← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

وأصحابه على ترك القتال عشر سنين، يأمن فيها الفريقان على أنفسهم، ويكونون فيها أحرارًا في دينهم، لكنهم لم يلبثوا أن ظاهروا حلفاءهم بني بكر على خزاعة - حلفاء النبي ﷺ ليلًا بالقرب من مكة، على ماءٍ يسمى الهجير، وكان هذا من أفظع أنواع الغدر، ولمَّا علم بذلك الرسول ﷺ .. قال: "لا نُصِرت إن لم أنصركم" وتجهز إلى مكة سنة ثمان من الهجرة. ٢ - أنهم هَمُّوا بإخراج الرسول ﷺ من وطنه، أو حبسه حتى لا يبلِّغ رسالته، أو قتله بأيدي عصبةٍ من بطون قريش، ليتفرق دمه في القبائل فتتعذَّر المطالبة به، إلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. ٣ - أنهم بدؤوا بقتال المؤمنين في بدر، حين قالوا بعد العلم بنجاة عيرهم: لا ننصرف حتى نستأصل محمدًا وأصحابه، ونقيم في بدر أيامًا نشرب الخمر، وتعزف على رؤوسنا القيان، وكذا في أحد والخندق وغيرهما. وبعد أن أورد البراهين والحجج الموجبة لقتالهم، قال: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾؛ أي: أبعد هذا كله تتركون قتالهم خوفًا منكم وجبنًا ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾؛ أي: فالله أحق أن تخشوا مخالفة أمره، وترك مخالفة عدوه، إذ المؤمن حق الإيمان لا يخشى إلا الله؛ لأنه يعلم أنه هو الذي بيده النفع والضر، ولا يقدر أحد على مضرة أو نفع إلا بمشيئته، فإن خشي غيره بمقتضى سننه تعالى في أسباب الضر والنفع .. فلا ترجح خشيته على خشية الله، بأن تحمله على عصيانه ومخالفة أمره، بل يرجح خشيته تعالى على خشية غيره. وخلاصة ما سلف: أنه بعد تلك الحجج التي تقدم ذكرها, لم يبق من سببٍ يمنع قتالهم إلا الخشية لهم والخوف من قتالهم، وخشية الله أحق وأجدر إن كنتم مؤمنين حقًّا، كيف وقد نصركم الله عليهم في مواطن كثيرة مع ضعفكم وقوتهم، وقلتكم وكثرة عددهم، وفي الآية إيماءٌ إلى أن المؤمن يجب عليه أن يكون أشجع الناس، وأعلاهم همةً، ولا يخشى إلا الله. وبعد أن أقام الأدلة على وجوب قتالهم وفند الشبه المانعة من ذلك ..

стр. 4832

أمرهم به أمرًا صريحًا مع وعده لهم بالنصر وإظهار المؤمنين عليهم، وهذه العدة من أخبار الغيب في وقعةٍ معينة، ١٤ - وقد صدق الله وعده فقال: ﴿قَاتِلُوهُمْ﴾؛ أي: قاتلوا أيها المؤمنون المشركين الذين نقضوا العهد وبدؤوا بالقتال، فأمر الله نبيه ﷺ والمؤمنين بقتال من قاتلهم أو نقض عهدهم؛ أي: قاتلوهم كما أمرتكم، فإنكم إن فعلتم ذلك .. ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾؛ أي: يقتلهم بسيوفكم ورماحكم وسلاحكم، والمراد بالتعذيب هنا: القتل. فإن قلت (١): كيف الجمع بين قوله: هنا ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ وبين قوله: في الأنفال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾؟ قلت: المراد بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ عذاب الاستئصال، يعني وما كان الله ليستأصلهم بالعذاب جميعًا وأنت فيهم، وبالعذاب هنا قتل من نقض العهد، والفرق بين العذابين: أن عذاب الاستئصال يتعدى إلى المذنب وغير المذنب، وإلى المخالف والموافق، وعذاب القتل لا يتعدى إلا إلى المذنب المخالف. ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾؛ أي: يذلهم بالقهر والأسر وينزل بهم الذل والهوان ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ﴾؛ أي: يبرىءُ داء قلوب طائفة ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ مما أصابهم من أذى المشركين، ومن المعلوم أن من طال تأذيه من خصمه ثم مكنه الله منه .. فإنه يشفى ويفرح بذلك، ويعظم سروره ويصير ذلك سببًا لقوة اليقين وثبات العزية، قال مجاهد والسدي: أراد صدور خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ ، وكان يومئذٍ في خزاعة مؤمنون كثير، حيث أعانت قريش بني بكر حلفاءهم على خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ ، حتى قتلوا منهم، ١٥ - ثم شفى الله صدور خزاعة من بني بكر، حين أخذ النبيُّ ﷺ وأصحابه ثأرهم منهم يوم فتح مكة ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: يذهب الله وجد قلوب طائفة من المؤمنين المذكورين وحزنها بما ناله من بني بكر من الفتك، روي أن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة: "ارفعوا السيف إلا خزاعة من بني بكر إلى العصر" ذكره البغوي بغير سند.

стр. 4833

وقد وفي الله بما وعدهم، من الأمور الخمسة، والآية من المعجزات الدالة على صدق نبوته ﷺ . والحاصل: أن الله ذكر في جواب الأمر بالقتال خمسة أمور، وقوله: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ مستأنفٌ ولم يجزم (١)؛ لأن توبته على من يشاء ليست جزاء على قتال الكفار؛ أي: ويهدي الله من يشاء هدايته من أهل مكة وغيرهم إلى الإِسلام، فيمنُّ عليه بالتوبة من الشرك والكفر، ويهديه إلى الإِسلام، كما فعل بأبي سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، فهؤلاء كانوا من أئمة الكفر ورؤساء المشركين، ثم مَنَّ الله عليهم بالإِسلام يوم فتح مكة، فأسلموا ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بسرائر عباده ومن سبقت له العناية الأزلية بالسعادة، فيتوب عليه ويهديه إلى الإِسلام وهو العليم بما لا تعلمون من استعدادهم في الحال والاستقبال ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرعه لهم من الأحكام، لإقامة دينه وإظهاره على الدين كله. ومن سننه تعالى: تفاوت البشر في العقائد والأخلاق والأعمال، وقابليَّة التحول من حال إلى حال بما يطرأ عليهم من الأسباب والمؤثرات، بحسب المقادير الإلهية الثابتة بآيات التنزيل ونظم الاجتماع. وقرأت فرقة (٢): ﴿ويذهب غيظ﴾ فعلًا لازمًا غيظ فاعل به، وقرأ زيد بن عليّ كذلك، إلا أنه رفع الباء، وقرأ الجمهور: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ﴾ رفعًا وهو استئناف، وقرأ زيد بن عليّ والأعرج وابن أبي إسحاق وعيسى الثقفيُّ وعمرو بن عبيد وعمر ابن فائد وأبو عمرو ويعقوب فيما روي عنهما: ﴿ويتوبَ الله﴾ بنصب الباء جعله داخلًا في جواب الأمر من طريق المعنى، قيل: ويمكن أن تكون التوبة داخلة في الجزاء. ١٦ - و ﴿أم﴾ في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ بمعنى همزة الاستفهام التوبيخي، وبل التي للإضراب الانتقالي، أي: بل أظننتم أيها المؤمنون ﴿أَنْ تُتْرَكُوا﴾؛ أي: أن

стр. 4834

يترككم الله بدون تكليفكم بالقتال الذي سئمتموه ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾؛ أي: والحال أنه لم يظهر الله الذين جاهدوا منكم بالإخلاص؛ أي: لم يميزهم عن غيرهم، ممن جاهدوا بدون إخلاص، وقوله: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾ عطف على ﴿جَاهَدُوا﴾ داخل في الصلة؛ أي: ولم يظهر الذين لم يتخذوا ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تعالى ﴿وَلَا رَسُولِهِ﴾ ﷺ ، ﴿وَلَا﴾ من دون ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ المخلصين ﴿وَلِيجَةً﴾؛ أي: بطانة وأصدقاء من الكفار؛ أي: أم حسبتم أن يترككم الله سدى بلا امتحان بالتكاليف، والحال أنه لم يميز بين المجاهدين المخلصين الذين لم يتخذوا وليجةً وبطانةً من الكفار، وبين غيرهم ممن لم يخلصوا في جهادهم واتخذوا وليجةً من الكفار؛ أي: أم حسبتم أن تتركوا من غير أن تبتلوا بما يظهر به المؤمن والمنافق، الذي يستحق به الثواب والعقاب. والمعنى: كيف تحسبون أنكم تتركون، ولما يتبين المخلص منكم في جهاده من غير المخل، ولم يتبين المتخذ وليجةً من غير المتخذ؟ والخلاصة (١): أم حسبتم أن تتركوا وشأنكم، بغير فتنةٍ ولا امتحانٍ، ولم يتبين المجاهدون المخلصون منكم، الذين لم يتخذوا لأنفسهم بطانة من المشركين، من المنافقين الذين اتخذوا لأنفسهم وليجة، من المشركين الذين يطلعون أولئك الولائج على أسرار الملة الإِسلامية، ويقفونهم على سياسة الأمة المحمدية، كما يفعل المنافقون في كل زمان؟ وقد عبَّر سبحانه عن عدم ظهور هؤلاء المجاهدين، وعن عدم تميزهم من المنافقين وضعفاء الإيمان بعدم علمه بهم؛ لأن عدم علمه بالشىء دليلٌ على عدم وجوده، ولا يظهر هؤلاء الممتازون إلا بالابتلاء بالشدائد، وذلك أنه لما فرض القتال .. تبين المنافق من غيره، ومن يوالي المؤمنين ممن يوالي أعداءهم، وقد مضت سنته تعالى بأن التكليف الذي يشق على الأنفس هو الذي يمحص ما في

стр. 4835

القلوب، ويطهر السرائر بقدر ما فيها من حسن الاستعداد، ويبرز السرائر الخبيثة ويظهر سوء استعدادها. ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من موالاة المشركين وغيرها، فيجازيكم عليه، فيجب على الإنسان أن يبالغ في أمر النية ورعاية القلب. وخلاصة المعنى: أظننتم أن تتركوا قبل أن يتم التمحيص والتمييز بين الصادقين في جهادهم، والكاذبين فاسدي السريرة، ومتخذي الوليجة، وهو لم يعلم الصادقين في الجهاد؛ لأنهم لم يتميزوا من غيرهم بالفعل، وما لا يعلم الله وجوده فلا وجود له، إذ لا يخفى عليه شيءٌ من أمركم وهو الخبير بكل ما تعملون. وقرأ الجمهور (١): ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء على الخطاب، مناسبةً لقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ وقرأ الحسن ويعقوب في رواية رُوُيْسٍ وسلَّام: بالياء على الغيبة التفاتًا. ١٧ - ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: ما ينبغي ولا يصح ولا يستقيم للمشركين ﴿أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ تعالى ومتعبداته بدخولها والقعود فيها وخدمتها، فإذا دخل الكافر بغير إذن المسلم .. عزر، وإن دخل بإذنه .. لم يعزر، لكن لا بد من حاجة، فيشترط للجواز الإذن والحاجة، ويدل على جواز دخول الكافر المسجد بالإذن: (أن النبي ﷺ شد ثمامة بن أثال إلى سارية من سواري المسجد، وهو كافر) حالة كونهم ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ قولًا وفعلًا، حال من فاعل يعمروا؛ أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين، عمارة متعبدات الله، والكفر بالله قولًا؛ لأنهم يقولون في طوافهم: لبيك لا شريك لك، إلّا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، مع قولهم: نحن نعبد اللات والعزى، وفعلًا؛ لأنهم كلما طافوا .. سجدوا للأصنام، فلم يزدادوا بذلك إلا بعدًا من الله ومن مساجده. وقرأ الجمهور (٢): ﴿يَعْمُرُوا﴾ بفتح حرف المضارعة وضم الميم، من عمر

стр. 4836

يعمر، من باب قتل، وقرأ ابن السميقع: ﴿أن يُعمِروا﴾ بضم الياء وكسر الميم، من أعمر الرباعي؛ أي: أن يعينوا على عمارته، وقرأ ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن والجحدري ويعقوب: ﴿مسجد الله﴾ بالإفراد وقرأ باقي السبعة، ومجاهد وقتادة، وأبو جعفر والأعرج وشيبة: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ بالجمع، ومن قرأ بالإفراد: فيحتمل أن يراد به المسجد الحرام لقوله: ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أو الجنس، فيندرج فيه سائر المساجد، ويدخل المسجد الحرام دخولًا أوليًّا، ومن قرأ: بالجمع فيحتمل، أن يراد به المسجد الحرام، وإنما جمعه؛ لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها، فكان عامره عامر المساجد، وأن يراد به سائر المساجد، كما هو ظاهر اللفظ. وقرأ زيد بن علي ﴿شَاهِدُونَ﴾ على إضمار ﴿هم شاهدون﴾. وحاصل الآية: أي ما كان (١) من شأن المشركين ولا مما ينبغي لهم، أن يعمروا مساجد الله التي منها المسجد الأعظم، وهو بيته الحرام بالإقامة فيه للعبادة، أو الخدمة والولاية عليه، ولا أن يزوروه حجاجًا أو معتمرين، وقد شهدوا على أنفسهم بالكفر، قولًا وعملًا، بعبادتهم للأصنام، والاستشفاع بها، والسجود لما وضعوه منها في البيت عقب كل شوط من طوافهم، وقولهم حينئذٍ: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا، هو لك تملكه وما ملك. إذ في عملهم هذا جمع بين الضدين، فإن عمارة البيت الحسية إنما تكون لعمارته المعنوية، بعبادته تعالى وحده، وذلك لا يقع إلا من المؤمن الموحد، لكنهم يشركون به غيره ويساوونه ببعض خلقه في العبادة. وخلاصة ذلك: أنهم يجمعون بين أمرين لا يعقل الجمع بينهما على وجه صحيح، عمارة البيت الحرام بزيارته للحج أو العمرة، والكفر بربه بمساواته ببعض خلقه من الأصنام والأوثان، وقوله: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: إنهم كفروا كفرًا صريحًا، معترفًا به لا تمكن المكابرة فيه، والمراد بالعمارة الممنوعة

стр. 4837

عن المشركين للمساجد: الولاية عليها، والاستقلال بالقيام بمصالحها، كأن يكون الكافر ناظرًا للمسجد وأوقافه، أما استخدام الكافر في عمل لا ولاية فيه، كنحت الحجارة والبناء والنجارة .. فلا يدخل في ذلك. وللمسلمين أن يقبلوا من الكافر مسجدًا بناه كافر، أو أوصى ببنائه أو ترميمه، إذا لم يكن في ذلك ضرر ديني ولا سياسي، كما لو عرض اليهود الآن على المسلمين أن يعمروا المسجد الأقصى، بترميم ما كان قد تداعى من بنائه، أو بذلوا لذلك مالًا .. لم يقبل منهم؛ لأنهم يطمعون في الاستيلاء على هذا المسجد، فربما جعلوا ذلك ذريعةً لادعاء حق لهم فيه. ﴿أُولَئِكَ﴾ المشركون الكافرون بالله، وبما جاء به رسوله قد ﴿حَبِطَتْ﴾ وبطلت ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ التي يفتخرون بها من عمارة المسجد الحرام، وسقاية الحاج، وقرى الضيف، وصلة الرحم، ونحو ذلك، مما كانوا يعملونه في دنياهم، فلم يبق له أثرٌ ما في صلاح أنفسهم، ما داموا مقيمين على الشرك ومفاسده، فصارت هباءً منثورًا. ونحو هذه الآية قوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾. ﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾؛ أي: وهم مقيمون في دار العذاب إقامة خلود ودوام؛ لكفرهم الذي أحبط أحسن أعمالهم ودسَّى أنفسهم، حتى لم يبق لها أدنى استعداد لجوار ربهم في دار الكرامة والنعيم. وقرأ زيد بن علي (١): ﴿خَالِدِينَ﴾ بالياء نصبًا على الحال، وفي النار هو الخبر، كما تقول: في الدار زيد قاعدًا ١٨ - ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ بنحو البناء والتزيين بالفرش والسرج، وقال أبو حيان (٢): ويتناول عمارتها رمَّ ما تهدّمَ منها، وتنظيفها وتنويرها وتعظيمها واعتيادها للعبادة والذكر - ومن الذكر درس العلم، بل هو أجله -، وصونها عما لم تبن له، من الخوض في أحوال الدنيا، وفي

стр. 4838

الحديث: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد .. فاشهدوا له بالإيمان"، انتهى. وقرأ الجحدري وحماد بن أبي سلمة، عن ابن كثير: ﴿مسجد الله﴾ بالإفراد وقرأ السبعة وجماعة بالجمع، ذكره في "البحر"، والظاهر: أن الجمع هنا حقيقة؛ لأن المراد جميع المؤمنين العامرين لجميع مساجد أقطار الأرض؛ أي: إنما يصح أن يعمر المساجد عمارة يعتد بها ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ تعالى؛ لأن المساجد موضعٌ يعبدون الله فيه، فمن لم يكن مؤمنًا بالله .. لا يبني موضعًا يعبد الله فيه ﴿و﴾ آمن بـ ﴿اليوم الآخر﴾؛ لأن الاشتغال بعبادة الله لا تفيد إلا في القيامة، فمن أنكر القيامة، لا يعبد الله، ومن لا يعبد الله، لا يبني بناءً لعبادة الله تعالى. ولم (١) يذكر الإيمان بالرسول؛ لأن الإيمان باليوم الآخر إنما هو متلقف من أخبار الرسول، فتضمن الإيمان بالرسول، أو لم يذكر لما علم وشهر من أن الإيمان باللهِ تعالى قرينته الإيمان بالرسول لاشتمال كلمة الشهادة والأذان والإقامة وغيرها عليهما، مقترنين مزدوجين، كأنهما شيءٌ واحدٌ لا ينفك أحدهما عن صاحبه، فانطوى تحت ذكر الإيمان بالله الإيمان بالرسول ﷺ ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ بأركانها وآدابها، فإن المقصود الأعظم من بناء المساجد: إقامة الصلوات ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾؛ أي: أدى الزكاة المفروضة لمستحقيها، وإنما اعتبر (٢) إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في عمارة المسجد؛ لأن الإنسان إذا كان مقيمًا للصلاة، فإنه يحضر في المسجد فتحصل عمارة المسجد بذلك الحضور، وإذا كان مؤدِّيًا للزكاة .. فإنه يحضر في المسجد طوائف الفقراء والمساكين، لطلب أخذ الزكاة، فتحصل عمارة المسجد بذلك الحضور، ولأنَّ (٣) الإنسان لا يشتغل بعمارة المسجد إلا إذا كان مقيمًا للصلاة، مؤدِّيًا للزكاة؛ لأن الصلاة والزكاة واجبان، وعمارة المسجد نافلةٌ، ولا يشتغل الإنسان بالنافلة، إلا بعد إكمال الفريضة الواجبة عليه ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾؛ أي: ولم يخف في باب الدين غير الله تعالى، ولم يترك أمر الله لخشية

стр. 4839

الناس، ولم يختر على رضا الله رضا غيره، وإنما قلنا في باب الدين؛ لأن الخشية عن المحاذير جبلية، لا يكاد الرجل العاقل يتمالك عنها. والمعنى: أن (١) المستحقين لعمارة المساجد هم الجامعون بين الإيمان بالله على الوجه الذي بينه في كتابه - من توحيده، وتخصيصه بالعبادة، والتوكل عليه، والإيمان باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه عباده، ويجزي فيه كل نفس بما كسبت - مع إقامة الصلاة المفروضة على الوجه الجامع بين أركانها وآدابها، وتدبر تلاوتها وأذكارها، وبذا تكسب من يقيمها مراقبة ربه وخشيته والخشوع إليه، ومع إعطاء زكاة الأموال لمستحقيها من الفقراء والمساكين، ومع خشية الله دون غيره، مما لا ينفع ولا يضر، كالأصنام وغيرها مما عبد من دون الله تعالى، خوفًا من ضرره أو رجاءً لنفعه. ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾؛ أي: فيرجوا أولئك الموصوفون بالصفات الأربعة أن يكونوا من المهتدين؛ أي: من الذين سبقت لهم الهداية في علمه؛ أي: فأولئك الذين يجمعون بين الأركان الهامة من أركان الإِسلام، هم الذين يرجون أن يكونوا من المهتدين إلى ما يحب الله ويرضيه من عمارة المساجد حسًّا ومعنًى، بحسب سننه تعالى في أعمال البشر وتأثيرها في نفوسهم، وبذا يستحقون عليها الجزاء في جنان النعيم، لا أولئك المشركون الذين يجمعون بين أضدادها من الإيمان بالطاغوت والشرك بالله والكفر بما جاء به رسوله، وينفقون أموالهم للصد عن سبيل الله، ومنع الناس من الإِسلام، وقيل: (عسى) في كلام الله للوجوب والتحقق، والمعنى حينئذٍ: فحقيقٌ واجبٌ كون أولئك الموصوفين بالصفات السابقة من المهتدين. وفي ذلك (٢) قطعٌ أطماع المشركين أن يكونوا مهتدين، إذ من جمع هذه الخصال الأربعة .. جعل حاله حال من ترجى له الهداية، فكيف بمن هو عار

стр. 4840

منها؟ وفي ذلك ترجيح الخشية على الرَّجاء، ورفض الاغترار بالأعمال الصالحة، فربما دخلها بعض المفسدات وصاحبها لا يشعر بها. فصل في ذكر نبذة من الأحاديث الواردة في عمارة المساجد وبنائها وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: "من غدا إلى المسجد، أو راح .. أعدَّ الله له في الجنة نزلًا، كلما غدا أو راح" متفق عليه. والنزل: ما يهيأ للضيف عند نزوله بالقوم. وعن عثمان بن عفان ﵁ أنه لما بنى مسجد رسول الله ﷺ ، ولامه الناس .. قال: إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "من بنى لله مسجدًا يبتغي به وجه الله .. بنى الله له بيتًا في الجنة" متفق عليه. وأخرجه الترمذي وفي رواية: "بنى الله له في الجنة مثله". وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من بنى لله مسجدًا، صغيرًا كان أو كبيرًا .. بنى الله له بيتًا في الجنة" أخرجه الترمذي. وعن عمرو بن عبسة، أن رسول الله ﷺ قال: "من بنى لله مسجدًا ليُذكر الله فيه .. بنى الله له بيتًا في الجنة" أخرجه النسائي. وعن ابن عباس ﵁ مرفوعًا: "مَنْ بنى لله مسجدًا، ولو كمفحص - الموضع الذي تفحص التراب عنه، وتكشفه لتبيض فيه - قطاةٍ لبيضها .. بنى الله له بيتًا في الجنة" أخرجه أحمد. وروى الشيخان وأبو داود وابن ماجه: أنَّ امرأة كانت تقُمُّ المسجد - تَكْنِسُهُ - فماتت، فسأل عنها النبي ﷺ ، فقيل له: ماتت، فقال: "أفلا كنتم آذنتموني بها لأصلي عليها، دلوني على قبرها" فأتى قبرها فصلى عليها. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد .. فاشهدوا له بالإيمان". وتلا: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ ...﴾ الآية،

стр. 4841

أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم. ١٩ - والاستفهام في قوله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ للإنكار، وهو كلام مستأنف خوطب به المشركون، التفاتًا من الغيبة في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا ...﴾ إلخ، وقيل: خوطب به المؤمنون الذين تنازعوا أَيِّ الأعمال أفضل. والسقاية والعمارة مصدران، كالسعاية والحماية، فالسقاية: إسقاء الحجاج، وإعطاء الماء لهم، والعمارة: تعمير المسجد تعميرًا حسيًّا أو معنويًّا، كما مر، ولا بد من تقدير مضاف، ليتفق الموضوع والمحمول، إما في الآخر، والتقدير: أجعلتم أيها المشركون، أو المؤمنون، سقاية الحجاج وعمارة المسجد الحرام ﴿كـ﴾ ـعمل ﴿من آمن بالله﴾ ، أو كإيمان من أمن بالله. وإما في الأول، والتقدير: أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام الذين هم المشركون، كمن آمن بالله في الفضيلة وعلو الدرجة، ويؤيد هذا التأويل قراءة ابن الزبير وغيره: ﴿أجعلتم سُقاة الحاجِّ وعَمَرَةَ المسجدِ الحرامِ﴾ جمع ساقٍ وعامر، وعلى هذه القراءة لا يحتاج إلى تقدير مضاف. والمراد (١): أنه لا ينبغي أن تجعلوا أهل السقاية والعمارة في الفضيلة كمن آمن بالله ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تعالى؛ أي: في طاعته لإعلاء كلمته، فإنَّ السقاية والعمارة، وإن كانتا من أعمال البر والخير، فأصحابهما لا يدانون أهل الإيمان والجهاد في علوِّ المرتبة وشرف المقدار. والمعنى (٢): أنَّ الله تعالى أنكر عليهم التسوية بين ما كان تعمله الجاهلية من الأعمال التي صورتها صورة الخير، وإن لم ينتفعوا بها، وبين إيمان المؤمنين وجهادهم في سبيل الله، وقد كان المشركون يفتخرون بالسقاية والعمارة، ويفضلونهما على عمل المسلمين، فأنكر عليهم ذلك ثم صرح سبحانه بالمفاضلة بين الفريقين، وتفاوتهم وعدم استوائهم، فقال: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تعالى؛ أي:

стр. 4842

لا تساوي تلك الطائفة الكافرة الساقية للحجيج العامرة للمسجد الحرام هذه الطائفة المؤمنة بالله واليوم الآخر، المجاهدة في سبيله، ودل سبحانه بنفي الاستواء على نفي الفضيلة التي يدعيها المشركون؛ أي: إذا لم تبلغ أعمال الكفار إلى أن تكون مساوية لأعمال المسلمين .. فكيف تكون فاضلة عليها كما يزعمون؟! أي: لا يساوي الفريق الأول الفريق الثاني، لا في صفته، ولا في عمله في حكم الله، ولا في مثوبته وجزائه عليه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فضلًا عن أن يفضله كما يزعم كبراء مشركي قريش، الذين كانوا يتبجحون بخدمة البيت ويستكبرون على الناس بها. ثم حكم عليهم بالظلم، وأنهم مع ظلمهم بما هم فيه من الشرك لا يستحقون الهداية من الله سبحانه، حيث قال: ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: لا يهديهم إلى الحق في أعمالهم، ولا إلى الحكم العدل في أعمال غيرهم، إذ ليس من سننه تعالى في أخلاق البشر وأعمالهم أن يهدي الظالم إلى شيء من ذلك، ومن أقبح الظلم تفضيل خدمة حجارة البيت، وحفظ مفتاحه، وسقاية الحاج على الإيمان باللهِ وحده، إذ به تطهر الأنفس من أدناس الشرك وخرافاته، وعلى الإيمان باليوم الآخر الذي يزع النفس عن البغي والظلم، ويحبب إليها الحق والعدل، ويرغبها في الخير وعمل البر، ابتغاء مرضاة الله تعالى، لا للفخر والرياء، وعلى الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال لإحقاق الحق وإبطال الباطل. وقرأ الجمهور (١): ﴿سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وهما مصدران كما مرَّ، وقرأ عبد الله بن الزبير والباقر وأبو حيوة وابن أبي وجرة السعديُّ وسعيد بن جبير: ﴿سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المسجدِ الحرامِ﴾ جمع ساق كرام ورماة وجمع عامر، كصانع وصنعة، وكامل وكملة إلا أن ابن جبير نصب المسجد على إرادة

стр. 4843

التنوين في عمرة، وقرأ الضحاك: ﴿سُقاية﴾ بضم السين ﴿وعمرة﴾ بنى الجمع على فعال، كرخل ورخال الرخل: الأنثى من أولاد الضأن وكان المناسب أن يكون بغيرها, لكنه أدخل الهاء كما دخلت في حجارة. ٢٠ - ثم صرح بالفريق الفاضل، وبين مراتب فضلهم إثر بيان عدم استوائهم هم والمشركين الظالمين، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله، وبجميع ما يجب الإيمان به، مبتدأ. ﴿وَهَاجَرُوا﴾؛ أي: فارقوا أوطانهم من مكة إلى المدينة، طلبًا لرضا الله ورسوله ﴿وَجَاهَدُوا﴾ الكافر ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي في طاعته لإعلاء كلمته، لا للحمية والوطنية باذلين ﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾ النفيسة ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾ العزيزة ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ خبر المبتدأ؛ أي: أعظم درجة ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ تعالى، وأعلى مقامًا في مراتب الفضل، والكمال في حكم الله، وأكبر مثوبة من أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد، اللذين رأى بعض المسلمين أو المشركون أنهما من أفضل القربات بعد الإِسلام أو أنهما أفضل من الإِسلام؛ أي: أحق بما لديه من الخير من تلك الطائفة المشركة المفتخرة بأعمالها المحبطة الباطلة؛ أي: فالذين نالوا فضل الهجرة والجهاد، بنوعيه النفسي والمالي، أعلى مرتبة وأعظم كرامةً ممن لم يتصف بهما، كائنًا من كان، ويدخل في ذلك أهل السقاية والعمارة ﴿وَأُولَئِكَ﴾ المؤمنون - المهاجرون المجاهدون ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بمثوبة الله تعالي وكرامته، دون من لم يكن مستجمعًا لهذه الصفات الثلاث، وإن سقى الحاج وعمر المسجد الحرام، فإن ثواب المؤمن على هذين العملين دون ثوابه على الهجرة والجهاد، ولا ثواب للكافر عليهما في الآخرة، فإن الكفر بالله ورسله واليوم الآخر يحبط الأعمال البدنية، وإن فرض فيها حسن النية. ٢١ - ثم بين سبحانه ذلك الفوز العظيم بقوله: ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾؛ أي: يبشر هؤلاء المؤمنين المهاجرين المجاهدين ﴿رَبُّهُمْ﴾ ﴿بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ تعالى، أي: بمنفعة خالصة دائمة، مقرونة بالتعظيم من قبل الله تعالى، جزاء على إيمانهم الخالص ﴿و﴾ بـ ﴿رضوان﴾ كامل لا يشوبه سخط على جهادهم الذي فيه بذل الأنفس والأموال ﴿و﴾ بـ ﴿جناتٍ﴾؛ أي: بساتين ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾؛ أي: دائم في مقابلة هجرتهم.

стр. 4844

أي (١): يبشرهم ربهم في كتابه على لسان رسوله وعلى لسان ملائكته حين الموت برحمةٍ منه ورضوان كامل من لدنه، لا يشوبه سخط، وجنات تجري من تحتها الأنهار، ولهم فيها نعيم مقيم لا يزول على عظمه وكماله حال، كونهم ٢٢ - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: ماكثين في تلك الجنات مكثًا مؤبَّدًا، لا نهاية له، لا يموتون ولا يخرجون منها، والتنوين في الرحمة والرضوان والجنات للتعظيم والنعيم (٢) المقيم الدائم المستمرَّ، الذي لا يفارق صاحبه، وذكر الأبد بعد الخلود، تأكيدٌ له، وجملة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ مؤكدة لما قبلها مع تضمنها للتعليل؛ أي: أعطاهم الله تعالى هذه الأجور العظيمة، لكون الأجر الذي عنده عظيمًا، يهب منه ما يشاء لمن يشاء، وهو ذو الفضل العظيم. ولمَّا وصف (٣) الله المؤمنين بثلاث صفات: الإيمان والهجرة والجهاد بالنفس والمال .. قابلهم على ذلك التبشير بثلاث، وبدأ بالرحمة التي هي النجاة من النيران في مقابلة الإيمان, وثنى بالرضوان الذي هو نهاية الإحسان في مقابلة ترك الأوطان، ثم ثلث بالجنات التي هي المنافع العظيمة في مقابلة الجهاد الذي فيه بذل الأنفس والأموال، وإنما خصوا بالأجر العظيم؛ لأنَّ إيمانهم أعظم الإيمان. وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف وحميد بن هلال (٤): ﴿يَبشُرهم﴾ بفتح الياء وضم الشين خفيفةً. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿ورُضوان﴾ بضم الراء، وتقدم ذكر ذلك في أوائل آل عمران، وقرأ الأعمش: بضم الراء والضاد معًا. قال أبو حاتم: لا يجوز هذا. انتهى، وينبغي أن يجوز فقد قالت العرب: سلطان، بضم اللام، وأورده الصرفيون في أبنية الأسماء ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾؛ أي: إن ما عند الله من الأجر على الإيمان, وصالح العمل الذي من أشقه الهجرة والجهاد، عظيم لا يقدر قدره إلا الله الذي تفضل به ومنحه لعباده

стр. 4845

المكرمين، ولا سيما على الإيمان الكامل، الباعث على هجر الوطن ومفارقة الأهل والسكن، وعلى إنفاق المال الذي هو أحب شيء إلى النفس، وعلى بذل النفس، التي هي أعز شيء على الإنسان. فما أجدرهم أن يبشرهم بأنواع من الأجر والجزاء، ما بين روحي وجسماني: فالأول: الرحمة والرضوان، والرضوان: هو نهاية الإحسان، وهو أعلى النعيم، وأكمل الجزاء، ما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ وما رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: ربنا، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا". والثاني: هو النعيم المقيم في جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا. ٢٣ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ﴾؛ أي: أقاربكم؛ أي: لا تجعلوا آباءكم وإخوانكم ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ وأصدقاء وبطانةً لأنفسكم، تفشون إليهم أسراركم ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ﴾؛ أي: إن أحب الآباء والإخوان الكفر واختاروه ﴿عَلَى الْإِيمَانِ﴾ بالله ورسوله، وأقاموا عليه وتركوا الإيمان. والمعنى (١): أي لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء، تنصرونهم في القتال، وتظاهرون لأجلهم الكفار، أو تطلعونهم على أسرار المؤمنين، وما يستعدون به لقتال المشركين، إن أصروا على الكفر وآثروه على الإيمان، فإن في ذلك قوةً

стр. 4846

للمشركين على قتال المؤمنين، دحضًا لشوكتهم، وقد حدث ذلك منذ ظهور الإِسلام إلى نزول هذه السورة، فقد كتب حاطب بن أبي بلتعة، وهو من أهل بدر، وقد استخفته نعرة القرابة إلى مشركي مكة خفيةً، يعلمهم بما عزم عليه النبي ﷺ من قتالهم؛ ليتخذ له بذلك يدًا عندهم يكافؤنه عليه بحماية ما كان له عندهم من قرابة، وفي ذلك نزلت سورة الممتحنة، للنهي عن موالاة أعداء الله وأعدائهم ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون، وهم على تلك الحال في الدين ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المتولون لهم ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لأنفسهم ولجماعتهم، بوضعهم الموالاة في غير موضعها، فهم قد وضعوا الولاية في موضع البراءة والمودة في محل العداوة وقد حملهم على هذا الظلم نعرة القرابة وحمية الجاهلية، وذكر (١) الآباء والإخوان لأنهم أهل الرأي والمشورة، ولم يذكر الأبناء هنا لأنهم في الغالب تبع لآبائهم، وقرأ عيسى بن عمر: ﴿أن استحبوا﴾، بفتح الهمزة، جعله تعليلًا وغيره بكسرها جعله شرطًا. والخطاب (٢) في هذه الآية للمؤمنين كافة وهو حكمٌ باقٍ إلى يوم القيامة، يدل على قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين. وقالت طائفة من أهل العلم: إنها نزلت في الحض على الهجرة ورفض بلاد الكفر، فيكون الخطاب لمن كان من المؤمنين بمكة وغيرها من بلاد العرب، نهوا بأن يوالوا الآباء والإخوة، فيكونون لهم تبعًا في سكنى بلاد الكفر، ثم حكم على من يتولى من استحب الكفر على الإيمان, من الآباء والإخوان بالظلم، فدل ذلك على أن تولي من كان كذلك من أعظم الذنوب وأشدِّها. ولمَّا نزلت هذه الآية السابقة .. ٢٤ - قال الذين أسلموا ولم يهاجروا: إن نحن هاجرنا .. ضاعت أموالنا وذهبت تجارتنا، وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا، فأنزل الله : ﴿قُلْ﴾؛ أي: قل يا محمَّد لهؤلاء الذين قالوا هذه المقالة: ﴿إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾؛ أي: حواشيكم ﴿وَأَزْوَاجُكُمْ﴾؛ أي: زوجاتكم ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾؛ أي: أهلكم الأدنون الذين تعاشرونهم،

стр. 4847

كالأعمام وأبنائهم، وقرأ الجمهور (١): ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ بالإفراد بغير ألف. وقرأ أبو بكر عن عاصم، وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن: ﴿وعشائركم﴾ بالألف على الجمع ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾؛ أي: اكتسبتموها ﴿وَتِجَارَةٌ﴾؛ أي: أمتعة اشتريتموها للتجارة والربح ﴿تَخْشَوْنَ﴾ كسادها؛ أي: عدم رواجها وربحها بفراقكم لها ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾؛ أي: منازل تحبون الإقامة فيها ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾؛ أي: أعجب عندكم ﴿مِنَ﴾ طاعة ﴿الله﴾ والهجرة إلى ﴿وَرَسُولِهِ﴾ ﷺ ، بالحبِّ الاختياري والقراء على (٢) نصب ﴿أحبَّ﴾؛ لأنه خبر ﴿كان﴾ وكان الحجاج بن يوسف يقرأ: ﴿أحبُّ﴾ بالرفع ولحنه يحيى بن يعمر، وتلحينه إياه ليس من جهة العربية، وإنما هو لمخالفة إجماع القراء النقلة، وإلا فهو جائز في علم العربية على أن يضمر في ﴿كان﴾ ضمير الشأن. ويلزم ما بعدها بالابتداء والخبر، وتكون الجملة في موضع نصب على أنها خبر ﴿كان﴾ ﴿و﴾ من ﴿جهادٍ في سبيله﴾؛ أي: في طاعته ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾؛ أي: فانتظروا عذاب الله، مقيمين بمكة ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ﴾ ﴿بِأَمْرِهِ﴾ أي: بقضائه فيكم وهو عقوبته التي تحل بكم عاجلًا أو آجلًا، وهذا أمر تهديد وتخويف، وقال مجاهد ومقاتل: بفتح مكة، وفيه بُعد، فقد روي أن هذه السورة نزلت بعد الفتح، ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: لا يرشد القوم الخارجين عن طاعته إلى طريق الضلال، وفي هذا دليلٌ على أنه إذا وقع تعارض بين مصالح الدين ومصالح الدنيا .. وجب على المسلم ترجيح مصالح الدين على مصالح الدنيا، ليبقى الدين سليمًا. ومعنى الآية (٣): قل لهم يا محمَّد: وإن كنتم تفضلون حظوظ الدنيا وشهواتها، من الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال، والتجارة على حب الله ورسوله، والجهاد في سبيله الذي وعدتم عليه أنواع السعادة الأبدية في الآخرة .. فانتظروا حتى يأتي أمر الله؛ أي: عقوبته التي تحل بكم عاجلًا أو آجلًا.

стр. 4848

وقد ذكر سبحانه الأمور الداعية إلى مخالطة الكفار وحصرها في أربعة: ١ - مخالطة الأقارب، وذكر منهم الآباء والأبناء والإخوان والأزواج, ثم ذكر الباقي بلفظ العشيرة. ٢ - الميل إلى إمساك الأموال المكتسبة. ٣ - الرغبة في تحصيل الأموال وتثميرها بالتجارة. ٤ - الرغبة في الأوطان والدور التي بنيت للسكنى. وخلاصة ذلك: إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية أولى عندكم من طاعة الله وطاعة رسوله، ومن المجاهدة في سبيله .. فتربصوا بما تحبون حتى يأتي الله بعقوبة من عنده عاجلة أو آجلة. وبتفصيل ما تقدم في الآية نجد أنها حوت أمورًا ثمانية من أفضل ما يحب: ١ - حب الأبناء للآباء وهو غريزيٌّ في النفوس، فالولد بضعة من أبيه يرث بعض صفاته وطبائعه، من جسمية وخلقية، وقد كان العرب يتفاخرون بآبائهم في أسواقهم وفي معاهد الحج، كما قال تعالى حاثًّا على ذكره: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. ٢ - حب الآباء للأبناء وهو غريزيٌّ أيضًا، وحب الوالد للولد أقوى وأبقى من عكسه، فهو يحرص على بقائه كما يحرص على نفسه، أو أشد، ويحرم نفسه كثيرًا من الطيبات إيثارًا له بها في حاضر أمره ومستقبله، ويكابد الأهوال، ويركب الصعاب، ويقوم بتربيته وتعليمه، إذ هو مناط الآمال وزينة الحياة، كما قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. ٣ - حب الإخوة وهو يلي في المرتبة حب البنوة والأبوة، وهو حب يقتضيه التناصر والتعاون في الكفاح في الحياة والبيوت التي سلمت فطرة أهلها وكرمت أخلاقهم، يحبون إخوتهم كأنفسهم وأولادهم، ويوقرون كبيرهم ويرحمون

стр. 4849

صغيرهم، ويكفلون من تركه أبوه صغيرًا فيتربى مع أولادهم كأحدهم. ٤ - حب الزوجة، وبالزوجية يتحد بشران، يتمم وجود كل منهما وجود الآخر، وينتجان بشرًا مثلهما، ومن ثم امتن الله علينا به فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. ٥ - حب العشيرة، وهو حب عصبية وتعاون وولاية ونصر، في مواطن القتال والنزال، والذود عن الحمى والحريم، وهو يكون على أشده في أهل البداوة ومن على مقربة منهم من أهل الحضر. ٦ - حب الأموال المقترفة؛ أي: المكتسبة، وهو أقوى من حب الأموال الموروثة؛ لأنَّ عناء النفس في جمعها يجعل لها في قلبه منزلة لا تكون لما يجيء من المال عفوًا. ٧ - حب التجارة التي يخشى كسادها في حال الحرب، وقد كان لبعض المسلمين من أهل مكة تجارة يخشون كسادها في ذلك الحين؛ لأن أكثر مستهلكيها كانوا من المشركين، وكانت أسواقها تنصب في موسم الحج، وقد منع منه المشركون بنص الآيات السابقة واللاحقة. ٨ - حب المساكن الطيبة المرضية، وقد كان لبعض المسلمين دور حسنة في مكة، كانوا يتمتعون فيها بالإقامة والسكن، لما فيها من المرافق وأسباب الراحة. فهذه الثمانية الأنواع من الحب تجعل القتال مكروهًا مبغوضًا لدى النفوس، فوق ماله من بغض بمقتضى ذاته، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾. أما حبه تعالى: فيجب أن يكون فوق هذه الأنواع لفضله وإحسانه بالإيجاد والإعدام، وتسخير منافع الدنيا للناس، وهو يتفاوت بتفاوت معارف الإنسان في آلاء الله في خلقه، وإدراك ما فيها من الإبداع والإتقان ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.

стр. 4850

وكذلك حب رسوله، يجب أن يكون فوق هذه أيضًا فإنه ﷺ كان المثل الأعلى في أخلاقه وآدابه، وقد أرسله الله تعالى هدايةً للعالمين إلى يوم الدين. قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: الخارجين من حدود الدين والشريعة، ومن سلامة الفطرة إلى فساد الطباع، ومن نور العقل إلى ظلمة الجهل والتقليد. وقد جرت سنته تعالى أن يكون الفاسقون محرومين من الهداية الفطرية التي يهتدي إلى معرفتها الإنسان بالعقل السليم والوجدان الصحيح، ومن ثم هم يؤثرون حب القرابة والمنفعة الطارئة كالمال والتجارة على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله. هذا وقد جاءت أحاديث كثيرة في فضل حب الله ورسوله ﷺ : منها: ما رواه الشيخان من حديث أنس مرفوعًا: "ثلاث من كن فيه .. وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار". وعنه أيضًا: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين". والوسيلة إلى هذه المعرفة والحب كثرة الذكر والفكر وتدبر القرآن والتزام أحكام الشرع، والذكر الحق: هو ذكر القلب مع حسن النية وصحة القصد، وتأمُّل سنن الله وآياته في الخلق، وأن تذكر حين رؤية كل شيء من صنع الله تعالى وسماع كل صوت من مخلوقات الله أنه يسبح بحمده تعالى، ويدل على قدرته وحكمته ورحمته. ومن أقام فرائض الله كما أمر وترك معاصيه كما نهى .. فإنه يصل بفضل الله تعالى إلى المقام الذي أشار إليه في الحديث القدسي: "وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضه عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته .. كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصِر به، ويده التي

стр. 4851

يبطش بها، ورجله التي يمشي بها" رواه البخاري. الإعراب ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾. ﴿أَلَا﴾ حرف تحضيض مضمَّن معنى التوبيخ ﴿تُقَاتِلُونَ قَوْمًا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة ﴿نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول والجملة في محل النصب صفة ﴿قَوْمًا﴾ ﴿وَهَمُّوا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿نَكَثُوا﴾ ﴿بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿هموا﴾ ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ ﴿بَدَءُوكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿بدؤوا﴾ وجملة ﴿بدؤوا﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من واو ﴿هموا﴾ ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام التوبيخي مضمن معنى الإنكار ﴿تخشوهم﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ﴾: مبتدأ وخبر و ﴿الفاء﴾: عاطفة مضمنة معنى التعليل، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ على كونها معلَّلة لها ﴿أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ ناصب وفعل وفاعل ومفعول، والجملة في تأويل مصدر بدل اشتمال من المبتدأ؛ أي: فخشية الله أحق وأجدر بكم ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِن﴾ ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ خبر ﴿كان﴾ وجواب ﴿إنْ﴾ الشرطية معلوم مما قبلها، تقديره: إن كنتم مؤمنين .. فاخشوا الله تعالى. وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾. ﴿قَاتِلُوهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول والجملة مستأنفة ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل مجزوم بالطلب السابق، والجملة جملة جوابية، لا محل لها من

стр. 4852

الإعراب ﴿بِأَيْدِيكُمْ﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿يُعَذِّبْهُمُ﴾ ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ فعل ومفعول معطوف على ﴿يُعَذِّبْهُمُ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ ﴿وَيَنْصُرْكُمْ﴾ فعل ومفعول معطوف عليه أيضًا وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿ينصركم﴾ ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ﴾ فعل ومفعول ومضاف إليه معطوف عليه أيضًا ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ صفة ﴿قَوْمٍ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ فعل ومفعول ومضاف إليه معطوف عليه أيضًا، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل والجملة مستأنفة ﴿عَلَى مَنْ﴾ جار ومجرور متعلق بيتوب ﴿يَشَاءُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: من يشاء التوبة عليه ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر أول ﴿حَكِيمٌ﴾ خبر ثان والجملة مستأنفة. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾. ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى الهمزة التي للاستفهام الإنكاري، وبل التي للإضراب الانتقالي ﴿حَسِبْتُمْ﴾ فعل وفاعل والجملة مستأنفة ﴿أَنْ تُتْرَكُوا﴾ ناصب وفعل وفاعل، والجملة في تأويل مصدر ساد (١) مسد مفعولي حسب تقديره: بل أظننتم ترككم. ﴿وَلَمَّا﴾ ﴿الواو﴾ حالية ﴿لَمَّا﴾ حرف نفي وجزم ﴿يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لمَّا﴾ والجملة في محل النصب، حال من واو ﴿تُتْرَكُوا﴾ ﴿جَاهَدُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور حال من واو ﴿جَاهَدُوا﴾ ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾ جازم وفعل وفاعل معطوف على ﴿جَاهَدُوا﴾ على كونها صلة الموصول، أو في محل النصب حال من واو ﴿جَاهَدُوا﴾ تقديره: ﴿جَاهَدُوا﴾ حال كونهم غير متخذين وليجة ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يَتَّخِذُوا﴾ أو في محل المفعول الثاني إن كان الاتخاذ بمعنى التصيير ﴿وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوفان على الجلالة

стр. 4853

﴿وَلِيجَةً﴾ مفعول به، أو مفعول أول ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿خَبِيرٌ﴾ خبره ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿خَبِيرٌ﴾ ﴿تَعْمَلُونَ﴾ فعل وفاعل صلة بـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما تعملونه. ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧)﴾. ﴿مَا﴾ نافية ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿كَانَ﴾ ﴿أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ ناصب وفعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه والجملة الفعلية في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسمًا مؤخرًا لـ ﴿كَانَ﴾ تقديره: ما كان عمارة مساجد الله كائنة للمشركين مستحقةً لهم وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة ﴿شَاهِدِينَ﴾ حال من واو ﴿يَعْمُرُوا﴾ ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿شَاهِدِينَ﴾ ﴿بِالْكُفْرِ﴾ جار ومجرور متعلق به أيضًا ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ فعل وفاعل والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿وَفِي النَّارِ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿في النار﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾ ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ﴿خَالِدُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جملة أولئك. ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾. ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر ﴿يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ فعل ومفعول ومضاف إليه ﴿مَنْ﴾ موصولة في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿آمَنَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة صلة الموصول ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿آمَنَ﴾ ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ معطوف على الجلالة ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنَ﴾ وكذلك جملة ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ معطوفة عليه ﴿وَلَمْ يَخْشَ﴾ جازم وفعل مجزوم وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنَ﴾ ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿اللَّهَ﴾ مفعول به.

стр. 4854

﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. ﴿فَعَسَى﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة مضمنة معنى التعليل أو استئنافية ﴿عَسَى﴾ فعل ماض ناقص من أفعال الرجاء ﴿أُولَئِكَ﴾ اسمها ﴿أَنْ يَكُونُوا﴾ ناصب وفعل ناقص واسمه ﴿مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ خبره وجملة ﴿يَكُونُوا﴾ مع أن المصدرية في تأويل مصدر منصوب على كونه خبر ﴿عَسَى﴾ ولكنه في تأويل اسم الفاعل، تقديره: عسى أولئك كونهم مهتدين؛ أي: عسى أولئك كائنين من المهتدين، والمعنى: حق كونهم من المهتدين، وجملة ﴿عَسَى﴾ معطوفة على جملة قوله ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ أو مستأنفة. ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾. ﴿أَجَعَلْتُمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري ﴿جعلتم﴾ فعل وفاعل والجملة مستأنفة ﴿سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ مفعول أول ومضاف إليه ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ معطوف عليه ﴿كَمَنْ﴾ جار ومجرور في محل المفعول الثاني، لـ ﴿جعل﴾ ولكنه على تقدير مضاف كما مر في بحث التفسير؛ أي: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، كائنين كإيمان من آمن بالله ﴿آمَنَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به ﴿وَالْيَوْمِ﴾ معطوف على الجلالة ﴿الْآخِرِ﴾ صفة لـ ﴿اليوم﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿من﴾ الموصولة ﴿وَجَاهَدَ﴾ فعل ماض ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنَ﴾ ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ متعلق به ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ﴾ فعل ومفعول ﴿الظَّالِمِينَ﴾ صفة لـ ﴿الْقَوْمَ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿وَهَاجَرُوا

стр. 4855

وَجَاهَدُوا﴾ معطوفان عليه ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جاهدوا﴾ ﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾ متعلق به أيضًا ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾ معطوف على ﴿أموالهم﴾ ﴿أَعْظَمُ﴾ خبر المبتدأ ﴿دَرَجَةً﴾ تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَعْظَمُ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة ﴿وَأُولَئِكَ﴾ مبتدأ ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل ﴿الْفَائِزُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾. ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ﴾ فعل ومفعول وفاعل والجملة مستأنفة ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ متعلق ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ ﴿مِنْهُ﴾ صفة الرحمة ﴿وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ﴾ معطوفان على رحمة ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم ﴿فِيهَا﴾ جار ومجرور حال من ﴿نَعِيمٌ﴾ وهو مبتدأ مؤخر ﴿مُقِيمٌ﴾ صفة له والجملة الاسمية في محل الجر صفة لجنات. ﴿خَالِدِينَ﴾ حال مقدرة من ضمير ﴿لَهُمْ﴾ أو من ضمير ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾ ﴿فِيهَاَ﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾ ﴿أَبَدًا﴾ منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿عِنْدَهُ﴾ ظرف ومضاف إليه خبر مقدم ﴿أَجْرٌ﴾ مبتدأ مؤخر ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة له، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء ﴿أَيُّ﴾ منادى نكرة مقصودة و ﴿الهاء﴾ حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات أي من الإضافة وجملة النداء مستأنفة ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الرفع صفة لـ ﴿أي﴾ ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل والجملة صلة الموصول ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾ فعل وفاعل، مجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية ﴿آبَاءَكُمْ﴾ مفعول أول، ومضاف إليه ﴿وَإِخْوَانَكُمْ﴾ معطوف عليه ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ مفعول ثان، لـ ﴿تَتَّخِذُوا﴾ والجملة الفعلية جواب النداء ﴿إِنِ﴾ حرف شرط ﴿اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ﴾ فعل وفاعل

стр. 4856

ومفعول، في محل الجزم بـ ﴿إنِ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿على الإيمانِ﴾ متعلق بـ ﴿استحبوا﴾ لتضمينه معنى اختاروا، وجواب ﴿إنِ﴾ الشرطية معلوم مما قبلها، تقديره: إن استحبوا الكفر على الإيمان لا تتخذوهم أولياء، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَمَن﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿من﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو جملة الجواب أو هما على الخلاف المذكور في محله ﴿يتولهم﴾ فعل ومفعول، مجزوم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿منكم﴾ جار ومجرور حال من فاعل ﴿يتولهم﴾ ﴿فَأولئكَ﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا ﴿أولئك﴾ مبتدأ ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل ﴿الظالمون﴾ خبر، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ﴾. ﴿قل﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﴿إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ ...﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾ والجملة الفعلية مستأنفة. وإن شئت قلت ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿كَانَ﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ اسمها ﴿وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ﴾ معطوفات على ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ ﴿اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿أموال﴾ ﴿وَتِجَارَةٌ﴾: معطوف عليه أيضًا ﴿تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿تجارة﴾ ﴿أَحَبَّ﴾: خبر كان ﴿إليكم﴾: متعلق به ﴿من الله﴾ متعلق به أيضًا ﴿ورسوله﴾: معطوف على الجلالة ﴿وَجِهَادٍ﴾: معطوف على الجلالة أيضًا ﴿في سبيله﴾: متعلق بـ ﴿وَجِهَادٍ﴾. ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجزم ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. وجملة ﴿إن﴾

стр. 4857

الشرطية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾ ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية ﴿يَأْتِيَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى: إلى ﴿بِأَمْرِهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَأْتِيَ﴾ والجملة الفعلية مع ﴿أن﴾ المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى: إلى، تقديره: إلى إتيان الله ﴿بِأَمْرِهِ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تربصوا﴾ ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ﴾ فعل ومفعول ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ صفة لـ ﴿الْقَوْمَ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ يقال: هَمَّ بالشيء يهم همًّا - من باب رد - إذا أراده. ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أصله أتخشيونهم تحركت الياء وانفتح ما قبلها، قلبت ألفًا فالتقى ساكنان، ثم حذفت الألف لبقاء دالها، فصار تخشون بوزن تفعون ﴿غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ وفي "المختار" الغيظ غضب كامن للعجز، تقول: غاظه: من باب باع فهو مغيظٌ، انتهى. ﴿وَلِيجَةً﴾ وفي "المصباح" ولج الشيء في غيره يلج - من باب وعد - ولوجًا دخل، وأولجته إيلاجًا أدخلته، والوليجة البطانة، اهـ ويراد بها هنا بطانة السوء من المنافقين والمشركين، وفي "السمين" والوليجة فعيلة، من الولوج، وهو الدخول والوليجة من يداخلك في باطن أمورك، وقال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء وليس منه، فهو وليجة، والرجل في القوم وليس منهم يقال له: وليجة ويستعمل بلفظ واحد للمفرد والمثنى والمجموع، وقد يجمع على ولائج وولج، كصحيفة وصحائف وصحف اهـ. ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ المساجد جمع مسجد: وهو في الأصل مكان السجود، ثم صار علمًا على البيت الذي يعبد الله وحده فيه، كما قال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ وعمارة المسجد، تطلق تارةً على لزومه والإقامة فيه للعبادة، أَو لخدمته بتنظيفه أو ترميمه، أو نحو ذلك، وتطلق أخرى على زيارته للعبادة فيه، ومنها: النسك المخصوص المسمى

стр. 4858

بالعمرة، وفي "المصباح": عمرت الدار عمرًا، من باب قتل، بنيتها والاسم العِمارة بالكسر، اهـ وفي "المختار": وعمرت الخراب عمرًا، من باب كتب فهو عامر؛ أي: معمور، اهـ. ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ السقاية: الموضع الذي يسقى فيه الماء في المواسم وغيرها، ولكن المراد بها هنا المصدر؛ أي: إسقاء الحجاج، وإعطاء الماء لهم، وسقاية العباس موضع بالمسجد الحرام، يستقي فيه الناس، وهو حجرة كبيرة في جهة الجنوب من بئر زمزم، لا تزال ماثلة إلى الآن، ولكن جعلها السعوديون الآن تحت الأرض، وقد يراد (١) بالسقاية الحرفة، كالحجابة، وهي سدانة البيت، والسقاية والحجابة أفضل مآثر قريش، وقد أقرَّهما الإسلام وفي الحديث "كل مأثرة من مآثر الجاهلية تحت قدمي إلا سقاية الحاج وسدانة البيت" وقد كانت قريش تسقي الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام وفي "السمين" قوله ﴿سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ﴾ الجمهور على قرائتهما مصدرين، على فعالة بكسر الفاء، كالصيانة والوقاية والتجارة، ولم تقلب الياء لتحصنها بتاء التأنيث، بخلاف رداءة وعباءة لطرو تاء التأنيث فيهما، وحينئذٍ فلا بد من حذف مضاف، إما من الأول، تقديره: أجعلتم أهل سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، كمن آمن بالله، وإما من الثاني، تقديره: أجعلتم السقاية والعمارة كإيمان من آمن، أو كعمل من آمن، كما مر. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ و ﴿أَعْظَمُ﴾ (٢): اسم تفضيل يجوز أن يبقى هنا على بابه من التفضيل، ويكون ذلك على تقدير: اعتقاد المشركين بأنَّ في سقايتهم وعمارتهم فضيلةً، فخوطبوا على اعتقادهم، أو يكون التقدير: أعظم درجة من الذين آمنوا ولم يهاجروا، ولم يجاهدوا، وقيل: أعظم ليس على بابه، بل هو كقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ

стр. 4859

﴿مُسْتَقَرًّا﴾ وكأنه قيل: عظيمون درجة، و ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾: بالمكانة لا بالمكان. ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ استحب كذا وأحبه بمعنى واحد فالسين والتاء فيه زائدتان ﴿الظَّالِمُونَ﴾ والظلم: وضع الشيء في غير موضعه اللائق به؛ لأنهم وضعوا المحبة في غير موضعها ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ والعشيرة (١): الجماعة التي ترجع إلى عقد واحد، وعشيرة الرجل ذوو قرابته الأدنون الذين يعاشرونه، ومن شأنهم التعاون والتناصر، وهو اسم جمع، وقرأ أبو بكر وحماد: ﴿عشيراتكم﴾ بجمع السلامة، فقال الأخفش: لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات، وإنما يجمعونها على عشائر جمع تكسير ﴿اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ والاقتراف: الاكتساب، يقال: اقترف إذا اكتسب، وأصله اقتطاع الشيء من مكانه، والتركيب يدور على الدنو، والكاسب يدني الشيء من نفسه ويدخله تحت ملكه، والتجارة: الأمتعة التي يشترونها ليربحوا فيها، وكسادها عدم نفاقها، لفوات وقت بيعها، بالهجرة ومفارقة الأوطان، يقال: كسد الشيء كسادًا وكسودًا إذا بار ولم يكن له نَفاق ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ جمع مسكن، وهو المنزل المتخذ سكنًا، والمراد بها هنا: المنازل التي تعجبهم وتميل إليها أنفسهم، ويرون الإقامة فيها أحب إليهم من المهاجرة إلى الله ورسوله والتربص الانتظار و ﴿أَمْرِه﴾ عقوبته عاجلًا أو أجلًا، كما مر ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ وفي "التحرير" الفسق هنا: الكفر، ويدل عليه ما قابله من الهداية والكفر ضلال، والضلال: ضد الهداية، وإن كان ذلك في المؤمنين الذين لم يهاجروا، فيكون الفسق: الخروج عن الطاعة، فإنهم لم يمتثلوا أمر الله تعالى ولا أمر رسوله ﷺ في الهجرة. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات من ضروب البلاغة والفصاحة والبيان والبديع أنواعًا: فمنها: التحضيض المضمن معنى التوبيخ في قوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ﴾ وهو

стр. 4860

الطلب بحثٍّ وإزعاج، فالمعنى: قاتلوا قومًا ... إلخ. ومنها: ذكر اسم الجلالة مكان الضمير في قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ لتربية المهابة وإدخال الروعة في القلب. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ﴾؛ أي: بالقتال؛ لأنه مجاز عن إعانتهم لبني بكر على خزاعة قال أبو السعود: الإعانة على القتال بإعطاء السلاح تسمى قتالًا مجازًا اهـ. ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ وفي قوله ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا﴾. ومنها: الالتفات في قوله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾؛ لأنه كلام مستأنف، خوطب به المشركون التفاتًا من الغيبة في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ وفيه أيضًا مجاز الحذف؛ لأنه على تقدير؛ أجعلتم أهل سقاية الحاج كما مر. ومنها: طباق السلب في قوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ وهو الجمع بين فعلين من نوع واحد، أحدهما منفي والآخر مثبت؛ لأن الأول هنا في قوة المنفي لدخول همزة الاستفهام الإنكاري عليه. ومنها: مقابلة الجمع بالجمع في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾؛ لأن المراد النهي لكل فرد من أفراد المخاطبين عن موالاة فرد من أفراد المشركين، بقضية مقابلة الجمع بالجمع الموجبة لانقسام الآحاد إلى الآحاد، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. ومنها: مراعاة اللفظ تارةً والمعنى أخرى في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ﴾ فيه مراعاة لفظ (من) وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ فيه مراعاة معناها. ومنها: المزاوجة في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ ...﴾ إلى آخر الآية وهي أن يزواج؛ أي: يقارن بين أمرين فأكثر في الشرط والجزاء.

стр. 4861

ومنها: تعريف جزئي الكلام مع الإتيان بضمير الفصل، إفادة للحصر في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾؛ أي: هم الفائزون لا غيرهم. ومنها: القصر في قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ وفيه أيضًا تخصيص الصلاة والزكاة بالذِّكر، تفخيمًا لشأنهما، وإظهارا لفضلهما. ومنها: التنكير في قوله: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ للتفخيم والتعظيم؛ أي: برحمة لا يبلغها وصف واصف. ومنها: الإتيان بصيغة الأمر مرادًا به التهديد والوعيد، في قوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ نظير قوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية، في قوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ شبه الدوام بالإقامة، فاشتق منه مقيم بمعنى دائم، على طريقة الاستعارة التصريحية. ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 4862

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لمَّا ذكر فيما قبلها أنَّ (١) الخير

стр. 4863

والمصلحة للمؤمنين في ترك ولاية أولي القربى من الكافرين، وفي إيثار حب الله ورسوله ﷺ ، والجهاد في سبيله على حب أولى القربى والعشيرة والمال والسكن ونحوها، مما يحب .. أبان فيها أن نصر الله للمؤمنين في المواطن الكثيرة، لم يكن بقوة العصبية، ولا بقوة المال، ولا بما يشترى به من الزاد والعتاد، بل كان بفضل الله عليهم بهذا الرسول، الذي جاءهم بذلك الدين القويم، وإن هزيمتهم وتوليهم يوم حنين، كان ابتلاءً لهم على عجبهم بكثرتهم، ورضاهم عنها، ونصرهم من بعد ذلك كان بعناية خاصة من لدنه، ليتذكروا أن عنايته تعالى للمؤمنين بالقوة المعنوية، لا بالكثرة العددية وما يتعلق بها. وقال أبو حيان (١): مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما قدم قوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ واستطرد بعد ذلك بما استطرد ذكرهم تعالى نصره إياهم في مواطن كثيرة. انتهى. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما أمر (٢) النبي ﷺ أبا بكر حين أمَّره على الحج سنة تسع من الهجرة أن يبلغ الناس، أنه لا يحج بعد هذا العام مشركٌ، ثم أمر عليًّا أن يتبع أبا بكر، فيقرأ على الناس أول سورة براءة يوم الحج الأكبر وينبذ إليهم عهدهم، وأن الله بريءٌ من المشركين ورسوله .. قال الناس: يا أهل مكة، ستعلمون ما تلقون من الشدة، لانقطاع السبل، وفقد الحمولات، فنزلت هذه الآية لدفع تلك الشبهة، فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس: كان المشركون يجيؤون إلى البيت. ويجيؤون معهم بالطعام، يتجرون فيه، فلما نهوا أن يأتوا البيت .. قال المسلمون: فمن أين لنا الطعام؟ فأنزل الله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ...﴾ الآية، قال: فأنزل الله عليهم المطر وكثر خيرهم حين ذهب المشركون عنهم، وأسلم أهل اليمن، وجاءهم الناس من كل فج.

стр. 4864

قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر أحكام المشركين، في إظهار البراءة من عهودهم، وفي إظهار البراءة منهم في أنفسهم، وفي وجوب مقاتلتهم، وإبعادهم عن المسجد الحرام .. أردف ذلك بحكم قتال أهل الكتاب، وبيان الغاية منه، وفي ذلك توطئةٌ للكلام في غزوة تبوك مع الروم من أهل الكتاب والخروج إليها في زمن العسرة والقيظ - شدة الحر - وما يتعلق بها من فضيحة المنافقين وهتك حجب كفرهم، وتمحيص المؤمنين، وإن كان النبي ﷺ لم يقاتل فيها الروم، لما سيأتي. قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لمَّا ذكر (١) في الآيات السابقة أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر على الوجه الصحيح .. أردف ذلك بشرح المجمل في هذه الآيات، فنقل عنهم، أنهم أثبتوا لله ابنًا، وهذا بمنزلة الشرك بالله، فإن طرق الشرك مختلفة، وأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا، يحرمون ويحللون، وأنهم يسعون في إبطال الإسلام وإخفاء الدلائل الدالة على صدق رسوله، وصحة دينه. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لمَّا ذكر في الآيات السالفة أن اليهود والنصارى، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وأنهم ما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا، فعبدوا غيره من دونه .. أردف ذلك بذكر سيرة جمهرة هؤلاء الرؤساء الدِّينيين في معاملاتهم مع الناس، ليعرف المسلمون حقيقة أحوالهم، والدواعي التي تحملهم على إطفاء نور الله، ببيان أن أكثرهم عباد شهوات وأرباب أهواء، وذوو أطماع وحرص على أموال الناس بالباطل، وأنه ما حملهم على مقاومة الإسلام إلا خوف ضياع تلك اللذات، وفوات تلك

стр. 4865

الشهوات، ثم أوعد الباخلين الذين يكنزون الذهب والفضة في صناديقهم ولا ينفقونها في سبل البر والخير بالعذاب الأليم، وفي نار جهنم يوم يحمى على تلك الأموال المكنوزة، فتصير كالنار التهابًا، ثم تكوى بها الجباه والجنوب والظهور، ويقال لهم: هذا جزاء صنيعكم في الدنيا، منعتموه البائس الفقير، لتتمتعوا به، فكان جزاؤكم أن صار وبالًا عليكم، وميسمًا تكتوون به على جنوبكم وظهوركم، فلم تنتفعوا به في دين ولا دنيا. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (١) البيهقي في "الدلائل" عن الربيع بن أنس، أن رجلًا قال يوم حنين: لن نغلب من قلة، وكانوا اثني عشر ألفًا، فشق ذلك على رسول الله ﷺ ، فأنزل الله ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: كان المشركون يجيئون إلى البيت ويجيئون معهم بالطعام، يتجرون فيه، فلما نهوا أن يأتوا البيت .. قال المسلمون: من أين لنا الطعام؟ فأنزل الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير، قال: لما نزلت ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ .. شق ذلك على المسلمين، وقالوا: من يأتينا بالطعام والمتاع؟ فأنزل الله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وأخرج مثله عن عكرمة وعطية العوفي والضحاك وقتادة وغيرهم. قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: أتى رسول الله ﷺ سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى ومحمد بن دحية وشاس بن قيس ومالك بن الصيف، فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أن عزيرًا ابن الله؟ فأنزل الله في ذلك ﴿وَقَالَتِ

стр. 4866

الْيَهُودُ ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...﴾ الآيتين، سبب نزولهما (١): ما أخرجه البخاري عن زيد بن وهب، قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر ﵁ فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك، وكتب إلى عثمان ﵁ يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها. فأكثر عليَّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبًا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا عليَّ حبشيًّا .. لسمعت وأطعت. التفسير وأوجه القراءة ٢٥ - وعزتي وجلالي ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أيها المؤمنون ﴿فِي مَوَاطِنَ﴾ وأماكن ﴿كَثِيرَةٍ﴾ للحرب، توطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوكم، وفي مشاهد تلتقون فيها أنتم وهم في صعيد واحد للطعان والنزال إحقاقًا وإظهارًا لدينه. روى أبو يعلى عن جابر، أن عدد غزواته ﷺ إحدى وعشرون، قاتل بنفسه في ثمانٍ، منها: بدر، وأُحد، والأحزاب، والمصطلق، وخيبر، ومكة، وحنين، والطائف. وبعوثه وسراياه ست وثلاثون، واختار جمع من العلماء، أن المغازي والسرايا كلها ثمانون ولم يقع في بعضها قتال، ونصرهم في كل قتال إما نصرًا كاملًا وهو الأكثر، وإما نصرًا مشوبًا بشيء من التربية على ذنوب اقترفوها، كما في أُحد إذ نصرهم أوَّلًا ثم أظهر عليهم العدو، لمخالفتهم أمر القائد الأعظم،

стр. 4867

في أهم أوامر الحرب، وهو حماية الرماة لظهورهم، وكما في حنين من الهزيمة في أثناء المعركة والنصر التام في آخرها. ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾؛ أي: ولقد نصركم الله أيضًا يوم قتالكم مع هوازن، في وادي حنين، فهوازن قبيلة حليمة السعدية، مرضعة رسول الله ﷺ وحنين اسم واد بين مكة والطائف، بينه وبين مكة ثمانية عشر ميلًا، وذلك لما فتح رسول الله ﷺ مكة وقد بقيت أيام من شهر رمضان .. خرج في شوال، في تلك السنة، وهي سنة ثمان من الهجرة، متوجهًا إلى حنين لقتال هوازن وثقيف، والظرف في قوله: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾؛ أي: إذ أفرحت وبشرت أنفسكم ﴿كَثْرَتُكُمْ﴾؛ أي: كثرة عددكم وعُددكم بدل من يوم؛ أي: نصركم يوم حنين إذ أعجبت أنفسكم كثرة عددكم وعُددكم، إذ كنتم اثني عشر ألفًا، عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار الذين فتحوا بمكة، وألفان من الطلقاء، وهم الأسراء الذين أخذوا يوم فتح مكة وأطلقوا، وهم أسلموا بعد فتح مكة في هذه المدة القليلة، وكان الكفار من هوازن وثقيف أربعة آلاف فقط، ومعهم أمداد من سائر العرب، فقال قائل منكم - قيل اسمه سلمة بن سلامة الأنصاري - افتخارًا بكثرتكم: لن نغلب اليوم من قلة؛ أي: من أجلها؛ أي نحن كثيرون فلا نغلب، فأحزنت تلك الكلمة رسول الله ﷺ ، فكانت الهزيمة عليكم؛ أي: فكانت الهزيمة عقوبة لكم على هذا الغرور والعجب، وتربيةً للمؤمنين حتى لا يغتروا بالكثرة مرةً أخرى ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾، أي: فلم تدفع عنكم كثرتكم ﴿شَيْئًا﴾ من عار الغلب والهزيمة ولم تفدكم في مقاومة العدو ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ﴾ الواسعة من شدة الخوف ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾؛ أي: مع رحبها وسعتها، فالباء (١) بمعنى مع، و ﴿ما﴾ مصدرية والمعنى: إن الأرض مع كونها واسعة الأطراف ضاقت عليكم بسبب ما حل بكم من الخوف والوجل، فلم تجدوا وسيلةً للنجاة إلا الهرب والفرار من العدو ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ﴾؛ أي: انهزمتم حالة كونكم ﴿مُدْبِرِينَ﴾؛ أي: مولين أدباركم جاعلين لها إلى جهة عدوكم، لا تلوون على شيء، وثبت رسول الله ﷺ ، وثبت

стр. 4868

طائفة قليلة منهم عمه العباس وأبو سفيان بن الحارث ثم تراجع المسلمون، فكان النصر والظفر لهم. وقال البراء بن عازب (١): كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم .. انكشفوا وأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام وانكشف المسلمون عن رسول الله ﷺ ، ولم يبق معه ﷺ إلا عمه العباس، وهو آخذ بلجام بغلته، وابن عمه أبا سفيان حرب بن الحارث بن عبد المطلب، وهو آخذ بركابه، وقد أسلم هو والعباس يوم الفتح، وهو ﷺ يركض بغلته الشهباء نحو الكفار، لا يبالي وهو يقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" ثم قال للعباس: "ناد المهاجرين والأنصار" وكان العباس رجلًا صيتًا، فجعل ينادي: يا عباد الله، يا أصحاب الشجرة، فجاء المسلمون حين سمعوا صوته عنقًا واحدًا، وأخذ رسول الله ﷺ بيده كفا من الحصى، فرماهم بها، وقال: "شاهت الوجوه" فما زال أمرهم مدبرًا وحدهم كليلًا حتى هزمهم الله تعالى، ولم يبق منهم يومئذٍ أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب، فذلك قوله تعالى: ٢٦ - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ أي: رحمته التي يحصل بها سكون وثبات وأمن ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾ ﷺ ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: أنزل ما يسكنهم فيذهب خوفهم حتى وقع منهم الاجتراء على قتال المشركين بعد أن ولوا مدبرين، والمراد بالمؤمنين، هم الذين لم ينهزموا، وقيل: الذين انهزموا، والظاهر جميع من حضر منهم؛ لأنهم ثبتوا بعد ذلك وقاتلوا وانتصروا؛ أي: ثم (٢) أفرغ الله سكينةً وطمأنينة من عنده على رسوله ﷺ ، بعد أن عرض له الأسف والحزن على أصحابه، حين وقوع الهزيمة لهم، فما ازداد إلا ثباتًا وشجاعة وإقدامًا على العدو ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين ثبتوا معه، وأحاطوا ببغلته الشهباء وعلى سائر المؤمنين الصادقين، فأذهب روعهم، وأزال حيرتهم، وأعاد إليهم ما كان قد زلزل من ثباتهم وشجاعتهم وخصوصًا حين سمعوا نداءه ﷺ ونداء عمه العباس إذ دعاهم بأمره.

стр. 4869

﴿وَأَنْزَلَ﴾ الله تعالى مع هذه السكينة من السماء ﴿جُنُودًا﴾ من الملائكة ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾ بأبصاركم، بل وجدتم أثرها في قلوبكم بما عاد إليها من الثبات وشدة البأس، وهم الملائكة أنزلهم لتقوية قلوب المؤمنين، بإلقاء الخواطر الحسنة في قلوبهم، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين، لا للقتال؛ لأن الملائكة لم تقاتل إلا في يوم بدر، ﴿وَعَذَّبَ﴾ أعداءكم ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ورسوله بالقتل والأسر والسبي، وهم قوم مالك بن عوف الدهماني، وقوم كنانة بن عبد يا ليل الثقفي ﴿وَذَلِكَ﴾ التعذيب بالقتل والأسر ﴿جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ بالله ورسوله في الدنيا، ما داموا يستحبون الكفر على الإيمان، ويعادون أهله ويقاتلونهم عليه، ٢٧ - ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ التعذيب الذي وقع عليهم في الدنيا بالأسر والخذلان ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ التوبة عليه من الكافرين فيهديهم إلى الإسلام إذا لم تحط بهم خطيئات الشرك وخرافاته، ولم يختم على قلوبهم بالإصرار على الجحود والتكذيب ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾ لمن تاب ﴿رَحِيمٌ﴾ لمن آمن وعمل صالحًا؛ أي: وهو تعالى غفور لهم، يتجاوز عمّا سلف منهم من الكفر والمعاصي، رحيم بهم يتفضل عليهم، ويثيبهم بالأجر والجزاء. فصلٌ في وفد هوازن وإسلامهم وغنائمهم وروي عن المسور بن مخرمة وغيره، أن ناسًا منهم (١) جاؤوا رسول الله ﷺ ، فبايعوه على الإسلام، وقالوا: يا رسول الله، أنت خير الناس، وأبو الناس، وقد سبي أهلونا وأولادنا، وأخذت أموالنا، فقال ﷺ "إن ما عندي ما ترون، إن خير القول أصدقه، اختاروا إما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم". قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئًا وهي مفاخر الآباء الذراري والنساء، فقام رسول الله ﷺ ، فقال: "إن هؤلاء جاؤونا مسلمين، وإنّا خيرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئًا، فمن كان بيده أسير، وطابت نفسه أن يرده .. فشأنه - أي: فيلزم شأنه - ومن لا .. فليعطنا، وليكن قرضًا علينا حتى نصيب شيئًا فنعطيه مكانه"،

стр. 4870

قالوا: قد رضينا وسلمنا، فقال ﷺ : "إنا لا ندري، لعل فيكم من لا يرضى، فمروا عرفائكم، فليرفعوا ذلك إلينا" فرفعت إليه العرفاء أنهم قد رضوا، ولم تقع غنيمة أعظم من غنيمتهم، فقد كان فيها من الإبل اثنا عشر ألفًا، ومن الغنم ما لا يحصى عددًا، ومن الأسرى ستة آلاف من نسائهم وصبيانهم، وكان فيها غير ذلك، ووقعة حنين مذكورة في كتب السير والحديث بطولها وتفاصيلها، فلا نطيل الكلام بذلك. ٢٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾ وصدقوا بما جاء به محمد ﷺ ، ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾؛ أي: أنجاس فاسدوا الاعتقاد، يشركون بالله ما لا يضر ولا ينفع، فيعبدون الرجس من الأوثان والأصنام، ويدينون بالخرافات والأوهام، ويأكلون الميتة والدم، وهي أقذار حسية، ويستحلون القمار والزنا، ويسبيحون الأشهر الحرم، وهي: أرجاس معنوية فمن أجل هذا ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾؛ أي: بعد هذه السنة التي حصل فيها النداء بالبراءة من المشركين، وهي السنة التاسعة من الهجرة؛ أي: لا تمكنوهم بعد هذا العام، أن يدخلوا المسجد الحرام بدخول أرض الحرم، فضلًا عن دخول البيت نفسه وطوافهم فيه عراةً، يشركون بربهم في التلبية، وإذا صلوا .. لم تكن صلاتهم إلا مكاءً وتصدية. تنبيه: واعلم أن بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام (١): ١ - الحرم: فلا يجوز لكافر أن يدخله بحال، لظاهر الآية، وبذلك قال الشافعي وأحمد ومالك: فلو جاء رسول من دار الكفر والإمام في الحرم .. لا يأذن له في دخوله الحرم، بل يخرج إليه بنفسه، أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم وأبو حنيفة يجيز للمعاهد دخول الحرم بإذن الخليفة أو نائبه. ٢ - الحجاز: وهو ما بين عدن إلى ريف العراق في الطول، ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضًا، ويجوز للكافر دخولها
следующие страницы →