والحكمة في تحديد هذه المدة (١): ليكون لهم فسحة من الوقت للنظر والتفكير في عاقبة أمرهم، والتخير بين الإِسلام والاستعداد للقتال إذا هم أصروا على شركهم وعدوانهم، وهذا منتهى ما يكون من السماحة والرحمة والإعذار إلى أعدى أعدائه المحاربين، حتى لا يقال: إنه أخذهم على غرة.
﴿وَاعْلَمُوا﴾ أيها المشركون ﴿أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾؛ أي: غير فائتي عذاب الله تعالى، وأن هذا الإمهال ليس لعجز عنكم، بل للطف بكم؛ ليتوب من تاب منكم؛ أي: اعلموا أني أمهلتكم وأطلقت لكم، فافعلوا كل ما أمكنم فعله من إعداد الآلات وتحصيل الأسباب، فإنكم لا تعجزون الله، بل الله يعجزكم ويأخذكم؛ لأنكم في ملكه ﴿و﴾ اعلموا أيضًا ﴿أن الله﴾ ﴿مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: مذلهم في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالعذاب.
والمعنى (٢): واعلموا أنَّكم لن تعجزوا الله تعالى، ولن تفوتوه فتجدوا مهربًا منه إذا أنتم أصررتم على شرككم وعدوانكم لله ورسوله، بل سيسلط عليكم المؤمنين ويؤيِّدهم بنصره الذي وعدهم به، والعاقبة للمتقين، فقد جرت سنة الله بخزي الكافرين منكم ومن غيركم في معاداتهم وقتالهم لرسله في الدنيا والآخرة، كما جاء في مشركي مكة ومن نحا نحوَهم: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾.
٣ - وقوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ خبر لمحذوف، تقديره: أي وهذه الآيات الآتي ذكرها أذان وإعلام صادر من الله ورسوله ﷺ واصل ﴿إِلَى النَّاسِ﴾ كافة، غير مختص بقوم دون قوم، واقع ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ وهو يوم العيد؛ لأنَّ فيه تمام معظم أفعال الحج من الطواف والنحر والحلق والرمي، وعن (٣) علي بن أبي طالب قال: سألت رسول الله ﷺ عن يوم الحج الأكبر،
стр. 4797
فقال: "يوم النحر" أخرجه الترمذي، قال: ويروى موقوفًا عليه، وهو أصح. وعن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها، فقال: "أيُّ يوم هذا؟ " فقالوا: يوم النحر، فقال: "هذا يوم الحج الأكبر" أخرجه أبو داود. وقيل: هو يوم عرفة؛ لأنَّ الوقوف بعرفه معظم أفعال الحج، ويروى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن المسيب.
ووصف الحج بالأكبر؛ احترازًا عن العمرة، فهي الحج الأصغر, لأنَّ أعمالها أقلُّ من أعمال الحج؛ إذ يزيد عليها بأمور، كالرمي والمبيت، فكان أكبر بهذا الاعتبار.
وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ على حذف الجار، والتقدير: أي: هذه الآيات أذان وإعلام صادر من الله ورسوله إلى الناس كافة بأن الله بريء من موالاة المشركين الناقضين للعهد، ورسوله بريءٌ منهم أيضًا.
فإن قلت (١): لا فرق بين قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾ وبين قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ فما فائدة هذا التكرار؟
قلت: المقصود من الآية الأولى: البراءة من العهد، ومن الآية الثانية: البراءة التي هي نقيض الموالاة الجارية مجرى الزجر والوعيد، والذي يدل على صحة هذا الفرق: أنَّه قال في أولها ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى﴾ يعني بريءٌ إليهم، وفي الثانية: بريء منهم.
والمعنى: وهذا الآتي من الآيات إعلامٌ (٢) من الله ورسوله ﷺ بالبراءة من عهود المشركين وموالاتهم وسائر خرافات شركهم وضلالهم في وقت يسهل فيه ذلك التبليغ والإعلام، وهو يوم الحج الأكبر الذي هو يوم النحر الذي تنتهي فيه فرائض الحج، ويجتمع فيه الحجاج لإتمام مناسكهم في مِنى.
стр. 4798
وقرأ الضحاك وعكرمة وأبو المتوكل (١): ﴿واذْن﴾ بكسر الهمزة وسكون الذال. وقرأ الحسن والأعرج: ﴿إن الله﴾ بكسر الهمزة والفتح على تقدير: بأن والكسر على إضمار القول على مذهب البصريين، أو لأن الأذان في معنى القول، فكسرت على مذهب الكوفيين، وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وزيد بن علي وأبو رزين وأبو مجلز وأبو رجاء ومجاهد وابن يعمر: ﴿ورسولَه﴾ بالنصب عطفًا على لفظ اسم إنَّ، وأجاز الزمخشري أن ينصب على أنه مفعول معه، وقرىء بالجر شاذًّا، ورويت عن الحسن، وخرجوا على العطف على الجوار، كما أنهم نعتوا وأكدوا على الجوار، وقيل: هي واو القسم، وهذا تخريج ضعيف جدًّا، إذ لا معنى للقسم برسول الله ﷺ هنا مع ما ثبت من النهي عن الحلف بغير الله، وروي أن أعرابيًّا سمع من يقرأ بالجر، فقال: إن كان الله بريئًا من رسوله .. فأنا برىءٌ منه: فلبَّبه القارئ إلى عمر، فحكى الأعرابيُّ قراءته، فعندها أمر عمر بتعليم العربية، وأما قراءة الجمهور بالرفع، فعلى الابتداء. والخبر محذوف؛ أي: ورسوله بريء منهم، وحذف لدلالة ما قبله عليه، كما سيأتي في مبحث الإعراب إن شاء الله تعالى.
ثم أكد ما يجب أن يبلَّغوه بلا تأخير بقوله: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أيها المشركون من الشرك .. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: فالتوب خير لكم في الدارين لا شر؛ أي: قولوا لهم أيها المبلِّغون، فإن تبتم ورجعتم عن شرككم وعن خيانتكم وغدركم، بنقض العهد وقبلتم هدى الإِسلام .. فذلك المتاب خير لكم في الدنيا والآخرة؛ لأنَّ في هدايته سعادتكم فيهما ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾، أي: أعرضتم عن المتاب من الشرك ﴿فَاعْلَمُوا﴾ أيها المشركون ﴿أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾، أي: غير فائتين من عذاب الله، فإن الله قادرٌ على إنزال أشد العذاب بكم، والمعنى: وإن أعرضتم عن إجابة الدعوة إلى التوبة .. فاعلموا أنكم غير سابقيه سبحانه، ولا فائتيه، فلن تفلتوا من حكم سننه، ووعده لرسله وللمؤمنين بالنصر والغلب كما قال: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وَبَشِّرِ﴾ أيها الرسول الكريم ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجحدوا رسالتك ولم
стр. 4799
يؤمنوا بالله وملائكته واليوم الآخر ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ في الآخرة وهذا من أنباء الغيب التي لا تعلم إلا بوحي من الله ، وفي استعمال البشارة فيما يسوء ويكره، ضرب من التهكم بهم، وفيه من الوعيد ما لا يخفى، فالبشارة على سبيل الاستهزاء، كما يقال إكرامهم الشتم وتحيتهم الضرب، أو المعنى أخبرهم بالقتل بعد أربعة أشهر،
٤ - وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قال الزجاج (١): إنه استثناء من قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الخ والتقدير: براءة من الله ورسوله إلى المعاهدين من المشركين إلا الذين لم ينقضوا العهد منهم، وقال في "الكشاف": إنه مستثنى من قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ والتقدير: فقولوا لهم: سيحوا في الأرض إلا الذين عاهدتم من المشركين ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ من شروط الميثاق ولم يضروكم؛ أي: لم يقع منهم أيُّ نقص وإن كان يسيرًا.
وفيه دليلٌ على أنه كان من أهل العهد من خان بعهده، ومنهم من ثبت عليه فأذن الله سبحانه لنبيه ﷺ ، بنقض عهد من نقض وبالوفاء لمن لم ينقض إلى مدته ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا﴾؛ أي: ولم يعاونوا ﴿عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ من أعدائكم، وقرأ عطاء بن السائب الكوفي وعكرمة وأبو زيد وابن السميقع ﴿ينقضوكم﴾ بالضاد المعجمة، وهو على حذف مضاف؛ أي: ثم لم ينقضوا عهدكم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، لدلالة الكلام عليه.
﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾؛ أي: إلى وقت أجلهم تسعة أشهر، كما سيأتي قريبًا، والمعنى (٢): لا تمهلوا الناكثين للعهد فوق أربعة أشهر، إلا الذين عاهدتموهم ثم لم ينكثوا عهدهم فلا تجروهم مجرى الناكثين في المسارعة إلى قتالهم، بل أتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم، بشرط أن لا ينقضوا شيئًا من شروط الميثاق، ولا يضاروكم ولا يعاونوا عليكم أحدا من أعدائكم؛ أي: فلا تجعلوا الوافين كالغادرين، وهم بنو ضمرة حيٌّ من كنانة، أمر الله رسوله ﷺ ، بإتمام عهدهم إلى مدتهم، وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر، فإنهم ما غدروا من
стр. 4800
هذين الوجهين.
وفي ذلك (١) إيماءٌ إلى أن الوفاء بالعهد من فرائض الإِسلام ما دام العهد معقودًا، وإلى أنَّ العهد المؤقت لا يجوز نقضه إلا بانتهاء وقته، وإلى أنَّ من شروط وجوب الوفاء به محافظة العدوِّ المعاهد لنا على ذلك العهد بحذافيره، بنصه وفحواه، فإن نقص شيئًا منه وأخل بغرض من أغراضه .. عد ناقضًا له، كما قال: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ ويدخل في الإخلال مظاهرة أحد من الأعداء على المسلمين؛ لأن المقصود من المعاهدات ترك قتال كل من الفريقين المتعاهدين للآخر، وحرية التعامل بينهما.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: الذين يتقون نقض العهد، وخفر الذمم وسائر المفاسد التي تخل بالنظام، وتمنع جريان العدل بين الناس.
وفي ذلك إيماء إلى أنَّ مراعاة حقوق العهد تدخل في حدود التقوى، وإلى أن التسوية بين الوفيِّ والغادر منافية لذلك، وإن كان المعاهد مشركًا.
وقد ورد في تنفيذ أمر الله بهذه البراءة والأذان بها؛ أي: التبليغ العلني، أحاديث في الصِّحاح، أشهرها: أنَّ النبي ﷺ جعل أبا بكر ﵁ أميرًا على الحج سنة تسع، وأمره أن يبلغ المشركين الذين يحضرون الحجَّ أنهم يمنعون منه بعهد ذلك العام، ثم أردفه بعليِّ كرم الله وجهه ليبلغهم عنه نبذ عهودهم المطلقة وإعطاءهم مهلة أربعة أشهر، لينظروا في أمرهم، وأن العهود المؤقتة أجلها نهاية وقتها، ويتلو عليهم الآيات المتضمنة لنبذ العهود وما يتعلق بها، من أول سورة براءة وهي نحو أربعين آية.
وقد كان من عادة العرب أنَّ العهود ونبذها إنما يكون ممن عاقدها أو من أحد عصبته القريبة، وإنَّ عليًّا اختصَّ بذلك مع بقاء إمارة الحج لأبي بكر، وكان يساعده على ذلك بعض الصحابة كأبي هريرة.
стр. 4801
روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذِّنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى، ألَّا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف رسول الله ﷺ بعلي بن أبي طالب: وأمره أن يؤذِّن ببراءة وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.
٥ - ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ﴾: أي: انقضى ومضى وخرج ﴿الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾؛ أىِ: الباقي منها من وقت نبذ العهد، وهو يوم النحر، والباقي منها خمسون يومًا ينقضي بانقضاء المحرم، فالمراد بالأشهر الحرم على هذا المعنى الأشهر المعروفة التي هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، ثلاثة سرد، واحدٌ فردٌ، وقد وقع النداء والنبذ إلى المشركين بعهدهم يوم النحر، فكان الباقي من الأشهر الحرم التي هي الثلاثة المسرودة، خمسين يومًا تنقضي بانقضاء شهر المحرم، فأمرهم الله تعالى، بقتل المشركين حيث يوجدون، وبه قال جماعة من أهل العلم، منهم الضحاك والباقر وروي عن ابن عباس واختاره ابن جرير.
وقيل: المراد بها شهور العهد المشار إليها بقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ وسميت حرمًا؛ لأن الله سبحانه حرَّم فيها على المسلمين دماء المشركين والتعرض لهم، وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم، منهم مجاهد وابن إسحاق وابن زيد وغيرهم.
وقيل: هي الأشهر المذكورة في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ وقد روي ذلك عن ابن عباس وجماعة, ورجحه ابن كثير، وحكاه عن مجاهد وعمر وابن شعيب ومحمد ابن إسحاق وقتادة وغيرهم، وسيأتي بيان حكم القتال في الأشهر الحرم الدائرة في كل سنة في هذه السورة إن شاء الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الناكثين خاصَّةً ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: في أيِّ مكان وجدتموهم من حلٍّ أو حرم، وفي أيِّ وقت، قال الشوكاني (١): وهذه الآية المتضمنة للأمر بقتل المشركين عند انسلاخ الأشهر الحرم عامة لكل مشرك، لا يخرج عنها إلا من
стр. 4802
خصته السنة، وهو المرأة والصبي والعاجز الذي لا يقاتل، وكذلك يخصص منها أهل الكتاب، الذين يعطون الجزية على فرض تناول لفظ المشركين لهم، وهذه الآية نسخت كلَّ آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين والصبر على أذاهم. انتهى.
﴿وَخُذُوهُمْ﴾؛ أي: وأسروهم والأخيذ الأسير ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾؛ أي: وامنعوهم من إتيان المسجد الحرام ومن التقلب في البلاد، وقرىء: ﴿وحاصروهم﴾ شاذًّا ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ﴾؛ أي: لأجل مراقبتهم ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾؛ أي: في كل ممر وطريق يسلكونه، لئلا ينبسطوا في البلاد.
والمعنى (١): فإذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرم عليكم فيها قتال المشركين .. فافعلوا معهم كل ما ترونه موافقًا للمصلحة، من تدابير الحرب وشؤونها؛ لأنَّ الحال بينكم وبينهم عادت إلى حال الحرب بانقضاء أجل التأمين الذي منحتموه، وذلك بعمل أحد الأمور الآتية:
١ - قتلهم في أي مكان وجدوا فيه من حل أو حرم.
٢ - أخذهم أسارى، وقد أبيح هنا الأسر الذي حظر في سورة الأنفال بقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ لأن الإثخان، وهو الغلب والقوة والسيادة قد وجد.
٣ - حصرهم وحبسهم حيث يعتصمون بمعقل أو حصن، بأن يحاط بهم، ويمنعوا من الخروج والانفلات، حتى يسلموا أو ينزلوا على حكمهم بشرط ترضونه، أو بدون شرط.
٤ - القعود لهم كل مرصد؛ أي: مراقبتهم في كل مكان يمكن الإشراف عليهم فيه، ورؤية تجولهم وتقلبهم في البلاد.
وهذه الآية تسمى: آية السيف، إذ جاء الأمر فيها بالقتال، وقد كان مؤجلًا ومنسّأً إلى أن يقوى المسلمون، وكان الواجب عليه في حال الضعف الصبر على الأذى.
стр. 4803
﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ عن الشرك الذي يحملهم على عدواتكم وقتالكم ودخلوا في الإِسلام، بأن نطقوا بالشهادتين ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة كما تقيمونها في الأوقات الخمسة، والصلاة مظهر الإِسلام وأكبر أركانه وهي مطلوبة من الغني والفقير والأمير والمأمور، وهي حق الله على عباده، تزكى أنفسهم وتهذب أخلاقهم وتؤهلهم للقيام بحقوق عباده. ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.
﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾؛ أي: وأدوا الزكاة المفروضة في أموال الأغنياء للفقراء والمصالح العامة ﴿فَخَلُّوا﴾ أيها المؤمنون ﴿سَبِيلَهُمْ﴾؛ أي: واتركوا لهم طريق حريتهم بالكف عن قتالهم، إذا كانوا مقاتلين، وبالكف عن حصرهم إذا كانوا محاصرين، وبالكف عن رصد مسالكهم إلى البيت الحرام وغيره إذا كانوا مراقبين ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾ يغفر لهم ما سبق من الشرك، وغيره من سيئاتهم ﴿رَحِيمٌ﴾ يرحمهم فيمن يرحم من عباده، وقد جاء في الأثر: "الإِسلام يجب ما قبله".
وفي الآية إيماء إلى أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة يوجبان لمن يؤدِّيهما حقوق المسلمين، من حفظ الدم والمال، إلا بما يوجب عليه الشرع من جناية تقتضي حدًّا معلومًا أو جريمةٍ توجب تعزيرًا أو تغريمًا.
روى الشيخان عن عبد الله بن عمر مرفوعًا: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك .. عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله".
والخلاصة: أن اشتراط الأشياء الثلاثة للكف عن قتال المشركين للتحقق من دخولهم في جماعة المسلمين بالفعل، والتزامهم شرائع الإِسلام وإقامة شعائره، إذ مقتضى الشهادة الأولى: ترك عبادة غير الله تعالى، ومقتضى الشهادة الثانية: طاعة الرسول فيما يبلغه عن الله تعالى، واكتفى من أركان الإِسلام بالصلاة التي تجب في اليوم والليلة خمس مرات لأنها الرابطة الدينية والروحية
стр. 4804
الاجتماعية بين المسلمين، وبالزكاة؛ لأنها الرابطة المالية الاجتماعية، فمن أقامهما .. كان أجدر بإقامة غيرهما.
٦ - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الذين أمرت بقتالهم وقتلهم بعد انقضاء الأشهر الحرم ﴿اسْتَجَارَكَ﴾؛ أي: استأمنك؛ أي: طلب منك الأمان والجوار ليسمع كلام الله منك، أو لحاجة أخرى .. ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾؛ أي: فأمنه حتى يسمع قراءتك لكلام الله، ويطلع على حقيقة ما تدعو إليه، ونقل عن ابن عباس أنه قال: إن رجلًا من المشركين، قال لعلي بن أبي طالب: إن أردنا أن نأتي الرسول بعد انقضاء هذا الأجل لسماع كلام الله، أو لحاجةٍ أخرى .. فهل نقتل؟ فقال علي: لا، فإن الله تعالي قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾؛ أي: ثم أوصله إلى ديار قومه التي يأمنون فيها على أنفسهم وأموالهم، ثم بعد ذلك يجوز قتالهم وقتلهم، والمعنى: اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، إلا من طلب منكم الأمان، ليعلم ما أنزل الله تعالى وأمر به من دعوة الإِسلام، فإنَّ بعض المشركين لم تبلغهم الدعوة بلاغًا مقنعًا، ولم يسمعوا شيئًا من القرآن، أو لم يسمعوا منه ما تقوم به الحجة عليهم، فأعرضوا وعادوا الداعي وقاتلوه؛ لأنه جاء بتفنيد ما هم عليه من الشرك وتسفيه ما كان عليه آباؤهم منه.
والخلاصة: وإن استأمنك أيها الرسول الكريم أحد من المشركين لكي يسمع كلام الله، ويعلم منه حقيقة ما تدعو إليه أو ليلقاك، وإن لم يذكر سببًا .. فأجره وأمنه على نفسه وأمواله؛ لكي يسمع أو لكي يراك، فإنّ هذه فرصة للتبليغ والاستماع، فإن اهتدى وآمن عن علم وإقناع .. فذاك، وإلا فالواجب أن تبلغه المكان الذي يأمن فيه على نفسه، ويكون حُرًّا في عقيدته، حيث لا يكون للمسلمين سلطان عليه، وتعود حال الحرب إلى ما كانت عليه من غير غدر.
والمراد بالسماع: أن يسمع المقدار الذي تقوم به الحجة، ويتبين به بطلان الشرك، وحقيقة التوحيد، والبعث، وصدق الرسول في تبليغه عن الله فإنه إذا ألقى إليه السمع .. لا يلبث أن يظهر له الحق إذا لم تصده العصبية والعدوان للداعي،
стр. 4805
فإن لم يفعل ذلك .. كان له شأنه: وكانت له حريته، ولكنه يمنع من مساكنة المسلمين في دار الإسلام وهو على هذا الحال.
﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من إجارة المستجير من المشركين، وإعطاء الأمان له إلى أن يسمع كلام الله ﴿بـ﴾ سبب ﴿أنهم قوم لا يعلمون﴾؛ أي: لا يفقهون ولا يدرون ما الكتاب وما الإيمان, وما أعرضوا إلا عن جهل وعصبيةٍ واغترارٍ بالقوة وإصرارٍ على الجفوة، فإذا هم شعروا بضعفهم وصدق وعد الله بنصر المؤمنين عليهم، وطلبوا الأمان لهذا السبب أو لغرض آخر يترتب عليه إمكان تبليغهم الدعوة وإسماعهم كلام الله .. أجيبوا إلى ذلك؛ لأنَّ هذه الطريق المثلى لتعليمهم وهدايتهم، والرسول صلوات الله عليه إنما أرسل مبشرًا ونذيرًا.
وفي الآية إيماءٌ إلى أن التقليد في الدِّين غير كاف، وأنه لا بد عن النظر والاستدلال؛ لأنه لو كان كافيًا .. لوجب أن لا يمهل الكافر بل يقال له: إما أن تؤمن، وإما أن نقتلك؟ فأمهلناه ليحصل له النظر والاستدلال، فإن ظهر على المشرك علامات القبول للحق، ببحثه عن الدليل والتفكير فيه .. أمهل، وترك، وإن ظهر أنه معرض عن الحق .. لم يلتفت إليه ووجب تبليغه إلى مأمنه.
٧ - والاستفهام في قوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ للتعجب المتضمن للإنكار والاستبعاد وفي الآية إضمار، والمعنى كيف يكون للمشركين عهدٌ عند الله وعند رسوله يَأْمَنُون به من عذابه؟ أي: لا يكون لهم عهد عند الله ولا عند رسوله، وهم يغدرون وينقضون العهد. وقيل (١) معنى الآية: محالٌ أن يثبت لهؤلاء عهدٌ، وهم أضدادٌ لكم مضمرون للغدر، فلا يطمعوا في ذلك ولا يحدِّثوا به أنفسهم، ثم استدرك على ذلك فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: لكن الذين عاهدتم عند المسجد الحرام؛ أي: عند قرب أرض الحرم يوم الحديبية، ولم ينقضوا ولم ينكثوا، فلا تقاتلوهم ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾؛ أي: فما داموا مستقيمين لكم على العهد الذي بينكم وبينهم
стр. 4806
﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾؛ أي: فدوموا لهم على عهدهم ولا تقاتلوهم، قيل: هم بنو بكر، وقيل: بنو كنانة وبنو ضمرة، وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية، ولم يكن نقض العهد أحدٌ إلا قريش وبنو الدِّيل من بني بكر، فأمر بإتمام العهد لمن لم ينقض العهد، وهم بنو ضمرة، وهذا القول هو الصواب وإنما (١) كان صوابًا؛ لأن هذه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد، وذلك قبل فتح مكة؛ لأن بعد الفتح كيف يقول لشيءٍ قد مضى: فما استقاموا لكم .. فاستقيموا لهم، وإنما هم الذين قال الله فيهم: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ كما نقصكم قريشٌ ولم يظاهروا عليكم أحدًا، كما ظاهرت قريش بني بكر على خزاعة وهم حلفاء رسول الله ﷺ ، وجملة قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ الذين يوفون بالعهد إذا عاهدوا، ويتقون نقضه، تعليلٌ للأمر بالاستقامة المذكور قبله
٨ - والاستفهام في قوله: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾: تعجبيٍّ إنكاري أيضًا كرره للتأكيد؛ والتقدير: كيف يكون لهم عهدٌ عند الله، وعند رسوله، والحال أنهم إن يظهروا عليكم بالغلبة لكم؛ أي: إن يظفروا بكم ويغلبوكم ويعلوا عليكم ﴿لَا يَرْقُبُوا﴾؛ أي: لا يحفظوا ولا يراعوا ﴿فِيكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿إِلًّا﴾ أي: قرابة ورحمًا، وقرىء ﴿إيلًا﴾ بوزن ريح ﴿وَلَا﴾ يراعون فيكم ﴿ذِمَّةً﴾؛ أي: عهدًا؛ أي: لا يتركونكم لأجل القرابة التي بينكم وبينهم ولا للعهد الذي عاهدوه لكم.
والمعنى (٢): كيف لا تقتلونهم وهم إن يغلبوكم لا يحفظوا في شأنكم قرابةً ولا ضمانًا، بل يؤذونكم ما استطاعوا، وقوله: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ كلام مستأنف لبيان حالهم عند عدم الظفر، فهو مقابل في المعنى لقوله: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ...﴾ الخ. أي: يقولون بألسنتهم كلاما حلوًا طيبًا من الوعد بالإيمان والوفاء بالعهد، مجاملةً لكم وتطيبًا لقلوبكم ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: تمتنع قلوبهم ذلك الذي يقولونه بألسنتهم من الإيمان والوفاء بالعهد؛ أي تخالفه وتود ما فيه مساءتكم ومضرتكم كما يفعله أهل النفاق وذو الوجهين، فإنهم لا يضمرون لكم
стр. 4807
إلا الشر والإيذاء إن قدروا ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾؛ أي: كاذبون ناقضون للعهد خارجون عن الحق، مذمومون عند جميع الناس، وفي جميع الأديان، والمعنى: هم يخادعونكم (١)، حال الضعف بما يفوهون به من كلام معسولٍ، يرون أنه يرضيكم، سواء أكان عهدًا، أم وعدًا أم أيمانًا مؤكدة، وقلوبهم مملوءة ضغنًا وحقدًا ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ فهم إن ظهروا عليكم .. نكثوا العهود وحنثوا بالأيمان وفتكوا بكم بقدر ما يستطيعون، وإنما يفعلون ذلك؛ لأنَّ أكثرهم خارجون من قيود العهود والمواثيق، متجاوزون لحدود الصدق والوفاء، فليس لهم مروءة رادعةٌ، ولا عقيدة وازعة، ولا يتعففون عن الغدر، وعما يجر إلى سوء الأحدوثة وثلم العرض، وإنما وصف الأكثر؛ لأنهم هم الناكثون الناقضون لعهودهم، وأقلهم الموفون الذين استثناهم الله تعالى، وأمر المؤمنين بالاستقامة لهم ما استقاموا لهم.
فإن قلت: (٢) إن الموصوفين بهذه الصفة كفار، والكفر أخبث وأقبح من الفسق، فكيف وصفهم بالفسق في معرض الذم، وما الفائدة في قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾، مع أنَّ الكفار كلهم فاسقون؟
قلتُ: قد يكون الكافر عدلًا في دينه، وقد يكون فاسقًا خبيث الفسق في دينه، فالمراد بوصفهم بكونهم فاسقين: أنهم نقضوا العهد، وبالغوا في العداوة فوصفهم بكونهم فاسقين مع كفرهم، فيكون أبلغ في الذم، وإنما قال: أكثرهم، ولم يقل: كلهم فاسقون؛ لأنَّ منهم من وفى بالعهد ولم ينقضه، وأكثرهم نقضوا العهد، فلهذا قال : ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ وقيل (٣): معنى وأكثرهم: وكلهم فاسقون، قاله: ابن عطية والكرماني.
٩ - ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: استبدلوا بآيات القرآن والإيمان بها؛ أي: تركوا آيات الله الآمرة بالاستقامة في كل أمر وأخذوا بدلها ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ أي: عوضًا يسيرًا من الدنيا لأجل تحصيل الشهوات، والمعنى استبدلوا آيات الله بالأعراض
стр. 4808
الفانية والشهوات الزائلة، وذلك أن أبا سفيان بن حرب أطعم حلفاءه وترك حلفاء النبي ﷺ ، وحملتهم تلك الأكلة على نقض العهد، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبين الرسول ﷺ ، بسبب تلك الأكلة ﴿فَصَدُّوا﴾؛ أي: منعوا الناس عن ﴿سَبِيلِهِ﴾؛ أي: عن الدخول في دين الله تعالى، أو صدُّوا الناس عن سبيل البيت الحرام، حيث كانوا يصدُّون الحجاج والعمار عنه، أو معنى فصدوا عن سبيله؛ أي: فعدلوا وأعرضوا عن سبيل الحق ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بئس ما كانوا يعملونه من الشرك ونقضهم العهد، ومنعهم الناس عن الدخول في دين الإِسلام.
وحاصل المعنى: أنهم (١) استبدلوا بآيات الله الدالة على توحيده بالعبادة وعلى الوحي والرسالة وما فيها من الهداية للناس وعلى البعث والجزاء على الأعمال ثمنًا قليلًا من حطام الدنيا، وهو ما هم فيه من رخاء العيش، وكثرة الأموال، فصدوا بسبب هذا الشراء الخسيس أنفسهم عن الإِسلام، وما يقتضيه من الوفاء، وصدوا غيرهم أيضًا، وجعله قليلًا؛ لأنه زائلٌ غير باق، وما عند الله باق دائم، وهو خير وأبقى، روي أن أبا سفيان لمَّا أراد حمل قريش وحلفائها على نقض عهد الحديبية .. صنع لهم طعامًا استمالهم به، فأجابوه إلى ما طلب ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: قبح عملهم الذي يعملونه، من اشتراء الكفر بالإيمان والضلالة بالهدى، والصد عن دين الله، وما جاء به رسول الله ﷺ ، من البينات والهدى.
١٠ - وقوله: ﴿لَا يَرْقُبُونَ﴾؛ أي: لا يرقب هؤلاء المشركون الناقضون للعهد ولا يحفظون ﴿فِي مُؤْمِنٍ﴾ أيَّ مؤمن كان، سواء كان منكم أيها المخاطبون، أو من غيركم ﴿إِلًّا﴾؛ أي: قرابةً ورحمًا ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾؛ أي: ولا عهدًا؛ أي: لا يلتفتون إلى قرابته ولا إلى عهده، إذا قدروا عليه .. قتلوه، فلا تبقوا أنتم عليهم، كما لا يبقوا عليكم إذ ظهروا عليكم، ولا تكرار (٢) هنا؛ لأن الأول: على الخصوص،
стр. 4809
حيث قال: فيكم، والثاني: على العموم، حيث قال: في مؤمن، كما أشرنا إليه في الحل آنفًا؛ أي: ومن أجل هذا الكفر الذي رسخ فيهم لا يرعون في مؤمن يقدرون على الفتك به قرابةً تقتضي الود، ولا ذمةً توجب الوفاء بالعهد، ولا ربًّا يحرم الخيانة والغدر، فذنب المؤمن عندهم أنه لا ينقض عهدًا ولا يستحل غدرًا ولا يقطع رحمًا ﴿وَأُولَئِكَ﴾ المشركون الناقضون للعهد ﴿هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾؛ أي: المجاوزون للحلال إلى الحرام أو البالغون في الشر والتمرد إلى الغاية القصوى، والعلة في هذا رسوخهم في الشرك وكراهتهم للإيمان وأهله، فلا علاج لهم إلا الرجوع عن الكفر، والاعتصام بالإيمان, والتمسك بفضائل الأخلاق، وما يقتضيه الإيمان من صالح الأعمال.
١١ - ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾؛ أي: فإن رجع هؤلاء المشركون، الذين أمرتكم بقتالهم عن شركهم بالله تعالى، إلى الإيمان به وبرسوله، وأنابوا إليه وأطاعوه ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾؛ أي: أدوها بشروطها وأركانها ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ المفروضة، كرر (١) هذا الشرط؛ لاختلاف جزائه مع جزاء الأول، إذ جزاء الشرط في الأول تخلية سبيلهم في الدنيا، وفي الثاني أخوَّتهم لنا في الدين، وهي ليست عين تخليتهم، بل سبيلها ﴿فـ﴾ هم ﴿إخوانكم في الدين﴾ الذي أمركم به، لَهُمْ مَا لَكُمْ، وعليهم ما عليكم، وبهذه الأخوة يزول كل ما كان بينكم من إحن وعداوات، ولا تعارف أجمل من التعارف في المساجد؛ لإقامة الصلوات، وأداء الصدقات، بمواساة الغني للفقير، وهذه المزية الدنيوية كانوا محرومين منها، إذ كان بعضهم حربًا لبعض إلا ما كان من عهد أو جوار.
﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: وإنا نبين حجج آياتنا وأدلة أحكامنا، ونوضحها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: لقوم يفهمون ما نبين لهم بعد أن نشرحها مفصلة فيفقهونها، دون الجهال الذين لا يعقلون عن الله بيانه ومحكم آياته، وهذه (٢) الجملة اعتراضية، للحث على تأمل ما فصل من أحكام المعاهدين، أو خصال
стр. 4810
التائبين،
١٢ - ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾؛ أي: نقضوا عهودهم التي بينكم وبينهم ﴿مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾؛ أي: من بعد ما عادوكم على أن لا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحدًا من أعدائكم، والمراد بهؤلاء الذين نقضوا العهد، كفار قريش، وفي "أبي السعود" ﴿وَإِنْ نَكَثُوا﴾ عطف (١) على قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾؛ أي: وإن لم يفعلوا ذلك، بل نقضوا أيمانهم من بعد عهدهم الموثق بها، وأظهروا ما في ضمائرهم من الشر وأخرجوه من القول إلى حسبما ينبىء عنه، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا﴾ الآية وثبتوا على ما هم عليه من النكث، لا أنهم ارتدوا بعد الإيمان كما قيل اهـ.
﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾؛ أي: عابوا دينكم بالتكذيب، وتقبيح الأحكام، وفي هذا دليل على الذمي، إذا طعن في دين الإِسلام وعابه ظاهرًا لا يبقى له عهد، وعطف (٢) ﴿وَطَعَنُوا﴾ على ما قبله، مع أن نقض العهد كافٍ في إباحة القتل؛ لزيادة تحريض المؤمنين على قتالهم وقيل معناه: وإن نكثوا أيمانهم بطعنهم في دينكم فيكون عطف تفسيرٍ ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾؛ أي: قاتلوا رؤساء المشركين وقادتهم، والمراد: قاتلوا الكفار بأسرهم، فإنهم صاروا بذلك ذوي تقدم في الكفر أحقاء بالقتل والقتال، قال ابن عباس (٣): نزلت في أبي سفيان بن حرب والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وأبي جهل وابنه عكرمة وسائر رؤساء قريش، وهم الذين نقضوا عهدهم، وهموا بإخراج الرسول، وقيل: أراد جميع الكفار، وإنما ذكر الأئمة لأنهم الرؤساء والقادة، ففي قتالهم قتال الأتباع، وقال مجاهد: هم فارس والروم، وقل غير ذلك، وقال ابن عطية: أصوب ما في هذا أن يقال: إنه لا يعني بها معين؛ وإنما دفع الأمر بقتال أئمة الناكثين للعهود من الكفرة إلى يوم القيامة من غير تعيين ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾؛ أي: إنهم لا عهود لهم على الحقيقة؛ لأنهم لا يعدون نقضها محذورًا، وهم لمَّا لم يفوا بها .. صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان، وإن أجروها على ألسنتهم.
стр. 4811
والمعنى: أي وإن نكث (١) هؤلاء ما أبرمته أيمانهم من الوفاء بالعهد الذي عقدوه معكم، وعابوا دينكم، واستهزؤوا به، وصدوا الناس عنه، ومن ذلك الطعن في القرآن، وفي النبي ﷺ ، كما كان يفعل شعراؤهم، الذين أهدر النبي ﷺ ، دماءهم .. فقاتلوهم، فهم أئمة الكفر، وحملة لوائه، المقدمون على غيرهم بزعمهم، فهم الأجدر بالقتل والقتال ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾؛ أي: إن عهودهم لا قيمة لها، فهي مخادعة لسانية، لا يقصد الوفاء بها، كما قال سبحانه: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ فما أسرع ما تنقض إذا وجدت الفرصة سانحة.
﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾؛ أي: قاتلوهم رجاء أن ينتهوا بقتالكم إياهم عن الكفر ونكث الإيمان ونقض العهود، والعودة إلى قتالكم كلما قدروا عليه.
وفي ذلك (٢) إيماء: إلى أن القتال لا يكون اتباعًا لهوى النفس، أو إرادة منافع الدنيا، من السلب والنهب وإرادة الانتقام، وهذه مزيّة الإِسلام إذ جعل الحرب ضرورةً لإرادة منع الباطل وتقرير الحق.
وقرأ الحرميان (٣) - نافع وابن كثير - وأبو عمرو: ﴿أيمة الكفر﴾ بإبدال الهمزة الثانية ياءً، وروي عن نافع مد الهمزة وقرأ باقي السبعة وابن أبي أريس عن نافع بهمزتين وأدخل هشام بينهما ألفًا، وأصله: أأممة، بوزن أفعلة، جمع إمام أدغموا الميم في الميم، فنقلت حركتها إلى الهمزة قبلها، وقرأ الجمهور: ﴿لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ بفتح الهمزة، وقرأ الحسن وعطاء وزيد بن علي وابن عامر: ﴿لا إيمان لهم﴾ بكسر الهمزة؛ أي: لا إسلام وتصديق لهم ولا يعطون الأمان بعد النكث والطعن، ولا سبيل إليه، وبقراءة الفتح استشهد أبو حنيفة على أن يمين الكافر لا يكون يمينًا، وعند الشافعي يمينهم يمين، وقال: معناه: أنهم لا يوفون بها.
стр. 4812
الإعراب
﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾.
﴿بَرَاءَةٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف جوازًا، تقديره: هذه الآيات الآتية براءة ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿بَرَاءَةٌ﴾ تقديره: صادرةٌ من الله ﴿وَرَسُولِهِ﴾، معطوف على الجلالة، والجملة الاسمية مستأنفة ومتعلق المبتدأ محذوف اكتفاء بذكره في المنفي وفرارًا من التكرار في اللفظ، تقديره: من المشركين؛ أي: من الوفاء بعهودهم إذا نقضوها. والجملة الاسمية مستأنفة استئنافًا نحويًّا ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَرَاءَةٌ﴾ كما تقول: برئت إليك من كذا، وقيل: إن ﴿بَرَاءَةٌ﴾ مبتدأ و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ نعت لها، و ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾ خبرها ﴿عَاهَدْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: عاهدتموهم ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ حال من الموصول، أو من العائد المحذوف.
﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾.
﴿فَسِيحُوا﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم براءة الله سبحانه، وبراءة رسوله ﷺ ، من المشركين، وأردتم بيان ما تقولون لهم .. فأقول لكم: قولوا لهم: سيحوا في الأرض، ﴿سيحوا﴾ فعل وفاعل ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق به ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق به، الجملة الفعلية في محل النصب مقول للقول المحذوف، وجملة القول المحذوف في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَاعْلَمُوا﴾ فعل وفاعل والجملة في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿فَسِيحُوا﴾ ﴿أَنَّكُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ خبره ومضاف إليه، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿اعلموا﴾ تقديره: واعلموا عدم إعجازكم الله ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ خبره ومضاف إليه وجملة ﴿أن﴾ معطوفة على جملة ﴿أن﴾ الأولى.
стр. 4813
﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾.
﴿وَأَذَانٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: وهذه الآية الآتي ذكرها أذان ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور صفة له، أو متعلق به ﴿وَرَسُولِهِ﴾ معطوف على الجلالة، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿بَرَاءَةٌ﴾ ﴿إِلَى النَّاسِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أذان﴾ أو صفة له أيضًا، والتقدير: وهذه الآية الآتي ذكرها ﴿أذان﴾ صادر من الله ورسوله، واصل إلى المشركين ﴿يَوْمَ الْحَجِّ﴾: ظرف ومضاف إليه ﴿الْأَكْبَرِ﴾ صفة لـ ﴿الْحَجِّ﴾ والظرف متعلق بما تعلق به الجار والمجرور في قوله: ﴿إِلَى النَّاسِ﴾ وقيل (١): متعلق بـ ﴿أذان﴾ وهو فاسد من وجهين:
أحدهما: وصف المصدر قبل عمله.
والثاني: للفصل بينه وبين معموله بأجنبي وهو الخبر. اهـ "سمين". ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿بَرِيءٌ﴾ خبره ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ متعلق به وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: ببراءة الله من المشركين، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أذان﴾ ﴿ورسولُه﴾: بالرفع، باتفاق السبعة: مبتدأ خبره محذوف، تقديره: ورسوله بريء منهم، وحذف الخبر لدلالة ما قبله عليه، والجملة الاسمية في محل الجر معطوفة على جملة ﴿أَنَّ﴾ أو معطوف على الضمير المستتر في بريء أو معطوف على محل اسم ﴿أَنَّ﴾ وهذا (٢) عند من يجيز ذلك في المفتوحة قياسًا على المكسورة وقريء شاذًا بالجر على المجاورة، أو على أن ﴿الواو﴾ للقسم وقرىء شاذًّا أيضًا بالنصب، على أنه مفعول معه.
﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم براءة الله ورسوله منكم، وأردتم بيان ما هو النصيحة لكم ..
стр. 4814
فنقول لكم ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿تُبْتُمْ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿فَهُوَ خَيْرٌ﴾ مبتدأ وخبر و ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾ وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: فقولوا لهم أيها المبلِّغون: فإن تبتم .. فهو خير لكم ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿فَاعْلَمُوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية ﴿اعلموا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ والشرطية على كونه جوابًا لها وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى ﴿أَنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه ﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ خبره ومضاف إليه، وجملة. ﴿إن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿اعلموا﴾ ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ﴾ فعل ومفعول به وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿بِعَذَابٍ﴾ متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾ ﴿أَلِيمٍ﴾ صفة لعذاب.
﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾.
﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل النصب على الاستثناء ﴿عَاهَدْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول والعائد محذوف، تقديره: إلا الذين عاهدتموهم ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ جار ومجرور حال من ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ أو من العائد المحذوف ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب ﴿لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ جازم وفعل وفاعل ومفعولان إن جعلنا ﴿شَيْئًا﴾ مفعولًا ثانيًا ويجوز نصبه على المصدرية؛ أي: شيئًا من النقصان، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا﴾ جازم وفعل وفاعل ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق به ﴿أَحَدًا﴾ مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَمْ يَنْقُصُوكُمْ﴾. ﴿فَأَتِمُّوا﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم هذا الاستثناء وأردتم بيان ما يلزمكم فيهم ..
стр. 4815
فأقول لكم: أتموا إليهم عهدهم ﴿أتموا﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أتموا﴾ على تضمينه بمعنى: أدوا إليهم ﴿عَهْدَهُمْ﴾، مفعول به ﴿إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾: جار ومجرور حال من ﴿عَهْدَهُمْ﴾ تقديره: حالة كونه تامًّا إلى انقضاء مدتهم ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾.
﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا قلتم لهم سيحوا في الأرض أربعة أشهر، وأردتم بيان حكمهم إذا انقضت تلك الأشهر .. فأقول ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ﴾: فعل وفاعل ﴿الْحُرُمُ﴾: صفة له، والجملة في محل الخفض فعل شرط لـ ﴿إذا﴾ والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿فَاقْتُلُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا ﴿اقتلوا المشركين﴾ فعل وفاعل، ومفعول والجملة، جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذ المقدرة مستأنفة ﴿حَيْثُ﴾ في محل النصب على الظرفية المكانية، مبني على الضم، لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًّا، والظرف متعلق بـ ﴿اقتلوا﴾ ﴿وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾ ﴿وَخُذُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿فَاقْتُلُوا﴾ وكذلك قوله ﴿وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا﴾. معطوفان على ﴿فَاقْتُلُوا﴾ ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿اقعدوا﴾ ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ منصوب على الظرفية بـ ﴿اقعدوا﴾ أو بنزع الخافض والخافض (١) المقدر هو: على، أو الباء الظرفية، أو في.
﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
стр. 4816
﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة على محذوف، تقديره: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم واحصروهم إن لم يتوبوا، فإن تابوا ... إلخ ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿تَابُوا﴾ فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿تَابُوا﴾ ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف عليه أيضًا، ﴿فَخَلُّوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا ﴿خَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية معطوفة على ذلك المحذوف ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾ اسمها ﴿غَفُورٌ﴾ خبر أول لها ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾.
﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿إن﴾: حرف شرط ﴿أَحَدٌ﴾: فاعل بفعل محذوف وجوبًا، يفسره المذكور بعده، تقديره: وإن استجارك ﴿أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿أَحَدٌ﴾ ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿أَحَدٌ﴾ والجملة: جملة مفسرة لذلك المحذوف، لا محل لها من الإعراب ﴿فَأَجِرْهُ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب ﴿أجره﴾: فعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾: فعل ومفعول منصوب بأن المضمرة وجوبًا، وفاعله ضمير يعود على ﴿أَحَدٌ﴾ والجملة الفعلية في تأويل مصدر، مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى: إلى، تقديره إلى سماعه كلام الله، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿فَأَجِرْهُ﴾ ﴿ثم﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿أَبْلِغْهُ﴾ فعل ومفعول في محل الجزم، معطوف على ﴿أجره﴾ وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﴿مَأْمَنَهُ﴾ منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿أبلغ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب ﴿أنَّ﴾: حرف نصب و ﴿الهاء﴾: اسمها ﴿قَوْمٌ﴾: خبرها، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ صفة لـ ﴿قَوْمٌ﴾ وجملة
стр. 4817
﴿أن﴾ في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: سبب عدم علمهم، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: ذلك كائن بسبب عدم علمهم كلام الله تعالى ودينه والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾.
﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام, للاستفهام التعجبي، في محل النصب خبر ﴿يَكُونُ﴾ مقدم عليه وجوبًا للزومه الصدارة ﴿يَكُونُ﴾ فعل مضارع ناقص ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ متعلق بـ ﴿يَكُونُ﴾ ﴿عَهْدٌ﴾: اسم ﴿يَكُونُ﴾ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿عَهْدٌ﴾؛ أي: عهد كائن عند الله، أو متعلق بـ ﴿يَكُونُ﴾ ﴿وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾: معطوف على ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وجملة ﴿يَكُونُ﴾ مستأنفة وقال أبو (١) البقاء: قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ﴾ اسم يكون ﴿عَهْدٌ﴾ وفي الخبر ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه كيف وقدم للاستفهام وهو مثل قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾.
والثاني: أنه للمشركين، و ﴿عنده﴾ على هذين: ظرف للعهد، أو لـ ﴿يَكُونُ﴾ أو للجار أو هي وصف الـ ﴿عَهْدٌ﴾.
والثالث: الخبر عند الله وللمشركين تبين، أو متعلق بـ ﴿يَكُونُ﴾ و ﴿كَيْفَ﴾ حال من الـ ﴿عَهْدٌ﴾ انتهى. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء ﴿الَّذِينَ﴾ في محل النصب على الاستثناء ﴿عَاهَدْتُمْ﴾ فعل وفاعل ﴿عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ظرف متعلق به، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: إلا الذين عاهدتموهم ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾ فصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر, تقديره: إذا عرفتم الاستثناء المذكور، وأردتم بيان حكمهم .. فأقول لكم ﴿ما﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ والخبر جملة الشرط، أو الجواب أو هما
стр. 4818
﴿اسْتَقَامُوا﴾، فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿ما﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿لَكُمْ﴾، متعلق به ﴿فَاسْتَقِيمُوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب ﴿استقيموا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿مَا﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به، وجملة ﴿ما﴾ الشرطية محل النصب مقول، لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨)﴾.
﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب خبر ليكون المحذوفة، تقديرها: كيف يكون عهد للمشركين عند الله وعند رسوله ﷺ ، وجملة يكون المحذوفة: مستأنفة ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ واو الحال و ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿يَظْهَرُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق به ﴿لَا يَرْقُبُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها ﴿فِيكُمْ﴾ متعلق به ﴿إِلًّا﴾ مفعول به ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾ معطوف عليه وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب حال من المشركين المحذوف تقديره: كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله، حالة كونهم لا يرقبون فيكم إلًّا ولا ذمة، إن يظهروا عليكم؟ ﴿يُرْضُونَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق به والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان حالهم عند عدم الظفر، فهو مقابل في المعنى لقوله: ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ...﴾ إلخ ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ فعل وفاعل معطوف على جملة ﴿يُرْضُونَكُمْ﴾ ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ مبتدأ وخبر والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)﴾.
﴿اشْتَرَوْا﴾ فعل وفاعل ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ متعلق به ﴿ثَمَنًا﴾: مفعول به ﴿قَلِيلًا﴾ صفة له، والجملة مستأنفة ﴿فَصَدُّوا﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع ﴿صدوا﴾
стр. 4819
فعل وفاعل ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿اشْتَرَوْا﴾ ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿سَاءَ مَا﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿سَاءَ﴾ محذوف تقديره: ساءهم إن قلنا ﴿سَاءَ﴾ متصرف متعد إلى المفعول بمعنى: عابهم ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾: خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ما كانوا يعملونه وجملة ﴿سَاءَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة وفي "الفتوحات": يجوز في ﴿سَاءَ﴾ أن يكون على بابه من التصرف والتعدي، ومفعوله محذوف، أي: ساءهم الذي كانوا يعملونه، أو عملهم وأن يكون جاريًا مجرى بئس، فيحول إلى فعل بالضم، ويمتنع تصرفه، ويصير للذم، ويكون المخصوص بالذم محذوفًا تقديره: عملهم هذا. اهـ. "سمين".
﴿لَا يَرْقُبُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿فِي مُؤْمِنٍ﴾ متعلق به ﴿إِلًّا﴾ مفعول به ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾ معطوف عليه ﴿وَأُولَئِكَ﴾ مبتدأ ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل ﴿الْمُعْتَدُونَ﴾ خبر والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾.
﴿فَإِنْ تَابُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: هذا الحكم المذكور فيهم إن لم يتوبوا ﴿فَإِنْ تَابُوا ...﴾ إلخ ﴿إن﴾ حرف شرط جازم ﴿تَابُوا﴾ فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ في محل الجزم معطوفان على تابوا ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبًا ﴿إخوانكم﴾ خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فهم إخوانكم ﴿فِي الدِّينِ﴾: جار ومجرور، حال من ﴿إخوانكم﴾ والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على الجملة المحذوفة ﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلق بـ ﴿نفصل﴾ وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ صفة ﴿لِقَوْمٍ﴾.
стр. 4820
﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾.
﴿وَإِنْ نَكَثُوا﴾ فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها ﴿أَيْمَانَهُمْ﴾ مفعوله به ﴿مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نَكَثُوا﴾ ﴿وَطَعَنُوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿نَكَثُوا﴾ ﴿فِي دِينِكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق به ﴿فَقَاتِلُوا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب ﴿قاتلوا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها ﴿أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿لَا﴾ نافية للجنس، تعمل عمل إن ﴿أَيْمَانَ﴾ في محل النصب اسمها ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر ﴿لَا﴾ وجملة ﴿لَا﴾ النافية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ ناصب واسمه وجملة ﴿يَنْتَهُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
التصريف ومفردات اللغة
﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: مأخوذ من برىء من الدين، يبرأ براءة، إذا أسقط عنه، وبرىء من الذنب ونحوه، إذا تركه وتباعد عنه، وأصل (١) البراءة في اللغة: انقطاع العصمة، يقال: برئت من فلان، أبرأ براءة؛ أي: انقطعت بيننا العصمة ولم يبق بيننا علاقة، وقيل، معناها: هنا التباعد مما تكره مجاورته، ﴿عَاهَدْتُمْ﴾ والمعاهدة (٢): عقد العهد بين فريقين على شروط يلتزمونها، وكان كل فريق يضع يمينه في يمين الآخر، ويوثقونها بالأيمان، ومن جراء ذلك سميت أيمانًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾؛ أي: لا عهود لهم ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ والسياحة في الأرض: الانتقال والتجول فيها، ويراد بها هنا: حرية الانتقال مع الأمان مدة أربعة أشهر، لا يتعرض المسلمون لهم فيها بقتال، يقال: ساح فلان في الأرض، يسيح سياحة وسيوحًا وسيحانًا، ومنه سيح الماء في الأرض وسيح الخيل. ﴿غَيْرُ
стр. 4821
مُعْجِزِي اللَّهِ﴾؛ أي: لا تفوتونه بالهرب والتحصن ﴿مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ والخزي: الذل والفضيحة بما فيه عار ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ والأذان: الإعلام بما ينبغي أن يعلم ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ هو يوم النحر الذي تنتهي فيه فرائض الحج، ويجتمع فيه الناس لإتمام مناسكهم.
﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾؛ أي: من شروط الميثاق، فلم يقتلوا أحدًا منكم ولم يضروكم ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا﴾؛ أي: لم يعاونوا ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ انسلاخ الشهر: تكامله جزءًا فجزءًا إلى أن ينقضي، كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه، وأصله: الانسلاخ الواقع بين الحيوان وجلده فأستعير لانقضاء الشهر، يقال: سلخت الشهر، تسلخه سلخًا وسلوخًا، بمعنى: خرجت منه، ويقال: سلخت المرأة درعها نزعته قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾.
والحُرُم: واحدها حرام, وهي الأشهر التي حرم الله فيها قتالهم في الأذان والتبليغ بقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ والمرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو، يقال: رصدت فلانًا، أرصده إذا ترقبته؛ أي: أقعدوا لهم على كل مرصد، قال أبو حيان (١) المرصد: مفعل من رصد يرصد، من باب قتل، يكون مصدرًا وزمانًا ومكانًا، وقال عامر بن الطفيل:
وَلَقَدْ عَلِمْت وَمَا أَخَالُكَ نَاسِيًا ... أَنَّ الْمَنِيَّةَ لِلْفَتَى بِالْمَرْصِدِ
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ يقال: استجاره إذا طلب جواره؛ أي: حمايته وأمانه، وقد كان من عادات العرب حماية الجار والدفاع عنه، حتى يسمون النصير جارًا ﴿فَأَجِرْهُ﴾؛ أي: أمنه ﴿مَأْمَنَهُ﴾؛ أي: مسكنه الذي يأمن فيه على نفسه، وهو دار قومه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: ما الإِسلام وما حقيقته، فلا بد من إعطاء الأمان حتى يفهموا الحق ولا يبقى لم معذرة.
﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يقال: ظهر عليه، إذا غلبه وظفر به ﴿لَا يَرْقُبُوا﴾
стр. 4822
يقال: رقب الشيء إذا رعاه وحاذره؛ لأن الخائف يرقب العقاب ويتوقعه، ومنه: فلان لا يرقب الله في أموره؛ أي: لا ينظر إلى عقابه ﴿فِيكُمْ إِلًّا﴾ والإلُّ القرابة، قال ابن مُقْبل:
أَفْسَدَ النَّاسَ خُلُوْفٌ خَلَفُوْا ... قَطَّعُوْا الإلَّ وَأَعْرَاقَ الرَّحِمْ
وفي "السمين" (١) قوله: ﴿إِلًّا﴾ مفعولٌ به لـ ﴿يَرْقُبُوا﴾. وفي الإلِّ أقوال لأهل اللغة:
أحدها: أن المراد به العهد، قاله أبو عبيدة وابن زيد والسدّي.
الثاني: أن المراد به القرابة، وبه قال الفراء.
الثالث: أن المراد به الله تعالى؛ أي: هو اسمٌ من أسمائه.
الرابع: أنَّ الإلَّ الجؤار، وهو رفع الصوت عند التحالف، وذلك أنهم كانوا إذا تحالفوا .. جأروا بذلك جؤارًا.
الخامس: أنه من ألَّ البرق إذا لمع، ويجمع الإلُّ في القلَّة على أُلِّ، والأصل أألُلٌ، بزنة أفلس، فأبدلت الهمزة الثانية ألفًا، لكونها بعد أخرى مفتوحة، وأدغمت اللام في اللام، وفي الكثرة على إلالٍ، كذئب وذئاب، والأل بالفتح: قيل: شدة القنوط، قال الهروي: في الحديث: "عجب ربكم من ألكم وقنوطكم" اهـ. وفي "القاموس": الإلُّ بالكسر: العهد والحلف وموضعٌ والجؤار والقربة والمعدن والحقد والعداوة والربوبية، واسم الله تعالى وكل اسم آخره إل أو إيل فمضاف إلى الله تعالى، والرخاء والأمان والجزع عند المصيبة، ومنه ما روي: "عجب ربكم من إلكم" فيمن رواه بالكسر ورواية الفتح أكثر اهـ.
﴿وَلَا ذِمَّةً﴾ والذمة والذمام: العهد الذي يلزم من ضيعه الذم، ونقض العهد عندهم من العار، فيكون مما كرر لاختلاف لفظه، إذا قلنا إن الإلَّ العهد أيضًا، فهو كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ وقيل: الذمة (٢) الضمان، يقال: هو في ذمتي، أي: في ضماني وبه يسمي أهل الذمة، لدخولهم
стр. 4823
في ضمان المسلمين، وقال: الراغب: الذِّمام: ما يذم الرجل على إضاعته من عهد. وكذلك الذمة والمَذَمَة والمِذَمة. يعني بالفتح والكسر، وقيل: لي ذمة فلا تهتكها، وقال غيره: سميت ذمة؛ لأن كل حرمة يلزمك من تضييعها الذم، يقال لها: ذمة وقال الأزهري: الذمة الأمان، وفي الحديث "يَسْعى بذمتهم أدناهم" اهـ "سمين".
﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ يقال: أبي يأبى، إذا اشتد امتناعه. فكل إباء امتناعٌ، من غير عكس، ولم يصب من فسره بمطلق الامتناع، ومجيء (١) مضارعه على يفعل بفتح العين شاذٌّ. ومنه قلى يَقَلى في لغةٍ، ومنه آبي اللحم لرجلٍ من الصحابة وقال الشاعر:
أَبَى اللَّهُ إلَّا عَدْلَهُ وَوَفَاءَهُ ... فَلاَ النُّكْرُ مَعْرُوْفٌ وَلاَ الْعُرْفُ ضَائِعُ
﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾؛ أي (٢) خارجون من قيود العهود والمواثيق، متجاوزون لحدود الصدق والوفاء من قولهم: فسقت الرطبة، إذا خرجت من قشرتها.
﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ ووزن (٣) أئمة أفعلة؛ لأنه جمع إمام، كحمار وأحمرة وزمام وأزمة، والأصل أأممة، فألتقى ميمان، فأريد إدغامهما، فنقلت حركة الميم الأولى للساكن قبلها، وهو الهمزة الثانية، فأدى ذلك إلى اجتماع همزتين ثانيتهما مكسورة، فالبصريون يوجبون إبدال الثانية ياء، وغيرهم يحقق، أو يسهل بين بين، ومن أدخل الألف .. فللخفة حتى يفرق بين الهمزتين.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التكرارُ في قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وفي قوله: ﴿أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي
стр. 4824
اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾، وفي قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾، وفي قوله: ﴿إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ وفي قوله: ﴿كَيْفَ﴾ لإفادة التأكيد.
ومنها: التنوين في قوله: ﴿براءة﴾ لإفادة التفخيم.
ومنها: التقييد بأنها من الله ورسوله، لزيادة التفخيم والتهويل.
ومنها: الأسلوب التهكمي في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾؛ لأن البشارة بالعذاب تهكم.
ومنها: الجناس المماثل بين ﴿بَرِيءٌ﴾ و ﴿بَرَاءَةٌ﴾ وبين ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ و ﴿فَأَجِرْهُ﴾ وبين ﴿اسْتَقَامُوا﴾ و ﴿فَاسْتَقِيمُوا﴾.
ومنها: الاستفهام التعجبي في قوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ﴾.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أيها المشركون.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ لأنه كناية عن عقد الأمان لهم أربعة أشهر؛ أي: يباح لكم أن تعقدوا الأمان لهم أربعة أشهر بعد نقضهم العهد المطلق، أو المقيد بدونها أو فوقها.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ شبه انقضاء الشهر وخروجه بانسلاخ الجلد من الحيوان، بجامع الانفصال في كل، ثم اشتق من الانسلاخ بمعنى الانقضاء، انسلخ بمعنى: انقضى، على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية. أو يقال (١): شبه خروج المتزمن عن زمانه، بانفصال المتمكن عن مكانه، كما ذكره الشوكاني.
ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ لزيادة التقبيح عليهم، حيث وصفهم بكونهم رؤساء في الكفر، وكان مقتضى الظاهر، فقاتلوهم.
стр. 4825
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾؛ لأن (١) النكث في الأصل الرجوع إلى خلف، ثم استعمل في النقض مجازًا، بجامع أن كلَّا متأخر عن مطلوبه، وفيه المقابلة أيضًا؛ لأنه مقابل لقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا﴾.
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ﴾ لمزيد (٢) التشنيع والتقبيح عليهم؛ لأن مقام الذم كمقام المدح، البلاغة فيه الإطناب.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾؛ لأنّ (٣) الطعن هنا مجاز عن العيب؛ لأنه حقيقة في الإصابة بالرمح أو العود وشبهه.
ومنها: الاعتراض بقوله: ﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ لأنه اعتراض بين الشرطين بين قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا﴾ لإفادة الحث والتحريض على تأمل ما فصَّله تعالى من الأحكام.
ومنها: الزيادة والحذف في مواضع.
والله أعلم
* * *
جماعة من المؤمنين كرهًا لقتال من بقي من المشركين بعد فتح مكة وظهور الإِسلام، لأمنهم من ظهورهم عليهم، ورجائهم في إيمانهم، وعلم أنه يوجد من المنافقين من يزينون لهم ذلك، والله يريد أن تطهير جزيرة العرب من الشرك وأدران الوثنية، ويمحص المؤمنين من النفاق ومثالبه، من جراء هذا أعاد الكرَّة بإقامة الأدلة على وجوب قتال الناكثين للعهد، المعتدين عليهم بالحرب، الذين بدؤوهم بالقتال وهموا بإخراج الرسول أو حبسه أو قتله.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أن الله لمَّا ذكر البراءة من المشركين وأنواعًا من قبائحهم توجب البراءة منهم .. ذكروا أنهم موصوفون بصفاتٍ حميدةٍ توجب انتفاء البراءة منها، كونهم عامري المسجد الحرام، روي أنه أقبل المهاجرون والأنصار على أسارى بدر يعيرونهم بالشرك، وطفق عليٌّ يوبخ العباس، فقال: الرسول ﷺ ، واقطيعة الرحم، وأغلظ له في القول، فقال العباس: تظهرون مساوينا وتكتمون محاسننا، فقال: أو لكم محاسن، قالوا: نعم، ونحن أفضل منكم أجرًا، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردًّا عليهم.
قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنها مكملة (٢) لما قبلها، مبينة أنَّ عمارة المسجد الحرام للمسلمين دون المشركين، وأن إسلامهم أفضل مما كان يفخر به المشركون، من عمارة المسجد وسقاية الحاج فيه.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله ، لمَّا أعلن براءته وبراءة رسوله من المشركين، وآذنهم بنبذ عهودهم، بعد أن ثبت أنه لا عهد لهم .. عَزَّ ذلك على بعض المسلمين، وتبرَّم به ضعفاء الإيمان, وكان أكثرهم من الطلقاء الذين أعتقهم
стр. 4828
النبيُّ ﷺ ، يوم فتح مكة، وكان موضع الضعف، نصرة القرابة وعصبية النسب، إذ كان لا يزال الكثير منهم أولو قرابة من المشركين، يكرهون قتالهم ويتمنون إيمانهم، بل كان لبعض ضعفاء الإيمان وليجةٌ وبطانةٌ منهم.
من أجل هذا، بين الله في هاتين الآيتين، أن فضل الإيمان والهجرة والجهاد، وقيل ما بشر الله به أهله من رحمته ورضوانه ودخول جناته لا يكمل إلا بترك ولاية الكافرين، وإيثار حب الله ورسوله، والجهاد في سبيله على حب الوالد والولد، والأخ والزوج والعشيرة والمال والسكن.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (١) أبو الشيخ عن قتادة، قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في خزاعة، حين جعلوا يقتلون بني بكرٍ بمكة، وأخرج عن عكرمة، قال: نزلت هذه الآية في خزاعة، وأخرج عن السدي ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ قال: هم خزاعة حلفاء النبي ﷺ ، يشف صدورهم من بني بكر.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ ...﴾ الآيات، أخرج ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: قال العباس، حين أسر يوم بدر: إن كنتم سبقتمونا بالإِسلام والهجرة والجهاد .. لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ...﴾ الآية.
وأخرج مسلم وابن حبان وأبو داود عن النعمان بن بشير، قال: كنت (٢) عند رسول الله ﷺ ، في نفر من أصحابه فقال رجل منهم: ما أُبالي أن لا أعمل عملًا بعد الإِسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر ما أبالي أن لا أعمل عملًا بعد الإِسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل
стр. 4829
مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ , وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة .. دخلت على رسول الله ﷺ لأستفتيه فيما اختلفتم فيه، فدخل بعد الصلاة، فاستفتاه، فأنزل الله : ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وأخرج (١) الفريابي عن ابن سيرين قال: قدم عليُّ بن أبي طالب مكة، فقال للعباس: أي عم، ألا تهاجر، ألا تلحق برسول الله ﷺ ؟ فقال: أعمر المسجد وأحجب البيت، فأنزل الله ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الآية وقال لقوم سماهم: ألا تهاجروا ألا تلحقوا برسول الله ﷺ ؟ فقالوا: نقيم مع إخواننا وعشائرنا ومساكننا، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ ...﴾ الآية كلها، وأخرج عبد الرزاق، عن الشعبي نحوه، وأخرج ابن جرير عن محمَّد بن كعب القرظي، قال: افتخر طلحة بن شيبة والعباس وعليُّ بن أبي طالب، فقال طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها، فقال عليُّ: لقد صليت إلى القبلة قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ ...﴾ الآية كلها.
التفسير وأوجه القراءة
١٣ - ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ﴾؛ أي: هلَّا تقاتلون أيها المؤمنون ﴿قَوْمًا﴾ من كفار مكة ﴿نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾؛ أي: نقضوا عهودهم التي عاهدوكم يوم الحديبية، حيث نقضوها بإعانتهم لبني بكر، الذين هم حلفاؤهم، بإعطاء السلاح لهم على خزاعة، الذين هم حلفاؤكم، وألا هنا: للتحضيض، كما قاله السيوطي في "تفسير الجلالين" وهو الطلب بحثٍّ وإزعاج، ودخول (٢) حرف التحضيض على مستقبلٍ حث على الفعل وطلبٌ له، وعلى الماضي توبيخٌ على ترك الفعل، وأدواته خمسةٌ: ألا بالتخفيف، وألا بالتشديد، وهلَّا، ولولا, ولوما، كما ذكرته
стр. 4830
في "الفتوحات القيومية".
وقال أبو حيان (١): وألا هنا حرف عرض وهو الطلب برفق ولين ومعناه هنا: الحض على قتالهم، وزعموا أنها مركبةٌ من همزة الاستفهام ولا النافية، فصار فيها معنى التحضيض اهـ وليس هذا الزعم بشيءٍ يعتد.
فالمعنى: (٢) قاتلوا قومًا اجتمعت فيهم أسبابٌ ثلاثةٌ، كل منها يقتضي قتالهم، فما بالكم باجتماعها؟ وهي نقض العهد، وإخراج الرسول، وقتال حلفائكم ﴿وَهَمُّوا﴾؛ أي: أرادوا ﴿بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ الكريم محمدٍ ﷺ ، من مكة، لكن لم يخرجوه، بل خرج باختياره بإذن الله تعالى له في الهجرة ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ﴾ أيها المؤمنون بالقتال ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أي: والحال أنهم بدؤوكم بالقتال يوم بدر أول مرة؛ لأنهم حين سلمت العير، قالوا لا ننصرف حتى نستأصل محمدًا ومن معه، أبو بدؤوا بقتال خزاعة، حلفاء النبي ﷺ ؛ لأن إعانة بني بكر عليهم بالسلاح قتالٌ معهم، فالإعانة على القتال تسمى قتالًا وقرأ زيد بن عليّ ﴿بدوكم﴾ بوزن رموكم: بغير همزٍ ووجهه: أنه سهل الهمزة من بدأت بإبدالها ياءً، كما قالوا في قرأت قريت، فصار كرميت، فلما أسند الفعل إلى واو الضمير سقطت، فصار بدوكم كرموكم، ذكره أبو حيان في "البحر" والاستفهام في قوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ للتوبيخ والتقريع؛ أي: أتخافون أيها المؤمنون أن ينالكم منهم مكروه، حتى تتركوا قتالهم لهذه الخشية، ثم بين ما يجب أن يكون الأمر عليه فقال: ﴿فَاللَّهُ﴾ ﴿أَحَقُّ﴾ وأجدر وأولى ﴿أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ في ترك أمره، وقوله: ﴿أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ بدل اشتمال من لفظ الجلالة الواقع مبتدأً؛ أي: فخشية الله تعالى أحق وأولى لكم من خشيتهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: مذعنين بأنه تعالى هو الضار النافع فاخشوه، ومن خشيتكم له أن تقاتلوا من أمركم بقتالهم.
وحاصل المعنى: أي قاتلوا هؤلاء المشركين لأسبابٍ ثلاثة:
١ - أنهم نكثوا الأيمان التي حلفوها لتأكيد عهدهم الذي عقدوه مع النبي ﷺ
стр. 4831
وأصحابه على ترك القتال عشر سنين، يأمن فيها الفريقان على أنفسهم، ويكونون فيها أحرارًا في دينهم، لكنهم لم يلبثوا أن ظاهروا حلفاءهم بني بكر على خزاعة - حلفاء النبي ﷺ ليلًا بالقرب من مكة، على ماءٍ يسمى الهجير، وكان هذا من أفظع أنواع الغدر، ولمَّا علم بذلك الرسول ﷺ .. قال: "لا نُصِرت إن لم أنصركم" وتجهز إلى مكة سنة ثمان من الهجرة.
٢ - أنهم هَمُّوا بإخراج الرسول ﷺ من وطنه، أو حبسه حتى لا يبلِّغ رسالته، أو قتله بأيدي عصبةٍ من بطون قريش، ليتفرق دمه في القبائل فتتعذَّر المطالبة به، إلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
٣ - أنهم بدؤوا بقتال المؤمنين في بدر، حين قالوا بعد العلم بنجاة عيرهم: لا ننصرف حتى نستأصل محمدًا وأصحابه، ونقيم في بدر أيامًا نشرب الخمر، وتعزف على رؤوسنا القيان، وكذا في أحد والخندق وغيرهما. وبعد أن أورد البراهين والحجج الموجبة لقتالهم، قال: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾؛ أي: أبعد هذا كله تتركون قتالهم خوفًا منكم وجبنًا ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾؛ أي: فالله أحق أن تخشوا مخالفة أمره، وترك مخالفة عدوه، إذ المؤمن حق الإيمان لا يخشى إلا الله؛ لأنه يعلم أنه هو الذي بيده النفع والضر، ولا يقدر أحد على مضرة أو نفع إلا بمشيئته، فإن خشي غيره بمقتضى سننه تعالى في أسباب الضر والنفع .. فلا ترجح خشيته على خشية الله، بأن تحمله على عصيانه ومخالفة أمره، بل يرجح خشيته تعالى على خشية غيره.
وخلاصة ما سلف: أنه بعد تلك الحجج التي تقدم ذكرها, لم يبق من سببٍ يمنع قتالهم إلا الخشية لهم والخوف من قتالهم، وخشية الله أحق وأجدر إن كنتم مؤمنين حقًّا، كيف وقد نصركم الله عليهم في مواطن كثيرة مع ضعفكم وقوتهم، وقلتكم وكثرة عددهم، وفي الآية إيماءٌ إلى أن المؤمن يجب عليه أن يكون أشجع الناس، وأعلاهم همةً، ولا يخشى إلا الله.
وبعد أن أقام الأدلة على وجوب قتالهم وفند الشبه المانعة من ذلك ..
стр. 4832
أمرهم به أمرًا صريحًا مع وعده لهم بالنصر وإظهار المؤمنين عليهم، وهذه العدة من أخبار الغيب في وقعةٍ معينة،
١٤ - وقد صدق الله وعده فقال: ﴿قَاتِلُوهُمْ﴾؛ أي: قاتلوا أيها المؤمنون المشركين الذين نقضوا العهد وبدؤوا بالقتال، فأمر الله نبيه ﷺ والمؤمنين بقتال من قاتلهم أو نقض عهدهم؛ أي: قاتلوهم كما أمرتكم، فإنكم إن فعلتم ذلك .. ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾؛ أي: يقتلهم بسيوفكم ورماحكم وسلاحكم، والمراد بالتعذيب هنا: القتل.
فإن قلت (١): كيف الجمع بين قوله: هنا ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ وبين قوله: في الأنفال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾؟
قلت: المراد بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ عذاب الاستئصال، يعني وما كان الله ليستأصلهم بالعذاب جميعًا وأنت فيهم، وبالعذاب هنا قتل من نقض العهد، والفرق بين العذابين: أن عذاب الاستئصال يتعدى إلى المذنب وغير المذنب، وإلى المخالف والموافق، وعذاب القتل لا يتعدى إلا إلى المذنب المخالف. ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾؛ أي: يذلهم بالقهر والأسر وينزل بهم الذل والهوان ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ﴾؛ أي: يبرىءُ داء قلوب طائفة ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ مما أصابهم من أذى المشركين، ومن المعلوم أن من طال تأذيه من خصمه ثم مكنه الله منه .. فإنه يشفى ويفرح بذلك، ويعظم سروره ويصير ذلك سببًا لقوة اليقين وثبات العزية، قال مجاهد والسدي: أراد صدور خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ ، وكان يومئذٍ في خزاعة مؤمنون كثير، حيث أعانت قريش بني بكر حلفاءهم على خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ ، حتى قتلوا منهم،
١٥ - ثم شفى الله صدور خزاعة من بني بكر، حين أخذ النبيُّ ﷺ وأصحابه ثأرهم منهم يوم فتح مكة ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: يذهب الله وجد قلوب طائفة من المؤمنين المذكورين وحزنها بما ناله من بني بكر من الفتك، روي أن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة: "ارفعوا السيف إلا خزاعة من بني بكر إلى العصر" ذكره البغوي بغير سند.
стр. 4833
وقد وفي الله بما وعدهم، من الأمور الخمسة، والآية من المعجزات الدالة على صدق نبوته ﷺ .
والحاصل: أن الله ذكر في جواب الأمر بالقتال خمسة أمور، وقوله: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ مستأنفٌ ولم يجزم (١)؛ لأن توبته على من يشاء ليست جزاء على قتال الكفار؛ أي: ويهدي الله من يشاء هدايته من أهل مكة وغيرهم إلى الإِسلام، فيمنُّ عليه بالتوبة من الشرك والكفر، ويهديه إلى الإِسلام، كما فعل بأبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، فهؤلاء كانوا من أئمة الكفر ورؤساء المشركين، ثم مَنَّ الله عليهم بالإِسلام يوم فتح مكة، فأسلموا ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بسرائر عباده ومن سبقت له العناية الأزلية بالسعادة، فيتوب عليه ويهديه إلى الإِسلام وهو العليم بما لا تعلمون من استعدادهم في الحال والاستقبال ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرعه لهم من الأحكام، لإقامة دينه وإظهاره على الدين كله.
ومن سننه تعالى: تفاوت البشر في العقائد والأخلاق والأعمال، وقابليَّة التحول من حال إلى حال بما يطرأ عليهم من الأسباب والمؤثرات، بحسب المقادير الإلهية الثابتة بآيات التنزيل ونظم الاجتماع.
وقرأت فرقة (٢): ﴿ويذهب غيظ﴾ فعلًا لازمًا غيظ فاعل به، وقرأ زيد بن عليّ كذلك، إلا أنه رفع الباء، وقرأ الجمهور: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ﴾ رفعًا وهو استئناف، وقرأ زيد بن عليّ والأعرج وابن أبي إسحاق وعيسى الثقفيُّ وعمرو بن عبيد وعمر ابن فائد وأبو عمرو ويعقوب فيما روي عنهما: ﴿ويتوبَ الله﴾ بنصب الباء جعله داخلًا في جواب الأمر من طريق المعنى، قيل: ويمكن أن تكون التوبة داخلة في الجزاء.
١٦ - و ﴿أم﴾ في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ بمعنى همزة الاستفهام التوبيخي، وبل التي للإضراب الانتقالي، أي: بل أظننتم أيها المؤمنون ﴿أَنْ تُتْرَكُوا﴾؛ أي: أن
стр. 4834
يترككم الله بدون تكليفكم بالقتال الذي سئمتموه ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾؛ أي: والحال أنه لم يظهر الله الذين جاهدوا منكم بالإخلاص؛ أي: لم يميزهم عن غيرهم، ممن جاهدوا بدون إخلاص، وقوله: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾ عطف على ﴿جَاهَدُوا﴾ داخل في الصلة؛ أي: ولم يظهر الذين لم يتخذوا ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تعالى ﴿وَلَا رَسُولِهِ﴾ ﷺ ، ﴿وَلَا﴾ من دون ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ المخلصين ﴿وَلِيجَةً﴾؛ أي: بطانة وأصدقاء من الكفار؛ أي: أم حسبتم أن يترككم الله سدى بلا امتحان بالتكاليف، والحال أنه لم يميز بين المجاهدين المخلصين الذين لم يتخذوا وليجةً وبطانةً من الكفار، وبين غيرهم ممن لم يخلصوا في جهادهم واتخذوا وليجةً من الكفار؛ أي: أم حسبتم أن تتركوا من غير أن تبتلوا بما يظهر به المؤمن والمنافق، الذي يستحق به الثواب والعقاب.
والمعنى: كيف تحسبون أنكم تتركون، ولما يتبين المخلص منكم في جهاده من غير المخل، ولم يتبين المتخذ وليجةً من غير المتخذ؟
والخلاصة (١): أم حسبتم أن تتركوا وشأنكم، بغير فتنةٍ ولا امتحانٍ، ولم يتبين المجاهدون المخلصون منكم، الذين لم يتخذوا لأنفسهم بطانة من المشركين، من المنافقين الذين اتخذوا لأنفسهم وليجة، من المشركين الذين يطلعون أولئك الولائج على أسرار الملة الإِسلامية، ويقفونهم على سياسة الأمة المحمدية، كما يفعل المنافقون في كل زمان؟
وقد عبَّر سبحانه عن عدم ظهور هؤلاء المجاهدين، وعن عدم تميزهم من المنافقين وضعفاء الإيمان بعدم علمه بهم؛ لأن عدم علمه بالشىء دليلٌ على عدم وجوده، ولا يظهر هؤلاء الممتازون إلا بالابتلاء بالشدائد، وذلك أنه لما فرض القتال .. تبين المنافق من غيره، ومن يوالي المؤمنين ممن يوالي أعداءهم، وقد مضت سنته تعالى بأن التكليف الذي يشق على الأنفس هو الذي يمحص ما في
стр. 4835
القلوب، ويطهر السرائر بقدر ما فيها من حسن الاستعداد، ويبرز السرائر الخبيثة ويظهر سوء استعدادها.
﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من موالاة المشركين وغيرها، فيجازيكم عليه، فيجب على الإنسان أن يبالغ في أمر النية ورعاية القلب.
وخلاصة المعنى: أظننتم أن تتركوا قبل أن يتم التمحيص والتمييز بين الصادقين في جهادهم، والكاذبين فاسدي السريرة، ومتخذي الوليجة، وهو لم يعلم الصادقين في الجهاد؛ لأنهم لم يتميزوا من غيرهم بالفعل، وما لا يعلم الله وجوده فلا وجود له، إذ لا يخفى عليه شيءٌ من أمركم وهو الخبير بكل ما تعملون.
وقرأ الجمهور (١): ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء على الخطاب، مناسبةً لقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ وقرأ الحسن ويعقوب في رواية رُوُيْسٍ وسلَّام: بالياء على الغيبة التفاتًا.
١٧ - ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: ما ينبغي ولا يصح ولا يستقيم للمشركين ﴿أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ تعالى ومتعبداته بدخولها والقعود فيها وخدمتها، فإذا دخل الكافر بغير إذن المسلم .. عزر، وإن دخل بإذنه .. لم يعزر، لكن لا بد من حاجة، فيشترط للجواز الإذن والحاجة، ويدل على جواز دخول الكافر المسجد بالإذن: (أن النبي ﷺ شد ثمامة بن أثال إلى سارية من سواري المسجد، وهو كافر) حالة كونهم ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ قولًا وفعلًا، حال من فاعل يعمروا؛ أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين، عمارة متعبدات الله، والكفر بالله قولًا؛ لأنهم يقولون في طوافهم: لبيك لا شريك لك، إلّا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، مع قولهم: نحن نعبد اللات والعزى، وفعلًا؛ لأنهم كلما طافوا .. سجدوا للأصنام، فلم يزدادوا بذلك إلا بعدًا من الله ومن مساجده.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿يَعْمُرُوا﴾ بفتح حرف المضارعة وضم الميم، من عمر