس، الواحد: بنانة، وضربها عبارة عن الثبات في الحرب، فإذا ضربت البنان تعطل من المضروب القتال بخلاف سائر الأعضاء، قال عنترة:
وقد كان في الهيجاء يحمي ذمارها ... ويضرب عند الكرب كلّ بنان
﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي: عادوا وخالفوا، وسميت العداوة مشاقة لأن كلا من المتعاديين يكون في شق غير الذي يكون فيه الآخر.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الأيات أنواعا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الحصر في قوله: ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ لأن تقديم المعمول على عامله يفيد الحصر.
ومنها: الإشارة بالبعيد عن القريب في قوله: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إشعارا بعلو مرتبتهم وبعد منزلتهم في الشرف.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ استعار الدرجات التي هي حقيقة في المحسوسات للمراتب الرفيعة، والمنازل العالية في الجنة بجامع العلو في كل.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ شبه حالهم وقت قسم الأنفال
стр. 4599
بالسوية بينهم بحالهم وقت إخراجه من بيته بجامع الكراهة في كل مع كونه خيرا لهم، وفي قوله: ﴿كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ شبههم بمن يساق إلى الموت؛ أي: القتل، وهو ينظر بعينه أسبابه، بجامع الكراهة في كل.
ومنها: الإبهام في قوله: ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ فلما نجت العير علم أن الموعود بها النفير.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ وقوله: ﴿وَيُبْطِلَ الْباطِلَ﴾.
ومنها: الطباق بين ﴿الْحَقَّ﴾ و ﴿الْباطِلَ﴾.
ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ فلذلك عطف عليه: ﴿فَاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ بصيغة الماضي على مقتضى الواقع.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ فإنها حقيقة في شوك الشجر فاستعيرت للسلاح بجامع الحدة والطعن في كل.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾: على قراءة رفع النعاس،
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ﴾ لأنه كناية عن استئصالهم بالهلاك.
ومنها: تقديم الجار والمجرور على المفعول به للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، في قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾: لأن الرجز حقيقة في العذاب، فاستعاره لوسوسة الشيطان بجامع المشقة والضرر في كل، لأن وسوسة الشيطان ضرر ومشقة على أهل الايمان، كما أن العذاب مشقة على أهله.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ لأن الربط حقيقة في الأجرام، فاستعاره لتقوية القلوب وتثبيتها بجامع القوة في كل.
ومنها: اللف والنشر المرتب في قوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا
стр. 4600
الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ﴾ لأن قوله ﴿سَأُلْقِي﴾ الخ كالتفسير لقوله: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ وقوله: ﴿فَاضْرِبُوا﴾ الخ كالتفسير لقوله ﴿فَثَبِّتُوا ...﴾ الخ.
ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ﴾ للدلالة على أن الكفر سبب العذاب الآجل، أو سبب الجمع بين العاجل والآجل؛ لأنّ أصل الكلام فذوقوه وإن لكم عذاب النار، فوضع ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ موضع لكم شهادة عليهم بالكفر وتنبيها على العلة المذكورة.
ومنها: الإضافة لتشريف المضاف إليه في قوله: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿شَاقُّوا اللَّهَ﴾ ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ﴾.
ومنها: التهكم في قوله: ﴿فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ﴾.
ومنها: التهييج والإلهاب - أي: الإطناب - في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لأنّ الإيمان موجود فيهم مع الصفات السابقة، والمعنى: إن كنتم مستمرين على الإيمان.
ومنها: الدلالة على التشريف والتكريم في قوله: ﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ لأن في كونها عنده زيادة تشريف لهم وتكريم وتعظيم وتفخيم.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّه لما نهى الله تعالى عن تولي الأدبار .. توعد من ولى دبره وقت لقاء العدو.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أن الله لما هدد المشركين بقوله: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا ..﴾ أردف ذلك بتأديب المؤمنين، بالأمر بطاعة الرسول، وإجابة دعوته إذا دعا للقتال في سبيل حياطة الدين وصد من يمنع نشره ويقف في طريق تبليغ دعوته.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (٢) وجوب طاعة الرسول ﷺ ، وعدم التولي حين الجهاد .. أردفه بالأمر بالاستجابة له إذا دعاهم لهدى الدين وأحكامه عامة؛ لما في ذلك من تكميل الفطرة الإنسانية وسعادتها في الدنيا والآخرة، وكرر النداء بلفظ المؤمنين تنشيطا لهم إلى الإصغاء لما يرد بعده من الأوامر والنواهي، وإيماء إلى أنهم قد حصلوا ما يوجب عليهم الاستجابة، وهو الإيمان.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (٣) أخبر أن هؤلاء المشبه بهم لا يسمعون .. أخبر أن شر الحيوان الذي يدب الصم، أو أن شر البهائم، فجمع بين هؤلاء وبين جمع الدواب، وأخبر أنهم شر الحيوان مطلقا.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما حذر من الفتنة بالأموال والأولاد .. أردف ذلك بطلب التقوى التي
ثمرتها ترك الميل والهوى في محبة الأموال والأولاد.
стр. 4603
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ...﴾ الآية، روى أبو داود (ج ٢ ص ٣٤٩): حدثنا محمد بن هشام المصري، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا داود بن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: نزلت في يوم بدر ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ الحديث أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي وابن جرير، وعزاه الحافظ بن كثير (ج ٢/ ص ٣٩٥) إلى النسائي، وابن مردويه مع من ذكرنا، ثم قال: وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراما على غير أهل بدر، وإن كان سبب نزول الآية فيهم، كما دل عليه حديث أبي هريرة، من أن الفرار من الزحف من الموبقات كما هو مذهب الجمهور والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ...﴾ الآية، في سبب نزولها ثلاثة أقوال (١):
أحدها: أن النبي ﷺ قال لعلي: «ناولني كفا من حصباء» فناوله فرمى به في وجوه القوم، بما بقى منهم أحد إلا وقعت في عينه حصاة، رواه الطبراني عن ابن عباس، وفي رواية أخذ قبضة من تراب، فرمى بها، وقال: «شاهت الوجوه» فما بقى مشرك إلا شغل بعينيه بعالج التراب الذي فيها، فنزلت ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ وذلك يوم بدر، وهذا قول الأكثرين.
والقول الثاني: أن أبيّ بن خلف، أقبل يوم أحد إلى النبي ﷺ يريده، فاعترض له رجال من المؤمنين، فأمرهم رسول الله ﷺ فخلوا سبيله، وطعنه النبي ﷺ بحربته، فسقط أبي عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور، فقالوا: إنما هو خدش، فقال: والذي نفسي بيده، لو كان الذي بي بأهل الحجاز لماتوا أجمعون، فمات قبل أن يقدم مكة، فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن المسيب عن أبيه.
والثالث: أنّ رسول الله ﷺ رمى يوم خيبر بسهم فأقبل السهم يهوي حتى
стр. 4604
قتل ابن أبي الحقيق وهو على فراشه، فنزلت هذه الآية. ذكره أبو سليمان الدمشقي في آخرين، والحديث مرسل (١)، جيد الإسناد، والمشهور أنها نزلت في رمية يوم بدر بالقبضة من الحصباء.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا ...﴾ الآية، روى (٢) الحاكم عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير، قال: كان المستفتح أبا جهل، فإنه قال حين التقى القوم: اللهم أينا كان أقطع للرحم، وأتى بما لا يعرف، فأحنه الغداة، وكان ذلك استفتاحا، فأنزل الله ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية، قال: قال أبو جهل: اللهم انصر أعز الفئتين وأكرم الفرقتين، فنزلت هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ...﴾ الآية، روى (٣) سعيد بن منصور وغيره عن عبد الله بن أبي قتادة، قال: نزلت هذه الآية ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ في أبي لبابة رفاعة بن عبد المنذر، وذاك أن النبي ﷺ لما حاصر بني قريظة، سألوه أن يصالحهم على ما صالح عليه بني النضير، على أن يسيروا إلى أرض الشام، فأبى أن يعطيهم ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا، وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة، وكان مناصحا لهم، لأنّ ولده وأهله كانوا عندهم، فبعثه إليهم، فقالوا: ما ترى أننزل على حكم سعد بن معاذ، فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه، أنه الذبح فلا تفعلوا، فأطاعوه، فكانت تلك خيانته، قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس والأكثرين، وروي أن أبا لبابة ربط نفسه بعد نزول هذه الآية إلى سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت، أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام كذلك، ثم تاب الله عليه، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلني، فجاء فحله بيده،
стр. 4605
فقال أبو لبابة: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي، فقال رسول الله ﷺ : «يجزئك الثلث». وأخرجه الواحدي في «أسباب النزول» وأخرج بعضه الطبري، وابن هشام.
وروى ابن جرير (١) وغيره عن جابر بن عبد الله: أن أبا سفيان خرج من مكة، فأتى جبريل النبي ﷺ ، فقال: إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ : إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتموا، فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان أن محمدا يريدكم، فخذوا حذركم، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية. غريب جدا، في سنده وسياقه نظر.
وأخرج ابن جرير عن السدي، قال: كانوا يسمعون من النبي ﷺ الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين، فنزلت.
التفسير وأوجه القراءة
١٥ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: صدقوا الله ورسوله ﴿إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: قابلتموهم للقتال حالة كونهم ﴿زَحْفًا﴾؛ أي: زاحفين لقتالكم زحفا، إذ الكفار هم الذين زحفوا من مكة إلى المدينة لقتال المؤمنين فقابلوهم ببدر، والمعنى (٢) على التشبيه؛ أي: حالة كونهم مثل الزاحفين والماشين على أدبارهم، وذلك لأن الجيش إذا كثر والتحم بعضهم ببعض يتراءى أن سيره بطيء، وإن كان في نفس الأمر سريعا، فالمقصود من هذه الحال بعد كون المراد التشبيه ما يلزم هذه المشابهة، وهو الكثرة.
﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ﴾؛ أي: فلا تولوهم ظهوركم، وأقفيتكم منهزمين؛ أي: لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم، بل قابلوهم بوجوهكم، وقاتلوهم مع قلتكم،
١٦ - ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ تلقونهم ﴿دُبُرَهُ﴾ بضمتين، وقراءة الحسن ﴿دُبُرَهُ﴾: بسكون الباء كقولهم عنق في عنق، أي ظهره؛ أي: ومن يجعل ظهره
стр. 4606
واليا ومقبلا إليهم شاردا منهزما منهم ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا﴾؛ أي: إلا رجلا منعطفا مائلا لمكان رآه أحوج إليه ﴿لِقِتالٍ﴾ فيه، أو لضرب من ضروبه رآه أنكى بالعدو كأن يوهم خصمه أنه منهزم منه ليغريه على اتباعه، حتى إذا انفرد عن أنصاره، كر عليه فقتله ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا﴾؛ أي: منتقلا منضما ﴿إِلى فِئَةٍ﴾؛ أي: إلى جماعة أخرى من المؤمنين، في جهة غير الجهة التي كان فيها، ليشد أزرهم، وينصرهم على عدو تكاثر جمعه عليهم، فصاروا أحوج إليهم ممن كان معهم؛ أي: من فعل ذلك التولي ﴿فَقَدْ باءَ﴾؛ أي: رجع عن قتاله حالة كونه ملتبسا ﴿بِغَضَبٍ﴾ عظيم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿وَمَأْواهُ﴾ الذي يأوي إليه في الآخرة أي منزله ومسكنه في الآخرة ﴿جَهَنَّمُ﴾ دار العقاب ﴿وَبِئْسَ﴾؛ أي: قبح ﴿الْمَصِيرُ﴾؛ أي: المرجع هي. وانتصاب ﴿مُتَحَرِّفًا﴾ ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا﴾ على الاستثناء، أو على الحال كما سيأتي، والمعنى: ومن ينهزم ويفر من الزحف فقد رجع بغضب كائن من الله، إلا المتحرف والمتحيز، وهذا مخصوص بما إذا لم يزد الكفار على الضعف، ذاك أن المنهزم أراد أن يأوي إلى مكان يأمن فيه الهلاك، فعوقب بجعل عاقبته دار الهلاك، والعذاب الدائم، وجوزي بضد غرضه.
وفي الآية دلالة على أن الفرار من الزحف من كبائر المعاصي، وجاء التصريح بذلك في صحيح الأحاديث، فقد روى الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا «اجتنبوا السبع الموبقات» - المهلكات - قالوا يا رسول الله وما هي؟: قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».
وقد خصص بعض العلماء هذا بما إذا كان الكفار لا يزيدون على ضعف المؤمنين، قال الشافعي: إذا غزا المسلمون فلقوا ضعفهم من العدو حرم عليهم أن يولوا إلا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة، وإن كان المشركون أكثر من ضعفهم، لم أحب لهم أن يولوا، ولا يستوجبون السخط عندي من الله لو ولوا عنهم على غير التحرف للقتال أو التحيز إلى فئة.
стр. 4607
وروي عن ابن عباس قال: من فر من ثلاثة .. فلم يفر، ومن اثنين .. فقد فر.
١٧ - و ﴿الفاء﴾: في قوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم (١) ما قصه الله عليكم من إمداده لكم بالملائكة، وإيقاع الرعب في قلوبهم .. فأقول لكم: لم تقتلوا أنتم أيها المؤمنون الكفار في الحقيقة، ولكن الله قتلهم بما يسره لكم من الأسباب الموجبة للنصر، من إلقاء الرعب في قلوبهم، وإمداد الملائكة لكم؛ أي: إن افتخرتم بقتلكم، فأنتم لم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم؛ لأنه هو الذي أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر وقوى قلوبكم، وأذهب عنها الفزع والجذع، ذكره أبو حيان.
والمعنى: يا أيها (٢) الذين آمنوا لا تولوا الكفار ظهوركم أبدا، فأنتم أولى منهم بالثبات والصبر، ثم بنصر الله تعالى، انظروا إلى ما أوتيتم من نصركم عليهم على قلة عددكم، وكثرتهم واستعدادهم، ولم يكن ذلك إلا بتأييد من الله تعالى لكم، وربطه على قلوبكم، وتثبيت أقدامكم، فلم تقتلوهم ذلك القتل الذي أفنى كثيرا منهم بقوتكم وعدتكم، ولكن الله قتلهم بأيديكم بما كان من تثبيت قلوبكم، بمخالطة الملائكة، وملابستها لأرواحكم وبإلقائه الرعب في قلوبهم، وهذا بعينه هو ما جاء في قوله تعالى: ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)﴾، والمؤمن أحرى بالصبر الذي هو من أجل عوامل النصر من الكافر، إذ هو أقل حرصا على متاع الدنيا، وأعظم رجاء لله والدار الآخرة، يؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾.
ثم انتقل من خطاب المؤمنين الذين قتلوا أولئك الصناديد بسيوفهم، إلى خطاب الرسول ﷺ ، وهو قائدهم الأعظم فقال: ﴿وَما رَمَيْتَ﴾ يا محمد أحدا
стр. 4608
من المشركين ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾؛ أي: في الوقت الذي رميت فيه القبضة من التراب بإلقائها في الهواء، فأصابت وجوههم، فإن ما فعلته لا يكون له من التأثير مثل ما حدث ﴿وَلكِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿رَمى﴾ وجوههم كلهم بذلك التراب، الذي ألقيته في الهواء على قلته أو بعد تكثيره بمحض قدرته.
فقد روي أن النبي ﷺ رمى المشركين يومئذ بقبضة من التراب وقال: «شاهت الوجوه» ثلاثا، فأعقبت رميته هزيمتهم، ومعنى (١) شاهت الوجوه، قبحت يقال: شاه وجهه يشوه شوها وشوهة، ويقال: رجل أشوه وامرأة شوهاء إذا كانا قبيحين.
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، أن النبي ﷺ لما قال في استغاثته يوم بدر: «يا رب إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبدا» قال له جبريل: خذ قبضة من التراب فارم بها وجوههم، ففعل، فما من أحد من المشركين إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين.
وقال ثعلب (٢): المعنى ﴿وَما رَمَيْتَ﴾ الفزع والرعب في قلوبهم، ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ بالحصباء فانهزموا ﴿وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾؛ أي: أعانك وأظفرك، والعرب تقول: رمى الله لك، أي أعانك وأظفرك وصنع لك، وقد حكى مثل هذا أبو عبيدة في كتاب «المجاز» وقال محمد بن يزيد المبرد: المعنى ﴿وَما رَمَيْتَ﴾ بقوتك ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ ولكنك بقوة الله رميت، وقيل: المعنى إن تلك الرمية بالقبضة من التراب التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسول الله ﷺ ، لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه، لأنّ أثرها الذي لا يطيقه البشر فعل الله ، فكأن الله فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من رسول الله ﷺ أصلا، هكذا في «الكشاف» فإن قلت: كيف نفى عن المؤمنين قتل الكفار مع أنهم قتلوهم يوم بدر، ونفى عن النبي ﷺ رميهم
стр. 4609
مع أنه رماهم يوم بدر بالحصى في وجوهم، قلت: نفى الفعل عنهم وعنه باعتبار الإيجاد إذ الموجد له حقيقة هو الله تعالى، وإثباته لهم باعتبار الكسب والصورة فقوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾؛ أي: أتيت بصورة الرمي، وقرأ (١) حمزة، والكسائي، وابن عامر: ﴿وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾، ﴿وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ بتخفيف نون ﴿لكِنَّ﴾، ورفع الجلالة، والباقون بالتشديد ونصب الجلالة، وجاءت هنا لكن أحسن مجيء لوقوعها بين نفي وإثبات، ولم يقل: فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم كما قال: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ مبالغة في الجملة الثانية اه من «السمين».
فصل
والفرق (٢) بين قتل المسلمين للكفار، وبين رمي النبي ﷺ إياهم بالتراب:
أن الأول فعل من أفعالهم المقدورة لهم، بحسب سنن الله في الأسباب الدنيوية، وأن الثاني لم يكن سببا عاديا لإصابتهم، وهزيمتهم لا مشاهدا كضرب أصحابه، لأعناق المشركين، ولا غير مشاهد، إذ هو لا يكون سببا لشكاية أعينهم، وشوهة وجوههم لقلته، وبعده عن راميه وكونهم غير مستقبلين له، كلهم، ومن ثم كانت الحاجة ماسة إلى بيان نقص الأول، وعدم استقلاله بالسببية، وبيان أنه لولا تأييد الله ونصره لما وصل كسبهم المحض إلى هذا الفشل؛ لأنك قد علمت ما كان من خوفهم، وكراهتهم للقتال، وبمجادلة النبي ﷺ فهم لو ظلوا على هذه الحال مع قلتهم وضعفهم، لكان مقتضى الأسباب العادية أن يمحقهم المشركون محقا.
والفرق بين فعله تعالى في القتل، وفعله في الرمي: أن الأول عبارة عن تسخيره تعالى لهم أسباب القتل، كما هو الحال في جميع كسب البشر وأعمالهم الاختيارية من كونها لا تستقل في حصول غاياتها إلا بفعل الله، وتسخيره لهم للأسباب التي لا يصل إليه كسبهم عادة كما بين ذلك سبحانه بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ فالإنسان يحرث الأرض ويلقي فيها البذر، ولكنه لا يملك إنزال المطر، ولا إنبات الحب وتغذيته بمختلف عناصر
стр. 4610
التربة، ولا دفع الجوائح عنه.
وأن الثاني من فعله تعالى وحده، بدون كسب عادي للنبي ﷺ في تأثيره فالرمي منه كان صوريا لتظهر الآية على يده ﷺ ، فما مثله في ذلك إلا مثل أخيه موسى ﵇، في إلقائه العصا ﴿فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾.
والواو في قوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾؛ أي: ولينعم على المؤمنين إنعاما جميلا عاطفة (١) لما بعدها على علة مقدرة قبلها؛ أي: ولكن الله رمى ليمحق الكافرين، وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا بالنصر والغنيمة، وحسن السمعة ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿سَمِيعٌ﴾ لدعائهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوالهم، والبلاء هنا بمعنى النعمة، والمعنى: فعل الله تعالى ما ذكر لإقامته حجته وتأييد رسوله، وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا، إنه تعالى سميع لما كان من استغاثة الرسول والمؤمنين ربهم، ودعائهم إياه وحده ولكل نداء وكلام، عليم بنياتهم الباعثة عليه، والعواقب التي تترتب عليه.
١٨ - وقوله: ﴿ذلِكُمْ﴾ مبتدأ خبره محذوف، والمصدر المؤول من قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ﴾؛ أي: مضعف مكرهم لرسوله وللمؤمنين، ومحاولتهم القضاء على دعوة التوحيد، والإصلاح قبل أن يقوى أمرها وتشتد، معطوف عليه، والتقدير (٢) ذلكم الإبلاء والإنعام للمؤمنين بالنصر والغنيمة حق، وتوهين كيد الكافرين بالهزيمة حق.
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ﴿موهن﴾ بفتح الواو، وتشديد الهاء، والتنوين فـ ﴿كَيْدِ﴾ منصوب على المفعولية من وهن، والتعدية بالتضعيف بما عينه حرف حلق غير الهمزة قليل، نحو ضعفت، ووهنت، وبابه أن يعدى بالهمزة نحو أذهلته، وأوهنته، وألحمته، وقرأ باقي السبعة والحسن، وأبو رجاء، والأعمش، وابن محيصن بسكون الواو وتخفيف الهاء من أوهن، كأكرم منونا، وأضافه حفص إلى كيد.
стр. 4611
وبعد أن ذكر خذلانهم وإضعاف كيدهم: انتقل منه إلى توبيخهم على استنصارهم إياه على رسول الله ﷺ وقد روى محمد بن إسحاق عن الزهري أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أقطع للرحم، وأتى بما لا يعرف، فأحنه (١) الغداة، فكان ذلك منه استفتاحا.
١٩ - وقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر، أخذوا بأستار الكعبة، فاستنصروا الله، وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين، فأجابهم الله تعالى بقولهم: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾؛ أي: إن تطلبوا الفتح والنصر لأعلى الجندين، وأهداهما ﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ والنصر لأعلاهما وأهداهما، وهذا من قبيل التهكم بهم، لأنه قد جاءهم الهلاك والذلة.
﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ وتنزجروا عن عداوة النبي ﷺ وقتاله ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: فالانتهاء خير لكم، لأنكم قد ذقتم من الحرب ما ذقتم من قتل وأسر بسبب ذلك العدوان.
﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ إلى حربه وقتاله ﴿نَعُدْ﴾ إلى مثل ما رأيتم من الفتح له عليكم حتى يجيء الفتح الأعظم، الذي به تدول الدولة للمؤمنين عليكم، وبه يذل شرككم، وتذهب ريحكم ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ﴾؛ أي: ولن يدفع عنكم رهطكم ﴿شَيْئًا﴾ من بأس الله، وشديد نقمته، ولو كثرت عددا إذ لا تكون الكثرة وسيلة من وسائل النصر أمام القلة، إلا إذا تساوت معها في أمور كثيرة، كالصبر والثبات، والثقة بالله تعالى، فهو الذي بيده النصر والقوة.
قال الحسن ومجاهد والسدي (٢): وهذا خطاب للكفار على سبيل التهكم بهم، والمعنى: إن تستنصروا أيها الكفار لأعلى الجندين فقد جاءكم النصر لأعلاهما، وقد زعمتم أنكم الأعلى، فالتهكم في المجيء، أو: فقد جاءكم الهزيمة، فالتهكم في نفس الفتح، وإن تنتهوا عن قتال الرسول وعداوته وتكذبيه
стр. 4612
فهو خير لكم في الدين بالخلاص من العقاب والفوز بالثواب، وفي الدنيا بالخلاص من القتل، والأسر والنهب، وإن تعودوا إلى القتال نعد إلى تسليط المسلمين على قتلكم، ولن تدفع عنكم جماعتكم شيئا من الضرر ولو كثرت.
وقيل: هذا خطاب للمؤمنين، والمعنى: إن تستنصروا أيها المؤمنون، فقد جاءكم النصر، وإن تنتهوا عن المنازعة في أمر الأنفال، وعن طلب الفداء على الأسرى فهو خير لكم، وإن تعودوا إلى تلك المنازعة نعد إلى ترك نصرتكم، ثم لا تنفعكم كثرتكم.
وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم (١): ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بفتح همزة أن على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: والأمر، والشأن كون الله مع المؤمنين بمعونته، وتوفيقه، فلا تضرهم قلتهم، ولا كثرة عددكم فهو يؤتي النصر من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، أو على أنه معطوف على علة محذوفة، لمعلول محذوف، تقديره: فعل الله بكم ما فعل من الأسر، والقتل، والهمزيمة، لأن الله ليس معكم، وأن الله مع المؤمنين، وقرأ باقي السبعة بكسرها على الاستئناف، وقرأ ابن مسعود: ﴿والله مع المؤمنين﴾.
٢٠ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الاجابة إلى الجهاد، وترك المال إذ أمر الله بتركه؛ أي: داوموا على طاعته، وعلى عدم التولي، وعلى ترك المال يدم لكم العز الذي حصل لكم ببدر ﴿وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾؛ أي: عن الرسول؛ أي: ولا تعرضوا عن طاعته، وعن قبول قوله، وعن معونته في الجهاد، فالضمير في ﴿عَنْهُ﴾ عائد على الرسول؛ لأنّ طاعة رسول الله ﷺ هي من طاعة الله، ويحتمل أن يكون الضمير راجعا إلى الله، وإلى رسوله، وقل: الضمير راجع إلى الأمر الذي دل عليه ﴿أَطِيعُوا﴾ وأصل تولوا تتولوا بتائين.
﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾؛ أي: والحال أنكم تسمعون كلامه الداعي إلى وجوب طاعته، وموالاته، ونصره في جهاده، ولا شك أن المراد بالسماع هنا: سماع
стр. 4613
الفهم والتصديق بما يسمع كما هو شأن المؤمنين الذين من دأبهم أن يقولوا: ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ والمعنى: وأنتم تسمعون ما يتلى عليكم من الحجج، والبراهين، وتصدقون بها، ولستم كالصم البكم
٢١ - ﴿وَلا تَكُونُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿كَالَّذِينَ قالُوا﴾ بأسلنتهم ﴿سَمِعْنا﴾ دعوتك ﴿وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾؛ أي: لا يتعظون، ولا ينتفعون بما سمعوا من القرآن، والمواعظ؛ أي: قالوا بألسنتهم: إنا قبلنا تكاليف الله تعالى، والحال: أنهم لا يقبلونها بقلوبهم، وهم المشركون، أو المنافقون، أو اليهود، أو الجميع من هؤلاء، فإنهم يسمعون بآذانهم من غير فهم ولا عمل، فهم كالذي لا يسمع أصلا، لأنهم لم ينتفعوا بما سمعوا.
٢٢ - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾ جمع دابة، وهي كل ما دب على الأرض، وقل أن يستعمل في الإنسان، بل الغالب أن يستعمل في الحشرات، ودواب الركوب، فإذا استعمل في الإنسان كان ذلك في موضع الاحتقار؛ أي: إن شر ما دب على الأرض وأقبحه وأخسه ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ تعالى؛ أي: في حكم الله وقضائه هم ﴿الصُّمُّ﴾ الذين لا يسمعون الحق ﴿الْبُكْمُ﴾ الذين لا ينطقون به، وصفوا بذلك مع كونهم ممن يسمع وينطق لعدم انتفاعهم بالسمع والنطق ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ولا يعرفون ما فيه النفع لهم، فيأتونه، وما فيه الضرر عليهم فيجتنبونه، فهم شر الدواب عند الله تعالى، لأنها تميز بعض تمييز، وتفرق بين ما ينفعها ويضرها، والمعنى: إن شر الدواب في حكم الله وقضائه هم الصم الذين لا يصغون بأسماعهم ليعرفوا الحق، ويعتبروا بالموعظة الحسنة، فهم بفقدهم لمنفعة السمع كانوا كأنهم فقدوا حاسته، البكم الذين لا يقولون الحق ومن ثم كانوا كأنهم فقدوا النطق الذين لا يعقلون الفرق بين الحق والباطل، والخير والشر، إذ هم لو عقلوا لطلبوه واهتدوا إلى ما فيه المنفعة والفائدة لهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾.
والخلاصة: أنهم حين فقدوا منفعة السمع والنطق والعقل .. كانوا كأنهم فقدوا هذه المشاعر والقوى بأن خلقوا خداجا ناقصي هذه المشاعر، أو طرأت
стр. 4614
عليهم آفات أذهبت هذه القوى بل هم شر منهم لأن هذه المشاعر، خلقت لهم، فأفسدوها على أنفسهم، إذ لم يستعملوها فيما خلقت لأجله حين التكليف، وفي الآية غاية الذم لهم بأنهم أشر من الكلب، والخنزير، والحمير.
٢٣ - ﴿وَلَوْ عَلِمَ﴾ اللَّهُ ﴿فِيهِمْ﴾؛ أي: في هؤلاء الصم البكم ﴿خَيْرًا﴾؛ أي: سعادة ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ سماعا ينتفعون به ويتعقلون عنده الحجج والبراهين، والمعنى: ولو علم الله فيهم خيرا أي استعدادا للايمان، والهداية بنور النبوة، ولم يفسد قبس الفطرة سوء القدوة، وفساد التربية ... لأسمعهم بتوفيقه الكتاب والحكمة سماع تدبر وتفهم، ولكنه قد علم أنه لا خير فيهم، فهم ممن ختم الله على قلوبهم، وأحاطت بهم خطاياهم.
قال الزجاج: ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ جواب كل ما سألوا عنه، وقيل: ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ كلام الموتى الذين طلبوا إحياءهم؛ لأنهم طلبوا إحياء قصي بن كلاب، وغيره، ليشهدوا بنبوة محمد ﷺ ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ الله الحجج والبراهين سماع تفهم، وقد علم أنه لا خير فيهم ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ عن قبولها وأعرضوا عن إذعانها. ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عنها قبل ذلك؛ أي: لتولوا عن القبول، والإذعان، والحال أنهم معرضون من قبل ذلك بقلوبهم عن قبوله والعمل به، كراهية وعنادا للداعي إليه، ولأهله، فقد فقدوا الاستعداد لقبول الحق، والخير، فقدا تاما لا فقدا عارضا موقوتا.
واعلم: أن للسماع درجات باعتبار ما يطالب الله به من الاهتداء بكتابه:
١ - أن يتعمد من يتلى عليه أن لا يسمعه مبارزة له بالعدوان بادىء ذي بدء خوفا من سلطانه على القلوب أن يغلبهم.
٢ - أن يستمع، وهو لا ينوي أن يفهم ويتدبر، كالمنافقين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا﴾.
٣ - أن يستمع لأجل التماس شبهة للطعن والاعتراض، كما كان يفعل
стр. 4615
المعاندون من المشركين وأهل الكتاب، وقت التنزيل وفي كل حين إذا استمعوا إلى القرآن أو نظروا فيه.
٤ - أن يسمع ليفهم ويتدبر ثم يحكم له أو عليه، وهذا هو المنصف، وكم من السامعين أو القارئين آمن من بعد أن نظر، وتأمل، فقد نظر طبيب فرنسي في ترجمة القرآن، فرأى أن كل النظريات الطبية التي فيه كالطهارة والاعتدال في المآكل، والمشارب، وعدم الإسراف فيهما، ونحو ذلك من المسائل التي فيها محافظة على الصحة، توافق أحدث النظريات التي استقر عليها رأي الأطباء، في هذا العصر، فرغب في هذا كله وأسلم.
وكثير من المسلمين يستمعون القراء، ويتلون القرآن، فلا يشعرون بأنهم في حاجة إلى فهمه وتدبر معناه، بل يستمعونه للتلذذ بتجويده، وتوقيع التلاوة على قواعد النغم، أو يقصدون بسماعه التبرك فقط، ومنهم من يحضر الحفاظ عنده في ليالي رمضان، ويجلسهم في حجرة البوابين أو غيرهم من الخدم تشبها بالأكابر والوجهاء.
٢٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: صدقوا الله ورسوله ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾؛ أي: أجيبوا الله والرسول بحسن الطاعة، والانقياد، فاستجاب هنا بمعنى أجاب، لأن السين والتاء فيه زائدتان، وإن كان استجاب يتعدى باللام، وأجاب بنفسه كما أن قوله: ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ وقد يتعدى استجاب بنفسه، كما في قول الشاعر:
وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
﴿إِذا دَعاكُمْ﴾ الرسول محمد ﷺ ؛ وإنما أفرد الضمير لأن استجابة الرسول استجابة لله تعالى، وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد، وأخرج البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال ﷺ : «ألم يقل الله: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم»، ثم ذكر الحديث.
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ خرج على أبيّ بن كعب
стр. 4616
وهو يصلي فقال رسول الله ﷺ : «يا أبي» فالتفت أبي ولم يجبه، وصلى أبي، وخفف ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «وعليك السلام، ما منعك يا أبيّ أن تجيبني إذ دعوتك»، فقال:
يا رسول الله، إنّي كنت في الصلاة فقال ﷺ : «أفلم تجد فيما أوحي إليّ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾» قال: بلى، ولا أعود إن شاء الله تعالى، وذكر الحديث. وقال: حديث حسن صحيح.
قيل (١): هذه الإجابة مختصة بالنبي ﷺ ، فعلى هذا ليس لأحد أن يقطع صلاته لدعاء أحد آخر، وقيل: لو دعاه أحد لأمر مهم لا يحتمل التأخير .. فله أن يقطع صلاته.
﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾؛ أي: لما فيه حياتكم من علوم الديانات والشرائع، لأن العلم حياة، كما أن الجهل موت، قال الشاعر:
لا تعجبنّ الجهول حلّته ... فذاك ميت وثوبه كفن
قال (٢) السدي: هو الإيمان لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان، وقال قتادة: هو القرآن لأنه حياة القلوب، وفيه النجاة والعصمة في الدارين، وقال مجاهد: هو الحق، وقال محمد بن إسحاق: هو الجهاد لأن الله أعزه به بعد الذل، وقيل: هو الشهادة لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون.
والمعنى (٣): أن الرسول ﷺ إذا دعاكم بأمر ربكم لما فيه حياتكم الروحية من علم بسننه في خلقه، ومن حكمة وفضيلة، ترفع نفس الإنسان وترقى بها إلى مراتب الكمال، حتى تحظى بالقرب من ربها، وتنال رضوانه في الدار الآخرة ... فأجيبوا دعوته بقوة وعزم كما قال في آية أخرى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ وطاعته ﷺ واجبة في حياته، وبعد مماته، فيما علم أنه دعا إليه دعوة عامة من أمور الدين الذي بعثه الله به، كبيانه لصفة الصلاة، وعددها، قولا أو فعلا
стр. 4617
فقد صلى بأصحابه وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وقال: «خذوا عني مناسككم». وكبيانه لمقادير الزكاة وغيرها من السنن العملية المتواترة، وأقواله كذلك، فكل من ثبت عنده شيء منها ببحثه أو ببحث العلماء الذين يثق بهم ..
وجب عليه الاهتداء به، أما الإرشادات النبوية في أمور العادات كاللباس، والطعام، والشراب، والنوم .. فلم يعدها أحد من الأئمة دينا يجب الاقتداء به فيه.
ويستدل (١) بهذا الأمر بالاستجابة على أنه يجب على كل مسلم إذا بلغه قول الله، أو قول رسوله في حكم من الأحكام الشرعية، أن يبادر إلى العمل به كائنا ما كان، ويدع ما خالفه من الرأي وأقوال الرجال، وفي هذه الآية الشريفة أعظم باعث على العمل بنصوص الأدلة، وترك التقيد بالمذاهب، وعدم الاعتداد بما يخالف ما في الكتاب والسنة كائنا ما كان.
﴿وَاعْلَمُوا﴾ يا معشر المؤمنين ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾؛ أي: يحول بين المرء وبين ما يريده بقلبه، فإن الأجل يحول دون الأمل، فكأنه (٢) قال تعالى: بادروا إلى الأعمال الصالحة، ولا تعتمدوا على ما يقع في قلوبكم من توقع طول البقاء فإن ذلك غير موثوق به، وقال مجاهد:
المراد بالقلب هنا العقل؛ أي: فإن الله تعالى يحول بين المرء وعقله.
والمعنى: فبادروا إلى الأعمال، وأنتم تعقلون، فإنكم لا تأمنون زوال العقل، والله يحول بين المرء الكافر وطاعته، ويحول بين المرء المطيع ومعصيته، والقلوب بيد الله، يقلبها كيف يشاء، وكان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» ولا يستطيعون المرء أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه تعالى.
والمعنى (٣): أنه تعالى هو المتصرف في جميع الأشياء والقادر على
стр. 4618
الحيلولة بين الإنسان وبين ما يشتهيه قلبه، فهو الذي ينبغي أن يستجاب له إذا دعا، إذ بيده تعالى ملكوت كل شيء، وزمامه، وفي ذلك حض على المراقبة، والخوف من الله تعالى والبدار إلى الاستجابة له، وقال مجاهد: يحول بين المرء وعقله، فلا يدري ما يعمل عقوبة على عناده، وقال السدي: يحول بين كل واحد، وقلبه فلا يقدر على إيمان ولا كفر إلا بإذنه، وقيل: غير ذلك، وقرأ ابن أبي إسحاق ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ﴾ بكسر الميم اتباعا لحركة الإعراب، إذ في المرء لغتان فتح الميم مطلقا، وإتباعها حركة الاعراب، وقرأ الحسن، والزهري: ﴿بين المرّ﴾ بتشديد الراء من غير همز، ووجهه: أنه نقل حركة الهمزة إلى الراء، وحذف الهمزة، ثم شدها كما تشدد في الوقف، وأجرى الوصل مجرى الوقف ﴿وَ﴾ اعملوا ﴿أَنَّهُ﴾؛ أي: أن الشأن ﴿إِلَيْهِ﴾ ﴿تُحْشَرُونَ﴾ في الآخرة للجزاء على أعمالكم، فيجازيكم بحسب مراتب أعمالكم، فسارعوا إلى طاعة الله ورسوله ﷺ .
٢٥ - ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ أي بلية؛ أي: واحذروا سبب بلية إن أصابتكم ﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ خطاب للمؤمنين جميعا صلحائهم وغيرهم، والمراد بالفتنة العذاب الدنيوي كالقحط والغلاء وتسليط الظلمة، وغير ذلك؛ أي (١): واحذروا أيها المؤمنون فتنة إن نزلت بكم لم تقتصر على الظالمين خاصة بل تتعدى إليكم جميعا، وتصل إلى الصالح والطالح، واتقاء تلك الفتنة بالنهي عن المنكر، فالواجب على كل من رآه أن يزيله إذا كان قادرا على ذلك، فإذا سكت عليه فكلهم عصاة، هذا بفعله وهذا برضاه، وقد جعل الله تعالى الراضي بمنزلة العامل، فانتظم في العقوبة. وعلامة الرضا بالمنكر: عدم التألم من الخلل الذي يقع في الدين بفعل المعاصي، فلا يتحقق كون الإنسان كارها له إلا إذا تألم له تألمه لفقد ولده، أو ماله، فكل من لم يكن بهذه الحالة فهو راض بالمنكر، فتعمه العقوبة والمصيبة بهذا الاعتبار، وعبارة المراغي هنا: وبعد أن أمرنا الله سبحانه بتلك الأوامر، ونهانا عن النواهي التي تخص أعمال الإنسان الاختيارية أمرنا أن نتقي الفتن الاجتماعية، التي لا تخص الظالمين، بل تتعداهم إلى غيرهم، وتصل
стр. 4619
إلى الصالح والطالح فقال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾؛ أي: اتقوا وقوع الفتن التي لا تختص إصابتها بمن يباشرها وحده بل تعمه وغيره، كالفتن القومية التي تقع بين الأمم في التنازع على المصالح العامة من الملك والسيادة، أو التفرق في الدين والشريعة، والانقسام إلى الأحزاب الدينية، والأحزاب السياسية، ونحو ذلك من ظهور البدع، والتكاسل في الجهاد، وإقرار المنكر الذي يقع بين أظهرهم، والمداهنة في الأمر بالمعروف، ونحو ذلك من الذنوب التي جرت سنة الله تعالى أن تعقاب عليها الأمم في الدنيا قبل الآخرة، وروي عن ابن عباس قال: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب. وقال عدي بن عميرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه، فإذا فعلوا ذلك .. عذب الله الخاصة والعامة» وقال البيضاوي:
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾؛ أي: اتقوا ذنبا يعمكم أثره، كإقرار المنكر بين أظهركم، والمداهنة في الأمر بالمعروف، وافتراق الكلمة، وظهور البدع، والتكاسل في الجهاد انتهى.
وروى البخاري والترمذي «أن الناس إذا رأوا الظالم، ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده» وفي مسلم من حديث زينب بنت جحش، سألت رسول الله ﷺ : «أنهلك وفينا الصالحون، قال: نعم إذا كثر الخبث».
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به» متفق عليه.
فإن قلت (١): ظاهر قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ يشمل الظالم وغير الظالم، كما تقدم تفسيره، فكيف يليق برحمة الله وكرمه أن يوصل الفتنة إلى من لم يذنب؟
стр. 4620
قلت: إنه تعالى مالك الملك، وخالق الخلق، وهم عبيده وفي ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء، لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، فيحسن ذلك منه على سبيل المالكية، أو لأنه تعالى علم اشتمال ذلك على أنواع من أنواع المصلحة، والله أعلم بمراده.
وقرأ ابن (١) مسعود وعلي، وزيد بن ثابت، والباقر، والربيع بن أنس، وأبو العالية ﴿لتصيبن﴾ وفي ذلك وعيد للظالمين فقط، وعلى هذا التوجيه خرج ابن جني قراءة الجماعة ﴿لا تُصِيبَنَّ﴾ وحكى النقاش عن ابن مسعود، أنه قرأ فتن أن تصيب ﴿وَاعْلَمُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿شَدِيدُ الْعِقابِ﴾؛ أي: شديد عقابه للأمم، والأفراد، التي خالفت سننه التي لا تبديل لها ولا تحويل، أو خالفت هدى دينه المزكي، للأنفس المطهر للقلوب، ولذلك يصيب بالعذاب من لم يباشر سببه، والمعنى: الزموا الاستقامة خوفا من عذاب الله تعالى، وهذا العقاب (٢) منه ما هو في الدنيا، وهو مطرد في الأمم وقد أصيبت به الأمة الإسلامية في القرن الأول الذي كان أهله خير القرون بعده، إذ قصروا في درء الفتنة الأولى، فعاقبهم الله عقابا شديدا على ذلك، ثم تسلسل العقاب في كل جيل وقع فيه ذلك، ثم امتزجت الفتن المذهبية بالفتن السياسية على الملك والسلطان، حتى زالت الخلافة التي تنافسوا فيها وتقاتلوا لأجلها.
وقد يقع هذا العقاب للأفراد، لكنهم ربما لا يشعرون به، لأنه يقع تدريجيا، فلا يكاد يحس به، وأما العقاب الأخروي فأمره الله إلى العالم بالسر والنجوى، والذي جعل العقاب آثارا طبيعية للذنوب التي تجترحها الأفراد والأمم.
٢٦ - وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ خطاب للمهاجرين يذكرهم فيه سبحانه بما كان من ضعفهم وقلتهم، وقد يكون الخطاب للمؤمنين عامة في عصر التنزيل، يذكرهم فيه بما كان من ضعف أمتهم العربية في الجزيرة بين الدول القوية من فارس والروم.
стр. 4621
أي: واذكروا يا معشر المهاجرين ﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ في العدد في أول الإسلام ﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: مقهورون في أرض مكة ﴿تَخافُونَ﴾ من مبدأ الإسلام إلى حين الهجرة إذا خرجتم من البلد ﴿أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾؛ أي: أن يأخذكم مشركو العرب من قريش وغيرها، بسرعة لشدة عداوتهم لكم، ولقربهم منكم، والمراد أن ينتزعوكم بسرعة، فيفتكوا بكم كما كان يتخطف بعضهم بعضا في خارج الحرم، وتتخطفهم الأمم من أطراف جزيرتهم، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ ﴿فَآواكُمْ﴾ وضمكم أيها المهاجرون إلى الأنصار ونقلكم إلى المدينة فصرتم آمنين من كفار مكة، ﴿وَأَيَّدَكُمْ﴾ وإياهم؛ أي: قواكم ﴿بِنَصْرِهِ﴾ إياكم في بدر، وفي سائر غزواتكم، ويؤيدكم على من سواكم من فارس والروم، وغيرهما كما وعدكم بذلك في كتابه الكريم، ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾؛ أي: من الغنائم وغيرها، وكانت محرمة على من كان قبل هذه الأمة ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم العظيمة؛ أي: رجاء أن تشكروا هذه النعم وغيرها مما يؤتيكم من فضله كما وعد في كتابه ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
وقد أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ الآية.
قال كان هذا الحي أذل الناس ذلا، وأشقاه عبثا، وأجوعه بطونا، وأعراه جلودا وأبينه ضلالة معكوفين على رأس حجر بين فارس والروم، لا والله ما في بلادهم ما يحسدون عليه من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات منهم ردي في النار يؤكلون ولا يأكلون، لا والله ما نعلم قبيلا من حاضر الأرض يومئذ كان أشر منهم منزلا حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا لله نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من نعم الله .
وفي الآية من العبرة التي يجب على المؤمنين أن يتذكروها أنه أورث من اهتدى بهديه سعادة الدنيا وبسطة السلطان، ومكن لأهله في الأرض، وأنالهم ما لم يكونوا يرجونه لولا هدى الدين، وأورثهم في الآخرة فوزا ورضوانا من ربهم وروحا، وريحانا، وجنة نعيم.
стр. 4622
هذا حين كانوا يعملون بهديه، فلما أعرضوا عنه، ونأوا بجانبهم، عاقبهم الله بما جرت به سننه في الأرض، فأضاعوا ملكهم، وسلط عليهم أعداءهم، فليعتبر المسلمون بما حل بهم، وليرجعوا إلى تاريخ أسلافهم، وليستضيؤوا بنورهم، وليتوبوا إلى رشدهم، لعله يعيد إليهم تراثهم الغابر، وعزهم الماضي ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
٢٧ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ (١) فتعطلوا فرائضه، أو تتعدوا حدوده، وتنتهكوا محارمه التي بينها لكم في كتابه، ﴿وَ﴾ لا تخونوا ﴿الرَّسُولَ﴾ محمدا ﷺ فترغبوا عن بيانه لكتابه إلى بيانه بأهوائكم، أو أراء مشايخكم، أو آبائكم، أو أوامر أمرائكم، أو ترك سنته إلى سنة آبائكم وزعمائكم زعما منكم أنهم أعلم بمراد الله ورسوله منكم، ﴿وَ﴾ لا ﴿تَخُونُوا أَماناتِكُمْ﴾ فيما بين بعضكم وبعض آخر منكم من المعاملات المالية، وغيرها حتى الشؤون الأدبية، والاجتماعية، فإفشاء السر خيانة محرمة، ويكفي في العلم بكونه سرا قرينة قولية كقول محدثك: هل يسمعنا أحد، أو فعلية كالالتفات لرؤية من عساه يجيء، وآكد الأمانات السر وأحقها بالحفظ ما يكون بين الزوجين، كذلك لا تخونوا أماناتكم فيما بينكم وبين أولي الأمر من شؤون سياسية أو حربية، فتطلعوا عليها عدوكم، وينتفع بها في الكيد لكم، وقرأ مجاهد ﴿أمانتكم﴾ بالإفراد، والمراد الجمع.
والخيانة من صفات المنافقين، والأمانة من صفات المؤمنين، قال أنس بن مالك: قلما خطب رسول الله ﷺ إلا قال: «لا إيمان لمن لا عهد له» رواه الإمام أحمد.
وروى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم».
стр. 4623
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» أخرجه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن غريب.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: والحال أنكم تعلمون مفاسد الخيانة، وتحريم الله إياها وسوء عاقبتها في الدنيا والآخرة، وقد يكون المعنى: وأنتم تعلمون أنّ ما فعلتموه خيانة لظهوره، فإن خفي عليكم حكمه، فالجهل له عذر إذا لم يكن مما علم من الدين ضرورة، أو مما يعلم ببداهة العقل، أو باستفتاء القلب، كفعلة أبي لبابة التي كان سببها الحرص على المال والولد، ومن ثم فطن لها قبل أن يبرح مكانه،
٢٨ - ﴿وَاعْلَمُوا﴾؛ أيها المؤمنون ﴿أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ عظيمة مانعة لكم عن أمور الآخرة؛ أي: محنة يظهر بها ما في النفس من اتباع الهوى، أو تجنبه، ولذلك مال أبو لبابة إلى قريظة في إطلاعهم على حكم سعد، لأنّ ماله وولده كان فيهم؛ أي: (١) إن فتنة الأموال والأولاد عظيمة لا تخفى على ذوي الألباب، إذ أموال الإنسان عليها مدار معيشته، وتحصيل رغائبه، وشهواته، ودفع كثير من المكاره عنه من أجل ذلك يتكلف في كسبها المشاق، ويركب الصعاب ويكلفه الشرع فيها التزام الحلال واجتناب الحرام، ويرغبه في القصد والاعتدال ويتكلف العناء في حفظها، وتتنازعه الأهواء في انفاقها، ويفرض عليه الشارع فيها حقوقا معينة، وغير معينة كالزكاة، ونفقات الأولاد، والأزواج وغيرها وأما الأولاد فحبهم مما أودع في الفطرة، فهم ثمرات الأفئدة وأفلاذ الأكباد لدى الآباء والأمهات، ومن ثم يحملهما ذلك على بذل كل ما يستطاع بذله في سبيلهم من مال، وصحة، وراحة، وقد روي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا إلى النبي ﷺ : «الولد ثمرة القلب، وإنه مجبنة مبخلة محزنة».
فحب الولد قد يحمل الوالدين على اقتراف الذنوب والآثام في سبيل تربيتهم، والإنفاق عليهم، وتأثيل الثروة لهم، وكل ذلك قد يؤدي إلى الجبن عند الحاجة إلى الدفاع عن الحق، أو الأمة، أو الدين، وإلى البخل بالزكاة،
стр. 4624
والنفقات المفروضة، والحقوق الثابتة، كما يحملهم ذلك على الحزن على من يموت منهم بالسخط على المولى والاعتراض عليه، إلى نحو ذلك من المعاصي كنوح الأمهات، وتمزيق ثيابهن، ولطم وجوههن، وعلى الجملة: ففتنة الأولاد أكثر من فتنة الأموال، الرجل يكسب المال الحرام، ويأكل أموال الناس بالباطل، لأجل الأولاد.
فيجب على المؤمن أن يتقي الفتنتين، فيتقي الأولى بكسب المال من الحلال، وإنفاقه في سبيل البر، والإحسان، ويتّقي خطر الثانية من ناحية ما يتعلق منها بالمال، ونحوه بما يشير إليه الحديث، ومن ناحية ما أوجبه الدين من حسن تربية الأولاد، وتعويدهم الدين والفضائل، وتجنيبهم المعاصي والرذائل.
﴿وَ﴾ اعلموا أيها المؤمنون ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وثواب جسيم، فعليكم أن تؤثروا ما عند ربكم من الأجر العظيم، بمراعاة أحكام دينه، في الأموال والأولاد على ما عساه قد يفوتكم في الدنيا من التمتع بهما، فإنّ سعادة الآخرة، وهو ثواب الله تعالى، خير من سعادة الدنيا، وهو المال والولد؟ لأن سعادة الآخرة لا نهاية لها، ولا انقضاء، وسعادة الدنيا تفنى وتنقضي.
٢٩ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: إن تمتثلوا أوامر الله وتجتنبوا نواهيه ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا﴾؛ أي: نجاة مما تخافون في الدارين، أو يجعل لكم نورا، وتوفيقا في قلوبكم تفرقون به بين الحق والباطل، وقال مجاهد: يجعل لكم مخرجا في الدنيا والآخرة، وقال مقاتل: مخرجا في الدين من الشبهات، وقال عكرمة: نجاة، أي: يفرق بينكم وبين ما تخافون، وقال محمد بن إسحاق: فصلا بين الحق والباطل، يظهر الله به حقكم، ويطفىء باطل من خالفكم، وقيل: يفرق بينكم وبين الكفار، بأن يظهر دينكم ويعليه، ويبطل الكفر ويوهنه، أو نصرا، لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين الكفر بإذلال حزبه، والإسلام بإعزاز أهله، أو بيانا وظهورا في أقطار الأرض ﴿وَيُكَفِّرْ
стр. 4625
عَنْكُمْ﴾؛ أي: يمح (١) عنكم ﴿سَيِّئاتِكُمْ﴾؛ أي: الصغائر منها ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾؛ أي: يستر لكم الكبائر منها ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ أي: ذو المن والعطاء الجسيم على عباده بالمغفرة والجنة، أو المعنى: ﴿يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾؛ أي: يسترها في الدنيا ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾؛ أي: يزلها في الآخرة، وفي «الصاوي»: قوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ عطف مرادف على ما قبله، انتهى وفي «البحر»: وإنما تغاير الظرفان لئلا يلزم التكرار ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ لأنه هو الذي يفعل ذلك بكم، فله الفضل العظيم عليكم، وعلى غيركم من خلقه، ومن كان كذلك فإنه إذا وعد بشيء وفى به، قيل: إنه يتفضل على الطائعين بقبول الطاعات، ويتفضل على العاصين بغفران السيئات، وقيل: معناه إن بيده الفضل العظيم، فلا يطلب من عند غيره.
وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ إيماء (٢) وتنبيه إلى أنّ ما وعد به المتقين من المثوبة فضل منه وإحسان، تفضل به علينا بدون واسطة، وبدون التماس عوض.
الإعراب
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥)﴾.
﴿يا أَيُّهَا﴾ يا حرف نداء ﴿أي﴾ منادى نكرة مقصودة ﴿ها﴾ حرف تنبيه زائد تعويضا عما فات ﴿أي﴾ من الإضافة، وجملة النداء مستأنفة ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الرفع صفة لـ ﴿أي﴾، ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، إِذا ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿لَقِيتُمُ الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول