← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

٤٠ - ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: وإن أعرض أولئك الكفار عن التوبة، والإيمان، وعن سماع تبليغكم، ولم ينتهوا عن كفرهم، وفتنتهم وقتالهم لكم ﴿فَاعْلَمُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿مَوْلاكُمْ﴾؛ أي: مواليكم، ومعينكم عليهم، وهذا وعد صريح بالظفر والنصر؛ أي: فأيقنوا أيها المؤمنون بنصر الله تعالى ومعونته لكم، وهو متولي أموركم، فلا تبالوا بهم، ولا تخشوا بطشهم، وجواب ﴿إِنْ﴾ محذوف، وجملة قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ علة للجواب المحذوف، والمعنى: وإن تولوا عن الإيمان، فلا تخشوا بأسهم، لأن الله مولاكم، وهو ﴿نِعْمَ الْمَوْلى﴾؛ أي: نعم الولي بالحفظ، فلا يضع من تولاه ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾؛ أي: نعم الناصر على الأعداء، فلا يغلب من نصره، وكل من كان في حماية الله تعالى كان آمنا من الآفات، مصونا عن المخلوقات، وهذا ثناء من الله تعالى على نفسه، فهو حمد قديم لقديم، وما غلب المسلمون في العصور الأخيرة وذهب أكثر ملكهم إلا لأنهم تركوا الاهتداء بهدي دينهم، وتركوا الاستعداد المادي والحربي الذي طلبه الله بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ واتكلوا على خوارق العادات، وقراءة الأحاديث، والدعوات، وذلك مما لم يشرعه الله، ولم يعمل به رسوله، إلى أنهم تركوا العدل والفضائل، وسنن الله في الاجتماع التي انتصر بها السلف الصالح، وأنفقوا أموال الأمة والدولة فيما حرم الله عليهم من الإسراف في شهواتهم. وعلى العكس من ذلك، اتبع الإفرنج تعاليم الإسلام، فاستعدوا للحرب، واتبعوا سنن الله في العمران، فرجحت كفتهم، ولله الأمر. وما مكن الله لسلف المسلمين من فتح بلاد كسرى، وقيصر، وغيرهما من البلاد إلا لما أصاب أهلها من الشرك وفساد العقائد في الآداب، ومساوي الأخلاق، والعادات، والانغماس في الشهوات، واتباع سلطان البدع، والخرافات فجاء الإسلام، وأزال كل هذا، واستبدل التوحيد والفضائل بها، ومن ثم نصر الله أهله على الأمم كلها. ولما أضاع جمهرة المسلمين هذه الفضائل، واتبعوا سنن من قبلهم في اتباع

стр. 4657

البدع والرذائل، وقد حذرهم الإسلام من ذلك، ثم قصروا في الاستعداد المادي والحربي للنصر في الحرب، عاد الغلب عليهم لغيرهم، ومكن لسواهم في الأرض ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾؛ أي: الصالحون لاستعمارها والانتفاع بما أودع فيها من كنوز وخيرات. وفق الله المسلمين إلى الهدى والرشاد، وجعلهم يعيدون سيرتهم الأولى، ويهتدون بهدي دينهم، ويستمسكون بآدابه، ويتبعون سيرة السلف الصالح، فيكتب لهم العز في الدنيا، والسعادة في الآخرة بمنه وكرمه، وفضله وجوده آمين. الإعراب ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾. ﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره: واذكر يا محمد قصة إذ يمكر بك ﴿يَمْكُرُ﴾: فعل مضارع ﴿بِكَ﴾ متعلق به ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول فاعل ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل والجملة صلة الموصول وجملة ﴿يَمْكُرُ﴾: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ اللام: حرف جر وتعليل ﴿يثبتوك﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لإثباتهم إياك الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَمْكُرُ﴾. ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يثبتوك﴾ وكذا قوله: ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ معطوف على ﴿يثبتوك﴾ أيضا، والتقدير: أو لقتلهم إياك أو لإخراجهم إياك ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾: فعل وفاعل مستأنف كرره للتأكيد، ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَمْكُرُونَ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ ﴿خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾. ﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية أو عاطفة ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان

стр. 4658

﴿تُتْلى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به ﴿آياتُنا﴾: نائب فاعل، ومضاف إليه والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذا﴾ والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب إِذا لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذا﴾: مستأنفة، ومعطوفة على قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ ﴿قَدْ سَمِعْنا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق ﴿سَمِعْنا﴾: فعل وفاعل ومفعوله محذوف تقديره: مثل هذا القرآن، وهو التوراة والإنجيل، وقد تنازع هذا العامل مع قوله: ﴿لَقُلْنا﴾ في قوله: ﴿مِثْلَ﴾ هذا كما يستفاد من الخازن، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾؛ ﴿لَوْ﴾ شرطية ﴿نَشاءُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على المشركين ومفعوله محذوف تقديره: لو نشاء القول، والجملة فعل شرط لـ لو ﴿لَقُلْنا﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية ﴿قلنا﴾: فعل وفاعل ﴿مِثْلَ﴾ هذا مفعول به، ومضاف إليه، لأن ﴿قلنا﴾: بمعنى ذكرنا، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية، وجملة لو الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾ ﴿إِنْ﴾: نافية مهملة لانتقاض نفيها بـ ﴿إِلَّا﴾ هذا: مبتدأ ﴿إِلَّا﴾: إداة استثناء مفرغ ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾. ﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾: والظرف متعلق بمحذوف تقديره: واذكر إذ قالوا، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾: ﴿اللَّهُمَّ﴾: إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿اللَّهُمَّ﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾، ﴿إِنْ﴾: حرف شرط ﴿كانَ﴾: فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾: الشرطية على كونه فعل شرط لها، هذا: اسمها ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل ﴿الْحَقَّ﴾: خبر ﴿كانَ﴾. ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ﴿الْحَقَّ﴾ ﴿فَأَمْطِرْ﴾

стр. 4659

﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجوبا ﴿أمطر﴾: فعل دعاء في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه جوابا لها، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿عَلَيْنا﴾ متعلق به ﴿حِجارَةً﴾: مفعول به ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿حِجارَةً﴾ وفائدة (١) توصيف الحجارة بقوله: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ الدلالة على أن المراد بالحجارة السجيل وهو حجارة مسومة، أي: معلمة معدة لتعذيب قوم من العصاة. وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول قالوا: على كونها جواب النداء ﴿أَوِ ائْتِنا﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿أمطر﴾، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿بِعَذابٍ﴾ متعلق بـ ﴿ائْتِنا﴾ ﴿أَلِيمٍ﴾ صفة لـ ﴿عذاب﴾. ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾. ﴿وَما﴾ الواو: استئنافية ﴿ما﴾: نافية ﴿كانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وجحود ﴿يعذبهم﴾: فعل ومفعول منصوب بـ ﴿أن﴾: مضمرة بعد لام الجحود، وجوبا، وفاعله ضمير يعود على الله، وجملة ﴿يعذب﴾: صلة أن المضمرة أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ما كان الله لتعذيبهم الجار والمجرور متعلق بواجب الحذف لوقوعه خبرا لكان تقديره: ما كان الله مريدا لتعذيبهم، وجملة ﴿كانَ﴾ مستأنفة، ومن أراد البسط في مبحث لام الجحود، فليراجع كتابنا «الدرر البهية في إعراب أمثلة الآجرومية» ﴿وَأَنْتَ﴾: مبتدأ ﴿فِيهِمْ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب حال من مفعول ﴿يعذبهم﴾: ﴿وَما كانَ اللَّهُ﴾: ناف وفعل ناقص واسمه ﴿مُعَذِّبَهُمْ﴾ خبره، وجملة ﴿كانَ﴾ معطوفة على جملة ﴿كانَ﴾ الأولى ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ وجملة ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾: خبر المبتدأ والجملة الاسمية في محل النصب حال من هاء ﴿مُعَذِّبَهُمْ﴾. ﴿وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا

стр. 4660

أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾. ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ما: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ ﴿أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾: ناصب وفعل ومفعول، وفاعل، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر مقدر متعلق بما تعلق به الظرف الواقع خبرا، تقديره: وأي شيء ثبت، واستقر لهم في أن لا يعذبهم الله؛ أي: في عدم تعذيب الله إياهم، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَصُدُّونَ﴾ خبره ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ متعلق به، والجملة الاسمية في محل النصب حال من مفعول ﴿يُعَذِّبَهُمُ﴾. ﴿وَما﴾ الواو: حالية ﴿ما﴾: نافية ﴿كانُوا﴾: فعل ماض ناقص، واسمه ﴿أَوْلِياؤُهُ﴾ خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾ في محل النصب حال من واو ﴿يَصُدُّونَ﴾. ﴿إِنْ﴾: نافية ﴿أَوْلِياؤُهُ﴾: مبتدأ ومضاف إليه ﴿أَلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿الْمُتَّقُونَ﴾: خبر المبتدأ والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لكِنَّ﴾، وجملة ﴿لكِنَّ﴾ معطوفة على جملة قوله ﴿إِنْ أَوْلِياؤُهُ﴾. ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾. ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ﴾: ناف وفعل ناقص واسمه ﴿عِنْدَ الْبَيْتِ﴾: ظرف ومضاف إليه حال من ﴿صَلاتُهُمْ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿مُكاءً﴾: خبر ﴿كانَ﴾. ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ معطوف عليه والجملة مستأنفة ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن صلاتهم هذا اللعب واللهو وأردت بيان ما يقال لهم في الجزاء، فأقول لك: يقال لهم: ذوقوا العذاب ﴿ذوقوا العذاب﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿بِما﴾ الباء حرف جر ﴿ما﴾ مصدرية ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة: ﴿تَكْفُرُونَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل

стр. 4661

مصدر مجرور بـ ﴿الباء﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿ذوقوا﴾، والتقدير، فذوقوا العذاب بكفركم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿الَّذِينَ﴾: اسمها، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة ﴿لِيَصُدُّوا﴾ ﴿اللام﴾: لام كي ﴿يصدوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لصدهم عن سبيل الله، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُنْفِقُونَ﴾. ﴿فَسَيُنْفِقُونَها﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب ﴿سينفقونها﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يُنْفِقُونَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب ﴿تَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص واسمها ضمير مستتر فيها يعود على نفقاتهم ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور حال من ﴿حَسْرَةً﴾: لأنه صفة نكرة قدمت عليها، أو متعلق بـ ﴿تَكُونُ﴾ ﴿حَسْرَةً﴾: خبر تكون، وجملة ﴿تَكُونُ﴾ معطوفة على جملة ﴿سينفقونها﴾ ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف: ﴿يُغْلَبُونَ﴾ فعل مغير ونائب فاعل والجملة معطوفة على جملة ﴿تَكُونُ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول إِلى ﴿جَهَنَّمَ﴾ متعلق بـ ﴿يُحْشَرُونَ﴾ وجملة ﴿يُحْشَرُونَ﴾ من الفعل المغير ونائب فاعله في محل الرفع خبر المبتدأ والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧)﴾. ﴿لِيَمِيزَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل ﴿يميز الله الخبيث﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾ متعلق بـ ﴿يميز﴾، والجملة الفعلية صلة أن المصدرية أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره لميز الله الخبيث من الطيب الجار

стр. 4662

والمجرور متعلق بـ ﴿يُحْشَرُونَ﴾. ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿يميز﴾ وفاعله ضمير يعود على الله ﴿بَعْضَهُ﴾ بدل من ﴿الْخَبِيثَ﴾ بدل بعض من كل ﴿عَلى بَعْضٍ﴾ متعلق بـ ﴿يَجْعَلَ﴾. ﴿فَيَرْكُمَهُ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿يركمه﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿يَجْعَلَ﴾ وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ضمير ﴿يركمه﴾ أو توكيد له، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَجْعَلَ﴾ ﴿فَيَجْعَلَهُ﴾: فعل ومفعول، معطوف على ﴿يركمه﴾ وفاعله ضمير يعود على الله ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾ متعلق به ﴿أُولئِكَ﴾: مبتدأ ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل ﴿الْخاسِرُونَ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق به ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنْ﴾: حرف شرط ﴿يَنْتَهُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿يُغْفَرْ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة مجزوم بإن على كونه جواب الشرط ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به، ما موصولة أو موصوفة، في محل الرفع نائب فاعل، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول القول ﴿قَدْ سَلَفَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ما والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، ﴿وَإِنْ﴾ الواو: عاطفة ﴿إِنْ﴾: حرف شرط ﴿يَعُودُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وجواب (١) الشرط محذوف تقديره: ننتقم منهم بالعقاب والعذاب، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِنْ﴾ الأولى ﴿فَقَدْ﴾ ﴿الفاء﴾: تعليلة ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾: فعل وفاعل، ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب مقول القول على كونها، معللة للجواب المحذوف.

стр. 4663

﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾. ﴿وَقاتِلُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة (١) معطوفة على جملة قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لكنّ لما كان الغرض من الأول التلطف بهم، وهو وظيفة النبي وحده، بالإفراد، ولما كان الغرض من الثاني تحريض المؤمنين على القتال، جاء بالجمع، فخوطبوا جميعا ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية بمعنى إلى ﴿لا تَكُونَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، وهو تام ﴿فِتْنَةٌ﴾ فاعله والجملة الفعلية، في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى تقديره: إلى عدم كون فتنة، وشرك الجار والمجرور متعلق بـ ﴿قاتلوا﴾ و ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ﴾: فعل مضارع ناقص واسمه معطوف على تكون ﴿كُلُّهُ﴾ تأكيد للدين ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور خبر ﴿يَكُونَ﴾: ﴿فَإِنِ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر: تقديره: إذا عرفتم ما أمرتكم به من قتالهم، وأردتم بيان حكم ما إذا انتهوا أو تولوا فأقول لكم: ﴿إن انتهوا﴾ ﴿إن﴾: حرف شرط ﴿انْتَهَوْا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب الشرط وجوبا ﴿إن﴾: حرف نصب ولفظ الجلالة اسمها ﴿بِما﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَصِيرٌ﴾ الآتي ﴿يَعْمَلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: بما يعملونه ﴿بَصِيرٌ﴾: خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾. ﴿وَإِنْ﴾ الواو: عاطفة ﴿إِنْ﴾ حرف شرط ﴿تَوَلَّوْا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم، بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿فَاعْلَمُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة

стр. 4664

لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجوبا لكون الجواب جملة طلبية ﴿اعلموا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم على كونه جوابا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى ﴿أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿أنْ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿اعلموا﴾ تقديره: فاعلموا، وأيقنوا كون الله تعالى مولاكم، وناصركم ﴿نِعْمَ الْمَوْلى﴾: فعل وفاعل وهو من أفعال المدح، والمخصوص بالمدح، محذوف وجوبا تقديره: هو، وهو في محل رفع على الابتداء، وجملة ﴿نِعْمَ﴾ في محل الرفع خبر له، والجملة الاسمية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: فعل وفاعل والجملة في محل الرفع، خبر للمخصوص بالمدح المحذوف وجوبا المرفوع على كونه مبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿نِعْمَ الْمَوْلى﴾ على كونها إنشائية لا محل لها من الإعراب. التصريف ومفردات اللغة ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾؛ أي: ليشدوك بالوثاق ويرهقوك بالقيد والحبس حتى لا تقدر على الحركة؛ لأن كل من شد شيئا وأوثقه فقد أثبته لأنه لا يقدر على الحركة، وهذا إشارة لرأي أبي البختري، بفتح الباء وسكون الخاء المعجمة، وقوله: ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾؛ أي: كلهم قتلة رجل واحد، وهذا إشارة لرأي أبي جهل، الذي صوبه صديقه إبليس لعنهما الله تعالى، وقوله: ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾؛ أي: من مكة منفيا، وهذا إشارة لرأي هشام بن عمرو اه من «شرح المواهب اللدنية». ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ بك؛ أي: ويحتالون ويتدبرون في أمرك وشأنك، والمكر (١) هو: التدبير الخفي، لإيصال المكروه إلى الممكور به من حيث لا يحتسب، والغالب أن يكون فيما يسوء ويذم من الكذب والحيل، وإذا نسب إلى الله .. كان من المشاكلة في الكلام بتسمية خيبة المسعى في مكرهم، أو مجازاتهم عليه باسمه.

стр. 4665

﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ إن قلت: كيف (١) قال: والله خير الماكرين؟ ولا خير في مكرهم؟ قلت: يحتمل أن يكون المراد: والله أقوى الماكرين، فوضع خير موضع أقوى، وفيه التنبيه على أن كل مكر يبطل بفعل الله. وقيل: يحتمل أن يكون المراد أن مكرهم فيه خير بزعمهم، فقال تعالى: في مقابلته؛ ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ وقيل: ليس المراد التفضيل بل إن فعل الله خير مطلقا اه. «خازن». ﴿أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ والأساطير جمع أسطورة، كأراجيح جمع أرجوحة، وأحاديث جمع أحدوثة، وهي الأقاصيص والأخبار التي سطرت وكتبت في الكتب السالفة، بدون تمحيص ولا تثبت في صحتها، وفي «القاموس»: الأساطير الأحاديث لا نظام لها، واحدها: إسطار وإسطير، وأسطور وبالهاء في الكل، وأصل السطر الصف من الشيء، كالكتاب والشجر اه. ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً﴾ و ﴿المكاء﴾ (٢) مصدر مكا يمكو مكوا من باب عدا و ﴿مُكاءً﴾ أيضا إذا صفر، أي شبك أصابع إحدى كفيه بأصابع الأخرى، ويضمها وينفخ فيها، فيظهر من ذلك صوت، والمكاء بالضم كالبكاء والصراخ. وهمزة (٣) ﴿المكاء﴾ مبدلة من واو؛ لقولهم مكا يمكو كغزا يغزو، ﴿والتصدية﴾ فيها قولان: أحدهما: أنه من الصدى: وهو ما يسمع من رجع الصوت في الأمكنة الخالية الصلبة، يقال: منه: صدى يصدى تصدية، والمراد بها هنا ما يسمع من صوت التصفيق، والضرب بإحدى الكفين على الأخرى، وفي التفاسير: أن المشركين كانوا إذا سمعوا رسول الله ﷺ يصلي ويتلو القرآن صفقوا بأيديهم، وصفروا بأفواههم، ليشغلوا عنه من يسمعه ويخلو عليه قراءته، وهذا مناسب لقوله: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾، وقيل: مأخوذ من التصدد والضجيج

стр. 4666

والصياح والتصفيق، فأبدلت إحدى الدالين ياء تخفيفا، ويدل عليه قراءة ﴿إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ بالكسر؛ أي يضجون ويلغطون. والثاني: أنها من الصدّ وهو المنع، والأصل تصددة بدالين أيضا فأبدلت ثانيتهما ياء، ويؤيد هذا قراءة ﴿يَصُدُّونَ﴾ بالضم؛ أي: يمنعون. ﴿تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾؛ أي: ندامة يقال: حسر يحسر كطرب يطرب بمعنى ندم ندامة، ويقال: حسر كمه عن ذراعه، من باب ضرب يضرب، ويقال: حسر بصره إذا كل، وتعب من باب جلس فالأول والأخير لازمان، والأوسط متعد، هذا ما في «المختار»، وفي «المصباح»: حسر عن ذراعه حسرا من بابي ضرب وقتل، وحسرت المرأة ذراعها وخمارها، من باب ضرب كشفته فهي حاسر بغيرها، وحسر البصر حسورا من باب: قعد كل لطول المدى، وحسرت على الشيء حسرا من باب تعب، والحسرة اسم منه اه. ﴿يُحْشَرُونَ﴾ من بابي ضرب ونصر، كما في «المصباح» ﴿فَيَرْكُمَهُ﴾ يقال: ركمه إذا جمعه، وضم بعضه إلى بعض، وفي «المختار» ركم الشيء إذا جمعه وألقى بعضه على بعض، وبابه: نصر، وارتكم الشيء وتراكم اجتمع، والركام الرمل المتراكم، والسحاب، ونحوه اه. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التكرار في قوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، وفي قوله: ﴿وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾، وفي قوله: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ﴾ ﴿فَسَيُنْفِقُونَها﴾، وفي قوله: ﴿نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾. ومنها: الطباق في قوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. ومنها: الجناس المغاير بين ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ ﴿والْماكِرِينَ﴾ وبين ﴿يعذبهم﴾ ﴿ومُعَذِّبَهُمْ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ لأن المكر

стр. 4667

حقيقة في الاحتيال في إيصال الضرر إلى الغير بطريق خفي، والمراد بمكر الله: رد مكرهم بطريق لا يعرفون، فإذا يقال في تقرير الاستعارة: شبه المكر بمعنى رد الحيلة بالمكر بمعنى الاحتيال في ترتب أثره عليه، فاستعير اسم المشبه به الذي هو المكر بمعنى الحيلة للمشبه الذي هو المكر بمعنى ردها فاشتق من المكر بمعنى الرد، يمكر بمعنى يرد، على طريقه الاستعارة التصريحية التبعية. ويصح أن يكون مجازا مرسلا إذا قلنا: المراد بمكر الله مجازاتهم على مكرهم بجنسه، من إطلاق اسم السبب على المسبب، والعلاقة السببية، والمشاكلة تزيده حسنا على حسن. وتصح الاستعارة في هذا المعنى أيضا بأن يقال: شبه المكر بمعنى المجازاة بالمكر بمعنى الاحتيال، بجامع إيصال الضرر في كل، فاستعير اسم المشبه به الذي هو المكر بمعنى الاحتيال للمشبه الذي هو المكر بمعنى المجازاة، فاشتق من المكر بمعنى المجازاة، يمكر بمعنى يجازي، على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية. ويصح أن يكون استعارة تمثيلية بتشبيه حالة تقليل المسلمين في أعينهم الحامل لهم على هلاكهم، بمعاملة الماكر المحتال بإظهار خلاف ما يبطن. ويصح أن يكون مشاكلة صرفة، فالوجوه أربعة اه «شهاب» بتصرف وزيادة. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ لأن الإمطار حقيقة في إنزال الغيث، ويصح أن يكون مجازا مرسلا علاقته المشابهة في الصب بكثرة. ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾. ومنها: القصر في قوله: ﴿إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾، وفي قوله: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً﴾. ومنها: الحصر في قوله: ﴿إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾. ومنها: المقابلة في قوله: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾، وفي قوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾.

стр. 4668

ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ونسأل الله الإعانة، وكمال التيسير، والتوفيق لنا لأصوب التفسير، وأن يكرمنا بإكماله كما وفقنا بابتدائه بمنه وكرمه وجوده وإفضاله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين آمين (١).

стр. 4669

شعر مُرَادِيَ لاَ يَخْفَى عَلَيْكَ فَجُدْ بِهِ ... وَهُوَ عَلَى التَّفْصِيْلِ عِنْدَكَ بَادِيْ تَعَؤَدْتُ مِنْكَ الْجُوْدَ وَالْفَضْلَ في الَّذِيْ ... أُوَمِّلُ مِنْ خَيْرٍ فَعَجِّلْ جَوَابِي لَدَيْكَ جَمِيْعُ اَلْخَيْرِ فَاسْمَحْ بِنَيْلِهِ ... لِعَبْدٍ يُنَاجِي يَا سَمِيْعَ نِدَائِي

стр. 4670

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن تأليف الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة إشراف ومراجعة الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة «المجلد الحادي عشر»

стр. 4671

حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م دار طوق النجاة بيروت - لبنان

стр. 4672

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن [١١]

стр. 4673

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4674

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله على كماله، والشكر له على نواله، والصلاة والسلام على نبيه وآله، سيدنا محمَّد ﷺ وجميع صحبه وحزبه. أما بعد: فإني لمَّا فرغتُ من تفسير الجزء التاسع من القرآن .. قصدت البداية في تفسير الجزء العاشر منه، وبالله أعتضد، ومن فيضه أستمد , وأقول وقولي هذا: قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾.

стр. 4675

المناسبة قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله لمَّا (١) أمر بقتال الكفار المعتدين الذين كانوا يفتنون المسلمين عن دينهم حتى لا تكون فتنة، ووعد المؤمنين بالنصر عليهم، وكان ذلك مستتبعًا لأخذ الغنائم منهم .. ناسب أن يذكر ما يرضيه في قسمة الغنائم على الوجه الذي شرعه. والجمهور على أنّ هذه الآية نزلت في غزوة بدر، وعلى أنّ ابتداء فرض قسمة الغنائم كان بها. وقال أبو حيان (٢): مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لمَّا أمر بقتال الكفار حتى لا تكون فتنة .. اقتضى ذلك وقائع وحروبًا، فذكر بعض أحكام الغنائم، وكان في ذلك تبشيرٌ للمؤمنين بغلبتهم للكفار وقسم ما يحصل منهم من الغنائم. انتهى. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ...﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: أن الله (٣) لما ذكر نعمه على رسوله، وعلى المؤمنين يوم بدر .. أردف ذلك بذكر أدبين عظيمين إذا التقوا بعدوِّهم: ١ - الثبات وتوطين النفس على اللِّقاء، مع عدم التواني والتكاسل. ٢ - ذكر الله كثيرًا، وهو ذكره بألسنتهم وقلوبهم؛ تنبيهًا على أنَّ الإنسان يجب أن لا يخلو قلبه من ذكره في أشد الأوقات حرجًا، وقد طلب إلينا الثبات والطاعة لله ورسوله حتى لا نفشل وتدول علينا الدولة.

стр. 4676

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ ...﴾ مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لما أمر عباده المؤمنين بما أمر به من جلائل الصفات، ومحاسن الآداب التي تكون سبب الظفر في القتال، ونهاهم عن التنازع .. قفى على ذلك بنهيهم عما كان عليه مشركو قريش حين خرجوا لحماية العير، من البطر والكبرياء، والصد عن سبيل الله تعالى. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (١) ابن جرير عن محمَّد بن كعب القرظي قال: لما خرجت قريش من مكة إلى بدر .. خرجوا بالقيان - جمع قينة: المرأة المغنية - والدفوف فأنزل الله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ ..﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه الطبراني في "الأوسط" بسندٍ ضعيف عن أبي هريرة قال: لما أنزل الله على نبيه ﷺ بمكة: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ .. قال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله، أيُّ جمع؟ وذلك قبل بدر، فلما كان يوم بدر وانهزمت قريشٌ .. نظرت إلى رسول الله ﷺ في آثارهم مصلتًا بالسيف يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ فكانت ليوم بدر، فأنزل فيهم ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ الآية، وأنزل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾، ورماهم رسول الله ﷺ فوسعتهم الرمية، وملأت أعينهم وأفواهم، حتى إن الرجل ليقتل وهو يقذي عينه وفاه، فأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾، وأنزل في إبليس: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، وقال عتبة بن ربيعة وناس معه من المشركين يوم بدر: غَرَّ هؤلاء دينهم، فأنزل الله: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾.

стр. 4677

التفسير وأوجه القراءة ٤١ - ﴿وَاعْلَمُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: أنَّ كلَّ ما غنمتموه من الأموال، وأخذتموه من الكفار المحاربين قهرًا، حالة كونه كائنًا من شيء، أي: قليلًا كان أو كثيرًا، حقيرًا كان أو جليلًا، ولكن خصَّص الإجماع من عموم الشيء الأسارى؛ فإن الخيرة فيهم إلى الإِمام بلا خلاف، وكذلك سلب المقتول إذا نادى به الإِمام ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾؛ أي: فإن خمس ما غنمتموه لله؛ أي: مفوض أمره إلى الله تعالى، يصرف في المواضع التي أمر الصرف إليها، وهي الخمسة المذكورة بعد لفظ الجلالة، والجمهور على أن ذكر الله للتعظيم والتبرك؛ لأن الدنيا والآخرة كليهما لله تعالى؛ كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، وأنَّ المراد قسم الخمس على الخمسة المعطوفين عليه، وأما أربعة أخماسها الباقية .. فللغانمين، للفارس منهم ثلاثة أسهم، وللراجل سهمٌ. والمعنى: واعلموا أيها المؤمنون أن ما غنمتموه من الكفار المحاربين قهرًا، حالة كونه من شيء يتمول، ولو قليلًا .. فأربعة أخماسه حقٌّ لكم، وأن خمسه الباقي مصروفٌ لمن جعله الله مستحقًا له، وهم المذكورون بقوله: ﴿وَلِلرَّسُولِ ...﴾ إلخ؛ أي: يصرف خمس ذلك الخمس؛ أي: يخمس ذلك الخمس، فيصرف خمسه للرسول ﷺ في حال حياته، يصنع فيه ما شاء، أما (١) بعد وفاته ﷺ : يصرف خمس الخمس الذي كان له إِلى مصالح المسلمين العامَّة، من سد الثغور، وشراء السلاح، وبناء المساجد والمدارس والقناطر، وطريق الدعوة إلى الله تعالى، وهذا مذهب الشافعي. وقال مالك: الرأي فيه إلى الإِمام. وقال أبو حنيفة: سقط سهمه وسهم ذوي القربى بوفاته ﷺ ، وصار الكل مصروفًا إلى الثلاثة الباقية اهـ. "بيضاوي". وخرج بقولنا: قهرًا .. ما أخذ منهم من غير قتال، فهو فيء، كالجزية، وعشر التجارة، وتركة المرتد والكافر المعصوم الذي لا وارث له، وحكمه معلوم

стр. 4678

من كتب الفروع. وظاهر الآية: أن خمس الغنيمة يقسم ستة أقسام، وبه قال أبو العالية وطائفة. ومعنى الآية على هذا القول، أي: واعلموا أيها المؤمنون أن كل ما غنمتموه من الكفار المحاربين ... فاجعلوا أولًا خمسه لله تعالى، ينفق فيما يرضيه تعالى من مصالح الدين العامة؛ كالدعوة للإسلام، وإقامة شعائره، وعمارة الكعبة وكسوتها، ثم أعطوا للرسول من كفايته لنفسه ونسائه مدة سنة، ثم أعطوا منه ذوي القربى الخ. ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: ويصرف خمسٌ لأصحاب قرابة النبي ﷺ ، من أهله وعشيرته - نسبًا وولاءً - المسلمين، وقد خصَّ النبي ﷺ ذلك النبي ﷺ هاشم وبني أخيه المطلب، دون بني عبد شمس ونوفل، سواءٌ فيه أغنيائهم وفقرائهم، يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، روى البخاري عن مطعم بن جبير - من بني نوفل - قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان - من بني عبد شمس - إلى رسول الله ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة؟ فقال رسول الله ﷺ : إنما بنوا المطلب وبنو هاشم شيءٌ واحدٌ" وسر هذا: أنَّ قريشًا لما كتبت الصحيفة وأخرجت بني هاشم من مكة وحصرتهم في الشعب لحمايتهم له ﷺ .. دخل معهم فيه بنو المطلب، ولم يدخل بنو عبد شمس، ولا بنو نوفل، مع ما كان من عداوة بني أمية بن عبد شمس لبني هاشم في الجاهلية والإِسلام، فقد ظلَّ أبو سفيان يقاتل النبي ﷺ ، ويؤلِّبُ عليه المشركين وأهل الكتاب إلى أن أظفر الله رسوله؛ ودانت له العرب بفتح مكة، وكذلك بعد الإِسلام خرج معاوية على علي وقاتله. ﴿و﴾ خمس يصرف إلى ﴿اليتامى﴾ الفقراء من سائر المسلمين، غير يتامى بني هاشم وبني المطلب، وهم: أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم ﴿و﴾ خمسٌ يصرف لـ ﴿المساكين﴾؛ أي: ذوي الحاجة من المسلمين، من غير بني هاشم وبني المطلب ﴿و﴾ خمس يصرف لـ ﴿ابن السبيل﴾؛ أي: المنقطع في سفره - المحتاج، ولا معصية بسفره - من المسلمين. والحكمة في تقسيم الخمس على هذا النحو: أن الدولة التي تدير سياسة

стр. 4679

الأمة لا بدَّ لها من المال؛ لتستعين به على القيام بالمصالح العامة، كشعائر الدين، والدفاع عن الأمة، وهو ما جعل لله في هذه الآية، ثم نفقة رئيس حكومتها، وهو سهم الرسول فيها، ثم ما كان لأقوى عصبته وأخلصهم له وأظهرهم تمثيلًا لشرفه وكرامته، وهو سهم ذوي القربى، ثم ما يكون لذوي الحاجات من ضعفاء الأمة، وهم الباقون. ولا يزال هذا الاعتبار مراعى معمولًا به في كثير من الدول مع اختلاف شؤون الاجتماع والمصالح العامة، فالمال الذي يرصد للمصالح العامة يدخل في موازين الوزارات المختلفة، ما بين جهرية وسرية، ولا سيما الأمور الحربية، وكذلك راتب بمثل الدولة من ملك، أو رئيس جمهورية، منه ما هو خاصٌّ بشخصه، ومنه لأسرته وعياله، ومن موازين الدولة: ما يبذل لإعانة الجماعات الخيرية والعلمية ونحوهما. وكذلك اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، لا تجعل لهم الدول في هذا العصر حقًّا في أموال الدولة، وإن كان بعض الدول يعطيهم أموالًا من الأوقاف الخيرية التي تتولى أمر استغلالها وإنفاق ريعها على المستحقين له، وبعضها يخصص إعانات للعمال المتعطلين في وقت الحاجة فحسب. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مفتاح كلام؛ أي: إنه ذكر على سبيل التبرك، وانما أضافه سبحانه إلى نفسه؛ لأنه هو الحاكم فيه، فيقسمه كيف شاء، وليس المراد منه أنَّ لله سهمًا مفردًا؛ لأن ما في السموات والأرض .. فهو لله، وبهذا قال الحسن، وقتادة، وعطاء، وإبراهيم النخعي، فقالوا: سهم الله وسهم رسوله واحدٌ، وذكر الله للتعظيم، وهذا هو القول الذي عليه الجمهور، وهو الراجح كما مرَّ، وكأنَّ التركيب حينئذٍ: واعلموا أنَّ ما غنمتم من شيء فأن لله وللرسول خمسًا واحدًا من أخماس خمسه، ولذي القربى خمسًا واحدًا منها ولليتامى خمسًا واحدًا منها وللمساكين خمسًا واحدًا منها، ولابن السبيل خمسًا واحدًا منها.

стр. 4680

فصل واختلف العلماء (١): هل الغنيمة والفيء اسمان لمسمَّى واحد أم يختلفان في التسمية؟. فقال عطاء بن السائب: الغنيمة: ما ظهر المسلمون عليه من أموال المشركين فأخذوه عنوةً، وأما الأرض فهي فيءٌ. وقال سفيان الثوري: الغنيمة: ما أصاب المسلمون من مال الكفار عنوةً بقتال، وفيه الخمس، وأربعة أخماسه لمن شهد الوقعة، والفيء: ما صولحوا عليه بغير قتال، وليس فيه خمس، فهو لمن سمَّى الله. وقيل: الغنيمة: ما أخذ من أموال الكفار عنوةً عن قهر وغلبة، والفيء: ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركابٍ؛ كالعشور، والجزية، وأموال الصلح، والمهادنة، وقيل: إن الفيء والغنيمة معناهما واحدٌ، وهما اسمان لشيء واحد. والصحيح: أنهما يختلفان، فالفيء: ما أخذ من أموال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب، والغنيمة: ما أخذ من أموالهم على سبيل القهر والغلبة بإيجاف خيل عليه أو ركاب. فذكر الله في هذه الآية حكم الغنيمة، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، يعني: من أي شيء كان، حتى الخيط والمخيط، فإنَّ لله وللرسول خمسه، وقد ذكر أكثر المفسرين والفقهاء أن قوله: ﴿لله﴾ افتتاح كلام على سبيل التبرك، وإنّما أضافه لنفسه تعالى لأنّه هو الحاكم فيه، فيقسمه كيف شاء، وليس المراد منه أنَّ سهمًا منه لله مفردًا؛ لأنَّ الدنيا والآخرة كلها لله تعالى كما مرَّ. وروى الجعفي عن هارون عن أبي عمرو (٢): ﴿فإنّ لله﴾ بكسر الهمزة، وحكاها ابن عطية عن الجعفي عن أبي بكر عن عاصم، ويقوِّي هذه القراءة قراءة النخعي: ﴿فلِلَّهِ خُمُسُه﴾. وقرأ الحسن وعبد الوارث عن أبي عمرو: ﴿خُمْسَه﴾

стр. 4681

بسكون الميم، وقرأ النخعي: ﴿خِمْسَه﴾ بكسر الخاء على الإتباع، يعني: إتباع حركة الخاء لحركة ما قبلها، كقراءة من قرأ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ بكسر الحاء إتباعًا لحركة التاء، ولم يعتد بالساكن؛ لأنّه حاجز غير حصين. وقوله : ﴿إن كنتم﴾ أيها المؤمنون ﴿ءَامَنتُم بالله﴾ وصدّقتم وحدانيته، شرطٌ جوابه محذوف، وقوله: ﴿وما أنزلنا﴾ معطوف على الجلالة؛ أي: وآمنتم بالمنزل ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمدٍ ﷺ ، وهذه إضافة تشريف وتعظيم للنبي ﷺ ، والذي أنزله على عبده محمَّد ﷺ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ...﴾ الآية، وقيل: المراد ما أنزله عليه من الآيات والملائكة والفتح يومئذ، قوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ متعلقٌ بـ ﴿أنزلنا﴾ والمراد بيوم الفرقان: يوم بدر، سمي به؛ لأن الله فرَّق فيه بين الحق بنصره والباطل بخذلانه؛ لأنه حكم فيه بالنصرة والغنيمة للنبي ﷺ وأصحابه، والقتل والهزيمة لأبي جهل وأصحابه. وقوله: ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ بدل من يوم الفرقان؛ أي: يوم التقى وتقاتل فيه والتحم جمع المؤمنين وجمع الكافرين، وهو يوم بدر، وهو (١) أول مشهد شهده رسولُ الله ﷺ وكان رئيس المشركين عتبة بن ربيعة، فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة، أو لسبع عشرة خلت من رمضان، في السنة الثانية من الهجرة، وأصحاب رسول الله ﷺ يومئذ ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، والمشركون ما بين الألف والتسع مئة، فهَزم المشركين، وقَتل منهم زيادةً على سبعين، وأسر منهم مثل ذلك. والمعنى: إن كنتم أيها المؤمنون أمنتم باللهِ، وبما أنزل على عبده محمَّد ﷺ في يوم بدر، الذي هو يومٌ فرَّق الله فيه بين الحق والباطل، ويوم التقى واقتتل فيه جمع المسلمين وجمع الكافرين؛ أي: إن كنتم آمنتم بما ذكر إيمان إذعان وقبول .. فاعلموا أن خمس الغنيمة مصروفٌ إلى هذه المصارف الخمسة، واقطعوا أطماعكم عنه، واقنعوا بالأخماس الأربعة. ﴿والله﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ شاءه ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر، لا

стр. 4682

يعجزه شيء، ومن قدرته: أن نصركم على قلتكم، وجوعكم، وضعفكم، وبلوغ عدوكم ثلاثة أضعاف عددكم أو أكثر، وأيَّد رسوله وأنجز وعده له. وقرأ زيد بن عليّ (١): ﴿عَلَى عُبُدِنَا﴾ بضمتين، كقراءة من قرأ: ﴿وَعُبُدَ الطَّاغُوتَ﴾ بضمتين، و ﴿عَبْدنا﴾ على قراءة الجمهور هو الرسول ﷺ ، كما مرَّ بيانه، و ﴿عُبُدِنا﴾ على هذه القراءة هو الرسول ومن معه من المؤمنين. ٤٢ - و ﴿إذ﴾ في قوله: ﴿إذ أَنتُم﴾: بدل من يوم الفرقان؛ أي: إن كنتم آمنتم بما أنزلنا على عبدنا ذلك اليوم، في الوقت الذي أنتم كائنون مستقرون ﴿بالعدوة الدنيا﴾؛ أي: بالجانب القريب إلى المدينة من ذلك الوادي، يعني: وادي بدر ﴿وَهُم﴾؛ أي: أعداؤكم المشركون نازلون ﴿بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾؛ أي: بالجانب البعيد من المدينة من ذلك الوادي. والعدوة - مثلثة العين - جانب الوادي. والدنيا: - مؤنث الأدنى - وهو الأقرب. والقصوى: - مؤنث الأقصى - وهو الأبعد، كما سيأتي في مبحث التصريف. والمعنى (٢): إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلنا على عبدنا في ذلك اليوم، في الوقت الذي كنتم مرابطين فيه بأقرب الجانبين من الوادي إلى المدينة، وفيه نزل المطر لا في غيره، والأعداء في الجانب الأبعد عنها، ولا ماء فيه، وأرضه رخوة تسوخ فيها الأقدام، ويجوز أن يكون العامل في ﴿إذ﴾ محذوفًا، تقديره: واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم، إذ أنتم نازلون بشفير الوادي الأدنى من المدينة، وهم - أي المشركون - نازلون بشفير الوادي الأقصى من المدينة مما يلي مكة. ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾؛ أي: والحال أن العير التي خرج المسلمون للقائها التي يقودها أبو سفيان وأصحابه قادمًا بها من الشام بطعام .. كائنون

стр. 4683

بمكانٍ أسفل منكم على ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر. ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ﴾ أنتم وأهل مكة على القتال ﴿اخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾؛ أي: لخالف بعضكم بعضًا في الميعاد؛ هيبةً منهم؛ لكثرتهم وقلتكم؛ أي: ولو أعلم كل منكم الآخر بالخروج للقتال .. لاختلفتم في الميعاد؛ أي: لتخلفتم عن الميعاد؛ أي: المواعدة؛ أي: التواعد، بمعنى: أنكم لم توفوا بما أعلمتم به، بل تتخلفون عن الخروج. والمعنى (١): أي ولو تواعدتم أنتم وهم على القتال، وعلمتم ما لهم وما لكم .. لاختلفتم في الميعاد؛ كراهةً للحرب لقلَّتكم، وعدم إعداد العُدَّة لها، وانحصار همكم في العير، ويأسًا من الظفر بها, ولأن غرض الأكثرين منهم كان إنقاذ العير دون القتال؛ لأنهم كانوا يهابون قتال رسول الله ﷺ ، ولا يأمنون نصر الله له؛ لأن كفر الكثيرين منهم به كان استكبارًا وعنادًا، لا اعتقادًا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بكسر العين في (٢): ﴿العِدْوة﴾ في الموضعين، وباقي السبعة بالضم. وقرأ الحسن وقتادة وزيد بن علي وعمرو بن عبيد بالفتح، وأنكر أبو عمرو الضم، وقال الأخفش: لم يسمع من العرب إلا الكسر. وقال أبو عبيد: الضم أكثرهما. وقال اليزيدي: الكسر لغة الحجاز. انتهى. وقرىء: ﴿بالعِدْية﴾ بقلب الواو ياء؛ لكسرة العين، ولم يعتدوا بالساكن؛ لأنه حاجز غير حصين. وقرأ زيد بن علي: ﴿القصيا﴾ وقد ذكرنا أنه القياس، وذلك لغة تميم. وقرأ زيد بن علي: ﴿أسفل﴾ بالرفع، اتسع في الظرف فجعله نفس المبتدأ مجازًا. فائدة لطيفة: قال الزمخشري: فإن قلتَ (٣): ما فائدة هذا التوقيت، وذكر مراكز الفريقين، وأن العير كانت أسفل منهم؟

стр. 4684

قلتُ: الفائدة فيه: الإخبار عن الحالة الدالة على قوة شأن العدو وشوكته، وتكامل عدته، وتمهد أسباب الغلبة له، وضعف شأن المسلمين وشتات أمرهم، وأن غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعًا من الله تعالى، ودليلٌ على أنَّ ذلك أمر لم يتيسَّر إلا بحوله وقُوَّته، وباهر قدرته، وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء، وكانت أرضًا لا بأس بها, ولا ماء بالعدوة الدنيا، وهي غبار تسوخ فيها الأرجل، ولا يمشي فيها إلا بتعب ومشقة، وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم، وكانت الحماة دونها تضاعف حميتهم، وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحرب بظعنهم وأموالهم؛ ليبعثهم الذب عن الحرم والغيرة على الحرم على بذل تجهيداتهم في القتال، وأن لا يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالإنحياز إليه، فيجمع ذلك قلوبهم، ويضبط هممهم، ويوطن نفوسهم على أن لا يبرحوا مواطنهم، ولا يخلوا مراكزهم، ويبذلوا منتهى نجدتهم، وقصارى شدتهم، وفيه تصوير ما دبر سبحانه من أمر وقعة بدر. انتهى، وهو كلام حسن. ﴿وَلَكِنْ﴾ جمع الله تعالى بينكم وبينهم على هذه الحال بغير ميعاد؛ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾؛ أي: ليمضي الله ويوجد أمرًا وشأنًا كان مفعولًا في سابق علمه، وهو النصرة والغنيمة للنبيِّ وأصحابه، والهزيمة والقتل لأبي جهل وأصحابه، ويكون استيلاء المؤمنين على المشركين معجزةً دالةً على صدق الرسول ﷺ . أي (١): ولكن تلاقيتم واقتتلتم على غير موعد ولا رغبةٍ في القتال؛ ليقضي الله سبحانه ويظهر لكم أمرًا وشيئًا كان وسبق في علمه وحكمته أنه واقع لا محالة، وهو القتال المفضي إلى خزيهم، ونصركم عليهم، وصدق وعده لرسوله، وإظهار دينه على الدين كله، ولو كره المشركون، فأخرج المسلمين لأخذ العير وغنيمتها عند أنفسهم، وأخرج الكافرين للمدافعة عنها, ولم يكن في ظن

стр. 4685

الطائفتين أن يقع هذا الاتفاق على هذه الصفة. واللام في ﴿لِيَقْضِيَ﴾ متعلقة بمحذوف، كما قدَّرنا آنفًا بقولنا: ولكن جمعهم ليقضي. وجملة قوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾: بدلٌ من الجملة التي قبلها، أعني: ليقضي؛ أي: جمع الله بينكم؛ ليموت من مات عن بينةٍ رآها، وعبرةٍ عاينها، وحجةٍ قامت عليه، ويعيش من عاش عن بينة رآها، وعبرة شاهدها، وحجة عليه؛ لئلا يكون له حجةٌ ومعذرةٌ. وقيل: الهلاك والحياة مستعاران للكفر والإسلام؛ أي: ليصدر إسلام من أسلم عن وضوح ويقين بأنه دين الحق، ويصدر كفر من كفر عن وضوح وبينة، لا عن مخالجة شبهةٍ، وقال قتادة: ليضل من ضلَّ عن بينة، ويهتدي من اهتدى على بينة، وفي "الفتوحات": ﴿لِيَهْلِكَ﴾ (١)؛ أي: يدوم على الهلاك؛ أي: الكفر ﴿وَيَحْيَى﴾؛ أي: يدوم على الحياة، أي: الإيمان. انتهى. والخلاصة: فعل ذلك بكم؛ ليترتب على قضاء هذا الأمر أن يهلك من الكفار من هلك عن حجةٍ بينةٍ، واضحةٍ، مشاهدةٍ بالبصر على حقية الإِسلام، بإنجاز وعده لرسوله ومن معه من المؤمنين، بحيث تنتفي الشبهة، ولا يكون هناك مجالٌ للاعتذار عند الله عن إجابة الدعوة، ويعيش من يعيش من المؤمنين عن حجة شاهدها وعاينها، فيزداد يقينًا بالإيمان، ونشاطًا في الأعمال. وقرأ الأعمش، وعصمة عن أبي بكر عن عاصم (٢): ﴿لِيَهْلِك﴾ بفتح اللام. وقرأ نافع وخلف وسهل ويعقوب والبزيّ وأبو بكر: ﴿مَنْ حَيّ﴾ بيائين على الأصل. وقرأ الباقون بياء واحدة على الإدغام، وهو اختيار أبي عبيد؛ لأنها كذلك وقعت في المصحف، والفك والإدغام لغتان مشهورتان. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَسَمِيعٌ﴾ بكفر الكافرين، وإيمان المؤمنين ﴿عَلِيمٌ﴾ بكفرهم وإيمانهم، لا يخفى عليه شيء من أقوال الكافرين والمؤمنين، ولا من عقائدهم وأفعالهم، فهو يسمع ما يقول كل فريق منهم من الأقوال

стр. 4686

الصادرة عن عقيدة، والأعذار التي يعتذر بها عن تقصيره في أعماله، ويعلم ما يكنُّه من ذلك ومن غيره، ويجازي كلًّا بحسب ما يسمع ويعلم. والخلاصة: (١) أنَّ غزوة بدر قامت بها الحجة البالغة للمؤمنين بنصرهم - كما بشرهم النبي ﷺ وحجته البالغة على الكافرين بخذلانهم وانكسارهم - كما أنذرهم الرسول ﷺ ولا مجال في ذلك للمكابرة والتأويل. وختم بهاتين الصفتين؛ لأنَّ الكفر والإيمان يستلزمان النطق باللسان، والاعتقاد بالجَنَانِ، فهو سميع لأقوالكم، عليم بنياتكم. ٤٣ - ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: واذكر يا محمَّد نعمة الله عليك؛ إذ يريك المشركين ﴿فِي مَنَامِكَ﴾؛ أي: في نومك قبل يوم بدر ﴿قَلِيلًا﴾ عددهم مع كثرتهم، وقال أبو حيان: والمراد بالقلة هنا قلة القدر واليأس والنجدة، وأنهم مهزومون مصروعون، ولا يحمل على قلة العدد؛ لأنه ﷺ رؤياه حق، وقد كان علم أنهم ما بين تسع مئة إلى ألف، فلا يمكن حمل ذلك على قلة العدد. انتهى. قال مجاهد (٢): أراهم الله في منامه قليلًا، فأخبر النبي ﷺ أصحابه بذلك، وكان ذلك تثبيتًا. وقال محمَّد بن إسحاق: فكان ما أراه الله من ذلك نعمةً من نعمه عليهم، يشجعهم بها على عدوهم، فكف عنهم بها ما تخوف عليهم من ضعفهم لعلمه بما فيهم. وقيل: لما أُري النبي ﷺ كفارَ قريش في منامه قليلًا، فأخبر بذلك أصحابه .. قالوا: رؤيا النبي ﷺ حق، فصار ذلك سببًا لجرائتهم على عدوهم، وقوةً لقلوبهم. وقال الحسن: إن هذه الإراءة كانت في اليقظة، والمراد من المنام: العين؛ لأنها موضع النوم. قال الزجاج: هذا مذهب حسن، ولكن الأول أسوغ في العربية؛ لقوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ ...﴾ إلخ، فدل بهذا على أنَّ هذه رؤية الالتقاءة واليقظة، وأن تلك رؤية النوم.

стр. 4687

وقيل: الظرف في ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾: متعلق بـ ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ المذكورين قبله، والمعنى (١): حينئذٍ: إنَّ الله سميع لما يقول أصحابك، عليم بما يضمرونه، إذ يريك الله عدد عدوك وعدوهم قليلًا في الرؤيا المنامية، فتخبر بها المؤمنين، وتطمئن قلوبهم، وتقوي آمالهم بالنصر.، فيجترئون عليهم. ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ﴾؛ أي: ولو أراك يا محمَّد المشركين في منامك ﴿كَثِيرًا﴾ عددهم، وذكرت ذلك لأصحابك .. ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾، أي: لجبنتم، ولتأخرتم عن حربهم وقتالهم؛ أي: لو أراكهم كثيرًا .. لذكرته لأصحابك، ولو سمعوا ذلك .. لجبنوا ﴿وَلَتَنَازَعْتُم﴾ معطوف على ما قبله عطف سبب على مسبب، وسيذكر مقدمًا في قوله الآتي: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾؛ أي: ولاختلفتم في أمر القتال، ولتفرقت آراؤكم في الفرار والثبات. وانظر إلى محاسن القرآن، فإنه لم يسند الفشل إليه ﷺ ؛ لأنه معصوم، بل قال: ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾ إشارةً إلى أصحابه؛ أي: (٢) ولو أراك ربك عدوك وعدوهم كثيرًا .. لفشل أصحابك وخافوا، ولم يقدروا على حرب القوم، ولوقع بينهم النزاع وتفرق الآراء في أمر القتال؛ إذ منهم القوي الإيمان والعزيمة، فيطيع الله ورسوله ويقاتل، ومنهم الضعيف الذي يثبط عن القتال، بمثل الأعذار التي جادلوا بها الرسول ﷺ ، كما تقدم في قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾. وعبارة "الخازن" هنا قوله: ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ يعني: اختلفتم في أمر الإقدام عليهم، أو الإحجام عنهم، وقيل: معنى التنازع في الأمر: الاختلاف الذي تكون معه مخاصمة ومجادلة ومجاذبة كل واحد إلى ناحية، والمعنى: لاضطرب أمركم واختلفت كلمتكم. انتهت. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿سَلَّمَ﴾؛ أي: سلمكم، وحفظكم من التنازع والمخالفة فيما بينكم، وقيل: معناه: ولكن الله تعالى سلمكم وعصمكم

стр. 4688

من الفشل والتنازع، وتفرق الآراء، وما يعقب ذلك من الانكسار والخذلان والهزيمة ﴿إنه﴾ ﴿عَلِيم بذَات اَلصدُورِ﴾؛ أي: بالخطرات التي تقع في القلوب من الصبر والجزع والجراءة والجبن، ولذلك دبر ما دبر. والمعنى: أنه تعالى عليم بما تخفيه الصدور من شعور الجبن والجزع الذي تضيق به فيحجم عن القتال، ومن شعور الإيمان والتوكل الذي يبعث في النفس الطمأنينة والصبر فيحملها على الإقدام، ويسخر لكل منهما الأسباب التي تفضي إلى ما يريده منها. ٤٤ - والخطاب في قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ﴾ .. للرسول ﷺ وللمؤمنين جميعًا، وأرى: بصرية يقظانية، والظرف متعلق بمحذوف، تقديره: واذكروا يا معشر المؤمنين نعمة الله تعالى عليكم؛ إذ يبصركم الكفار وقت التقائكم وتقابلكم في المعركة ﴿فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾؛ أي: أراكم إياهم حالة كونهم قليلًا في أعينكم ونظركم، حتى قال قائلٌ من المسلمين لآخر: أتراهم سبعين؟ قال: هم نحو المئة، وهم في نفس الأمر ألفٌ، تصديقًا لرؤيا النبي ﷺ ، ولتزداد جراءة المؤمنين عليهم. ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿فِي أَعْيُنِهِمْ﴾؛ أي: في أعين الكفار ونظرهم؛ أي: يريهم إياكم قليلًا في أعينهم ونظرهم، حتى قال أبو جهل: إنما أصحاب محمَّد آكلة جزور؛ أي: قليلٌ، يشبعهم. جزور واحدٌ، فلا تقتلوهم واربطوهم بالحبال، وقلل الله المؤمنين في أعين المشركين قبل التحام الحرب؛ لئلا يبالغ الكفار في تحصيل الاستعداد والحذر، فيصير ذلك سببًا لانكسارهم، ولأنهم إذا رأوهم قليلًا أقدموا على القتال غير خائفين، فلما التحم القتال .. أرى الكفار المسلمين مثلي الكفار، وكانوا ألفًا، فرأوا المسلمين قدر ألفين؛ ليهابوا، وتضعف قلوبهم وشوكتهم، ويتمكن المسلمون منهم، وتكون الدائرة عليهم. واللام في قوله: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ متعلقةٌ بمحذوف، تقديره: فعل بكم وبهم ذلك التقليل؛ ليظهر الله أمرًا كان مقضيًّا في سابق علمه، من إعلاء كلمة الإِسلام، ونصر أهله، وإذلال كلمة الشرك، وخذلان أهله.

стр. 4689

والخلاصة (١): أنّ الله فعل ذلك؛ ليقدم كل منكم ومنهم على قتال الآخر، فهذا واثق بنفسه مدل ببأسه , وهذا متكل على ربه واثق بوعده، حتى إذا ما التقيتم ثبتكم وثبطهم؛ ليقضي بنصركم عليهم أمرًا كان في علمه مفعولًا، وهو أن تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، ومن ثم هيَّأ الأسباب وقدرها تقديرًا. - فإن قلت (٢) قد قال في الآية المتقدمة: ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ وقال في هذه الآية: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، فما فائدة هذا التكرار؟ قلتُ: المقصود من ذكره في الآية المتقدمة؛ ليحصل استيلاء المسلمين على المشركين على وجه القهر والغلبة؛ ليكون ذلك معجزةً دالة على صدق رسول الله ﷺ ، والمقصود من ذكره في هذه الآية: أنَّ الله قلل عدد الفريقين في أعين بعضهم بعضًا؛ للحكمة التي قضاها، فلذلك قال: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾. ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ ، لا إلى غيره ﴿تُرْجَعُ﴾ بالبناء للمفعول؛ أي: ترد ﴿الْأُمُورُ﴾ كلها، يفعل فيها ما يريد، ويقضي في شأنها ما يشاء، ولا تجري على ما يظنه العبيد. وقرىء بالبناء للفاعل، أي: تفسير وترجع وتعود إلى الله تعالى في الآخرة، فيجازي كل عامل على قدر عمله، فالمحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، أو يغفر. فائدة: فإن قيل (٣): ما فائدة تكرار الرؤية ها هنا، وقد ذكرت في قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾؟ قلتُ: يجاب عنه بجوابين:

стр. 4690

أحدهما: أنَّ الأولى كانت في المنام، والثانية في اليقظة، فلا تكرار. والثاني: أنَّ الأولى للنبي ﷺ خاصةً، والثانية له ولأصحابه. فإن قيل: تكثير المؤمنين في أعين الكافرين أولى من تقليلهم لمكان إعزازهم؟ قلتُ: يجاب عنه بثلاثة أجوبة: أحدها: أنهم لو كثروا في أعينهم .. لم يقدموا عليهم، فلم يكن قتال. والقتال سبب النصر، فقللهم لذلك. والثاني: أنه قللهم؛ لئلا يتأهب المشركون كل التأهب؛ فإذا تحقق القتال .. وجدهم المسلمون غير مستعدين، فظفروا بهم. والثالث: أنه قللهم؛ ليحمل الأعداء عليهم في كثرتهم فيغلبهم المسلمون، فيكون ذلك آيةً للمشركين، ومنبِّهًا على نصرة الحق. ٤٥ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ، وصدقوا بما جاء به محمد ﷺ ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾؛ أي: إذا قابلتم جماعة كافرة وحاربتموها. وترك (١) وصفها؛ لأن المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفار، واللقاء اسم غالب للقتال ﴿فَاثْبُتُوا﴾ لقتالهم وجدوا في المحاربة، ولا تنهزموا إذا لم يزيدوا على الضعف، بأن يوطنوا أنفسهم على لقاء العدو وقتاله، ولا يحدثوها بالتولي ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بالقلب واللسان في أثناء القتال ذكرا ﴿كَثِيرًا﴾ ومن الذكر ما يقع حال القتال من التكبير. والمعنى (٢): كونوا ذاكرين الله عند لقاء عدوكم ذكرًا كثيرًا بقلوبكم وألسنتكم. أمر الله عباده المؤمنين وأولياءه الصالحين بأن يذكروه في أشد الأحوال، وذلك عند لقاء العدو وقتاله. وفيه تنبيه على أن الإنسان لا يجوز أن يخلو قلبه ولسانه عن ذكر الله تعالى، وقيل: المراد من هذا الذكر: هو الدعاء على العدوِّ، وذلك لا يحصل إلا بمعونة الله تعالى، فأمر الله سبحانه

стр. 4691

وتعالى عباده أن يسألوه النصر على العدو عند اللقاء. والخلاصة: أنكم إذا لقيتم (١) أعداءكم الكفار .. فاثبتوا لهم، ولا تفروا أمامهم؛ فإن الثبات قوة معنوية طالما كان هو السبب في النصر والغلب بين الأفراد والجيوش. انظر إلى الرجلين الجلدين يتصارعان، فيعيا كل منهما وتضعف قوته، ويتوقع كل لحظة أن يقع صريعًا، ولكن قد يخطر له أن خصمه ربما وقع قبله فيثبت إلى اللحظة الأخيرة، فيكون له الفَلْجُ والفوز على خصمه، وهكذا في الحروب، فإن من أهم أسباب النصر فيها: الثبات وعدم اليأس، بل الثبات نافع في كل أعمال البشر، فهو الوسيلة في الفوز والنجاح فيها. وأكثروا من ذكر الله تعالى في أثناء القتال بقلوبكم: بذكر قدرته ووعده بنصر رسله والمؤمنين، ونصر كل من يتبع سنتهم بنصر دينه وإقامة سننه، وبأن النصر بيده ومن عنده، يؤتيه من يشاء، وبألسنتكم: بالتكبير والتسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار، وبالدعاء على الأعداء بنحو قولكم: اللهم أخذلهم واقطع دابرهم واجعل الدائرة عليهم، والتضرع إليه مع اليقين بأنه لا يعجزه شيء. وفي ذلك إيماءٌ إلى أنه يجب على العبد أن لا يفتر عن ذكر الله تعالى، أكثر ما يكون همَّا وأشغل ما يكون قلبًا، وأن تكون نفسه مجتمعة لذلك، وإن كانت متوزعة عن غيره. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: لكي تظفروا بمرادكم من النصرة والمثوبة؛ فإن الثبات وذكر الله تعالى هما وسيلتان من وسائل الفوز في القتال في الدنيا، وفي نيل الثواب في الآخرة. فإن قلت (٢): ظاهر الآية يوجب الثبات على كل حال، وذلك يوهم أنها ناسخة لآية التحرف والتحيز؟

стр. 4692

قلتُ: المراد من الثبات هو: الثبات عند المحاربة والمقاتلة في الجملة، وآية التحرف والتحيز لا تقدح في حصول هذا الثبات في المحاربة، بل ربما كان الثبات لا يحصل إلا بذلك التحرف والتحيز. ٤٦ - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾ فيما أمركم به من الأسباب الموجبة للفلاح في القتال وفي غيره، ﴿و﴾ أطيعوا ﴿رسوله﴾ ﷺ كذلك، فهو المبين لكلام ربه، والمنفذ له بالقول والعمل والحكم، وهو القائد الأعظم في القتال، فطاعته هي جماع النظام، والنظام ركن من أركان الظفر، وهو المشاور لكم في الرأي والتدبير والاستشارة في الأمور. ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾؛ أي: ولا تختلفوا في أمر القتال كما فعلتم في أحد ﴿فَتَفْشَلُوا﴾؛ أي: فتجبنوا عن القتال؛ فإن التنازع والاختلاف يوجب الفشل والضعف والجبن. ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾؛ أي: شدتكم وقوتكم ودولتكم. وقرأ أبو حيوة وأبان وعصمة عن عاصم: ﴿ويذهب﴾ بالياء ونصب الباء، وقرأ الحسن وإبراهيم: ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ بكسر الشين. قال أبو حاتم: وهذا غير معروف. وقال غيره: هي لغة؛ أي: لا يكن منكم تنازعٌ واختلافٌ؛ فإن ذلك مدعاةٌ للفشل والخيبة وذهاب القوة فيتغلب عليكم العدو. وأصل الريح (١): الهواء المتحرك، ثم استعيرت للقوة والغلبة؛ لأنه لا يوجد في الأجسام ما هو أقوى منها، فهي تهيج البحار وتقتلع الأشجار وتهدم الدور والقلاع، ومن ثم يقال: هبت رياح فلان: إذا جرى أمره على ما يريد، كما يقال: ركدت رياحه: إذا ضعف أمره. ومن استعارة (٢) الريح للدولة والقوة قول الشاعر: إِذَا هَبَّتْ رِياحُكَ فَاَغتَنِمهَا ... فَإنَّ لِكُلِّ عَاصِفَةٍ سُكُوْنَا وقال شاعر الأنصار: قَدْ عَوَّدَتْهُم صَبَاهُم أنْ يَكُونَ لَهُم ... رِيْحُ اَلْقِتَالِ وَأسْلاَبُ اَلَّذِيْنَ لَقُوْا وقيل: المراد بالريح: ريح الصبا؛ لأن بها كان ينصر النبي ﷺ ، كما يدل

стр. 4693

عليه قوله ﷺ : "نصرت بالصَّبا، وأهلكت عاد بالدبور" وعن النعمان بن مقرِّن قال: (شهدت رسول الله ﷺ ، فكان إذا لم يقاتل من أول النهار .. أخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر) أخرجه أبو داود. ثم أمرهم الله بالصبر على شدائد الحرب، وأخبرهم بأن الله مع الصابرين في كل أمر ينبغي الصبر فيه، فقال: ﴿وَاصْبِرُوا﴾ عند لقاء عدوكم، ولا تنهزموا عنهم ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالنصر والمعونة، وعن عبد الله بن أبي أوفى أنَّ رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى إذا مالت الشمس .. قام فيهم، فقال: "أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وأسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" ثم قال رسول الله ﷺ : "اللهم مُنْزِلَ الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم" متفق عليه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: "لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا" متفق عليه. والمعنى: واصبروا على الشدائد، وعلى ما تلاقونه من بأس العدو واستعداده، وكثرة عدده، فالله مع الصابرين، يمدهم بمعونته وتأييده، ومن كان الله معينًا له .. فلا يغلبه غالبٌ، ويا حبَّذا هذه المعية، التي لا يغلب من رزقها غالبٌ، ولا يؤتى صاحبها من جهة من الجهات وإن كانت كثيرةً. ٤٧ - ثم نهاهم عن أن تكون حالتهم كحالة الذين خرجوا من ديارهم بطرًا ورئاء الناس، وهم قريش، فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ في الاستكبار والفخر ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ مكة، لحماية العير، حالة كونهم ﴿بَطَرًا﴾؛ أي: بطرين، فرحين مرحين، أشد البطر والفرح، أو خرجوا لأجل البطر والفرح، والبطر: شدة الفرح، أو الطغيان، أو كفران النعم، (و) حالة كونهم ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾؛ أي: مرائين الناس، أو لأجل الرياء، فإنهم خرجوا يوم بدر ليحفظوا العير التي مع أبي سفيان، ومعهم القيان والمعازف، فلما بلغوا الجحفة .. أتاهم رسول أبي سفيان، وقال: ارجعوا إلى مكة؛ فقد سلمت عيركم، فأبوا إلا إظهار الجلادة والقوة

стр. 4694

والشجاعة، وأيضًا لما وردوا الجحفة .. بعث الخفاف الكناني إلى أبي جهل - وهو صديق له - بهدايا مع ابن له، فلما أتاه .. قال: إنَّ أبي يقول: إن شئت أن أمدك بالرجال .. أمددتك، وإن شئت أن أزحف إليك بمن معي من قرابتي .. فعلت. فقال أبو جهل: قل لأبيك: جزاك الله خيرًا، إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمَّد ﷺ ... فوالله ما لنا بالله من طاقة، وإن كنا نقاتل الناس .. فوالله إن بنا على الناس لقوةً، والله ما نرجع عن قتال محمَّد حتى نرد بدرًا، فنشرب فيها الخمور، وتعزف علينا القيان، وننحر الجزور في بدر، فيثني الناس علينا بالشجاعة والسماحة، وقد بدَّلهَم الله شرب الخمر بشرب كأس الموت، وبدل ضرب الجواري على نحو الدفوف بنوح النائحات، وبدل نحر الجزور بنحر رقابهم, حيث قتل منهم سبعون، وأسر سبعون. واعلم: أن النِّعم إذا كثرت من الله تعالى على العبد، فإن صرفها إلى مرضاته تعالى وعرف أنها من الله تعالى .. فذاك هو الشكر، وإن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمغالبة بالكثرة على أهل الزمان .. فذاك هو البطر. والرياء: إظهار الجميل ليراه الناس، مع إبطان القبيح. والفرق بين الرياء والنفاق: أن النفاق: إظهار الإيمان مع إبطان الكفر، والرياء: إظهار الطاعة مع إبطان المعصية. والمعنى: عليكم أيها المؤمنون أن تمتثلوا ما أمرتم به، وتنتهوا عمَّا نهيتهم عنه، ولا تكونوا كأعدائكم المشركين الذين خرجوا من ديارهم في مكة وغيرها من الأماكن التي استنفرهم منها أبو سفيان بطرين بما أوتوا من قوةٍ ونعم لا يستحقونها، مرائين الناس بها ليعجبوا بها ويثنوا عليهم بالغنى والقوة والشجاعة. وظاهر النظم الكريم أن قوله: ﴿بَطَرًا﴾ متعلق بخرجوا، وهو لا يوافق الواقع؛ لأن خروجهم كان لغرضٍ مهم، وهو المنع عن عيرهم، والحق: أن يكون علة لمعلول محذوف، تقديره: خرجوا من ديارهم ليمنعوا عيرهم، ولم يرجعوا بعد نجاتها بطرًا، فهو علة لهذا المقدر، وهو قولنا: لم يرجعوا، وعلة الخروج: منعهم عن عيرهم كما قدرنا، كما ذكره في "الفتوحات".

стр. 4695

وقوله: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: ويمنعون الناس عن الدخول في دين الله، بمعاداة النبي ﷺ والمؤمنين، معطوفٌ على ﴿بَطَرًا﴾ على كلا التأويلين. والمعنى: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرين مرائين، صادين عن سبيل الله، أو خرجوا للبطر والرياء والصد عن سبيل الله تعالى. والصد: إضلال الناس، والحيلولة بينهم وبين طرق الهداية، ويجوز أن يكون ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ معطوفًا على ﴿خَرَجُوا﴾ والمعنى: يجمعون بين الخروج على تلك الصفة والصد عن سبيل الله. وإنّما ذكر البطر والرياء بصيغة الاسم، والصد بصيغة الفعل؛ لأنَّ أبا جهل ورهطه كانوا مجبولين على المفاخرة والرياء، وأما صدهم عن سبيل الله .. فإنّما حصل في الزمان الذي ادَّعى فيه النبي ﷺ النبوة. ﴿والله﴾ : ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ بعلمه؛ أي: عالم بما جاؤوا لأجله؛ أي: إنَّه تعالى عالم بجميع الأشياء، ظواهرها وبواطنها, لا يخفى عن علمه شيءٌ؛ لأنه محيط بأعمال العباد كلِّها، فيجازي المحسنين ويعاقب المسيئين. ٤٨ - وفي هذا زجر شديد، وتهديد أكيد على الرياء والتصنع والبطر والكبرياء، وأنه سيجازي عليها أشد الجزاء ﴿و﴾ اذكروا أيها المؤمنون نعمة الله تعالى عليكم ﴿وَإِذْ زَيَّنَ﴾ وحسن ﴿لَهُمُ﴾؛ أي: لهؤلاء المشركين ﴿الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: إبليس بوسوسته ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ الخبيثة، في معاداة النبي ﷺ والمؤمنين، وخروجهم من مكة، فإن المشركين حين أرادوا السير والخروج إلى بدر .. خافوا من بني بكر بن كنانة؛ لأنهم كانوا قتلوا منهم رجلًا واحدًا قبل ذلك، فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتصوَّر لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك بن جعشم - وهو من بني بكر بن كنانة، وكان من أشرافهم - في جندٍ من الشياطين، ومعه رايةٌ. ﴿وَقَالَ﴾ إبليس للمشركين: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: لا غالب عليكم اليوم من بني كنانة ومن محمد ﷺ وأصحابه؛ أي: وقال لهم بما ألقاه في قلوبهم، وخيل إليهم أنهم لا يغلبون لكثرة عددهم وعددهم، وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما يظنون قربات، حتى قالوا: اللهم انصر إحدى الفئتين، وأفضل الدينين.
следующие страницы →