← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

وفي ذلك إيماءٌ إلى شيئين: ١ - أنَّ الحرب ليست محبوبة عند الله، ولا عند رسوله، وإنما هي ضرورة يراد بها منع البغي والعدوان، وإعلاء كلمة الحق ودحض الباطل ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. ٢ - أنَّ استعمال القوة مع الناقضين للعهد والبادئين بالحرب والتنكيل بهم لتشريد من وراءهم .. أمر لا بد منه للعظة والاعتبار، حتى لا يعودوا إلى مثلها هم ولا غيرهم، ولا يزال الأمر كذلك في هذا العصر، وإن كانوا يريدون به الانتقام وشفاء ما في الصدور من الأحقاد، والتمتع بالمغانم من مال وعقار. ٥٨ - وبعد أن ذكر حكم ناقض العهد حين سنوح الفرصة .. قفى على ذلك بحكم من لا ثقة بعهودهم فقال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾؛ أي: وإن توقعت يا محمَّد ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾ معاهدين ﴿خِيَانَةً﴾ وغشًّا ونكثًا للعهد، بوجود أمارات ظاهرة وقرائن تدل عليها ﴿انْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾، أي: فاطرح وارم إليهم عهدهم ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ على جهرٍ، لا على سرٍّ؛ أي: فاقطع (١) عليهم طريق الخيانة قبل وقوعها، بأن تنبذ إليهم عهدهم، وتنذرهم بأنك غير مقيد به، ولا مهتم بأمرهم، بطريق واضح، لا خداع فيه ولا استخفاء. والحكمة في هذا: أنَّ الإِسلام لا يبيح الخيانة مطلقًا. والمعنى (٢): أعلمهم - قبل حربك إياهم - أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم، حتى تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواءً، فلا يتوهَّمون أنك نقضت العهد أولًا بنصب الحرب معهم؛ أي: لا تحاربهم قبل إعلامهم بنقض العهد. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾؛ أي: الناقضين للعهود؛ أي: يعاقبهم، وهذه الجملة تعليل للأمر بالنبذ والنهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال على طريقة الاستئناف. قال ابن عطية: والذي (٣) يظهر من ألفاظ القرآن أنَّ أمر بني قريظة انتهى عند قوله: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾، ثم ابتدأ تبارك

стр. 4727

وتعالى في هذه الآية يأمره بما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانةً؛ أي: إنَّ الخيانة مبغوضةٌ بجميع ضروبها, ولا وسيلة لاتقاء ضررها من الكفار إذا ظهرت أماراتها إلا بنبذ عهدهم جهرةً. روى البيهقي أنَّ النبي ﷺ قال: "ثلاثةٌ المسلم والكافر فيهن سواء: من عاهدته .. فوفِّ عهده مسلمًا كان أو كافرًا، فإنما العهد لله، ومن كانت بينك وبينه رحم .. فصلها مسلمًا كان أو كافرًا، ومن ائتمنك على أمانةٍ .. فأدِّها إليه مسلمًا كان أو كافرًا". وعبارة "المراح" هنا قوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾؛ أي (١) وإن تعلمنَّ يا محمَّد من قوم من المعاهدين نقض عهد بأمارات ظاهرة .. فاطرح إليهم عهدهم على طريق ظاهر مستوٍ، بأن تعلمهم قبل حربك إياهم أنك قطعت ما بينك وبينهم من الوصلة، حتى تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواءً، ولا تبادرهم بالحرب - وهم على توهم بقاء العهد - فيكون ذلك خيانة منك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ في العهود. والحاصل: إن ظهرت الخيانة بأمارات ظاهرة من غير أمرٍ مستفيض .. وجب على الإِمام أن ينبذ إليهم العهد ويعلمهم الحرب، ذلك كما في قريظة، فإنهم عاهدوا النبي ﷺ ، ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم عليه ﷺ ، وأما إذا ظهر نقض العهد ظهورًا مقطوعًا به .. فلا حاجة للإمام إلى نبذ العهد وإعلامهم بالحرب، بل يفعل كما فعل رسول الله ﷺ بأهل مكة، فإنهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم في ذمة النبي ﷺ .. وصل إليهم جيش النبي ﷺ بمرِّ الظهران، وذلك على أربع فراسخ من مكة. ٥٩ - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ قرأ ابن عامر (٢) وحفص عن عاصم - بالياء التحتية - أي: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قريش أنفسهم فاتوا من عذابنا بهربهم يوم بدر. وقرأ الباقون بالتاء الفوقية، على مخاطبة النبي ﷺ ، أو أيّ

стр. 4728

مخاطب؛ أي: ولا تحسبن يا محمَّد الذين كفروا الذين خلصوا منك يوم بدر فائتين من عذابنا ﴿إِنَّهُمْ﴾ بهذا الفرار ﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾ الله تعالى من الانتقام منهم، إمَّا بالقتل في الدنيا، وإمّا بعذاب النار في الآخرة. وقرأ ابن عامر ﴿إِنَّهُمْ﴾ - بفتح الهمزة - على التعليل ٦٠ - ﴿وَأعِدُّوا لَهُمْ﴾، أي: وهيئوا أيها المسلمون لحرب الكفار ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقدرتم عليه وأمكن لكم ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾، أي: من كل ما يتقوى به في الحرب، من كل ما هو آلة للجهاد، كالسيف والرماح والقوس. ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾؛ أي: ومن الخيل المربوط المهيأ، المقتنى للجهاد عليه، سواء كان من الفحول، أو من الإناث. وروي أنه كانت الصحابة يستحبون ذكور الخيار عند الصفوف، وإناث الخيل عند البيات والغارات، حالة كونكم ﴿تُرْهِبُونَ﴾ وتخوفون ﴿بِهِ﴾، أي: بذلك الإعداد، أو بما ذكر من القوة والخيل المربوط. وقرىء ﴿تخزون﴾ ﴿عدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ وهم كفار مكة، وذكر أوَّلًا عدو الله؛ تعظيمًا لما هم عليه من الكفر، وتقوية لذمهم، وأنه يجب لأجل عدواتهم أن يقاتلوا ويبغضوا، ثم قال: ﴿وَعَدُوَّكُمْ﴾ على سبيل التحريض على قتالهم؛ إذ في الطبع أن يعادي الإنسان من عاداه، وأن يبغي له الغوائل. ذكره أبو حيان في "البحر" ﴿و﴾ ترهبون به قومًا ﴿وَآخَرِينَ﴾ من أعدائكم ﴿مِنْ دُونِهِمْ﴾؛ أي: من غير كفار مكة ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾؛ أي: لا تعلمون أنتم أيها المؤمنون أولئك الآخرين، على ما هم عليه من العداوة لكم، أي: فإنَّ تكثير آلات الجهاد كما يرهب الأعداء الذين تعلمون كونهم أعداءً لكم .. كذلك يرهب الأعداء الذين لا تعلمون أنهم أعداء، سواء كانوا مسلمين أو كفارًا. ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾؛ أي: الله لا غيره يعلم أولئك الآخرين؛ أي: كونهم أعداء لكم. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: من مال قل أو جلَّ من آلةٍ وسلاحٍ وصفراء وبيضاء ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في طاعة الله في الجهاد، وفي سائر وجوه الخيرات ﴿يُوَف إِلَيكُمْ﴾؛ أي: يخلف لكم من العاجل، ويوفَّر لكم أجره في الآخرة، أي: يعطي لكم عليه أجرًا وافرًا كاملًا ﴿وَأَنتُمْ تُظْلَمُون﴾؛ أي: لا تنقصون من أجوره شيئًا، ولو مثقال ذرة، بل يصير ذلك إليكم وافيًا وافرًا كاملًا ﴿وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما﴾، ﴿أني لا أضيع عمل عامل منكم﴾.

стр. 4729

وقرأ ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص (١): ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ - بالياء التحتية - وقرأ الباقون: ﴿تحسبن﴾ - بالمثناة فوق - كما مرَّ آنفًا، فعلى القراءة الأولى: يكون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فاعل الحسبان، ويكون مفعوله الأول محذوفًا؛ أي: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم، ومفعوله الثاني: ﴿سَبَقُوا﴾، ومعناه: فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم، وعلى القراءة الثانية: يكون الخطاب لرسول الله ﷺ ، ومفعوله الأول ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، والثاني ﴿سَبَقُوا﴾، وقرىء: ﴿إنَّهم سبقوا﴾ وقرىء: ﴿يِحْسَبَنَّ﴾ بكسر الياء. وقرأ الأعمش (٢): ﴿ولا يحسب﴾ - بفتح الياء من تحت والسين، وحذف النون - وينبغي أن يخرَّج على حذف النون الخفيفة؛ لملاقاة الساكن، فيكون كقوله: لاَ تُهِينَ الْفَقِيْرَ عَلَّكَ أَنْ. . . تَرْكَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ وقرأ ابن عامر: ﴿إِنَّهُمْ لَا يَعْجِزُونَ﴾ - بفتح الهمزة - والباقون بكسرها، وكلا القراءتين مفيدة؛ لكون الجملة تعليلية. وقرأ ابن محيصن: ﴿لَا يُعْجِزُونِي﴾ - بكسر النون، وياء بعدها -. وقال الزجاج: الاختيار فتح النون، ويجوز كسرها على أنَّ المعنى: إنهم لا يعجزونني، وتحذف النون الأولى؛ لاجتماع النونين. وقرأ طلحة: بكسر النون من غير تشديد ولا ياءٍ. وعن ابن محيصن: تشديد النون وكسرها، أدغم نون الإعراب في نون الوقاية، وعنه أيضًا؛ بفتح النون وتشديد الجيم وكسر النون. قال النحاس: وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أنَّ معنى عجزه: ضعفه وضعف أمره، والآخر: أنَّه كان يجب أن يكون بنونين اهـ. وقرأ الحسن وأبو حيوة وعمرو بن دينار: ﴿وَمِنْ رُبُط الْخَيْلِ﴾ - بضم الراء والباء - وعن أبي حيوة والحسن أيضًا. ﴿رُبْط﴾ - بضم الراء وسكون الباء - وذلك نحو كتاب وكتب وكتب. وقرأ الحسن ويعقوب وابن عقيل لأبي عمرو: ﴿تُرْهِبُونَ﴾ مشددًا عدي بالتضعيف كما عدي بالهمزة، قال أبو حاتم: وزعم عمرو أنَّ الحسن

стр. 4730

قرأ ﴿يرْهِبُونَ﴾ بالياء من تحت وخففها، انتهى. وقرأ ابن عباس وعكرمة ومجاهد: ﴿تخزون به﴾ مكان ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾. وقرأ السلمي: ﴿عَدُوًّا اللَّهِ﴾ بالتنوين ولام الجر. قال صاحب "اللوامح": فقيل: أراد به اسم الجنس، ومعناه أعداءً لله. فصل واعلم: أنَّ الله (١) أمر المؤمنين في هذه الآية بالاستعداد للحرب التي لا بُدَّ منها؛ لدفع العدوان، وحفظ الأنفس والحق والفضيلة، ويكون ذلك الاستعداد بأمرين: ١ - إعداد المستطاع من القوة؛ ويختلف هذا باختلاف الزمان والمكان، فالواجب على المسلمين في هذا العصر صنع المدافع والطيارات والقنابل والدبابات والرصاص، وإنشاء السفن الحربية والغواصات ونحو ذلك، كما يجب عليهم تعلم الفنون والصناعات التي يتوقف عليها صنع هذه الأشياء وغيرها من قوى الحرب. وقد استعمل الصحابة المنجنيق مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر وغيرها. روى مسلم عن عقبة بن عامر أنَّه سمع النبي ﷺ وقد تلا هذه الآية يقول: "ألا إنَّ القوة الرمي" قالها ثلاثًا، وذلك أنَّ رمي العدو عن بعد بما يقتله أسلم من مصاولته على القرب بسيف أو رمح أو حربةٍ، أو نحو ذلك، وهذا يشمل السهم وقذيفة المنجنيق والطيارة والمدفع والبندقية ونحوها، فاللفظ يشملها وإن لم تكن معروفةً في عصره ﷺ . ٢ - مرابطة الفرسان في ثغور البلاد وحدودها: إذ هي مداخل الأعداء ومواضع مهاجمتهم للبلاد.

стр. 4731

والحكمة في هذا: أن يكون للأمة جندٌ دائم مستعدٌّ للدفاع عنها إذا فجأها العدو على غرةٍ، وقوام ذلك الفرسان؛ لسرعة حركتهم وقدرتهم على القتال وإيصال الأخبار من الثغور إلى العواصم وسائر الأرجاء، ومن أجل هذا عظم الشارع أمر الخيل وأمر بإكرامها, ولا يزال للفرسان نصيب كبير في الحرب في هذا العصر الذي ارتقت فيه الفنون العسكرية في الدول الحربية. ومعنى قوله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾؛ أي: أعدوا لهم المستطاع من القوة الحربية ومن الفرسان المرابطة؛ لترهبوا عدو الله - الكافرين به وبما أنزله على رسوله - وعدوكم الذين يتربصون بكم الدوائر؛ إذ لا شيء يمنع الحرب إلا الاستعداد للحرب، فالكفار إذا علموا استعداد المسلمين وتأهبهم للجهاد واستكمالهم لجميع الأسلحة والآلات .. خافوهم. وهذا الخوف يفيد المسلمين من وجوه: ١ - يجعل أعدائهم لا يعينون عدوًّا آخر عليهم. ٢ - يجعلهم يؤدون الالتزامات المطلوبة منهم. ٣ - ربَّما حملهم ذلك على الدخول في الإِسلام والإيمان بالله ورسوله. وقوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾؛ أي: وترهبون به أناسًا غير هؤلاء الأعداء المعروفين لكم، وهم مشركو مكة ومن والاهم ممن يجمعون بين هاتين العدواتين حين نزول الآية عقب غزوة بدر، ممن لا تعلمون الآن عدواتهم، بل يعلمهم الله، وهو علام الغيوب. والخلاصة: أنّ تكثير آلات الجهاد وأدواتها كما يرهب الأعداء الذين تعلمون أنهم أعداء لكم .. يرهب الأعداء الذين لا تعلمون أنهم أعداء لكم، فالاستعداد للحرب يرهبهم جميعًا، ويمنعهم من الإقدام على القتال. وهذا ما يسمى في العصر الحديث: السلام المسلح. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾ قليلًا كان أو كثيرًا في إعداد المستطاع من القوة والمرابطة ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تعالى ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾؛ أي: يعطكم الله عليه الجزاء

стр. 4732

الوافي التام ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾؛ أي: والحال أنه لا يحلقكم ظلم ولا اضطهاد من أعدائكم، فإن القوي المستعد لمقاومة المعتدي قلما يعتدي عليه أحد، وإن اعتدى عليه .. فقلَّ أن يظفر به. وفي هذا إيماءٌ إلى أنَّ إعداد المستطاع من القوة الحربية والمرابطة في سبيل الله لا يمكن تحقيقهما إلا بإنفاق الكثير من المال، ومن ثم رغب سبحانه عباده المؤمنين في الإنفاق في سبيله، ووعدهم بأن كل ما ينفقون فيها يوفَّى إليهم، إمّا في الدنيا والآخرة، أو في الآخرة فحسب. ٦١ - ولمَّا كان السلم هو المقصد الأول لا الحرب .. أكده بقوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾؛ أي: وإن مال العدو عن جانب الحرب إلى جانب السلم والصلح ولم يعتز بقوته .. ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾؛ أي: فمل إليها واقبلها منهم؛ لأنَّك أولى بالسلم منهم. وقرأ (١) أبو بكر عن عاصم والأعمش والمفضل وابن محيصن: ﴿لِلسَّلْمِ﴾ - بكسر السين - وقرأ الباقون بفتحها. وقرأ الأشهب العقيليّ: ﴿فَاجْنَحْ﴾ - بضم النون - وقرأ الباقون بفتحها، والأولى لغة قيس، والثانية لغة تميم. قال ابن جني: ولغة قيس هي القياس، والسلم تؤنث كما تؤنث الحرب، أو هي مؤولَّة بالخصلة أو الفعلة. أي: وإن (٢) مال الكفار للصلح بوقوع الرهبة في قلوبهم بمشاهدة ما بكم من الاستعداد .. فاقبله منهم ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: وفوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله؛ ليكون عونًا لك على السلامة، ولكي ينصرك عليهم إذا نقضوا العهد، ولا تخف غدرهم ومكرهم ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لما يقولون في خلواتهم من مقالات الخداع ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يفعلون وبنياتهم، فلا يخفى عليه ما يأتمرون به من الكيد والخداع - وإن خفي عليك - فيؤاخذهم بما يستحقونه، ويرد كيدهم في نحرهم. وقد اختلف أهل العلم: هل هذه الآية منسوخة أو محكمة؟.

стр. 4733

فقيل: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. وقيل: ليست منسوخة؛ لأنَّ المراد بها قبول الجزية، وقد قبلها منهم الصحابة فمن بعدهم، فتكون خاصةً بأهل الكتاب. وقيل: إن المشركين إن دعوا إلى الصلح .. جاز أن يجابوا عليه. وتمسك المانعون من مصالحة المشركين بقوله تعالى ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ وقيدوا عدم الجواز بما إذا كان المسلمون في عزةٍ وقوةٍ، لا إذا لم يكونوا كذلك .. فهو جائز، كما وقع منه ﷺ من مهادنة قريش، وما زالت الخلفاء والصحابة على ذلك. وكلام أهل العلم في هذه المسألة معروف مقرَّر في مواطنه. انتهى من "الشوكاني". ٦٢ - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾؛ أي: وإن يرد الكفار بإظهار الصلح خديعتك لتكف عنهم ويفترصوا الفرص، كانتظار الغرة التي تمكِّنهم من أهل الحق أو الاستعداد للحرب .. ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾؛ أي: فاعلم أنَّ الله كافيك من شرورهم وناصرك عليهم. ﴿هُوَ﴾ ﴿الَّذِي أَيَّدَكَ﴾ وقواك ﴿بِنَصْرِهِ﴾ في يوم بدر، وفي سائر أيامك ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ من المهاجرين والأنصار، وهذه الجملة معللة لما قبلها؛ أي: لا تخف من خداعهم ومكرهم؛ فإنَّ الله الذي قواك عليهم بالنصر في يوم بدر، هو الذي سينصرك ويقويك عليهم عند حدوث الخداع والنكث. أي: إنَّ (١) من آثار عنايته تعالى بك أن أيدك بتسخير المؤمنين لك، وجعلهم أمةً متحدةً متآلفةً متعاونةً على نصرك، وأن سخر لك ما وراء الأسباب من خوارق العادات، كالملائكة التي تثبت القلوب يوم بدر، ثم بين كيف كان تأييده بالمؤمنين فقال: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: وهو الذي ألف وجمع بين قلوب المؤمنين على الإيمان بك وبذل النفس والمال في مناصرتك بعد التفرق والتعادي الذي كان أثر حروبٍ طويلة وضغائن موروثة، كما كان بين الأوس

стр. 4734

والخزرج من الأنصار. ٦٣ - وظاهر قوله (١): ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ العموم، وإنَّ ائتلاف قلوب المؤمنين هو من أسباب النصر التي أيَّد الله بها رسوله. وقال جمهور المفسرين: المراد الأوس والخزرج، فقد كان بينهم عصبية شديدة وحروب عظيمة، فألَّف الله بين قلوبهم بالإيمان برسول الله ﷺ . وقيل: أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار. والحمل على العموم أولى؛ فقد كانت العرب قبل البعثة المحمدية يأكل بعضهم بعضًا، ولا يحترم ماله ولا دمه، حتى جاء الإِسلام فصاروا يدًا واحدة، وذهب ما كان بينهم من العصبية. وجملة قوله: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ - أي: لو بذلت يا محمَّد ما في الأرض من معادنها وزخارفها ﴿جَمِيعًا﴾ لتحصيل التأليف والجمع بينهم ﴿مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: ما قدرت على تحصيل التأليف والتوفيق بين قلوبهم، جملة مقررة لمضمون ما قبلها. والمعنى: أنَّ ما كان بينهم من العصبية والعداوة قد بلغ إلى حد لا يمكن دفعه بحال من الأحوال، ولو أنفق الطالب له جميع ما في الأرض .. لم يتم له ما طلبه من التأليف؛ لأنَّ أمرهم في ذلك قد تفاقم جدًّا، أي (٢): إنه لولا نعمة الله عليهم بأخوة الإيمان التي هي أقوى من أخوة الأنساب والأوطان .. لما أمكنك أن تؤلِّف بين قلوبهم بالمنافع الدنيوية، فالضغائن الموروثة والدماء المسفوكة في الأنصار لا تزول بالأعراض الزائلة، وإنَّما تزول بصادق الإيمان الذي هو وسيلة السعادة في الدنيا والآخرة، كما أن التآلف بين أغنياء المهاجرين وفقرائهم وأشرافهم وعامتهم على ما كان بينهم من فوارق في الجاهلية وجمع كلمة البيوت والعشائر مع رسوخ العدوات والإحن .. لم يكن مما ينال بالمال والآمال في المغانم ونحوها، على أن شيئًا من ذلك لم يكن في يد الرسول ﷺ أول الإِسلام، وإن كان قد صار في يده شيء كثير منه في المدينة بنصر الله له في قتال المشركين واليهود جميعًا.

стр. 4735

وكذلك جمع كلمة المهاجرين والأنصار على ما يدل (١) به كل منهما بميزة لا تتوافر لسواه، فالمهاجرون لهم مزية القرب من الرسول، والسبق إلى الإيمان، والأنصار لهم ميزة المال والقوة، وإنقاذ الرسول وقومه من ظلم مشركي مكة، وإيواؤهم ومشاركتهم لهم في أموالهم، فكل هذا من عوامل التحاسد والتنازع، لولا فضل الله وعنايته. ومن ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: جمع بين قلوبهم بعظيم قدرته وبديع صنعه؛ إذ هداهم إلى الإيمان الذي دعوتهم إليه فتألفت قلوبهم ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يغالبه مغالب، ولا يستعصي عليه أمر من الأمور؛ أي: إنه تعالى الغالب على أمره الذي لا يغلبه خداع الخادعين، ولا كيد الماكرين ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره ونفوذ نهيه وأمره وفي جميع أفعاله، فينصر الحق على الباطل، ويفضل الجنوح للسلم إذا جنح إليها العدو على الحرب. ٦٤ - وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ليس تكرارًا لما قبله، فإن الأول مقيد بإرادة الخداع؛ حيث قال: ﴿وإن يريدوا أن يخدوعك فإن حسبك الله﴾ فهذه كفاية خاصة، وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ...﴾ إلخ، كفاية عامة غير مقيدة. والواو في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ يحتمل أن تكون للعطف على الاسم الشريف، والمعنى حينئذٍ: حسبك الله وحسبك المؤمنون، أي: كافيك الله وكافيك المؤمنون. ويحتمل أن تكون بمعنى مع، كما تقول: حسبك وزيدًا درهمٌ، والمعنى: كافيك وكافي المؤمنين الله؛ لأن عطف الظاهر على المضمر في مثل هذه الصورة ممتنع كما تقرر في علم النحو، وأجازه الكوفيون؛ أي: إنَّ الله كافٍ لك يا محمَّد كل ما يهمك من أمر الأعداء وغيرهم وكافٍ لمن اتبعك وأيدك من المؤمنين من المهاجرين والأنصار، وهذا المعنى الأخير أرجح وأوضح من الأول وإن كان من حيث العربية ضعيفًا. وقيل: يجوز أن

стр. 4736

يكون المعنى: ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله، على كونه مبتدأ خبره محذوف. ٦٥ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ الكريم والرسول الرحيم ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: حث المؤمنين ﴿عَلَى الْقِتَالِ﴾؛ أي: على قتال أعدائهم ورغبهم فيه؛ لدفع عدوان الكفار وإعلاء كلمة الحق والعدل أهلهما على كلمة الباطل والظلم وأنصارهما. والخلاصة: حثهم على ما يقيهم أن يكونوا حرضًا أو يكونوا من الهالكين بعدوان الكافرين عليهم وظلمهم إياهم إذا رأوهم ضعفاء مستسلمين. ثم بشرهم؛ تثبيتًا لقلوبهم وتسكينًا لخواطرهم بأنَّ الصابرين منهم في القتال يغلبون عشرة أمثالهم من الكفار، فقال: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ﴾؛ أي: إن يوجد منكم أيها المؤمنون ﴿عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا﴾؛ أي: يقهروا بتأثير إيمانهم وصبرهم وفقههم ﴿مِائَتَيْنِ﴾ من الكافرين الذين جرِّدوا من هذه الصفات الثلاث، أي: إن يكن منكم عشرون .. فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى يغلبوا مئتين ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ﴾ صابرة ﴿يَغْلِبُوا﴾ ويقهروا ﴿أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهذا وعد من الله تعالى وبشارة بأنَّ الجماعة من المؤمنين إن صبروا .. غلبوا عشرة أمثالهم من الكافرين بعون الله وتأييده. والخلاصة (١): ليصبرن الواحد لعشرة، فجماعة المؤمنين الصابرين ترجح جماعة الكافرين بهذه النسبة العشرية سواء قلوا أو كثروا، بحيث يؤمرون بقتالهم وعدم الفرار منهم إذا بدؤوهم بالقتال. وإنما يجب هذا الحكم عند حصول هذه الشروط المذكورة (٢): منها: أن يكون المؤمن شديد الأعضاء قويًّا جلدًا. ومنها: أن يكون قوي القلب، شديد البأس، شجاعًا غير جبان. ومنها: أن يكون غير متحرف لقتالٍ، أو متحيزٍ إلى فئة، فعند حصول هذه

стр. 4737

الشوط رجب على الواحد أن يثبت للعشرة. والباء في قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ سببية متعلقة بـ ﴿يَغْلِبُوا﴾ في الموضعين، أي أنتم تغلبونهم وهم بهذه النسبة، بسبب أنهم، أي: أنَّ الكفار قوم جهلة بالله تعالى وباليوم الآخر، لا يفقهون ما تفقهون من حكمة الحرب، وما يراد بها من مرضاة الله إقامة سننه العادلة، وإصلاح حال عباده بالعقائد الصحيحة والأخلاق الفاضلة، عن وجوب مراعاة أحكامه وسننه بإعداد كل ما يستطاع عن قوة، وعن كون غاية القتال عند المؤمنين إحدى الحسنيين: النصر والغنيمة الدنيوية، أو الشهادة والسعادة الأخروية. وأنتم تقاتلون امتثالًا لأمر الله تعالى، وإعلاءً لكلمته، وابتغاءً لمرضاته, وهم إنما يقاتلون للحمية الجاهلية وإثارةً للعدوان، وهم يعتمدون على قوتهم، والمسلمين يستغيثون بربهم بالتضرع، ومن كان كذلك .. كان النصر أليق به. وبالجملة: فحالهم يخالف حالكم في كل ما تقدَّم، لا سيما منكري البعث والجزاء منهم، كمشركي العرب في ذلك العصر واليهود الذين أعمتهم المطامع المادية وحب الشهوات، فهم أحرص على الحياة منكم؛ لعدم اعتقادهم بسعادةٍ أخرويةٍ إلَّا أن أهل الكتاب يظنون أنَّهم يحصلون عليها بنسبهم وشفاعة أنبيائهم. وفي الآية (١) إيماءٌ إلى أن من شأن المؤمنين أن يكونوا أعلم من الكافرين بكل ما يتعلق بحياة البشر وارتقاء الأمم، ومن ثم كانت المئة من الكافرين دون العشرة عن المؤمنين الصابرين، وهكذا كان المسلمين في العصور الأولى، حين كانوا يعملون بهداية دينهم وكانوا بها أرباب ملك واسع وعزٍ وجاه عريضٍ، ودانت لهم الشعوب الكثيرة، حتى إذا ما تركوا هذه الهدية .. زال مجدهم وسؤددهم، وذهبت ريحهم , ونزع منهم أكثر ذلك الملك. ٦٦ - ثم لما شقَّ ذلك عليهم واستعظموه .. خفف عنهم، ورخص لهم؛ لما علمه سبحانه من وجود الضعف فيهم، فقال: ﴿الآنَ﴾؛ أي في هذا الزمن الحاضر الذي قل فيه عددكم

стр. 4738

وعدتكم .. ﴿خَفَّفَ اللَّهُ﴾ ﴿عَنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون أمر القتال، رفع عنكم ما فيه مشقةٌ ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ في الأبدان عن قتال عشرة أمثالكم، لا في الإيمان؛ لكثرة العبادة والتعب، فرحمكم الله وأكرمكم بالتخفيف, وأيضًا علم الله ضعف من يأتي بعد الصدر الأول عن القتال، فخفف الله عن الجميع ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ﴾؛ أي: يوجد منكم ﴿مِائَةٌ صَابِرَةٌ﴾ على شدائد القتال ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾؛ أي: يتغلبوا على مئتين من الكفار ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ﴾؛ أي: وإن يوجد منكم ألف صابرون في ساحة القتال .. ﴿يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ أي: يتغلبوا على ألفين من الأعداء. وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بإرادته وتيسيره: متعلقٌ بـ ﴿يَغْلِبُوا﴾ في الموضعين , وهو خيرٌ بمعنى الأمر؛ أي: فليثبت الواحد منكم لرجلين من الكفار، وقد استمر هذا الأمر إلى يوم القيامة. ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ على مشاق التكاليف بنصره ومعونته, فكيف لا يغلبون؟ قال (١) سفيان: قال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل ذلك. روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: لمَّا نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآية .. شقَّ ذلك على المسليمن حين فرض عليهم أن لا يفرَّ الواحد من عشرة، فجاء التخفيف فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قال: فلمَّا خفف الله عنهم من العدة .. نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم. وبهذا الحديث استدل العلماء على وجوب ثبات الواحد المسلم إذا قاوم رجلين من الكفار، وتحريم الفرار عليه منهما، سواء طلباه أو طلبهما، وسواء وقع ذلك وهو واقفٌ في الصف مع العسكر , أو لم يكن هناك عسكرٌ. والخلاصة: أنّ أقل حال للمؤمنين مع الكفار في القتال أن ترجح المئة

стр. 4739

منهم على المئتين، والألف على الألفين، وإنَّ هذه رخصة خاصة بحال الضعف، كما كان الحال كذلك في الوقت الذي نزلت فيه هذه الآيات، وهو وقت غزوة بدر، حين كان المؤمنون لا يجدون ما يكفيهم من القوت، ولم يكن لديهم إلا فرسٌ واحدٌ، وأنهم خرجوا بقصد لقاء العير غير مستعدِّين للحرب، وكانوا أقل من ثلث المشركين الكاملي الأهبة والعدة. ولمَّا كملت للمؤمنين القوة .. كانوا يقاتلون عشرة أضعافهم أو أكثر وينتصرون عليهم، وما تمَّ لهم فتح ممالك الفرس والروم وغيرهم إلا بذلك. وكان أصحاب رسول الله ﷺ في عهده ومن بعده القدوة في ذلك، فقد كان الجيش الذي أرسل إلى مؤتة من مشارف الشام للقصاص ممن قتلوا رسوله الحارث بن عمير الأزدي ثلاثة آلاف، وكان الجيش الذي قاتلهم من الروم ومتنصرة العرب مئةً وخمسين ألفًا. وقد (١) قيل في نكتة التنصيص على غلب العشرين للمئتين، والمئة للألف: أنَّ سراياه ﷺ التي يبعثها كان لا ينقص عددها عن العشرين، ولا يجاوز المئة، وقيل: في التنصيص فيما بعد ذلك على غلب المئة للمئتين، والألف للألفين: بشارةٌ للمسلمين بأنَّ عساكر الإِسلام يجاوز عددها العشرات والمئات إلى الألوف، ثم أخبرهم بأن هذا الغلب هو بإذن الله وتسهيله وتيسيره، لا بقوتهم ولا جلادتهم، ثم بشرهم بأنَّه مع الصابرين، وفيه الترغيب إلى الصبر، والتأكيد عليهم بلزومه، والتوصية به، وأنه من أعظم أسباب النجاح والفلاح والنصر والظفر؛ لأنَّ من كان الله معه .. لم يستقم لأحد أن يغلبه. وقد اختلف أهل العلم: هل هذا التخفيف نسخ أم لا؟ ولا يتعلق بذلك كثير فائدة. وقرأ الأعمش (٢): ﴿حرص﴾ - بالصاد المهملة - وهو من الحرص، وهو قريب من قراءة الجمهور - بالضاد -. وقرأ الكوفيون: ﴿يكن منكم مئة﴾ على التذكير فيهما، ورواها خارجة عن

стр. 4740

نافع، وقرأ الحرميان - نافع وابن كثير - وابن عامر على التأنيث، وقرأ أبو عمرو على التذكير في الأولى، ولحظ ﴿يَغْلِبُوا﴾ والتأنيث في الثانية؛ ولحظ ﴿صَابِرَةٌ﴾ وقرأ الأعرج على التأنيث كلها، إلا قوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ﴾ فإنه على التذكير بلا خلاف، وقرأ المفضل عن عاصم: ﴿وعلم﴾ مبنيًّا للمفعول. وقرأ الحرميان - نافع وابن كثير - والعربيان - أبو عمرو وابن عامر - والكسائي وابن عمر والحسن والأعرج وابن القعقاع وقتادة وابن أبي إسحاق: ﴿ضُعفا﴾ هنا وفي الروم - بضم الضاد وسكون العين - وقرأ عيسى بن عمر بضمهما، وحمزة وعاصم بفتح الضاد وسكون العين، وهي كلها مصادر وعن أبي عمرو بن العلاء: ضم الضاد لغة الحجاز، وفتحها لغة تميم. وقرأ ابن القعقاع: ﴿ضعفاء﴾ جمع ضعيف، كظريف وظرفاء، وحكاها النقاش عن ابن عباس. الإعراب ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾. ﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿لو﴾: حرف شرط ﴿تَرَى﴾: فعل مضارع بمعنى الماضي؛ أي: بمعنى رأيت؛ لأنَّ لو الامتناعية ترد المضارع ماضيًا، كما أنَّ أن الشرطية ترد الماضي مضارعًا، وفاعله: ضمير يعود على محمَّد، أو على أيّ مخاطب، وهي بصرية تتعدى إلى مفعول واحد، وهو محذوف، تقديره: ولو ترى حال الكفرة، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لو﴾ وجوابها محذوف، تقديره: ولو ترى حال الكفرة ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ .. لرأيت أمرًا فظيعًا عجيبًا، وجملة لو الشرطية: مستأنفة. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بـ ﴿تَرَى﴾. ﴿يَتَوَفَّى﴾: فعل مضارع. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول مقدم على الفاعل للاهتمام به. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لإذْ. ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾: معطوف على وجوههم، والجملة الفعلية في محل النصب حال من الملائكة.

стр. 4741

﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة لقول محذوف، تقديره: ويقولون: ذوقوا عذاب الحريق. ﴿ذوقوا عذاب الحريق﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل النصب مقولٌ لذلك القول المحذوف، وجملة القول المحذوف في محل النصب على الحال على كونها معطوفة على جملة يضربون. ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: ذلك كائنٌ بسبب ما قدمته أيديكم، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: بما قدمته أيديكم ﴿وَأَنَّ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الله. ﴿بِظَلَّامٍ﴾: خبر ليس، والباء زائدة. ﴿لِلْعَبِيدِ﴾: متعلق بظلام، وجملة أنَّ في تأويل مصدر معطوف على ما الموصولة على كونه مجرورًا بالباء، تقديره: ذلك كائن بسبب ما قدمته أيديكم، وكائن بسبب عدم كون الله ظلامًا للعبيد. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢)﴾. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر للمبتدإ محذوف، تقديره: دأب هؤلاء المشركين كائن كدأب آل فرعون، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الجر معطوف على ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور، صلة الموصول. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾، والجملة الفعلية جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب؛ لأنها تفسير لـ ﴿دأب آل فرعون﴾ ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل معطوف على كفروا؛ لأنَّ الفاء فيه عاطفة ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أخذهم﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿قَوِيٌّ﴾: خبره. ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: خبر ثانٍ لأنَّ، وجملة إنَّ مستأنفة مسوقة

стр. 4742

لتعليل ما قبلها. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿بِأَنَّ﴾ ﴿الباء﴾ حرف جر وسبب: ﴿أَنَّ﴾ حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم ﴿يَكُ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم بلم، وعلامة جزمه سكون ظهر على النون المحذوفة للتخفيف على حدِّ قول ابن مالك: وَمِنْ مُضَارعٍ لِكَانَ مُنْجَزِمْ ... تُحْذَفُ نوْنٌ وَهُوْ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ وحذفت الواو من ﴿يك﴾؛ لالتقاء الساكنين؛ لأنَّ أصله: يكون، دخل الجازم عليه فسكنت النون، فالتقى ساكنان، فحذفت الواو؛ لالتقائهما، فصار يكن، ثم حذفت النون؛ للتخفيف، فصار: يك، واسمها: ضمير يعود على الله. ﴿مُغَيِّرًا﴾: خبرها، ﴿نِعْمَةً﴾: مفعول مغيرًا، وجملة يكون في محل الرفع خبر أن، وجملة أن في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: بسبب عدم كون الله مغيرًا نعمة الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: ذلك كائنٌ بسبب عدم تغيير الله نعمة أنعمها على قوم، والجملة اسمية مستأنفة ﴿أَنْعَمَهَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب صفة لنعمة ولكنها سببية. ﴿عَلَى قَوْمٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْعَمَهَا﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية، ﴿يُغَيِّرُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾، بمعنى إلى ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب على المفعولية. ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾ جار ومجرور صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لا، تقديره: ما كان بأنفسهم من الحال، وجملة ﴿يُغَيِّرُوا﴾ صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى: تقديره: إلى تغييرهم ما بأنفسهم، الجار والمجرور متعلق بيكون، أو بمغيرًا ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿سَمِيعٌ﴾: خبر أول له. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان له، وجملة أنَّ في محل الجر معطوفة على جملة أن في قوله: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا﴾ على قراءة الفتح، وعلى قراءة كسر همزة إن - فالجملة مستأنفة.

стр. 4743

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤)﴾. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: جار ومجرور خبر لمحذوف، تقديره: دأبهم كدأب آل فرعون، والجملة مستأنفة، كررت؛ للإطناب في الذم. ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على آل فرعون. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور صلة الموصول. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾ والجملة مفسرة لدأب أل، فرعون لا محل لها من الإعراب ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾. ﴿وَأَغْرَقْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾: مفعول ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿أهلكنا﴾. ﴿وَكُلٌّ﴾: مبتدأ وسوَّغ الابتداء بالنكرة .. قصد العموم. ﴿كَانُوا ظَالِمِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، وجملة كان في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، وجمع الضمير في كانوا وفي ظالمين؛ مراعاةً لمعنى ﴿كل﴾؛ لأنَّ كلًّا متى قطعت عن الإضافة .. جاز مراعاة لفظها تارة ومعناها أخرى، وإنما اختير هنا مراعاة المعنى؛ لأجل الفواصل، ولو روعي اللفظ فقط، فقيل: وكلُّ كان ظالمًا .. لم تتفق الفواصل اهـ "سمين". ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾. ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ﴾: ناصب واسمه ومضاف إليه. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بشر ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر إنَّ، وجملة إنَّ مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول. ﴿فَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾ اعتراضية، ﴿هم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين البدل والمبدل منه، أو معطوفةٌ على جملة الصلة، وعبارة أبي السعود هنا قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هذا حكم مترتب على تماديهم في الكفر ورسوخهم فيه، وتسجيل عليهم بكونهم من أهل الطبع، لا يلويهم صارف، ولا يثنيهم عاطف أصلًا، جيء به على وجه الاعتراض، لا أنه

стр. 4744

عطفٌ على ﴿كَفَرُوا﴾ داخلٌ معه في حيز الصلة التي لا حكم فيها بالفعل. انتهت. ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ بدل من الموصول قبله بدل بعض من كل، أو عطف بيان له، أو خبر لمحذوف، تقديره: هم الذين. ﴿عَاهَدْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب، ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة الصلة ﴿فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَنْقُضُونَ﴾. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَتَّقُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من واو ﴿يَنْقُضُونَ﴾. ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾. ﴿فَإِمَّا﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حالهم المذكور من نقض العهد، وأردت بيان ما تفعل معهم .. فأقول لك: ﴿إما تثقفنهم﴾. ﴿إما﴾ ﴿إنْ﴾ حرف شرط جازم مبني بسكون على النون المدغمة في ميم ﴿ما﴾ الزائدة ﴿ما﴾ زائدة لتأكيد معنى الشرط. ﴿تثقفن﴾ فعل مضارع في محل الجزم بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿فِي الْحَرْبِ﴾ متعلق به ﴿فَشَرِّدْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة طلبية ﴿شَرِّدْ﴾: فعل أمر في محل الجزم بإن الشرطية على كونه جوابًا لها مبني على السكون، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﴿بِهِمْ﴾: متعلق بشرد. ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول شرِّد. ﴿خَلْفَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، صلة الموصول، وجملة إن الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ في محل الرفع خبر لعل، وجملة لعل في محل النصب مقولٌ لجواب إذا المقدرة على كونها مسوقةً لتعليل ما قبلها.

стр. 4745

﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾. ﴿وَإِمَّا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿ما﴾ زائدة. ﴿تَخَافَنَّ﴾: فعل مضارع في محل الجزم بأن مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾: متعلق به. ﴿خِيَانَةً﴾: مفعول به. ﴿فَانْبِذْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب إن الشرطية ﴿انبذ﴾ فعل أمر في محل الجزم بإن مبني على السكون، وفاعله ضمير يعود على محمد، ومفعوله محذوف، تقديره: عهدهم. ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متعلق بانبذ. ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾: حال من الفاعل الذي هو ضمير انبذ، والمفعول الذي هو ضمير إليهم، تقديره. حالة كونك وكونهم مستوين في العلم بنقض العهد بأن تعلمهم به؛ لئلا يتهموك بالغدر, وجملة إن الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾ اسمها، وجملة ﴿لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ خبرها، وجملة إن مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر بالنبذ والنهي عن مناجزة القتال، على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة. ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾. ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول, وجملة ﴿سَبَقُوا﴾ في محل النصب مفعول ثان لحسب، ومفعولها الأول محذوف, تقديره: أنفسهم، والمعنى: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سابقين فائتين من عذابنا. ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾ في محل الرفع خبر إنَّ، وجملة إنَّ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. ﴿وَأَعِدُّوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به. ﴿مَا﴾: موصولة, أو موصوفة في محل النصب على المفعولية. ﴿اسْتَطَعْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلةٌ لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ما

стр. 4746

استطعتموه. ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ جار ومجرور حال من ما الموصولة، أو من العائد المحذوف، تقديره: حالة كونه بعض قوة. ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿تُرْهِبُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق به ﴿عَدُوَّ اللَّهِ﴾: مفعول به ﴿وَعَدُوَّكُمْ﴾: معطوف عليه، وجملة ﴿تُرْهِبُونَ﴾: في محل النصب حالٌ من فاعل ﴿أعدوا﴾، تقديره: حالة كونكم مرهبين لهم، ويجوز أن يكون حالًا من مفعوله وهو الموصول؛ أي: أعدوه حال كونه مرهبًا به. ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. ﴿وَآخَرِينَ﴾: معطوف على ﴿عَدُوَّ اللَّهِ﴾. ﴿مِنْ دُونِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لآخرين. ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به؛ لأنَّ علم هنا بمعنى عرف، والجملة في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿آخرين﴾. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿يَعْلَمُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب صفة ثالثة لآخرين. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿ما﴾: اسم شرط جازم في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿تُنْفِقُوا﴾. ﴿تُنْفِقُوا﴾: فعل وفاع مجزوم بما، على كونه فعل شرط لها. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: حال من ﴿ما﴾. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُنْفِقُوا﴾. ﴿يُوَفَّ﴾: فعل مضارع مغيّر الصيغة في محل الجزم بـ ﴿ما﴾، على كونه جواب شرط لها، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾. ﴿إِلَيْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿وَأَنْتُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَا تُظْلَمُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ضمير إليكم؛ أي: يوف إليكم حالة كونكم غير مظلومين فيه، وجملة ما الشرطية مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿جَنَحُوا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بإن، على كونه فعل شرط لها. ﴿لِلسَّلْمِ﴾: متعلق به. ﴿فَاجْنَحْ﴾:

стр. 4747

﴿الفاء﴾ رابطة لجواب إن الشرطية ﴿اجنح﴾ فعل أمر في محل الجزم بإن الشرطية، على كونها جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، ﴿لَهَا﴾: متعلق به، وجملة إن الشرطية مستأنفة. ﴿وَتَوَكَّلْ﴾: فعل أمر معطوف على ﴿فَاجْنَحْ﴾، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل. ﴿السَّمِيعُ﴾: خبر أول لإنَّ. ﴿الْعَلِيمُ﴾: خبر ثانٍ لها، وجملة إنَّ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿يُرِيدُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بإن على كونه فعل شرط لها. ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَخْدَعُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بإن المصدرية، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يُرِيدُوا﴾، تقديره: وإن يريدوا خداعهم إياك، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فصالحهم ولا تخش منهم، وجملة إن الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ ﴿فَإِنَّ﴾ ﴿الفاء﴾ تعليلية ﴿إن﴾ حرف نصب. ﴿حَسْبَكَ﴾: اسمها ومضاف إليه. ﴿اللَّهُ﴾: خبرها، وجملة إنَّ في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلية؛ لأنَّ جملتها مسوقة لتعليل الجواب المحذوف، كما قدَّرناه آنفًا. ﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿أَيَّدَكَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿بِنَصْرِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَيَّدَكَ﴾. ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾: معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾. ﴿وَأَلَّفَ﴾: فعل ماض معطوف على ﴿أَيَّدَكَ﴾، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَلَّفَ﴾. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط. ﴿أَنْفَقْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول

стр. 4748

﴿أَنْفَقْتَ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور صلةٌ لما، أو صفةٌ لها. ﴿جَمِيعًا﴾: تأكيدٌ لما الموصولة، أو حال منها، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿أَلَّفْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب لو الشرطية، وجملة لو الشرطية مستأنفة. ﴿بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَلَّفْتَ﴾. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾. ناصب واسمها. ﴿أَلَّفَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر لكن، وجملة لكن معطوفة على جملة لو الشرطية. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿عَزِيزٌ﴾: خبر أول لها. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان لها، وجملة إن مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء، ﴿أيُّ﴾ منادى نكرة مقصودة، و ﴿الهاء﴾ حرف تنبيه زائد. ﴿النَّبِيُّ﴾: صفة لأي، وجملة النداء مستأنفةٌ. ﴿حَسْبُكَ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿اللَّهُ﴾ خبره، والجملة الاسمية جواب النداء لا محل لها من الإعراب. وقال (١) قوم: ﴿حَسْبُكَ﴾: مبتدأ، و ﴿اللَّهُ﴾: فاعله؛ أي: يكفيك الله. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾: في ﴿مِنَ﴾ ثلاثة أوجه من الإعراب: أحدها: جره عطفًا على الكاف في ﴿حَسْبُكَ﴾؛ أي: حسبك يا محمَّد وحسب من اتبعك من المؤمنين .. الله. وهذا الوجه في المعنى أوضح وأظهر وأسلم من الإشكال، ولكن هذا الوجه من حيث العربية لا يجوز عند البصريين؛ لأنَّ العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار لا يجوز عندهم، كما قال ابن مالك: وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى ... ضَمِيْرِ خَفْضٍ لاَزِمًا قَدْ جُعِلاَ والثاني: موضعه نصب بعامل محذوف دلَّ عليه الكلام، تقديره: يكفيك الله ويكفي من اتبعك من المؤمنين، وهذا الوجه واضح أيضًا.

стр. 4749

والثالث: موضعه رفع، وهو على وجهين: أحدهما: أنَّه معطوف على لفظ الجلالة، فيكون خبرًا آخر للمبتدأ، كقولك: القائمان زيد وعمرو، ولم يثن حسبك؛ لأنه مصدر. وقال قوم: هذا الوجه ضعيف من حيث المعنى؛ لأنَّ الواو للجمع، ولا يحسن ههنا، كما لا يحسن في قولهم: ما شاء الله وشئت، وثم هنا أولى، إلا أن يقال: إن الواو هنا بمعنى ثم. والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، تقديره: وحسبك من اتبعك من المؤمنين من حيث النصر، ولا يلزم على هذا الوجه التشريك بين الله وبين غيره؛ لأنَّ الكلام جملتان. وليس فيه اعتماد على غير الله؛ لأنَّ المؤمنين ما التفت إليهم إلا لإيمانهم وكونهم حزب الله، فرجع الأمر فيهم إلى الله. انتهى أبو البقاء مع زيادة وتصرف. ﴿اتَّبَعَكَ﴾ فعل ومفعول، وفعله ضمير يعود على ﴿مَنِ﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: جار ومجرور حال من فاعل اتبعك. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾: منادى نكرة مقصودة، والجملة مستأنفة. ﴿النَّبِيُّ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾. ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على النبي، والجملة الفعلية جواب النداء. ﴿عَلَى الْقِتَالِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حَرِّضِ﴾ ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿يَكُنْ﴾: فعل مضارع تام بمعنى يوجد، مجزوم بإن على كونه فعل شرط لها. ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿عِشْرُونَ﴾ فاعل. ﴿صَابِرُونَ﴾: صفة لـ ﴿عِشْرُونَ﴾، ويصح أن تكون ﴿يَكُنْ﴾ ناقصة. ﴿يَغْلِبُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بإن على كونه جواب الشرط لها. ﴿مِائَتَيْنِ﴾: مفعول به، وجملة إن الشرطية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. ﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿إِنْ يَكُنْ﴾: جازم. ومجزوم. ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلق

стр. 4750

به ﴿مِائَةٌ﴾: فاعل. ﴿يَغْلِبُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بإن الشرطية على كونه جوابًا لها. ﴿أَلْفًا﴾. مفعول به، وجملة إن الشرطية معطوفة على جملة إن الأولى ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور صفة لِـ ﴿أَلْفًا﴾، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ ﴿الباء﴾ حرف جر وسبب ﴿أنَّ﴾ حرف نصب، و ﴿الهاء﴾ اسمها. ﴿قَوْمٌ﴾: خبر أنَّ، وجملة ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ صفة لـ ﴿قَوْمٌ﴾، وجملة أنَّ في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: بسبب عدم فقههم. الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَغْلِبُوا﴾ في الموضعين. ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾. ﴿الْآنَ﴾ ظرف للزمان الحاضر في محل النصب على الظرفية الزمانية مبني على الفتح؛ لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا؛ لتضمنه معنى حرف التعريف، والظرف متعلق بـ ﴿خَفَّفَ﴾ الآتي. ﴿خَفَّفَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿خَفَّفَ﴾ ﴿وَعَلِمَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله, والجملة معطوفة على جملة ﴿خَفَّفَ﴾ ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِيكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لأن ﴿ضَعْفًا﴾ اسم أنَّ مؤخر، وجملة أنَّ في تأويل مصدر ساد مسدَّ مفعولي ﴿علم﴾، تقديره: وعلم كون ضعف فيكم ﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾ حرف عطف وتفصيل. ﴿إن﴾ حرف شرط جازم. ﴿يَكُنْ﴾: فعل مضارع تام مجزوم بـ ﴿إن﴾ ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلق به ﴿مِائَةٌ﴾: فاعل ﴿يَكُنْ﴾. ﴿صَابِرَةٌ﴾: صفة مئة. ﴿يَغْلِبُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها. ﴿مِائَتَيْنِ﴾: مفعول به، وجملة إن الشرطية من فعل شرطها وجوابها معطوفة على جملة ﴿خَفَّفَ﴾ على كونها مفصلة لها. ﴿وَإِنْ يَكُنْ﴾: جازم ومجزوم. ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿أَلْفٌ﴾: فاعلٌ. ﴿يَغْلِبُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بإن على كونه جوابًا لها. ﴿أَلْفَيْنِ﴾: مفعول به، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى على كونها تفصيلًا لـ ﴿خَفَّفَ﴾. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَغْلِبُوا﴾ في الموضعين. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.

стр. 4751

التصريف ومفردات اللغة ﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾؛ أي: ظهورهم وأقفيتهم. ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ والذوق: قد يكون محسوسًا، وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار، وأصله من الذوق بالفم. والحريق: بمعنى المحرق - فعيل بمعنى مفعل - ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾؛ أي: بذي ظلم، ففعال صيغة نسب، على حد قول ابن مالك: وَمَعَ فَاعِلٍ فِعَالٌ وَفُعِلْ ... فِيْ نَسَبٍ أَغْنَى عَنِ اليَا فَقُبِلْ ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾: وفي "المصباح": ثقفت الشيء ثقفًا - من باب تعب - أخذته، وثقفت الرجل في الحرب: أدركته، وثقفته: ظفرت به، وثقفت الحديث: فهمته بسرعة، والفاعل ثقيفٌ، وبه سمي حيٌّ من اليمن اهـ. ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾؛ أي: نكل بهم تنكيلًا يشرد غيرهم من ناقضي العهد، يقال: شرد إذا فرق وطرد، والمشرد: المفرق المبعد. ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾: والنبذ: الطرح والرمي. ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾؛ أي: على طريق واضح، لا خداع فيه ولا خباءة ولا ظلم. ﴿سَبَقُوا﴾؛ أي: أفلتوا من الظفر بهم ﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾؛ أي: لا يجدون الله عاجزًا عن إدراكهم، بل سيجزيهم على كفرهم. ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾: الإعداد: تهيئة الشيء للمستقبل. ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾: والمراد بالقوة: جميع ما يتقوى به في الحرب على العدو، فكل ما هو آلة يستعان به في الجهاد .. فهو من جملة القوة المأمور بإعدادها. ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾: والرباط - بكسر أوله في الأصل -: مصدر سماعي لرابط؛ لأنَّ فعالا لا يكون مصدرًا قياسيًّا إلا إذا كان الفعل يقتضي الاشتراك، كقاتل وخاصم، وهنا ليس كذلك، وفي "السمين": وقال الزمخشري: والرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، ويجوز أن تسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون جمع ربيط بمعنى مربوط، كفصيلٍ وفصالٍ، والمصدر هنا مضافٌ لمفعوله اهـ. والرباط والمربط: الحبل الذي تربط به الدابة، ورباط الخيل: حبسها واقتناؤها. وفي "المصباح": ربطته رباطًا من باب ضرب، ومن باب قتل لغة - شددته. والرباط: ما تربط به القربة وغيرها، والجمع ربط، مثل: كتاب وكتب، ويقال للمصاب: ربط الله على قلبه بالصبر، كما يقال: أفرغ الله عليه الصبر؛ أي: ألهمه.

стр. 4752

والرباط: اسم من رابط مرابطة - من باب قاتل - إذا لازم ثغر العدو، والرباط الذي يبنى للفقراء مولد، ويجمع في القياس على رُبُط - بضمتين - ورباطات اهـ. ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ﴾: والإرهاب والترهيب: الإيقاع في الرهبة، وهي الخوف المقترن بالاضطراب. ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾: يقال: جنح للشيء وإليه: إذا مال، يقال: جنحت الشمس إذا مالت إلى جانب الغرب الذي تغيب في أفقه، يقال: جنح - من باب دخل وخضع - جنوحًا، والجنوح: الميل، وجنحت الإبل: أمالت أعناقها، ويقال: جنح الليل إذا أقبل، قال النضر بن شميل: جنح الرجل إلى فلان ولفلان إذا خضع له، والجنوح: الاتباع أيضًا لتضمنه الميل، ومنه الجوانح للأضلاع لميلها على حشوة الشخص، والجناح من ذلك؛ لميلانه على الطائر اهـ. "سمين". ﴿إِلَى السَّلْمِ﴾: وفي "المصباح": والسلم - بكسر السين وفتحها -، ويذكَّر ويؤنَّث، الصلح وضد الحرب، والإِسلام دين السلم والسلام، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾. ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: التحريض في اللغة: الحث على الشيء بكثرة الترغيب وتسهيل الخطب فيه، كأنه في الأصل إزالة الحرض، وهو الهلاك اهـ. "الخازن". وفي "البيضاوي": الحرض: أن ينهكه المرض حتى يشرف على الموت اهـ. وفي "المصباح": حرض حرضا - من باب تعب - إذ أشرف على الهلاك، فهو حرض - بفتح الراء - تسميةً بالمصدر مبالغةً، وحرّضته على الشيء تحريضًا اهـ. وفي "المختار": والتحريض على القتال: الحث عليه اهـ. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع: فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾؛ لأنه كناية عن ضرب أجسادهم، فهو من إطلاق الجزء وإرادة الكل. وفي قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾؛ لأن المعنى: بما قدمته أنفسكم، فاليد هنا عبارة عن القدرة، وحسن هذا المجاز كون اليد آلة العمل، والقدرة هي المؤثرة، فحسن جعل اليد كناية عن القدرة اهـ "كرخي".

стр. 4753

ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾؛ لأنَّ الذوق حقيقة في المطعومات, فشبه مباشرة العذاب بذوق الطعام بجامع الوصول إلى المقصود في كل. ومنها: الاعتراض التذييليُّ المقرر لمضمون ما قبله في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. ومنها: التكرار في قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾، وفي قوله: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ , وفي قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ﴾ ﴿يَغْلِبُوا﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية التخييلية في قوله: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ لأن النبذ حقيقة في الطرح، وهو هنا مجاز عن إعلامهم بأن لا عهد بعد اليوم، فشبه العهد بالشيء الذي يرمى لعدم الرغبة فيه, وأثبت النبذ له تخييلًا. ومنها: الاحتباك الذي هو من المحسنات البديعية في قوله: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا﴾ والاحتباك هو أن يحذف من كلّ من المتقابلين نظير ما أثبته في الآخر. وفي "الكرخي": وأثبت في الشرطية الأولى قيدًا - وهو ﴿صَابِرُونَ﴾ - وحذفه من الشرطية الثانية، وأثبت في الثانية قيدًا - وهو ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ - وحذفه من الأولى, والتقدير: مئتين من الذين كفروا، ومئة صابرة، فحذف من كل منهما ما أثبت في الآخر، وهو غاية الفصاحة، وهذا الاحتباك جارٍ في الجمل المذكورة بعد قوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع منها. والله أعلم * * *

стр. 4754

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى ...﴾: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنَّ الله (١) لمَّا ذكر ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون في حال الغزو والجهاد أمام أعدائهم الكافرين من الصبر والثبات على القتال، ومن تفضيل السلم إذا جنح العدو إليها .. أردف ذلك بذكر أحكام الأسرى, لأنَّ أمورهم يفصل فيها بعد القتال غالبًا، كما وقع في وقعة بدر، كما يقع في كل زمان. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنَّه لما أخذ الرسول ﷺ الفداء من الأسرى .. شقَّ عليهم أخذ أموالهم, فأنزل الله هذه الآية؛ استمالةً لهم وترغيبًا في الإِسلام، ببيان ما فيه

стр. 4755

من خير الدنيا والآخرة، وتهديدًا وإنذارًا لهم ببقائهم على الكفر وخيانته، وبشارة للنبي ﷺ بحسن العاقبة والظفر له ولمن تبعه من المؤمنين. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنَّ الله لمَّا ذكر تلك القواعد الخاصة بالحرب والسلم وما يجب أن يعمل مع الأسرى .. ختم السورة بولاية المؤمنين بعضهم لبعض بمقتضى الإيمان والهجرة وما يلزم ذلك، وولاية الكافرين بعضهم لبعض، ثم أمر بالمحافظة على العهود والمواثيق مع الكفار ما دام العهد محفوظًا غير منبوذ ولا منكوث. أسباب النزول قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه الحاكم (ج ٣/ ص ٣٣٩) قال: أخبرنا أبو العباس محمَّد بن أحمد المحبوبي حدثنا سعيد بن مسعود حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عمر ﵄ قال: استشار رسول الله ﷺ في الأسارى أبا بكر، فقال: قومك وعشيرتك، فخلِّ سبيلهم. فاستشار عمر، فقال: اقتلهم. قال: ففداهم رسول الله ﷺ فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾، قال: فلقي النبيُّ ﷺ عمر قال: "كاد أن يصيبنا بلاءٌ في خلافك"، هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال الذهبي: قلت على شرط مسلم. وروى (١) ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه والبيهقي عن ابن مسعود قال: لما كان يوم بدر .. جيء بالأسارى، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم. وقال عمر: يا رسول الله، كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، قدمهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة:

стр. 4756

أنت في وادٍ كثير الحطب، فأضرمه عليهم نارًا، فقال العباس - وهو يسمع ما يقول - أقطعت رحمك؟ فدخل النبي ﷺ ولم يرد عليهم شيئًا، فقال أناسٌ: يأخذ بقول أبي بكر، وقال أناسٌ: يأخذ بقول عمر: وقال أناس: يأخذ: بقول عبد الله بن رواحة، فخرج رسول الله ﷺ فقال: "إنَّ الله ليلين قلوب رجالٍ حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله سبحانه ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى ﵇، قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾، ومثلك يا عمر كمثل موسى ﵇؛ إذ قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، وإنَّ مثلك يا عمر مثل نوح ﵇ قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾. أنتم عالةٌ، فلا يفلتن أحدٌ إلا بفداء أو ضرب عنق" فقال عبد الله ﵁: يا رسول الله، إلا سهيل بن بيضاء؛ فإني سمعته يذكر الإِسلام، فسكت رسول الله ﷺ ، فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع عليَّ الحجارة منى في ذلك اليوم حتى قال رسول الله ﷺ : "إلا سهيل بن بيضاء" فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى ...﴾ إلى آخر الآيتين. وروى (١) أحمد من حديث ابن عباس قال: لما أسروا الأسارى - يعني يوم بدر - قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: "ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ " فقال أبو بكر: يا رسول الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فديةً فتكون قوةً لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "ما ترى يا ابن الخطاب؟ "، قال: لا والله، لا أرى الذي رأى أبو بكر، ولكنني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًّا من عقيل - أخيه - فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان - نسيبٌ لعمر -، فأضرب عنقه، ومكن فلانًا من فلان قرابته، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان الغد .. جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدان يبكيان،

стр. 4757

قلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء .. أبكي، وإن لم أجد بكاءً .. تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله ﷺ : "أبكي للذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة - شجرةٍ قريبةٍ منه - وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾. وفي هذا الحديث تصريحٌ بأنَّ الذين طلبوا منه ﷺ اختيار الفداء كثيرون، وإنما ذكر في أكثر الرويات أبو بكر ﵁؛ لأنَّه أول من أشار بذلك، ولأنه أكبرهم مقامًا، وروى ابن المنذر عن قتادة قال: أراد أصحاب محمدٍ الفداء يوم بدر، ففادوهم بأربعة آلاف "أربعة آلاف درهم". قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ سبب نزولها (١): ما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لم تحلَّ الغنائم لأحد سود الرؤوس من قبلكم، كانت تنزل نار من السماء فتأكلها"، فلمَّا كان يوم بدر .. وقعوا في الغنائم قبل أن تحل لهم، فأنزل الله ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ إلى آخرِ الآيتين. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى ...﴾ الآية، روى الحاكم والبيهقي في "سننه" وغيرها عن عائشة ﵂ أن هذه الآية نزلت في العباس وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، وكان العباس أسيرًا يوم بدر ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لأهل بدر، فلم تبلغه النوبة حتى أسر، فقال العباس: كنت مسلمًا إلا أنهم أكرهوني، فقال ﵊: "إن يكن ما تذكره حقًّا .. فالله يجزيك، فأما ظاهر أمرك .. فقد كان علينا" قال العباس: فكلمت رسول الله أن يرد ذلك الذهب عليَّ، فقال: "أمَّا شيء أخرجت لتستعين به علينا .. فلا"، قال وكلَّفني رسول الله فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية، وفداء نوفل بن

стр. 4758

الحارث، فقال العباس: تركتني يا محمَّد أتكفف قريشًا، فقال رسول الله ﷺ : أين الذهب الذي دفعته إلى أمِّ الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: لا أدري ما يصيبني، فإن حدث بي حادث .. فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل؟ "، فقال العباس: وما يدريك؟ قال: "أخبرني ربي"، قال: فإني أشهد أنَّك صادقٌ، وأن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله، والله لم يطلع عليه أحدٌ إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل، ولقد كنت مرتابًا في أمرك، وأما إذ أخبرتني بذلك .. فلا ريب. قال العباس: فأبدلني الله خيرًا من ذلك إلى الآن عشرون عبدًا، وإنَّ أدناهم ليضرب في عشرين ألفًا، وأعطاني زمزم، وما أحب أنَّ لي بها جميع أموال مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (١) ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي عن أبي مالك قال: قال رجل: نورِّث أرحامنا المشركين، فنزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ ...﴾ الآية، سبب نزولها ما أخرجه ابن جرير عن ابن الزبير قال: كان الرجل يعاقد الرجل، ترثني وأرثك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾. وأخرج ابن سعد من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: آخى رسول الله ﷺ بين الزبير بن العوام وبين كعب بن مالك، قال الزبير: لقد رأيت كعبًا أصابته الجراحة بأُحد، فقلت: لو مات فانقطع عن الدنيا وأهلها .. لورثته، فنزلت هذه الآية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ ...﴾ الآية، فصارت المواريث - بعد - للأرحام والقرابات، وانقطعت تلك المواريث في المؤاخاة.

стр. 4759

التفسير وأوجه القراءة ٦٧ - ﴿مَا كَانَ﴾ ينبغي ﴿لِنَبِيٍّ﴾ من الأنبياء، وما يليق به، ولكن المراد به: النبي محمدٌ ﷺ بقرينة المقام. ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ من الكفار؛ أي: أن يحبس كافرًا قدر عليه وصار في يده أسيرًا، ويترك قتله للفداء والمنّ ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: حتى (١) يبالغ ويكثر في قتال المشركين في نواحي الأرض ويغلبهم ويقهرهم، فإذا حصل ذلك .. فله أن يقدم على الأسر، فيأسر الأسارى، بل اللائق به الآن قتلهم بلا فداء؛ إظهارًا لقوة المسلمين وعزة الإِسلام. أخبر (٢) الله أنَّ قتل المشركين يوم بدر كان أولى من أسرهم وفدائهم، ثمَّ لما كثر المسلمون .. رخَّص الله في ذلك، فقال: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ كما يأتي في سورة القتال إن شاء الله تعالى. والمعنى (٣): ما كان من شأن نبي من الأنبياء ولا من سنته في الحرب أن يكون له أسرى يتردد أمره فيهم بين المن والفداء، إلا بعد أن يثخن في الأرض؛ أي: إلا بعد أن يعظم شأنه فيها، ويتم له الغلب والقوة بقتل أعدائه؛ لأن الملك والدولة إنَّما تقوى وتشتد بالقتال والقتل، كما قال: لاَ يَسْلَمُ الشَّرَفُ اَلرَّفِيْعُ مِنَ الأَذَى ... حَتَّى يُرَاقَ عَلَى جَوَانِبِهِ الدَّمُ مع أنَّ كثرة القتل توجد الرعب وشدة المهابة، وذلك يمنع من الجرأة والإقدام على ما لا ينبغي، ومن ثم أمر الله سبحانه به. وخلاصة ذلك: أنَّ اتخاذ الأسرى إنَّما يكون خيرًا ورحمة ومصلحة للبشر إذا كان الظهور والغلب لأهل الحق والعدل، ففي المعركة الواحدة بإثخانهم لأعدائهم من المشركين والمعتدين، وفي الحالة العامة - التي تعم كلَّ معركة وكل قتال - فبإثخانهم في الأرض بالقوة العامة والسلطان الذي يرهب الأعداء.

стр. 4760

﴿تُرِيدُونَ﴾ أيها المؤمنون بما قبضتم من الفداء ﴿عَرَضَ﴾ الحياة ﴿الدُّنْيَا﴾ الفاني الزائل ونفعها، وسمي عرضًا؛ لأنَّه سريع الزوال كما تزول الأعراض التي هي مقابل الجواهر، أي: تريدون بأسركم عرض الدنيا، وهو المال الذي تأخذونه من الأسرى فداءً لهم ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿يُرِيدُ﴾ ويرضى لكم ﴿الْآخِرَةَ﴾؛ أي: ثواب الآخرة الباقي بما يشرِّعه لكم من الأحكام الموصلة إليه ما دمتم تعملون بها، التي منها الإثخان بالقتل، ويدخل في ذلك: الاستعداد للقتال بقدر الاستطاعة على إرادة الإثخان في الأرض والسيادة فيها؛ لإعلاء كلمة الحق، وإقامة العدل. وفي ذلك إنكارٌ لعمل وقع من جمهور المؤمنين على خلاف تلك القاعدة التي تقتضيها الحكمة والرحمة، وما كان للنبي ﷺ إقرار مثل هذا العمل، ومن ثم عاتبهم الله بما فعلوا بعد بيان سنة النبيين، كما عاتب رسوله أيضًا. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: غالب لا يغالب، يغلب أولياءه على أعدائه، وينصرهم عليهم، ويجعل الغلبة لهم، ويمكنهم من أعدائهم قتلًا وأسرًا ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما دبَّره لخلقه، يعلم ما يليق بكل حال، كما أمر بالإثخان، ونهى عن أخذ الفداء حين كانت الشوكة للمشركين، وخير بين أخذ الفداء وبين المنِّ لما تحولت الحال وصارت الغلبة للمؤمنين، ولا تتم لهم العزة .. إلا بتقديم الإثخان في الأرض والسيادة فيها على المنافع العرضية، بمثل فداء الأسرى من المشركين، وهم في عنفوان قوتهم وشوكتهم وكثرتهم. وعلى هذه القاعدة (١): جرت الدول العسكرية في العصر الحديث، فإذا رأت من البلاد التي تحتها أدنى بادرة من المقاومة بالقوة .. نكلت بأهلها أشد التنكيل، فتخرِّب البلاد وتقتل الأبرياء مع المشاغبين، بل لا تتعفف عن قتل النساء والأطفال بنيران المدافع وقذائف الطائرات والدبابات، ولكنَّ الإِسلام -

стр. 4761

وهو دين الرحمة والعدل - لا يبيح شيئًا من ذلك. وقرأ أبو الدرداء وأبو حيوة (١): ﴿ما كان للنَّبي﴾ معرفًا، والمراد به في التعريف والتنكير: الرسول محمد ﷺ ، ولكن في التنكير إبهام في كون النفي لم يتوجه عليه معينًا، وهو هنا على حذف مضاف؛ أي: ما كان لأصحاب نبيٍّ، أو لأتباع نبي، فحذف اختصارًا, ولذلك جاء الجمع بعده في قوله: تريدون عرض الدنيا, ولم يجىء التركيب: تريد أو يريد عرض الدنيا؛ لأنَّه ﷺ لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب، ولا أراد عرض الدنيا قط، وإنَّما فعله جمهور مباشري الحرب. وقرأ أبو عمرو: ﴿أن تكون﴾ على تأنيث لفظ الجمع، وباقي السبعة والجمهور على التذكير على المعنى، لكن في قراءة (٢) التاء الفوقية .. تتعين الإمالة في ﴿أسرى﴾، وعلى قراءة الياء التحتية تجوز الإمالة وتركها. اهـ. وقرأ الجمهور والسبعة. ﴿أَسْرَى﴾ على وزن فعلى، وهو قياس فعيل بمعنى مفعول إذا كان آفةً، كجريح وجرحى. وقرأ يزيد بن القعقاع والمفضل عن عاصم: ﴿أسارى﴾ وشبَّه فعيلٌ بفعلان، نحو كسلان وكسالى، كما شبهوا كسلان بأسير فقالوا فيه جمعًا: كسلى، قاله سيبويه، وهما شاذَّان، وزعم الزجاج أنَّ أسارى جمع أسرى، فهو جمع جمع. وقرأ أبو جعفر ويحيى بن يعمر ويحيى بن وثَّاب: ﴿حتى يثخِّن﴾ مشدَّدًا، ﴿عدوه﴾ بالتضعيف، والجمهور بالتخفيف، وعدوه بالهمزة؛ إذ كان قبل التعدية ثخن. وقرىء: ﴿يريدون﴾ بالياء من تحت، وقرأ الجمهور: ﴿الآخرة﴾ بالنصب, وقرأ سليمان بن جمَّاز المدني بالجر، واختلفوا في تقدير المضاف المحذوف، فمنهم من قدره: عرض الآخرة، قال: وحذف لدلالة عرض الدنيا عليه، قال بعضهم: وقد حذف العرض في قراءة الجمهور، وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب, فنصب. وممن قدره عرض الآخرة: الزمخشريُّ قال: على التقابل, يعني: ثوابها. انتهى.

стр. 4762

فصل فيما يتعلق بعصمة الأنبياء قد استدل بهذه الآية من يقدح في عصمة الأنبياء، وبيانه من وجوه: الأول: أنَّ قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ صريح في النهي عن أخذ الأسارى، وقد وجد ذلك يوم بدر. الوجه الثاني: أنَّ الله أمر النبيَّ ﷺ وقومه بقتل المشركين يوم بدر، فلمَّا لم يقتلوهم، بل أسروهم .. دلَّ ذلك على صدور الذنب منهم. الوجه الثالث: أنَّ النبي ﷺ حكم بأخذ الفداء، وهو محرمٌ، وذلك ذنب. الوجه الرابع: أنَّ النبي ﷺ وأبا بكر قعدا يبكيان لأجل أخذ الفداء، وخوف العذاب، وقرب نزوله. والجواب عن الوجه الأول: أنَّ قوله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ .. يدل على أنَّه كان الأسر مشروعًا، ولكن بشرط الإثخان في الأرض، وقد حصل؛ لأنَّ الصحابة رضى الله تعالى عنهم قتلوا يوم بدر سبعين رجلًا من عظماء المشركين وصناديدهم, وأسروا سبعين، وليس من الإثخان في الأرض قتل جميع الناس، فدلَّت الآية على جواز الأسر بعد الإثخان، وقد حصل. والجواب عن الوجه الثاني: أنَّ الأمر بالقتل إنما كان مختصًا بالصحابة، لإجماع المسلمين أن النبي ﷺ لم يؤمر بمباشرة قتال الكفار بنفسه، وإذا ثبت أنَّ الأمر بالقتل كان مختصًا بالصحابة .. كان الذنب صادرًا منهم، لا من النبي ﷺ . والجواب عن الوجة الثالث: - وهو أنَّ النبي ﷺ حكم بأخذ الفداء وهو محرَّم - فنقول: لا نسلم أن أخذ الفداء كان محرَّمًا، وأما قوله : ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ .. فهو عتاب لطيف على أخذ الفداء من الأسارى والمبادرة إليه، ولا يدل على تحريم الفداء؛ إذ لو كان حرامًا في علم الله تعالى .. لمنعهم من أخذه مطلقًا.

стр. 4763

والجواب عن الوجه الرابع: - وهو أنَّ النبي ﷺ وأبا بكر قعدا يبكيان -: يحتمل أن يكون لأجل أنَّ بعض الصحابة لمَّا خالف الأمر بالقتل واشتغل بالأسر .. استوجب بذلك الفعل العذاب، فبكى النبي ﷺ ؛ خوفًا وإشفاقًا من نزول العذاب عليهم بسبب ذلك الفعل، وهو الأسر، وأخذ الفداء، والله أعلم. ٦٨ - ﴿لَوْلَا كِتَابٌ﴾: أي: لولا حكم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿سَبَقَ﴾ إثباته في اللوح المحفوظ، وهو أن لا يعاقب المخطىء في اجتهاده؛ لأنَّ هذا كان اجتهادًا منهم؛ لأنهم نظروا في أنَّ استبقاءهم ربَّما كان سببًا في إسلامهم، وأنَّ فداءهم يتقوى به على الجهاد، وخفي عليهم أنَّ قتلهم أعز للإسلام وأهيب لمن وراءهم، أو ما كتب في اللوح من أنه لا يعذب أهل بدر، أو أنَّه لا يعذب قومًا لم يصرح لهم بالنهي عنه، أو أن الفدية التي أخذوها ستحل لهم، و (١) فيما ذكر من الاستشارة دلالةٌ على جواز الاجتهاد، فيكون حجةً على منكري القياس. وخبر المبتدأ بعد لولا محذوف وجوبًا، تقديره: لولا كتاب من الله سبق موجودٌ ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أي: لأصابكم بسبب ما أخذتم من الفداء قبل أن تؤمروا به عذاب شديد، ولكنَّه لم يمسكم؛ لسبق الكتاب بما ذكر آنفًا. وقيل المعنى (٢): ولولا كتاب من الله تعالى سبق في علمه الأزلي أن لا يعذبكم والرسول فيكم وأنتم تستغفرونه من ذنوبكم .. لمسكم بسبب ما أخذتم من الفداء عذاب عظيم. وأخرج ابن المنذر عن نافع عن ابن عمر قال: اختلف الناس في أسارى بدر، فاستشار النبي ﷺ أبا بكر وعمر، فقال أبو بكر: فادهم، وقال عمر: اقتلهم، فقال قائل: أرادوا قتل رسول الله ﷺ وهدم الإِسلام، ويأمره أبو بكر بالفداء! وقال قائل: لو كان فيهم أبو عمر أو أخوه .. ما أمر بقتلهم. فأخذ رسول الله ﷺ بقول أبي بكر، ففاداهم، فنزل: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ فقال رسول الله ﷺ : "إن كاد ليمسنا في

стр. 4764

خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب .. ما أفلت إلا عمر". ٦٩ - وبعد أن عاتبهم الله على أخذ الفداء .. أباح لهم أكل ما أخذوه، وعدَّه من جملة الغنائم التي أباحها لهم في أول السورة، فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ والفاء فيه عاطفة على محذوف، تقديره: قد أبيحت لكم الغنائم، فكلوا من كل ما غنمتم وأخذتم من الكفار قهرًا، سواء كان من الفدية المذكورة أو غيرها حالة كونه ﴿حَلَالًا﴾ لكم بإحلاله سبحانه لكم، وحالة كونه ﴿طَيِّبًا﴾؛ أي: مستلذًا في نفسه، لا خبث فيه، مما حرم لذاته، كالدم، ولحم الخنزير. روي أنهم أمسكوا عن الغنائم في بدر، ولم يمدوا أيديهم إليها حتى نزلت هذه الآية. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مخالفة أمر ونهيه في المستقبل؛ أي: خافوا عقاب الله في أن تعودوا إلى أكل شيء من أموال الناس، كفارًا كانوا أو مسلمين قبل أن يحله لكم ربكم ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾ لذنبكم، بأخذ الفداء وإيثار جمهوركم لعرض الدنيا على ما يقتضيه إيثار الآخرة من طلب الإثخان أوَّلًا، لإعزاز الحق وأهله وإذلال الشرك وكبت حزبه ﴿رَحِيمٌ﴾ بكم؛ إذ أباح لكم ما أخذتم وأباح لكم الانتفاع به. وخلاصة ما تقدم من الآيات: أنه ليس من سنة الأنبياء ولا مما ينبغي لأحد منهم أن يكون له أسرى يفاديهم أو يمن عليهم إلا بعد أن يكون له الغلب والسلطان على أعدائه وأعداء الله الكافرين؛ لئلا يفضي أخذه فداء الأسرى إلى ضعف المؤمنين وقوة أعدائهم وجرأتهم عليهم، وما فعله المؤمنون من مفاداة أسرى بدر بالمال .. كان ذنبًا سببه إرادة جمهورهم عرض الحياة الدنيا قبل الإثخان الذي تقتضيه الحكمة بإعلاء كلمة الله تعالى وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، ولولا كتابٌ من الله سبق من عدم عقابهم على ذنب أخذ الفداء قبل إذنه تعالى، وعلى خلاف سننه .. لمسَّهم عذاب عظيم في أخذهم ذلك، وأنَّه أحلَّ لهم ما أخذوا، وغفر لهم ذنبهم بأخذه قبل إحلاله تعالى لهم، والله غفور رحيم. ٧٠ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ الكريم والرسول الرحيم ﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ﴾ وسلطتكم وقهركم ﴿مِنَ﴾ هؤلاء ﴿الْأَسْرَى﴾ الذين أسرتموهم يوم بدر وأخذتم منهم

стр. 4765

الفداء: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ ﴿فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾؛ أي: إيمانًا وعزمًا على طاعة الله ورسوله في جميع التكاليف، وتوبةً من الكفر وجميع المعاصي .. ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ الله ويعوضكم في هذه الدنيا رزقًا ﴿خَيْرًا﴾ وأنفع لكم ﴿مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ من الفداء، أو في الآخرة بما يكتبه لكم من المثوبة بالأعمال الصالحة ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما سلف منكم قبل الإيمان من كفركم وقتالكم لرسول الله ﷺ . ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾ لمن آمن وتاب من كفره وآثامه ﴿رَحِيمٌ﴾ بالمؤمنين من أهل طاعته، فيشملهم بعنايته وتوفيقه، ويعدهم للسعادة في الدنيا والآخرة، وفي ذلك من الحض على الإِسلام والدعوة إليه ما لا يخفى. وقرأ الجمهور (١): ﴿مِنَ الْأَسْرَى﴾ معرفًا وابن محيصن: ﴿من أسرى﴾ منكرًا، وقتادة وأبو جعفر وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم وأبو عمرو من السبعة: ﴿من الأُسَارى﴾ - بضم الهمزة وفتح السين بعدها ألف - وبالإمالة. واختلف عن الحسن وعن الجحدري. وقرأ الأعمش: ﴿يثبكم خيرًا﴾ من الثواب، وقرأ الحسن وأبو حيوة وشيبة وحميد: ﴿مما أَخذ﴾ مبنيًّا للفاعل. ٧١ - ولمَّا ذكر ما ذكره من العوض لمن علم في قلبه خيرًا .. ذكر من هو على ضد ذلك منهم، فقال: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾؛ أي: وإن يرد - يا محمَّد - هؤلاء الأسرى - الذين أسرتموهم في بدر وفاديتموهم بالمال - بما قالوا لك بألسنتهم من أنهم قد آمنوا بك وصدقوك ﴿خِيَانَتَكَ﴾؛ أي: مخادعتك ومماكرتك، ولم يكن ذلك منهم عن عزيمة صحيحة ونية خالصة .. فاعلم أنَّه ليس ذلك بمستبعد منهم؛ ﴿فـ﴾ إنَّهم ﴿قد﴾ فعلوا ما هو أعظم من ذلك، وهو أنَّهم ﴿خَانُوا اللَّهَ﴾ ورسوله ﷺ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذا الأسر والظفر بهم بما أقدموا عليه من كفرهم بالله ومحاربتهم رسوله ﷺ ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: مكَّنك منهم بأن نصرك عليهم في يوم بدر، فقتلت منهم من قتلت، وأسرت من أسرت ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في ضمائرهم ونياتهم من الخيانة وضدِّها ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما
следующие страницы →