← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

وهو دين الرحمة والعدل - لا يبيح شيئًا من ذلك. وقرأ أبو الدرداء وأبو حيوة (١): ﴿ما كان للنَّبي﴾ معرفًا، والمراد به في التعريف والتنكير: الرسول محمد ﷺ ، ولكن في التنكير إبهام في كون النفي لم يتوجه عليه معينًا، وهو هنا على حذف مضاف؛ أي: ما كان لأصحاب نبيٍّ، أو لأتباع نبي، فحذف اختصارًا, ولذلك جاء الجمع بعده في قوله: تريدون عرض الدنيا, ولم يجىء التركيب: تريد أو يريد عرض الدنيا؛ لأنَّه ﷺ لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب، ولا أراد عرض الدنيا قط، وإنَّما فعله جمهور مباشري الحرب. وقرأ أبو عمرو: ﴿أن تكون﴾ على تأنيث لفظ الجمع، وباقي السبعة والجمهور على التذكير على المعنى، لكن في قراءة (٢) التاء الفوقية .. تتعين الإمالة في ﴿أسرى﴾، وعلى قراءة الياء التحتية تجوز الإمالة وتركها. اهـ. وقرأ الجمهور والسبعة. ﴿أَسْرَى﴾ على وزن فعلى، وهو قياس فعيل بمعنى مفعول إذا كان آفةً، كجريح وجرحى. وقرأ يزيد بن القعقاع والمفضل عن عاصم: ﴿أسارى﴾ وشبَّه فعيلٌ بفعلان، نحو كسلان وكسالى، كما شبهوا كسلان بأسير فقالوا فيه جمعًا: كسلى، قاله سيبويه، وهما شاذَّان، وزعم الزجاج أنَّ أسارى جمع أسرى، فهو جمع جمع. وقرأ أبو جعفر ويحيى بن يعمر ويحيى بن وثَّاب: ﴿حتى يثخِّن﴾ مشدَّدًا، ﴿عدوه﴾ بالتضعيف، والجمهور بالتخفيف، وعدوه بالهمزة؛ إذ كان قبل التعدية ثخن. وقرىء: ﴿يريدون﴾ بالياء من تحت، وقرأ الجمهور: ﴿الآخرة﴾ بالنصب, وقرأ سليمان بن جمَّاز المدني بالجر، واختلفوا في تقدير المضاف المحذوف، فمنهم من قدره: عرض الآخرة، قال: وحذف لدلالة عرض الدنيا عليه، قال بعضهم: وقد حذف العرض في قراءة الجمهور، وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب, فنصب. وممن قدره عرض الآخرة: الزمخشريُّ قال: على التقابل, يعني: ثوابها. انتهى.

стр. 4762

فصل فيما يتعلق بعصمة الأنبياء قد استدل بهذه الآية من يقدح في عصمة الأنبياء، وبيانه من وجوه: الأول: أنَّ قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ صريح في النهي عن أخذ الأسارى، وقد وجد ذلك يوم بدر. الوجه الثاني: أنَّ الله أمر النبيَّ ﷺ وقومه بقتل المشركين يوم بدر، فلمَّا لم يقتلوهم، بل أسروهم .. دلَّ ذلك على صدور الذنب منهم. الوجه الثالث: أنَّ النبي ﷺ حكم بأخذ الفداء، وهو محرمٌ، وذلك ذنب. الوجه الرابع: أنَّ النبي ﷺ وأبا بكر قعدا يبكيان لأجل أخذ الفداء، وخوف العذاب، وقرب نزوله. والجواب عن الوجه الأول: أنَّ قوله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ .. يدل على أنَّه كان الأسر مشروعًا، ولكن بشرط الإثخان في الأرض، وقد حصل؛ لأنَّ الصحابة رضى الله تعالى عنهم قتلوا يوم بدر سبعين رجلًا من عظماء المشركين وصناديدهم, وأسروا سبعين، وليس من الإثخان في الأرض قتل جميع الناس، فدلَّت الآية على جواز الأسر بعد الإثخان، وقد حصل. والجواب عن الوجه الثاني: أنَّ الأمر بالقتل إنما كان مختصًا بالصحابة، لإجماع المسلمين أن النبي ﷺ لم يؤمر بمباشرة قتال الكفار بنفسه، وإذا ثبت أنَّ الأمر بالقتل كان مختصًا بالصحابة .. كان الذنب صادرًا منهم، لا من النبي ﷺ . والجواب عن الوجة الثالث: - وهو أنَّ النبي ﷺ حكم بأخذ الفداء وهو محرَّم - فنقول: لا نسلم أن أخذ الفداء كان محرَّمًا، وأما قوله : ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ .. فهو عتاب لطيف على أخذ الفداء من الأسارى والمبادرة إليه، ولا يدل على تحريم الفداء؛ إذ لو كان حرامًا في علم الله تعالى .. لمنعهم من أخذه مطلقًا.

стр. 4763

والجواب عن الوجه الرابع: - وهو أنَّ النبي ﷺ وأبا بكر قعدا يبكيان -: يحتمل أن يكون لأجل أنَّ بعض الصحابة لمَّا خالف الأمر بالقتل واشتغل بالأسر .. استوجب بذلك الفعل العذاب، فبكى النبي ﷺ ؛ خوفًا وإشفاقًا من نزول العذاب عليهم بسبب ذلك الفعل، وهو الأسر، وأخذ الفداء، والله أعلم. ٦٨ - ﴿لَوْلَا كِتَابٌ﴾: أي: لولا حكم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿سَبَقَ﴾ إثباته في اللوح المحفوظ، وهو أن لا يعاقب المخطىء في اجتهاده؛ لأنَّ هذا كان اجتهادًا منهم؛ لأنهم نظروا في أنَّ استبقاءهم ربَّما كان سببًا في إسلامهم، وأنَّ فداءهم يتقوى به على الجهاد، وخفي عليهم أنَّ قتلهم أعز للإسلام وأهيب لمن وراءهم، أو ما كتب في اللوح من أنه لا يعذب أهل بدر، أو أنَّه لا يعذب قومًا لم يصرح لهم بالنهي عنه، أو أن الفدية التي أخذوها ستحل لهم، و (١) فيما ذكر من الاستشارة دلالةٌ على جواز الاجتهاد، فيكون حجةً على منكري القياس. وخبر المبتدأ بعد لولا محذوف وجوبًا، تقديره: لولا كتاب من الله سبق موجودٌ ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أي: لأصابكم بسبب ما أخذتم من الفداء قبل أن تؤمروا به عذاب شديد، ولكنَّه لم يمسكم؛ لسبق الكتاب بما ذكر آنفًا. وقيل المعنى (٢): ولولا كتاب من الله تعالى سبق في علمه الأزلي أن لا يعذبكم والرسول فيكم وأنتم تستغفرونه من ذنوبكم .. لمسكم بسبب ما أخذتم من الفداء عذاب عظيم. وأخرج ابن المنذر عن نافع عن ابن عمر قال: اختلف الناس في أسارى بدر، فاستشار النبي ﷺ أبا بكر وعمر، فقال أبو بكر: فادهم، وقال عمر: اقتلهم، فقال قائل: أرادوا قتل رسول الله ﷺ وهدم الإِسلام، ويأمره أبو بكر بالفداء! وقال قائل: لو كان فيهم أبو عمر أو أخوه .. ما أمر بقتلهم. فأخذ رسول الله ﷺ بقول أبي بكر، ففاداهم، فنزل: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ فقال رسول الله ﷺ : "إن كاد ليمسنا في

стр. 4764

خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب .. ما أفلت إلا عمر". ٦٩ - وبعد أن عاتبهم الله على أخذ الفداء .. أباح لهم أكل ما أخذوه، وعدَّه من جملة الغنائم التي أباحها لهم في أول السورة، فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ والفاء فيه عاطفة على محذوف، تقديره: قد أبيحت لكم الغنائم، فكلوا من كل ما غنمتم وأخذتم من الكفار قهرًا، سواء كان من الفدية المذكورة أو غيرها حالة كونه ﴿حَلَالًا﴾ لكم بإحلاله سبحانه لكم، وحالة كونه ﴿طَيِّبًا﴾؛ أي: مستلذًا في نفسه، لا خبث فيه، مما حرم لذاته، كالدم، ولحم الخنزير. روي أنهم أمسكوا عن الغنائم في بدر، ولم يمدوا أيديهم إليها حتى نزلت هذه الآية. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مخالفة أمر ونهيه في المستقبل؛ أي: خافوا عقاب الله في أن تعودوا إلى أكل شيء من أموال الناس، كفارًا كانوا أو مسلمين قبل أن يحله لكم ربكم ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾ لذنبكم، بأخذ الفداء وإيثار جمهوركم لعرض الدنيا على ما يقتضيه إيثار الآخرة من طلب الإثخان أوَّلًا، لإعزاز الحق وأهله وإذلال الشرك وكبت حزبه ﴿رَحِيمٌ﴾ بكم؛ إذ أباح لكم ما أخذتم وأباح لكم الانتفاع به. وخلاصة ما تقدم من الآيات: أنه ليس من سنة الأنبياء ولا مما ينبغي لأحد منهم أن يكون له أسرى يفاديهم أو يمن عليهم إلا بعد أن يكون له الغلب والسلطان على أعدائه وأعداء الله الكافرين؛ لئلا يفضي أخذه فداء الأسرى إلى ضعف المؤمنين وقوة أعدائهم وجرأتهم عليهم، وما فعله المؤمنون من مفاداة أسرى بدر بالمال .. كان ذنبًا سببه إرادة جمهورهم عرض الحياة الدنيا قبل الإثخان الذي تقتضيه الحكمة بإعلاء كلمة الله تعالى وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، ولولا كتابٌ من الله سبق من عدم عقابهم على ذنب أخذ الفداء قبل إذنه تعالى، وعلى خلاف سننه .. لمسَّهم عذاب عظيم في أخذهم ذلك، وأنَّه أحلَّ لهم ما أخذوا، وغفر لهم ذنبهم بأخذه قبل إحلاله تعالى لهم، والله غفور رحيم. ٧٠ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ الكريم والرسول الرحيم ﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ﴾ وسلطتكم وقهركم ﴿مِنَ﴾ هؤلاء ﴿الْأَسْرَى﴾ الذين أسرتموهم يوم بدر وأخذتم منهم

стр. 4765

الفداء: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ ﴿فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾؛ أي: إيمانًا وعزمًا على طاعة الله ورسوله في جميع التكاليف، وتوبةً من الكفر وجميع المعاصي .. ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ الله ويعوضكم في هذه الدنيا رزقًا ﴿خَيْرًا﴾ وأنفع لكم ﴿مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ من الفداء، أو في الآخرة بما يكتبه لكم من المثوبة بالأعمال الصالحة ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما سلف منكم قبل الإيمان من كفركم وقتالكم لرسول الله ﷺ . ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾ لمن آمن وتاب من كفره وآثامه ﴿رَحِيمٌ﴾ بالمؤمنين من أهل طاعته، فيشملهم بعنايته وتوفيقه، ويعدهم للسعادة في الدنيا والآخرة، وفي ذلك من الحض على الإِسلام والدعوة إليه ما لا يخفى. وقرأ الجمهور (١): ﴿مِنَ الْأَسْرَى﴾ معرفًا وابن محيصن: ﴿من أسرى﴾ منكرًا، وقتادة وأبو جعفر وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم وأبو عمرو من السبعة: ﴿من الأُسَارى﴾ - بضم الهمزة وفتح السين بعدها ألف - وبالإمالة. واختلف عن الحسن وعن الجحدري. وقرأ الأعمش: ﴿يثبكم خيرًا﴾ من الثواب، وقرأ الحسن وأبو حيوة وشيبة وحميد: ﴿مما أَخذ﴾ مبنيًّا للفاعل. ٧١ - ولمَّا ذكر ما ذكره من العوض لمن علم في قلبه خيرًا .. ذكر من هو على ضد ذلك منهم، فقال: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾؛ أي: وإن يرد - يا محمَّد - هؤلاء الأسرى - الذين أسرتموهم في بدر وفاديتموهم بالمال - بما قالوا لك بألسنتهم من أنهم قد آمنوا بك وصدقوك ﴿خِيَانَتَكَ﴾؛ أي: مخادعتك ومماكرتك، ولم يكن ذلك منهم عن عزيمة صحيحة ونية خالصة .. فاعلم أنَّه ليس ذلك بمستبعد منهم؛ ﴿فـ﴾ إنَّهم ﴿قد﴾ فعلوا ما هو أعظم من ذلك، وهو أنَّهم ﴿خَانُوا اللَّهَ﴾ ورسوله ﷺ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذا الأسر والظفر بهم بما أقدموا عليه من كفرهم بالله ومحاربتهم رسوله ﷺ ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: مكَّنك منهم بأن نصرك عليهم في يوم بدر، فقتلت منهم من قتلت، وأسرت من أسرت ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في ضمائرهم ونياتهم من الخيانة وضدِّها ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما

стр. 4766

فعله بهم. وحاصل معنى الآية: أي وإن يريدوا خيانتك بإظهار الميل إلى الإِسلام والرغبة عن قتال المسلمين .. فلا تخف مما عسى أن يكون من خيانتهم وعودتهم إلى القتال؛ فإنَّهم قد خانوا الله من قبل، فنقضوا الميثاق الذي أخذه الله على البشر بما أقامه على وحدانيته من الدلائل العقلية والكونية، وبما آتاهم من العقل الذي يتدبرون به سنن الله في خلقه، فيمكنك أنت وصحبك منهم بنصرك عليهم ببدر، مع التفاوت العظيم بين قوتك وقوتهم وعددك وعددهم، وهكذا سيمكنك ممن يخونونك من بعد، والله تعالى عليم يعلم ما يضمرونه وما يستحقونه من عقاب، حكيم، يفعل ما يفعل بحسب ما تقتضيه حكمته البالغة، فينصر المؤمنين ويظهرهم على الكافرين، وفي الآية من العبر: ١ - أنه يجب على المؤمنين ترغيب الأسرى في الإيمان, وإنذارهم عاقبة الخيانة إذا ثبتوا على الكفر وعادوا إلى البغي والعدوان. ٢ - أن فيها بشارةً للمؤمنين باستمرار النصر وحسن العاقبة في كل قتال يقع بينهم وبين المشركين ما داموا محافظين على أسباب النصر المادية والمعنوية التي علمت مما تقدم. وبعد ما ذكر الله تلك القواعد الخاصة بالحرب والسلم، وما يجب أن يعمل مع الأسرى .. ختم السورة بذكر ولاية المؤمنين بعضهم لبعض بمقتضى الإيمان والهجرة، وما يلزم ذلك، وولاية الكافرين بعضهم لبعض؛ ليعلم كل فريق وليه الذي يستعين به. وقسم المؤمنين أربعة أقسام، وبين حكم كل من تلك الأقسام ومنزلته من بينها: ١ - المهاجرون الأولون أصحاب الهجرة الأولى قبل غزوة بدر إلى صلح الحديبية. ٢ - الأنصار الذين كانوا بالمدينة، وآووا النبيَّ ﷺ والمهاجرين عند

стр. 4767

هجرتهم إليهم. ٣ - المؤمنون الذين لم يهاجروا. ٤ - المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية. ٧٢ - وسمى الله المهاجرين إلى المدينة بهذا الاسم؛ لأنهم هجروا وتركوا أوطانهم وفارقوها؛ طلبًا لما عند الله تعالى، وإجابةً لداعيه، وسمى الأنصار أنصارًا؛ لأنهم نصروا دين الله ورسوله ﷺ ، فقال: أولًا - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله، وصدقوا بما جاء به محمَّد ﷺ ﴿وَهَاجَرُوا﴾ من مكة إلى المدينة، وفارقوا أوطانهم حبا لله تعالى ولرسوله ﷺ وسبقوا إلى الهجرة، بأن هاجروا قبل العام السادس عام الحديبية ﴿وَجَاهَدُوا﴾؛ أي: بذلوا جهدهم وطاقتهم في الجهاد ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ أي في طاعته؛ إعلاءً لكلمة الله التي هي الكلمة العليا كلمة الإِسلام؛ أي: صرفوا أموالهم إلى السلاح وأنفقوها على المحتاجين وبذلوا أنفسهم بمباشرة القتال، وبالخوض في المهالك. أمَّا ما كان من بذل الأموال .. فهو قسمان: ١ - ما ينفق في التعاون والهجرة، والدفاع عن دين الله ونصر دينه، وحماية رسول الله ﷺ . ٢ - ما يكون بسخاء النفس، بترك ما تركوه في أوطانهم عند خروجهم منها. وما كان من بذل الأنفس .. فهو ضربان أيضًا: ١ - قتال الأعداء وعدم المبالاة بكثرة عددهم وعدتهم. ٢ - ما يكون قبل القتال من احتمال المشاقّ، ومغالبة الشدائد، والصبر على الاضطهاد، والهجرة من البلاد، وما يصحب ذلك من سغب وتعب، ونحو ذلك.

стр. 4768

ثانيًا - ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا﴾ الرسول محمدًا ﷺ والمهاجرين؛ أي: أسكنوهم منازلهم، وبذلوا لهم أموالهم، وآثروهم على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة ﴿وَنَصَرُوا﴾ هم وأمنوهم من المخاوف، فقد كانت يثرب ملجأ المهاجرين، شاركهم أهلها في أموالهم، وآثروهم على أنفسهم، وقاتلوا من قاتلهم، وعادوا من عاداهم، ومن جراء هذا .. جعل الله حكمهم حكم المهاجرين في قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالصفات المذكورة - والإشارة إلى كل من الموصولين - ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، أي: يكونون يدًا واحدةً على الأعداء، ويكون حب كل واحد للآخر جاريًا مجرى حبه لنفسه؛ أي: يتولى بعضهم من أمر الآخرين ما يتولَّونه من أمر أنفسهم حين الحاجة إلى التعاون والتناصر في القتال وما يتعلق به من الغنائم؛ لأنَّ حقوقهم ومرافقهم مشتركةٌ، ويجب عليهم كفاية المحتاج وإغاثة المضطر منهم، وقيل: بعضهم أولياء بعض في الميراث والنصرة، وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة، دون الأقارب حتى نسخ بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾. ثالثًا - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله، وبالقرآن ﴿وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ من مكة إلى المدينة ﴿مَا لَكُمْ﴾ أيها المهاجرون والأنصار ﴿مِنْ وَلَايَتِهِمْ﴾؛ أي: من ولاية الذين لم يهاجروا ونصرتهم وتعظيمهم، أو من ميراثهم بأن كان بينكم وبينهم قرابة وعصوبة ﴿مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ إلى المدينة، وما من ميراثكم لهم من شيء حتى يهاجروا، فإن هاجروا .. فلهم مثل ما لكم من المناصرة أو الموارثة. والمعنى: أنَّ المؤمنين المقيمين في أرض المشركين، وتحت سلطانهم وحكمهم ودارهم دار حرب وشرك لا يثبت لهم شيء من ولاية المؤمنين الذين في دار الإِسلام، إذ لا سبيل إلى نصر أولئك لهم، أما من أسره الكفار من دار الإِسلام .. فله حكم أهل هذه الدار، ويجب على المسلمين السعي في فكاكهم بقدر ما يستطيعون من الحول والقوة، بل يجب بذل هذه الحماية لأهل الذمة أيضًا. وقرأ الأعمش وابن وثَّاب وحمزة: ﴿ولايتهم﴾ بالكسر، وباقي السبعة والجمهور بالفتح، وهما لغتان، قاله الأخفش. وقيل: هي بفتح الواو، خاصَّة

стр. 4769

بالنصرة والمعونة والنسب والدين، وبكسرها في الإمارة وتولي الأمور العامة؛ لأنَّها من قبيل الصناعات والحرف. ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾؛ أي: وإن طلب منكم أيها المهاجرون والأنصار هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا النصرة لهم على المشركين ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ لهم؛ أي: فواجب عليكم النصر لهم ﴿إِلَّا﴾ إن استنصروكم ﴿عَلَى قَوْمٍ﴾ من المشركين ﴿بَيْنَكُمْ﴾؛ أي: أيها المؤمنون ﴿وَبَيْنَهُمْ﴾؛ أي: وبين أولئك القوم ﴿مِيثَاقٌ﴾ وعهد على ترك القتال، كأهل مكة الذين بينكم وبينهم صلح الحديبية الذي عقدتموه لهم على ترك القتال عشر سنين فلا تنصروهم عليهم، ولا تنقضوا العهد الذي بينكم وبين أولئك القوم حتى تنقضي مدته؛ إذ الميثاق مانع من ذلك. والمعنى: أنّه لا ولاية لكم عليهم إلا إذا قاتلهم الكفار، أو اضطدوهم لأجل دينهم، وطلبوا نصركم عليهم .. فعليكم أن تساعدوهم بشرط: أن يكون الكفار حَرْبييِّن، لا عهد بينكم وبينهم، أما إن كانوا معاهدين .. فيجب الوفاء بعهدهم، ولا تباح خيانتهم وغدرهم بنقض العهود والمواثيق. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿بما تعلمون بصير﴾ فلا تخالفوا أمره؛ كي لا يحل بكم عقابه، فعليكم أن تقفوا عند حدوده، وأن تراقبوه وتتذكروا اطلاعه على أعمالكم، وتتوخوا فيها الحق والعدل، وتتقوا الهوى الذي يصد عن ذلك. وبهذه المحافظة على العهود والمواثيق سرًّا وجهرًا .. امتازت الشريعة الإِسلامية على الشرائع الوضعية، فشعار أهلها: الوفاء بالعهود، والبعد عن الخيانة والغدر. وقرأ السلمي والأعرج ﴿بما يعملون﴾ بالياء على الغيبة. ٧٣ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في النصرة والتعاون على قتال المسلمين، فهم في جملتم فريقٌ واحدٌ تجاه المسلمين، وإن كانوا شيعًا يعادي بعضهم بعضًا، فإن كفار قريش كانوا في غاية العداوة لليهود، فلمَّا ظهرت دعوة محمَّد ﷺ .. تعاونوا على إيذائه ومحاربته، والمشركون واليهود والنصارى لمَّا

стр. 4770

اشتركوا في عداوة محمدٍ ﷺ .. صارت هذه الجهة سببًا لانضمام بعضهم إلى بعض، وقرب بعضهم من بعض، وتلك العداوة لمحض الحسد، لا لأجل الدين؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم كان في غاية الإنكار لدين صاحبه. ولم يكن في الحجاز حين نزلت هذه السورة إلا المشركون واليهود، وكان اليهود يتولَّون المشركين وينصرونهم على النبي ﷺ والمؤمنين، ونقضوا العهود التي كانت بينه وبينهم، فقاتلهم حتى أجلاهم من خيبر، وفي هذا تعريض للمسلمين بأنهم لا يناصرون الكفار ولا يتولونهم ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾؛ أي: إن لم تفعلوا ما أمرتكم به من التواصل بين المسلمين، ومن قطع المحبة بينهم وبين الكفار .. ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾؛ أي: تحصل فتنة ﴿فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾؛ أي: ومفسدة عظيمة، فإنَّ المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم، وزمان قوة الكفار وكثرة عددهم .. ربما صارت تلك المخالطة سببًا لالتحاق المسلم بالكفار، وإنَّ المسلمين لو كانوا متفرقين .. لم يظهر منهم جمع عظيم، فيصير ذلك سببًا لجراءة الكفار عليهم، وقال ابن عطية: والفتنة: المحنة بالحرب وما أنجز معها من الغارات والجلاء والأسر، والفساد الكبير: ظهور الشرك. وقال (١) البغوي: الفتنة في الأرض: قوة الكفر، والفساد الكبير: ضعف الإسلام اهـ. وقرأ أبو موسى الحجازي عن الكسائي: ﴿كثير﴾ - بالثاء المثلثة - وروي أنَّ الرسول ﷺ قرأ: ﴿وفسادٌ عريض﴾ وقال الزمخشري: أي: إنْ لا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل المسلمين وتولي بعضهم بعضًا حتى في التورث، تفضيلًا لنسبة الإِسلام على نسبة القرابة، ولم تقطعوا العلائق بينكم وبين الكفار، ولم تجعلوا قرباتهم كلا قرابة .. تحصل فتنة في الأرض، ومفسدة عظيمة؛ لأنَّ المسلمين ما لم يصيروا يدًا واحدةً على الشرك .. كان الشرك ظاهرًا والفساد زائدًا اهـ. والخلاصة (٢): إنْ لم تفعلوا ما شرع لكم من ولاية بعضكم لبعض، ومن

стр. 4771

تناصركم وتعاونكم تجاه ولاية الكفار بعضهم لبعض عليكم، ومن الوفاء بالعهود - والمواثيق مع الكفار إلى أن ينقضي عهدهم وينبذوه على سواءٍ .. يقع من الفتنة والفساد في الأرض ما فيه أعظم الضرر عليكم، بتخاذلكم الذي يفضي إلى فشلكم وظفر الأعداء بكم، واضطهادكم في دينكم بصدكم عنه، كما وقع ذلك بضعفائكم بمكة قبل الهجرة. ٧٤ - ثم فضل الله المهاجرين والأنصار على غيرهم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بمحمد ﷺ والقرآن ﴿وَهَاجَرُوا﴾ من مكة إلى المدينة ﴿وَجَاهَدُوا﴾؛ أي: قاتلوا الكفار ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في طاعة الله تعالى، لإعلاء كلمته. لم يقل هنا بأموالهم وأنفسهم؛ اكتفاءً بما سبق ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا﴾؛ أي: وطّنوا محمدًا ﷺ وأصحابه بالمدينة ﴿وَنَصَرُوا﴾ محمدًا ﵊ يوم بدر ﴿أُولَئِكَ﴾ المذكورون من المهاجرين والأنصار ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾؛ أي: صدقًا يقينًا؛ أي: هم المؤمنون حقَّ الإيمان وأكمله، دون من لم يهاجر وأقام بدار الشرك ولم يغز مع المسلمين عدوهم ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ تامة من ربهم، كاملة ساترة لجميع ما فرط منهم من السيئات ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾؛ أي: ثواب جسيم وجزاء حسن في الآخرة؛ لأنهم قد تركوا الأهل والوطن، وبذلوا النفس والمال، وأعرضوا عن سائر اللذات الجسمانية، وعملوا ما يقرِّبهم من ربهم في دار النعيم. فإنْ قلت (١): ما معنى هذا التكرار؟ قلتُ: ليس فيه تكرار؛ لأنَّه ذكر في الآية الأولى حكم ولاية المهاجرين والأنصار بعضهم بعضًا، ثم ذكر في هذه الآية ما منَّ به عليهم من المغفرة والرزق الكريم، وقيل: إنَّ إعادة الشيء مرةً بعد أخرى تدل على مزيد الاهتمام به، فلما ذكرهم أولًا، ثم أعاد ذكرهم ثانيًا .. دل ذلك على تعظيم شأنهم وعلوِّ درجاتهم، وهذا هو الشرف العظيم.

стр. 4772

٧٥ - ثم أخبر سبحانه بأنَّ من هاجر بعد هجرتهم وجاهد مع المهاجرين الأولين والأنصار .. فهو من جملتهم؛ أي: من جملة المهاجرين الأولين والأنصار في استحقاق ما استحقوه من الموالاة والمناصرة وكمال الإيمان, والمغفرة والرزق الكريم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿مِنْ بَعْدُ﴾؛ أي: من بعد الهجرة الأولى، وقبل فتح مكة؛ لأنَّ الهجرة انقطعت بفتح مكة؛ لأنَّها صارت دار إسلام بعد الفتح ﴿وَهَاجَرُوا﴾ من مكة إلى المدينة بعد المهاجرين الأولين، بأن هاجروا بعد صلح الحديبية في السنة السادسة، وقبل الفتح، والسابقون: هم الذين هاجروا قبلها ﴿وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ في بعض مغازيكم ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المذكورون ﴿مِنْكُمْ﴾؛ أي: من جملتكم أيها المهاجرون الأولون والأنصار في المناصرة والموالاة، يعني (١) أنهم منكم، وأنتم منهم، فلهم ما لكم، لكن فيه دلالةٌ على أنَّ مرتبة المهاجرين الأولين أشرف وأعظم من مرتبة المهاجرين المتأخرين بالهجرة؛ لأنَّ الله سبحانه ألحق المهاجرين المتأخرين بالمهاجرين السابقين، وجعلهم معهم، وذلك معرض المدح والشرف، ولولا أنَّ المهاجرين الأولين أفضل وأشرف .. لما صحَّ هذا الإلحاق. ثم بيَّن سبحانه بأنَّ أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض من غيرهم ممن لم يكن بينه وبينهم رحم وقرابة في التوارث والتناصر والموالاة، فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾؛ أي: أصحاب القرابات والأرحام، جمع رحم - بزنة قفل وكتف - وأصله: رحم المرأة، وهو موضع تكوين الولد، سمي به الأقارب لأنهم من رحم واحد؛ أي: وأولوا الأرحام، وأصحاب القرابات ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى﴾ وأحق ﴿بِبَعْضٍ﴾ من المهاجرين والأنصار الأجانب في التناصر والتعاون والتوارث في دار الهجرة في ذلك العهد وفي كلِّ عهد ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾؛ أي: في حكمه الذي كتبه، وأوجبه على عباده المؤمنين، من صلة الأرحام، والوصية للوالدين وذي القربى، وفي حكمه الذي بينه في كتابه بالسهام المذكورة في سورة النساء، أي: بعضهم أولى بعض في الإرث من التوارث بالإيمان والهجرة المذكورة في الآية السابقة.

стр. 4773

والخلاصة (١): أن القريب ذا الرحم أولى من غيره من المؤمنين بولاء قريبه وبره، ومقدم عليه في جميع الولايات المتعلقة به، كولاية النكاح، وصلاة الجنازة وغيرها، وإذا وجد قريبٌ وبعيد يستحقان البر والصلة .. فالقريب أولى، كما قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾، وقال رسول الله ﷺ : "ابدأ بنفسك، فتصدق عليها؛ فإن فضل شيء .. فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك .. فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء .. فهكذا وهكذا"، أي: فللمستحق من الأجانب. وأخرج (٢) أبو داود الطيالسي والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: آخى النبي ﷺ بين أصحابه، وورَّث بعض من بعض - بالهجرة والإخاء - حتى نزلت هذه الآية ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، فتركوا ذلك، وتوارثوا بالنسب. وتمسَّك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في توريث ذوي الأرحام، وأجاب عنه الشافعي بأنه: لمَّا قال ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ .. كان معناه في حكم الله الذي بيَّنه في سورة النساء، فصارت هذه الآية مقيَّدةً بالأحكام التي ذكرها في سورة النساء من قسمة المواريث وإعطاء أهل الفروض فروضهم، وما بقي فللعصبات ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ أي: عالم بكل شيء، لا تخفى عليه خافية، فيقضي بين عباده بما شاء من أحكامه، فهو سبحانه إنَّما شرع لكم هذه الأحكام في الولاية العامة والخاصة، والعهود والمواثيق، وصلة الأرحام، وأحكام القتال والغنائم، وسنن التشريع والأحكام عن علم واسع محيط بكل شيء من مصالحكم الدينية والدنيوية، ونحو الآية قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾. زادنا الله تعالى علمًا بفقه كتابه، ووفَّقنا للعمل بأحكامه وآدابه، وجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه هو السميع القريب المجيب.

стр. 4774

أهم ما تشتمل عليه سورة الأنفال من الأحكام وجملة ما تشتمل عليه سورة الأنفال من الموضوعات سبعة عشر: ١ - تعليل أفعاله وأحكامه بمصالح الخلق، كقوله: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾. ٢ - كفاية الله تعالى رسوله مكر مشركي قريش من مكة حين ائتمارهم على حبسه طيلة حياته أو نفيه في بلده، أو قتله، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾. ٣ - امتناع تعذيب المشركين ما دام الرسول فيهم، كما قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. ٤ - استغاثة الرسول ربَّه، وإمداده بالملائكة، كما قال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾. ٥ - كراهة مجادلة الرسول فيما يأمر به، ويرغب فيه من أمور الدين ومصالح المسلمين بعد أن تبين لهم أنه الحق، كما قال: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾. أمَّا المجادلة والمراجعة في المصالح الحربية والسياسية قبل أن يتبين الحقُّ فيها .. فمحمودةٌ؛ إذ بها تتم المشاورة التي عمل بها النبي ﷺ في مواطن كثيرة. ٦ - أنَّ من شأن صادق الإيمان أن يتوكل على الله تعالى؛ أي: يكل إليه أموره وحده، فلا يتكل على مخلوق مربوب الخالق مثله، فكلُّ المخلوقات سواءٌ في الخضوع لسننه، ومن شأن المؤمن المتوكل أن يطلب كل شيء من سببه خضوعًا لسننه في نظام خلقه، فإذا جهل الأسباب أو عجز عنها. وكل أمره فيها إلى ربه داعيًا أن يعلمه ما جهل منها، وأن يسخِّر له ما عجز عنه من جمادٍ، أو حيوان، أو إنسان، كما قال: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ وبيَّن فائدة ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.

стр. 4775

٧ - أنَّ الظلم في الأمم يقتضي عقابها في الدنيا بالضعف والانحلال الذي قد يفضي إلى الزوال أو فقد الاستقلال، وإنَّ هذا العقاب يقع على الأمة بأسرها، لا على مقترفي الظلم وحدهم، كما قال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. ٨ - أنَّ الافتتان بالأموال والأولاد مدعاة لضروب من الفساد، فإنَّ حب المال والولد من الغرائز التي يعرض للناس فيها الإسراف إذا لم تهذب بهدي الدين وحسن التربية والتعليم، كما قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. ٩ - أن تقوى الله في الأعمال العامة والخاصة تكسب صاحبها ملكة يفرق بها بين الحق والباطل، والخير والشر، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. ١٠ - أن تغير أحوال الأمم وتنقلها في الأطوار من نعم إلى نقم، أو بالعكس أثرٌ طبيعي لتغييرها ما بأنفسها من العقائد والأخلاق والآداب ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. ١١ - وجوب إعداد الأمة بكل ما تستطيع من قوة لقتال أعدائها، وذلك يشمل السلاح، وهو يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وقد كثرت أنواعه من بريٍّ وبحريٍّ وهوائيٍّ، ومرابطة الفرسان في ثغور البلاد؛ لإرهاب الأعداء وإخافتهم من عاقبة التعدي على الأمة ومصالحها، أو على أفرادها ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. ١٢ - تفضيل السلم على الحرب إذا جنح لها العدو؛ لأنَّ الحرب ضرورةٌ من ضرورات الاجتماع تقدر بقدرها ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. ١٣ - المحافظة على الوفاء بالعهد والميثاق في الحرب والسلم، وتحريم الخيانة سرًّا وجهرًا ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.

стр. 4776

١٤ - وجوب معاملة ناقض العهد بالشدة التي يكونون بها عبرةً ونكالًا لغيرهم تمنعهم من الجرأة والإقدام على العودة لمثل ذلك ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾. ١٥ - جعل الغاية من القتال الديني حرية الدين ومنع الفتنة فيه، حتى لا يرجع المشركون أحدًا عن دينه ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾. ١٦ - إتقاء التنازع والتفرق حال القتال؛ لأنَّه سبب الفشل وذهاب القوة ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ وقد جرت على ذلك الدول في العصر الحديث، فإنها تبطل تنازع الأحزاب زمن الحرب، وتكتفي بالشورى العسكرية التي شرعها الإِسلام، وعمل بها النبي ﷺ في غزوة بدر، وفرضت عليه في غزوة أحد ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. ١٧ - منع اتخاذ الأسرى ومفاداتهم بالمال في حال الضعف، وجواز ذلك حين الإثخان في الأرض بالقوة والعزة والسيادة، مع ترغيب الأسرى في الإيمان وإنذارهم أن يخونوا المسلمين بعد إطلاقهم بمنٍّ أو فداءٍ. موضوعات السور المكية والمدنية واعلم: أن أمهات المسائل التي ذكرت في السور المكية: هي أصول الإيمان من الاعتقاد بوحدانية الله، والتصديق بالوحي والرسالة والبعث والجزاء وقصص الرسل مع أقوامهم، ثم أصول التشريع العامة والآداب والفضائل الثابتة، وجاء في أثناء محاجة المشركين ودعوتهم إلى الإيمان بتلك الأصول، ودحض شبهاتهم، وإبطال ضلالاتهم، والنعي على خرافاتهم. وأمهات ما جاء في السور المدنية: قواعد التشريع التفصيلية ومحاجة أهل الكتاب، ببيان ما ضلوا فيه من هداية كتبهم ورسلهم، فكثر في سورة البقرة محاجة اليهود، وكثر في سورة آل عمران محاجة النصارى، وكثر في سورة المائدة محاجة الفريقين، وكثر في سورة النساء الأحكام المتعلقة بالمنافقين، وكثر

стр. 4777

في سورة التوبة فضائح المنافقين، والله أعلم بأسرار كتابه ومعاني كلامه. الإعراب ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾. ﴿مَا﴾ نافية. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص. ﴿لِنَبِيٍّ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لكان على اسمها ﴿أَنْ يَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بأن المصدرية ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور خبر مقدم ليكون على اسمها ﴿أَسْرَى﴾: اسم يكون مؤخر، والتقدير: ما كان لنبي أن يكون أسرى كائنًا له، وجملة يكون صلة أن المصدرية، أن مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم كان مؤخرًا عن خبرها، تقديره: ما كان كون أسرى لنبي كائنًا له؛ أي: لائقًا به، وجملة كان مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية بمعنى إلى. ﴿يُثْخِنَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى بمعنى إلى، وفاعله ضمير يعود على نبي ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحتى بمعنى إلى تقدير: إلى إثخانه في الأرض، الجار والمجرور متعلق بكان. ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه, والجملة الفعلية مستأنفة ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. وجملة ﴿يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية المذكورة قبلها. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾: مبتدأ وخبر أول. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة. ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾. ﴿لَوْلَا﴾ حرف امتناع لوجود ﴿كِتَابٌ﴾ مبتدأ، وسوَّغ الابتداء بالنكرة وصفه بما بعده، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور صفة أولى لكتاب. ﴿سَبَقَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على كتاب، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة ثانية لكتاب، وخبر المبتدأ محذوف وجوبًا: لقيام جواب لولا مقامه، تقديره: لولا كتابٌ من

стр. 4778

الله سبق موجود ﴿لَمَسَّكُمْ﴾، على حدِّ قول ابن مالك: وَبَعْدَ لَوْلاَ غَالِبًا حَذفُ الخَبَرْ ﴿اللام﴾ رابطة لجواب لولا، ﴿مسَّكم﴾ فعل ومفعول. ﴿فِيمَا﴾ ﴿في﴾ حرف جر وسبب ﴿ما﴾ موصولة، أو موصوفة في محل الجر بفي. ﴿أَخَذْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوفٌ، تقديره: فيما أخذتموه. الجار والمجرور متعلق بمسَّ. ﴿عَذَابٌ﴾: فاعل مسَّ. ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة لعذاب، وجملة ﴿مسَّ﴾ جواب ﴿لولا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة لولا مستأنفة. ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾. ﴿فَكُلُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف، تقديره: قد أبحت لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم ﴿كلوا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على ذلك المحذوف. ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿كُلُوا﴾ ﴿غَنِمْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لما، والعائد محذوف، تقديره: مما غنمتموه. ﴿حَلَالًا﴾: حال من ما الموصولة، أو من عائدها المحذوف، أو نعت لمصدر محذوف، تقديره: أكلًا حلالًا. ﴿طَيِّبًا﴾: صفة حلالًا، أو حال ثانية. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معترضة؛ لاعتراضها بين العلة ومعلولها. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾ اسمها ﴿غَفُورٌ﴾ خبر أول لها. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، وجملة إنَّ مستأنفة معلَّلة لقوله: ﴿فَكُلُوا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء ﴿أيُّ﴾ منادى نكرة مقصودة ﴿ها﴾ حرف تنبيه زائد. ﴿النَّبِيُّ﴾: صفة لأيُّ، وجملة النداء مستأنفة. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة الفعلية جواب النداء. ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قُلْ﴾. ﴿فِي أَيْدِيكُمْ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿من﴾ الموصولة ﴿مِنَ الْأَسْرَى﴾ حال مِنْ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، أو من الضمير المستكن في الظرف قبله.

стр. 4779

﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط ﴿يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل مجزوم بإن، على كونه فعل شرط لها ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَعْلَمِ﴾. ﴿خَيْرًا﴾: مفعول به؛ لأنَّ علم هنا بمعنى عرف ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾: فعل ومفعولان، مجزوم بإنْ، على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، وجملة إنْ الشرطية في محل النصب مقول قل ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾. ﴿أُخِذَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة ونائب فاعله ضمير يعود على ما ﴿مِنْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أُخِذَ﴾ وجملة ﴿أُخِذَ﴾ صلة لما، أو صفة لها. ﴿وَيَغْفِرْ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ على كونه جوابًا لإن الشرطية، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾: مبتدأ وخبر أول ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، أو صفة لـ ﴿غَفُورٌ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، مجزوم على كونه فعل شرط لها. ﴿فَقَدْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب وجوبًا؛ لاقترانه بقد. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿خَانُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، في محل الجزم على كونه جوابًا لها. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق به، وجملة إنْ الشرطية مستأنفة. ﴿فَأَمْكَنَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة. ﴿أمكن﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، ومفعوله محذوف، تقديره: فأمكنك ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجزم معطوفة على جملة الجواب. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: مبتدأ وخبر أول ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿الَّذِينَ﴾ اسمها ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة

стр. 4780

الموصول. ﴿وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾: معطوفان على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿جاهدوا﴾. ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾: معطوف على ﴿أموالهم﴾. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جاهدوا﴾ أيضًا. ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب، معطوف على الموصول الأول. ﴿آوَوْا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول. ﴿وَنَصَرُوا﴾: معطوف على ﴿آوَوْا﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ. ﴿بَعْضُهُمْ﴾ بدل من ﴿أُولَئِكَ﴾ بدل بعض من كل ﴿أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر: في محل الرفع خبر إنَّ، وجملة إنَّ مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ أول ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول ﴿وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾: معطوف عليه ﴿مَا﴾: نافية ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿مِنْ وَلَايَتِهِمْ﴾: جار ومجرور، حال ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لأنَّه صفة نكرة قُدِّمت عليها ﴿مِنْ﴾: زائدة ﴿شَيْءٍ﴾: مبتدأ ثان مؤخر، والتقدير: ما شيء كائن لكم حال كونه كائنًا من ولايتهم، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره: في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره: جملة كبرى في ضمنها جملة صغرى مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية بمعنى إلى. ﴿يُهَاجِرُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بحتى بمعنى إلى، تقديره: إلى مهاجرتهم، والجار والمجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلَّق به الخبر. ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ﴾: جازم وفعل وفاعل ومفعول، في محل الجزم بإن، على كونه فعل شرط لها ﴿فِي الدِّينِ﴾ متعلق به ﴿فَعَلَيْكُمُ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب، ﴿عليكم﴾ خبر مقدم ﴿النَّصْرُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الجزم بإن على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿عَلَى قَوْمٍ﴾: جار ومجرور، متعلق بالنصر ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، خبر مقدم. ﴿وَبَيْنَهُمْ﴾ معطوف عليه ﴿مِيثَاقٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية

стр. 4781

في محل الجر صفة ﴿قَوْمٍ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَصِيرٌ﴾، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: بما تعملونه ﴿بَصِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة للتهديد. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ أول. ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿بَعْضُهُمْ﴾ مبتدأ ثان ﴿أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، وجملة الثاني خبر للأول، وجملة الأول مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط جازم مبني بسكون على النُّون المدغمة في لام لا. ﴿لا﴾ نافية. ﴿تَفْعَلُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، مجزوم بإن على كونه فعل شرط لها. ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾: فعل وفاعل، مجزوم بإن على كونها جواب شرط لها، وكان هنا تامة بمعنى وقع وحصل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به ﴿وَفَسَادٌ﴾: معطوف على ﴿فِتْنَةٌ﴾. ﴿كَبِيرٌ﴾: صفة ﴿فساد﴾، وجملة إن الشرطية مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ أول. ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول. ﴿وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ معطوفان على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿جاهدوا﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول. ﴿آوَوْا﴾: صلة الموصول. ﴿وَنَصَرُوا﴾: معطوف على ﴿آوَوْا﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، وجملة الثاني خبر للأول، وجملة الأول مستأنفة. ﴿حَقًّا﴾: صفة لمصدر محذوف، تقديره: إيمانًا حقًّا. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿وَرِزْقٌ﴾: معطوف على ﴿مَغْفِرَةٌ﴾. ﴿كَرِيمٌ﴾ صفة لـ ﴿رزق﴾، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ثان للمبتدأ الثاني، والتقدير: أولئك هم المؤمنون حقًّا، أولئك لهم مغفرة ورزق كريم.

стр. 4782

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ أول. ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول. ﴿مِنْ بَعْدُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿آمَنُوا﴾ ﴿وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾ معطوفان على ﴿آمَنُوا﴾ ﴿مَعَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿وَجَاهَدُوا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الخبر بالمبتدأ جوازًا لشبهه بالشرط؛ لما فيه من العموم ﴿أولئك﴾ مبتدأ ثان. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور خبر للمبتدأ الثاني، وجملة الثاني في محل الرفع خبر للأول، وجملة الأول مستأنفة. ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾: مبتدأ أول ومضاف إليه مرفوع بالواو المحذوفة لالتقاء الساكنين؛ لأنَّه ملحق بجمع المذكر السالم. ﴿بَعْضُهُمْ﴾: مبتدأ ثان. ﴿أَوْلَى﴾: خبر للمبتدأ الثاني. ﴿بِبَعْضٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَوْلَى﴾. وجملة المبتدأ الثاني خبر للمبتدأ الأول، وجملة الأول مستأنفة، أو معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَوْلَى﴾، أو خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذا الحكم المذكور كائن في كتاب الله تعالى، وجملة المبتدأ المحذوف مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بعليم. ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر إنَّ، وجملة إنَّ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾: الأسرى: جمع أسير - كجرحى جمع جريح - مأخوذ من الأسر، وهو الشدُّ بالإسار؛ أي: القَدّ من الجلد، وكان مَنْ يؤخذ من العسكر في الحرب يشد؛ لئلا يهربَ، ثم صار يطلق على أخذ الحرب وإن لم يشد. ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾: والإثخان: قوته وشدته، يقال: قد أثخنه المرض إذا اشتدت قوته عليه، وكذلك أثخنته الجراح: مأخوذ من الثخانة، وهي الغلظة والصلابة، فاستعمل في لازم المعنى الأصلي، وهو القوة، فكل شيء غليظ .. فهو ثخين، وفي "المصباح": وأثخن في الأرض إثخانًا: سار إلى العدو وأوسعهم قتلًا، وأثخنته: أوهنته بالجراحة وأضعفته. اهـ.

стр. 4783

﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾: والعرض: ما يعرض ولا يدوم، سمي به حطام الدنيا؛ لأنَّه حدث قليل اللبث. ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ﴾: اختلف (١) المفسرون في هذا الكتاب الذي سبق، ما هو؟ على أقوال: الأول: ما سبق في علم الله من أنَّه لهذه الأمة الغنائم بعد أن كانت محرَّمة على سائر الأمم. والثاني: أنَّه مغفرة الله لأهل بدر ما تقدم من ذنوبهم وما تأخَّر، كما في الحديث الصحيح: "إن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، قد غفرت لكم". القول الثالث: هو أنَّه لا يعذبهم ورسول الله ﷺ فيهم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. القول الرابع: أنَّه لا يعذِّب أحدًا بذنب فعله جاهلًا؛ لكونه ذنبًا. القول الخامس: أنَّه ما قضاه الله من محو الصغائر باجتناب الكبائر. القول السادس: أنَّه لا يعذب أحدًا إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهي، ولم يتقدم نهي عن ذلك، وذهب ابن جرير الطبري إلى أنَّ هذه المعاني كلَّها داخلة تحت اللفظ، وأنَّه يعمها. ﴿لَمَسَّكُمْ﴾، أي: لأصابكم ولحلَّ بكم ﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾؛ أي: بسبب ما أخذتم من الفداء، أو لأجل ما أخذتم. ﴿فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾؛ أي: حسن إيمان، وصلاح نيةٍ وخلوص طوية ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾؛ أي: يعوضكم في هذه الدنيا رزقًا خيرًا منه، وأنفع لكم في الدنيا، أو ثوابًا في الآخرة. ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾؛ أي: مخادعتك، والخيانة: مصدر خان يخون، وأصل يائه الواو، فقلبت ياءً؛ لانكسار ما قبلها، ووقوع الألف بعدها.

стр. 4784

﴿وَالَّذِينَ آوَوْا﴾ أصله: أأووا - بهمزتين - أولاهما: همزة أفعل الرباعي، وثانيتهما: فاء الكلمة؛ لأنَّ ثلاثيه أوى بهمزة واحدة، يقال: أوى البيت، أو إلى البيت يأوي أويًا وإواءً نزل فيه، وآواه البيت يؤويه إيواءً: أنزله فيه. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: يقرأ بكسر الواو وفتحها، قيل (١): هما لغتان، وقيل: المكسور مصدرٌ؛ تشبيهًا بالعمل والصناعة، كالكتابة والإمارة اهـ. "بيضاوي". يعني: إنَّ فعالة - بالكسر في المصدر - إنما يكون في الصناعات، وما يزول الكتابة والإمارة والزراعة والحراثة والخياطة والولاية .. ليست من هذا القبيل إلا على التشبيه اهـ. زكريا، والمفتوح: معناه الموالاة في الدين، وهي النصرة اهـ. "سمين". البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من الفصاحة والبلاغة والبيان والبديع: فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ﴾؛ لأنَّ الثخانة حقيقة في الغلظة والصلابة، فاستعمل هنا في لازمه الذي هو القوة. ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ شبه منافع الدنيا ولذاتها بالعرض الذي هو من صفات الأجرام وأحوالها، بجامع عدم الثبات والدوام في كلٍّ، فاستعار لها لفظ عرض على طريقة الاستعارة التصريحية. ومنها: الطباق بين لفظ ﴿الدُّنْيَا﴾ ولفظ ﴿الْآخِرَةَ﴾. ومنها: الجناس المغاير بين ﴿خِيَانَتَكَ﴾ و ﴿خَانُوا﴾ في قوله: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾. ومنها: التكرار في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾.

стр. 4785

ومنها: الجناس المماثل في: ﴿هاجروا﴾ ﴿وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾، والمغاير في قوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾. ومنها: المقابلة بين قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 4786

سورة التوبة سورة التوبة (١) مدنيةٌ بإجماع المفسرين، قال ابن الجوزي: سوى آيتين في آخرها ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة، فإنَّهما نزلتا بمكة، وهي مئة وتسع وعشرون آية، وقيل: مئة وثلاثون آية، وأربعة آلاف وثمان وسبعون كلمةً، وعشرة آلافٍ وأربع مئة وثمان وثمانون حرفًا. التسمية: ولهذه السورة أسماء عشرة (٢): منها: سورة التوبة؛ لأنَّ فيها التوبة على المؤمنين. ومنها: سورة براءة؛ لأنَّ فيها ذكر براءة الله ورسوله ﷺ من المشركين، وهذان الاسمان مشهوران. ومنها: المقشقشة، قاله ابن عمر؛ لأنَّها تقشقش من النفاق؛ أي تبرىء منه. ومنها: المبعثرة؛ لأنَّها تبعثر عن أخبار المنافقين، وتبحث عنها وتثيرها. ومنها: الفاضحة، قاله ابن عباس؛ لأنَّها فضحت المنافقين. ومنها: سورة العذاب، قاله حذيفة. ومنها: المخزية؛ لأنَّ فيها خزي المنافقين. ومنها: المدمدمة؛ لأنَّ فيها هلاك المنافقين. ومنها: المشردة؛ لأنها شردت جموع المنافقين وفرقتهم. ومنها: المثيرة؛ لأنَّها أثارت مخازي المنافقين، وكشفت عن أحوالهم،

стр. 4787

وهتكت أستارهم. وعن سعيد بن جبير قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: بل هي الفاضحة، ما زالت تقول: ومنهم ومنهم، حتى ظنوا أن لا يبقى أحد إلا ذكر فيها. قال: قلت: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر. قال: قلت: سورة الحشر؟ قال: بل سورة النضير. أخرجاه في "الصحيحين". فصلٌ في بيان سبب ترك كتابة البسملة في أول هذه السورة وقد اختلف العلماء في سقوط البسملة من أولها على أقوال (١): عن المبرد وغيره أنَّه كان من شأن العرب إذا كان بينهم وبين قوم عهدٌ فأرادوا نقضه .. كتبوا إليهم كتابًا، ولم يكتبوا فيه بسملةً، فلمَّا نزلت براءة بنقض العهد الذي كان بين النبي ﷺ والمشركين .. بعث بها النبيُّ ﷺ عليَّ بن أبي طالب، فقرأها عليهم، ولم يبسمل في ذلك على ما جرت به عادة العرب. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: سألت عليَّ بن أبي طالب: لِمَ لا تكتب في براءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾؟ قال: لأنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ أمان، وبراءة نزلت بالسيف. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ ووضعتموها في السبع الطِّوال، ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء .. دعا بعض من كان يكتب، فيقول: "ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا"، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر

стр. 4788

القرآن نزولًا، وكانت قصتها شبيهةً بقصتها، فظننت أنها منها، وقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنَّها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما, ولم أكتب بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ ووضعتها في السبع الطوال. وأخرج أبو الشيخ عن أبي رجاء قال: سألت الحسن عن الأنفال وبراءة، أسورتان أم سورة؟ قال: سورتان. وقال محمَّد بن الحنفية (١)، قلت لأبي - يعني عليَّ بن أبي طالب -: لِمَ لَمْ تكتبوا في براءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾؟ قال: يا بنيَّ إنَّ براءة نزلت بالسيف، وإن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أمانٌ. وسئل سفيان بن عيينة عن هذا، فقال: لأنَّ للتسمية رجَّةً، والرجة أمان، وهذه السورة نزلت في المنافقين. وسئل أبي بن كعب عن هذا، فقال: إنَّها نزلت في آخر القرآن، وكان رسول الله ﷺ يأمر في كل سورة بكتابة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾، ولم يأمر في براءة بذلك، فضمت إلى الأنفال؛ لشبهها بها. وقيل: إن الصحابة اختلفوا في سورة الأنفال وسورة براءة، هل هما سورة واحدةٌ أم سورتان؟ فقال بعضهم: سورة واحدة؛ لأنَّهما نزلتا في القتال، ومجموعهما معًا مئتان وخمس آيات، فكانت هي السورة السابعة من السبع الطوال. وقال بعضهم: هما سورتان. فلمَّا حصل هذا الاختلاف بين الصحابة .. تركوا بينهما فرجةً؛ تنبيهًا على قول من يقول إنهما سورتان، ولم يكتبوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾؛ تنبيهًا على قول من يقول هما سورة واحدة، وقد نزل معظمها بعد غزوة تبوك، وهي آخر غزواته ﷺ ، وقد كان الاستعداد لها وقت القيظ - أي: شدة الحر - زمن العسرة، وفي أثنائها ظهر من علامات نفاق المؤمنين ما كان خفيًّا. قيل: وأولها نزل سنة تسع بعد فتح مكة، فأرسل النبيُّ ﷺ عليًّا ليقرأها على المشركين في الموسم.

стр. 4789

روى البخاري عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ وآخر سورة نزلت براءة. ثم اختلف (١) العلماء في ابتداء هذه السورة بها، فقال ابن حجر من الشافعية: بالحرمة. وقال الرملي: بالكراهة. وفي الأثناء: يكره عند الأول ويجوز عند الثاني، ومذهب مالك كذلك. وقد أشار إلى ذلك صاحب "الشاطبية" بقوله: وَمَهْمَا تَصِلْهَا أَوْ بَدَأَتَ بَرَاءَةً ... لَتَنْزِيْلِهَا بِالسِّيْفِ لَسْتَ مُبَسْمِلاَ وَلاَ بُدَّ مِنْهِا فِيْ ابتِدَائِكَ سُوْرَةً ... سِوَاْهَا وَفِيْ الأَجْزَاءِ خُيِّرَ مَنْ تَلاَ ومما ورد في فضلها: ما أخرجه أبو عبيد وسعيد بن منصور وأبو الشيخ والبيهقي في "الشعب" عن أبي عطية الهمداني قال: كتب عمر بن الخطاب: تعلَّموا سورة براءة، وعلِّموا نسائكم سورة النور. ومنه ما رُوي: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما نزل عليَّ القرآن إلا آية آيةً، إلا سورة براءة وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، فإنَّهما نزلتا ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة". الناسخ والمنسوخ فيها: قال الشيخ أبو عبد الله محمَّد بن حزم رحمه الله تعالى: سورة التوبة مدنية، وهي من أواخر ما نزل من القرآن، فيها سبع آيات منسوخات: أولاهنَّ: قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ الآية (١ - ٣) التوبة، نسخت بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٥) التوبة. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية (٣٤) التوبة، نسخت بالزكاة الواجبة. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ الآية (٣٩)، نسخت بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (١٢٢).

стр. 4790

الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية (٤٣)، نسخت بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ (٦٢) النور. الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية (٨٠)، نسخت بقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية (٦) المنافقون. الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ الآية (٩٧). هذه الآية والتي تليها منسوختان بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية. والله أعلم * * *

стр. 4791

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾. المناسبة مناسبة هذه السورة لما قبلها (١): أنَّ سورة براءة كالمتممة لسورة الأنفال في معظم ما في أصول الدين وفروعه، وفي التشريع الذي جله في أحكام القتال والاستعداد له وأسباب النصر فيه، وأحكام المعاهدات والمواثيق من حفظها ونبذها عند وجود المقتضي لذلك، وأحكام الولاية في الحرب وغيرها بين

стр. 4792

المؤمنين بعضهم مع بعض، والكافرين بعضهم مع بعض، وأحوال المؤمنين الصادقين، والكفار والمذبذبين من المنافقين ومرضى القلوب، فما بدىء به في الأنفال .. تيمم به في براءة، وهاك أمثلةً لذلك: ١ - تفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب. ٢ - ذكر في الأنفال صدَّ المشركين عن المسجد الحرام، وأنَّهم ليسوا بأوليائه، وجاء في براءة: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ ...﴾ إلى آخر الآيات. ٣ - ذكرت العهود في سورة الأنفال، وافتتحت سورة التوبة بتفصيل الكلام فيها. ٤ - ذكر في سورة الأنفال الترغيب في إنفاق المال في سبيل الله، وجاء ذلك بأبلغ وجه في براءة. ٥ - جاء في سورة الأنفال ذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وفصل ذلك في براءة أتم تفصيل. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أنَّ الله لما ذكر الأذان العام بالبراءة من عهود المشركين وسائر خرافاتهم وضلالاتهم على الوجه الذي سبق تفصيله .. أردف ذلك بذكر ما يجب أن يفعله المسلمون معهم حين انقضاء الأجل المضروب لهم، والأمان الذي أعطي لهم للضرب في الأرض. قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنَّ الله لمَّا ذكر براءة الله ورسوله من المشركين وإمهالهم أربعة أشهر يسيحون في الأرض أحرارًا، ثم ذكر

стр. 4793

دعوتهم إلى التوبة من الشرك وإنذارهم سوء العاقبة، ثم أمر بما يترتب على النبذ - وهو عود حال الحرب معهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم التي وقتت بها - بمناجزة المشركين بكل أنواع القتال المعروفة في ذلك العصر، من قتل وأسر وحصر وقطع طرق الوصول عليهم إلا من يستجير بالرسول يسمع كلام الله، فإنه يجار حتى يسمعه .. أردف ذلك ببيان أنَّ هذا النبذ وما يترتب عليه إنَّما هو معاملة للأعداء بمثل ما عاملوا به المؤمنين، أو دونه. قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنَّ الله لمَّا ذكر (١) غلبة الفسق والخروج من الفضائل الفطرية والتقليدية على أكثرهم، حتى مراعاة القرابة والوفاء، ونحوهما مما يمدح عندهم .. أردف ذلك بذكر السبب في هاتين الآيتين. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنَّ الله لمَّا بين عداوة المشركين للمؤمنين .. أردف ذلك بما سيكون من أمرهم بعد ذلك، وهو لا يعدو أحد أمرين، فصلهما في هاتين الآيتين. التفسير وأوجه القراءة ١ - وقوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: خبرٌ لمبتدأ محذوف، تقديره: هذه (٢) الآيات الآتية التي أُمر عليُّ بن أبي طالب بالنداء بها يوم النحر - وهي أربعون آية تنتهي إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ - براءة من جهة الله ورسوله، واصلة ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: هذه الآيات دالة على البراءة، أي: على التبري والتباعد من الله ورسوله، أي: على انقطاع الوصلة بينهما وبين المشركين، و ﴿من﴾ ابتدائية، وقرىء شاذًا: ﴿من الله﴾ - بكسر النون - على أصل التقاء الساكنين، ذكره أبو البقاء. أي: تبرّؤ وتباعدٌ مبتدأ من الله ورسوله من عهود المشركين الناقضين للعهد؛ فإنَّ الله قد أذن في معاهدة المشركين،

стр. 4794

فاتفق المسلمون مع رسول الله ﷺ وعاهدهم، ثم إن المشركين نقضوا العهد، فأوجب الله تعالى النبذ إليهم، فخوطب المسلمون بما يحذرهم من ذلك، وقيل لهم: اعلموا أنَّ الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم من المشركين، ونسب (١) البراءة إليهما من قبل أنَّه تشريع جديد شرعه الله تعالى، وأمر رسوله ﷺ بتنفيذه، ونسب معاهدة المشركين إلى جماعة المؤمنين - وإن كان الرسول هو الذي عقد العهد -؛ لأنه عقده بوصف كونه الإِمام والقائد لهم، وهو عقد ينفذ بمراعاتهم له وعملهم بموجبه، فجمهور المؤمنين هم الذين ينفذون أحكام المعاهدات، وللقادة من أهل الحل والعقد الاجتهاد فيما لا نصَّ فيه منها ومن أحكام الحرب والصلح. وقرأ عيسى بن عمر: ﴿براءةً﴾ بالنصب، قال ابن عطية: أي: الزموا، وفيه معنى الإغراء. وقال الزمخشري: اسمعوا براءةً، قال البغوي: لمَّا خرج رسول الله ﷺ (٢) إلى تبوك .. كان المنافقون يرجفون الأراجيف، وجعل المشركون ينقضون عهودًا كانت بينهم وبين رسول الله ﷺ ، فأمره الله بنقض عهودهم، وذلك قوله : ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ اهـ. وقال الحافظ ابن كثير (٣): اختلف المفسرون في هذه الآية اختلافًا كثيرًا، فقال قائلون: هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة، ومن له عهد دون أربعة أشهر فيكمَّل له أربعة أشهر، فأما من كان له عهدٌ مؤقت .. فأجله إلى مدته مهما كانت؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ ولما سيأتي في الحديث "ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ .. فعهد إلى مدته" وهذا أحسن الأقوال وأقواها، واختاره ابن جرير ﵀ اهـ. رُوي (٤): أنَّ رسول الله ﷺ أراد أن يحجَّ سنة تسع، فقيل له: إن المشركين يحضرون الحج ويطوفون بالبيت عراة، فقال: "لا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك"، فبعث أبا بكر تلك السنة أميرًا على الموسم، ليقيم للناس الحج، وبعث

стр. 4795

معه أربعين آية من صدر براءة، ليقرأها على أهل الموسم، ثم بعث بعده عليًّا على ناقته العضباء، ليقرأ على الناس صدر براءة، وأمره أن يؤذِّن بمكة ومنى وعرفة: أن قد برئت ذمة الله وذمة رسوله ﷺ من كل شرك، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، فسار أبو بكر أميرًا على الحجاج، وعليٌّ بن أبي طالب يؤذِّن ببراءة، فلمَّا كان قبل يوم التروية بيوم .. قام أبو بكر ﵁ فخطب الناس، وحدثهم عن مناسكهم، وأقام للناس الحجَّ، والعرب في تلك السنة على معاهداتهم التي كانوا عليها في الجاهلية من أمر الحج، حتى إذا كان يوم النحر .. قام عليُّ بن أبي طالب ﵁، فأذَّن في الناس بالذي أمر به، وقرأ عليهم أول سورة براءة، وقال عليٌّ: بعثت بأربع: لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي ﷺ عهد .. فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد .. فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا في الحج، فقال المشركون لعليٍّ عند ذلك: أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا، وإنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح، وضرب بالسيوف. ثم حج رسول الله ﷺ سنة عشر حجة الوداع، وقال: "إن الزمان قد استدار ... " الحديث. ٢ - وقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ مقول لقول محذوف، هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين مبين لما يجب عليهم أن يقولوه للمشركين الذين برىء الله ورسوله من عهودهم؛ أي: فقولوا أيها المسلمون للمشركين: سيحوا في الأرض؛ أي: سيروا في نواحي الأرض كيف شئتم، مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين، لا يتعرض لكم أحد من المسلمين بقتل ولا قتال مدة أربعة أشهر، تبتدىء من عاشر ذي الحجة من سنة تسع للهجرة - وهو يوم النحر الذي بلِّغوا فيه هذه الدعوة - وتنتهي في عاشر شهر ربيع الآخر من سنة عشر. قال الكلبي: إنّما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد دون أربعة أشهر، ومن كان عهده أكثر من ذلك .. فهو الذي أمر الله أن يتم له عهده بقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾.

стр. 4796

والحكمة في تحديد هذه المدة (١): ليكون لهم فسحة من الوقت للنظر والتفكير في عاقبة أمرهم، والتخير بين الإِسلام والاستعداد للقتال إذا هم أصروا على شركهم وعدوانهم، وهذا منتهى ما يكون من السماحة والرحمة والإعذار إلى أعدى أعدائه المحاربين، حتى لا يقال: إنه أخذهم على غرة. ﴿وَاعْلَمُوا﴾ أيها المشركون ﴿أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾؛ أي: غير فائتي عذاب الله تعالى، وأن هذا الإمهال ليس لعجز عنكم، بل للطف بكم؛ ليتوب من تاب منكم؛ أي: اعلموا أني أمهلتكم وأطلقت لكم، فافعلوا كل ما أمكنم فعله من إعداد الآلات وتحصيل الأسباب، فإنكم لا تعجزون الله، بل الله يعجزكم ويأخذكم؛ لأنكم في ملكه ﴿و﴾ اعلموا أيضًا ﴿أن الله﴾ ﴿مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: مذلهم في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالعذاب. والمعنى (٢): واعلموا أنَّكم لن تعجزوا الله تعالى، ولن تفوتوه فتجدوا مهربًا منه إذا أنتم أصررتم على شرككم وعدوانكم لله ورسوله، بل سيسلط عليكم المؤمنين ويؤيِّدهم بنصره الذي وعدهم به، والعاقبة للمتقين، فقد جرت سنة الله بخزي الكافرين منكم ومن غيركم في معاداتهم وقتالهم لرسله في الدنيا والآخرة، كما جاء في مشركي مكة ومن نحا نحوَهم: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾. ٣ - وقوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ خبر لمحذوف، تقديره: أي وهذه الآيات الآتي ذكرها أذان وإعلام صادر من الله ورسوله ﷺ واصل ﴿إِلَى النَّاسِ﴾ كافة، غير مختص بقوم دون قوم، واقع ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ وهو يوم العيد؛ لأنَّ فيه تمام معظم أفعال الحج من الطواف والنحر والحلق والرمي، وعن (٣) علي بن أبي طالب قال: سألت رسول الله ﷺ عن يوم الحج الأكبر،

стр. 4797

فقال: "يوم النحر" أخرجه الترمذي، قال: ويروى موقوفًا عليه، وهو أصح. وعن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها، فقال: "أيُّ يوم هذا؟ " فقالوا: يوم النحر، فقال: "هذا يوم الحج الأكبر" أخرجه أبو داود. وقيل: هو يوم عرفة؛ لأنَّ الوقوف بعرفه معظم أفعال الحج، ويروى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن المسيب. ووصف الحج بالأكبر؛ احترازًا عن العمرة، فهي الحج الأصغر, لأنَّ أعمالها أقلُّ من أعمال الحج؛ إذ يزيد عليها بأمور، كالرمي والمبيت، فكان أكبر بهذا الاعتبار. وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ على حذف الجار، والتقدير: أي: هذه الآيات أذان وإعلام صادر من الله ورسوله إلى الناس كافة بأن الله بريء من موالاة المشركين الناقضين للعهد، ورسوله بريءٌ منهم أيضًا. فإن قلت (١): لا فرق بين قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾ وبين قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ فما فائدة هذا التكرار؟ قلت: المقصود من الآية الأولى: البراءة من العهد، ومن الآية الثانية: البراءة التي هي نقيض الموالاة الجارية مجرى الزجر والوعيد، والذي يدل على صحة هذا الفرق: أنَّه قال في أولها ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى﴾ يعني بريءٌ إليهم، وفي الثانية: بريء منهم. والمعنى: وهذا الآتي من الآيات إعلامٌ (٢) من الله ورسوله ﷺ بالبراءة من عهود المشركين وموالاتهم وسائر خرافات شركهم وضلالهم في وقت يسهل فيه ذلك التبليغ والإعلام، وهو يوم الحج الأكبر الذي هو يوم النحر الذي تنتهي فيه فرائض الحج، ويجتمع فيه الحجاج لإتمام مناسكهم في مِنى.

стр. 4798

وقرأ الضحاك وعكرمة وأبو المتوكل (١): ﴿واذْن﴾ بكسر الهمزة وسكون الذال. وقرأ الحسن والأعرج: ﴿إن الله﴾ بكسر الهمزة والفتح على تقدير: بأن والكسر على إضمار القول على مذهب البصريين، أو لأن الأذان في معنى القول، فكسرت على مذهب الكوفيين، وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وزيد بن علي وأبو رزين وأبو مجلز وأبو رجاء ومجاهد وابن يعمر: ﴿ورسولَه﴾ بالنصب عطفًا على لفظ اسم إنَّ، وأجاز الزمخشري أن ينصب على أنه مفعول معه، وقرىء بالجر شاذًّا، ورويت عن الحسن، وخرجوا على العطف على الجوار، كما أنهم نعتوا وأكدوا على الجوار، وقيل: هي واو القسم، وهذا تخريج ضعيف جدًّا، إذ لا معنى للقسم برسول الله ﷺ هنا مع ما ثبت من النهي عن الحلف بغير الله، وروي أن أعرابيًّا سمع من يقرأ بالجر، فقال: إن كان الله بريئًا من رسوله .. فأنا برىءٌ منه: فلبَّبه القارئ إلى عمر، فحكى الأعرابيُّ قراءته، فعندها أمر عمر بتعليم العربية، وأما قراءة الجمهور بالرفع، فعلى الابتداء. والخبر محذوف؛ أي: ورسوله بريء منهم، وحذف لدلالة ما قبله عليه، كما سيأتي في مبحث الإعراب إن شاء الله تعالى. ثم أكد ما يجب أن يبلَّغوه بلا تأخير بقوله: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أيها المشركون من الشرك .. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: فالتوب خير لكم في الدارين لا شر؛ أي: قولوا لهم أيها المبلِّغون، فإن تبتم ورجعتم عن شرككم وعن خيانتكم وغدركم، بنقض العهد وقبلتم هدى الإِسلام .. فذلك المتاب خير لكم في الدنيا والآخرة؛ لأنَّ في هدايته سعادتكم فيهما ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾، أي: أعرضتم عن المتاب من الشرك ﴿فَاعْلَمُوا﴾ أيها المشركون ﴿أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾، أي: غير فائتين من عذاب الله، فإن الله قادرٌ على إنزال أشد العذاب بكم، والمعنى: وإن أعرضتم عن إجابة الدعوة إلى التوبة .. فاعلموا أنكم غير سابقيه سبحانه، ولا فائتيه، فلن تفلتوا من حكم سننه، ووعده لرسله وللمؤمنين بالنصر والغلب كما قال: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وَبَشِّرِ﴾ أيها الرسول الكريم ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجحدوا رسالتك ولم

стр. 4799

يؤمنوا بالله وملائكته واليوم الآخر ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ في الآخرة وهذا من أنباء الغيب التي لا تعلم إلا بوحي من الله ، وفي استعمال البشارة فيما يسوء ويكره، ضرب من التهكم بهم، وفيه من الوعيد ما لا يخفى، فالبشارة على سبيل الاستهزاء، كما يقال إكرامهم الشتم وتحيتهم الضرب، أو المعنى أخبرهم بالقتل بعد أربعة أشهر، ٤ - وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قال الزجاج (١): إنه استثناء من قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الخ والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى المعاهدين من المشركين إلا الذين لم ينقضوا العهد منهم، وقال في "الكشاف": إنه مستثنى من قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ والتقدير: فقولوا لهم: سيحوا في الأرض إلا الذين عاهدتم من المشركين ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ من شروط الميثاق ولم يضروكم؛ أي: لم يقع منهم أيُّ نقص وإن كان يسيرًا. وفيه دليلٌ على أنه كان من أهل العهد من خان بعهده، ومنهم من ثبت عليه فأذن الله سبحانه لنبيه ﷺ ، بنقض عهد من نقض وبالوفاء لمن لم ينقض إلى مدته ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا﴾؛ أي: ولم يعاونوا ﴿عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ من أعدائكم، وقرأ عطاء بن السائب الكوفي وعكرمة وأبو زيد وابن السميقع ﴿ينقضوكم﴾ بالضاد المعجمة، وهو على حذف مضاف؛ أي: ثم لم ينقضوا عهدكم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، لدلالة الكلام عليه. ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾؛ أي: إلى وقت أجلهم تسعة أشهر، كما سيأتي قريبًا، والمعنى (٢): لا تمهلوا الناكثين للعهد فوق أربعة أشهر، إلا الذين عاهدتموهم ثم لم ينكثوا عهدهم فلا تجروهم مجرى الناكثين في المسارعة إلى قتالهم، بل أتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، بشرط أن لا ينقضوا شيئًا من شروط الميثاق، ولا يضاروكم ولا يعاونوا عليكم أحدا من أعدائكم؛ أي: فلا تجعلوا الوافين كالغادرين، وهم بنو ضمرة حيٌّ من كنانة، أمر الله رسوله ﷺ ، بإتمام عهدهم إلى مدتهم، وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر، فإنهم ما غدروا من

стр. 4800

هذين الوجهين. وفي ذلك (١) إيماءٌ إلى أن الوفاء بالعهد من فرائض الإِسلام ما دام العهد معقودًا، وإلى أنَّ العهد المؤقت لا يجوز نقضه إلا بانتهاء وقته، وإلى أنَّ من شروط وجوب الوفاء به محافظة العدوِّ المعاهد لنا على ذلك العهد بحذافيره، بنصه وفحواه، فإن نقص شيئًا منه وأخل بغرض من أغراضه .. عد ناقضًا له، كما قال: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ ويدخل في الإخلال مظاهرة أحد من الأعداء على المسلمين؛ لأن المقصود من المعاهدات ترك قتال كل من الفريقين المتعاهدين للآخر، وحرية التعامل بينهما. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: الذين يتقون نقض العهد، وخفر الذمم وسائر المفاسد التي تخل بالنظام، وتمنع جريان العدل بين الناس. وفي ذلك إيماء إلى أنَّ مراعاة حقوق العهد تدخل في حدود التقوى، وإلى أن التسوية بين الوفيِّ والغادر منافية لذلك، وإن كان المعاهد مشركًا. وقد ورد في تنفيذ أمر الله بهذه البراءة والأذان بها؛ أي: التبليغ العلني، أحاديث في الصِّحاح، أشهرها: أنَّ النبي ﷺ جعل أبا بكر ﵁ أميرًا على الحج سنة تسع، وأمره أن يبلغ المشركين الذين يحضرون الحجَّ أنهم يمنعون منه بعهد ذلك العام، ثم أردفه بعليِّ كرم الله وجهه ليبلغهم عنه نبذ عهودهم المطلقة وإعطاءهم مهلة أربعة أشهر، لينظروا في أمرهم، وأن العهود المؤقتة أجلها نهاية وقتها، ويتلو عليهم الآيات المتضمنة لنبذ العهود وما يتعلق بها، من أول سورة براءة وهي نحو أربعين آية. وقد كان من عادة العرب أنَّ العهود ونبذها إنما يكون ممن عاقدها أو من أحد عصبته القريبة، وإنَّ عليًّا اختصَّ بذلك مع بقاء إمارة الحج لأبي بكر، وكان يساعده على ذلك بعض الصحابة كأبي هريرة.
следующие страницы →