← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

أي: واذكروا يا معشر المهاجرين ﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ في العدد في أول الإسلام ﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: مقهورون في أرض مكة ﴿تَخافُونَ﴾ من مبدأ الإسلام إلى حين الهجرة إذا خرجتم من البلد ﴿أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾؛ أي: أن يأخذكم مشركو العرب من قريش وغيرها، بسرعة لشدة عداوتهم لكم، ولقربهم منكم، والمراد أن ينتزعوكم بسرعة، فيفتكوا بكم كما كان يتخطف بعضهم بعضا في خارج الحرم، وتتخطفهم الأمم من أطراف جزيرتهم، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ ﴿فَآواكُمْ﴾ وضمكم أيها المهاجرون إلى الأنصار ونقلكم إلى المدينة فصرتم آمنين من كفار مكة، ﴿وَأَيَّدَكُمْ﴾ وإياهم؛ أي: قواكم ﴿بِنَصْرِهِ﴾ إياكم في بدر، وفي سائر غزواتكم، ويؤيدكم على من سواكم من فارس والروم، وغيرهما كما وعدكم بذلك في كتابه الكريم، ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾؛ أي: من الغنائم وغيرها، وكانت محرمة على من كان قبل هذه الأمة ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم العظيمة؛ أي: رجاء أن تشكروا هذه النعم وغيرها مما يؤتيكم من فضله كما وعد في كتابه ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. وقد أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ الآية. قال كان هذا الحي أذل الناس ذلا، وأشقاه عبثا، وأجوعه بطونا، وأعراه جلودا وأبينه ضلالة معكوفين على رأس حجر بين فارس والروم، لا والله ما في بلادهم ما يحسدون عليه من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات منهم ردي في النار يؤكلون ولا يأكلون، لا والله ما نعلم قبيلا من حاضر الأرض يومئذ كان أشر منهم منزلا حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا لله نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من نعم الله . وفي الآية من العبرة التي يجب على المؤمنين أن يتذكروها أنه أورث من اهتدى بهديه سعادة الدنيا وبسطة السلطان، ومكن لأهله في الأرض، وأنالهم ما لم يكونوا يرجونه لولا هدى الدين، وأورثهم في الآخرة فوزا ورضوانا من ربهم وروحا، وريحانا، وجنة نعيم.

стр. 4622

هذا حين كانوا يعملون بهديه، فلما أعرضوا عنه، ونأوا بجانبهم، عاقبهم الله بما جرت به سننه في الأرض، فأضاعوا ملكهم، وسلط عليهم أعداءهم، فليعتبر المسلمون بما حل بهم، وليرجعوا إلى تاريخ أسلافهم، وليستضيؤوا بنورهم، وليتوبوا إلى رشدهم، لعله يعيد إليهم تراثهم الغابر، وعزهم الماضي ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. ٢٧ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ (١) فتعطلوا فرائضه، أو تتعدوا حدوده، وتنتهكوا محارمه التي بينها لكم في كتابه، ﴿وَ﴾ لا تخونوا ﴿الرَّسُولَ﴾ محمدا ﷺ فترغبوا عن بيانه لكتابه إلى بيانه بأهوائكم، أو أراء مشايخكم، أو آبائكم، أو أوامر أمرائكم، أو ترك سنته إلى سنة آبائكم وزعمائكم زعما منكم أنهم أعلم بمراد الله ورسوله منكم، ﴿وَ﴾ لا ﴿تَخُونُوا أَماناتِكُمْ﴾ فيما بين بعضكم وبعض آخر منكم من المعاملات المالية، وغيرها حتى الشؤون الأدبية، والاجتماعية، فإفشاء السر خيانة محرمة، ويكفي في العلم بكونه سرا قرينة قولية كقول محدثك: هل يسمعنا أحد، أو فعلية كالالتفات لرؤية من عساه يجيء، وآكد الأمانات السر وأحقها بالحفظ ما يكون بين الزوجين، كذلك لا تخونوا أماناتكم فيما بينكم وبين أولي الأمر من شؤون سياسية أو حربية، فتطلعوا عليها عدوكم، وينتفع بها في الكيد لكم، وقرأ مجاهد ﴿أمانتكم﴾ بالإفراد، والمراد الجمع. والخيانة من صفات المنافقين، والأمانة من صفات المؤمنين، قال أنس بن مالك: قلما خطب رسول الله ﷺ إلا قال: «لا إيمان لمن لا عهد له» رواه الإمام أحمد. وروى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم».

стр. 4623

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» أخرجه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن غريب. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: والحال أنكم تعلمون مفاسد الخيانة، وتحريم الله إياها وسوء عاقبتها في الدنيا والآخرة، وقد يكون المعنى: وأنتم تعلمون أنّ ما فعلتموه خيانة لظهوره، فإن خفي عليكم حكمه، فالجهل له عذر إذا لم يكن مما علم من الدين ضرورة، أو مما يعلم ببداهة العقل، أو باستفتاء القلب، كفعلة أبي لبابة التي كان سببها الحرص على المال والولد، ومن ثم فطن لها قبل أن يبرح مكانه، ٢٨ - ﴿وَاعْلَمُوا﴾؛ أيها المؤمنون ﴿أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ عظيمة مانعة لكم عن أمور الآخرة؛ أي: محنة يظهر بها ما في النفس من اتباع الهوى، أو تجنبه، ولذلك مال أبو لبابة إلى قريظة في إطلاعهم على حكم سعد، لأنّ ماله وولده كان فيهم؛ أي: (١) إن فتنة الأموال والأولاد عظيمة لا تخفى على ذوي الألباب، إذ أموال الإنسان عليها مدار معيشته، وتحصيل رغائبه، وشهواته، ودفع كثير من المكاره عنه من أجل ذلك يتكلف في كسبها المشاق، ويركب الصعاب ويكلفه الشرع فيها التزام الحلال واجتناب الحرام، ويرغبه في القصد والاعتدال ويتكلف العناء في حفظها، وتتنازعه الأهواء في انفاقها، ويفرض عليه الشارع فيها حقوقا معينة، وغير معينة كالزكاة، ونفقات الأولاد، والأزواج وغيرها وأما الأولاد فحبهم مما أودع في الفطرة، فهم ثمرات الأفئدة وأفلاذ الأكباد لدى الآباء والأمهات، ومن ثم يحملهما ذلك على بذل كل ما يستطاع بذله في سبيلهم من مال، وصحة، وراحة، وقد روي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا إلى النبي ﷺ : «الولد ثمرة القلب، وإنه مجبنة مبخلة محزنة». فحب الولد قد يحمل الوالدين على اقتراف الذنوب والآثام في سبيل تربيتهم، والإنفاق عليهم، وتأثيل الثروة لهم، وكل ذلك قد يؤدي إلى الجبن عند الحاجة إلى الدفاع عن الحق، أو الأمة، أو الدين، وإلى البخل بالزكاة،

стр. 4624

والنفقات المفروضة، والحقوق الثابتة، كما يحملهم ذلك على الحزن على من يموت منهم بالسخط على المولى والاعتراض عليه، إلى نحو ذلك من المعاصي كنوح الأمهات، وتمزيق ثيابهن، ولطم وجوههن، وعلى الجملة: ففتنة الأولاد أكثر من فتنة الأموال، الرجل يكسب المال الحرام، ويأكل أموال الناس بالباطل، لأجل الأولاد. فيجب على المؤمن أن يتقي الفتنتين، فيتقي الأولى بكسب المال من الحلال، وإنفاقه في سبيل البر، والإحسان، ويتّقي خطر الثانية من ناحية ما يتعلق منها بالمال، ونحوه بما يشير إليه الحديث، ومن ناحية ما أوجبه الدين من حسن تربية الأولاد، وتعويدهم الدين والفضائل، وتجنيبهم المعاصي والرذائل. ﴿وَ﴾ اعلموا أيها المؤمنون ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وثواب جسيم، فعليكم أن تؤثروا ما عند ربكم من الأجر العظيم، بمراعاة أحكام دينه، في الأموال والأولاد على ما عساه قد يفوتكم في الدنيا من التمتع بهما، فإنّ سعادة الآخرة، وهو ثواب الله تعالى، خير من سعادة الدنيا، وهو المال والولد؟ لأن سعادة الآخرة لا نهاية لها، ولا انقضاء، وسعادة الدنيا تفنى وتنقضي. ٢٩ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: إن تمتثلوا أوامر الله وتجتنبوا نواهيه ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا﴾؛ أي: نجاة مما تخافون في الدارين، أو يجعل لكم نورا، وتوفيقا في قلوبكم تفرقون به بين الحق والباطل، وقال مجاهد: يجعل لكم مخرجا في الدنيا والآخرة، وقال مقاتل: مخرجا في الدين من الشبهات، وقال عكرمة: نجاة، أي: يفرق بينكم وبين ما تخافون، وقال محمد بن إسحاق: فصلا بين الحق والباطل، يظهر الله به حقكم، ويطفىء باطل من خالفكم، وقيل: يفرق بينكم وبين الكفار، بأن يظهر دينكم ويعليه، ويبطل الكفر ويوهنه، أو نصرا، لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين الكفر بإذلال حزبه، والإسلام بإعزاز أهله، أو بيانا وظهورا في أقطار الأرض ﴿وَيُكَفِّرْ

стр. 4625

عَنْكُمْ﴾؛ أي: يمح (١) عنكم ﴿سَيِّئاتِكُمْ﴾؛ أي: الصغائر منها ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾؛ أي: يستر لكم الكبائر منها ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ أي: ذو المن والعطاء الجسيم على عباده بالمغفرة والجنة، أو المعنى: ﴿يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾؛ أي: يسترها في الدنيا ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾؛ أي: يزلها في الآخرة، وفي «الصاوي»: قوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ عطف مرادف على ما قبله، انتهى وفي «البحر»: وإنما تغاير الظرفان لئلا يلزم التكرار ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ لأنه هو الذي يفعل ذلك بكم، فله الفضل العظيم عليكم، وعلى غيركم من خلقه، ومن كان كذلك فإنه إذا وعد بشيء وفى به، قيل: إنه يتفضل على الطائعين بقبول الطاعات، ويتفضل على العاصين بغفران السيئات، وقيل: معناه إن بيده الفضل العظيم، فلا يطلب من عند غيره. وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ إيماء (٢) وتنبيه إلى أنّ ما وعد به المتقين من المثوبة فضل منه وإحسان، تفضل به علينا بدون واسطة، وبدون التماس عوض. الإعراب ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥)﴾. ﴿يا أَيُّهَا﴾ يا حرف نداء ﴿أي﴾ منادى نكرة مقصودة ﴿ها﴾ حرف تنبيه زائد تعويضا عما فات ﴿أي﴾ من الإضافة، وجملة النداء مستأنفة ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الرفع صفة لـ ﴿أي﴾، ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، إِذا ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿لَقِيتُمُ الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول

стр. 4626

﴿زَحْفًا﴾ حال من المفعول به وهو الذين فهو مصدر مؤول بمشتق تقديره: حال كونهم زاحفين، ﴿فَلا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إِذا﴾، وجوبا لكون الجواب جملة طلبية ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ﴾ فعل وفاعل ومفعولان مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة جواب إذ لا محل لها من الإعراب، وجملة إذا جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ﴾. ﴿وَمَنْ﴾ الواو: استئنافية ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما ﴿يُوَلِّهِمْ﴾ فعل ومفعول أول مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل الشرط لها، وفاعله ضمير يعود على من ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿يوم﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿يُوَلِّهِمْ﴾ ﴿يوم﴾ مضاف ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل الجر، مضاف إليه، مبني بسكون مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين ﴿دُبُرَهُ﴾ مفعول ثان، ومضاف إليه، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء ﴿مُتَحَرِّفًا﴾ إما منصوب على الاستثناء من ضمير المؤمنين؛ أي: ومن يولهم إلا رجلا منهم ﴿مُتَحَرِّفًا﴾ أو متحيزا أو حال من فاعل ﴿يُوَلِّهِمْ﴾ ﴿لِقِتالٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُتَحَرِّفًا﴾ واللام فيه للتعليل ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا﴾ معطوف عليه ﴿إِلى فِئَةٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُتَحَيِّزًا﴾. ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. ﴿فَقَدْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبا لكون الجواب مقرونا بـ ﴿قد﴾، ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿باءَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة استئنافا بيانيا، لا محل لها من الإعراب، ﴿بِغَضَبٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿باءَ﴾ أو حال من فاعله، والباء فيه للملابسة؛ أي ملتبسا ومصحوبا بغضب ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلقان بـ ﴿باءَ﴾، ﴿وَمَأْواهُ﴾ مبتدأ، ومضاف إليه، ﴿جَهَنَّمُ﴾ خبره، ولم ينون للعلمية، والتأنيث المعنوي، والجملة الاسمية في محل الجزم معطوفة على جملة ﴿باءَ﴾ على

стр. 4627

كونها جوابا لـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية ﴿وَبِئْسَ﴾ الواو: استئنافية ﴿بِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ فعل وفاعل، وهو من أفعال الذم، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: هي، وهو مبتدأ، خبره جملة ﴿بِئْسَ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾. ﴿فَلَمْ﴾ ﴿الفاء﴾ (١) فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره، إن افتخرتم بقتلهم، وأردتم بيان حقيقة الأمر فيهم، فأقول لكم: أنتم لم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم، لأنه هو الذي أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء لكم النصر والظفر، وقوى قلوبكم، وأذهب عنها الفزع والجزع كما ذكره الزمخشري ﴿لم تقتلوهم﴾ جازم وفعل وفاعل ومفعول والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿وَلكِنَّ﴾ الواو: عاطفة ﴿لكِنَّ﴾ حرف نصب واستدراك، ﴿اللَّهَ﴾ اسمها ﴿قَتَلَهُمْ﴾ فعل ومفعول وفاعله، ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿لكِنَّ﴾ وجملة ﴿لكِنَّ﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لم تقتلوهم﴾ على كونها مقولا لجواب إذا المقدرة، ﴿وَما﴾ الواو: عاطفة ما نافية ﴿رَمَيْتَ﴾ فعل، وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾، وصح العطف عليها؛ لأن (٢) المضارع المنفي بـ ﴿لم﴾ في قوة الماضي المنفي بما، فإنك إذا قلت: لم يقم كان معناه، ما قام ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، في محل النصب على الظرفية ﴿رَمَيْتَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿رَمَيْتَ﴾؛ أي: وما رميت الرعب والهزيمة في قلوبهم، وقت رميك إياهم بالحصى ﴿وَلكِنَّ﴾ الواو: عاطفة ﴿لكِنَّ﴾ حرف استدراك ونصب ﴿اللَّهَ﴾ اسمها ﴿رَمى﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الرفع خبر ﴿لكِنَّ﴾، وجملة ﴿لكِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿وَما

стр. 4628

رَمَيْتَ﴾. ﴿وَلِيُبْلِيَ﴾ الواو: عاطفة ﴿لِيُبْلِيَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل ﴿يبلي﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مفعول أول، ﴿مِنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿يبلى﴾ ﴿بَلاءً﴾ مفعول ثان ﴿حَسَنًا﴾ صفة له. قال الزمخشري؛ أي: وليعطي المؤمنين من عنده عطاء جميلا، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: ولإبلائه المؤمنين منه بلاء حسنا، الجار والمجرور معطوف على علة محذوفة تقديره، ولكن الله رمى، وفعل بالكفار ما فعل لمحق الكافرين، ولإبلائه المؤمنين منه بلاء حسنا، كما أشرنا إليه في مبحث التفسير. ﴿إِنَّ﴾ حرف مشبه بالفعل ﴿اللَّهَ﴾ اسمها منصوب ﴿سَمِيعٌ﴾ خبرها مرفوع ﴿وعَلِيمٌ﴾ خبر ثان مرفوع. ﴿ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨)﴾. ﴿ذلِكُمْ﴾ مبتدأ وخبره محذوف جوازا تقديره ذلكم الإبلاء، والقتل والرمي حق، والجملة مستأنفة، ﴿وَأَنَّ﴾ الواو: عاطفة ﴿أَنَّ﴾ حرف نصب ومصدر ﴿اللَّهَ﴾ اسمها ﴿مُوهِنُ﴾ خبرها ﴿كَيْدِ﴾ بالجر مضاف إليه، وبالنصب مفعول مُوهِنُ. ﴿الْكافِرِينَ﴾ مضاف إليه وجملة أن في تأويل مصدر مرفوع على كونه مبتدأ خبره محذوف تقديره: وتوهين الله كيد الكافرين، حق، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿ذلِكُمْ﴾، ويجوز أن تكون جملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم المحذوف تقديره: واعلموا توهين الله كيد الكافرين. ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾. ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ جازم وفعل وفاعل ﴿فَقَدْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب إن الشرطية، وجوبا لكون الجواب مقرونا بـ ﴿قد﴾ ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها جوابا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ جازم وفعل وفاعل ﴿فَهُوَ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجوبا لكون الجواب جملة اسمية ﴿هو خير﴾ مبتدأ وخبر ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، والجملة الاسمية في محل

стр. 4629

الجزم جواب إن الشرطية، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إِنْ﴾ الأولى ﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ جازم وفعل وفاعل ﴿نَعُدْ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ إِنْ على كونه جوابا لها، وفاعله ضمير يعود على الله، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إِنْ﴾ الأولى، ﴿وَلَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لَنْ﴾ حرف نصب ﴿تُغْنِيَ﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿لَنْ﴾ ﴿عَنْكُمْ﴾ متعلق به ﴿فِئَتُكُمْ﴾ فاعل، ومضاف إليه ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به، والجملة في محل الجزم معطوفة على جملة ﴿نَعُدْ﴾ ﴿وَلَوْ﴾ الواو: عاطفة ﴿لَوْ﴾ حرف شرط ﴿كَثُرَتْ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الفئة، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ وجوابها محذوف تقديره: فلن تغنى عنكم، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة محذوفة تقديره، ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا إن وجدت ولو كثرت ﴿وَإِنْ﴾ الواو: استئنافية ﴿إِنْ﴾ حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾ اسمها ﴿مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبرها، وجملة ﴿إِنْ﴾ في تأويل مصدر ساد من مفعولي علم المحذوف تقديره: واعلموا كون الله مع المؤمنين بالنصر والإمداد، والجملة مستأنفة. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾. ﴿يا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء ﴿أي﴾ منادي نكرة مقصودة ﴿ها﴾ حرف تنبيه ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لـ ﴿أي﴾ وجملة النداء مستأنفة ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل، ومفعول ﴿وَرَسُولَهُ﴾ معطوف على الجلالة والجملة جواب النداء ﴿وَلا تَوَلَّوْا﴾ جازم وفعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَطِيعُوا﴾ ﴿عَنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿تَوَلَّوْا﴾ ﴿وَأَنْتُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿تَسْمَعُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿تَوَلَّوْا﴾. ﴿وَلا تَكُونُوا﴾ جازم وفعل ناقص واسمه ﴿كَالَّذِينَ﴾ خبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَلا تَوَلَّوْا﴾ ﴿قالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿سَمِعْنا﴾ مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾ وان شئت قلت: ﴿سَمِعْنا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾ ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ وجملة ﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل

стр. 4630

النصب حال من واو: ﴿قالُوا﴾. ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿شَرَّ الدَّوَابِّ﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ ومضاف إليه، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿شَرَّ﴾، ﴿الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ﴾ كل من الثلاثة خبر المبتدأ كقولهم: الرمان حلو حامض، وجملة ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ صلة الموصول، وجملة ﴿إِنَّ﴾ من اسمها وخبرها مستأنفة. ﴿وَلَوْ﴾ الواو: استئنافية ﴿لَوْ﴾ حرف شرط ﴿عَلِمَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿فِيهِمْ﴾ متعلق بـ عَلِمَ ﴿خَيْرًا﴾ مفعول به ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ ﴿اللام﴾ رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية ﴿أسمعهم﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ حرف شرط وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ ﴿اللام﴾ رابطة لجواب لو الشرطية ﴿تولوا﴾ فعل وفاعل والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿لَوْ﴾ الأولى ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تولوا﴾. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾. ﴿يا أَيُّهَا﴾ منادى نكرة مقصودة ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لـ ﴿أي﴾ وجملة النداء مستأنفة ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب، ﴿لِلَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾ معطوف على الجار، والمجرور قبله ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿دَعاكُمْ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الرسول﴾ وجملة ﴿دعا﴾ في محل الخفض بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها والظرف متعلق بالجواب المحذوف، تقديره: إذا دعاكم لما يحييكم .. استجيبوا لله وللرسول ﴿لِما﴾ جار

стр. 4631

ومجرور متعلق بـ ﴿دعا﴾ ﴿يُحْيِيكُمْ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿لِما﴾ أو صفة لها ﴿وَاعْلَمُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿يَحُولُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ﴾ ظرف ومضاف إليه، ﴿وَقَلْبِهِ﴾ معطوف على ﴿الْمَرْءِ﴾ والظرف متعلق بـ ﴿يَحُولُ﴾، وجملة ﴿يَحُولُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾ وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم تقديره: واعلموا حيلولة الله بين المرء وقلبه، ﴿وَأَنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿تُحْشَرُونَ﴾ وجملة ﴿تُحْشَرُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ وجملة ﴿أن﴾ معطوفة على جملة ﴿أَنَّ﴾ الأولى على كونها في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم تقديره: وحشركم إليه تعالى. ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾. ﴿وَاتَّقُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ على كونها جواب النداء ﴿فِتْنَةً﴾ مفعول به ﴿لا﴾ نافية ﴿تُصِيبَنَّ﴾ فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على فتنة ﴿الَّذِينَ﴾ مفعوله، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿فِتْنَةً﴾ ﴿ظَلَمُوا﴾ فعل وفاعل والجملة صلة الموصول ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور حال من واو ﴿ظَلَمُوا﴾ ﴿خَاصَّةً﴾ منصوب على الحال من الفاعل المستتر في قوله ﴿لا تُصِيبَنَّ﴾ وأصلها أن تكون صفة لمصدر محذوف تقديره إصابة خاصة كما في «السمين» ﴿وَاعْلَمُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ خبر ﴿أَنَّ﴾ ومضاف إليه، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم تقديره، واعلموا شدّة عذاب الله تعالى. ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾.

стр. 4632

﴿وَاذْكُرُوا﴾ فعل وفاعل والجملة معطوفة على جملة ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بـ ﴿اذْكُرُوا﴾ ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ ﴿قَلِيلٌ﴾ خبر والجملة الاسمية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ صفة أولى لـ ﴿قَلِيلٌ﴾ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق به، ﴿تَخافُونَ﴾ فعل وفاعل، والجلمة في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿قَلِيلٌ﴾، ﴿أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ ناصب وفعل ومفعول، وفاعل، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿تَخافُونَ﴾ تقديره: تخافون تخطف الناس إياكم، ﴿فَآواكُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ حرف عطف وتفريع ﴿أواكم﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة مفرعة على الجملة الاسمية، في قوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ على كونها مضافا إليه لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿وَأَيَّدَكُمْ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿أواكم﴾ ﴿بِنَصْرِهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أَيَّدَكُمْ﴾ ﴿وَرَزَقَكُمْ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿أواكم﴾ ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿رزق﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾. ﴿يا أَيُّهَا﴾ منادى نكرة مقصودة، وجملة النداء مستأنفة ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لـ ﴿أي﴾ ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ جازم وفعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب النداء، ﴿وَالرَّسُولَ﴾ معطوف على الجلالة ﴿وَتَخُونُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على تخونوا الأول ﴿أَماناتِكُمْ﴾ مفعول به، ومضاف إليه، ﴿وَأَنْتُمْ﴾ مبتدأ وجملة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من واو ﴿تَخُونُوا﴾ ومفعول ﴿تَعْلَمُونَ﴾ محذوف تقديره: وأنتم تعلمون أن ما وقع منكم خيانة. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿وَاعْلَمُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿تَخُونُوا﴾ على كونه جواب النداء، ﴿أَنَّما﴾ ﴿أن﴾ حرف نصب و ﴿ما﴾ كافة لكفها ما قبلها عن العمل، فيما بعدها

стр. 4633

﴿أَمْوالُكُمْ﴾ مبتدأ ﴿وَأَوْلادُكُمْ﴾ معطوف عليه ﴿فِتْنَةٌ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم تقديره: واعلموا كون أموالكم وأولادكم فتنة ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿عِنْدَهُ﴾ ظرف ومضاف إليه خبر مقدم ﴿أَجْرٌ﴾ مبتدأ مؤخر ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة لأجر، وجملة المبتدأ والخبر، في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿أَنَّما﴾ على كونها في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿علم﴾ تقديره وكون أجر عظيم عند الله تعالى. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾. ﴿يا أَيُّهَا﴾ منادى نكرة مقصودة، والجملة مستأنفة ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لـ ﴿أي﴾ ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ جازم وفعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿يَجْعَلْ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه جواب الشرط لها، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق به ﴿فُرْقانًا﴾ مفعول به، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية من فعل شرطها وجوابها جواب النداء لا محل لها من الإعراب، ﴿وَيُكَفِّرْ﴾ معطوف على ﴿يَجْعَلْ﴾ وفاعله ضمير يعود على الله ﴿عَنْكُمْ﴾ متعلق به ﴿سَيِّئاتِكُمْ﴾ مفعول به، ومضاف إليه، ﴿وَيَغْفِرْ﴾ معطوف على يجعل وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿ذُو الْفَضْلِ﴾ خبر ومضاف إليه، ﴿الْعَظِيمِ﴾ صفة لـ ﴿الْفَضْلِ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿زَحْفًا﴾ من زحف (١) إذا مشى على بطنه كالحية، أو دبّ على مقعده، كالصبي، أو على ركبتيه، أو مشى بثقل في الحركة واتصال وتقارب في الخطو كزحف صغار الجراد، والعسكر المتوجه إلى العدوّ لأنه لكثرته وتكاثفه يرى كأنه

стр. 4634

يزحف، إذ الكل يرى كجسم واحد متصل، فتحس حركته بطيئة، وإن كانت في الواقع سريعة، وفي «المصباح» زحف القوم زحفا من باب نفع وزحوفا، ويطلق على الجيش الكثير، زحف تسمية بالمصدر، والجمع زحوف مثل فلس وفلوس، والصبي يزحف على الأرض قبل أن يمشي، وزحف البعير إذا أعيا فجر فرسنه، وأزحف بالألف، ومنه قيل: زحف الماشي، وأزحف أيضا إذا أعيا. انتهى. ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ﴾ ﴿الْأَدْبارَ﴾: جمع دبر، وهو الخلف، ومقابله القبل، ومن ثم يكنى بهما عن السؤتين، وتولية الدبر والأدبار، يراد بهما الهزيمة، لأن المنهزم يجعل خصمه متوجها إلى دبره ومؤخره، وفي «الجمل» (١): يطلق الدبر على مقابل القبل، ويطلق على الظهر، وهو المراد هنا، والمقصود ملزوم تولية الظهر، وهو الانهزام، فهذا اللفظ استعمل في ملزوم معناه. انتهى. ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾؛ أي: لأجل التمكن من القتال، والمتحرف للقتال أو غيره: هو المنحرف عن جانب إلى آخر من الحرف، وهو الطرف ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا﴾ والمتحيز (٢) المنضم إلى جانب، وقال أبو عبيدة: التحيز، والتحوز، التنحي والتحوز الانضمام، وقال الليث: ما لك متحوزا إذا لم تستقر على الأرض، وأصله: من الحوز وهو الجمع، يقال: حزته في الطرس، فانحاز، وتحيز انضم، واجتمع، وتحوزت الحية انطوت واجتمعت، وسمي التنحي تحيزا؛ لأنّ المتنحي عن جانب ينضم عنه، ويجتمع إلى غيره، وتحيز تفيعل أصله تحيوز اجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء، وتحوز تفعل ضعفت عينه، ووزن (٣) متحيز متفيعل، والأصل: متحيوز فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء ﴿إِلى فِئَةٍ﴾ والفئة: الطائفة من الناس ﴿وَمَأْواهُ﴾ والمأوى: الملجأ الذي يأوي إليه الإنسان، ﴿وَما رَمَيْتَ﴾ والرمي معروف، ويكون بالسهم، والحجر والتراب ﴿بَلاءً﴾ هو اسم مصدر لأبلى يبلي إبلاء وبلاء، والمراد به هنا: المبلو به، أي:

стр. 4635

المعطى ﴿مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ﴾ والموهن: المضعف من أوهنه إذا أضعفه، والكيد: التدبير الذي يقصد به غير ظاهره، فتسوء عاقبة من يقصد به ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ والاستفتاح: طلب الفتح، والفصل في الأمر كالنصر في الحرب. ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ الخيانة (١): لغة تدل على الإخلاف والخيبة بنقص ما كان يرجى ويؤمل من الخائن، فقالوا: خانه سيفه إذا نبا عن الضربة، وخانته رجلاه إذا لم يقدر على المشي، ومنه قوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: تنقصونها بعص ما أحل لها من اللذات، ثمّ استعمل في ضد الأمانة والوفاء؛ لأن الرجل إذا خان الرجل فقد أدخل عليه النقصان، ﴿أَمِنْتُكُمْ﴾ جمع أمانة، والأمانة كل حقّ مادي أو معنوي يجب عليك أداؤه إلى أهله، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾. ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ والفتنة: الاختبار والامتحان بما يشق على النفس فعله أو تركه، أو قبوله أو إنكاره، فهي تكون في الاعتقاد والأقوال والأفعال، والأشياء، فيمتحن الله المؤمنين والكافرين، والصادقين والمنافقين، ويجازيهم بما يترتب على فتنتهم من اتباع الحق، أو الباطل، وعمل الخير أو الشر ﴿أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ وفي «المصباح» خطفه يخطفه من باب تعب استلبه بسرعة وخطفه خطفا من باب ضرب لغة، واختطف وتخطف مثله، والخطفة مثل تمرة المرّة يقال لما اختطفه الذئب ونحوه من حيوان، هي خطفة تسمية بذلك اه. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ التقوى: ترك الذنوب، والآثام، وفعل ما يستطاع من الطاعات، والواجبات الدينية، وبعبارة أخرى: هي اتقاء ما يضر الإنسان في نفسه، وفي جنسه، وما يحول بينه وبين المقاصد الشريفة، والغايات الحسنة. ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا﴾ والفرقان أصله الفرق، والفصل بين الشيئين أو الأشياء، ويراد به هنا نور البصيرة الذي به يفرق بين الحق والباطل والضار والنافع،

стр. 4636

وبعبارة ثانية: هو العلم الصحيح والحكم الرجيح، وقد أطلق هذا اللفظ على التوراة والإنجيل، والقرآن، وغلب على الأخير قال تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ من قبل أن كلامه تعالى يفرق في العلم والاعتقاد بين الإيمان والكفر، والحق والباطل، والعدل والجور، والخير والشر، والفرقان (١) في الأصل: مصدر فرق بين الشيئين؛ أي: حال بينهما. وقال ابن عباس وجماعة: ﴿فُرْقانًا﴾؛ أي: مخرجا في الدين من الضلال، وقال مزرد بن ضرار: بادر الأفق أن يغيب فلمّا ... أظلم اللّيل لم يجد فرقانا وقال الآخر: ما لك من طول الأسى فرقان ... بعد قطين رحلوا وبانوا وقال الآخر: وكيف أرجو الخلد والموت طالبي ... وما لي من كأس المنيّة فرقان أو مخرجا من الشبهات، وتوفيقا وشرحا للصدور؛ أو تفرقة بينكم وبين غيركم من أهل الأديان وفضلا ومزية في الدنيا والآخرة، ولفظ ﴿فُرْقانًا﴾ مطلق، فيصلح لما يقع به فرق بين المؤمنين والكافرين في أمور الدنيا والآخرة. والتقوى هنا: إن كانت من اتقاء الكبائر، كانت السيئات الصغائر، ليتغاير الشرط والجزاء، وتكفيرها في الدنيا ومغفرتها إزالتها في القيامة، وتغاير الظرفان لئلا يلزم التكرار كما مرّ في بحث التفسير. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا وضروبا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التشبيه البليغ في قوله ﴿زَحْفًا﴾ لأن المعنى (٢) على التشبيه بالزاحفين

стр. 4637

على أدبارهم في بطء السير، وذلك لأنّ الجيش إذا كثر والتحم بعضه ببعض يتراءى أن سيره بطيء، وإن كان في نفسه سريعا، فالمراد من هذه الحال بعد كون المراد التشبيه ما يلزم هذه المشابهة، وهو: الكثرة. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ﴾ لما فيه من إطلاق اللازم، وهو تولية الظهر، وإرادة الملزوم، وهو الانهزام، فكأنه قال: فلا تنهزموا. ومنها: التعريض في قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ حيث عدل عن ذكر الظهر إلى الدبر تعريضا (١) بسوء حالهم، وقبح فعالهم، وخساسة منزلتهم، بذكر ما يستهجن ذكره، وهو الدبر، وبعض البيانيين يسمي هذا بالإيماء، وبعضهم بالكناية، وهذا ليس بشيء فإن الكناية أن تصرّح باللفظ الجميل على المعنى القبيح. ذكره في التحرير. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ﴾ وفي قوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ وفي قوله: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ وفي قوله: ﴿سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ والجناس المغاير في قوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ وفي قوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾. ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ وفي وقوله: ﴿لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾. ومنها: التهكم في قوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ لأن الأصح أن يكون الخطاب للمشركين على سبيل التهكم، كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ لأنهم هم الذين وقع بهم الهلاك، والفتح وقع لغيرهم. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ لأنه كناية (٢) عن كونه أقرب للشخص من قلبه لذاته، بل هو تعالى

стр. 4638

أقرب من السمع للأذن، ومن البصر للعين، ومن اللمس للجسد، ومن الشم للأنف، ومن الذوق للسان، فشبه القرب بالحيلولة، واستعير اسم المشبه به، وهو الحيلولة للمشبه وهو القرب، واشتق من الحيلولة ﴿يَحُولُ﴾ بمعنى يقرب على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ لما فيه من إطلاق المسبب الذي هو المصائب والفتن، وإرادة السبب الذي هو الذنوب والمعاصي. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 4639

قال الله سبحانه جلّ وعلا: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ الآية، مناسبة (١) هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر المؤمنين عامة بنعمه عليهم بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ .. ذكر هنا نعمه على رسوله خاصة، بدفع كيد المشركين، ومكر الماكرين بنصره عليهم، وخيبة مسعاهم في إيقاع الأذى به بعد أن تآمروا عليه، وقطعوا برأي معين فيه. قوله تعالى: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً ...﴾

стр. 4640

مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله (١) لما نفى عنهم أن يكونوا ولاة البيت .. ذكر من فعلهم القبيح، ما يؤكد ذلك، وأن من كانت صلاته ما ذكر لا يستأهل أن يكونوا أوياءه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أن الله لما بيّن أحوال هؤلاء المشركين في الطاعات البدنية بقوله: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً﴾ .. أردف ذلك بذكر أحوالهم في الطاعات المالية. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما ذكر (٣) الله ما يحل بهم من حشرهم إلى النار، وجعلهم فيها وخسرهم .. تلطف بهم، وأنهم إذا انتهوا عن الكفر، وآمنوا غفرت لهم ذنوبهم السالفة، وليس ثم ما يترتب على الانتهاء عنه غفران الذنوب سوى الكفر، فلذلك كان المعنى أن ينتهوا عن الكفر. وعبارة «المراغي» هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله ، لما بين حال من يصرّ على الكفر، والصد عن سبيل الله، وقتال رسوله والمؤمنين، وعاقبة أعمالهم في الدنيا والآخرة .. أردف ذلك ببيان من يرجعون عنه، ويدخلون في الإسلام، لأن الأنفس في حاجة إلى هذا البيان. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ الآية، أجمع المفسرون على أن سبب نزول هذه الآية: ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه لما بويع (٤) رسول الله ﷺ ليلة العقبة، وأمر أصحابه أن يلحقوا بالمدينة، أشفقت قريش أن يعلو أمره، وقالوا: والله لكأنكم به قد كر عليكم بالرجال، فاجتمع جماعة من

стр. 4641

أشرافهم ليدخلوا دار الندوة فيتشاوروا في أمره، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ كبير، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا شيخ من أهل نجد، سمعت ما اجتمعم له، فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا من رأيي نصحا، فقالوا: ادخل، فدخل معهم، فقالوا: انظروا في أمر هذا الرجل، فقال بعضهم: احبسوه في وثاق، وتربصوا به ريب المنون، فقال إبليس: ما هذا برأي يوشك أن يغضب له قومه، فيأخذوه من أيديكم، فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم، فتستريحوا من إيذائه لكم، فقال إبليس لا مصلحة لكم فيه، لأنه قد يجمع طائفة على نفسه، ويقاتلكم بهم، فقال أبو جهل: الرأي أن نجمع من كل قبيلة غلاما، ثم نعطي كل غلام سيفا فيضربوه به ضربة رجل واحد، فيفرق دمه في القبائل، فلا تقدر بنو هاشم على محاربة قريش كلها، فيرضون بأخذ الدية، فقال إبليس: هذا هو الرأي الصواب، فتفرقوا عن ذلك، وأتى جبريل رسول الله ﷺ ، فأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأخبره بمكر القوم، فلم يبت في مضجعه تلك الليلة، وأمر عليا فبات في مكانه، وبات المشركون يحرسونه، فلما أصبح رسول الله ﷺ أذن الله له في الخروج إلى المدينة، وجاء المشركون لما أصبحوا، فرأوا عليّا فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره حتى بلغوا الجبل، فمروا بالغار، فرأوا نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخله لم يكن عليه نسج العنكبوت، فأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة، يذكره نعمته عليه ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ الآية. ذكره ابن هشام في «سيرته» (١/ ٤٨٠ - ٤٨٣) قال فيه، قال ابن إسحاق: حدثني به من لا أتهم من أصحابنا، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، وغيره ممن لا أتهم عن عبد الله بن عباس، ورواه أحمد في «مسنده» رقم (٣٢٥١) مختصرا. قوله تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (١) ابن جرير عن سعيد بن جبير، قال: قتل النبي ﷺ يوم بدر صبرا عقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وكان المقداد

стр. 4642

أسر النضر، فلما أمر بقتله، قال المقداد: يا رسول الله: أسيري، فقال رسول الله ﷺ : «إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول، قال: وفيه أنزلت هذه الآية ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا ...﴾» الآية. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير، قال: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث. وروى البخاري عن أنس قال: قال أبو جهل بن هشام: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فنزلت: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ...﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان المشركون يطوفون بالبيت، ويقولون: غفرانك، غفرانك، فأنزل الله ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ ...﴾ الآية. ولا مانع من أن الآية نزلت في هذا وهذا، وأنهما معا كانا سببا لنزول الآية. والله أعلم. وأخرج (١) ابن جرير عن ابن أبزى، قال: كان رسول الله ﷺ بمكة فأنزل الله: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ فخرج إلى المدينة، فأنزل الله ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وكان أولئك البقية من المسلمين، الذين بقوا فيها يستغفرون، فلما خرجوا أنزل الله: ﴿وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ ...﴾ الآية، فأذن في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم. قوله تعالى: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ ...﴾ الآية (٢)، سبب نزولها: أن قريشا كانوا يطوفون بالبيت، ويصفقون، ويصفرون، ويضعون خدودهم بالأرض، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عمر. وأخرج ابن جرير عن سعيد، قال: كانت قريش يعارضون النبي ﷺ في

стр. 4643

الطواف يستهزؤون به، ويصفرون، ويصفقون، فنزلت: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ الآية، قال (١) ابن إسحاق: حدثني الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمير بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن، قالوا: لما أصيب قريش يوم بدر، ورجعوا إلى مكة، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وآبناؤهم فكلموا أبا سفيان ومن كان له من قريش في ذلك العير تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، فلعلنا أن ندرك منه ثأرا، ففعلوا، ففيهم كما ذكر عن ابن عباس أنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿يُحْشَرُونَ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحكم بن عتيبة، قال: نزلت في أبي سفيان أنفق على المشركين أربعين أوقية من ذهب. الأوقية اثنان وأربعون مثقالا. وأخرج (٢) ابن جرير عن ابن أبزى، وسعيد بن جبير، قالا: نزلت في أبي سفيان، استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش - أي من أخلاط القبائل - ليقاتل بهم رسول الله ﷺ . التفسير وأوجه القراءة ٣٠ - أي: ﴿وَ﴾ اذكر يا محمد لأمتك قصة ﴿إِذْ يَمْكُرُ﴾ ويحتال في إيقاع الضرر والهلاك ﴿بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قومك، وهذا تذكار لما مكرت قريش به حين كان بمكة ليشكر نعمة الله تعالى في خلاصه من مكرهم، واستيلائه عليهم؛ أي: واذكر نعمته تعالى عليك في ذلك الزمن القريب، الذي يمكر بك فيه قومك الذين كفروا بما يدبرون في السر من وسائل إيقاع الهلاك بك، فإن في ذلك القصص على

стр. 4644

المؤمنين والكافرين في عهدك، ومن بعدك، لأكبر الحجج على صدق دعوتك، ووعد ربك بنصرتك؛ أي: واذكر لهم قصة إذ يمكرون بك، ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ في مكان، ويمنعوك من الحركة بالوثاق (١)، أو الحبس أو الإثخان بالجرح من قولهم: ضربه حتى أثبته لا حراك به، ولا براح، وقال ابن عباس ومجاهد: ليقيدوك وقيل: المعنى ليحبسوك، وقرأ النخعي ليبيتوك من البيات، وقرىء ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ بالتشديد أَوْ لـ ﴿يَقْتُلُوكَ﴾ بسيوفهم ﴿أَوْ﴾ لـ ﴿يُخْرِجُوكَ﴾ من وطنك مكة، وذلك أنهم لما سمعوا بإسلام الأنصار ومبايعتهم، فزعوا، فاجتمعوا في دار الندوة، متشاورين في أمره كما سبق في أسباب النزول. وحديث ذلك المكر الذي ترتبت عليه الهجرة إلى المدينة، وبها ظهر الإسلام، وخذل الشرك، روي من طرق عدة أقربها رواية ابن إسحاق وابن هشام في سيرتهما كما ذكرناها سابقا، وهذه الآية مدنية كسائر السورة، وهو الصواب. والخلاصة: أن كلمتهم قد اتفقت على إيقاع الأذى بك بإحدى ثلاث خصال: إما بالحبس الذي يمنعك من لقاء الناس، ودعوتهم إلى الإسلام، وإما بالقتل، بطريق لا يكون ضررها عظيما عليهم، كما مر، وإما بالإخراج والنفي من الوطن ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ بك، وبمن معك من المؤمنين؛ أي: يريدون إهلاككم من حيث لا تحتسبون؛ أي: إن دأبهم معك، ومع من اتبعك من المؤمنين، تدبير الأذى لكم دائما، والله محيط بما دبروا لكم، فقد أخرجك من بينهم إلى دار الهجرة، ووطن السلطان، والقوة وكرر (٢) قوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ إخبارا باستمرار مكرهم، وكثرته ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ بهم؛ أي: ويرد الله عليهم مكرهم في نحورهم، وذلك بأن أخرجهم إلى بدر، وقلل المسلمين حتى حملوا عليهم، فلقوا ما لقوا، والمكر (٣) هو التدبير، وهو من الله تعالى التدبير بالحق، والمعنى:

стр. 4645

إنهم احتالوا في إبطال أمر محمد ﷺ والله أظهره وقواه ونصره، فضاع فعلهم وتدبيرهم، وظهر فعل الله وتدبيره، وسمي (١) ما وقع منه تعالى من التدبير مكرا مشاكلة بما وقع منهم من المكر ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾؛ أي: أفضل المجازين لمكر الماكرين بمثل فعلهم، فهو تعالى يعذبهم على مكرهم من حيث لا يشعرون، فيكون ذلك أشد ضررا عليهم، وأعظم بلاء من مكرهم، لأن مكره تعالى نصر للحق، وإعزاز لأهله، وخذلان للباطل وحزبه، وفي الآية: إيماء إلى أن هذه حالهم الدائمة في معاملته ﷺ ومن تبعه من المؤمنين. ٣١ - ولما قص الله مكرهم في ذات محمد ﷺ .. قص علينا مكرهم في دين محمد ﷺ فقال: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: وإذا قرأت على هؤلاء الذين كفروا ﴿آياتُنا﴾ القرآنية الواضحة، لمن شرح الله صدره لفهمها ﴿قالُوا﴾ جهلا منهم، وعنادا للحق، وهم يعلمون أنهم كاذبون ﴿قَدْ سَمِعْنا﴾ ما قال محمد ﷺ من الآيات، أو قد سمعنا مثل ما قال محمد من التوراة والإنجيل، وقد تنازع هذا العامل مع قوله: ﴿لَقُلْنا﴾ في قوله: مثل هذا ﴿لَوْ نَشاءُ﴾ القول ﴿لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ الذي تلي علينا محمد ﷺ ﴿إِنْ هذا﴾؛ أي: ما هذا القرآن الذي تلاه محمد ﷺ علينا ﴿إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: إلا أكاذيب الأولين، وأخبار الماضين، من القرون الخالية أي ما سطروه وكتبوه من القصص والأخبار. والمعنى: ما هذا القرآن إلا ما كتب الأولون من القصص؛ أي: إنّ أخبار القرآن عن الرسل، وأقوامهم تشبه قصص أولئك الأمم، فهم يستطيعون أن يأتوا بمثلها، فما هي من خبر الغيب الدال على أنه وحي من الله، وقد كان النضر بن الحارث أول من قال هذه الكلمة، فقلده فيها غيره، لأنه كان يأتي الحيرة - بكسر الحاء بلدة بقرب الكوفة - يتجر، فيشتري كتب أخبار الأعاجم، ويحدث بها أهل مكة، ولكنهم لم يكونوا يعتقدون أنها أساطير مختلقة، وأن محمدا هو الذي

стр. 4646

افتراها، إذ لم يكونوا يتهمونه بالكذب، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ لأنهم يعلمون أنه أمي لم يتعلم شيئا، بل قالوا ذلك ليصدوا العرب عن القرآن، وقد كان زعماء قريش كالنضر بن الحارث، وأبي جهل، والوليد بن المغيرة، يتواصون بالإعراض عن سماع القرآن، ويمنعون الناس عنه خوفا من استمالة الناس إليه، لما رأوا من شدة تأثيره وسلطانه على القلوب، حتى قال الوليد بن المغيرة: كلمته المشهورة: إنه يعلو ولا يعلى عليه، وإنه يحطم ما تحته. ٣٢ - ﴿وَ﴾ اذكر يا محمد قصة ﴿إِذْ قالُوا﴾؛ أي: قصة إذ قال هؤلاء الذين كفروا من قومك دعاء على أنفسهم ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كانَ﴾ هذا القرآن وما يدعو إليه محمد ﷺ من التوحيد ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ والصدق حالة كونه منزلا ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾ ليدين به عبادك كما يدعي محمد ﷺ ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنا﴾؛ أي: فأنزل علينا ﴿حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ عقوبة على إنكارنا، قالوا هذه المقالة مبالغة في الجحود والإنكار ﴿أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾؛ أي: وجيع غير الحجارة، قاله النضر بن الحارث استهزاء، وقد أسره المقداد يوم بدر، فقتله النبي ﷺ ، أو قاله أبو جهل وقد ذبحه ابن مسعود يوم بدر، وقرأ الجمهور: ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ بالنصب جعلوا ﴿هُوَ﴾ فصلا، وقرأ الأعمش، وزيد بن علي بالرفع، وهي جائزة في العربية، وفي هذا (١) إيماء إلى أنهم لا يتبعونه، وإن كان هو الحق المنزل من عند الله، بل يفضلون الهلاك بحجارة يرجمون بها من السماء، أو بعذاب أليم سوى ذلك كما أن فيه تهكما وإظهارا للحزم واليقين، بأنه ليس من عند الله، وحاشاه، ومنه يعلم أيضا أن دعاءهم كفر وعناد، لا لأن ما يدعوهم إليه قبيح وضار. روي أن معاوية قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! فقال: أجهل من قومي قومك حين قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ ولم يقولوا: فاهدنا له.

стр. 4647

٣٣ - ثم قال: : بيانا للموجب لإمهالهم، والتوقف في إجابة دعائهم ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾؛ أي: وما كان من سنة الله تعالى، ولا من مقتضى رحمته وحكمته أن يعذبهم وأنت الرسول موجود مقيم فيهم؛ لأنه إنما أرسلك رحمة ونعمة، لا عذابا ونقمة، فإنك ما دمت فيهم، فهم في مهملة من العذاب الذي هو الاستئصال مع أنه قد جرت سنته أيضا أن لا يعذب أمثالهم من مكذبي الرسل وهم بين أظهرهم، بل كان يخرج الرسل أولا، كما حدث لهود، وصالح، ولوط، وقرأ أبو السمال: ﴿وما كان ليعذبهم﴾ بفتح اللام، وهي لغة غير معروفة ولا مستعملة في القرآن. ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ هذا الاستئصال ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾؛ أي: وفيهم من يستغفر من المسلمين الذين بقوا فيهم بعد الهجرة؛ أي: وما كان الله ليعذبهم هذا العذاب الذي عذب بمثله الأمم قبلهم، فاستأصلهم وفيهم من يستغفر من المسلمين الذين بين أظهرهم ممن تخلف عن رسول الله ﷺ من المستضعفين، فلما خرجوا من بين أظهرهم عذبهم بيوم بدر وما بعده. روى ابن جرير قال: كان رسول الله ﷺ بمكة فأنزل الله ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ ثم خرج إلى المدينة فأنزل الله: ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وكان من بقي في مكة من المؤمنين يستغفرون فلما خرجوا أنزل الله ﴿وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ الآية، فأذن الله في فتح مكة فهو العذاب الذي وعدهم به، وقيل: المعنى وما كان الله معذبهم وفي أصلابهم من يستغفر الله تعالى، وقيل: المعنى وهم يستغفرون في الطواف بقولهم: غفرانك. قال أهل المعاني (١): دلت هذه الآية على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب. عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أنزل عليّ

стр. 4648

أمانين لأمتي، ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ ﴿وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة» أخرجه الترمذي. ٣٤ - ولما بين الله أن المانع من تعذيبهم، هو الأمران المتقدمان، وجود رسول الله ﷺ بين أظهرهم، ووقوع الاستغفار .. ذكر بعد ذلك أنّ هؤلاء الكفار، أعني كفار مكة، مستحقون لعذاب الله لما ارتكبوا من القبائح، فقال: ﴿وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: وأي شيء لهم يمنع من تعذيب الله إياهم ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾؛ أي: والحال أنهم يصدون النّاس ويمنعونهم عن الوصول إلى المسجد الحرام لزيارته، كما وقع منهم عام الحديبية من منع رسول الله ﷺ وأصحابه من البيت، وفي «السمين»: وما اسم استفهام إنكاري، مبتدأ و ﴿لَهُمْ﴾ خبره، وقوله: ﴿أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ على تقدير الجار المتعلق بما تعلق به الظرف الواقع خبرا، والمعنى: وأي شيء ثبت واستقر لهم في أن لا يعذبهم الله؛ أي: في عدم تعذيبه؛ أي: أي مانع منه؛ أي: لا مانع منه بعد زوال هذين المانعين، وهما كون النبي ﷺ فيهم، وكون الضعفاء يستغفرون، وهم مستضعفون فيما بينهم، فلما زال هذان المنعان وجب عليهم العذاب، ولم يبق له مانع ا. هـ؛ أي: وأي شيء يمنع تعذيبهم، بما دون عذاب الاستئصال، عند زوال المانع منه، وكيف لا يعذبون وهم يمنعون المسلمين من دخول المسجد الحرام ولو لأداء النسك، فما كان مسلم يقدر أن يدخل المسجد الحرام، فإن دخل مكة .. عذبوه، إذا لم يكن فيها من يجيره، والمراد بالعذاب هنا: عذاب بدر، إذ قتل صناديدهم ورؤساء الكفر، كأبي جهل، والنضر بن الحارث، وأسر سراتهم. وجملة قوله: ﴿وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ﴾ في محل نصب على أنها حال من فاعل ﴿يَصُدُّونَ﴾؛ أي: والحال أنهم ما كانوا أولياء المسجد الحرام، وما كانوا مستحقين للولاية عليه لشركهم وعمل المفاسد فيه، كطوافهم فيه عراة، رجالا ونساء، وهذا رد لقولهم نحن ولاة الحرم والبيت، فنصد من نشاء، وندخل من نشاء ﴿إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾؛ أي: ما يلي أمره إلا من كان برا تقيا، لا من كان كافرا عابدا للصنم؛ أي: ما أولياء المسجد إلا الذين يتحرزون عن

стр. 4649

المنكرات، كما كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء والتصدية، ومن كانت هذه حاله لا يكون وليا للمسجد الحرام، بل هم أهل لأن يقتلوا بالسيف، ويحاربوا ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنه لا ولاية لهم عليه؛ أي: لا يعلمون أنهم ليسوا أولياء الله، ولا أن أولياءه ليسوا إلا المتقين، فهم الآمنون من عذابه بمقتضى عدله في خلقه، والجديرون بولاية بيته. وقد نسب هذا الجهل إلى الأكثر، إذ كان فيهم من لا يجهل حالهم في جاهليتهم، وضلالهم في شركهم، وكون الله لا يرضى عنهم كما كان فيهم من يكتم إيمانه خوفا من الفتنة، ومنهم المستعدون له بسلامة الفطرة، وقد جرت سنة القرآن أن يدقق في الحكم، ولا يقول إلا الحق، ولا يقول كما يقول الناس: إنّ القليل لا حكم له. ٣٥ - ثم بين سبحانه سوء حالهم في أفضل ما بني البيت لأجله، وهي الصلاة، فقد كانوا يطوفون عراة فقال: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ﴾؛ أي: عبادتهم ﴿عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً﴾؛ أي: صفيرا فكان الواحد منهم يشبك أصابع إحدى كفيه بأصابع الأخرى، ويضمها، وينفخ فيهما فيظهر من ذلك صوت ﴿وَتَصْدِيَةً﴾؛ أي: تصفيقا أي ضربا لإحدى الكفين على الأخرى أي: ما كان شيء مما يعدونه عبادة وصلاة إلا هذين الفعلين، وهما المكاء والتصدية؛ أي إذا كان لهم صلاة، فلم تكن إلا هذين، قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة، مشتبكين بين أصابعهم، يصفرون ويصفقون بإحدى اليدين على الأخرى، وروي عن سعيد بن جبير، قال: كانت قريش يعارضون النبي ﷺ في الطواف يستهزؤون ويصفرون، يفعلون ذلك إذا قرأ الرسول ﷺ يخلطون عليه في صلاته، فنزلت ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً﴾. وبالجملة (١): فقد كانت صلاتهم وطوافهم من قبيل اللهو واللعب، سواء عارضوا الرسول ﷺ في طوافه وخشوع صلاته وحسن تلاوته، أم لا؟ ﴿فَذُوقُوا

стр. 4650

الْعَذابَ﴾؛ أي: فذوقوا أيها المشركون في الدنيا عذاب القتل لبعض كبرائكم، والأسر للآخرين منهم، وانهزام الباقين، مدحورين مكسورين يوم بدر، ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بالقرآن وبمحمد ﷺ . والخلاصة: فذوقوا العذاب الذي طلبتموه، وما كان لكم أن تستعجلوه إذ قلتم: ﴿أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. وقرأ أبان بن تغلب، وعاصم، والأعمش بخلاف عنهما (١) ﴿صلاتهم﴾ بالنصب ﴿إلا مكاء وتصدية﴾ بالرفع، وخطأ قوم منهم أبو علي الفارسي هذه القراءة لجعل المعرفة خبرا والنكرة اسما، قالوا: ولا يجوز ذلك إلا في ضرورة كقوله: يكون مزاجها عسل وماء وخرّجها أبو الفتح على أن المكاء والتصدية اسم جنس، واسم الجنس تعريفه وتنكيره واحد، وقرأ أبو عمرو فيما روي عنه ﴿إلا مكا﴾ بالقصر منونا فمن مد فكالثغاء، والرغاء، ومن قصر فكالبكاء في لغة من قصر. ٣٦ - ولما ذكر الله عبادة الكفار البدنية، وهي المكاء والتصدية .. ذكر عقبها عبادتهم المالية التي لا جدوى لها في الآخرة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ورسوله ﷺ يعني كفار قريش وخبر إن جملة قوله: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ﴾ ويصرفونها في محاربة النبي ﷺ ﴿لِيَصُدُّوا﴾ الناس ويمنعوهم ﴿عَنْ﴾ الدخول في ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تعالى ودينه واتباع رسوله؛ أي: إن مقصدهم بالانفاق الصد عن اتباع محمد وهو سبيل الله وإن لم يكن عندهم كذلك. قال مقاتل والكلبي (٢): نزلت هذه الآية في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلا من كبار قريش، أبي جهل وأصحابه، يطعم كل واحد منهم كل يوم

стр. 4651

عشر جزور، وقال سعيد بن جبير، ومجاهد: نزلت في أبي سفيان، وكان استأجر ليوم أحد ألفين من الأحابيش سوى من استجاش من العرب، وأنفق فيهم أربعين أوقية، والأوقية اثنان وأربعون مثقالا كما مر، وأخرج ابن إسحاق عن مشايخه أنها نزلت في أبي سفيان ومن كان له في العير من قريش تجارة كما مر ذلك في أسباب النزول. والمعنى (١): أن غرض هؤلاء الكفار في إنفاق أموالهم، هو الصد عن سبيل الحق، بمحاربة رسول الله ﷺ وجمع الجيوش لذلك، وإنفاق أموالهم عليها، وذلك كما وقع من كفار قريش يوم بدر، ويوم أحد، ويوم الأحزاب، فإن الرؤساء كانوا ينفقون أموالهم على الجيش، ثم أخبر الله سبحانه عن الغيب على وجه الإعجاز، فقال: ﴿فَسَيُنْفِقُونَها﴾؛ أي: فينفقون أموالهم في المستقبل في الصد عن سبيل الله، أو المعنى فسيعلمون عاقبة إنفاقها من الخيبة، وعدم الظفر بالمقصود، فحصلت المغايرة، ذكره في «الفتوحات» ﴿ثُمَّ تَكُونُ﴾ نفقاتهم في ذلك ﴿عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾؛ أي: ندامة لفواتها وفوات قصدهم من نصرتهم على محمد ﷺ ﴿ثُمَّ﴾ في آخر أمرهم ﴿يُغْلَبُونَ﴾ كما وعد الله تعالى به في مثل قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. أي: إنه سيقع هذا الانفاق، وتكون عاقبته الحسرة؛ لأنه سيذهب المال، ولا يصلون إلى المقصود، بل يغلبون كما وعد الله به نبيه، وسينكسرون المرة بعد المرة. ومعنى (٢) ﴿ثُمَّ﴾ في الموضعين: إما التراخي في الزمان لما بين الانفاق المذكور وبين ظهور دولة الإسلام من الامتداد، وإما التراخي في الرتبة بين بذل المال، وعدم حصول المقصود من المبيانة، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: استمروا على الكفر، كأبي جهل وأصحابه، وإنما فسرنا كذلك؛ لأن من هؤلاء

стр. 4652

الكفار المذكورين سابقا من أسلم، وحسن إسلامه، كالعباس بن عبد المطلب ﴿إِلى جَهَنَّمَ﴾ لا إلى غيرها ﴿يُحْشَرُونَ﴾؛ أي: يساقون يوم القيامة فيكون لهم شقاء الدارين وعذابهما. وقد كان (١) للمسلمين في هذه الآية عبرة وعظة فلينفقوا أموالهم في سبيل الله كما أنفق أسلافهم فيها، لأن لهم بها سعادة الدارين، والكفار في هذا العصر ينفقون الكثير من الأموال للصد عن الإسلام، وفتنة الضعفاء من العامة بالدعوة إلى دينهم، وتعليم أولاد المسلمين في مدارسهم، ومعالجة رجالهم ونسائهم في مستشفياتهم إلى نحو ذلك من الوسائل الناجعة في نشر دينهم، وفتنة المسلمين عن دينهم، وهم لا يبالون ماذا يفعلون، ألا ساء ما يعملون. ٣٧ - ثم بين سبحانه العلة التي لأجلها كانت الحسرة عليهم والحشر إلى جهنم، فقال: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ﴾ وقرأ حمزة (٢) والكسائي، ويعقوب، ليميز بضم الياء الأولى وفتح الميم وتشديد الياء الثانية المكسورة من التمييز، وهو أبلغ من الميز، وقرأ الباقون بالتخفيف من ماز يميز كباع يبيع، واللام متعلقة بـ ﴿يُحْشَرُونَ﴾ أو بـ ﴿يُغْلَبُونَ﴾؛ أي: يحشرون إلى جهنم ليميز الله ، ويفصل الفريق الخبيث من الكفار ﴿مِنَ﴾ الفريق ﴿الطَّيِّبِ﴾ من المؤمنين ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ﴾؛ أي: ويجعل الفريق الخبيث ﴿بَعْضَهُ﴾ منضما متراكبا ﴿عَلى بَعْضٍ﴾ آخر ﴿فَيَرْكُمَهُ﴾؛ أي: فيجمعه ﴿جَمِيعًا﴾ ويضم بعضه إلى بعض، حتى يتراكم ويركب بعضه بعضا، لفرط ازدحامهم، يقال: ركم الشيء يركمه إذا جمعه، وألقى بعضه على بعض، ﴿فَيَجْعَلَهُ﴾ أي: يطرحه ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾؛ وقيل: المعنى يضم الله تعالى تلك الأموال الخبيثة بعضها إلى بعض، فيلقيها في جهنم، ويعذبهم بها ﴿أُولئِكَ﴾ الفريق الذين كفروا، وخبثوا اعتقادا وأعمالا ﴿هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ في الدنيا والآخرة، لأنهم اشتروا بأعمالهم عقاب الآخرة.

стр. 4653

وقيل: اللام في قوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ متعلقة بمحذوف تقديره؛ أي: إن (١) الله كتب النصر والغلب لعباده المتقين، والخذلان والحسرة لمن يعاديهم ويقاتلهم من الكفار، للصد عن سبيل الله، ليميز الكفر من الإيمان، والحق والعدل من الجور والطغيان، وهذا التمييز بين الأمرين في سنن الاجتماع هو بقاء أمثل الأمرين وأصلحهما ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ وسنن الله في الدنيا والآخرة واحدة، فالخبيث في الدنيا خبيث في الآخرة، ومن ثم قال: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ الآية؛ أي: ويجعل الله الخبيث بعضه منضما متراكبا على بعض بحسب سنته تعالى في اجتماع المتشاكلات، واختلاف المتناكرات، كما جاء في الحديث: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» ثم يجعل أصحابه في جهنم إلى يوم القيامة، وبئس المصير لمن خسر نفسه وماله. ٣٨ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: لهؤلاء الكفار الذين آذوك وصدوا عن سبيل الله من كفار مكة، كأبي سفيان وأصحابه، وغيرهم من سائر الكفار، وفي «الكشاف»: قل لأجلهم هذا القول وهو: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ وينزجروا ويرجعوا عما هم عليه من عداوتك وعنادك بالصد عن سبيل الله ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾؛ أي: يغفر الله لهم ما سلف، وسبق منهم من عداوتك، وصدهم عن سبيل الله، وغير ذلك من سائر الذنوب، فلا يعاقبهم على شيء من ذلك في الآخرة، ويغفر لهم الرسول والمؤمنون، فلا يطالبون قاتلا منهم بدم، ولا سالبا أو غانما بسلب ولا غنم. وفي مصحف ابن مسعود (٢): ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ بالتاء المثناة من فوق ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ خطابا لهم، وقرىء ﴿يغفر﴾ مبنيا للفاعل والضمير لله تعالى.

стр. 4654

روى مسلم من حديث عمرو بن العاص، قال: فلما جعل الله الإيمان في قلبي، أتيت النبي ﷺ فقلت: أبسط يدك أبايعك فبسط يده، فقبضت يدي قال: «مالك؟» قلت: أردت أن أشترط، قال: «ماذا تشترط؟» قلت: أن يغفر لي، قال: «أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟». ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ ويرجعوا إلى الكفر، ومعاداة النبي ﷺ وإلى الصد عن سبيل الله؛ أي: وإن يرتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، ويرجعوا للكفر، وقتال النبي ﷺ ويكون العود بمعنى الاستمرار، ننتقم منهم بالعذاب ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: لأنه قد سبقت سيرة الأولين، الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتدمير، كما جرى على أهل بدر؛ أي: قد سبقت سنة الله فيهم بالاستئصال والتدمير فلهم ما لهم. والمعنى: أي وإن يعودوا إلى العداء، والصد، والقتال تجر عليهم سننه المطردة في أمثال لهم من الأولين الذين عادوا الرسل، وقاتلوهم من نصر المؤمنين، وخذلانهم، وهلاكهم كما حدث لهم يوم بدر كما قال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١)﴾. ولا يخفى ما في قوله: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ من (١) التهديد، والوعيد، الشديد، والتمثيل لهم بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله؛ أي: قد مضت سنة الله فيمن فعل مثل ما فعل هؤلاء من الأولين من الأمم، أن يصيبه بعذاب، فليتوقعوا مثل ذلك، وترسم ﴿سُنَّتُ﴾ هذه بالتاء المجرورة، وكذا الثلاثة التي في فاطر، وكذا التي في آخر غافر، ثم بين ما سلف من قوله: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ ٣٩ - ورغب المؤمنين في قتالهم فقال: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؛ أي: حتى لا توجد فتنة في الدين؛ أي: وقاتل الذين كفروا أنت يا محمد ومن معك من المؤمنين حتى تزول الفتنة في الدين بالتعذيب

стр. 4655

وضروب الإيذاء لأجل تركه كما فعلوا ذلك حين كانت لهم القوة والبطش في مكة، إذ أخرجوكم منها لأجل دينكم ثم أتوا لقتالكم في دار الهجرة ﴿وَ﴾ حتى ﴿يَكُونَ الدِّينُ﴾؛ أي: العبادة ﴿كُلُّهُ لِلَّهِ﴾: فلا يستطيع أحد أن يفتن أحدا عن دينه ويكرهه على ترك إلى دين المكره تقية وخوفا منه. وخلاصة ذلك (١): قاتلوهم حتى يكون الناس أحرارا في عقائدهم، لا يكره أحد أحدا على ترك عقيدته إكراها، ولا يؤذي ويعذب لأجلها كما قال تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ والمسلمون إنما يقاتلون لحرية دينهم، ولا يكرهون عليه أحدا من دونهم. وروي عن ابن عباس تفسير الفتنة بالشرك، والمعنى عليه: قاتلوهم حتى لا يبقى شرك في مكة وغيرها، وتزول الأديان الباطلة فلا يبقى إلا الإسلام. وتقدم نظير هذه الآية في سورة البقرة؛ وهنا زيادة ﴿كُلُّهُ﴾ توكيدا للدين، وقرأ الأعمش ويكون برفع النون، والجمهور بنصبها. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن الكفر، وعن قتالكم، وعن سائر المعاصي بالتوبة والإيمان ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أي: عليم لأنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد ونياتهم، فيجازيهم على أعمالهم الحسنة من الإيمان وغيره ويثيبهم عليها بحسب علمه. وقرأ الحسن ويعقوب من العشرة وسلام بن سليمان (٢): ﴿بما تعملون﴾ بالتاء على الخطاب، لمن أمروا بالمقاتلة على معنى: فإن الله بما تعملون من الجهاد والدعوة إلى الإسلام، والإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الايمان بصير يجازيكم، فيكون (٣) تعليقه بانتهائهم دلالة على أنه كما يستدعي إثابتهم للمباشرة، يستدعي إثابة مقاتليهم للتسبب، وبالباء التحتية على الغيبة باتفاق السبعة.

стр. 4656

٤٠ - ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: وإن أعرض أولئك الكفار عن التوبة، والإيمان، وعن سماع تبليغكم، ولم ينتهوا عن كفرهم، وفتنتهم وقتالهم لكم ﴿فَاعْلَمُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿مَوْلاكُمْ﴾؛ أي: مواليكم، ومعينكم عليهم، وهذا وعد صريح بالظفر والنصر؛ أي: فأيقنوا أيها المؤمنون بنصر الله تعالى ومعونته لكم، وهو متولي أموركم، فلا تبالوا بهم، ولا تخشوا بطشهم، وجواب ﴿إِنْ﴾ محذوف، وجملة قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ علة للجواب المحذوف، والمعنى: وإن تولوا عن الإيمان، فلا تخشوا بأسهم، لأن الله مولاكم، وهو ﴿نِعْمَ الْمَوْلى﴾؛ أي: نعم الولي بالحفظ، فلا يضع من تولاه ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾؛ أي: نعم الناصر على الأعداء، فلا يغلب من نصره، وكل من كان في حماية الله تعالى كان آمنا من الآفات، مصونا عن المخلوقات، وهذا ثناء من الله تعالى على نفسه، فهو حمد قديم لقديم، وما غلب المسلمون في العصور الأخيرة وذهب أكثر ملكهم إلا لأنهم تركوا الاهتداء بهدي دينهم، وتركوا الاستعداد المادي والحربي الذي طلبه الله بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ واتكلوا على خوارق العادات، وقراءة الأحاديث، والدعوات، وذلك مما لم يشرعه الله، ولم يعمل به رسوله، إلى أنهم تركوا العدل والفضائل، وسنن الله في الاجتماع التي انتصر بها السلف الصالح، وأنفقوا أموال الأمة والدولة فيما حرم الله عليهم من الإسراف في شهواتهم. وعلى العكس من ذلك، اتبع الإفرنج تعاليم الإسلام، فاستعدوا للحرب، واتبعوا سنن الله في العمران، فرجحت كفتهم، ولله الأمر. وما مكن الله لسلف المسلمين من فتح بلاد كسرى، وقيصر، وغيرهما من البلاد إلا لما أصاب أهلها من الشرك وفساد العقائد في الآداب، ومساوي الأخلاق، والعادات، والانغماس في الشهوات، واتباع سلطان البدع، والخرافات فجاء الإسلام، وأزال كل هذا، واستبدل التوحيد والفضائل بها، ومن ثم نصر الله أهله على الأمم كلها. ولما أضاع جمهرة المسلمين هذه الفضائل، واتبعوا سنن من قبلهم في اتباع

стр. 4657

البدع والرذائل، وقد حذرهم الإسلام من ذلك، ثم قصروا في الاستعداد المادي والحربي للنصر في الحرب، عاد الغلب عليهم لغيرهم، ومكن لسواهم في الأرض ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾؛ أي: الصالحون لاستعمارها والانتفاع بما أودع فيها من كنوز وخيرات. وفق الله المسلمين إلى الهدى والرشاد، وجعلهم يعيدون سيرتهم الأولى، ويهتدون بهدي دينهم، ويستمسكون بآدابه، ويتبعون سيرة السلف الصالح، فيكتب لهم العز في الدنيا، والسعادة في الآخرة بمنه وكرمه، وفضله وجوده آمين. الإعراب ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾. ﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره: واذكر يا محمد قصة إذ يمكر بك ﴿يَمْكُرُ﴾: فعل مضارع ﴿بِكَ﴾ متعلق به ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول فاعل ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل والجملة صلة الموصول وجملة ﴿يَمْكُرُ﴾: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ اللام: حرف جر وتعليل ﴿يثبتوك﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لإثباتهم إياك الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَمْكُرُ﴾. ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يثبتوك﴾ وكذا قوله: ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ معطوف على ﴿يثبتوك﴾ أيضا، والتقدير: أو لقتلهم إياك أو لإخراجهم إياك ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾: فعل وفاعل مستأنف كرره للتأكيد، ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَمْكُرُونَ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ ﴿خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾. ﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية أو عاطفة ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان

стр. 4658

﴿تُتْلى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به ﴿آياتُنا﴾: نائب فاعل، ومضاف إليه والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذا﴾ والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب إِذا لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذا﴾: مستأنفة، ومعطوفة على قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ ﴿قَدْ سَمِعْنا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق ﴿سَمِعْنا﴾: فعل وفاعل ومفعوله محذوف تقديره: مثل هذا القرآن، وهو التوراة والإنجيل، وقد تنازع هذا العامل مع قوله: ﴿لَقُلْنا﴾ في قوله: ﴿مِثْلَ﴾ هذا كما يستفاد من الخازن، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾؛ ﴿لَوْ﴾ شرطية ﴿نَشاءُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على المشركين ومفعوله محذوف تقديره: لو نشاء القول، والجملة فعل شرط لـ لو ﴿لَقُلْنا﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية ﴿قلنا﴾: فعل وفاعل ﴿مِثْلَ﴾ هذا مفعول به، ومضاف إليه، لأن ﴿قلنا﴾: بمعنى ذكرنا، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية، وجملة لو الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾ ﴿إِنْ﴾: نافية مهملة لانتقاض نفيها بـ ﴿إِلَّا﴾ هذا: مبتدأ ﴿إِلَّا﴾: إداة استثناء مفرغ ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾. ﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾: والظرف متعلق بمحذوف تقديره: واذكر إذ قالوا، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾: ﴿اللَّهُمَّ﴾: إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿اللَّهُمَّ﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط ﴿كانَ﴾: فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾: الشرطية على كونه فعل شرط لها، هذا: اسمها ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل ﴿الْحَقَّ﴾: خبر ﴿كانَ﴾. ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ﴿الْحَقَّ﴾ ﴿فَأَمْطِرْ﴾

стр. 4659

﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجوبا ﴿أمطر﴾: فعل دعاء في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه جوابا لها، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿عَلَيْنا﴾ متعلق به ﴿حِجارَةً﴾: مفعول به ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿حِجارَةً﴾ وفائدة (١) توصيف الحجارة بقوله: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ الدلالة على أن المراد بالحجارة السجيل وهو حجارة مسومة، أي: معلمة معدة لتعذيب قوم من العصاة. وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول قالوا: على كونها جواب النداء ﴿أَوِ ائْتِنا﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿أمطر﴾، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿بِعَذابٍ﴾ متعلق بـ ﴿ائْتِنا﴾ ﴿أَلِيمٍ﴾ صفة لـ ﴿عذاب﴾. ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾. ﴿وَما﴾ الواو: استئنافية ﴿ما﴾: نافية ﴿كانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وجحود ﴿يعذبهم﴾: فعل ومفعول منصوب بـ ﴿أن﴾: مضمرة بعد لام الجحود، وجوبا، وفاعله ضمير يعود على الله، وجملة ﴿يعذب﴾: صلة أن المضمرة أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ما كان الله لتعذيبهم الجار والمجرور متعلق بواجب الحذف لوقوعه خبرا لكان تقديره: ما كان الله مريدا لتعذيبهم، وجملة ﴿كانَ﴾ مستأنفة، ومن أراد البسط في مبحث لام الجحود، فليراجع كتابنا «الدرر البهية في إعراب أمثلة الآجرومية» ﴿وَأَنْتَ﴾: مبتدأ ﴿فِيهِمْ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب حال من مفعول ﴿يعذبهم﴾: ﴿وَما كانَ اللَّهُ﴾: ناف وفعل ناقص واسمه ﴿مُعَذِّبَهُمْ﴾ خبره، وجملة ﴿كانَ﴾ معطوفة على جملة ﴿كانَ﴾ الأولى ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ وجملة ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾: خبر المبتدأ والجملة الاسمية في محل النصب حال من هاء ﴿مُعَذِّبَهُمْ﴾. ﴿وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا

стр. 4660

أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾. ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ما: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ ﴿أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾: ناصب وفعل ومفعول، وفاعل، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر مقدر متعلق بما تعلق به الظرف الواقع خبرا، تقديره: وأي شيء ثبت، واستقر لهم في أن لا يعذبهم الله؛ أي: في عدم تعذيب الله إياهم، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَصُدُّونَ﴾ خبره ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ متعلق به، والجملة الاسمية في محل النصب حال من مفعول ﴿يُعَذِّبَهُمُ﴾. ﴿وَما﴾ الواو: حالية ﴿ما﴾: نافية ﴿كانُوا﴾: فعل ماض ناقص، واسمه ﴿أَوْلِياؤُهُ﴾ خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾ في محل النصب حال من واو ﴿يَصُدُّونَ﴾. ﴿إِنْ﴾: نافية ﴿أَوْلِياؤُهُ﴾: مبتدأ ومضاف إليه ﴿أَلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿الْمُتَّقُونَ﴾: خبر المبتدأ والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لكِنَّ﴾، وجملة ﴿لكِنَّ﴾ معطوفة على جملة قوله ﴿إِنْ أَوْلِياؤُهُ﴾. ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾. ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ﴾: ناف وفعل ناقص واسمه ﴿عِنْدَ الْبَيْتِ﴾: ظرف ومضاف إليه حال من ﴿صَلاتُهُمْ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿مُكاءً﴾: خبر ﴿كانَ﴾. ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ معطوف عليه والجملة مستأنفة ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن صلاتهم هذا اللعب واللهو وأردت بيان ما يقال لهم في الجزاء، فأقول لك: يقال لهم: ذوقوا العذاب ﴿ذوقوا العذاب﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿بِما﴾ الباء حرف جر ﴿ما﴾ مصدرية ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة: ﴿تَكْفُرُونَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل
следующие страницы →