← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

وتعالى عباده أن يسألوه النصر على العدو عند اللقاء. والخلاصة: أنكم إذا لقيتم (١) أعداءكم الكفار .. فاثبتوا لهم، ولا تفروا أمامهم؛ فإن الثبات قوة معنوية طالما كان هو السبب في النصر والغلب بين الأفراد والجيوش. انظر إلى الرجلين الجلدين يتصارعان، فيعيا كل منهما وتضعف قوته، ويتوقع كل لحظة أن يقع صريعًا، ولكن قد يخطر له أن خصمه ربما وقع قبله فيثبت إلى اللحظة الأخيرة، فيكون له الفَلْجُ والفوز على خصمه، وهكذا في الحروب، فإن من أهم أسباب النصر فيها: الثبات وعدم اليأس، بل الثبات نافع في كل أعمال البشر، فهو الوسيلة في الفوز والنجاح فيها. وأكثروا من ذكر الله تعالى في أثناء القتال بقلوبكم: بذكر قدرته ووعده بنصر رسله والمؤمنين، ونصر كل من يتبع سنتهم بنصر دينه وإقامة سننه، وبأن النصر بيده ومن عنده، يؤتيه من يشاء، وبألسنتكم: بالتكبير والتسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار، وبالدعاء على الأعداء بنحو قولكم: اللهم أخذلهم واقطع دابرهم واجعل الدائرة عليهم، والتضرع إليه مع اليقين بأنه لا يعجزه شيء. وفي ذلك إيماءٌ إلى أنه يجب على العبد أن لا يفتر عن ذكر الله تعالى، أكثر ما يكون همَّا وأشغل ما يكون قلبًا، وأن تكون نفسه مجتمعة لذلك، وإن كانت متوزعة عن غيره. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: لكي تظفروا بمرادكم من النصرة والمثوبة؛ فإن الثبات وذكر الله تعالى هما وسيلتان من وسائل الفوز في القتال في الدنيا، وفي نيل الثواب في الآخرة. فإن قلت (٢): ظاهر الآية يوجب الثبات على كل حال، وذلك يوهم أنها ناسخة لآية التحرف والتحيز؟

стр. 4692

قلتُ: المراد من الثبات هو: الثبات عند المحاربة والمقاتلة في الجملة، وآية التحرف والتحيز لا تقدح في حصول هذا الثبات في المحاربة، بل ربما كان الثبات لا يحصل إلا بذلك التحرف والتحيز. ٤٦ - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾ فيما أمركم به من الأسباب الموجبة للفلاح في القتال وفي غيره، ﴿و﴾ أطيعوا ﴿رسوله﴾ ﷺ كذلك، فهو المبين لكلام ربه، والمنفذ له بالقول والعمل والحكم، وهو القائد الأعظم في القتال، فطاعته هي جماع النظام، والنظام ركن من أركان الظفر، وهو المشاور لكم في الرأي والتدبير والاستشارة في الأمور. ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾؛ أي: ولا تختلفوا في أمر القتال كما فعلتم في أحد ﴿فَتَفْشَلُوا﴾؛ أي: فتجبنوا عن القتال؛ فإن التنازع والاختلاف يوجب الفشل والضعف والجبن. ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾؛ أي: شدتكم وقوتكم ودولتكم. وقرأ أبو حيوة وأبان وعصمة عن عاصم: ﴿ويذهب﴾ بالياء ونصب الباء، وقرأ الحسن وإبراهيم: ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ بكسر الشين. قال أبو حاتم: وهذا غير معروف. وقال غيره: هي لغة؛ أي: لا يكن منكم تنازعٌ واختلافٌ؛ فإن ذلك مدعاةٌ للفشل والخيبة وذهاب القوة فيتغلب عليكم العدو. وأصل الريح (١): الهواء المتحرك، ثم استعيرت للقوة والغلبة؛ لأنه لا يوجد في الأجسام ما هو أقوى منها، فهي تهيج البحار وتقتلع الأشجار وتهدم الدور والقلاع، ومن ثم يقال: هبت رياح فلان: إذا جرى أمره على ما يريد، كما يقال: ركدت رياحه: إذا ضعف أمره. ومن استعارة (٢) الريح للدولة والقوة قول الشاعر: إِذَا هَبَّتْ رِياحُكَ فَاَغتَنِمهَا ... فَإنَّ لِكُلِّ عَاصِفَةٍ سُكُوْنَا وقال شاعر الأنصار: قَدْ عَوَّدَتْهُم صَبَاهُم أنْ يَكُونَ لَهُم ... رِيْحُ اَلْقِتَالِ وَأسْلاَبُ اَلَّذِيْنَ لَقُوْا وقيل: المراد بالريح: ريح الصبا؛ لأن بها كان ينصر النبي ﷺ ، كما يدل

стр. 4693

عليه قوله ﷺ : "نصرت بالصَّبا، وأهلكت عاد بالدبور" وعن النعمان بن مقرِّن قال: (شهدت رسول الله ﷺ ، فكان إذا لم يقاتل من أول النهار .. أخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر) أخرجه أبو داود. ثم أمرهم الله بالصبر على شدائد الحرب، وأخبرهم بأن الله مع الصابرين في كل أمر ينبغي الصبر فيه، فقال: ﴿وَاصْبِرُوا﴾ عند لقاء عدوكم، ولا تنهزموا عنهم ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالنصر والمعونة، وعن عبد الله بن أبي أوفى أنَّ رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى إذا مالت الشمس .. قام فيهم، فقال: "أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وأسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" ثم قال رسول الله ﷺ : "اللهم مُنْزِلَ الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم" متفق عليه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: "لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبروا" متفق عليه. والمعنى: واصبروا على الشدائد، وعلى ما تلاقونه من بأس العدو واستعداده، وكثرة عدده، فالله مع الصابرين، يمدهم بمعونته وتأييده، ومن كان الله معينًا له .. فلا يغلبه غالبٌ، ويا حبَّذا هذه المعية، التي لا يغلب من رزقها غالبٌ، ولا يؤتى صاحبها من جهة من الجهات وإن كانت كثيرةً. ٤٧ - ثم نهاهم عن أن تكون حالتهم كحالة الذين خرجوا من ديارهم بطرًا ورئاء الناس، وهم قريش، فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ في الاستكبار والفخر ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ مكة، لحماية العير، حالة كونهم ﴿بَطَرًا﴾؛ أي: بطرين، فرحين مرحين، أشد البطر والفرح، أو خرجوا لأجل البطر والفرح، والبطر: شدة الفرح، أو الطغيان، أو كفران النعم، (و) حالة كونهم ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾؛ أي: مرائين الناس، أو لأجل الرياء، فإنهم خرجوا يوم بدر ليحفظوا العير التي مع أبي سفيان، ومعهم القيان والمعازف، فلما بلغوا الجحفة .. أتاهم رسول أبي سفيان، وقال: ارجعوا إلى مكة؛ فقد سلمت عيركم، فأبوا إلا إظهار الجلادة والقوة

стр. 4694

والشجاعة، وأيضًا لما وردوا الجحفة .. بعث الخفاف الكناني إلى أبي جهل - وهو صديق له - بهدايا مع ابن له، فلما أتاه .. قال: إنَّ أبي يقول: إن شئت أن أمدك بالرجال .. أمددتك، وإن شئت أن أزحف إليك بمن معي من قرابتي .. فعلت. فقال أبو جهل: قل لأبيك: جزاك الله خيرًا، إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمَّد ﷺ ... فوالله ما لنا بالله من طاقة، وإن كنا نقاتل الناس .. فوالله إن بنا على الناس لقوةً، والله ما نرجع عن قتال محمَّد حتى نرد بدرًا، فنشرب فيها الخمور، وتعزف علينا القيان، وننحر الجزور في بدر، فيثني الناس علينا بالشجاعة والسماحة، وقد بدَّلهَم الله شرب الخمر بشرب كأس الموت، وبدل ضرب الجواري على نحو الدفوف بنوح النائحات، وبدل نحر الجزور بنحر رقابهم, حيث قتل منهم سبعون، وأسر سبعون. واعلم: أن النِّعم إذا كثرت من الله تعالى على العبد، فإن صرفها إلى مرضاته تعالى وعرف أنها من الله تعالى .. فذاك هو الشكر، وإن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمغالبة بالكثرة على أهل الزمان .. فذاك هو البطر. والرياء: إظهار الجميل ليراه الناس، مع إبطان القبيح. والفرق بين الرياء والنفاق: أن النفاق: إظهار الإيمان مع إبطان الكفر، والرياء: إظهار الطاعة مع إبطان المعصية. والمعنى: عليكم أيها المؤمنون أن تمتثلوا ما أمرتم به، وتنتهوا عمَّا نهيتهم عنه، ولا تكونوا كأعدائكم المشركين الذين خرجوا من ديارهم في مكة وغيرها من الأماكن التي استنفرهم منها أبو سفيان بطرين بما أوتوا من قوةٍ ونعم لا يستحقونها، مرائين الناس بها ليعجبوا بها ويثنوا عليهم بالغنى والقوة والشجاعة. وظاهر النظم الكريم أن قوله: ﴿بَطَرًا﴾ متعلق بخرجوا، وهو لا يوافق الواقع؛ لأن خروجهم كان لغرضٍ مهم، وهو المنع عن عيرهم، والحق: أن يكون علة لمعلول محذوف، تقديره: خرجوا من ديارهم ليمنعوا عيرهم، ولم يرجعوا بعد نجاتها بطرًا، فهو علة لهذا المقدر، وهو قولنا: لم يرجعوا، وعلة الخروج: منعهم عن عيرهم كما قدرنا، كما ذكره في "الفتوحات".

стр. 4695

وقوله: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: ويمنعون الناس عن الدخول في دين الله، بمعاداة النبي ﷺ والمؤمنين، معطوفٌ على ﴿بَطَرًا﴾ على كلا التأويلين. والمعنى: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرين مرائين، صادين عن سبيل الله، أو خرجوا للبطر والرياء والصد عن سبيل الله تعالى. والصد: إضلال الناس، والحيلولة بينهم وبين طرق الهداية، ويجوز أن يكون ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ معطوفًا على ﴿خَرَجُوا﴾ والمعنى: يجمعون بين الخروج على تلك الصفة والصد عن سبيل الله. وإنّما ذكر البطر والرياء بصيغة الاسم، والصد بصيغة الفعل؛ لأنَّ أبا جهل ورهطه كانوا مجبولين على المفاخرة والرياء، وأما صدهم عن سبيل الله .. فإنّما حصل في الزمان الذي ادَّعى فيه النبي ﷺ النبوة. ﴿والله﴾ : ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ بعلمه؛ أي: عالم بما جاؤوا لأجله؛ أي: إنَّه تعالى عالم بجميع الأشياء، ظواهرها وبواطنها, لا يخفى عن علمه شيءٌ؛ لأنه محيط بأعمال العباد كلِّها، فيجازي المحسنين ويعاقب المسيئين. ٤٨ - وفي هذا زجر شديد، وتهديد أكيد على الرياء والتصنع والبطر والكبرياء، وأنه سيجازي عليها أشد الجزاء ﴿و﴾ اذكروا أيها المؤمنون نعمة الله تعالى عليكم ﴿وَإِذْ زَيَّنَ﴾ وحسن ﴿لَهُمُ﴾؛ أي: لهؤلاء المشركين ﴿الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: إبليس بوسوسته ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ الخبيثة، في معاداة النبي ﷺ والمؤمنين، وخروجهم من مكة، فإن المشركين حين أرادوا السير والخروج إلى بدر .. خافوا من بني بكر بن كنانة؛ لأنهم كانوا قتلوا منهم رجلًا واحدًا قبل ذلك، فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتصوَّر لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك بن جعشم - وهو من بني بكر بن كنانة، وكان من أشرافهم - في جندٍ من الشياطين، ومعه رايةٌ. ﴿وَقَالَ﴾ إبليس للمشركين: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: لا غالب عليكم اليوم من بني كنانة ومن محمد ﷺ وأصحابه؛ أي: وقال لهم بما ألقاه في قلوبهم، وخيل إليهم أنهم لا يغلبون لكثرة عددهم وعددهم، وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما يظنون قربات، حتى قالوا: اللهم انصر إحدى الفئتين، وأفضل الدينين.

стр. 4696

﴿و﴾ قال لهم: ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُم﴾؛ أي: حافظكم من مضرتهم وناصركم عليهم، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ والتقى الجمعان - جمع المسلمين وجمع الكافرين - بحيث ترى كل فئة الأخرى، أي: فلمَّا قرب كل من الفريقين المتقاتلين من الآخر، وصار بحيث يراه ويعرف حاله، وقبل أن تصطلي نار القتال معه، ورأى إبليس نزول الملائكة من السماء .. ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾؛ أي: رجع إبليس إلى خلفه هاربا: أي: رجع القهقرى وتولى إلى الوراء، وهي الجهة التي فيها: العقبان، والمراد: أنَّه كفَّ عن تزيينه لهم وتغريره بهم، وكان إبليس في صف المشركين، وهو آخذٌ بيد الحارث بن هشام ﴿و﴾ قال له الحارث: إلى أين تترك نصرتنا يا سراقة في هذه الحالة، أما تزعم أنك جار لنا، وجعل الحارث يمسكه. ﴿قال﴾ إبليس: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾؛ أي: إني بريء من جواركم وحفظكم ونصركم والذب عنكم، ﴿إِنِّي أَرَى﴾؛ أي: لأني أبصر ﴿مَا لَا تَرَوْنَ﴾؛ أي: ما لا تبصرون من نزول الملائكة مع جبريل، وإني أرى جبريل بين يدي النبي ﷺ ، وفي يده اللجام يقود الفرس، ولم تروه، ودفع إبليس في صدر الحارث وانطلق وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ أن يهلكني بتسليط الملائكة عليَّ، وانهزم المشركون. فلمَّا قدموا مكة .. قالوا: هزم الناسَ سراقةُ، فبلغ ذلك سراقة، فقال: بلغني أنكم تقولون: إني هزمت الناس، فوالله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، فقالوا: أما أتيتنا في يوم كذا وكذا، فحلف لهم، فلما أسلوا .. علموا أنَّ ذلك كان شيطانًا. وقيل: لما رأى إبليس الملائكة ينزلون من السماء .. خاف أن يكون الوقت الذي أنظر إليه قد حضر، فقال ما قال؛ إشفاقًا على نفسه ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن عاداه وعادى أولياءه، قاله الشيطان بسطًا لعذره حينئذٍ، فهو تعليل لما قبله؛ أي ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾؛ لأنه شديد العقاب، أو مستأنف من محض كلامه تعالى؛ تهديدًا لإبليس وجنده. وقال قتادة (١): قال إبليس: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾، وصدق. وقال: ﴿إنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ وكذب، ما به مخافة الله. ولكن إنه لا قوة له ولا منعة، فأوردهم

стр. 4697

وأسلمهم، وتلك عادة عدو الله إبليس لمن أطاعه، إذا التقى الحق والباطل ... أسلمهم وتبرأ منهم. وقيل: إنه خاف أن يهلك فيمن هلك، وقيل: خاف أن يأخذه جبريل فيعرف حاله، فلا يطيعوه. وقيل: معنى ﴿إنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾: أعلم صدق وعده لأولياه؛ لأنه كان على ثقة من أمر ربه. فإن قلت (١): كيف يقدر إبليس على أن يتصور بصورة البشر، وإذا تشكل بصورة البشر .. فكيف يسمى شيطانًا؟ قلت: إنَّ الله أعطاه قوةً وأقدره على ذلك، كما أعطى الملائكة قوة وأقدرهم على أن يتشكلوا بصورة البشر، لكن النفس الباطنة لم تتغير، فلم يلزم من تغير الصورة تغير الحقيقة. والخلاصة (٢): أنّ جند الشيطان كانوا منبثين في المشركين، يوسوسون لهم - بملابستهم لأرواحهم الخبيثة - بما يغويهم ويغوهم، كما كان الملائكة منبثين في المؤمنين يلهمونهم - بملابستهم لأرواحهم الطيبة - ما يثبتون به قلوبهم، ويزيدهم ثقة بوعد الله بنصرهم، فلما تراءت الفئتان وأوشكا أن يتلاحما .. فر الشيطان بجنوده من بين المشركين؛ لئلا تصل إليهم الملائكة الملابسة للمؤمنين (وهما ضدان لا يجتمعان، ولو اجتمعا .. لقضى أقواهما، وهم الملائكة على أضعفهما، وهم الشياطين). فخوف الشيطان من الملائكة إنَّما كان من إحراق الملائكة لجنوده، لا على المشركين، كما يقذف بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق متلاشٍ أمامه لا يبقى منه شيء. ٤٩ - والظرف في قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾: متعلق بـ ﴿زين﴾ أو باذكر محذوفًا؛ أي: واذكروا إذ زين لهم الشيطان أعمالهم حين يقول المنافقون ومن في حكمهم من مرضى القلوب، أو: واذكروا إذ يقول المنافقون وهم قومٌ من

стр. 4698

الأوس والخزرج ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾؛ أي: شك وارتياب في الدين، وهم قوم من قريش، أسلموا ولم يقول إسلامهم في قلوبهم ولم يهاجروا، منهم: عتبة بن ربيعة، وقيس بن الوليد، وأبو قيس الفاكه، والحارث بن زمعة، وعديُّ بن أمية، والعاص بن منبه، فلما خرج كفار قريش إلى حرب رسول ﷺ .. خرجوا معهم إلى بدر، فلمَّا نظروا إلى قلة المسلمين .. ارتابوا وارتدوا، وقالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ﴾ المؤمنين ﴿دِينُهُمْ﴾؛ أي: توحيدهم، حين أقدموا على ما أقدموا عليه من الخروج لحرب قريش مع قلة عددهم وكثرة عدوهم، توهمًا منهم أنهم ينصرون عليهم؛ أي: اغتروا بدينهم، فأدخلوا أنفسهم فيما لا طاقة لهم به، حيث خرجو وهم ثلاث مئة وبضعة عشر إلى زهاء ألف، ظنًّا منهم أنهم على الحق، ينصرون ولا يغلبون، فأولئك المرضى الذين خرجوا مع قريش كلهم قتلوا في بدر مع المشركين، ولم يذكر أن أحدًا من المنافقين خرج إلى بدر مع المسلمين. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: ومن يسلم أمره إلى الله ويثق بفضله ويعول على إحسانه .. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ حافظه وناصره؛ لأنه ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: غالب لا يغلبه شيء، فيسلط القليل الضعيف على الكثير القوي ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما قضى وحكم، لا يسوي بين أوليائه وأعدائه، فيوصل الثواب إلى أوليائه، والعقاب إلى أعدائه. وهذا الكلام يتضمَّن الرد على من قال (١): ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ فكأنه قيل: هؤلاء في لقاء عدوهم هم متوكلون على الله، فهم الغالبون ومن يتوكل على الله .. ينصره ويعزه؛ فإن الله عزيز لا يغالب بقوة ولا بكثرة، حكيمٌ يضع الأشياء مواضعها، أو حاكم بنصره من يتوكل عليه، فيديل القليل على الكثير. والمعنى (٢): أي ومن يكل أمره إلى الله ويؤمن إيمان اطمئنان بأنه ناصره ومعينه، وأنه لا يعجزه شيء، ولا يمتنع عليه شيء أراده .. يكفه ما يهمه وينصره

стр. 4699

على أعدائه وإن كثر عددهم وعظم استعدادهم؛ لأنه العزيز الغالب على أمره، الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه بمقتضى سننه في نظام العالم، ومن ذلك أن ينصر الحق على الباطل. الإعراب ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. ﴿وَاعْلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَنَّمَا﴾: أن حرف نصب ومصدر، ما: موصولة في محل النصب اسمها، وكان القياس فصلها من أنَّ، لكن ثبت وصلها في خط المصحف العثماني، وثبت فصلها أيضًا في بعضها، كما ذكره الجزري. ﴿غَنِمْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: أن ما غنمتموه. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور حال من العائد المحذوف، تقديره: حال كونه كائنًا من شيء ما قليلًا كان أو كثيرًا. ﴿فَأَنّ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الخبر بالاسم؛ لما في اسم أنَّ من العموم ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور خبر ﴿أنَّ﴾ مقدم على اسمها. ﴿خُمُسَهُ﴾: اسمها مؤخر ومضاف إليه، تقديره: فإن خمسه كائنٌ لله، وجملة أن اسمها وخبرها في محل الرفع خبرٌ ﴿أنَّ﴾ الأولى: ولكنّه خبر سببيٌّ، تقديره: واعلموا أن الذي غنتموه من شيء فكائنٌ خمسه لله وللرسول، وجملة ﴿أنَّ﴾ الأولى في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي علم، تقديره: واعلموا كون خمس الذي غنتموه من شيء لله، ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿لله﴾ ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ معطوف على الجار والمجرور قبله، ﴿وَالْيَتَامَى﴾: معطوف على ذي القربى، وكذا ﴿وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ معطوفان عليه. ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بـ ﴿إِن﴾

стр. 4700

على كونه فعل شرط لها. ﴿آمَنْتُمْ﴾ فعل وفاعل. ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به، الجملة الفعلية في محل النصب خبر كان، تقديره: إنْ كنتم مؤمنين، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية معلوم مما قبلها، تقديره: إن كنتم مؤمنين بالله .. فاعلموا ذلك، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَمَا﴾ في محل الجر معطوف علي لفظ الجلالة ﴿أَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: وبما أنزلناه ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بأنزلنا. ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بأنزلنا. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية، بدل من يوم الفرقان. ﴿الْتَقَى الْجَمْعَان﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بقدير. ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿إذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾. ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان بدل من يوم الفرقان ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، ﴿بِالْعُدْوَةِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والباء بمعنى في، والجملة الاسمية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿الدنيا﴾: صفة للْعُدْوَةِ. ﴿وهم﴾ مبتدأ ﴿بِالْعُدْوَةِ﴾: خبره، والجملة في محل الجر معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها مضافًا إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿الْقُصْوَى﴾: صفة لـ ﴿الْعُدْوَةِ﴾. ﴿وَالرَّكْبُ﴾ مبتدأ. ﴿أَسْفَلَ﴾: منصوب على الظرفية، والظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور صفة لأسفل، والجملة من المبتدأ، والخبر في محل النصب، حال من الظرف الذي قبله، وهو قوله: ﴿بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾، والتقدير: إذ أنتم كائنون بالعدوة الدنيا، وهم كائنون بالعدوة القصوى، حالة كون الركب كائنين في مكان أسفل منكم، ويجوز أن تكون جملة ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ في محل الجر معطوف على أنتم؛ أي: وإذ الركب أسفل منكم، ذكره أبو البقاء. وفي "الفتوحات": وإيضاح ما في المقام أن ﴿وَالرَّكْبُ﴾: مبتدأ و ﴿أسْفَلَ﴾ أفعل تفضيل، استعمل بمعنى صفة لمكان محذوف أقيم مقامه، فهو مع متعلقه خبرٌ،

стр. 4701

والجملة حال من الظرف الذي قبله، يعني: بـ ﴿بِالْعُدْوَةِ﴾. اهـ كرخي. وفي السمين: قوله: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ الأحسن في هذه الواو، والواو التي قبلها الداخلة على هم أن تكون عاطفةٌ ما بعدها على: ﴿أَنْتُمْ﴾؛ لأنها مبدأ تقسيم أحوالهم وأحوال عدوهم، ويجوز أن تكونا واوي حالٍ، و ﴿أسْفَل﴾ منصوب على الظرف النائب عن الخبر، وهو في الحقيقه صفةٌ لظرف مكان محذوف؛ أي: والركب في مكان أسفل من مكانكم اهـ. ﴿وَلَو﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿لو﴾ حرف شرط ﴿تَوَاعَدْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لَاخْتَلَفْتُمْ﴾ ﴿اللام﴾ رابطة لجواب ﴿لو﴾ الشرطية، ﴿لَاخْتَلَفْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿فِي الْمِيعَادِ﴾: متعلق به، والجملة جواب لو الشرطية، وجملة لو الشرطية مستأنفة. ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿وَلَكِن﴾ حرف استدراك ﴿لِيَقْضِيَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل، ﴿يقضي﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ﴿اللَّهُ﴾ فاعل. ﴿أمْرًا﴾ مفعول به، وجملة ﴿كَانَ مَفْعُولًا﴾: صفة لأمرًا، وجملة يقضي مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لقضاء الله أمرًا كان مفعولًا، الجار والمجرور متعلق بمحذوف، تقديره: ولكن جمع الله بينكم؛ لقضائه وإمضائه أمرًا كان مقضيًّا في سابق علمه، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة لو الشرطية. ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿لِيَهْلِكَ﴾ ﴿اللام﴾ لام كي. ﴿يهلك﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة. ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل الرفع فاعل. ﴿هَلَكَ﴾: فعل ماضي، وفاعله ضمير يعود على من. ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ متعلق بيهلك، والجملة صلة ﴿من﴾ الموصولة، وجملة ﴿يهلك﴾ صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لهلاك من هلك عن بينة، الجار والمجرور معطوف بعاطف مقدر على الجار والمجرور قبله، على كونه متعلقًا بمحذوف، تقديره: ولكن جمع الله بينكم لقضائه أمرًا مفعولًا، ولهلاك من هلك عن بينة، وحياة من

стр. 4702

حيَّ عن بينة، ﴿وَيَحْيَى﴾ فعل مضارع معطوف على يهلك ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل. ﴿حَيّ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة صلة من الموصولة. ﴿عَنْ بَيِّنَة﴾ متعلق بيحيى، ﴿وَإِنّ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿إن﴾ حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾ اسمها ﴿لَسَمِيعٌ﴾: ﴿اللام﴾ حرف ابتداء ﴿سميع﴾ خبر أول لإنَّ ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان لها، والجملة مستأنفة. ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمَّد إذ يريكهم الله، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ فعل ومفعولان وفاعل. ﴿فِي مَنَامِكَ﴾: متعلق به ﴿قَلِيلًا﴾: مفعول ثالث لأرى؛ لأن رأى الحلمية تنصب مفعولين بلا همزة، فإذا دخل عليها الهمز .. نصبت ثلاثة مفاعيل، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه. ﴿وَلَو﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿لو﴾ حرف شرط ﴿أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾: فعل وثلاثة مفاعيل، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لو﴾. ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾ ﴿اللام﴾ رابطة الجواب ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾ فعل وفاعله، والجملة جواب ﴿لو﴾ الشرطية، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ﴾: فعل وفاعل معطوف على فشلتم، واللام فيه لام الربط مؤكدة للأولى ﴿فِي الْأَمْرِ﴾: متعلق به ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لكن﴾ حرف استدراك ونصب، ولفظ الجلالة: اسمها ﴿سَلَّمَ﴾ فعل ماضي، وفاعله ضمير يعود على الله ومفعوله محذوف، تقديره: سلَّمكم الله من الفشل والتنازع، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿لَكِنَّ﴾، وجملة ﴿لكن﴾ معطوفة على جملة ﴿لو﴾ الشرطية على كونها مستأنفة. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه ﴿عَلِيمٌ﴾: خبره ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: متعلق بعليم، وجملة إن مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. ﴿وَإِذ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف،

стр. 4703

تقديره: واذكروا أيها المؤمنون إذ يريكموهم، والجملة المحذوفة معطوفة على الجملة المحذوفة في قوله: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾. ﴿يُرِيكُمُوهُمْ﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿إِذِ﴾: ظرف لما مضى، متعلق بيريكموهم، وجملة ﴿الْتَقَيْتُمْ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذِ﴾، ﴿فِي أَعْيُنِكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَلِيلًا﴾. ﴿قَلِيلًا﴾ حال من المفعول الثاني الذي هو الهاء، ورأى هنا بصرية تنصب مفعولًا واحدًا بلا همز، واثنين مع الهمز كما هنا. ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ﴾: فعل ومفعول، و ﴿الواو﴾ فيه واو الحال. ﴿فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب حال من فاعل يريكموهم ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا﴾: فعل وفاعل ومفعول، واللام فيه لام كي، وجملة ﴿كَانَ مَفْعُولًا﴾ صفة لـ ﴿أَمْرًا﴾، وجملة ﴿يقضي﴾ في تأويل مصدر مجرور باللام، والتقدير: لقضاء الله أمرًا كان مفعولًا، الجار والمجرور متعلق بيريكموهم، أو متعلق بمحذوف، تقديره فعل الله بكم وبهم ذلك التقليل؛ ليقضي أمرًا كان مفعولًا، وكرَّر هذا التعليل؛ لاختلاف الفعل المعلَّل به، أولًا: اجتماعهم بغير ميعاد، وثانيًا: تقليل المؤمنين قبل الالتحام، ثم تكثيرهم في أعين الكفار، كما مر في مبحث التفسير. ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بترجع ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يَا﴾ حرف نداء ﴿أيُّ﴾ منادى نكرة مقصودة، و ﴿الهاء﴾ حرف تنبيه ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لأيُّ، وجملة النداء مستأنفة، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿فَاثْبُتُوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب إذا ﴿اثبتوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب إذا، وجملة إذا جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَاثْبُتُوا﴾. ﴿كَثِيرًا﴾:

стр. 4704

منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه صفة لمصدر محذوف، تقديره: ذكرًا كثيرًا ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه. وجملة ﴿تُفْلِحُونَ﴾ في محل الرفع خبر لعل، وجملة لعل مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة معطوفة على جملة إذا على كونها جواب النداء، ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بلا الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَأَطِيعُوا﴾. ﴿فَتَفْشَلُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي، ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿تفشلوا﴾ وجملة تفشلوا صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: لا يكن تنازعكم ففشلكم وذهاب ريحكم. ﴿وَاصْبِرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿وَأَطِيعُوا﴾ .. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: خبره، وجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾. ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾: فعل ناقص واسمه، مجزوم بلا الناهية. ﴿كَالَّذِينَ﴾: خبر تكونوا، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾، ﴿خَرَجُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: متعلق به ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾: منصوبان على الحال من فاعل ﴿خَرَجُوا﴾؛ أي: بطرين ومرائين، أو على أنهما مفعولان لأجله؛ أي: لأجل البطر والرياء، ﴿وَيَصُدُّونَ﴾: فعل وفاعل ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب معطوفة على ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ﴾ على كونها حالًا من فاعل ﴿خَرَجُوا﴾ أي: حالة كونهم بطرين ومرائين وصادين عن سبيل الله، أو معطوفة على جملة ﴿خَرَجُوا﴾ على كونها صلة

стр. 4705

الموصول. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بمحيط، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: بما يعملونه. ﴿مُحِيطٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾. ﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، أو عاطفة، ﴿وَإِذ﴾: ظرف لما مضى، متعلق بمحذوف، تقديره: واذكروا إذْ زَيَّن لهم الشيطان، والجملة المحذوفة مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ ﴿زَيَّنَ﴾ فعل ماض ﴿لَهُمُ﴾ متعلق به. ﴿الشَّيْطَانُ﴾ فاعل. ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ مفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾، ﴿وَقَالَ﴾: فعل ماض معطوف على ﴿زَيَّنَ﴾، وفاعله ضمير يعود على الشيطان. ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ﴾ مقول محكي لـ ﴿قال﴾ وإن شئت قلت: ﴿لَا﴾: نافية، ﴿غَالِبَ﴾ في محل النصب اسمها، ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾. ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرف متعلق بالخبر، ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ جار ومجرور حال من الضمير المستكن في خبر ﴿لا﴾ وجملة ﴿لا﴾ في محل النصب مقول قال. ﴿وَإِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿جَارٌ﴾ خبره. ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به؛ لأنَّه بمعنى مجير، وجملة إنَّ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لا﴾ على كونها مقول قال. ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدّر، تقديره: إذا عرف ما قال لهم الشيطان، وأردت بيان عاقبة أمره معهم .. فأقول لك ﴿لمّا﴾ حرف شرط غير جازم. ﴿تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿نَكَصَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الشيطان، والجملة جواب لمَّا، لا محل لها من الإعراب، وجملة لمَّا

стр. 4706

في محل النصب مقولٌ لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿نَكَصَ﴾. ﴿وَقَالَ﴾: فعل ماضي معطوف على: ﴿نَكَصَ﴾ وفاعله ضمير يعود على الشيطان ﴿إِنِّي بَرِيءٌ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿بَرِيءٌ﴾ خبره. ﴿مِنْكُم﴾ متعلق بـ ﴿بَرِيءٌ﴾ وجملة إنَّ في محل النصب مقول قال: ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه. ﴿أَرَى﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الشيطان، وجملة ﴿أَرَى﴾ في محل الرفع خبر إنَّ، وجملة إنَّ في محل النصب مقول قال. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به لـ ﴿أرى﴾؛ لأنَّها بصرية تتعدى لمفعول واحد، ﴿لَا﴾: نافية. ﴿تَرَوْنَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلةٌ لما، أو صفةٌ لها والعائد، أو الرابط محذوف، تقديره: ما لا ترونه، ورأى بصرية أيضًا. ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه، ﴿أَخَافُ اللَّهَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الشيطان، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إنّ، وجملة إنَّ في محل النصب مقول قال، ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: خبره، والجملة مستأنفة، إنْ كان من كلام الله، أو في محل النصب مقول قال إنْ كان من تمام كلام الشيطان. ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى، متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمَّد إذ يقول المنافقون، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿وَالَّذِينَ﴾ معطوف على ﴿الْمُنَافِقُونَ﴾، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: خبر مقدم ﴿مَرَضٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة صلة الموصول. ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل النصب مقول يقول ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿مَن﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿يتوكل﴾ فعل الشرط، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلق به، وجواب الشرط محذوف، تقديره: يغلب، وجملة من الشرطية مستأنفة. ﴿فَإِنَّ﴾: ﴿الفاء﴾

стр. 4707

تعليلية ﴿إنَّ﴾ حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿عَزِيزٌ﴾: خبر أول لها. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المدلول عليها بالفاء التعليلية المتعلقة بالجواب المحذوف، تقديره: ومن يتوكل على الله يغلب أعداءه؛ لكون الله عزيزًا حكيمًا. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾: الغُنم (١) والمغنم والغنيمة لغةً: ما يناله الإنسان ويظفر به بلا مقابل مادي، وقولهم: الغرم بالغنم؛ أي: يقابل به. وشرعًا: ما حصل للمسلمين من الكفار الحربيين بإيجاف خيلٍ، أو ركاب. والفيء: كل ما صار إلى المسلمين من أموال أهل الشرك، بعد أن تضع الحرب أوزارها، وتصير الدار دار الإِسلام، وهو لكافة المسلمين، وليس فيه الخمس. والنفل: ما يحصل للإنسان من الغنيمة قبل قسمتها. والسلب: ما احتوت عليه يد القتيل من ثياب وسلاح ومركوب يستحقه القاتل. ﴿بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ والعدوة (٢) - بضم العين وكسرها - وقرىء بفتحها, لغات كلها بمعنى واحد، وهو: شط الوادي وشفيره، سميت بذلك؛ لأنها عدت ما في الوادي من ماء ونحوه أن يتجاوزها؛ أي: منعته. وفي "المختار": العدوة - بضم العين وكسرها - جانب الوادي وحافته. وقال أبو عمرو: هي المكان المرتفع اهـ. وفي "البحر": العدوة: شط الوادي، وتسمَّى شفيرًا وضفة، سميت بذلك؛ لأنَّها عدت ما في الوادي من ماء أن يتجاوزه؛ أي: منعته. وقال الشاعر: عَدَتْنِي عَنْ زِيَارَتِهَا الْعَوَادِيْ ... وَقَالَتْ دُوْنهَا حَرْبٌ زَبُوْنُ ويسمى الفضاء المساير للوادي عدوةً؛ للمجاورة اهـ.

стр. 4708

﴿الْقُصْوَى﴾: القصو (١): البعد، والقصوى: تأنيث الأقصى، ومعظم أهل التصريف فصلوا في الفعلى مما لامه واو، فقالوا: إن كان اسمًا .. أبدلت الواو ياءً، ثم يمثلون بما هو صفةٌ، نحو: الدنيا، والعليا، والقصيا، وإن كان صفة .. أقرت، نحو: الحلوى، تأنيث الأحلى، ولهذا قالوا: شذ القصوى - بالواو - وهي لغة الحجاز. والقصيا: لغة تميم، وذهب بعض النحويين إلى أنه إن كان اسمًا .. أقرت الواو، نحو: حزوى، وإن كان صفة .. أبدلت، نحو: الدنيا والعليا، وشذ إقرارها، نحو: الحلوى، ونص على ندور القصوى ابن السكيت. ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ وفي "القاموس": والركب: ركبان الإبل، وهو اسم جمع لراكب، أو جمع له، وهو العشرة فصاعدًا، وقد يكون للخيل، والجمع أركب وركوب اهـ. ﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ وفي "المختار": والميعاد: المواعدة ووقتها ومكانها اهـ. ومثله في "القاموس". ﴿من حي﴾ (٢) يقرأ بتشديد الياء، وهو الأصل؛ لأن الحرفين متماثلان متحركان، فهو مثل شد ومد، ومنه قول عبيد: عَيُّوْا بِأمْرِهِمُ كَمَا ... عَيَّتْ بِبَيْضَتِهَا الْحَمَامَهْ ويقرأ بالإظهار، وفيه وجهان: أحدهما: أنَّ الماضي حمل على المستقبل، وهو يحيا، فكما لم يدغم في المستقبل .. لم يدغم في الماضي، وليس كذلك شد ومد؛ فإنه يدغم فيهما جميعًا. والوجه الثاني: أن حركة الحرفين مختلفة، فالأولى مكسورة، والثانية مفتوحة، واختلاف الحركتين كاختلاف الحرفين، ولذلك أجازوا في الاختيار: لججت عينه، وضبب البلد، إذا كثر ضبه، ويقوي ذلك أنَّ الحركة الثانية عارضة، فكانت الياء ساكنة، ولو سكنت .. لم يلزم الإدغام، وكذلك إذا كانت في تقدير الساكن، والياءان أصلٌ، وليست الثانية بدلًا من واو، فأما الحيوان .. فالواو فيه بدلٌ من الياء، وأما الحواء ... فليس من لفظ الحية، بل من حوي يحوي إذا جمع، ذكره أبو البقاء. ﴿لفَشِلتُم﴾؛ أي: لجبنتم، يقال: فشل يفشل فشلًا، كطرب يطرب طربًا،

стр. 4709

كذا في "المختار". ﴿إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾؛ أي: حاربتم جماعة، وفي "المصباح": الفئة: الجماعة، ولا واحد لها من لفظها، وتجمع على فئات، وقد تجمع بالواو والنون؛ جبرًا لما نقص منها اهـ. ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾: في "القاموس" و "المختار": إن الريح يطلق ويراد به القوة والغلبة، والرحمة والنصرة والدولة - بفتح الدال -. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾: هم أهل مكة، حين خرجوا لحماية العير، والبطر (١): إظهار الفخر والاستعلاء بنعمة القوة أو الغنى، أو الرياسة، ويعرف ذلك في الحركات المتكلفة والكلام الشاذ، وفي "الشهاب" و"زاده": البطر (٢) والأشر - بفتحتين -: الطغيان في النعمة، بترك شكرها وجعلها وسيلة إلى ما لا يرضاه الله تعالى، وقيل: معناهما: الفخر بالنعمة ومقابلتها بالتكبر والخيلاء والفخر بها اهـ. والرئاء: أن يعمل المرء ما يحب أن يراه الناس منه ليثنوا عليه ويعجبوا به، وفي "السمين": والرئاء: مصدر راءى، كقاتل قتالًا، والأصل: ريايًا، فالهمزة الأولى: بدل من ياء هي عين الكلمة، والثانية بدل من ياء هي لام الكلمة؛ لأنها وقعت طرفًا بعد ألف زائدة، والمفاعلة في رئاءً على بابها. اهـ. منه في سورة البقرة. ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾؛ أي: مجير ومعين وناصر لكم، والألف في ﴿جَارٌ﴾ بدل (٣) من واو، لقولك: جاورته. ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾؛ أي: قربت كل منهما من الأخرى، وصارت بحيث تراها وتعرف حالها .. ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾؛ أي: رجع القهقرى، وتولى إلى الوراء. ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: والمنافق: من يظهر الإِسلام

стр. 4710

ويسر الكفر، هم أهل المدينة من الأوس والخزرج؛ والذين في قلوبهم مرض: هم ضعاف الإيمان, ملأت قلوبهم الشكوك والشبهات، فتزلزل اعتقادهم حينًا وسكن حينًا آخر. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التنكير في قوله: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إفادة للتقليل. ومنها: الإضافة في قوله: ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ إفادة للتشريف والتكريم. ومنها: الطباق بين لفظ الدنيا والقصوى، في قوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾، وبين لفظ يهلك ويحيا، في قوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾. ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَاد﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ﴾ شبه الكفر بالهلاك بجامع الضرر، والإيمان بالحياة بجامع النفع، فاستعير اسم المشبه به - الذي هو الهلاك والحياة - للمشبه - الذي هو الكفر والإيمان - فاشتق من الهلاك بمعنى الكفر يهلك بمعنى يكفر، ومن الحياة بمعنى الإيمان يحيا بمعنى يؤمن، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية. ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾؛ وفي قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ فالمضارع فيه بمعنى الماضي؛ لأن نزول الآية كان بعد الإراءة. ومنها: الاستعارة بالكناية في قوله: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾؛ لأنها كناية عن نفاذ الأمر وجريانه على المراد، تقول العرب: هبت ريح فلان، إذا أقبل أمره على ما يريد، وفي "البيضاوي": والريح هنا مستعارٌ للدولة من حيث إنها - في تمشي أمرها ونفاذه - مشبهة بها في هبوبها ونفاذها اهـ. ومنها: التكرار في قوله: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، وفي قوله:

стр. 4711

﴿إذْ يُرِيكَهُمُ﴾ ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾، ولكن التكرار هنا لفظيٌّ؛ لأن الإراءة الأولى حلمية، والثانية بصرية. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 4712

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات، لما قبلها: أن الله لما بين (١) حال هؤلاء

стр. 4713

الكفار - من خروجهم إلى قتال المؤمنين بطرًا ورئاء الناس، ومن تزيين الشيطان لهم أعمالهم .. أردف ذلك بذكر أحوالهم حين موتهم، وبيان العذاب الذي يصل إليهم في ذلك الوقت. قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنَّ الله لمَّا بين حال مشركي قريش في قتالهم له ﷺ ببدر .. قفى على ذلك بذكر حال فريق آخر من الكفار الذين عادوا النبي ﷺ وقاتلوه، وهم اليهود الذين كانوا في بلاد الحجاز. قال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآيات في ستة وهط من اليهود، منهم: ابن تابوت. وقال مجاهد: نزلت في يهود المدينة، وكان زعيمهم الطاغوت كعب بن الأشرف، وهو فيهم كأبي جهل في مشركي مكة. ثم ذكر سبحانه ما يجب أن يعمل مع أمثالهم من الخونة، وبين أن الرسول آمن من عاقبة كيدهم ومكرهم. قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما (١) بين فيما سلف أن اليهود الذين عقدوا العهود مع النبي ﷺ ، وبها أمنهم على أنفسهم وأموالهم ودينهم، قد خانوه ونقضوا العهود وساعدوا عليه أعداءه المشركين الذين أخرجوه من دياره ووطنه، وتبعوه إلى مهجره يقاتلون فيه لأجل دينهم، وبذلك صاروا هم والمشركون سواء .. أردف ذلك ذكر ما يجب على المؤمنين في معاملتهم أثناء الحرب، التي أصبحت لا مناص منها بما أحدثوه من الخيانة والغدر والبداءة بالعدوان، وذلك سنة من سنن الاجتماع البشري؛ إذ حصول الصراع بين الحق والباطل، والقوة والضعف أمرٌ لا مندوحة منه. وقال أبو حيان (٢): مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لما اتفق في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا تكميل آلةٍ ولا عدةٍ، وأمره تعالى بالتشريد وبنبذ العهد للناقضين .. كان ذلك سببًا للأخذ في قتاله والتمالؤ عليه، فأمره تعالى والمؤمنين

стр. 4714

بإعداد ما قدروا عليه من القوة للجهاد. انتهى. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما أمر رسوله ﷺ بالجنوح للسلم إذا جنح لها الأعداء، وربما كان جنوحهم لها مظنة الخداع والمكر، ووعده أن يكفيه أمرهم إذا أرادوا التوسل بالصلح إلى الحرب وضروب الإيذاء والشر، وامتن عليه بتأييده له بنصره وبالمؤمنين، إذ سخرهم له، وألَّف بين قلوبهم باتباعه .. قفَّى على ذلك بوعده بكفايته، له ولهؤلاء المؤمنين الذين ألف بين قلوبهم في حال الحرب والسلم، وجعل هذا تقدمة لأمره بتحريضهم على القتال حين الحاجة إليه، كما إذا بدأ العدو بالحرب، أو نقض العهد أو خان في الصلح. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه أبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: نزلت: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في ستة وهي من اليهود، فيهم ابن التابوت. قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما رواه أبو الشيخ أيضًا عن ابن شهاب قال: دخل جبريل على النبي ﷺ فقال: يا محمَّد، قد وضعت السلاح وما زلت في طلب القوم؟ فاخرج فإنَّ الله قد أذن لك في قريظة، وأنزل فيهم: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما رواه البزَّار بسند ضعيف من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: لما أسلم عمر .. قال المشركون: قد انتصف القوم منا اليوم، وأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾، وله شواهد: أخرج الطبراني وغيره من طريق سعيد بن

стр. 4715

جبير عن ابن عباس قال: لما أسلم مع النبي ﷺ تسعة وثلاثون رجلًا وامرأةٌ، ثم إن عمر أسلم فكانوا أربعين .. نزل ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: لما أسلم مع النبي ﷺ ثلاثة وثلاثون رجلًا وست نسوة، ثم أسلم عمر .. نزلت ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ الآية. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن المسيب قال: لمَّا أسلم عمر ... أنزل الله في إسلامه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن ابن عباس قال: لما افترض الله عليهم أن يقاتل الواحد عشرةً .. ثقل ذلك عليهم وشق، فوضع الله عنهم إلى أن يقاتل الواحد الرجلين، فأنزل الله فيه ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ إلى آخر الآية. وأخرج البخاري (١) قال: حدثنا يحيى بن عبد الله السلمي أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا جرير بن حازم قال: أخبرني الزبير بن الخريت عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: لما نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ .. شقَّ ذلك على المسلمين حين فرض أن لا يفرَّ واحدٌ من عشرة، فجاء التخفيف فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. التفسير وأوجه القراءة ٥٠ - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: ولو رأيت يا محمَّد، أو أيها المخاطب، وعاينت وشاهدت إذ تقبض الملائكة أرواح الذين كفروا عند الموت ويأخذونها، يعني: الذين قتلوا ببدر، أو مطلقًا حالة كون الملائكة ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾؛ أي: تضرب الملائكة وجوه الذين كفروا وظهورهم

стр. 4716

بسياطٍ من نار ﴿و﴾ حالة كون الملائكة تقول لهم وقتئذٍ: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾؛ أي: باشروا العذاب المحرق وادخلوه أيها الكفرة. وجواب لو محذوف، تقديره: لرأيت أمرًا عظيمًا، ومنظرًا فظيعًا، وعذابًا شديدًا ينالهم في ذلك الوقت. واختلفوا (١) في وقت هذا الضرب، فقيل: هو عند الموت، تضرب الملائكة وجوه الكفار وأدبارهم بسياط من نار، وقيل: إنَّ الذين قتلوا يوم بدر من المشركين كانت الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم. وقال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين .. ضربت الملائكة وجوههم بالسيوف، وإذا ولَّوا أدبارهم .. ضربت الملائكة أدبارهم. وقال ابن جريج: يريد ما أقبل من أجسادهم وأدبر، يعني: يضربون جميع أجسامهم، وتقول الملائكة لهم عند القتل: ذوقوا عذاب الحريق، قيل: كان مع الملائكة مقامع من حديد محماة بالنار يضربون بها الكفار، فتلتهب النار في جراحاتهم. وقال ابن عباس: تقول الملائكة لهم ذلك بعد الموت. وقال الحسن: هذا يوم القيامة، تقول لهم الزبانية: ذوقوا عذاب الحريق. والمعنى (٢): ولو عاينت وأبصرت يا محمَّد حال الكفار حين يتوفّاهم الملائكة، فينزعون أرواحهم من أجسادهم ضاربين وجوههم وأقفيتهم، قائلين لهم: ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون. وقرأ ابن عامر والأعرج (٣): ﴿تتوفى﴾ بالتاء، وذكر في قراءة غيرهما؛ لأن تأنيث الملائكة مجاز، وحسنه الفصل. وهذا الضرب والكلام من عالم الغيب، فلا يقتضي أن يراه الذين يحضرون وفاتهم، ولا أن يسمعوا كلامهم حين يقولون ذلك لهم؛ أي: لو رأيت ذلك .. لرأيت أمرًا عظيمًا هائلًا يرد الكافر عن كفره، والظالم عن ظلمه إذا هو علم عاقبة أمره. وقد روي أن ضرب الوجوه والأدبار كان ببدر، كان المؤمنون يضربون من

стр. 4717

أقبل من المشركين من وجوههم، والملائكة يضربون من أدبارهم. ٥١ - ﴿ذَلِكَ﴾ الضرب والعذاب والقول حاصلٌ بكم أيها الكفار ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُم﴾؛ أي: بسبب ما كسبته وعملته أيديكم وجوارحكم وقلوبكم من الكفر والمعاصي ﴿و﴾ الأمر والشأن ﴿أَنَّ اللَّه﴾ : ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾؛ أي: بمعذب لعبيده بغير جرم اجترموه، وذنب اكتسبوه، وصيغة ﴿ظلام﴾ ليست للمبالغة، وإنما هي للنسب، كتمَّار وبقَّال؛ أي: ليس منسوبًا إلى الظلم، فقد انتفى أصل الظلم عنه تعالى، ويحتمل كون ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ معطوفًا على ﴿ما﴾؛ أي: ذلك العذاب بسبب ما كسبته أيديكم من المعاصي، وبسبب أنَّ الله لا يظلمكم؛ إذ أنتم مستحقون العذاب، فتعذيبكم عدلٌ منه؛ لأنه سبحانه قد أرسل إليكم رسله، وأنزل عليكم كتبه، وأوضح لكم السبيل، وهداكم النجدين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. وحاصل المعنى: أي هذا العذاب الذي ذقتموه بسبب ما كسبت أيديكم من سيء الأعمال في حياتكم الدنيا من كفر وظلم، وهذا يشمل القول والفعل، ونسب ذلك إلى الأيدي - وإن كان قد يقع من الأيدي والأرجل وسائر الحواس، أو بتدبير العقل - من أجل أن العادة قد جرت بأن أكثر الأعمال البدنية تزاول بها، وبسبب أنَّ الله لا يظلم أحدًا من عبيده، فلا يعذب أحدًا منهم إلا بجرم اجترمه، ولا يعاقبه إلا بمعصيته إياه، وقد وقع ذلك منكم، فأنتم الظالمون لأنفسكم، فلوموها ولا لوم إلا عليها. روى مسلم عن أبي ذر عن النبي ﷺ "إنَّ الله يقول: يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا ... يا عبادي، إنَّما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه". ٥٢ - وقوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: من قبل آل فرعون، خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: دأب هؤلاء المشركين من قريش الذين قتلوا ببدر كدأب آل فرعون؛ أي: فعلهم وعادتهم في الكفر والتكذيب والعذيب كعادة قوم فرعون وفعلهم، وفعل من قبلهم من الأمم الخالية في كفرهم وتعذيبهم، فجوزي

стр. 4718

هؤلاء بالقتل والأسر يوم بدر، كما جوزي آل فرعون بالإغراق. وأصل الدأب في اللغة (١): إدامة العمل، يقال: فلان يدأب في كذا وكذا؛ أي: يداوم عليه، ويتعب نفسه فيه، ثم سميت العادة دأبا؛ لأنَّ الإنسان يداوم على عادته ويواظب عليها. قال ابن عباس: معناه: إن آل فرعون أيقنوا أن موسى ﵇ رسولٌ من الله تعالى فكذبوه، فكذلك هؤلاء لمَّا جاءهم محمد ﷺ بالصدق .. كذبوه، فأنزل الله بهم عقوبته، كما أنزل بآل فرعون. وجملة قوله: ﴿كفروا بآيات الله﴾ مفسرةٌ لدأب آل فرعون؛ أي: دأبهم هذا هو أنَّهم كفروا بآيات الله؛ أي: أنكروا الدلائل الإلهية. والمعني (٢): عادة كفار قريش فيما فعلوه من الكفر، وفيما فعل بهم من العذاب كعادة آل فرعون وقوم نوح وعاد وثمود وأضرابهم من الأمم الماضية، الذين من عادتهم أنهم كفروا بآيات الله الكونية، والمنزلة على رسله، وأنكروها. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: فأخذ الله تلك الأمم الماضية وأهلكها متلبسين بذنوبهم غير تائبين عنها؛ أي: أخذهم أخذ عزيز مقتدر، ولم يظلم أحدًا منهم مثقال ذرة، ونصر رسله والمؤمنين بهم، وكما كانت سننه تعالى في أولئك الماضين أن أخذهم بذنوبهم .. فسنته في هؤلاء المشركين كذلك؛ فقد نصر رسوله محمدًا ﷺ والمؤمنين في بدر، وأهلك هؤلاء المشركين بذنوبهم. وجملة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ معترضة (٣) مقررة لمضمون ما قبلها؛ أي: إن الله قويٌّ لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب، شديد العقاب لمن استحق عقابه وكفر بآياته وجحد حججه، وقد جعل لكل شيءٍ أجلا. وروى البخاري ومسلم وابن ماجه عن أبي موسى الأشعري أن النَّبي ﷺ قال: "إنَّ الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه .. لم يفلته". والإشارة بقوله:

стр. 4719

٥٣ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا ...﴾ إلخ، إلى العقاب الذي أنزله الله بهم، وهو مبتدأ، وخبره: ما بعده، والجملة جاريةٌ مجرى التعليل لما حلَّ بهم من عذاب الله، والمعنى: ذلك الذي ذكر من أخذه لقريش بكفرها بنعم الله عليها؛ إذ بعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياته فكذبوه وأخرجوه من بينهم وحاربوه .. كأخذه للأمم قبلهم بذنوبهم؛ أي: تعذيب الكفرة بما قدمت أيديهم حاصلٌ بسبب أنَّ الله لم يكن مغيرًا ومبدِّلًا بنقمةٍ ﴿نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ﴾؛ أي: لم يكن مبدلًا نعمة أنعم بها على قوم كائنًا من كان، كالعقل وإزالة الموانع؛ أي: لم يكن مبدِّلًا إياها بنقمةٍ ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا﴾؛ أي: حتى يغيِّر ويبدِّل أولئك القوم ﴿مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ من الأحوال؛ أي: ما لهم من الحال إلى حال أسوأ منه، فإذا صرفوا تلك النعمة إلى الفسق والكفر .. فقد غيَّروا نعمة الله تعالى على أنفسهم، فاستحقوا تبديل النعم بالنقم، والمنح بالمحن، يعني: أنَّ (١) الله أنعم على أهل مكة بأن أطعمهم من جوع، وأمنهم من خوف، وبعث إليهم محمدًا ﷺ ، فقابلوا هذه النعمة بأن تركوا شكرها، وكذبوا رسوله محمدًا ﷺ ، وغيروا ما بأنفسهم، فسلبهم الله النعمة وأخذهم بالعقاب، قال السدي: نعمة الله: هو محمَّدٌ ﷺ أنعم به على قريش، فكفروا به وكذَّبوه، فنقله الله تعالى إلى الأنصار. وقولنا: إلى حال أسوأ منه: إشارةٌ (٢) إلى دفع ما يقال من أن آل فرعون ومشركي مكة لم يكن لهم حالٌ مرضية حتى يقال أنهم غيَّروها إلى حال مسخوطة، فغير الله نعمته عنهم إلى النقمة، وتقرير الدفع: أنَّ قوله: ﴿مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ يعم الحال المرضية والقبيحة، فكما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة .. كذلك تغير الحال المسخوطة إلى ما هو أسوأ منها، وأولئك كانوا قبل بعثة محمَّد ﷺ كفرةً عبدة أصنام، فلمَّا بعث النبي ﷺ بالآيات البينات .. كذبوه وعادوه وتحزبوا على إراقة دمه، فغير الله نعمة إمهالهم بمعاجلتهم بالعذاب، هذا حاصل ما في "الكشاف"، اهـ "زاده".

стр. 4720

وجملة قوله: ﴿وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ معطوفة على قوله: ﴿بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً﴾ داخلة معها في التعليل؛ أي: ذلك بسبب أنَّ الله لم يك مغيرًا ... إلخ، بسبب ﴿أَنَّ الله﴾ ﴿سَمِيعٌ﴾ لما يقوله مكذبوا الرسل ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يأتون وما يذرون، وهو مجازيهم على ما يقولون وما يعملون، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وقرىء (١) بكسر الهمزة على الاستئناف. وفي الآية (٢) إيماءٌ إلى أنَّ نعم الله تعالى على الأمم والأفراد منوطة ابتداء ودوامًا بأخلاق وصفات وأعمال تقتضيها، فما دامت هذه الشؤون ثابتةً لهم متمكنةً منهم .. كانت تلك النعم ثابتةً لهم، والله لا ينتزعها منهم بغير ظلم منهم ولا جرم، فإذا هم غيروا ما بأنفسهم من تلك العقائد والأخلاق وما يلزم ذلك من محاسن الأعمال .. غيَّر الله حالهم وسلب نعمتهم منهم، فصار الغنيُّ فقيرًا، والعزيز ذليلًا، والقويُّ ضعيفًا. وليست (٣) سعادة الأمم وقوتها وغلبتها منوطةً بسعة الثروة، ولا كثرة العدد، كما كان يظن بعض المشركين، وحكاه الله عنهم بقوله: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾. وكذلك لا يحابي الله تعالى بعض الشعوب والأمم بنسبها وفضل بعض أجدادها على غيرهم بنبوةٍ، أو بما دونها، فيؤتيهم الملك والسيادة لأجل الأنبياء الذين ينسبون إليهم، كما كان هو شأن بني إسرائيل في غرورهم وتفضيل أنفسهم على جميع الشعوب بنسبهم، وهكذا شأن النصارى والمسلمين من بعدهم إذا تبعوا سنتهم واغتروا بدينهم، وإن كانوا من أشد المخالفين له. ٥٤ - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ خبرٌ لمحذوف كما مرَّ نظيره، تقديره: دأب هؤلاء المشركين من أهل مكة في الكفر والتكذيب والتعذيب ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: كعادة قوم فرعون ﴿و﴾ عادة ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: من قبل قوم فرعون، من قوم نوح وهود

стр. 4721

وصالح ولوط؛ أي: هؤلاء المشركون غيروا ما بأنفسهم تغييرًا كتغيير الأمم الماضية، فهم ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: كذب آل فرعون ومن قبلهم بأنه تعالى ربَّاهم وأنعم عليهم، فأنكروا دلائل التربية والإحسان مع كثرتها وتواليها عليهم، كما كذب أهل مكة ذلك ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾؛ أي: أهلكنا الذين من قبل قوم فرعون ﴿بـ﴾ سبب ﴿ذنوبهم﴾ ومعاصيهم من الكفر والتكذيب بآيات الله تعالى، أهلكنا بعضهم بالرجفة، وبعضهم بالخسف، وبعضهم بالحجارة، وبعضهم بالريح، وبعضهم بالمسخ، ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: قومه في البحر، بانطباقه عليهم بعدما خرج ونجا منه بنو إسرائيل مع موسى، فكذلك أهلكنا كفار قريش بالسيف في بدر، حين غيَّروا ما بأنفسهم. ﴿وَكُلٌّ﴾؛ أي: وكل من الأمم المكذبة، من الأولين والآخرين ﴿كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ لأنفسهم بالكفر والمعصية، ولأنبيائهم بالتكذيب، ولسائر الناس بالإيذاء والإيحاش، فالله تعالى إنَّما أهلكهم بسبب ظلمهم، اللهم أهلك الكفرة والمشركين، وطهِّر الأرض من الفجرة والفاسقين، فإنك أنت القهار الجبار، القادر المنتقم يا خير المنتقمين. فإن قلت (١): ما الفائدة في تكرير هذه الآيات مرة ثانية؟ قلتُ: فيها فوائد: منها: أنَّ الكلام الثاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول؛ لأنَّ الآية الأولى فيها ذكر أخذهم، وفي الآية الثانية ذكر إغراقهم، فهذه تفسير للأولى. الفائدة الثانية: أنَّه ذكر في الآية الأولى أنَّهم كفروا بآيات ربهم، وفي الآية الثانية أنَّهم كذَّبوا بآيات ربهم، ففي الآية الأولى إشارة إلى أنَّهم أنكروا آيات الله وجحدوها، وفي الآية الثانية إشارة إلى أنهم كذبوا بها مع جحودهم لها وكفرهم بها. الفائدة الثالثة: أنَّ تكرار هذه القصة للتأكيد. وفي قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ زيادة دلالةٍ على كفران النعم وجحود الحق، وفي ذكر الإغراق بيان للأخذ

стр. 4722

بالذنوب اهـ. من "الخازن". وفي "الفتوحات": كرره؛ لأن الأول إخبارٌ عن عذاب لم يمكن الله أحدًا من فعله، وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم، والثاني إخبارٌ عن عذاب مكن الله الناس من فعل مثله، وهو الإهلاك والإغراق، وقيل: غير ذلك. انتهت. وعبارة المراغي هنا: ولا تكرار؛ لأنَّ الدَّأب (١) الأول في بيان كفرهم بجحد ما قامت عليه أدلة الرسل من وحدانية الله ووجوب إفراده بالعبادة، وفي تعذيب الله إياهم في الآخرة، فهو دأبٌ وعادةٌ فيما يتعلَّق بحقه تعالى من حيث ذاته وصفاته، وفي الجزاء الدائم على الكفر به الذي يبتديء بالموت وينتهي بدخول النار. والدَّأبُ الثاني: في تكذيبهم بآيات ربهم ونعمه، من حيث إنَّه هو المربي لهم، ويدخل في ذلك تكذيب الرسل وعنادهم وإيذاؤهم، وكفر النعم المتعلِّقة ببعثهم، وفي الجزاء على ذلك بتغيير حالهم وعذابهم في الدنيا. وخلاصة ذلك: أنَّ ما دوَّنه التاريخ من دأب الأمم وعادتها في الكفر والتكذيب والظلم في الأرض ومن عقاب الله إياها .. جارٍ على سننه تعالى المطردة في الأمم، لا بسلب نعمة منهم، ولا بإيقاع أذىً بهم، وإنَّما عقابه لهم أثرٌ طبيعيٌّ لكفرهم وظلمهم لأنفسهم، وأما عذاب الاستئصال بعذاب سماوي .. فهو خاص بمن طلبوا الآيات من الرسل وأنذروهم العذاب إذا هم كفروا بها بعد مجيئها، ثم فعلوا ذلك. ٥٥ - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾؛ أي: إنَّ أقبح ما يدب على الأرض وأخسه ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ؛ أي: في علمه وحكمه هم ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: أصروا على الكفر ورسخوا فيهم ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: لا يرجى منهم إيمان، ٥٦ - وقوله: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ بدل (٢) من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بدل البعض؛ للبيان والتخصيص، قيل: ﴿من﴾ صلةٌ، يعني: الذين عاهدتهم على ترك الحرب لك،

стр. 4723

وعلى ترك المساعدة لمن يحاربك. وقيل: هي وللتبعيض؛ لأنَّ المعاهدة مع بعض القوم، وهم الرؤساء والأشراف ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ في كُلِّ مَرَّةٍ﴾ من مرات المعاهدة ﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ الله؛ أي: لا يخافون عقاب الله تعالى في نقض العهد، أو لا يخافون (١) سبة الغدر وما فيه من العار والنار؛ لأنَّ عادة من يرجع إلى دين وعقل وحزم .. أن يتقي نقض العهد، حتى يسكن الناس إلى قوله ويثقون بكلامه، فبيَّن الله أنَّ مَنْ جمع بين الكفر ونقض العهد .. فهو من شرِّ الدَّواب. وجعلهم شرَّ الدواب لا شرَّ الناس؛ إيماءً إلى انسلاخهم عن الإنسانية، ودخولهم في جنس غير الناس من أنواع الحيوان؛ لعدم تعقلهم بما فيه رشادهم. والمعنى (٢): إنَّ هؤلاء الكافرين الذين هم شر الدواب عند الله تعالى .. هم هؤلاء الذين عاهدت منهم؛ أي: أخذت منهم عهدهم على ترك محاربتك والمساعدة لمن يحاربك، ثم هم ينقضون عهدهم الذي عاهدتهم في كل مرة من مرات المعاهدة، والحال أنهم لا يتقون النقض، ولا يخافون عاقبته، ولا يتجنبون أسبابه. قال ابن عباس ﵄ (٣): هم قريظة، فإنَّ رسول الله ﷺ كان عاهد يهود بني قريظة أن لا يحاربوه ولا يعاونوا عليه، فنقضوا العهد، وأعانوا عليه مشركي مكة بالسلاح يوم بدر، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم مرةً ثانية فنقضوا العهد أيضًا، وساعدوا معهم على رسول الله ﷺ يوم الخندق، وانطلق كعب بن الأشرف إلى مكة، فحالفهم على محاربة رسول الله ﷺ . وحاصل معنى الآيتين: أنّ شرَّ ما يدبّ على وجه الأرض في حكم الله وعدله هم الكافرون الذين اجتمعت فيهم صفتان: - الإصرار على الكفر والرسوخ فيه، بحيث لا يرجى إيمان جملتهم، أو

стр. 4724

إيمان جمهورهم؛ لأنَّهم إمَّا رؤساء حاسدون للرسول ﷺ معاندون له، جاحدون بآياته المؤيِّدة لرسالته على علم منهم، وفيهم يقول سبحانه: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ وإمَّا مقلدون جامدون على التقليد، لا ينظرون في الدلائل والآيات، وقد لقَّبهم الله بالدَّواب - وهو اللفظ الذي غلب استعماله في ذوات الأربع -؛ لإفادة أنهم ليسوا من شرار البشر فقط، بل هم أضلُّ من العجماوات؛ لأنَّ لها منافع، وهؤلاء لا خير فيهم ولا نفع لغيرهم منهم، كما قال تعالى في أمثالهم: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾. ٢ - نقض العهد، وقد كان النبي ﷺ عقد مع يهود المدينة عقب هجرته إليهم عهدًا أقرَّهم فيه على دينهم، وأمنهم على أنفسهم وأموالهم، فنقض كل منهم عهده، بما مرَّ آنفًا عن ابن عباس ﵁. ٥٧ - وبعد أن بين أنه قد تكرر منهم نقض العهد .. أردف ذلك بذكر ما يجب أن يعاملوا به، فقال: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾؛ أي: فإن تجد يا محمَّد هؤلاء الناقضين لعهدهم معك ﴿في الْحَرْبِ﴾؛ أي: في أثناء الحرب؛ أي: فإمَّا تصادفنهم وتظفر بهم في الحرب وتتمكن منهم ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾؛ أي: ففرق وخوف بسبب تنكيلك بهم وعقوبتك لهم ﴿مَنْ خَلْفَهُمْ﴾؛ أي: من ورائهم؛ أي: من سواهم من سائر الكفار الذين يريدون محاربتك، كأهل مكة. ومعنى (١) الآية: إنَّك يا محمَّد إذا ظفرت بهؤلاء الكفار الذين نقضوا العهد .. فافعل بهم فعلًا من القتل والتنكيل تفرِّق بهم جمع كلِّ ناقضٍ للعهد، حتى يخافكم من وارءهم من أهل مكة واليمن ﴿لَعَلَّهُمْ﴾؛ أي: لعل الذين خلفهم ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾؛ أي: يتعظون بما يقع لهؤلاء الناقضين من التعذيب؛ أي (٢): إذا فعلت بقريظة العقوبة .. فرقت شمل قريش؛ إذ يخافون منك أن تفعل بهم مثل ما فعلت بحلفائهم، وهم قريظة، فأمر رسول الله ﷺ أن يفرِّقهم في ذلك الوقت تفريقًا عنيفًا موجبًا للاضطراب،

стр. 4725

والضميران في ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ الظاهر عودهما على ﴿مَنْ خَلْفَهُمْ﴾؛ أي: إذا رأوا ما حلَّ بالناقضين تذكروا اهـ. "سمين". وقرأ الأعمش بخلاف عنه (١): ﴿فشرِّذ﴾ - بالذال المعجمة - بدل الدال المهملة، وكذا في محصف عبد الله، قالوا: ولم نحفظ هذه المادة في لغة العرب، وقال الزمخشري: فشرِّذ - بالذال المعجمة - بمعنى ففرِّق، وقال قطرب: - بالذال المعجمة - التنكيل، - وبالمهملة - التفريق. وقرأ أبو حيوة والأعمش بخلاف: ﴿مِنْ خلِفهم﴾ جارًا ومجرورًا، ومفعول ﴿فشرِّد﴾ محذوف؛ أي: ناسًا من خلفهم يعملون مثل عملهم، أو فشرد أمثالهم من الأعداء. والخلاصة (٢): أنَّك تدرك هؤلاء الناقضين لعهدهم وتظفر بهم في الحرب .. فنكِّل بهم أشد التنكيل؛ حتى يكون ذلك سببًا لشرود من وراءهم من الأعداء وتفرقهم، فيكون مثلهم مثل الإبل الشاردة النادة عن أمكنتها، وإنّما أمر الله رسوله ﷺ بالإثخان في هؤلاء الأعداء الذين تكررت مسالمته لهم وتجديده لعهدهم بعد نقضه؛ لئلا ينخدع مرةً أخرى بكذبهم؛ لما جبل عليه من الرحمة، وحب السلم. واعتبار الحرب ضرورةً تترك إذا زال سببها كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾، وهم قد أوهموه المرة بعد المرة أنَّهم يرغبون في السلم، واعتذروا عن نقضهم العهد، وكانوا في ذلك مخادعين. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾؛ أي: لعل من خلفهم من الأعداء يذكرون النكال، فيمنعهم ذلك من نقض العهد ومن القتال. روى البخاري ومسلم أنَّ النبي ﷺ خطب في بعض أيامه التي لقي فيها العدو فقال: "أيها الناس، لا تمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم .. فاصبروا، واعلموا أنَّ الجنة تحت ظلال السيوف". ثم قال: "اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم".

стр. 4726

وفي ذلك إيماءٌ إلى شيئين: ١ - أنَّ الحرب ليست محبوبة عند الله، ولا عند رسوله، وإنما هي ضرورة يراد بها منع البغي والعدوان، وإعلاء كلمة الحق ودحض الباطل ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. ٢ - أنَّ استعمال القوة مع الناقضين للعهد والبادئين بالحرب والتنكيل بهم لتشريد من وراءهم .. أمر لا بد منه للعظة والاعتبار، حتى لا يعودوا إلى مثلها هم ولا غيرهم، ولا يزال الأمر كذلك في هذا العصر، وإن كانوا يريدون به الانتقام وشفاء ما في الصدور من الأحقاد، والتمتع بالمغانم من مال وعقار. ٥٨ - وبعد أن ذكر حكم ناقض العهد حين سنوح الفرصة .. قفى على ذلك بحكم من لا ثقة بعهودهم فقال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾؛ أي: وإن توقعت يا محمَّد ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾ معاهدين ﴿خِيَانَةً﴾ وغشًّا ونكثًا للعهد، بوجود أمارات ظاهرة وقرائن تدل عليها ﴿انْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾، أي: فاطرح وارم إليهم عهدهم ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ على جهرٍ، لا على سرٍّ؛ أي: فاقطع (١) عليهم طريق الخيانة قبل وقوعها، بأن تنبذ إليهم عهدهم، وتنذرهم بأنك غير مقيد به، ولا مهتم بأمرهم، بطريق واضح، لا خداع فيه ولا استخفاء. والحكمة في هذا: أنَّ الإِسلام لا يبيح الخيانة مطلقًا. والمعنى (٢): أعلمهم - قبل حربك إياهم - أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم، حتى تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواءً، فلا يتوهَّمون أنك نقضت العهد أولًا بنصب الحرب معهم؛ أي: لا تحاربهم قبل إعلامهم بنقض العهد. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾؛ أي: الناقضين للعهود؛ أي: يعاقبهم، وهذه الجملة تعليل للأمر بالنبذ والنهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال على طريقة الاستئناف. قال ابن عطية: والذي (٣) يظهر من ألفاظ القرآن أنَّ أمر بني قريظة انتهى عند قوله: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾، ثم ابتدأ تبارك

стр. 4727

وتعالى في هذه الآية يأمره بما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانةً؛ أي: إنَّ الخيانة مبغوضةٌ بجميع ضروبها, ولا وسيلة لاتقاء ضررها من الكفار إذا ظهرت أماراتها إلا بنبذ عهدهم جهرةً. روى البيهقي أنَّ النبي ﷺ قال: "ثلاثةٌ المسلم والكافر فيهن سواء: من عاهدته .. فوفِّ عهده مسلمًا كان أو كافرًا، فإنما العهد لله، ومن كانت بينك وبينه رحم .. فصلها مسلمًا كان أو كافرًا، ومن ائتمنك على أمانةٍ .. فأدِّها إليه مسلمًا كان أو كافرًا". وعبارة "المراح" هنا قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾؛ أي (١) وإن تعلمنَّ يا محمَّد من قوم من المعاهدين نقض عهد بأمارات ظاهرة .. فاطرح إليهم عهدهم على طريق ظاهر مستوٍ، بأن تعلمهم قبل حربك إياهم أنك قطعت ما بينك وبينهم من الوصلة، حتى تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواءً، ولا تبادرهم بالحرب - وهم على توهم بقاء العهد - فيكون ذلك خيانة منك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ في العهود. والحاصل: إن ظهرت الخيانة بأمارات ظاهرة من غير أمرٍ مستفيض .. وجب على الإِمام أن ينبذ إليهم العهد ويعلمهم الحرب، ذلك كما في قريظة، فإنهم عاهدوا النبي ﷺ ، ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم عليه ﷺ ، وأما إذا ظهر نقض العهد ظهورًا مقطوعًا به .. فلا حاجة للإمام إلى نبذ العهد وإعلامهم بالحرب، بل يفعل كما فعل رسول الله ﷺ بأهل مكة، فإنهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم في ذمة النبي ﷺ .. وصل إليهم جيش النبي ﷺ بمرِّ الظهران، وذلك على أربع فراسخ من مكة. ٥٩ - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ قرأ ابن عامر (٢) وحفص عن عاصم - بالياء التحتية - أي: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قريش أنفسهم فاتوا من عذابنا بهربهم يوم بدر. وقرأ الباقون بالتاء الفوقية، على مخاطبة النبي ﷺ ، أو أيّ

стр. 4728

مخاطب؛ أي: ولا تحسبن يا محمَّد الذين كفروا الذين خلصوا منك يوم بدر فائتين من عذابنا ﴿إِنَّهُمْ﴾ بهذا الفرار ﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾ الله تعالى من الانتقام منهم، إمَّا بالقتل في الدنيا، وإمّا بعذاب النار في الآخرة. وقرأ ابن عامر ﴿إِنَّهُمْ﴾ - بفتح الهمزة - على التعليل ٦٠ - ﴿وَأعِدُّوا لَهُمْ﴾، أي: وهيئوا أيها المسلمون لحرب الكفار ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقدرتم عليه وأمكن لكم ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾، أي: من كل ما يتقوى به في الحرب، من كل ما هو آلة للجهاد، كالسيف والرماح والقوس. ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾؛ أي: ومن الخيل المربوط المهيأ، المقتنى للجهاد عليه، سواء كان من الفحول، أو من الإناث. وروي أنه كانت الصحابة يستحبون ذكور الخيار عند الصفوف، وإناث الخيل عند البيات والغارات، حالة كونكم ﴿تُرْهِبُونَ﴾ وتخوفون ﴿بِهِ﴾، أي: بذلك الإعداد، أو بما ذكر من القوة والخيل المربوط. وقرىء ﴿تخزون﴾ ﴿عدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ وهم كفار مكة، وذكر أوَّلًا عدو الله؛ تعظيمًا لما هم عليه من الكفر، وتقوية لذمهم، وأنه يجب لأجل عدواتهم أن يقاتلوا ويبغضوا، ثم قال: ﴿وَعَدُوَّكُمْ﴾ على سبيل التحريض على قتالهم؛ إذ في الطبع أن يعادي الإنسان من عاداه، وأن يبغي له الغوائل. ذكره أبو حيان في "البحر" ﴿و﴾ ترهبون به قومًا ﴿وَآخَرِينَ﴾ من أعدائكم ﴿مِنْ دُونِهِمْ﴾؛ أي: من غير كفار مكة ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾؛ أي: لا تعلمون أنتم أيها المؤمنون أولئك الآخرين، على ما هم عليه من العداوة لكم، أي: فإنَّ تكثير آلات الجهاد كما يرهب الأعداء الذين تعلمون كونهم أعداءً لكم .. كذلك يرهب الأعداء الذين لا تعلمون أنهم أعداء، سواء كانوا مسلمين أو كفارًا. ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾؛ أي: الله لا غيره يعلم أولئك الآخرين؛ أي: كونهم أعداء لكم. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: من مال قل أو جلَّ من آلةٍ وسلاحٍ وصفراء وبيضاء ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في طاعة الله في الجهاد، وفي سائر وجوه الخيرات ﴿يُوَف إِلَيكُمْ﴾؛ أي: يخلف لكم من العاجل، ويوفَّر لكم أجره في الآخرة، أي: يعطي لكم عليه أجرًا وافرًا كاملًا ﴿وَأَنتُمْ تُظْلَمُون﴾؛ أي: لا تنقصون من أجوره شيئًا، ولو مثقال ذرة، بل يصير ذلك إليكم وافيًا وافرًا كاملًا ﴿وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما﴾، ﴿أني لا أضيع عمل عامل منكم﴾.

стр. 4729

وقرأ ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص (١): ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ - بالياء التحتية - وقرأ الباقون: ﴿تحسبن﴾ - بالمثناة فوق - كما مرَّ آنفًا، فعلى القراءة الأولى: يكون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فاعل الحسبان، ويكون مفعوله الأول محذوفًا؛ أي: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم، ومفعوله الثاني: ﴿سَبَقُوا﴾، ومعناه: فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم، وعلى القراءة الثانية: يكون الخطاب لرسول الله ﷺ ، ومفعوله الأول ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، والثاني ﴿سَبَقُوا﴾، وقرىء: ﴿إنَّهم سبقوا﴾ وقرىء: ﴿يِحْسَبَنَّ﴾ بكسر الياء. وقرأ الأعمش (٢): ﴿ولا يحسب﴾ - بفتح الياء من تحت والسين، وحذف النون - وينبغي أن يخرَّج على حذف النون الخفيفة؛ لملاقاة الساكن، فيكون كقوله: لاَ تُهِينَ الْفَقِيْرَ عَلَّكَ أَنْ. . . تَرْكَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ وقرأ ابن عامر: ﴿إِنَّهُمْ لَا يَعْجِزُونَ﴾ - بفتح الهمزة - والباقون بكسرها، وكلا القراءتين مفيدة؛ لكون الجملة تعليلية. وقرأ ابن محيصن: ﴿لَا يُعْجِزُونِي﴾ - بكسر النون، وياء بعدها -. وقال الزجاج: الاختيار فتح النون، ويجوز كسرها على أنَّ المعنى: إنهم لا يعجزونني، وتحذف النون الأولى؛ لاجتماع النونين. وقرأ طلحة: بكسر النون من غير تشديد ولا ياءٍ. وعن ابن محيصن: تشديد النون وكسرها، أدغم نون الإعراب في نون الوقاية، وعنه أيضًا؛ بفتح النون وتشديد الجيم وكسر النون. قال النحاس: وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أنَّ معنى عجزه: ضعفه وضعف أمره، والآخر: أنَّه كان يجب أن يكون بنونين اهـ. وقرأ الحسن وأبو حيوة وعمرو بن دينار: ﴿وَمِنْ رُبُط الْخَيْلِ﴾ - بضم الراء والباء - وعن أبي حيوة والحسن أيضًا. ﴿رُبْط﴾ - بضم الراء وسكون الباء - وذلك نحو كتاب وكتب وكتب. وقرأ الحسن ويعقوب وابن عقيل لأبي عمرو: ﴿تُرْهِبُونَ﴾ مشددًا عدي بالتضعيف كما عدي بالهمزة، قال أبو حاتم: وزعم عمرو أنَّ الحسن

стр. 4730

قرأ ﴿يرْهِبُونَ﴾ بالياء من تحت وخففها، انتهى. وقرأ ابن عباس وعكرمة ومجاهد: ﴿تخزون به﴾ مكان ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾. وقرأ السلمي: ﴿عَدُوًّا اللَّهِ﴾ بالتنوين ولام الجر. قال صاحب "اللوامح": فقيل: أراد به اسم الجنس، ومعناه أعداءً لله. فصل واعلم: أنَّ الله (١) أمر المؤمنين في هذه الآية بالاستعداد للحرب التي لا بُدَّ منها؛ لدفع العدوان، وحفظ الأنفس والحق والفضيلة، ويكون ذلك الاستعداد بأمرين: ١ - إعداد المستطاع من القوة؛ ويختلف هذا باختلاف الزمان والمكان، فالواجب على المسلمين في هذا العصر صنع المدافع والطيارات والقنابل والدبابات والرصاص، وإنشاء السفن الحربية والغواصات ونحو ذلك، كما يجب عليهم تعلم الفنون والصناعات التي يتوقف عليها صنع هذه الأشياء وغيرها من قوى الحرب. وقد استعمل الصحابة المنجنيق مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر وغيرها. روى مسلم عن عقبة بن عامر أنَّه سمع النبي ﷺ وقد تلا هذه الآية يقول: "ألا إنَّ القوة الرمي" قالها ثلاثًا، وذلك أنَّ رمي العدو عن بعد بما يقتله أسلم من مصاولته على القرب بسيف أو رمح أو حربةٍ، أو نحو ذلك، وهذا يشمل السهم وقذيفة المنجنيق والطيارة والمدفع والبندقية ونحوها، فاللفظ يشملها وإن لم تكن معروفةً في عصره ﷺ . ٢ - مرابطة الفرسان في ثغور البلاد وحدودها: إذ هي مداخل الأعداء ومواضع مهاجمتهم للبلاد.
следующие страницы →