الْيَهُودُ ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...﴾ الآيتين، سبب نزولهما (١): ما أخرجه البخاري عن زيد بن وهب، قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر ﵁ فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك، وكتب إلى عثمان ﵁ يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها. فأكثر عليَّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبًا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا عليَّ حبشيًّا .. لسمعت وأطعت.
التفسير وأوجه القراءة
٢٥ - وعزتي وجلالي ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أيها المؤمنون ﴿فِي مَوَاطِنَ﴾ وأماكن ﴿كَثِيرَةٍ﴾ للحرب، توطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوكم، وفي مشاهد تلتقون فيها أنتم وهم في صعيد واحد للطعان والنزال إحقاقًا وإظهارًا لدينه.
روى أبو يعلى عن جابر، أن عدد غزواته ﷺ إحدى وعشرون، قاتل بنفسه في ثمانٍ، منها: بدر، وأُحد، والأحزاب، والمصطلق، وخيبر، ومكة، وحنين، والطائف.
وبعوثه وسراياه ست وثلاثون، واختار جمع من العلماء، أن المغازي والسرايا كلها ثمانون ولم يقع في بعضها قتال، ونصرهم في كل قتال إما نصرًا كاملًا وهو الأكثر، وإما نصرًا مشوبًا بشيء من التربية على ذنوب اقترفوها، كما في أُحد إذ نصرهم أوَّلًا ثم أظهر عليهم العدو، لمخالفتهم أمر القائد الأعظم،
стр. 4867
في أهم أوامر الحرب، وهو حماية الرماة لظهورهم، وكما في حنين من الهزيمة في أثناء المعركة والنصر التام في آخرها.
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾؛ أي: ولقد نصركم الله أيضًا يوم قتالكم مع هوازن، في وادي حنين، فهوازن قبيلة حليمة السعدية، مرضعة رسول الله ﷺ وحنين اسم واد بين مكة والطائف، بينه وبين مكة ثمانية عشر ميلًا، وذلك لما فتح رسول الله ﷺ مكة وقد بقيت أيام من شهر رمضان .. خرج في شوال، في تلك السنة، وهي سنة ثمان من الهجرة، متوجهًا إلى حنين لقتال هوازن وثقيف، والظرف في قوله: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾؛ أي: إذ أفرحت وبشرت أنفسكم ﴿كَثْرَتُكُمْ﴾؛ أي: كثرة عددكم وعُددكم بدل من يوم؛ أي: نصركم يوم حنين إذ أعجبت أنفسكم كثرة عددكم وعُددكم، إذ كنتم اثني عشر ألفًا، عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار الذين فتحوا بمكة، وألفان من الطلقاء، وهم الأسراء الذين أخذوا يوم فتح مكة وأطلقوا، وهم أسلموا بعد فتح مكة في هذه المدة القليلة، وكان الكفار من هوازن وثقيف أربعة آلاف فقط، ومعهم أمداد من سائر العرب، فقال قائل منكم - قيل اسمه سلمة بن سلامة الأنصاري - افتخارًا بكثرتكم: لن نغلب اليوم من قلة؛ أي: من أجلها؛ أي نحن كثيرون فلا نغلب، فأحزنت تلك الكلمة رسول الله ﷺ ، فكانت الهزيمة عليكم؛ أي: فكانت الهزيمة عقوبة لكم على هذا الغرور والعجب، وتربيةً للمؤمنين حتى لا يغتروا بالكثرة مرةً أخرى ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾، أي: فلم تدفع عنكم كثرتكم ﴿شَيْئًا﴾ من عار الغلب والهزيمة ولم تفدكم في مقاومة العدو ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ﴾ الواسعة من شدة الخوف ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾؛ أي: مع رحبها وسعتها، فالباء (١) بمعنى مع، و ﴿ما﴾ مصدرية والمعنى: إن الأرض مع كونها واسعة الأطراف ضاقت عليكم بسبب ما حل بكم من الخوف والوجل، فلم تجدوا وسيلةً للنجاة إلا الهرب والفرار من العدو ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ﴾؛ أي: انهزمتم حالة كونكم ﴿مُدْبِرِينَ﴾؛ أي: مولين أدباركم جاعلين لها إلى جهة عدوكم، لا تلوون على شيء، وثبت رسول الله ﷺ ، وثبت
стр. 4868
طائفة قليلة منهم عمه العباس وأبو سفيان بن الحارث ثم تراجع المسلمون، فكان النصر والظفر لهم.
وقال البراء بن عازب (١): كانت هوازن رماة فلما حملنا عليهم .. انكشفوا وأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام وانكشف المسلمون عن رسول الله ﷺ ، ولم يبق معه ﷺ إلا عمه العباس، وهو آخذ بلجام بغلته، وابن عمه أبا سفيان حرب بن الحارث بن عبد المطلب، وهو آخذ بركابه، وقد أسلم هو والعباس يوم الفتح، وهو ﷺ يركض بغلته الشهباء نحو الكفار، لا يبالي وهو يقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" ثم قال للعباس: "ناد المهاجرين والأنصار" وكان العباس رجلًا صيتًا، فجعل ينادي: يا عباد الله، يا أصحاب الشجرة، فجاء المسلمون حين سمعوا صوته عنقًا واحدًا، وأخذ رسول الله ﷺ بيده كفا من الحصى، فرماهم بها، وقال: "شاهت الوجوه" فما زال أمرهم مدبرًا وحدهم كليلًا حتى هزمهم الله تعالى، ولم يبق منهم يومئذٍ أحد إلا وقد امتلأت عيناه من ذلك التراب، فذلك قوله تعالى:
٢٦ - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ أي: رحمته التي يحصل بها سكون وثبات وأمن ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾ ﷺ ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: أنزل ما يسكنهم فيذهب خوفهم حتى وقع منهم الاجتراء على قتال المشركين بعد أن ولوا مدبرين، والمراد بالمؤمنين، هم الذين لم ينهزموا، وقيل: الذين انهزموا، والظاهر جميع من حضر منهم؛ لأنهم ثبتوا بعد ذلك وقاتلوا وانتصروا؛ أي: ثم (٢) أفرغ الله سكينةً وطمأنينة من عنده على رسوله ﷺ ، بعد أن عرض له الأسف والحزن على أصحابه، حين وقوع الهزيمة لهم، فما ازداد إلا ثباتًا وشجاعة وإقدامًا على العدو ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين ثبتوا معه، وأحاطوا ببغلته الشهباء وعلى سائر المؤمنين الصادقين، فأذهب روعهم، وأزال حيرتهم، وأعاد إليهم ما كان قد زلزل من ثباتهم وشجاعتهم وخصوصًا حين سمعوا نداءه ﷺ ونداء عمه العباس إذ دعاهم بأمره.
стр. 4869
﴿وَأَنْزَلَ﴾ الله تعالى مع هذه السكينة من السماء ﴿جُنُودًا﴾ من الملائكة ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾ بأبصاركم، بل وجدتم أثرها في قلوبكم بما عاد إليها من الثبات وشدة البأس، وهم الملائكة أنزلهم لتقوية قلوب المؤمنين، بإلقاء الخواطر الحسنة في قلوبهم، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين، لا للقتال؛ لأن الملائكة لم تقاتل إلا في يوم بدر، ﴿وَعَذَّبَ﴾ أعداءكم ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ورسوله بالقتل والأسر والسبي، وهم قوم مالك بن عوف الدهماني، وقوم كنانة بن عبد يا ليل الثقفي ﴿وَذَلِكَ﴾ التعذيب بالقتل والأسر ﴿جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ بالله ورسوله في الدنيا، ما داموا يستحبون الكفر على الإيمان، ويعادون أهله ويقاتلونهم عليه،
٢٧ - ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ التعذيب الذي وقع عليهم في الدنيا بالأسر والخذلان ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ التوبة عليه من الكافرين فيهديهم إلى الإسلام إذا لم تحط بهم خطيئات الشرك وخرافاته، ولم يختم على قلوبهم بالإصرار على الجحود والتكذيب ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾ لمن تاب ﴿رَحِيمٌ﴾ لمن آمن وعمل صالحًا؛ أي: وهو تعالى غفور لهم، يتجاوز عمّا سلف منهم من الكفر والمعاصي، رحيم بهم يتفضل عليهم، ويثيبهم بالأجر والجزاء.
فصلٌ في وفد هوازن وإسلامهم وغنائمهم
وروي عن المسور بن مخرمة وغيره، أن ناسًا منهم (١) جاؤوا رسول الله ﷺ ، فبايعوه على الإسلام، وقالوا: يا رسول الله، أنت خير الناس، وأبو الناس، وقد سبي أهلونا وأولادنا، وأخذت أموالنا، فقال ﷺ "إن ما عندي ما ترون، إن خير القول أصدقه، اختاروا إما ذراريكم ونساءكم وإما أموالكم". قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئًا وهي مفاخر الآباء الذراري والنساء، فقام رسول الله ﷺ ، فقال: "إن هؤلاء جاؤونا مسلمين، وإنّا خيرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب شيئًا، فمن كان بيده أسير، وطابت نفسه أن يرده .. فشأنه - أي: فيلزم شأنه - ومن لا .. فليعطنا، وليكن قرضًا علينا حتى نصيب شيئًا فنعطيه مكانه"،
стр. 4870
قالوا: قد رضينا وسلمنا، فقال ﷺ : "إنا لا ندري، لعل فيكم من لا يرضى، فمروا عرفائكم، فليرفعوا ذلك إلينا" فرفعت إليه العرفاء أنهم قد رضوا، ولم تقع غنيمة أعظم من غنيمتهم، فقد كان فيها من الإبل اثنا عشر ألفًا، ومن الغنم ما لا يحصى عددًا، ومن الأسرى ستة آلاف من نسائهم وصبيانهم، وكان فيها غير ذلك، ووقعة حنين مذكورة في كتب السير والحديث بطولها وتفاصيلها، فلا نطيل الكلام بذلك.
٢٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾ وصدقوا بما جاء به محمد ﷺ ، ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾؛ أي: أنجاس فاسدوا الاعتقاد، يشركون بالله ما لا يضر ولا ينفع، فيعبدون الرجس من الأوثان والأصنام، ويدينون بالخرافات والأوهام، ويأكلون الميتة والدم، وهي أقذار حسية، ويستحلون القمار والزنا، ويسبيحون الأشهر الحرم، وهي: أرجاس معنوية فمن أجل هذا ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾؛ أي: بعد هذه السنة التي حصل فيها النداء بالبراءة من المشركين، وهي السنة التاسعة من الهجرة؛ أي: لا تمكنوهم بعد هذا العام، أن يدخلوا المسجد الحرام بدخول أرض الحرم، فضلًا عن دخول البيت نفسه وطوافهم فيه عراةً، يشركون بربهم في التلبية، وإذا صلوا .. لم تكن صلاتهم إلا مكاءً وتصدية.
تنبيه: واعلم أن بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام (١):
١ - الحرم: فلا يجوز لكافر أن يدخله بحال، لظاهر الآية، وبذلك قال الشافعي وأحمد ومالك: فلو جاء رسول من دار الكفر والإمام في الحرم .. لا يأذن له في دخوله الحرم، بل يخرج إليه بنفسه، أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم وأبو حنيفة يجيز للمعاهد دخول الحرم بإذن الخليفة أو نائبه.
٢ - الحجاز: وهو ما بين عدن إلى ريف العراق في الطول، ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضًا، ويجوز للكافر دخولها
стр. 4871
بالإذن، ولكن لا يقيمون فيها أكثر من ثلاثة أيام، روى مسلم عن ابن عمر، أنه سمع رسول الله ﷺ ، يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلا أترك فيها إلا مسلمًا" وفي رواية لغير مسلم: وأوصى، فقال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" فلم يتفرغ لذلك أبو بكر، وأجلاهم عمر في خلافته، وأخرج مالك في "الموطأ" مرسلًا: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" وروي عن مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم".
٣ - سائر بلاد الإسلام: فيجوز للكافر أن يقيم فيها بعهد وأمان وذمة، ولكن لا يدخل المساجد إلا بإذن مسلم، وقرأ الجمهور: ﴿نَجَس﴾، بفتح النون والجيم، وهو مصدر نجس نجسًا بكسر الجيم وضمها في الماضي؛ أي: قذر قذرًا، وقرأ أبو حيوة (١): ﴿نِجْس﴾ بكسر النون وسكون الجيم، وهو اسم فاعل، من نجس، فخففوه بعد الاتباع، كما قالوا: في كبِد كبْد، وفي كرش كرش، وقرأ ابن السميقع: ﴿أنجاس﴾ فيحتمل أن يكون جمع نجس المصدر، وجمع نجس اسم فاعل.
ولما امتنع المشركون من دخول الحرم، وكانوا يتجرون ويأتون مكة بالطعام، وكانت معايش أهل مكة من التجارات، فخافوا الفقر وضيق العيش، وذكروا ذلك لرسول الله ﷺ .. أنزل الله تعالى قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أيها المؤمنون بسبب امتناع المشركين من مكة ﴿عَيْلَةً﴾؛ أي: فقرًا بسبب قلة جلب الأقوات، وضروب التجارات التي كان يجلبها المشركون، من أرباب المزارع في الشعاب، والوديان من البلاد ذات البساتين والمزارع، كالطائف وأرباب المتاجر ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ ورزقه وعطائه من وجه آخر ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ذلك، وفضله كثير، فقد صاروا بعد الإسلام ومنع المشركين من الحرم أغنى مما كانوا قبل ذلك، فقد تعددت وسائل الغنى فيما بعد، وصدق
стр. 4872
وعده، فأرسل الله تعالى عليهم السماء مدرارًا أغزر بها خيرهم، وأكثر ميرهم، وأسلم أهل جدة وحنين وأهل اليمن وصنعاء وتبالة، وصاروا يجلبون الطعام لأهل مكة، وأسلم أولئك المشركون، ولم يبق أحد منهم يمنع من الحرم، ثم جاءتهم الثروة من كل جانب، بما فتح الله عليهم من البلاد، فكثرت الغنائم، وتوجه إليهم الناس من كل فجٍّ، ومهد الله لهم سبل الرزق، من إمارة وتجارة وزراعة وصناعة، وكان نصيب مكة من ذلك عظيمًا بكثرة الحاج، وأمن طرق التجارة.
وقيد (١) هذا الغني بمشيئته التي لا يشك مؤمن في حصول ما تتعلق به، لتقوية إيمانهم بربهم واتكالهم عليه دون كسبهم وحده، وإن كانوا مأمورين به، لأنه من سننه في خلقه، ولكن لا يجوز أن ينسوا توفيقه وتأييده لهم، فهو الذي نصرهم وأغناهم، وسيزيدهم نصرًا وغنًى.
وقال أبو حيان (٢): وعلق بالمشيئة، لأنه يقع في حق بعض دون بعض، وفي وقت دون وقت. وقيل: لإجراء الحكم على الحكمة، فإن اقتضت الحكمة والمصلحة إغناءكم .. أغناكم، وقال القرطبي: إعلامًا بأن الرزق لا يأتي بحيلة ولا اجتهاد، وإنما هو فضل الله. ويروى للشافعي:
لَوْ كَانَ بِالْحِيَلِ الْغِنَى لَوَجَدْتَنِيْ ... بِنُجُوْمِ أقْطَارِ السَّمَاءِ تَعَلُّقِيْ
لَكِنَّ مَنْ رُزِقَ الْحِجَا حُرِمَ الْغِنَى ... ضِدَّانِ مَفْتَرِقَانِ أَيَّ تَفَرُّقِ
وَمِنَ الدَّلِيْلِ عَلَى الْقَضَاءِ وُكَوْنِهِ ... بُؤْسُ اللَّبِيْبِ وَطِيْبُ عَيْشِ الأَحْمَقِ
وقرأ ابن مسعود وعلقمة من أصحابه: ﴿عائلة﴾، وهو مصدر كالعاقبة، والعافية والقابلة أو نعت لمحذوف؛ أي: حالًا عائلة. وقيل: معناه: خصلةً شاقةً ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يكون من مستقبل أمركم في الغنى والفقر، عليم بأحوالكم وبمصالحكم ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما دبره لكم، فلا يعطي ولا يمنع إلا عن حكمة وصواب، وحكيم فيما يشرعه لكم، من أمرٍ ونهي، كأمركم بقتال
стр. 4873
المشركين بعد انقضاء عهودهم، ونهيكم عن قرب المشركين للمسجد الحرام بعد عامهم هذا، ونهيكم عن اتخاذ آبائكم وإخوانكم منهم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان،
٢٩ - والخطاب في قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وأصحابه.
والمعنى: قاتلوا أيها المؤمنون أهل الكتاب الذين لا يؤمنون بالله، ولا بمجيء اليوم الآخر؛ لأن (١) اليهود مثنِّية، والنصارى مثلِّثة، فإن قلت: (٢) اليهود والنصارى، يزعمون أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، فكيف أخبر الله عنهم أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر؟
قلت: إيمانهم بالله ليس كإيمان المؤمنين، وذلك أن اليهود يعتقدون التجسيم والتشبيه، والنصارى يعتقدون الحلول، ومن اعتقد ذلك .. فليس بمؤمن بالله، بل هو مشرك بالله، وقيل: من كذب رسولًا من رسل الله .. فليس بمؤمن بالله، واليهود والنصارى يكذبون أكثر الأنبياء، فليسوا بمؤمنين بالله، وأما إيمانهم باليوم الآخر .. فليس كإيمان المؤمنين، وذلك يعتقدون بعثة الأرواح دون الأجساد ويعتقدون أن أهل الجنة لا يأكلون ولا يشربون فيها ولا ينكحون، ومن اعتقد ذلك .. فليس إيمانه كإيمان المؤمنين، وإن زعم أنه مؤمن ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ في الكتاب ﴿وَرَسُولُهُ﴾؛ أي: ولا ما حرم رسوله محمد ﷺ في السنة، من الخمر والخنزير، وسائر المحرمات، كالربا وأخذ أموال الناس بالباطل، أو المعنى: ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله المرسل إليهم في التوارة والإنجيل؛ أي: لا يعملون بما في التوراة والإنجيل، بل حرفوهما وأتوا بأحكام كثيرة من عند أنفسهم.
والمعنى: أنهم يخالفون أصل دينهم المنسوخ اعتقادًا وعملًا ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾؛ أي: ولا يتمسكون دين الحق، الذي هو دين الإسلام، أو لا يعتقدون صحة دين الإسلام الذي هو الدين الحق، حالة كون هؤلاء المذكورين
стр. 4874
﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾؛ أي: من الذين أعطوا التوراة والإنجيل وهم اليهود والنصارى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾؛ أي: قاتلوهم حتى يعطوا الجزية، أو يسلموا؛ أي: حتى يقبلوا إعطاء الجزية لكم، والمراد بإعطائها التزامها بالعقد. وإن لم يجىء وقت دفعها، ذكره في "الفتوحات". والجزية: هي ما يعطي المعاهد من أهل الكتاب على عهده، وهي الخراج المضروب على رقابهم، سميت جزية للاجتزاء بها في حقن دمائهم ﴿عَنْ يَدٍ﴾؛ أي: عن قهر وغلبة يقال لكل من أعطى شيئًا كرهًا من غير طيب نفس: أعطى عن يد، وقال ابن عباس: يعطونها بأيديهم، ولا يرسلون بها على يد غيرهم؛ أي: حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدًا، غير نسيئةً، لا مبعوثًا على يد أحد، ولكن عن يد المعطي إلى يد الآخذ، وقيل: يعطونها مع إقرارهم بإنعام المسلمين عليهم بقبولها منهم، لأن ترك أروحهم عليهم بقبول الجزية ومنهم نعمة عظيمة ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم أذلاء مقهورون، منقادون لحكم الإسلام، يجرون إلى الموضع الذي يقبض منهم فيه بالعنف، حتى يؤدوها عن يدهم.
وحاصل معنى الآية (١): قاتلوا أهل الكتاب إذ هم جمعوا أربع صفات، هي العلة في عدواتهم للإسلام، ووجوب خضوعهم لحكمه ما داموا في دار الإسلام، إذ لو أجيز لهم حمل السلاح .. لأفضى ذلك إلى قتال المسلمين في دارهم ومساعدة من يهاجمهم فيها، كما فعل يهود المدينة وما حولها بعد تأمين النبي ﷺ لهم وجعلهم حلفاء له، وأجاز لهم الحكم فيما بينهم بشرعهم، وسمح لهم بالعبادة على النحو الذي يريدون، وكذلك فعل مع نصارى الروم في حدود البلاد العربية.
وهذه الأمور الأربعة التي أسند إليهم تركها، هي أصول كل دين إلهي، ومن ثم، أمر بقتال الذين لا يقيمونها، وهي:
١ - أنهم ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وقد شهد القرآن بأنَّ اليهود والنصارى فقدوا
стр. 4875
الإيمان، بهدم أساسه، وهو التوحيد، إذ قد اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، يشرعون لهم العبادات، ويحرمون ويحللون، فيتبعونهم، وبذا أشركوهم في الربوبية، ومنهم من أشرك به في الألوهية، كالذين قالوا: عزير ابن الله، والذين قالوا: المسيح ابن الله، أو هو الله.
٢ - أنهم ﴿لا﴾ يؤمنون ﴿بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إذ هم يقولون: إن حياة الآخرة حياة روحانية محضة، يكون الناس فيها كالملائكة، لكنا نؤمن بأن الإنسان لا تنقلب حقيقته، بل يبقى مؤلفًا من جسد وروح، ويتمتع بنعيم الأرواح والأجساد، ولا يوجد فيما بين يدي اليهود والنصارى من التوراة نصوص صريحة في البعث والجزاء بعد الموت، بل فيها إشارات غير صريحة في ذلك.
٣ - أنهم ﴿لَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ فاليهود لا يحرمون ما حرم في شرعهم الذي جاء به موسى، ونسخ بعضه عيسى، ولا يلتزمون العمل بما حرم، فقد استحلوا أكل أموال الناس بالباطل، كالربا وغيره، واتبعوا عادات المشركين في القتال والنفي، ومفاداة الأسرى، والنصارى استباحوا ما حرم عليهم في التوراة مما لم ينسخه الإنجيل، فأباحوا جميع محرمات الطعام والشراب، إلا ما ذبح للأصنام، فقد ثبت في كتبهم أن الله حرم عليهم الشحوم فأذابوها وباعوها، وأكلوا أثمانها، وحرم عليهم أشياء كثيرة فأحلوها.
٤ - أنهم ﴿لا يدينون دين الحق﴾ إذ أن ما يتقلدونه إنما هو دين تقليدي، وضعه لهم أساقفتهم وأحبارهم بآرائهم الاجتهادية، وأهوائهم المذهبية، لا دين الحق الذي أوحاه الله تعالى إلى موسى وعيسى ﵉.
والخلاصة: قاتلوا أيها المؤمنون من وصفوا بتلك الصفات الأربعة إذا وجد منهم ما يقتضي القتال، كالاعتداء عليكم، أو على بلادكم، أو اضطهادكم وفتنتكم عن دينكم، أو تهديد أمنكم وسلامتكم، كما فعل بكم الروم وكان ذلك سببًا لغزوة تبوك؛ أي: قاتلوهم إلى أن تأمنوا عدوانهم، بإعطائكم الجزية، بشرط أن تكون صادرة عن يد؛ أي: من قدرة واسعة فلا يظلموا ولا يرهقوا، وبشرط أن يخضعوا لسيادتكم وحكمكم، وبذا يسهل السبيل لاهتدائهم إلى الإسلام بما
стр. 4876
يشاهدون من عدلكم، وفضائلكم التي يرونها رأي العين.
فإن أسلموا .. عمَّ الهدى والعدل، وإن لم يسلموا وأعطوا الجزية .. وجب تأمينهم وحمايتهم والدفاع عنهم، وإعطاؤهم حريتهم في دينهم، ومعاملتهم بالعدل والمساواة كالمسلمين، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ويحرم ظلمهم وإرهاقهم بتكليفهم ما لا يطيقون، ويسمون حينئذٍ: أهل الذمة إذ كل هذه الحقوق تكون لهم بمقتضى ذمة الله وذمة رسوله، أما الذين يعقد بيننا وبينهم صلح بعهد وميثاق، يعترف به الطرفان .. فيسمون: المعاهدين، أو أهل العهد، ولقب (١) أهل الكتاب والذين أوتوا الكتاب وإن كان عامًّا خص به اليهود والنصارى؛ لأنهم هم الذين كانوا مخالطين ومجاورين للأمة العربية ومعروفين لديها، كما قال تعالى: مخاطبًا لمشركي العرب ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦)﴾.
فصلٌ في الجزية
واعلم (٢): أن قدر الجزية أقلها دينار، ولا يجوز أن ينقص عنه، ويقبل الدينار من الغني والفقير والمتوسط، ويدل عليه ما روي عن معاذ بن جبل، أن رسول الله ﷺ لما وجهه إلى اليمن .. أمره أن يأخذ من كل حالم؛ أي: محتلم دينارًا أو عدله من المعافرية - ثياب تكون باليمن - أخرجه أبو داود، فالنبي ﷺ أمره أن يأخذ من كل محتلم وهو البالغ دينارًا، ولم يفرق بين الغني والفقير والمتوسط، وفيه دليل على أنه لا تؤخذ الجزية من الصبيان والنساء، وإنا تؤخذ من الأحرار البالغين، وذهب قوم إلى أن على كل موسر أربعة دنانير، وعلى كل متوسط دينارين، وعلى كل فقير دينارًا، وهو قول أصحاب الرأي، ويدل عليه ما روي أن عمر بن الخطاب ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورِق أربعين درهمًا، ومع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام، أخرجه مالك في "الموطأ".
стр. 4877
وقال أصحاب الشافعي: أقل الجزية دينار، لا يزاد على الدينار إلا بالتراضي، فإذا رضي أهل الذمة بالزيادة .. ضربنا على المتوسط دينارين وعلى الغني أربعة دنانير.
وقال العلماء: إنما أقر أهل الكتاب على دينهم الباطل، بخلاف أهل الشرك، حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الدين من شريعة التوارة والإنجيل، قبل النسخ والتبديل، وأيضًا فإن بأيديهم كتبًا قديمة، فربما تفكروا فيها فيعرفون صدق محمد ﷺ وصحة نبوته، فأمهلوا لهذا المعنى، وليس المقصود من أخذ الجزية من أهل الكتاب، إقرارهم على كفرهم، بل المقصود من ذلك حقن دمائهم وإمهالهم، رجاء أن يعرفوا الحق، فيرجعوا إليه، بأن يؤمنوا ويصدقوا إذا رأوا محاسن الإسلام وقوة دلائله وكثرة الداخلين فيه.
٣٠ - ولما ذكر الله في الآية السابقة أن اليهود والنصارى لا يؤمنون بالله، ولا يدينون دين الحق .. بيَّن في هذه الآية الآتية ما أجمله في تلك فأخبر عنهم أنهم أثبتوا لله ولدًا، ومن جوز ذلك على الله .. فقد أشرك به؛ لأنه لا فرق بين من يعبد صنمًا وبين من يعبد المسيح، فقد بان بهذا أنهم لا يؤمنون بالله ولا يدينون دين الحق، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ لعائن الله تعالى عليهم؛ أي: قال بعضهم وهم يهود المدينة؛ لأن قول بعضهم لازم لجميعهم وهم سلام ابن مشكم ونعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف، أو فنحاص بن عازوراء ﴿عُزَيْرٌ﴾ بن شرخيا ﴿ابْنُ اللَّهِ﴾ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
روى (١) ابن إسحاق وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: أتى رسول الله ﷺ سلام بن مشكم ونعمان بن أوفى وأبو أنس وشاس بن قيس ومالك بن الصيف، فقالوا: كيف نتبعك، وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيرًا ابن الله؟ كما مر بيان ذلك في الأسباب، وإسناد هذا القول إليهم جملة، وإن كان قد صدر من بعضهم مَبنيٌّ على أن الأمة تعد متكافلة في شؤونها
стр. 4878
العامة فما يفعله بعض الفرق أو الجماعات يكون له تأثير في جملتها، والمنكر الذي يفعله بعضهم إذا لم ينكره عليه جمهورهم ويزيلوه .. يؤاخذون به كلهم، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.
وسبب هذا القول منهم أن اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى ﵇، فأضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق، فرفع الله عنهم التابوت الذي فيه التوراة، وأنساهم التوراة ومحاها من قلوبهم، فتضرع عزير إلى الله تعالى ودعاه أن يرد إليه التوراة، فبينما هو يصلي مبتهلًا إلى الله تعالى، إذ نزل نور من السماء، فدخل جوفه فعادت التوراة إليه، فأعلم قومه، وقال: يا قوم قد آتاني الله تعالى التوراة، وردها علي، فتعلموا منه عن ظهر لسانه، ثم إن التابوت نزل بعد ذهابه منهم، فلما رأوا التابوت، عرضوا ما كان يعلمهم عزير على ما في التابوت .. فوجدوه مثله، فقالوا: ما جمع التوراة في صدر عزير وهو غلام إلا لأنه ابنه.
﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى﴾؛ أي: قال بعضهم: ﴿الْمَسِيحُ﴾ عيسى بن مريم ﴿ابْنُ اللَّهِ﴾ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وهذا قول القدماء منهم، كانوا يريدون به المحبوب أو المكرم، ثم سرت إليهم وثنية الهنود، فاتفقت كلمتهم على أنه ابن الله حقيقةً وعلى أن ابن الله بمعنى ﴿اللَّهِ﴾ وبمعنى روح القدس إذ هذه الثلاثة عندهم واحد حقيقة.
روي أن أتباع عيسى كانوا على الدين الحق، بعد رفع عيسى ﵇ إحدى وثمانين سنة، يصلون إلى القبلة ويصومون رمضان، حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود، وكان في اليهود رجل شجاع، يقال له: بولس، قتل جماعة من أصحاب عيسى ﵇، ثم قال بولس لليهود: إن كان الحق مع عيسى .. فقد كفرنا، والنار مصيرنا، فنحن مغبونون إن دخلنا النار، ودخلوا الجنة، فإني سأحتال وأضلهم حتى يدخلوا النار معنا، ثم إنه أتى إلى النصارى. فقالوا: له من أنت؟ قال: أنا عدوكم بولس، قد نوديت من السماء: إنه ليست لك توبة حتى تتنتصر وقد تبت، فأدخله النصارى الكنيسة، ومكث سنة في بيت فيها، ولم يخرج منها حتى تعلم الإنجيل، ثم خرج، وقال: قد نوديت: إن الله قد قبل توبتك،
стр. 4879
فصدقوه وأحبوه، وعلا شأنه فيهم، ثم إنه عهد إلى أربعة رجال، اسم واحد منهم: نسطور، والآخر يعقوب، والثالث ملكان، والرابع، من أهل الروم، فعلَّم نسطورًا أن عيسى ومريم والله آلهة ثلاثة، وعلم يعقوب أن عيسى ليس بإنسان، وأنه ابن الله، وعلم ملكان أن عيسى هو الله لم يزل ولا يزال عيسى، وعلم رجلًا آخر من الروم اللاهوت والناسوت، وقال: ما كان عيسى إنسانًا ولا جسمًا ولكنه الله، ثم دعا كل واحد منهم في الخلوة، وقال له: أنت خليفتي فادع الناس لما علمتك، وأمره أن يذهب إلى ناحية من البلاد، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني وأني غدًا أذبح نفسي لمرضاة ربي ثم دخل المذبح فذبح نفسه، فتفرقوا ودعوا الناس إلى مذاهبهم، واختلفوا، ووقع القتال بينهم، فكان ذلك سبب قولهم: المسيح ابن الله ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور الذي قالوه في عزير وفي المسيح ﴿قَوْلُهُمْ﴾؛ أي: قول صادر واقع من غير فائدة ولا برهان، يقولونه ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ وتلوكه ألسنتهم مجرد عن المعنى، خال عن الفائدة، لا يؤيده برهان، ولا يتجاوز حركة اللسان، بل البرهان دال على عكسه، لاستحالة إثبات الولد لمن هو برىءٌ عن الحاجة، واتخاذ الصاحبة.
ووجه (١) تقييده بأفواههم مع العلم بأن القول لا يكون إلا من الفم: أن هذا القول لما كان ساذجًا ليس فيه بيان، ولا عضده برهان، كان مجرد دعوى لا معنى تحتها، فارغة صادرة عنهم صدور المهملات، التي ليس فيها إلا كونها خارجةً من الأفواه، غير مفيدة لفائدة يعتد بها، وقيل: إن ذكر الأفواه لقصد التأكيد، كما في كتبت بيدي، ومشيت برجلي، ومنه قوله تعالى: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ وقال بعض أهل العلم: إن الله سبحانه، لم يذكر قولًا مقرونًا بذكر الأفواه والألسن إلا وكان قولًا زورًا، كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ وقوله: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ وأشباه ذلك.
стр. 4880
﴿يُضَاهِئُونَ﴾؛ أي: يشابهون في قولهم ذلك ﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبلهم، وهم مشركو العرب الذين قالوا مثل هذا القول، إذ قالوا: الملائكة بنات الله.
وفي معنى مضاهاتهم لقول الذين كفروا من قبل أقوال لأهل العلم:
الأول: أنهم شابهوا بهذه المقالة عبدة الأوثان في قولهم: واللات، والعزى، ومناة، بنات الله.
القول الثاني: أنهم شابهوا قول من يقول من الكافرين أن الملائكة بنات الله.
الثالث: أنهم شابهوا أسلافهم القائلين بأن عزيرًا ابن الله، وأن المسيح ابن الله.
وقوله: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ تعالى دعاء عليهم بالهلاك؛ لأن من قاتله الله .. هلك، وقيل: هو تعجب من شناعة قولهم، وقيل، معنى قاتلهم الله: لعنهم الله تعالى، وطردهم من رحمته ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: كيف يصرفون عن توحيد الله تعالى وتنزيهه عما لا يليق به، وبه تجزم كل العقول، وبلغه عن الله كل رسول إلى قول لا يقبله عقل، فما المسيح وعزير إلا مخلوقان من مخلوقات الله، الذي خلق هذا الكون العظيم، ودبر أمره، ولا ينبغي لواحد من هذه المخلوقات أن يجعل لخالقه ومدبر شؤونه ولدًا من جنسه، مع علمه بأنه كان يأكل ويشرب ويتعب ويتألم ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون﴾.
وقرأ عاصم والكسائي: ﴿عُزَيْرٌ﴾ منونًا على أنه عربي، وباقي السبعة: بغير تنوين، ممنوع الصرف، للعجمة والعلمية، كعاذر وعيذار وعزرائيل، وعلى كلتا القراءتين فـ ﴿ابن﴾ خبر، وقرأ عاصم، وابن مصرف ﴿يضاهؤن﴾، بالهمز، وباقي السبعة: بغير همز، ثم فصل قوله من قبل ﴿يضاهؤن﴾ قول الذين كفروا من قبل بقوله:
٣١ - ﴿اتَّخَذُوا﴾؛ أي: اتخذ كل من اليهود والنصارى ﴿أَحْبَارَهُمْ﴾؛ أي: علماءهم ﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾؛ أي عبادهم ﴿أَرْبَابًا﴾؛ أي آلهة ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله، كالربا والرشوة والخمر والخنزير، وتحريم ما أحل الله تعالى، كالسوائب والبحائر، أو في السجود لهم
стр. 4881
﴿و﴾ اتخذت النصارى زيادة على ما مر ﴿المسيح﴾ عيسى ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ربًّا معبودًا بعد ما قالوا: إنه ابن الله.
والمعنى: اتخذ كل من اليهود والنصارى رؤساءهم في الدين أربابًا، فاليهود اتخذوا أحبارهم، وهم علماء الدين، أربابًا بما أعطوهم من حق التشريع فيهم، وإطاعتهم فيه، والنصارى اتخذوا قساوستهم ورهبانهم؛ أي: عبادهم الذين يخضع ويركع لهم العوام أربابًا كذلك.
والرهبان عند النصارى أدنى طبقات رجال الدين، فاتخاذهم أربابًا يقتضي بالأولى أن يتخذوا من فوقهم من الأساقفة والمطارنة والبطاركة، إذ الرهبان يخضعون لتشريع هؤلاء الرؤساء، مدونًا كان أو غير مدون، والعوام يخضعون لتشريع الرهبان، ولو غير مدون، سواء قالوه تبعًا لمن فوقهم، أو من تلقاء أنفسهم، لثقتهم بدينهم، وانفردت النصارى باتخاذهم المسيح ربًّا وإلهًا يعبدونه، ومنهم من يعبد أمه عبادة حقيقةً، ويصرحون بذلك، واليهود لم يقصروا في دينهم على أحكام التوراة، بل أضافوا إليها من الشرائع ما سمعوه من رؤسائهم، ثم دونوه، فكان هو الشرع العام، وعليه العمل عندهم، والنصارى غيَّر رؤساؤهم جميع أحكام التوراة الدينية والدنيوية، واستبدلوا بها شرائع أخرى في العبادات والمعاملات جميعًا، وزادوا حق مغفرة الذنوب لمن شاؤوا، وحرمان من شاؤوا من رحمة الله وملكوته، والله يقول: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وزادوا القول بعصمة البابا في تفسير الكتب الإلهية، ووجوب طاعته في كل ما يأمر به من الطاعات، وينهى عنه من المحرمات.
﴿وَمَا أُمِرُوا﴾؛ أي: اتخذ هؤلاء الكفار ما ذكر أربابًا من دون الله، والحال أنهم ما أمروا في التوراة والإنجيل ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ في ذاته وصفاته وأفعاله عظيم الشأن، هو الله تعالى؛ أي (١) اتخذوا رؤساءهم أربابًا من دون الله، والربوبية تستلزم الألوهية، إذ الربُّ هو الذي يجب أن يعبد وحده،
стр. 4882
والحال أنهم ما أمروا على لسان موسى وعيسى، ومن اتبعهما فيما جاء به من عند الله إلا أن يعبدوا ويطيعوا في الدين إلهًا واحدًا، بما شرعه لهم، وهو ربهم ورب كل شيء ومليكه، ثم علل الأمر بعبادة إله واحد فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وهذه الجملة صفة لـ ﴿إِلَهًا﴾؛ أي: لا معبود بحق في الوجود غيره تعالى في حكم الشرع ولا في نظر العقل، وإنما اتخذ المشركون آلهة من دونه بالرأي والهوى، جهلًا بصفات الألوهية، إذ ظنوا أن لبعض المخلوقات سلطانًا غيبيًّا، وقدرة على الضر والنفع، من غير طريق الأسباب المسخرة للخلق مثل ما لله، إما بالذات، وإما بالوساطة والشفاعة لديه.
﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ أي: تنزَّه وتمجَّد اللَّه له تعالى ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: عن شركهم في ألوهيته بدعاء غيره معه أو من دونه، وفي ربوبيته بطاعة الرؤساء في التشريع الديني بدون إذنه.
٣٢ - ﴿يُرِيدُونَ﴾؛ أي: يريد رؤساء اليهود والنصارى ﴿أَنْ يُطْفِئُوا﴾ ويخمدوا ﴿نُورَ اللَّهِ﴾؛ أي: دين الله الذي هو دين الإسلام ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾؛ أي: بتكذيبهم وألسنتهم يعني (١) يريد هؤلاء إبطال دين الله الذي جاء به محمد ﷺ ، بتكذيبهم إياه، وقيل المراد من النور: الدلائل الدالة على صحة نبوته ﷺ ، وهي أمور:
أحدها: المعجزات الباهرات الخارقة للعادة التي ظهرت على يد النبي ﷺ ، الدالة على صدقه.
وثانيها: القرآن العظيم الذي نزل عليه من عند الله فهو معجزة له باقية على الأبد دالة على صدقه.
وثالثها: أن دينه الذي أمر به، وهو دين الإسلام، ليس فيه شيء سوى تعظيم الله، والثناء عليه، والانقياد لأمره، ونهيه واتباع طاعته، والأمر بعبادته والتبري من كل معبود سواه، فهذه أمور نيرة، ودلائل واضحة، في صحة نبوة محمد ﷺ ، فمن أراد إبطال ذلك بكذب وتزوير .. فقد خاب سعيه وبطل عمله.
стр. 4883
وهذه الجملة تمثيل (١) لحالهم في محاولة إبطال دين الحق ونبوة نبي الصدق، بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم، قد أنارت به الدنيا، وانقشعت به الظلمة، ليطفئه ويذهب أضواءه، ثم إن الله وعد نبيه محمدًا ﷺ بمزيد النصر، وإعلاء الكلمة، وإظهار الدين بقوله: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ﴾ ويمتنع، ولا يريد كل شيء ﴿إِلَّا أَنْ يُتِمَّ﴾ ويظهر ﴿نُورَهُ﴾ ويعلي كلمته، ويتم الحق، الذي بعث به رسوله محمدًا ﷺ .
وخلاصة ما سلف (٢): أنهم يريدون أن يطفؤوا نور الله الذي شرعه لهداية عباده، وركنه الركين، وأساسه المتين: توحيد الربوبية والألهية، فتحولوا عنه إلى الشرك والوثنية، والله لا يريد إلا أن يتم هذا النور الذي هو كنور القمر، فيجعله بدرًا كاملًا يعم نوره الأرض كلها.
وجواب لو في قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ محذوف (٣) تقديره: ولو كره الكافرون تمام نوره .. لأتمه ولم يبال بكراهتهم، وجملة لو معطوفة على (٤) مقدر، تقديره: ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو لم يكره الكافرون ذلك، وحتى لو كرهوا، كما سيأتي في مبحث الإعراب إن شاء الله تعالى.
والمعنى (٥): ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون بعد تمامه، كما كانوا يكرهونه من قبل، حين بدء ظهوره، فهم يكيدون له ويفترون عليه، ويطعنون فيه وفيمن جاء به، ويحاولون إخفاءه، أما اليهود .. فكانوا في أول الإسلام أشد الناس عداوةً لأهله، فهم في ذلك كمشركي العرب سواء.
ولما عجزوا عن إطفاء نوره بمساعدة المشركين على النبي ﷺ ، قصدوا إطفاء نوره ببث البدع فيه، وتفريق كلمة أهله، كما فعل عبد الله بن سبأ من ابتداع التشيع لعليٍّ كرم الله وجهه والغلو في ذلك وإلقاء الشقاق بين المسلمين، ثم في
стр. 4884
الفتنة بين عليّ ومعاوية، ولولا ذلك .. لما قتل أولئك الألوف من صناديد المسلمين، ثم ما كان من منافقيهم من الإسرائيليات الكاذبة التي لا تزال مبثوثة في تضاعيف كتب التفسير والحديث والتاريخ.
وأما النصارى: فقد كان الحبشة منهم أول من أظهر المودة لهم، وأكرم النجاشي من لجأ إليه من مهاجريهم، ومنعهم من تعدي المشركين عليهم، ثم انقلب الأمر بعد انتشار الإسلام وراء جزيرة العرب، فتودد اليهود للمسلمين؛ لأنهم أنقذوهم من ظلم النصارى واستعبادهم، وصار نصارى أوروبا المستعمرون للممالك الشرقية هم الذين يقاتلون المسلمين، ويعادونهم دون نصارى هذه البلاد؛ لأنهم رأوا من عدل المسلمين ما فضلوهم به على الروم الذين كانوا يظلمونهم ويحتقرونهم، إلى أن جاءت الحروب الصليبية، فغلا نصارى أوروبا في عداوة المسلمين، ولا يزال الأمر كذلك في هذا العصر، كما هو مشاهد معروف.
٣٣ - ثم بين إتمام نوره فقال: ﴿هُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي أَرْسَلَ﴾ وبعث ﴿رَسُولَهُ﴾ محمدًا ﷺ ، حالة كونه متلبسًا ﴿بِالْهُدَى﴾؛ أي بالقرآن أو بما يهدي به الناس من البراهين والمعجزات والأحكام التي شرعها الله تعالى لعباده ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الذي هو دين الإسلام والملة الحنيفية، وهذه الجملة بمنزلة التعليل لما قبلها؛ أي: إنه تعالى كفل إتمام هذا النور بإرسال رسوله الأكمل بالهدى والدين الحق، الذي لا يغيره دين آخر ولا يبطله شيء آخر.
ثم ذكر الغاية من إرسال محمد ﷺ ، خاتم النبيين بدين الحق، فقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾؛ أي: ليعلي هذا الدين، الذي هو دين الإسلام ويرفع شأنه ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾؛ أي: على جميع الأديان كلها بالحجة والبرهان والهداية والعرفان والسيادة والسلطان، ولم يكن لدين من الأديان مثل ما للإسلام من التأثير الروحي والعقلي والمادي والاجتماعي والسياسي، وإظهاره على الدين كله بأن لا يعبد الله إلا به، فإن المسلمين قد قهروا اليهود وأخرجوهم من بلاد العرب، وغلبوا النصارى على بلاد الشام وما والاها إلى ناحية الروم والغرب، وغلبوا المجوس
стр. 4885
على بلادهم، وغلبوا عباد الأصنام على كثير من بلادهم مما يلي الترك والهند، فثبت أن الذي أخبر الله عنه في هذه الآية قد حصل، وكان ذلك إخبارًا عن الغيب فكان معجزًا.
وروي عن أبي هريرة أنه قال: هذا وعد من الله بأنه تعالى يجعل الإسلام غالبًا على جميع الأديان، وتمام هذا إنما يحصل عند نزول عيسى ﵇، فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ذلك الإظهار .. لأظهره الله تعالى، فجواب ﴿لو﴾ محذوف، كما قدرناه مثل ما مر، سواء بسواء، وقد وصفهم هنا بالشرك بعد أن وصفهم بالكفر، للدلالة على أنهم جمعوا بين الكفر بالرسول وتكذيبه، والشرك بالله، وفي الجملتين إخبار بأن إتمام الله لدينه وإظهاره على جميع الأديان يكون بالرغم من جميع الكفار المشركين منهم، وغير المشركين، وهذا آخر الآيات التي أمر عليٌّ بالتأذين بها في موسم الحج.
٣٤ - ولما فرغ من ذكر حال أتباع الأحبار والرهبان، المتخذين لهم أربابًا .. ذكر هنا حال المتبوعين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما جاء به محمد ﷺ ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ﴾؛ أي: علماء اليهود ﴿وَالرُّهْبَانِ﴾؛ أي: علماء النصارى ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ﴾؛ أي: ليأخذون الأموال من سفلتهم ﴿بِالْبَاطِلِ﴾؛ أي: بالوجوه الباطلة، كالرشوة في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع وغير ذلك، وعبر عن أخذ الأموال بالباطل بالأكل؛ لأن المقصود الأعظم من جمع الأموال الأكل، فمسمى الشيء باسم ما هو أعظم مقاصده، وأثبت هذا الأكل للكثير منهم؛ لأنَّ فيهم من لم يتلبس بذلك، بل بقي على ما يوجبه دينه من غير تحريف ولا تبديل، ولا ميل إلى حطام الدنيا، ولقد اقتدى بهؤلاء الأحبار والرهبان كثير من الذين يدعون العلم في الإسلام، ممن لا يأتي عليه الحصر في كل زمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ الناس؛ أي: يمنعون الناس ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: عن الدخول في دين الله الذي هو دين الإسلام في زمان محمد ﷺ ، لئلا يفوتهم ما يأخذونه من سفلتهم، أو يمنعونهم في كل زمان عما كان حقًّا في شريعتهم قبل نسخها، بسبب أكلهم أموال الناس بالباطل.
стр. 4886
والمعنى: إن كثيرًا من الأحبار والرهبان أشربت قلوبهم حب المال والجاه، فمن أجل حب المال أكلوا أموال الناس بالباطل، ومن أجل حب الجاه .. صدوا عن سبيل الله، فإنهم لو أقروا بصدق محمد ﷺ ، وصحة دينه .. لزمهم أن يتابعوه فيبطل حكمهم، وتزول حرمتهم، ومن ثم كانوا يبالغون في المنع من متابعته، وصد الناس عنه.
وأكل الأموال بالباطل: أخذها بغير حق شرعي، ويقع ذلك على صور مختلفة منها:
١ - أخذها رشوة لأجل الحكم، أو المساعدة على إبطال حق أو إحقاق باطل، ويقوم به صاحب السلطة الدينية أو المدنية، رسمية كانت، أو غير رسمية.
٢ - أخذها بالربا، وهو فاش عند اليهود وأحبارهم، يفتونهم بأكل الربا من غير الإسرائيليين، ويأكلونه معهم، مستحلين له بنص توارتهم المحرفة بدلًا من نهيهم عنه.
٣ - أخذ سدنة قبور الأنبياء والصالحين والمعابد التي بنيت بأسمائهم هدايا ونذورًا.
٤ - بذلها لمن يعتقدون فيهم الصلاح والزهد في الدنيا ليدعوا لهم ويشفعوا عند الله في قضاء حاجاتهم، وشفاء مرضاهم اعتقادًا منهم أن الله يستجيب دعاءهم ولا يرد شفاعتهم، أو لظنهم أن الله قد أعطاهم تصرفًا في الكون، يقضون به الحاجات، من دفع الضر عمن شاؤوا، وجلب الخير لمن أحبوا، وتأولها لهم الرؤساء الدينيون الضالون، وقالوا: إنها لا تنافي التوحيد الذي جاءت به الرسل.
٥ - أخذها جعلًا على مغفرة الذنوب، ويتوسلون إلى ذلك بما يسمونه سر الاعتراف، فيأتي الرجل أو المرأة لدى القسيس، أو الراهب الذي يأذن له الرئيس الأكبر بسماع أسرار الاعتراف ومغفرة الذنوب، فيخلو به أو بها، فيقص عليه الخاطىء ما عمل من الفواحش والمنكرات بأنواعها، لأجل أن يغفرها له، وهم
стр. 4887
يعتقدون أن ما يغفره هؤلاء يغفره الله.
٦ - أخذهم للأموال على فتاوى لتحليل الحرام أو تحريم الحلال؛ إرضاءً لشهوات الملوك وكبار الأغنياء، أو الانتقام من أعدائهم.
٧ - أخذها من أموال مخالفيهم في الجنس أو الدين خيانة وسرقةً، ونحو ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ الآية.
وصدهم عن سبيل الله (١): هو منعهم الناس عن معرفة الله، معرفة صحيحة، وعبادته على الوجه الذي يرضيه، ولا عجب فهم مشركون غير موحدين - كما علمت مما سلف - فهم لا يعبدون الله بما شرعه الله، بل بما شرعه البشر واليهود، قد كفروا بالمسيح، وهو المصلح الأكبر في شريعتهم، والنصارى يعبدون المسيح وأمه والقديسيين، وجل عبادتهم من صلاة وصيام لم تكن في عهد المسيح، ومن أنكى طرقهم في الصد عن سبيل الله: الطعن في النبي الأعظم ﷺ ، والكتاب الكريم؛ أي القرآن.
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾؛ أي: يجمعونهما ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾؛ أي: ولا ينفقون تلك الكنوز ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في طاعته؛ أي: لا يؤدون زكاتها، فقد أخرج مالك والشافعي عن ابن عمر، قال: ما أُدي زكاته .. فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وما لم تؤد زكاته .. فهو كنز، وإن كان ظاهرًا.
وأخرج ابن عدي والخطيب عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أي مال أديت زكاته .. فليس بكنز".
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والحاكم عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ .. كبر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيع أحد منا أن يبقي لولده مالًا بعده، فقال عمر: أنا أفرج
стр. 4888
عنكم، فانطلق وتبعه ثوبان، فأتى النبي ﷺ ، فقال: يا نبي الله، إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية، فقال: "إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث عن أموال تبقى بعدكم"، فكبر عمر ﵁ ثم قال له النبي ﷺ : "ألا أخبرك بخير ما يكنز؟ المرأة الصالحة، التي إذا نظر إليها الرجل .. سرته، وإذا أمرها .. أطاعته، وإذا غاب عنها .. حفظته"، وإنما خص الذهب والفضة بالذكر دون سائر الأموال؛ لكونهما أثمن الأشياء، وغالب ما يكنز، وإن كان غيرهما له حكمهما في تحريم الكنز، وقرأ الجمهور: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ بالواو على الاستئناف، وهو عام يندرج فيه من يكنز من المسلمين، وقرأ ابن مصرف: ﴿الَّذِين﴾ بغير واو، وهو ظاهر في كونه من أوصاف من تقدم، ويحتمل الاستئناف والعموم، واختلفوا (١) في المراد بهؤلاء الذين ذمهم بسبب كنز الذهب والفضة، فقيل: هم أهل الكتاب، قاله معاوية بن أبي سفيان؛ لأنَّ الله وصفهم بالحرص الشديد على أخذ أموال الناس بالباطل، ثم وصفهم بالبخل الشديد، وهو جمع المال، ومنع إخراج الحقوق الواجبة منه. وقال ابن عباس والسدي: نزلت في مانعي الزكاة من المسلمين، وذلك أنه لما ذكر قبح طريقة الأحبار والرهبان في الحرص على أخذ الأموال بالباطل .. حذر المسلمين من ذلك، وذكر وعيد من جمع المال ومنع حقوق الله منه.
وقال أبو ذر: نزلت في أهل الكتاب وفي المسلمين. ووجه هذا القول: أن الله وصف أهل الكتاب بالحرص على أخذ أموال الناس بالباطل، ثم ذكر بعده وعيد من جمع المال، ومنع الحقوق الواجبة فيه، سواء كان من أهل الكتاب أو من المسلمين.
أخرج البخاري عن زيد بن وهب، قال: مررت بالربذة - موضع بين مكة والمدينة - فإذا بأبي ذر، فقلت: ما أنزلك هذا المنزل؟ قال: كنت في الشام
стр. 4889
فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها، فكثر عليَّ الناس، حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال: إن شئت تنحيت، فكنت قريبًا، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أُمر عليَّ عبد حبشي .. لسمعت وأطعت.
وإنما قال: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ ولم يقل: ينفقونهما؛ لأنه أعاد الضمير إلى المال المكنوز، وهي أعيان الذهب والفضة، وقبل أعاد الضمير إلى الفضة؛ لأنه أغلب أموال الناس.
واختلف أهل العلم في المال الذي أديت زكاته، هل يسمى كنزًا أم لا؟ فقال قوم: هو كنز، وقال آخرون: ليس بكنز، ومن القائلين بالقول الأول أبو ذرٍّ، وقيده بما فضل عن الحاجة، ومن القائلين بالقول الثاني: عمر بن الخطاب وابن عمر وابن عباس وجابر وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، وهو الحق لما تقدم من الأدلة المصرحة بأن ما أديت زكاته فليس بكنز.
وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾؛ أي: فأخبرهم يا محمد ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾؛ أي: مؤلم، جملة تهكمية خبر عن الموصول، وقيل: إن البشارة هي الخبر الذي يتغير له لون البشرة، لتأثيره في القلب، سواء كان من الفرح أو من الغم.
٣٥ - وقوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ منصوب بقوله: ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وقيل: منصوب بمحذوف، تقديره: أي: أخبرهم بعذاب أليم يصيبهم في ذلك اليوم الذي يحمى ويوقد فيه على تلك الأموال المكنوزة في نار جهنم؛ أي: بأن توضع فيها وتضرم عليها النار الحامية، حتى تبيض من شدة الحرارة، وتصير مثلها ﴿فَتُكْوَى بِهَا﴾؛ أي: فتحرق بتلك الكنوز المحماة ﴿جِبَاهُهُمْ﴾؛ أي: جباه كانزيها جمع جبهة وهي أعلى الوجه، والمراد بها ما أقبل منهم كله ﴿وَجُنُوبُهُمْ﴾ جمع جنب، والمراد بها جهة اليمين واليسار ﴿وَظُهُورُهُمْ﴾ جمع ظهر، والمراد بها ما أدبر منهم كله؛ أي: فتلصق بجباهم وجنوبهم وظهورهم، حتى
стр. 4890
يصل الحر إلى أجوافهم.
وخص (١) الجباه والجنوب والظهور بالذكر لكون التألم بكيِّها أشد، لما في داخلها من الأعضاء الشريفة وقيل: ليكون الكي في الجهات الأربع من قدام وخلف، وعن يمين وعن يسار، وقيل: لأن الجمال في الوجه، والقوة في الظهر والجنبين والإنسان، إنما يطالب المال للجمال والقوة، وقيل: لأن الغني صاحب المال إذا أتاه السائل فطلب منه شيئًا .. تبدو منه آثار الكراهة والمنع، فعند ذلك يكلح وجهه، وتجتمع أسارير جبهته، فيتجعد جبينه، ثم إن كرر السائل الطلب .. ناى بجانبه عنه ومال عن جهته وتركه جانبًا، ثم إن كرر الطلب وألح في السؤال .. ولاه ظهره، وأعرض عنه واستقبل جهةً أخرى، وهي نهاية في الرد، وغاية في المنع الدال على كراهية الإعطاء والبذل، وهذا دأب مانعي البر والإحسان، وعادة البخلاء، فلذلك خص هذه الأعضاء الثلاثة بالكي يوم القيامة.
وقيل (٢): خصت هذه الأعضاء دون بقية الجسد؛ لأنهم يستقبلون بالوجوه الناس، وأساريرهم منبسطة غبطة لعظم الثروة، ويستقبلون الفقراء ووجوههم منقبضة من العبوس، لينفروا ويحجموا عن السؤال، ولأن الجنوب والظهور كانوا يتقلبون بها على سرر النعمة، اضطجاعًا واستلقاءً، ويعرضون بها عن لقاء المساكين، وطلاب الحاجات، فلا يكون لهم في جهنم استراحة، فيما سوى الوقوف، إلا بالانكباب على الوجوه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾.
وفي الآية (٣) إيماء إلى أنه يحمى عليها بأعيانها، والله قادر على إعادتها، وأمور الآخرة من عالم الغيب، فلا ندرك كنهها ولا صفتها فنفوض الأمر فيها إلى عالم الغيب، وعلينا الاعتبار بما فيها من إصلاح النفس وتهذيب الأخلاق.
وروى مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله .. إلا
стр. 4891
جعل له يوم القيامة صفائح من نار، فيكوى بها جنبه وجبهته وظهره" وروى عنه "من آتاه الله مالًا، فلم يؤدِّ زكاته ... مثل له شجاع - ذكر الحيات - أقرع له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، فيأخذ بلهزمتيه - العظمان الناتئان تحت الأذنين - يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا ﷺ : ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ " وتقول لهم ملائكة العذاب الذين يتولون كيهم توبيخًا لهم: ﴿هَذَا﴾ الكي جزاء ﴿مَا كَنَزْتُمْ﴾ وجمعتم في الدنيا لمنفعة أنفسكم، فكان اليوم سبب مضرتها، وتعذيبها أو هذا الميسم الذي تكوون به، هو المال الذي كنزتموه لأنفسكم، لتنفردوا بالتمتع به، ﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾؛ أي: فذوقوا العذاب بسبب ما كنتم تكنزونه وتجمعونه من الأموال، هذا إن قلنا ﴿مَا﴾ موصولة ويصح كونها مصدرية؛ أي: فذوقوا وبال كنزكم له، وجزاء إمساككم إياه، عن النفقة في سبيل الله، وسوء عاقبته وقبح مغبته وشؤم فائدته ومنفعته.
وخلاصة هذا: أن ما كنتم تظنونه من منفعة كنزه لأنفكسم، لا يشارككم فيها أحد .. قد إن لكم ضرًّا، وعليكم ضدًّا، فقد صار في الدنيا لغيركم، وعذابه في الآخرة لاحقًا بكم، وإن من أكبر أسباب الضعف الظاهر الذي نراه في المسلمين عامةً، حتى تمكن أعداؤهم من سلب ملكهم ويحاولون صدهم عن دينهم، بخل أغنيائهم، إذ لو وجهوا هممهم لإنشاء المدارس والمصانع والمعامل، لتعليم النشىء العلوم الدينية والدنيوية، من فنون الحرب، وصنع الأسلحة .. لأمكنهم أن يخرجوا للأمة رجالًا، يحفظون الدين والملك، ويعيدون إليها مجدها الزائل، ويجذبون المعتدين عليها إلى الإسلام، ويدخلونهم فيه أفواجًا أفواجًا.
وقرأ الجمهور: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا﴾ بالياء وقرأ الحسن وابن عامر: في رواية ﴿تُحْمَى﴾ بالتاء، وقرأ أبو حيوة: ﴿فيكوى﴾ بالياء، لكون المسند إليه مجازي التأنيث ووقع الفصل أيضًا.
الإعراب
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ
стр. 4892
تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾.
﴿لَقَدْ﴾ ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب ﴿فِي مَوَاطِنَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿نصر﴾ وعلامة جره الفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف، لصيغة منتهى الجموع ﴿كَثِيرَةٍ﴾ صفة ﴿مَوَاطِنَ﴾ ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بفعل محذوف معطوف على ﴿نَصَرَكُمُ﴾ تقديره: ونصركم يوم حنين، ويصح عطفه على محل قوله: ﴿فِي مَوَاطِنَ﴾ عطف ظرف الزمان من غير واسطة في على ظرف المكان المجرور بها، ولا غرابة في نسق ظرف زمان على مكان، أو بالعكس ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ ﴿نصر﴾ المحذوف الذي تعلق به ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ على كونها بدلًا من ﴿يوم﴾ ﴿أَعْجَبَتْكُمْ﴾ فعل ومفعول ﴿كَثْرَتُكُمْ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة في محل الجر، مضاف إليه ﴿فَلَمْ تُغْنِ﴾ الفاء عاطفة وجازم ومجزوم، وفاعله ضمير يعود على الكثرة ﴿عَنْكُمْ﴾ متعلق به ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به، والجملة في محل الجر، معطوفة على جملة أعجب.
﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾.
﴿وَضَاقَتْ﴾ فعل ماض ﴿عَلَيْكُمُ﴾ متعلق به ﴿الْأَرْضُ﴾ فاعل ﴿بِمَا﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر ومعية ﴿ما﴾ مصدرية ﴿رَحُبَتْ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْأَرْضُ﴾ والجملة صلة ﴿ما﴾ المصدرية ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: مع رحبها، الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من الأرض تقديره: وضاقت عليكم الأرض حالة كونها متلبسة برحبها وسعتها ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿ضاقت﴾ ﴿مُدْبِرِينَ﴾: حال من تاء ﴿وَلَّيْتُم﴾ مؤكدة لعاملها.
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾.
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه،
стр. 4893
والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ معطوف على ﴿رَسُولِهِ﴾ ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ﴾: فعل ماض معطوف على ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ ﴿جُنُودًا﴾: مفعول به ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾: جازم وفعل وفاعل ومفعول به؛ لأن رأى بصرية، والجملة في محل النصب صفة لـ ﴿جُنُودًا﴾ ﴿وَعَذَّبَ﴾ فعل ماض معطوف على ﴿أَنْزَلَ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ مفعول به ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل والجملة صلة الموصول ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ مبتدأ وخبر ومضاف إليه والجملة مستأنفة.
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾.
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿وَعَذَّبَ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يَتُوبُ﴾ ﴿عَلَى مَنْ﴾: متعلق بـ ﴿يَتُوبُ﴾ أيضًا ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ والجملة صلة من الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: على من يشاء التوبة له ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾: مبتدأ وخبر أول ﴿رَحِيمٌ﴾ خبر ثان، والجملة مستأنفة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، وجملة النداء مستأنفة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر ﴿الْمُشْرِكُونَ﴾ مبتدأ ﴿نَجَسٌ﴾ خبر، والجملة الاسمية جواب النداء ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع ﴿لا﴾: ناهية ﴿يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ﴾ فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية ﴿الْحَرَامَ﴾ صفة لـ ﴿الْمَسْجِدَ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية، على كونها مفرعة عليها ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ﴾ ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يَقْرَبُوا﴾ ﴿هَذَا﴾: صفة لـ ﴿عَامِهِمْ﴾.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
стр. 4894
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾: جازم، وفعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية ﴿فَسَوْفَ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة تسويفية ﴿سوف﴾: حرف تنفيس ﴿يُغْنِيكُمُ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم ﴿شَاءَ﴾ فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿إِنْ﴾ ومفعول المشيئة محذوف، تقديره: إن شاء إغناءكم وجواب إن: محذوف دل عليه ما قبله تقديره: إن شاء يغنيكم وجملة إن الشرطية مستأنفة ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر أول له ﴿حَكِيمٌ﴾ خبر ثان له وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾.
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل ومفعول والجملة مستأنفة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به، والجملة صلة الموصول ﴿وَلَا بِالْيَوْمِ﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور قبله ﴿الْآخِرِ﴾ صفة لليوم ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به ﴿حَرَّمَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل ﴿وَرَسُولُهُ﴾ معطوف على الجلالة، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ما حرمه الله ﴿وَلَا يَدِينُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿دِينَ الْحَقِّ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ جار ومجرور، حال من اسم الموصول، أو من فاعل ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿أُوتُوا﴾ فعل ونائب فاعل، وهو المفعول الأول لآتى؛ لأنه بمعنى أعطى ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول ثان لـ ﴿آتى﴾ والجملة صلة الموصول ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول ثان منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى والمفمعول الأول محذوف، تقديره: إياكم، والجملة الفعلية صلة أن
стр. 4895
المضمرة، وجملة أن المضمرة مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى تقديره: إلى إعطائهم إياكم الجزية الجار والمجرور متعلق بـ ﴿قَاتِلُوا﴾ ﴿عَنْ يَدٍ﴾ جار ومجرور حال من واو ﴿يُعْطُوا﴾؛ أي: حالة كونهم مسلمين لها بأيديهم لا بواسطة غيرهم ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال ثانية من واو ﴿يُعْطُوا﴾.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُود﴾ فعل وفاعل والجملة مستأنفة ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾: مبتدأ، وخبر والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى﴾: فعل وفاعل والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ﴾: مبتدأ وخبر والجملة مستأنفة ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه حال، والعامل فيه القول، ويجوز أن يعمل فيه معنى الإشارة، ويجوز أن تتعلَّق ﴿الباء﴾ بـ ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ ذكره أبو البقاء ﴿يُضَاهِئُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿قَوْلَ الَّذِينَ﴾ مفعول، ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب حال من اليهود والنصارى ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل والجملة صلة الموصول، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾ ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل والجملة مستأنفة مسوقة للدعاء عليهم ﴿أَنَّى﴾ اسم استفهام تعجبي، بمعنى: كيف في محل النصب على التشبيه بالمفعول به، أو بالحال، مبني على السكون، والعامل فيه ما بعده ﴿يُؤْفَكُونَ﴾: فعل ونائب فاعل مرفوع والجملة جملة إنشائية مستأنفة، لا محل لها من الإعراب.
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾.
стр. 4896
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾: معطوف على ﴿أَحْبَارَهُمْ﴾. ﴿أَرْبَابًا﴾: مفعول ثانٍ لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿اتَّخَذُوا﴾ أو صفة، لـ ﴿أَرْبَابًا﴾ أو حال من واو ﴿اتَّخَذُوا﴾؛ أي: حال كونهم مجاوزين الله ﴿وَالْمَسِيحَ﴾ معطوف على أحبارهم ﴿ابْنَ﴾ صفة له ﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه، والمفعول الثاني بالنسبة إليه محذوف؛ أي: ربًّا وانظر لم ثبتت الألف في ابن هنا مع أنه صفة بين علمين؛ لأن المسيح لقب وهو من أقسام العلم، ذكره في "الفتوحات" ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ حالية ﴿ما﴾: نافية ﴿أُمِرُوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب حال من واو ﴿اتَّخَذُوا﴾ ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿لِيَعْبُدُوا﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل ﴿يعبدوا﴾ فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة بعد لام كي، ﴿إِلَهًا﴾ مفعول به ﴿وَاحِدًا﴾ صفة أولى لـ ﴿إِلَهًا﴾ وجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ صفة ثانية لـ ﴿إِلَهًا﴾ والجملة الفعلية صلة أن المضمرة ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام والتقدير: وما أمروا إلا لعبادتهم إلهًا واحدًا، واللام فيه بمعنى الباء ﴿سُبْحَانَهُ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة تقديره: أسبحه تعالى سبحانًا؛ أي: أنزهه تنزيهًا وجملة التسبيح مستأنفة ﴿عَمَّا﴾ ﴿عن﴾ حرف جر ﴿ما﴾ موصولة، أو مصدرية، وجملة ﴿يُشْرِكُونَ﴾ صلة ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: عما يشركونه به، أو صلة ﴿ما﴾ المصدرية؛ أي: عن إشراكهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿سبحان﴾.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)﴾.
﴿يُرِيدُونَ﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة. ﴿أَنْ يُطْفِئُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل. ﴿نُورَ اللَّهِ﴾: مفعول به، ومضاف إليه. ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُطْفِئُوا﴾ والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: يريدون إطفاءهم نور الله بأفواههم. ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ﴾: فعل وفاعل والجملة معطوفة على جملة ﴿يُرِيدُونَ﴾. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿أَنْ
стр. 4897
يُتِمَّ نُورَهُ﴾ فعل ومفعول منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: إلا إتمامه نوره. ﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة على محذوف، تقديره: ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو لم يكره الكافرون ذلك، وحتى لو كرهوا والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾: فعل وفاعل والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾ وجواب ﴿لو﴾ محذوف تقديره: ولو كره الكافرون تمامه .. لأتمه.
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾.
﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر والجملة مستأنفة. ﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الموصول والجملة صلة الموصول ﴿بِالْهُدَى﴾ متلعق بأرسل ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ معطوف على الهدى ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾ ﴿عَلَى الدِّينِ﴾ متعلق به ﴿كُلِّهِ﴾ توكيد لـ ﴿الدِّينِ﴾ والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾ تقديره: لإظهاره إياه على الدين كله الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَرْسَلَ﴾ وجملة ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ معطوفة على محذوف، تقديره: ولو لم يكره المشركون إظهاره .. لأظهره ولو كرهوا ذلك، كما مر في مبحث التفسير.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: جملة ندائية مستأنفة ﴿إِنَّ كَثِيرًا﴾: ناصب واسمه ﴿مِنَ الْأَحْبَار﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿كَثِيرًا﴾ ﴿وَالرُّهْبَانِ﴾: معطوف على الأحبار ﴿لَيَأْكُلُونَ﴾ ﴿اللام﴾: لام الابتداء ﴿يأكلون أموال الناس﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ متعلق بـ ﴿يأكلون أموال الناس﴾ أو صفة لمصدر محذوف؛ أي: أكلًا متلبسًا بالباطل، أو حال من واو ﴿يأكلون﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ جواب النداء لا محل لها من الإعراب ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿يأكلون﴾ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق به،
стр. 4898
ومفعول الصد محذوف، تقديره: ويصدون الناس.
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ ﴿يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به ﴿وَالْفِضَّةَ﴾ معطوف على ﴿الذَّهَبَ﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَكْنِزُونَ﴾ ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة الخبر بالمبتدأ لما في المبتدأ من العموم ﴿بشرهم﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿بِعَذَابٍ﴾ متعلق به ﴿أَلِيمٍ﴾ صفة لـ ﴿عذاب﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾.
﴿يَوْمَ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿أَلِيمٍ﴾ أو بمحذوف تقديره: بعذاب أليم يصيبهم يوم يحمى ﴿يُحْمَى﴾ فعل مضارع مغير الصيغة ﴿عَلَيْهَا﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾: متعلق به و ﴿جَهَنَّمَ﴾ ممنوع من الصرف، للعلمية والتأنيث المعنوي، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾ ﴿فَتُكْوَى﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿تكوى﴾ فعل مضارع مغير الصيغة ﴿بِهَا﴾ متعلق به ﴿جِبَاهُهُمْ﴾: نائب فاعل ﴿وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ معطوفان عليه، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة على جملة ﴿يُحْمَى﴾ ﴿هَذَا﴾ مبتدأ ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة، في محل الرفع خبر المبتدأ ﴿كَنَزْتُمْ﴾ فعل وفاعل ﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ما كنزتموه لأنفسكم، والجملة الاسمية مقول لقول محذوف، تقديره: وتقول الملائكة لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم، وجملة القول المحذوف معطوفة على جملة ﴿تكوى﴾ ﴿فَذُوقُوا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة تفريعية، ﴿ذوقوا﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها مفرعة عليها ﴿مَا﴾ موصولة،
стр. 4899
أو موصوفة، أو مصدرية في محل النصب مفعول به ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص، واسمه وجملة ﴿تَكْنِزُونَ﴾: خبره وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ما كنتم تكنزونه أو جزاء كنزكم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿فِي مَوَاطِنَ﴾؛ أي: أماكن كثيرة - جمع موطن - وهو مقر الإنسان، ومحل إقامته، كالوطن، والمراد بالمواطن: مشاهد الحرب ومواقعها. وفي "المصباح" الوطن: مكان الإنسان ومقره، والجمع أوطان، مثل: سبب وأسباب، والموطن مثل الوطن، والجمع مواطن كمسجد ومساجد، والموطن أيضًا: المشهد من مشاهد الحرب اهـ. قال الشاعر:
وَكَمْ مَوْطِنٍ لَوْلاَيَ طِحْتُ كَمَا هَوَى ... بِأَجْرَامِهِ مِنْ قِنَّةِ النِّيْقِ مُنْهَوِيْ
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ وحنين: واد بين مكة والطائف، على ثلاثة أميال من الطائف، وثمانية عشر ميلًا من مكة، وقيل: وادٍ إلى جنب ذي المجاز، وغزوته: تسمى غزوة أوطاس وغزوة هوازن، وهوازن: قبيلة حليمة السعدية، وكانت تلك الغزوة في شوال، سنة ثمان عقيب رمضان، الذي وقع فيه فتح مكة، قال الشاعر:
نَصَرُوْا نَبِيَّهُمُ وَشَدُّوْا أَزْرَهُ ... بِحُنَيْنِ يَوْمَ تَوَاكَلَ الأَبْطَالُ
﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾؛ أي: لم تدفع الكثرة والإغناء إعطاء ما يدفع الحاجة ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ وفي "المختار" الرحب بالضم: السعة، يقال: منه فلان رحيب الصدر، والرحب بالفتح الواسع وبابه ظرف وقرب، والمصدر رحابة كظرافة، ورحب كقرب ﴿مُدْبِرِينَ﴾؛ أي: هاربين ولا تلوون على شيء ﴿سَكِينَتَهُ﴾ والسكينة: الهيئة النفسية التي تحصل من سكون النفس واطمئنانها، وهي ضد الانزعاج، وقد تطلق على الرزانة والوقار، ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ النجس: من نجس الشيء، من باب فهم إذا كان قذرًا غير نظيف، والاسم النجاسة، وفي "الخطيب": النجس مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد والتثنية والجمع،
стр. 4900
وفي "القاموس" النجس بالفتح والكسر وبالتحريك، وككتف عضد ضد الطاهر، وقد نجس كسمع وكرم اهـ وفي "المصباح": إنه من باب تعب، وفي لغة من باب قتل اهـ.
وقال الراغب: النجاسة: القذارة، وهي ضربان: ضرب يدرك بالحاسة، وضرب يدرك بالبصيرة، وهذا ما وصف الله به المشركين، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ ويقال: نجسه إذا جعله نسجًا، ونجسه أزال نجسه، ومنه تنجيس العرب، وهي شيء كانوا يفعلونه من تعليق عوذة على الصبي، ليدفعوا عنه نجاسة الشيطان، والناجس والنجيس داء خبيث لا دواء له اهـ.
والمعنى: إنما المشركون ذوو نجس، لأن معهم الشرك، الذي هو بمنزلة النجس، أو أنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات، فهي ملابسة لهم، أو جعلوا كأنهم النجاسات بعينها، مبالغةً في وصفهم بها، وعن ابن عباس أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وعن الحسن: من صافح مشركًا توضأ، وأهل المذاهب على خلاف هذين القولين، ذكره في "الفتوحات".
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ والعيلة: الفقر يقال: عال الرجل يعيل عيلًا وعيلةً؛ من باب باع إذا افتقر، فهو عائل، وأعال كثر عياله، وهو يعول عيالًا كثيرين؛ أي: يمونهم ويكفيهم أمر معاشهم، وفي "المصباح" العيلة بالفتح: الفقر، وهو مصدر عال يعيل، من باب سار إذا افتقر، قال الشاعر:
وَمَا يَدْرِيْ الْفَقِيْرُ مَتَى غِنَاهُ ... وَمَا يَدْرِيْ الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيْلُ
والجمع عالة، وهو في تقدير فعلة مثل كافر وكفرة، وعيلان بالفتح: اسم رجل، ومنه: قيس بن عيلان قال بعضهم: ليس في كلام العرب عيلان، بالعين المهملة إلا هذا. اهـ. وفي "المختار" وعيال الرجل من يعولهم، وواحد العيال عيِّل، كجيِّد، والجمع عيائل كجيائد، وأعال الرجل كثرت عياله، فهو معيل. والمرأة معيلةٌ قال الأخفش: أي: صار ذا عيال، اهـ ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ والفضل: العطاء والتفضل: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ يقال: فلان يدين بكذا، إذا اتخذه
стр. 4901
دينًا وعقيدةً، ودين الحق: هو الدين الذي أنزله الله على أنبيائه، وهو من دان يدين، من باب باع يبيع.
﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ والجزية: ضرب من الخراج، يضرب على الأشخاص، لا على الأرض، وجمعها جزًى بالكسر وفي "البحر": الجزية: ما أخذ من أهل الذمة على مقامهم في بلاد الإسلام، سميت بذلك لأنهم يجزونها؛ أي: يقضونها، أو لأنا نجزي بها من مُنَّ عليهم بالإعفاء عن القتل. اهـ ووزنها فعلة، من جزى يجزي، كرمى يرمي إذا كافأ عما أسدي إليه، فكأنهم أعطوها جزاء عما منحوا من الأمن ﴿عَنْ يَدٍ﴾ واليد: السعة والقدرة وفي "زاده": اليد قد تجعل كنايةً عن الانقياد، يقال: أعطى فلان بيده إذا سلم وانقاد؛ لأن من أبى وامتنع .. لم يعط يده، بخلاف المطيع المنقاد، كأنه قيل: قاتلوهم حتى يعطوا الجزية عن طيب نفس وانقياد، دون أن يكرهوا عليه، فإذا احتيج في أخذها منهم إلى الإكراه .. لا يبقى عقد الذمة اهـ.
﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ والصَّغار، والصغر: ضد الكبر، ويكون في الأمور الحسية والمعنوية، والمراد به هنا: الخضوع لأحكام الإسلام وسيادته التي بها تصغر أنفسهم لديهم، بفقد الملك وعجزهم عن مقاومة الحكم.
﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ بالتنوين: أي: تنوين الصرف وتركه قراءتان سبعيتان فالأولى بناءً على أنه عربي، وليس فيه إلا علة واحدة، والثانية بناء على أنه أعجمي، ففيه العلتان العلمية والعجمة، وعلى كل هو مبتدأ و ﴿ابْنُ اللَّهِ﴾ خبر، فلذلك ثبتت الألف في ابن؛ لأنها لا تحذف مثله، إلا إن كان صفة. اهـ شيخنا، ذكره في "الفتوحات" وعزير: هو الذي يسميه أهل الكتاب عزرا، وينتهي نسبه إلى العازار بن هارون ﴿يُضَاهِئُونَ﴾؛ أي: يشابهون ويحاكون، قرأ العامة: يضاهون بضم الهاء بعدها واو، وقرأ عاصم: بهاء مكسورة بعدها همزة مضمومة بعدها واو، كما مر في مبحث القراءة، فقيل: هما بمعنى واحد، وهو المشابهة، وفيه لغتان ضاهأت وضاهيت، بالهمزة والياء والهمزة لغة ثقيف، وقيل: الياء فرع عن الهمزة، كما قالوا: قرأت وقريت وتوضأت وتوضيت وأخطأت وأخطيت، اهـ
стр. 4902
"سمين" وفي "المصباح" ضاهأه مضاهأة، مهموز عارضه وباراه، ويجوز التخفيف، فيقال: ضاهيته مضاهاة، وهي مشاكلة الشيء بالشيء وفي الحديث: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة، الذين يضاهون خلق الله"؛ أي: يعارضون بما يعملون، والمراد المصورون، اهـ. ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ جملة أصلها الدعاء، ثم كثر استعمالها، حتى قيلت على وجه التعجب في الخير أو الشر، وهم لا يريدون الدعاء ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ والإفك: صرف الشيء عن وجهه، يقال: أفك فلان؛ أي: صرف عقله عن إدراك الحقائق، ورجل مأفوك العقل.
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ والأحبار: جمع حبر - بالفتح والكسر - وهو العالم من اليهود، والكسر أفصح؛ لأنه يجمع على أفعال دون فعول، وقال الفراء: هو بالكسر، وقال أبو عبيد: هو بالفتح، وقال الأصمعي: لا أدري أنه بالفتح أو بالكسر. وكعب الحبر - بالكسر -: منسوب إلى الحبر الذي يكتب به؛ لأنه كان صاحب كتب، والحبرة كالعنبة برد يماني، والجمع حبر كعنب، وحبران والرهبان جمع راهب، وهو لغة الخائف، وعند النصارى: هو المتبتل المنقطع للعبادة، وهم علماء النصارى، كما أن الأحبار علماء اليهود.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: عطف الخاص على العام في قوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ للتنويه بشأنه حيث جاء النصر بعد اليأس، والفرج بعد الشدة.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبيعة في قوله: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ﴾ حيث شبه ما حل بهم من الكرب والهزيمة والضيق النفسي، بضيق الأرض مع سعتها على سبيل الاستعارة التصريحية.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ﴾.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿نَجَسٌ﴾؛ أي: هم كالنجس في خبث
стр. 4903
بواطنهم واعتقاداتهم، فحذف منه وجه الشبه وأداة التشبيه، فصار بليغًا، أو هو مجاز عن خبث الباطن وفساد العقيدة، فيكون استعارة لذلك، كما في "الشهاب".
ومنها: المبالغة في قوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾؛ لأنهم إنما نهوا عن الاقتراب للمبالغة في المنع من دخول الحرم، ونهي المشركين أن يقربوا راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم من ذلك، اهـ "أبو السعود".
ومنها: الكناية في قوله: ﴿عَنْ يَدٍ﴾؛ لأنه كناية عن الانقياد والاستسلام.
ومنها: الاستفهام التعجبي في قوله: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
ومنها: اللف والنشر المرتب في قوله: ﴿أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ لأن أحبارهم راجع لليهود، ورهبانهم راجع للنصارى.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله ﴿أَرْبَابًا﴾؛ أي: كالأرباب في الطاعة والعبادة لهم جمع رب، وهو الإله؛ لأنه حذف فيه الأداة ووجه الشبه وهو الاتباع والطاعة لهم.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا﴾ شبه تكذيبهم بآيات الله، بإخماد النار، فاستعار له اسم المشبه به ثم اشتق من الإطفاء، بمعنى التكذيب يطفئوا بمعنى: يكذبوا على طريقة الاستعارة التصريحية التبيعة.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿نور الله﴾ حيث شبه شرائع الله التي منها ما خالفوه من أمر الحل والحرمة وحججه النيرة الدالة على وحدانيته بالنور الحسي، كالشمس بجامع الاهتداء في كل؛ لأنها يهتدى بها إلى الصواب والحق، كما يهتدى بالنور الحسي إلى المحسوسات.
ومنها: التهكم في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وفي قوله: ﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.
стр. 4904
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ وقوله: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ﴾.
ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *