دينًا وعقيدةً، ودين الحق: هو الدين الذي أنزله الله على أنبيائه، وهو من دان يدين، من باب باع يبيع.
﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ والجزية: ضرب من الخراج، يضرب على الأشخاص، لا على الأرض، وجمعها جزًى بالكسر وفي "البحر": الجزية: ما أخذ من أهل الذمة على مقامهم في بلاد الإسلام، سميت بذلك لأنهم يجزونها؛ أي: يقضونها، أو لأنا نجزي بها من مُنَّ عليهم بالإعفاء عن القتل. اهـ ووزنها فعلة، من جزى يجزي، كرمى يرمي إذا كافأ عما أسدي إليه، فكأنهم أعطوها جزاء عما منحوا من الأمن ﴿عَنْ يَدٍ﴾ واليد: السعة والقدرة وفي "زاده": اليد قد تجعل كنايةً عن الانقياد، يقال: أعطى فلان بيده إذا سلم وانقاد؛ لأن من أبى وامتنع .. لم يعط يده، بخلاف المطيع المنقاد، كأنه قيل: قاتلوهم حتى يعطوا الجزية عن طيب نفس وانقياد، دون أن يكرهوا عليه، فإذا احتيج في أخذها منهم إلى الإكراه .. لا يبقى عقد الذمة اهـ.
﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ والصَّغار، والصغر: ضد الكبر، ويكون في الأمور الحسية والمعنوية، والمراد به هنا: الخضوع لأحكام الإسلام وسيادته التي بها تصغر أنفسهم لديهم، بفقد الملك وعجزهم عن مقاومة الحكم.
﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ بالتنوين: أي: تنوين الصرف وتركه قراءتان سبعيتان فالأولى بناءً على أنه عربي، وليس فيه إلا علة واحدة، والثانية بناء على أنه أعجمي، ففيه العلتان العلمية والعجمة، وعلى كل هو مبتدأ و ﴿ابْنُ اللَّهِ﴾ خبر، فلذلك ثبتت الألف في ابن؛ لأنها لا تحذف مثله، إلا إن كان صفة. اهـ شيخنا، ذكره في "الفتوحات" وعزير: هو الذي يسميه أهل الكتاب عزرا، وينتهي نسبه إلى العازار بن هارون ﴿يُضَاهِئُونَ﴾؛ أي: يشابهون ويحاكون، قرأ العامة: يضاهون بضم الهاء بعدها واو، وقرأ عاصم: بهاء مكسورة بعدها همزة مضمومة بعدها واو، كما مر في مبحث القراءة، فقيل: هما بمعنى واحد، وهو المشابهة، وفيه لغتان ضاهأت وضاهيت، بالهمزة والياء والهمزة لغة ثقيف، وقيل: الياء فرع عن الهمزة، كما قالوا: قرأت وقريت وتوضأت وتوضيت وأخطأت وأخطيت، اهـ
стр. 4902
"سمين" وفي "المصباح" ضاهأه مضاهأة، مهموز عارضه وباراه، ويجوز التخفيف، فيقال: ضاهيته مضاهاة، وهي مشاكلة الشيء بالشيء وفي الحديث: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة، الذين يضاهون خلق الله"؛ أي: يعارضون بما يعملون، والمراد المصورون، اهـ. ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ جملة أصلها الدعاء، ثم كثر استعمالها، حتى قيلت على وجه التعجب في الخير أو الشر، وهم لا يريدون الدعاء ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ والإفك: صرف الشيء عن وجهه، يقال: أفك فلان؛ أي: صرف عقله عن إدراك الحقائق، ورجل مأفوك العقل.
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ والأحبار: جمع حبر - بالفتح والكسر - وهو العالم من اليهود، والكسر أفصح؛ لأنه يجمع على أفعال دون فعول، وقال الفراء: هو بالكسر، وقال أبو عبيد: هو بالفتح، وقال الأصمعي: لا أدري أنه بالفتح أو بالكسر. وكعب الحبر - بالكسر -: منسوب إلى الحبر الذي يكتب به؛ لأنه كان صاحب كتب، والحبرة كالعنبة برد يماني، والجمع حبر كعنب، وحبران والرهبان جمع راهب، وهو لغة الخائف، وعند النصارى: هو المتبتل المنقطع للعبادة، وهم علماء النصارى، كما أن الأحبار علماء اليهود.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: عطف الخاص على العام في قوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ للتنويه بشأنه حيث جاء النصر بعد اليأس، والفرج بعد الشدة.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبيعة في قوله: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ﴾ حيث شبه ما حل بهم من الكرب والهزيمة والضيق النفسي، بضيق الأرض مع سعتها على سبيل الاستعارة التصريحية.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ﴾.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿نَجَسٌ﴾؛ أي: هم كالنجس في خبث
стр. 4903
بواطنهم واعتقاداتهم، فحذف منه وجه الشبه وأداة التشبيه، فصار بليغًا، أو هو مجاز عن خبث الباطن وفساد العقيدة، فيكون استعارة لذلك، كما في "الشهاب".
ومنها: المبالغة في قوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾؛ لأنهم إنما نهوا عن الاقتراب للمبالغة في المنع من دخول الحرم، ونهي المشركين أن يقربوا راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم من ذلك، اهـ "أبو السعود".
ومنها: الكناية في قوله: ﴿عَنْ يَدٍ﴾؛ لأنه كناية عن الانقياد والاستسلام.
ومنها: الاستفهام التعجبي في قوله: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.
ومنها: اللف والنشر المرتب في قوله: ﴿أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ لأن أحبارهم راجع لليهود، ورهبانهم راجع للنصارى.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله ﴿أَرْبَابًا﴾؛ أي: كالأرباب في الطاعة والعبادة لهم جمع رب، وهو الإله؛ لأنه حذف فيه الأداة ووجه الشبه وهو الاتباع والطاعة لهم.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا﴾ شبه تكذيبهم بآيات الله، بإخماد النار، فاستعار له اسم المشبه به ثم اشتق من الإطفاء، بمعنى التكذيب يطفئوا بمعنى: يكذبوا على طريقة الاستعارة التصريحية التبيعة.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿نور الله﴾ حيث شبه شرائع الله التي منها ما خالفوه من أمر الحل والحرمة وحججه النيرة الدالة على وحدانيته بالنور الحسي، كالشمس بجامع الاهتداء في كل؛ لأنها يهتدى بها إلى الصواب والحق، كما يهتدى بالنور الحسي إلى المحسوسات.
ومنها: التهكم في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وفي قوله: ﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.
стр. 4904
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ وقوله: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ﴾.
ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكر أنواعًا من قبائح أهل الشرك، وأهل الكتاب .. ذكر أيضًا نوعًا منه، وهو تغيير العرب أحكام الله تعالى؛ لأنه حكم في وقت بحكم خاص، فإذا غيروا ذلك الوقت .. فقد غيروا حكم الله تعالى، وهذه الآيات (١) عود على بدء إلى الكلام في أحوال المشركين، وقد كان الكلام في قتال أهل الكتاب ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ من قبيل الاستطراد، اقتضاه ما قبله، وهو حكم قتال المشركين ومعاملتهم.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (٢): أن الكلام السابق في حكم القتال مع اليهود وبيان حقيقة أحوالهم، من خروجهم من هداية الدين في العقائد والأعمال، والفضائل التي تهذب النفوس وتزكيها، والكلام هنا في غزوة تبوك، والمراد بها: قتال الروم وأتباعهم من عرب الشام، وجميعهم نصارى، وبهذا استبان ارتباط الآيات بما قبلها.
قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما توعد من لم ينفروا مع الرسول ﷺ ، وتثاقلوا حين استنفرهم، وضرب لهم من الأمثال ما ضرب .. أتبعه بالأمر الجزم الذي لا هوادة فيه، فأوجب النفير العام على كل فرد، فلا عذر لأحد في التخلف، وترك الطاعة.
قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما رغبهم في الجهاد في سبيل الله، وبين أن فريقًا منهم تباطؤوا وتثاقلوا .. أردف ذلك ببيان أن فريقًا منهم تخلفوا عنه، مع ما تقدم من الوعيد والحث على الجهاد، وطفقوا ينتحلون الأعذار الواهية، ويستأذنوه ﷺ في القعود والتخلف ليأذن لهم.
стр. 4907
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما أخرجه ابن جرير عن أبي مالك، قال: كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرًا، فيجعلون المحرَّم صَفرًا، فيستحلون فيه المحرمات، فأنزل الله : ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير عن مجاهد في هذه الآية، قال: هذا حين أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح، وحين أمرهم بالنفير في الصيف، حين طابت الثمار واشتهوا الظلال، وشق عليهم المخرج، فأنزل الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنفِرُوا ...﴾ الآية، أخرج (٢) ابن أبي حاتم، عن نجدة بن نفيع، قال: سألت ابن عباس عن هذه الآية، فقال: استنفر رسول الله ﷺ ، أحياءً من العرب، فتثاقلوا عنه فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ فأمسك عنهم المطر، فكان عذابهم.
قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير، عن حضرمي، أنه ذكر له أن أناسًا كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلًا، أو كبيرًا فيقول: إني آثم فأنزل الله ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.
قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير عن عمرو بن ميمون الأزدي، قال: اثنتان فعلهما رسول الله ﷺ ، لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين، وأخذه الفداء من الأسارى، فأنزل الله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾.
стр. 4908
التفسير وأوجه القراءة
٣٦ - ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾؛ أي: إن عدد الشهور التي تتكون منها السنة القمرية ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ؛ أي: في حكمه وتقديره وعلمه، لا عند الناس أهل الجاهلية؛ لأنهم كانوا يجعلونه ثلاثة عشر شهرًا أو أربعة عشر، ليتسع لهم الوقت، وفي قوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ رد عليهم؛ أي إن عدد شهور السنة في حكمه تعالى، لا بالنظر إلى ما ابتدعه الناس ﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ من غير زيادة ولا نقصان، مثبتة ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾؛ أي: في اللوح المحفوظ ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: مرتبة على هذا الترتيب المعروف فيها أول ما خلق الله السموات والأرض فقوله (١): ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿يَوْمَ خَلَقَ﴾ بدل من قوله: ﴿عِندَ اللهِ﴾ والتقدير: إن عدد شهور السنة عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض اثنا عشر شهرًا، هي المحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر، وجمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة.
وفائدة الإبدالين: تقرير الكلام في الأذهان؛ لأنه يعلم منه أن ذلك العدد واجب عند الله تعالى في كتاب الله، وثابت في علمه من أول ما خلق الله هذا العالم.
ويجوز أن يكون ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ صفة اثنا عشر؛ أي: اثنا عشر شهرًا مثبتة في كتاب الله، وهو اللوح المحفوظ، وفي هذه الآية بيان أن الله وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على هذا الترتيب المعروف يوم خلق السموات والأرض، وأن هذا هو الذي جاءت به الأنبياء، ونزلت به الكتب، وأنه لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط، من الشهور التي يصطلحون عليها ويجعلون بعضها ثلاثين يومًا وبعضها أكثر وبعضها أقل.
والمعنى: أن (٢) مبلغ عدة الشهور اثنا عشر شهرًا فيما كتبه الله وأثبته من نظام سير القمر، وتقديره: منازل منذ خلق السموات والأرض على هذا الوضع
стр. 4909
المعروف لنا من ليل ونهار إلى الآن، والمراد بقوله: يوم خلق السموات والأرض الوقت الذي خلقهما فيه باعتبار تمامه، ونهايته في جملته، وهو ستة أيام من أيام التكوين باعتبار تفصيله، وخلق كل منهما وما فيهما، وقال "البيضاوي": والمعنى أن هذا الأمر ثابت في نفس الأمر منذ خلق الله الأجرام والأزمنة اهـ. والمراد بها شهور السنة القمرية التي هي مبنية على سير القمر في المنازل، وهي شهور العرب التي يعتد بها المسلمون في صيامهم ومواقيت حجهم، وأعيادهم وسائر أمورهم وأحكامهم كالعدد ومدة الحمل والرضاع وآجال الدين.
وأيام هذه المشهور (١) ثلاث مئة وخمسة وخمسون يومًا، والسنة الشمسية عبارة عن دور الشمس في الفلك دورةً تامةً، وهي ثلاث مئة وخمسة وستون يومًا وربع يوم، فتنقص السنة الهلالية عن السنة الشمسية عشرة أيام، فبسبب هذا النقصان تدور السنة الهلالية، فيقع الحج والصوم تارة في الشتاء، وتارة في الصيف.
قال المفسرون: وسبب نزول هذه الآية، من أجل النسيء الذي كانت العرب تفعله في الجاهلية، فكان يقع حجهم تارة في وقته، وتارة في المحرم، وتارة في صفر، وتارة في غير ذلك من سائر الشهور، فأعلم الله أن عدة شهور سنة المسلمين التي يعتدون به اثنا عشر شهرًا على منازل القمر وسيره فيها، وهو قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يعني: في علمه وحكمه اثنا عشر شهرًا اهـ "خازن".
﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من تلك الشهور الاثني عشر ﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾؛ أي: محترمةٌ ثلاثةٌ سرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد رجب، كما ورد ذلك في السنة المطهرة، وإنما سميت (٢) حرمًا: لأن العرب في الجاهلية كانت تعظمها وتحرم فيها القتال، حتى إن أحدهم لو لقي قاتل أبيه أو ابنه أو أخيه في هذه
стр. 4910
الأربعة أشهر .. لم يزعجه، ولما جاء الإِسلام .. لم يزدها إلا حرمة وتعظيمًا، ولأن الحسنات والطاعات فيها تتضاعف، وكذلك السيئات أيضًا أشد فيها من غيرها، فلا يجوز انتهاك حرمتها ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: تحريم الأشهر الأربعة هو ﴿اَلدِّينُ الْقَيِّمُ﴾؛ أي (١): الدِّين القويم دين إبراهيم وإسماعيل ﵉، وكانت العرب وَرِثوه منهما، فكانوا يعظمونها ويحرمون القتال فيها، حتى أحدثت النسيء فغيروا، وقيل: أراد بالدين القويم: الحكم الذي لا يغير ولا يبدل، والقيِّم هنا بمعنى الدائم الذي لا يزول، وقيل: المعنى ذلك؛ أي: كون شهور السنة اثني عشر شهرًا هو الدين القيم، أي: الحساب المستقيم والعدد الصحيح المستوفى، فالدين إذًا بمعنى الحساب، كما في قوله ﷺ : "الكيس من دان نفسه - يعني حاسب نفسه - وعمل لما بعد الموت".
فالواجب على المسلمين الأخذ بهذا الحساب والعدد في صومهم وحجهم وأعيادهم وبيعاتهم وأجل ديونهم، وغير ذلك من سائر أحكام المسلمين المرتبة على الشهور ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾، أي: في هذه الأشهر الحرم الأربعة ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ بإيقاع القتال فيها والهتك لحرمتها، وقيل: الضمير يعود إلى الأشهر كلها الحرم وغيرها.
والمعنى: فلا تظلموا أنفسكم في جميع أشهر السنة بفعل المعاصي وترك الطاعات؛ لأن المقصود منع الإنسان من الإقدام على المعاصي والفساد مطلقًا في جميع الأوقات إلى الممات.
والقول الأول أولى، وهو قول أكثر المفسرين، وقال قتادة: العمل الصالح أعظم أجرًا في الأشهر الحرم، والظلم فيهن أعظم منه فيما سواهن، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا.
فإن قلت: لِمَ خص هذه الأربعة بالتحريم؟
قلت: إن الأنفس (٢) مجبولة بطبعها على الظلم والفساد، والامتناع عنه على
стр. 4911
الإطلاق شاق على النفس، فخص الله بعض الأوقات بمزيد التعظيم والاحترام، ليمتنع الإنسان في تلك الأوقات من فعل الظلم والقبائح والمنكرات، فربما تركها في باقي الأوقات، فتصير هذه الأوقات الشريفة والأشهر المحرمة المعظمة، سببًا لترك الظلم والمعاصي في غيرها من الأشهر، فهذا وجه الحكمة في تخصيص بعض الأشهر دون بعض، بمزيد التشريف والتعظيم، وكذلك الأمكنة أيضًا.
وقد ذهب (١) جماعة من أهل العلم إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم ثابت محكم لم ينسخ، لهذه الآية ولقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ ولقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية.
وقد ذهب جماعة آخرون إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ بآية السيف، ويجاب عنه بأن الأمر بقتل المشركين ومقاتلتهم مقيد بانسلاخ الأشهر الحرم، كما في الآية المذكورة، فتكون سائر الآيات المتضمنة للأمر بالقتال مقيدة بما ورد في تحريم القتال في الأشهر الحرم، كما هي مقيدة بتحريم القتال في الحرم، للأدلة الواردة في تحريم القتال فيه، وأما ما استدلوا به من أنه ﷺ حاصر أهل الطائف في شهر حرام، وهو ذو القعدة، كما ثبت في "الصحيحين" وغيرهما .. فقد أجيب عنه بأنه لم يبتدىء محاصرتهم في ذي القعدة، بل في شوال، والمحرم إنما هو ابتداء القتال في الأشهر الحرم لا إتمامه، وبهذا يحصل الجمع.
وعبارة "المراغي" هنا قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢)؛ أي: فلا تظلموا في الأشهر الحرم أنفسكم باستحلال حرامها، فإن الله عظمها وعظم حرمتها، وقد خص بعض الأزمنة وبعض الأمكنة بأحكام من العبادات تقتضي ترك المحرمات فيها، تنشيطًا للنفوس على زيادة العناية بما يزكيها ويطهرها، فقد جرت عادة الإنسان أن يسأم الاستمرار على حال واحدة تشق عليه، ومن ثم جعل الله العبادات الدائمة خفيفة لا مشقة، كالصلوات الخمس، وخص يوم الجمعة
стр. 4912
بوجوب الاجتماع العام لصلاة ركعتين وسماع خطبتين تذكيرًا وموعظة حسنة تقوي في المؤمن حب الخير والتعاون على البر والتقوى، وخص رمضان بوجوب صيامه في كل سنة، وخص أيامًا معدودات من ذي الحجة بأداء مناسك الحج، وجعل ما قبلها وما بعدها من الأيام الحرم استعدادًا للسفر لأداء النسك، وحرم مكة وما حولها في جميع السنة، لتأمين الحج والعمرة التي تؤدى في كل وقت، وحرم رجب في وسط السنة، لتقليل شرور القتال وتخفيف أوزاره ولتسهيل السفر لأداء العمرة فيه، انتهت.
﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾؛ أي: قاتلوا المشركين بأجمعكم مجتمعين على قتالهم ﴿كمَا﴾ أنهم ﴿يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾؛ أي: بأجمعهم مجتمعين على قتالكم.
والمعنى (١): تعاونوا وتناصروا على قتالهم، ولا تتخاذلوا ولا تتدابروا ولا تفشلوا ولا تجبنوا عن قتالهم، وكونوا عباد الله مجتمعين، متوافقين في مقاتلة أعدائكم من المشركين، كما أنهم يقاتلونكم على هذه الصفة.
وفيه (٢) دليل على وجوب قتال المشركين، وأنه فرض على الأعيان، إن لم يقم به البعض.
والمعنى: أي (٣) قاتلوهم جميعًا، وكونوا يدًا واحدةً على دفع عدوانهم وكف أذاهم، كما يقاتلونكم كذلك، ذاك أنهم إنما يقاتلونكم لدينكم وإطفاء نوره، لا للانتقام ولا للعصبية ولا لكسب المال، كما هو دأبهم في قتال قويهم لضعيفهم، فأنتم حينئذٍ أجدر وأولى بالاتحاد لدفع العدوان، وجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الشيطان هي السفلى، والله عزيز حكيم.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، أي: مع أوليائه، الذين يخشونه في أداء المأمورات واجتناب المنهيات بنصرهم ومعونتهم وتوفيقهم، لما
стр. 4913
فيه خيرهم وصلاحهم، فمن يتق الظلم والعدوان في الأرض، وأسباب الفشل والخذلان في القتال من تفرق الكلمة واختلاف الأهواء، ومخالفة سنن الله في الاجتماع .. يكن الله معه ومن كان الله معه، فلا يغلبه أحد.
وقرأ ابن القعقاع وهبيرة عن حفص (١): بإسكان العين مع إثبات الألف في ﴿اثْنَا عَشَرَ﴾ وهو جمع بين ساكنين على غير حده كما روي: "التقت حلقتا البطان". بإثبات ألف حلقتا، وقرأ طلحة: بإسكان السين
٣٧ - ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾؛ أي: إن تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر، كتأخير حرمة المحرم إلى صفر ﴿زِيَادَةٌ في الْكُفْرِ﴾؛ أي: كفر زائد على الكفر الأصلي الذي كان فيهم من الكفر باللهِ ورسوله، أي: إن تأخير الحرمة التي جعلها لشهر واحد وشرعها فيه إلى شهر آخر وجعلها له كفر بما شرعه الله تعالى في ذلك الشهر، زائد على كفرهم بالله ورسوله، وإنما سمى الله النسيء زيادة في الكفر؛ لأنه نوع من أنواع كفرهم ومعصيةٌ من معاصيهم المنضمة إلى كفرهم بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر.
والمعنى: هو زيادة كفر على كفرهم، وسبب هذه الزيادة أنهم أمروا بإيقاع كل فعل في وقته من الأشهر الحرم، ثم إنهم بسبب أغراضهم الفاسدة أخروه إلى وقت آخر بسبب ذلك النسيء، فأوقعوه في غير وقته من الأشهر الحرم، فكان ذلك الفعل زيادة في كفرهم؛ لأن ضم هذا العمل إلى الأنواع المتقدمة من الكفر زيادة في الكفر.
وكانت العرب تحرم القتال في الأشهر الحرم المذكورة، فإذا احتاجوا إلى القتال فيها .. قاتلوا فيها وحرموا غيرها، فإذا قاتلوا في المحرم .. حرموا بدله شهر صفر، وهكذا في غيره، وكان الذي يحملهم على هذا أن كثيرًا منهم إنما كانوا يعيشون بالغارة بعضهم على بعض، ونهب ما يمكنهم نهبه من أموال من يغيرون عليه ويقع بينهم بسبب ذلك القتال، وكانت الأشهر الثلاثة المسرودة يَضُرُّ بِهِم تواليها، وتشتد حاجتهم وتعظم فاقتهم، فيحللون بعضها ويحرمون مكانه
стр. 4914
بقدره من غير الأشهر الحرم، فكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، فيستحلون المحرم ويحرمون صفر، فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر .. أخروه إلى ربيع الأول، فكانوا يصنعون هكذا، يؤخرون شهرًا بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها، وكانوا يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذا باقي شهور السنة، فوافقت حجة أبي بكر في السنة التاسعة قبل حجة الوداع المرة الثانية من ذي القعدة، ثم حج رسول الله ﷺ ، في العام المقبل حجة الوداع، فوافق حجة شهر ذي الحجة، وهو شهر الحج المشروع، فوقف بعرفة في اليوم التاسع وخطب الناس في اليوم العاشر بمنى، وأعلمهم أن أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان، وعاد الأمر إلى ما وضع الله عليه حساب الأشهر يوم خلق السموات والأرض فيما روى الشيخان وغيرهما عن أبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان أي شهر هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: "أليس ذا الحجة؟ " قلنا: بلى، قال: "أي بلد هذا؟ "، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس البلد الحرام؟ " قلنا: بلى، قال: "فأي يوم هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس يوم النحر؟ "، قلنا: بلى، قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه"، ثم قال: "ألا هل بلغت، ألا هل بلغت"، قلنا: نعم، قال: "اللهم اشهد".
وقرأ الجمهور (١): ﴿النَّسِيءُ﴾، مهموزًا على وزن فعيل، وقرأ الزهري وحميد
стр. 4915
وأبو جعفر وورش عن نافع والحلواني: ﴿النَّسِيءُ﴾ بتشديد الياء من غير همز، وروي ذلك عن ابن كثير، سهل الهمزة بإبدالها ياءً، وأدغم الياء فيها كما فعلوا من نبيء وخطيئة، فقالوا: نبي وخطية بالإبدال والإدغام، وفي كتاب "اللوامع": قرأ جعفر بن محمَّد والزهري والأشهب: ﴿النسي﴾ بالياء من غير همز، مثل الندي وقرأ السلمي وطلحة والأشهب وشبل ﴿النسء﴾، بإسكان السين، وقرأ مجاهد: ﴿النُسوء﴾ على وزن فعول، بفتح الفاء، وهو التأخير ورويت هذه عن طلحة والسلمي.
وقوله: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأ ابن مسعود (١) وحفص وحمزة والكسائي ﴿يُضَلُّ﴾ بضم الياء وفتح الضاد مبنيًّا للمجهول، وهو المناسب لقوله: ﴿زين﴾ الآتي، والمعنى أن كبارهم أضلوهم وحملوهم على ذلك النسيء، والتأخير وقرأ باقي السبعة وابن مسعود في رواية عنه والحسن ومجاهد وقتادة وعمرو بن ميمون ويعقوب: بضم الياء وكسر الضاد مبنيًّا للفاعل، والمعنى حينئذ يضل الله بالنسيء والتأخير الذين كفروا، أو يضل به الشيطان الذين كفروا بتزيين ذلك لهم، أو المعنى يضل به رؤساء الذين كفروا تابعيهم، والآخذين بأفعالهم، وهذا المعنى أحسن في تفسير قراءة من قرأ: ﴿يضل﴾ بالبناء للفاعل، كما في "الخازن" ورويت قراءة البناء للفاعل عن الأعمش وأبي رجاء.
وفي "زاد المسير" قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: ﴿يَضِلُّ﴾ بفتح الياء وكسر الضاد والمعنى: أنهم يكتسبون الضلال به اهـ.
وقرأ أبو رجاء: ﴿يَضَلُّ﴾ بفتحتين من ضللت بكسر اللام، أضل بفتح الضاد، منقولًا فتحها من فتحة اللام، إذ الأصل أضلل، وقرأ النخعي ومحبوبٌ عن الحسن: ﴿نُضِلُّ﴾ بالنون المضمومة وكسر الضاد؛ أي: نضل نحن.
﴿يُحِلُّونَهُ﴾؛ أي: يحلون هذا النسيء والتأخير؛ أي: يحلون هذا المؤخر تحريمه ﴿عَامًا﴾؛ أي: في العام الذي يريدون أن يقاتلوا في المحرم ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ﴾
стр. 4916
أي: ويحرمون التأخير ﴿عَامًا﴾ آخر وهو العام الذي يتركون المحرم على تحريمه؛ أي: يفعلون ذلك التحليل عامًا والتحريم عامًا آخر ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾؛ أي: ليوافقوا بتحليل شهر وتحريم آخر بدله ﴿عِدَّةَ﴾؛ أي: عدد ﴿مَا حَرَّمَ اللهُ﴾ من الأشهر فلا يزيدون على تحريم أربعة، ولا ينقصون ولا ينظرون إلى أعيان الأربعة الأشهر، التي حرمها الله تعالى ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ بخصوصه يعني المحرم.
قال ابن عباس ﵄: إنهم ما أحلوا شهرًا من الحرم إلا حرموا مكانه شهرًا من الحلال، ولم يحرموا شهرًا من الحلال، إلا أحلوا مكانه شهرًا من الحرام، لأجل أن يكون عدد الأشهر الحرم أربعة، كما حرم الله، فيكون ذلك موافقة في العدد، لا في الحكم، وقال ابن عباس: الذين شرعوا النسيء هم بنو مالك من كنانة، وكانوا ثلاثةً، قيل: أول من شرعه عمرو بن يحيى، وقيل: رجل، يقال له نعيم بن ثعلبة، وقيل غير ذلك.
وكان من عادتهم في ذلك أن يقوم رجل من كنانه في أيام منى، حيث يجتمع الحجيج، فيقول: أنا الذي لا يرد قضاء لي، فيقولون: صدقت، فأخر عنا حرمة المحرم، واجعلها في صفر، فيحل لهم المحرم، وبذلك يجعل الشهر الحرام حلالًا، ثم صاروا ينسؤون غير المحرم ويسمون النسيء باسم الأصل، فتغير أسماء الشهور كلها، فيسمون صفر محرمًا وربيع الأول صفرًا، وهكذا، وبذلك يعلم أن النسيء تشريع ديني ملتزم غيّروا به ملة إبراهيم، اتباعًا للهوى وسوء التأويل، ومن ثم سماه الله زيادة في الكفر؛ أي: إنه كفر بشرع دين لم يأذن به الله، زائد على شركهم بالله وكفرهم به، إذ حق التشريع له وحده، فمنازعته في ذلك شرك في ربوبيته، وهم يضلون به سائر الكفار، الذين يتبعونهم فيه ويظنون أنهم لم يخرجوا به عن ملة إبراهيم إذ واطؤوا عدة ما حرم الله من الشهور في ملته، ولم يزيدوا ولم ينقصوا، وإن قدموا وأخروا مع أن المقصد في ذلك العدد والتخصيص، لا مجرد العدد، وإذا لم يفعلوا ذلك .. فقد استحلوا ما حرم الله تعالى.
﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾؛ أي: زين لهم الشيطان الأعمال السيئة التي
стр. 4917
يعملونها، ومن جملتها النسيء، حتى حسبوا هذا القبيح، حسنًا بهذه الشبهة الباطلة، إذا اكتفوا بالعدد، ولم ينقصوا منه شيئًا، ولم يدركوا حكمة التخصيص بالأشهر المعينة.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: المصرين على كفرهم المستمرين عليه، فلا يهديهم هداية توصلهم إلى المطلوب، وأما الهداية بمعنى الدلالة على الحق والإرشاد إليه فقد نصبها الله سبحانه لجميع عباده.
أي: لا يهديهم إلى الحكمة في أحكام شرعه وجعلها مبنية على مصالح الناس في دينهم ودنياهم، أفرادًا وجماعات، فالهداية الموصلة إلى سعادة الدارين، من آثار الإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ وأما الكافرون فيتبعون أهواءهم وما يوسوس لهم به الشيطان، فيوقعهم في الشقاء والخسران.
وقرأ الأعمش وأبو جعفر (١): ﴿ليواطيوا﴾ بالياء المضمومة، وقرأ الجمهور: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ بالبناء للمفعول. وقرأ زيد بن علي: ﴿زَيَّنَ لَهُمْ سُوءَ أَعْمَالِهِمْ﴾ بفتح الزاي والياء والهمزة، والأَولى أن يكون المعنى: زَيَّن لهم ذلك الفعل سوء أعمالهم.
٣٨ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ الكلام من هنا إلى آخر السورة كلام في غزوة تبوك، وكانت في رجب سنة تسع، بعد رجوعه ﷺ من الطائف، وفيما لابسها من هتك ستر المنافقين، وضعفاء الإيمان وتطهير قلوب المؤمنين من عوامل الشقاق إلا آيتين جاءتا في آخرها، وإلا ما جاء في أثنائها من بعض الحكم والأحكام جريًا على سنة القرآن في أسلوبه الذي اختص به.
وتبوك موضع في منتصف الطريق بين المدينة ودمشق، فهي تبعد عن المدينة (٦١٠ كم)، أربع عشرة مرحلة، وعن دمشق (٦٩٣ كم).
стр. 4918
غزوة تبوك
وكان السبب في هذه الغزوة: ما بلغ رسول الله ﷺ والمسلمين من الأنباط الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة، من أن هرقل جمع أهل الروم وأهل الشام، وأنهم قدموا مقدماتهم إلى البلقاء، وكان ﷺ قليلًا ما يخرج في غزوة إلا ورّى عنها بغيرها، إلا ما كان من غزوة تبوك، وذلك لبعد المسافة وشدة الزمان وكثرة العدو، ليأخذ الناس أهبتهم، فأمرهم بالجهاد وبعث إلى مكة وقبائل العرب، وحض أهل الغنى على النفقة والحمل في سبيل الله، وهي آخر غزواته ﷺ ، وأنفق عثمان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، فجهز عشرة آلاف، وأنفق عليها عشرة آلاف دينار، غير الإبل والخيل وهي تسع مئة بعير ومئة فرس، وغير الزاد وما يتعلق بذلك، حتى ما تربط به الأسقية فقال النبي ﷺ : "لا يضر عثمان ما عمل بعدها" وأنفق غيره من الأغنياء، وأول من جاء بالنفقة أبو بكر، فجاء بجميع ماله، أربعة آلاف درهم، وجاء عمر بنصف ماله وجاء ابن عوف بمئة أوقية، وجاء العباس بمال كثير، وكذا طلحة، وبعثت النساء بكل ما يقدرون عليه من حليهن، فلما تجهز رسول الله ﷺ بالناس وهم ثلاثون ألفًا. وقيل: أربعون ألفًا، وقيل: سبعون ألفًا، وكان الخيل عشرة آلاف فرس .. خلَّف على المدينة محمَّد بن مسلمة الأنصاري، وقيل: عليَّ بن أبي طالب وتخلف عبد الله بن أبي، ومن كان معه من المنافقين، بعد أن خرجوا إلى ثنية الوداع متوجهًا إلى تبوك، وعقد الأَلوية والرايات فدفع لواءه الأعظم لأبي بكر، ورايته العظمى للزبير، وراية الأوس لأسيد بن حضير، وراية الخزرج للحباب بن المنذر، ودفع لكل بطن من الأنصار ومن قبائل العرب لواءً ورايةً، ولمَّا نزلوا بتبوك وجدوا عينها قليلة الماء، فاغترف رسول الله ﷺ غرفة من مائها، فمضمض بها فاه، ثم بصقه فيها ففارت عينها حتى امتلأت، وارتووا هم وخيلهم وركابهم، وأقام بتبوك بضع عشرة ليلة، وقيل: عشرين ليلة، فأتاه يُحَنَّةُ - بضم التحتية وفتح الحاء المهملة والنون المشددة، ثم تاء تأنيث - بن رؤبة - بضم الراء فهمزة ساكنة فموحدة - صاحب أيلة وأهدى له بغلة بيضاء فكساه النبي ﷺ رداء، وصالحه على إعطاء الجزية بعد أن عرض عليه الإِسلام، فلم يسلم فكتب له ولأهل أيلة كتابًا تركه عندهم ليعملوا به
стр. 4919
وقد استشار النبي ﷺ أصحابه في مجاوزة تبوك، وأشاروا عليه بعدم مجاوزتها، فانصرف هو المسلمون راجعين إلى المدينة، ولمَّا دنا من المدينة .. تلقاه الذين تخلفوا، فقال لأصحابه: "لا تكلموا رجلًا منهم، ولا تجالسوهم، حتى آذن لكم" فأعرض عنهم المسلمون، حتى إن الرجل ليعرض عن أبيه وأخيه إلى آخر ما في القصة، اهـ من "سيرة الحلبي".
والاستفهام في قوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ للإنكار والتوبيخ؛ أي: أي شيء يمنعكم من ذلك و ﴿ما﴾: مبتدأ و ﴿لكم﴾: خبره وجملة ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ حال من ضمير المخاطبين وأصله تثاقلتم فأبدلت التاء ثاء، ثم أدغمت في الثاء، ثم اجتلبت همزة الوصل توصلًا إلى النطق بالساكن، وقرأ ابن مسعود والأعمش ﴿تثاقلتم﴾ ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ﴾ ظرف لهذه الحال مقدم عليها، والتقدير: يا أيها الذين آمنوا بما جاء به محمَّد ﷺ ، أي شيء ثبت لكم من الأعذار حال كونكم متثاقلين ومشتهين الإقامة في أرضكم في وقت قول الرسول لكم انفروا؛ أي: اخرجوا إلى الجهاد في سبيل الله، يقال: استنفر الإِمام الناس إذا حثهم على الخروج إلى الجهاد ودعاهم إليه ومنه قوله ﷺ "إذ استنفرتم .. فانفروا" والاسم النفير اهـ "خازن".
أي: يا أيها الذين آمنوا، ما الذي عرض لكم، مما يخل بالإيمان أو بكماله، من التثاقل والتباطؤ عن النهوض بما طلب منكم، وإخلادكم إلى الراحة واللذة في الأرض، حين قال لكم الرسول: انفروا في سبيل الله لقتال الروم الذين تجهزوا لقتالكم والقضاء على دينكم الحق، الذي هو سبيل سعادتكم، فآية صدق الإيمان بذل النفس والمال في سبيل الله، كما قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ وكان من أسباب تثاقلهم أمور:
١ - الزمن كان وقت حر شديد.
٢ - أنهم كانوا قريبي عهد بالرجوع من غزوتي الطائف وحنين.
٣ - أنهم كانوا في عسرة شديدة وجهد جهيد من قلة الطعام.
стр. 4920
٤ - أن موسم الرطب بالمدينة قد تم صلاحه، وآن وقت تلطف الحر؛ لأن رجبًا وافق أكتوبر في تلك السنة، فاقتضى اجتماع هذه الأسباب تثاقل الناس عن تلك الغزوة.
روى ابن جرير عن مجاهد، قال: أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وبعد حنين، وبعد الطائف أمروا بالنفير في الصيف حين اخترمت النخل - اجتني ثمرها - وطابت الثمار واشتهوا الظلال، وشق عليهم المخرج، فقالوا: منا الثقيل، وذو الحاجة والضيعة والشغل والمنتشر به أمره في ذلك كله.
وكان من دأب النبي ﷺ إذا خرج إلى غزوة أن يوري بغيرها , لما تقتضيه المصلحة من الكتمان، إلا في هذه الغزوة، فقد صرح بها ليكون الناس على بصيرة لبعد الشقة وقلة الزاد والظهر.
وكانت حكمة (١) الله في إخراجهم، وهو يعلم أنهم لا يلقون فيها قتالًا تمحيص المؤمنين وخزي المنافقين وفضيحتهم فيما كانوا يسرون من الكفر وتربص الدوائر بالمؤمنين، والاستفهام في قوله: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ استفهام توبيخ وتعجب؛ أي: أرضيتم بالحياة الدنيا وغرورها ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: بدل نعيم الآخرة؛ أي: أرضيتم بلذات الدنيا الناقصة الفانية بدلًا من سعادة الآخرة الكاملة الباقية، ومن يفعل ذلك .. فقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: فما التمتع بلذائذ الدنيا ﴿في﴾ مقابلة نعيم ﴿الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ لأن سعادة الدنيا بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة في البحر، وترك الخير الكثير لأجل السرور القليل سفه.
أي: فما هذا الذي تتمتعون به في الدنيا مشوبًا بالمنغصات والآلام إذا قيس بما في الآخرة من النعيم المقيم والرضوان من المولى إلا شيء قليل لا يرضى عاقل أن يتقبله بدلًا منه.
روى أحمد ومسلم والترمذي عن المسور أن النبي ﷺ ، قال: "والله ما في
стр. 4921
الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم ثم يرفعها فلينظر بم يرجع". أي: إن نعيم الدنيا في قلته وقلة زمنه، إذا قيس إلى نعيم الآخرة الطويل الأمد كانت تلك حاله.
وفي الآية (١) دليل على وجوب الجهاد في كل حال، وفي كل وقت؛ لأنَّ الله نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر، فلو لم يكن الجهاد واجبًا .. لما عاتبهم على ذلك التثاقل،
٣٩ - ويؤيد هذا الوعيد المذكور الآية الآتية وهي قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا﴾؛ أي: إن لم تخرجوا أيها المؤمنون إلى ما طلبكم الرسول ﷺ للخروج إليه ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي وجيعًا (٢) في الآخرة؛ لأن العذاب الأليم لا يكون إلا في الآخرة، وقيل: إن المراد به احتباس المطر في الدنيا، قال نجدة بن رفيع: سألت ابن عباس عن هذه الآية، فقال: استنفر رسول الله ﷺ حيًّا من أحياء العرب، فتثاقلوا فأمسك الله تعالى عنهم المطر، فكان ذلك عذابهم؛ أي (٣): يهلكهم الله بسبب فظيع هائل، كقحط وظهور عدو ﴿وَيَسْتَبْدِلْ﴾ عنكم ﴿قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ خيرًا منكم وأطوع يطيعونه ويطيعون رسوله؛ لأنه قد وعد بنصره وإظهار دينه على الدين كله ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ قال سعيد بن جبير: هم أَبناء فارس، وقيل: هم أهل اليمن، نبه على أَنه قد تكفل بنصرة نبيه ﷺ وإعزاز دينه فإن سارعوا معك إلى الخروج إلى حيث استنفروا ... حصلت النصرة بهم ووقع أَجرهم على الله ، وإن تثاقلوا وتخلفوا عنه .. حصلت النصرة بغيرهم، وحصلت العُتْبَى لهم، لئلا يتوهموا أن إعزاز رسول الله ﷺ ونصرته لا تحصل إلا بهم.
والمعنى: أن الله يأتي بعد إهلاككم بدلكم بقوم مطيعين مؤثرين للآخرة على الدنيا، كأهل اليمن وأبناء فارس، والضمير في قوله: ﴿وَلَا تَضُرُّوُه﴾ إما (٤) راجع إلى الله؛ أي: ولا تضروا الله بتثاقلكم عن طاعته ونصرة دينه شيئًا من الضرر ,
стр. 4922
فهو سبحانه الغني عنكم في كل أمر، ﴿وَهُوَ القَاهِرُ فوقَ عِبَادِهِ﴾، وكل من في السموات والأرض مسخر بأمره، ولكن جعل للبشر شيئًا من الاختيار، ليكون حجة عليهم فيما سيلقون من الجزاء على أعمالهم، وإنما تضرون أنفسكم بترككم الجهاد مع رسول الله ﷺ ، وإما عائد على محمَّد؛ أي: ولا تضروا محمدًا ﷺ شيئًا من الضرر، فإن الله ناصره على أعدائه ولا يخذله ﴿وَاللَّهِ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: والله سبحانه قادر على كل شيء فهو ينصر نبيه ويعز دينه، وقادر على إهلاككم والإتيان بغيركم إن أصررتم على عصيان رسوله، وتثاقلتم عن الدفاع عن حوزة دينه، ممن يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، ولا يخشون في الحق لومة اللائمين، كما قال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.
٤٠ - ثم رغبهم ثانية في الجهاد، فأبان لهم أنه تعالى المتكفل بنصره على أعداء دينه، أعانوه أو لم يعينوه، وهو قد فعل ذلك به، وهو في قلة من العدد والعدو في كثرة، فكيف وهو من العدد في كثرة، والعدو في قلة، فقال: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ﴾؛ أي: إن لم تنصروا الرسول الذي استنصركم في سبيل الله على من أرادوا قتاله من أعداء الله، وأعداء رسوله ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾ ؛ أي: فسينصره الله بقدرته وتأييده؛ كما نصره ﴿إذ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: حين أجمع المشركون على القتل به واضطروه إلى الخروج والهجرة، حال كونه ﴿ثَانِىَ اَثْنَيْنِ﴾؛ أي: أحد اثنين والآخر أبو بكر الصديق، وقرأت (١) فرقة: ﴿ثاني اثنين﴾ بسكون ياء ﴿ثاني﴾ قال ابن جني: حكاها أبو عمرو ووجهه: أنه سكن الياء تشبيهًا لها بالألف وقوله: ﴿إِذْ هُمَا فِي الغَارِ﴾ بدل من قوله: ﴿إذْ أخْرَجَهُ﴾ بدل بعض، والغار ثقب في الجبل المسمى ثورًا، وهو المشهور بغار ثور، وهو جبل قريب من مكة؛ أي: فقد نصره الله إذ هما في غار جبل ثور، وقوله: ﴿إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ بدل ثانٍ؛ أي: حين يقول محمَّد ﷺ ، لصاحبه في الغار، وهوأبو بكر الصديق، لمَّا رأى منه أمارة الحزن ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ ولا تخف
стр. 4923
﴿إنَّ اللهَ﴾ ﴿مَعَنَا﴾ بنصره ومعونته وحفظه وتأييده، فلن يطلع المشركون علينا , ولن يصلوا إلينا، والمراد بالمعية الولاية الدائمة، التي لا يحوم حول صاحبها شيء من الحزن، اهـ "كرخي".
وكان (١) الصديق قد حزن على رسول الله ﷺ ، لا على نفسه فقال له: يا رسول الله، إذا من أنا .. فأنا رجل واحد، وإذا مت أنت .. هلكت الأمة والدين.
روي: أن قريشًا ومن بمكة من المشركين تعاقدوا على قتل رسول الله ﷺ ، فأمره الله تعالى أن يخرج أول الليل إلى الغار، فخرج هو وأبو بكر أول الليل إلى الغار، وأمر ﷺ عليًّا أن يضطجع على فراشه، ليمنع السواد من طلبه، حتى يبلغ إلى ما أمر الله به، فلما وصل إلى الغار .. دخل أبو بكر فيه أولًا يلتمس ما فيه، فقال له النبي ﷺ : "ما لك؟ " فقال: بأبي أنت وأمي الغار مأوى السباع والهوام، فإن كان فيه شيء كان بي لا بك، وكان في الغار جحر فوضع عقبه عليه؛ لئلا يخرج ما يؤذي الرسول، فلما طلب المشركون الأثر وقربوا .. بكى أبو بكر خوفًا على رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ بنصره فجعل يمسح الدموع عن خده، وروي لما دخلا الغار .. بعث الله تعالى حمامتين، فباضتا في أسفله والعنكبوت نسجت عليه، فقال ﷺ : "اللهم أعم أبصارهم"، فجعلوا يترددون حول الغار، ولا يرون أحدًا، وقصة خروجه ﷺ من مكة إلى المدينة، هو وأبو بكر ودخولهما الغار مشهورة مذكورة في كتب السير والحديث، فراجعها، إن أردت تمامها.
روى البخاري ومسلم من حديث أنس، قال: حدثني أبو بكر قال: كنت مع النبي ﷺ ، في الغار، فرأيت آثار المشركين، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه .. لأبصرنا تحت قدميه، فقال ﵊: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، وقال (٢) أبو بكر ﵁ شعرًا من بحر البسيط:
قَالَ النَّبِيُّ وَلَمْ يَجْزَعْ يُوَقِّرُنِي ... وَنَحْنُ فِيْ سَدَفٍ مِنْ ظُلْمَةِ الْغَارِ
стр. 4924
لاَ تَخْشَ شَيْئًا فَإِنَّ اللهَ ثَالِثُنَا ... وَقَدْ تَكَفَّلَ لي مِنْهُ بِإِظْهَارِ
وَإنَّمَا كَيْدُ مَنْ تَخْشَى بَوَادِرَهُ ... كَيْدُ الشَيَاطِيْنِ قَدْ كَادَتْ لِكُفَّارِ
وَاللهُ مُهْلِكُهُمْ طُرًّا بِمَا صَنَعُوْا ... وَجَاعِلُ الْمُنْتَهَى مِنْهُمْ إِلَى النَّارِ
وخلاصة ذلك (١): إن لا تنصروه بالنفر لما استنفركم له .. فإن الله قد ضمن له النصر، فهو ينصره كما نصره في الوقت الذي اضطرّه المشركون إلى الهجرة، حين كان ثاني اثنين في الغار، وكان صاحبه قد ساوره الحزن، فقال له: لا تحزن إن الله معنا، ونحن لا نكلف أكثر مما فعلنا من الاستخفاء.
﴿فَأَنزَلَ اَللهُ﴾ ﴿سَكِيِنَتَهُ﴾؛ أي: طمأنينته التي يسكن عندها القلب ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على رسوله، وقيل: على صاحبه أبي بكر؛ لأن الرسول معصوم عن الخوف ﴿وَأَيَّدَهُ﴾؛ أي: قواه ﴿بجُنُودٍ﴾ من عنده ﴿لَّمْ تَرَوْهَا﴾ وهم الملائكة الذين أنزلهم يوم بدر والأحزاب وأُحد، وقيل: بل هم ملائكة أيده بهم في حال الهجرة، يسترونه هو وصاحبه عن أعين الكفار، ويصرفونها عنهما، فقد خرج والشبان المتواطؤون على قتله وقوف ولم ينظروه.
وهذه (٢) الجملة معطوفة على جملة ﴿نَصَرَهُ اَللهُ﴾ ﴿وَجَعَلَ﴾ الله ﴿كَلِمَةَ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾؛ أي: كلمة الشرك وهي دعوتهم إليه ونداؤهم للأصنام هي ﴿السَّفْلى﴾؛ أي: السافلة الحقيرة الزاهقة المنمحقة المضمحلة ﴿وَكَلِمَةُ اَللهِ﴾ وهي دينه المبنيُّ على أساس توحيده تعالى، والمشتمل على الأحكام والآداب الفاضلة، والخالي من شوائب الشرك، وخرافات الوثنية، أو كلمة لا إله إلا الله، وكلمة الدعوة إلى الإِسلام ﴿هِيَ اَلعُلْيَا﴾؛ أي: العالية الظاهرة بظهور نور الإِسلام وإزالة سيادة المشركين في تلك الجزيرة بعد كفاح طويل دارت فيه الدائرة عليهم ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ وأتى بضمير الفضل تأكيدا لفضل كلمته في العلو وإشعارًا بأنها المختصة به دون غيرها.
стр. 4925
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَأَيَّدَهُ﴾ بتشديد الياء ومجاهد ﴿وأيده﴾ بالتخفيف وقرأ (٢) الأعمش ويعقوب: ﴿وكلمة الله﴾ بالنصب حملًا على جعل؛ أي: وجعل كلمة الله وقرأ الباقون بالرفع على الاستئناف، وقد ضعف قراءة النصب الفراء وأبو حاتم وقال أبو حيان وقراءة الجمهور بالرفع أثبت في الأخبار وعن أنس رأيت في مصحف أبيٍّ ﴿وجعل كلمته هي العليا﴾ انتهى.
﴿وَاللهُ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: غالب على أمره قاهر على أعدائه ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما دبره لخلقه إذ يضع الأشياء في مواضعها وقد نصر رسوله بعزته وأظهر دينه على الأديان كلها بحكمته، وأذل من ناوأه من المشركين.
٤١ - ﴿انفِرُوا﴾، أي: اخرجوا أيها المؤمنون مع نبيكم إلى غزوة تبوك حالة كونكم ﴿خِفَافًا﴾ في الخروج لنشاطكم له ﴿و﴾ حالة كونكم ﴿ثقالا﴾ عنه لمشقته عليكم، وقيل: منفردين ومجتمعين، وقيل: فقراء وأغنياء وقيل: شبابًا وشيوخًا، وقيل: رجالًا وفرسانًا، وقيل: ذوي عيال وغير ذوي عيال، وقيل: ذوي أشغال وغير ذوي أشغال، وقيل: أصحاء ومرضى، وقيل: عزابًا ومتأهلين، وقيل غير ذلك.
وقيل (٣): وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾، وقيل: الناسخ لها قوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ الآية، وقيل: هي محكمة وليست بمنسوخة، ويكون إخراج الأعمى والأعرج بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ وإخراج الضعيف والمريض بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ من باب التخصيص، لا من باب النسخ، على فرض دخول هؤلاء تحت قوله: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، والظاهر عدم دخولهم تحت العموم.
والصحيح (٤): القول الأول وأنها منسوخة، ولأن الجهاد من فروض
стр. 4926
الكفايات، ويدل عليه أن هذه الآيات نزلت في غزوة تبوك، وأن النبي ﷺ خلف في المدينة في تلك الغزوة النساء وبعض الرجال، فدل ذلك على أن الجهاد من فروض الكفاية ليس على الأعيان، ومحل (١) النسخ قوله: ﴿وَثِقَالًا﴾، وأما ﴿خِفَافًا﴾ فلا نسخ فيه على كل قول والله أعلم.
أي: انفروا على كل حال من يسرٍ أو عسرٍ، وصحة أو مرض، وغنى أو فقر وقلة العيال أو كثرتهم أو غير ذلك، مما ينتظم في مساعدة الأسباب أو عدم مساعدتها بعد الإمكان والقدرة في الجملة.
فإذا أعلن النفير العام .. وجب الامتثال إلا حال العجز التام، وهو ما بينه الله تعالى في قوله ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
ويؤيد هذا التعميم في عموم الأحوال قول أبي أيوب الأنصاري، وقد شهد المشاهد كلها، إلا غزوة واحدة، قال الله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ فلا أجدني إلا خفيفًا أو ثقيلًا، وقد فهم سلفنا الصالح القرآن على هدي النبي وعمله، ففتحوا البلاد وسادوا العباد، لكن بعد أن انحرفوا عن هديه وتدبر معانيه واكتفوا بتلاوته والتغني بألفاظه، ذلوا وضعفوا واستكانوا، وسادتهم الشعوب الأخرى، وتقوض ملكهم من أطرافه وأصبحوا من المستضعفين، وصاروا عبيدًا لأعدائهم.
﴿وَجَاهَدُواْ﴾ أعداءكم الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت ويفسدون في الأرض وابذلوا ﴿بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي في إقامة ميزان العدل وإعلاء كلمة الحق، فمن استطاع منكم الجهاد بماله ونفسه .. وجب عليه ذلك، ومن قدر على أحدهما، وجب عليه ما كان في مقدرته ﴿ذَلِكُمْ﴾ الذي أمرتم به من النفر والجهاد الذي هو الوسيلة في حفظ كيان الأمم وعلو كلمتهم ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من القعود والتثاقل في دينكم ودنياكم، إما في الدين فلا سعادة إلا لمن ينصر الحق، ويقيم العدل، باتباع هدى الدين والعمل بالشرع الحكيم، وأما في الدنيا، فإنه لا
стр. 4927
عزَّ للأمم ولا سيادة لها إلا بالقوة الحربية التي هي وسيلة لدفاع العدو وكبح جماحه ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن ثواب الجهاد خير لكم من القعود عنه، فانفروا وجاهدوا في سبيل الله وبادروا إليه وقد علم فضل ذلك المؤمنون الصادقون، فامتثلوا أمره واهتدوا بهديه.
٤٢ - ولما أمرهم بالنفير تخلف بعض المنافقين، لأعذار ضعيفة، وتخلف ناس آخرون من المؤمنين، فأنزل الله في أثناء السفر قوله ﴿لَوْ كَانَ﴾ ما تدعوهم إليه ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾؛ أي: متاعا قريب المنال وغنيمةً سهلة المأخذ، والعرض: ما عرض لك من منافع الدنيا ومتاعها. يقال: الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾؛ أي: متوسطًا بين القريب والبعيد، يعني: سهلًا قريبًا ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ في الخروج إلى تبوك طمعًا في تلك المنافع؛ أي لخرجوا معك.
والمعنى (١): لو كان ما دعوتهم إليه منفعة قريبة المنال ليس في الوصول إليها كبير عناء وسفرًا هينًا، لا تعب فيه ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ وأسرعوا بالنفر إليه إذ حب المنافع المادية والرغبة فيها طبيعي في الإنسان، ولا سيما إذا كانت سهلة المأخذ قريبة المنال، وكان من يسعى إليها ممن لا يوقنون باليوم الآخر وما فيه من الثواب المقيم والأجر العظيم، كأولئك المنافقين.
﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾؛ أي: المسافة التي تقطع بمشقة، والشقة (٢): السفر البعيد؛ لأنه يشق على الإنسان سلوكه، فتخلفوا عن الجهاد، بسبب أنهم كانوا يستعظمون غزو الروم، فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة.
أي: ولكنَّك استنفرتهم إلى موضع بعيد، وكلفتهم سفرًا شاقًّا؛ لأنك استنهضتهم وقت الحر وزمن القيظ، وحين الحاجة إلى الكن، فتخلفوا جبنًا وحبًّا للراحة والسلامة.
والخلاصة: لو كان العرض قريبًا، والغنيمة سهلة، والسفر قاصدًا .. لاتبعوك، طمعًا في تلك المنافع التي تحصل لهم، ولكن لما كان السفر بعيدًا
стр. 4928
وكانوا يتعظمون غزو الروم، لا جرم أنهم تخلفوا لهذا السبب.
ثم أخبر الله أنه إذا رجع النبي ﷺ من هذا الجهاد، يحلفون باللهِ، وهو قوله تعالى: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ﴾؛ أي: المتخلفون عن الغزو عند رجوعك من غزوة تبوك، وهم عبد الله بن أبي وجُدُّ بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهم، كما قال: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ قائلين ﴿بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ الخروج إلى الجهاد بوجود الزاد والراحلة وانتفاء الأعذار المانعة منه ﴿لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ إلى غزوة تبوك، فما كان تخلفنا إلا لاضطرار، وقال البيضاوي: هذه (١) الجملة سادة مسد جوابي القسم والشرط، وهذا من المعجزات؛ لأنه إخبار عما وقع قبل وقوعه اهـ.
﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ بإيقاعها في العذاب بامتهان اسم الله بالحلف الكاذب، لستر نفاقهم وإخفائه، تأييدًا للباطل بالباطل، وتقويةً للإجرام بالإجرام، فإن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك، روي أنه ﷺ قال: "اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع".
﴿وَاللهُ﴾ ﴿يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في أيمانهم وحلفهم بالله، وقولهم: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾، فهم كانوا للخروج مطيقين، إذ كانوا أصحاء الأبدان أقوياء الأجسام ذوي يسرة في المال، وقرأ الأعمش وزيد بن علي ﴿لَوُ اسْتَطَعْنَا﴾ بضم الواو، فرَّ من ثقل الكسرة على الواو، وشبهها بواو الجمع، عند تحريكها لالتقاء الساكنين، وقرأ (٢) الحسن: بفتحها، كما جاء ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ بالأوجه الثلاثة،
٤٣ - ثم عاتب الله نبيه ﷺ في إذنه لمن تخلف عنه من المنافقين، حين شخص إلى تبوك لغزو الروم، فقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يا محمَّد، ما وقع منك، من ترك الأولى والأكمل؛ أي: عما عنك ما أدَّاك إليه اجتهادك من الإذن لهم حين استأذنوك وكذبوا عليك في الاعتذار، والاستفهام في قوله: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ للعتاب من الله تعالى لرسوله ﷺ ، حيث
стр. 4929
وقع منه الإذن في القعود لمن استأذنه قبل أن يتبين له من هو صادق منهم في عذره الذي أبداه ومن هو كاذب فيه، والعتاب: هو لوم الحبيب حبييه على أمر غير لائق به؛ أي: لأي سببٍ، ولأي شيء أذنت لهم في القعود والتخلف كما أرادوا، وهلا تأنيت في الإذن لهم وتوقفت عنه ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ﴾؛ أي: حتى ينجلي وينكشف لك ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في اعتذارهم بعدم الاستطاعة من جهة المال , أو من جهة البدن ﴿وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما يعتذرون به؛ أي: حتى يتبين لك الفريقان فتعامل كلًّا بما ينبغي أن يعامل به، فإن الكاذبين لا يخرجون أذنت لهم أو لم تأذن، فكان من الأجدر بك والأولى لك، أن تتلبث أو تمسك عنه اختبارًا.
والمعنى: عفا الله عنك يا محمَّد، ما كان منك من إذنك لهؤلاء المنافقين، الذين استأذنوك في ترك الخروج معك إلى تبوك.
روي عن مجاهد في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ هم ناس قالوا: استأذنوا رسول الله، فإن أذن لكم، فاقعدوا , وإن لم يأذن لكم، فاقعدوا. وقال ابن عباس, لم يكن رسول الله ﷺ يعرف المنافقين يومئذٍ، حتى نزلت سورة براءة، قيل (١): إنما فعل رسول الله ﷺ شيئين لم يؤمر بهما: أخذه للفداء ﷺ وإذنه للمنافقين، فعاتبه الله عليهما، وفي ذكر العفو عنه ﷺ ما يدل على أن هذا الإذن الصادر منه كان خلاف الأولى، وفي هذا عتاب لطيف من الله سبحانه لرسوله ﷺ .
فإن قلت: هذا العتاب المذكور هنا، يعارض ما رخص له ﷺ في سورة النور، بقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾؟
قلت: يمكن الجمع بين الآيتين، بأن العتاب هنا متوجه إلى الإذن قبل الاستثبات، حتى يتبين الصادق من الكاذب, والإذن هنالك متوجه إلى الإذن بعد الاستثبات، والله أعلم.
стр. 4930
قال القاضي عياض في كتابه "الشفاء" (١): وليس عفا هنا بمعنى: غفر، بل كما قال النبي ﷺ : "عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق" ولم تجب عليهم قط؛ أي لم يلزمكم ذلك، ونحوه للقشيري قال: وإنما يقول: (العفو لا يكون إلا عن ذنب) مَنْ لا يعرف كلام العرب، قال: ومعنى عفا عنك؛ أي: لم يلزمك ذنب،
٤٤ - ثم ذكر سبحانه: أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا رسول الله ﷺ في القعود عن الجهاد بلا عذر، كان من عادتهم أنه ﷺ إذا أذن لواحد منهم بالقعود ... شق عليه ذلك، فقال: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ يا محمَّد. ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ في ﴿أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ في سبيل الله بل الخلص منهم يبادرون إليه من غير توقف علي الإذن، فضلًا عن أن يستأذنوك في التخلف من غير عزر، فحيث استأذنك هؤلاء في التخلف كان ذلك مظنةً للتأني في أمرهم، بل دليلًا على نفاقهم، ذكره أبو السعود.
والمعنى: ليس (٢) من شأن المؤمنين بالله - الذي كتب عليهم القتال - وباليوم الآخر الذي يوفي فيه كل عامل جزاء ما عمل، أن يستأذنوك أيها الرسول في أمر الجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، إذا جد ما يدعو إلى ذلك, بل يُقدمون عليه عند وجوبه من غير استئذان، كما قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ بل هم يستعدون له وقت السلم بإعداد القوة ورباط الخيل وهم بالأولى لا يستأذنونك في التخلف عنه بعد إعلان النفير العام, وأقصى ما يقع من فريق منهم هو التثاقل والتباطؤ إذا كان النصر بعيدًا.
واعلم: أنه قد تقدم لنا أن هذه السورة تسمى الفاضحة؛ لأنها فضحت أنواع النفاق وكشفت أحوال المنافقين , ومن ثم نقل البغوي وغيره، عن ابن عباس ﵁ أنه قال: لم يكن رسول الله ﷺ يعرف المنافقين حتى نزلت سورة براءة، والمراد أنه لم يكن يعرفهم كلهم ويعرف شؤونهم بهذا التفصيل حتى
стр. 4931
نزلت هذه السورة، وهذه الآيات أول ما نزل في التفرقة بين المنافقين والمؤمنين في القتال. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ الذين يسارعون إلى طاعته؛ أي: والله عليم بمن خافه فاتقاه باجتناب ما يسخطه، وفعل ما يرضيه بالمسارعة إلى طاعته في عدوه، وجهادهِ بماله ونفسه، وليس من دأبهم أن يستأذنوا بالتخلف كراهيةً للقتال. وفي (١) الآية إيماء إلى أنه لا ينبغي الاستئذان في أداء شيء من الواجبات ولا فضائل العادات كقرى الضيف، وإغاثة الملهوف، وسائر أعمال المعروف.
٤٥ - ثم صرح بما فهم من الكلام السابق زيادة في التوكيد والتقرير، فقال: ﴿إنَّمَا يَسْتَئْذِنُكَ﴾ يا محمَّد في التخلف عن الجهاد معك من غير عذر ﴿الَّذِينَ لَا يُؤمِنُونَ﴾ ولا يصدقون ﴿بِاللهِ﴾؛ أي: بتوحيده (و) لا بـ ﴿اليوم الآخر﴾ وهم المنافقون، فهؤلاء يرون بذل المال مغرمًا يفوت عليهم بعض المنافع، وهم لا يرجون ثوابًا عليه كما يرجو المؤمنون، ويرون الجهاد بالنفس آلامًا ومتاعب، وذكر (٢) الإيمان بالله أولًا، ثم باليوم الآخر ثانيًا في الموضعين؛ لأنهما الباعثان على الجهاد في سبيل الله، قوله: ﴿وَارْتَابَت قُلُوبُهُمْ﴾ عطف على الصلة في قوله: ﴿الَذَينَ لَا يُؤمِنُونَ﴾ وجاء بالماضي، للدلالة على تحقق الريب في قلوبهم، وهو الشك، وأنما أضاف (٣) الشك والارتياب إلى القلب؛ لأنه محل المعرفة والإيمان أيضًا، فإذا دخله الشك، كان ذلك نفاقًا؛ أي: إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وارتابت قلوبهم؛ أي: شكت قلوبهم في الدين ﴿فَهُمْ﴾ حال كونهم ﴿في رَيْبِهِمْ﴾ وشكهم المفرق قلوبهم ﴿يتَرَدَّدُونَ﴾؛ أي: يتحيرون لا مع الكفار ولا مع المؤمنين.
والمعنى: فهؤلاء الذين يستأذنونك ليسوا بمؤمنين، بل كانوا مرتابين حائرين، لا يهتدون إلى طريق الصواب، ولا يعرفون الحق، فلم تطمئن به قلوبهم، ولم تذعن له نفوسهم فهم متحيرون في أمرهم، مذبذبون في عملهم، يوافقون المؤمنين فيما سَهلَ أداؤه من عبادات الإِسلام، من صلاة وصيام،
стр. 4932
ويلتمسون الخلاص فيما شق عليهم من تكاليفه، ويعتذرون بالمعاذير الكاذبة للهرب من القيام بشيء منها.
٤٦ - وقد جاء في بعض الروايات: أن عدد هؤلاء كان تسعةً وثلاثين رجلًا ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ﴾ إلى الغزو معك ﴿لَأَعَدُّواْ له﴾؛ أي: لهيؤوا للخروج ﴿عُدَّةً﴾؛ أي: أهبةً من الزاد والراحلة والسلاح ونحو ذلك، مما يحتاج إليه المسافر لمثل هذا السفر البعيد، وقد كانوا مستطيعين لذلك ولم يفعلوا ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾؛ أي: ولكن لم يرد نهوضهم للخروج معك ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾؛ أي: حبسهم بالكسل.
أي: ولو (١) كانوا صادقين فيما يدعونه ويخبرونك به من أنهم يريدون الجهاد معك .. لأعدوا له عدة، ولكن لم يكن معهم من العدة للجهاد ما يُحتاج إليه، لما تركوا إعداد العدة وتحصيلها قبل وقت الجهاد، كما يستعد لذلك المؤمنون، فمعنى الكلام: أنهم لم يريدوا الخروج أصلًا ولا استعدوا للغزو عدةً، ولكن كره الله انبعاثهم وخروجم، فتثبطوا عن الخروج، فيكون المعنى: ما خرجوا, ولكن تثبطوا؛ لأن كراهة الله انبعاثهم، تستلزم تثبطهم عن الخروج، والانعباث: الخروج؛ أي: حبسهم الله عن الخروج معك، وخذلهم؛ لأنهم قالوا: إن لم يؤذن لنا في الجلوس .. أفسدنا وحرضنا على المؤمنين، وقيل المعنى: لو أرادوا الخروج .. لأعدوا له عدة، ولكن ما أرادوه؛ لكراهة الله له.
والانبعاث في الأصل (٢): توجيه الإنسان أو الحيوان إلى الشيء بقوة، كبعث الرسل وبعث الموتى، والتثبيط: التعويق عن الأمر والمنع منه.
والخلاصة: كره الله نفيرهم وخروجهم مع المؤمنين، لما فيه من الضرر العائق لهم عما أحبه من نصرهم، فثبطهم بما أحدث في قلوبهم من المخاوف التي هي مقتضى سننه من تأثير النفاق فيها، ومن ثم لم يعدوا للخروج عدته،
стр. 4933
لأنهم لم يريدوه، وإنما أرادوا بالاستئذان ستر ما عزموا عليه من المخالفة والعصيان.
﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ أي: قال لهم الشيطان بما يلقيه إليهم من الوسوسة: تخلفوا مع المتخلفين, وقيل: قاله بعضهم لبعض، وقيل: قاله لهم رسول الله ﷺ غضبًا عليهم, وقيل: هو عبارة عن الخذلان، أي: أوقع الله في قلوبهم القعود، خذلانًا لهم، ومعنى ﴿مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾؛ أي: مع أولى الضرر من العميان والمرضى والنساء والصبيان , وفيه من الذم لهم والإزراء عليهم والتنقيص بهم ما لا يخفى.
أي: وقال لهم الرسول ﷺ بعبارة تدل على السخط لا على الرضا: اقعدوا مع الأطفال والزمنى والعجزة والنساء، وهم قد حملوه على ظاهر لموافقته لما يريدون.
وها هنا يتوجه سؤال، وهو أن خروج المنافقين مع رسول الله ﷺ إما أن يكون فيه مصلحة أو مفسدة، فإن كان فيه مصلحة .. فلم قال: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ وإن كان فيه مفسدةٌ، فلم عاتب نبيه ﷺ في إذنه لهم في القعود؟
الجواب عن هذا السؤال: أن خروجهم مع رسول الله ﷺ كان فيه مفسدة عظيمة بدليل أنه تعالى أخبره بتلك المفسدة بقوله: ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ بقي أن يقال: فلم عاتب الله ورسوله ﷺ بقوله: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾؟ فنقول: إنَّه ﷺ أذن لهم قبل تمام الفحص وإكمال التأمل والتدبير في حالهم، فلهذا السبب قال تعالى: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ وقيل: إنما عاتبه لأجل أنه أذن لهم قبل أن يوحى إليه في أمرهم بالقعود, اهـ "خازن".
وقرأ محمد بن عبد الملك بن مروان وابنه معاوية ﴿عُده﴾ بضم العين من غير تاء، قال صاحب "اللوامح": لما أضاف .. جعل الكناية نائبةً عن التاء, فأسقطها، وقال أبو حاتم: هو جمع عدةٍ كبرةٍ وبرٍّ ودرةٍ ودرٍ , وقرأ زر بن حبيش
стр. 4934
وأبان عن عاصم: ﴿عُدَّةً﴾ بكسر العين وهاء إضمار. قال ابن عطية: وهو عندي اسم لما يعد كالذبح والقتل للعدو، سمي قتلًا إذ حقه أن يقتل، وقرئ أيضًا: ﴿عُدَّةً﴾ بكسر العين وبالتاء دون إضافةٍ أي: عدةً من الزاد والسلاح.
الإعراب
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿عِدَّةَ﴾ اسمها ﴿الشُّهُورِ﴾ مضاف إليه ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿عِدَّةَ﴾؛ لأنه مصدرٌ ﴿اثْنَا عَشَرَ﴾ عدد مركب, معرب الصدر مبنيُّ العجز ﴿اثْنَا﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ وعلامة رفعه الألف، نيابةً عن الضمة؛ لأنه ملحق بالمثنى ﴿عَشَرَ﴾ جزء خبر مبني على الفتح , لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا ﴿شَهْرًا﴾ منصوب على التمييز ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه صفة لأثنى عشر أو بدل من ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿كِتَابِ اللَّهِ﴾ إن قلنا إنه مصدر لا جثةٌ، أو بدلٌ ثان من ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ فعل ومفعول ﴿وَالْأَرْضَ﴾ معطوف عليه، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة ﴿مِنْهَا﴾ جار ومجرور حال من ﴿أَرْبَعَةٌ﴾؛ لأنها صفة نكرة قدمت عليها ﴿أَرْبَعَةٌ﴾ مبتدأ ﴿حُرُمٌ﴾ خبر، والجملة الاسمية في محل الرفع صفة لـ ﴿اثْنَا عَشَرَ﴾ أو مستأنفة ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ ﴿الدِّينُ﴾ خبر ﴿الْقَيِّمُ﴾، صفه لـ ﴿الدِّينُ﴾ والجملة مستأنفة ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر, تقديره: إذا عرفتم أن تحريمها هو الدين القيام، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم .. فأقول لكم ﴿لا تظلموا﴾ جازم وفعل وفاعل ﴿فِيهِنَّ﴾ متعلِق به ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ مفعول به، ومضاف إليه والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به ﴿كَافَّةً﴾ حال من واو ﴿وَقَاتِلُوا﴾ أو من ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ ولكنَّه مصدر جامد في
стр. 4935
تأويل المشتق، كما سيأتي في مبحث التصريف، تقديره: حالة كونكم أو كونهم مجتمعين، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة قوله ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ﴾ ﴿كَمَا﴾ ﴿الكاف﴾ حرف جر وتشبيه و ﴿ما﴾ مصدرية ﴿يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿كَافَّةً﴾ إما حال من واو الفاعل، أو كاف المخاطبين، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، تقديره: كقتالهم إياكم ﴿كَافَّةً﴾ الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف، تقديره: وقاتلوا المشركين كافة، قتالًا كائنًا كقتالهم إياكم كافة ﴿وَاعْلَمُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا﴾ أو مستأنف، ﴿أَنَّ اَللهَ﴾ ناصب واسمه ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ظرف ومضاف إليه خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾ في تأويل مصدر سادٍّ مسد مفعولي علم؛ أي: واعلموا كون الله مع المتقين.
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾.
﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر ﴿النَّسِيءُ زِيَادَةٌ﴾ مبتدأ وخبر ﴿فِي الْكُفْرِ﴾ متعلق بـ ﴿زِيَادَةٌ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة ﴿يُضَلُّ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة ﴿به﴾ متعلق به ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الرفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ثان لـ ﴿النَّسِيءُ﴾ ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفعل صلة الموصول ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿عَامًا﴾ ظرف متعلق به، والجملة في محل النصب حال من الموصول، أو مفسرة للضلال لا محل لها من الإعراب ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ معطوف على ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾ ﴿اللام﴾ لام كي ﴿يواطئوا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن المضمرة بعد لام كي ﴿عِدَّةَ مَا﴾ مفعول به، ومضاف إليه ﴿حَرَّمَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: عدة ما حرمه، وجملة ﴿يواطىء﴾ صلة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور ﴿باللام﴾ تقديره: لمواطأتهم عدة ما حرمه الله، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يحرمونه﴾ ﴿فيُحِلُّوا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿يحلوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿يواطئوا﴾ ﴿مَا﴾ في محل النصب مفعول ﴿فيُحِلُّواْ﴾ ﴿حَرَّمَ اللهُ﴾
стр. 4936
فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما حرمه ﴿زُيِّنَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به ﴿سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ نائب فاعل، ومضاف إليه، والأصل زين لهم الشيطان سوء أعمالهم، كما قاله ابن عباس ﵁ ﴿وَاللهُ﴾ مبتدأ ﴿لَا يَهْدِى القَوْمَ﴾ فعل ومفعول به ﴿الْكَافِرِينَ﴾ صفة لـ ﴿الْقَوْمَ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهُ﴾ والجملة الفعلية خبر المبتدأ والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء ﴿أيُّ﴾ منادى نكرة مقصودة و ﴿ها﴾ حرف تنبيه ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الرفع صفة لـ ﴿أيُّ﴾ وجملة النداء مستأنفة ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل والجملة صلة الموصول ﴿مَا﴾ للاستفهام الإنكاري التوبيخي، في محل الرفع مبتدأ ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: أي شيء ثابت لكم، والجملة الاسمية جواب النداء، لا محل لها من الإعراب ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، لا جواب لها ﴿قِيلَ﴾ فعل ماض مغير الصِّيغة ﴿لَكُمُ﴾ متعلق به ﴿انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نائب فاعل محكي، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ والظرف متعلق بـ ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ الآتي وإن شئت قلت: ﴿انْفِرُواْ﴾ فعل وفاعل ﴿في سَبيلِ اللهِ﴾ متعلق به، والجملة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾، ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ فعل ماض وفاعل ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب حال من كاف المخاطبين في ﴿لَكُمُ﴾ والتقدير: أيُّ شيء ثبت لكم من الأعذار، حال كونكم متثاقلين في وقت قول الرسول لكم: انفروا؛ أي: أخرجوا في سبيل الله ﴿أَرَضِيتُم﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام التوبيخي التعجبي الإنكاري ﴿رضيتم﴾ فعل وفاعل ﴿بِالْحَيَاةِ﴾ متعلق به ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة للحياة والجملة الاستفهامية مستأنفة ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور حال من ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كما ذكره أبو البقاء: أي: حالة كونها بدلًا من الآخرة ﴿فَمَا مَتَاعُ﴾ ﴿الفاء﴾ تعليلية ﴿ما﴾ نافية
стр. 4937
﴿مَتَاعُ﴾ مبتدأ ﴿الْحَيَاةِ﴾ مضاف إليه ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة لـ ﴿الْحَيَاةِ﴾ ﴿في الْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من المبتدأ، على رأي سيبويه، تقديره: حالة كونه منسوبًا إلى الآخرة ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿قَلِيلٌ﴾ خبر المبتدأ والجملة الاسمية مسوقة لتعليل النفي المفهوم من الجملة الاسمية، والتقدير: لا ترضوا الحياة الدنيا بدل الآخرة لكون متاع الدنيا قليلًا، وفي "الفتوحات" قوله: ﴿في الْآخِرَةِ﴾ متعلق بمحذوف من حيث؛ المعنى، تقديره: فما متاع الحياة الدنيا محسوبًا في الآخرة، فمحسوبًا: حال من متاع، وقال الحوفي: إنه متعلق بـ ﴿قَلِيلٌ﴾ وهو خبر المبتدأ، قال: وجاز أن يتقدم الظرف على عامله المقرون بإلا؛ لأن الظروف تعمل فيها روائح الأفعال، ولو قلت: ما زيد إلا عمرًا يضرب .. لم يجز، اهـ "سمين".
﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿إلَا﴾ ﴿إنْ﴾ حرف شرط جازم مبني بسكون على النون المدغمة في لام ﴿لا﴾، ﴿لا﴾ نافية ﴿تَنفِرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ فعل ومفعول مجزوم بإن الشرطية، على كوفه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿عَذَابًا﴾ مفعول به، أو مفعول مطلق ﴿أَلِيمًا﴾ صفة لـ ﴿عَذَابًا﴾ والجملة الشرطية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَيَسْتَبْدِلْ﴾ معطوف على ﴿يُعَذِّبْ﴾ وفاعله ضمير يعود على الله ﴿قَوْمًا﴾ مفعول به ﴿غَيْرَكُمْ﴾ صفة لـ ﴿قَوْمًا﴾ لأنه بمعنى مغايرين إياكم ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، معطوف على يعذب أيضًا ﴿شَيْئًا﴾ مفعول ثان ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾ ﴿قَدِيرٌ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾.
﴿إِلَّا﴾ ﴿إِنَّ﴾ حرف شرط جازم مبني بسكون على النون المدغمة في لام
стр. 4938
﴿لَا﴾ النافية، ﴿لا﴾ نافية ﴿تَنْصُرُوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إِنَّ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فسينصره الله تعالى، وجملة الشرط مع جوابه المحذوف مستأنفة ﴿فَقَدْ﴾ ﴿الفاء﴾ تعليلية ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية في محل الجر بـ ﴿لام﴾ التعليل المقدرة المدلول عليها بـ ﴿الفاء﴾ التعليلية المتعلقة بالجواب المحذوف، الذي قدرناه آنفًا ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، في محل النصب على الظرفية، متعلق بـ ﴿نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ ﴿أخْرَجَهُ الَّذِينَ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محلّ الجر بإضافة ﴿إذْ﴾ إليها ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، صلة الموصول ﴿ثَانِيَ﴾ منصوب على الحال من الهاء في ﴿أَخْرَجَهُ﴾ ﴿اثْنَيْنِ﴾ مضاف إليه، ولكنه في تأويل مشتق، تقديره: إذ أخرجه الذين كفروا، حالة كونه واحدًا من اثنين؛ أي: حالة كونه منفردًا عن جميع الناس، إلا أبا بكر الصديق، ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، في محلّ النصب على الظرفية، والظرف بدل من ﴿إِذْ﴾ قبله بدل بعض من كل، فيفرض زمن إخراجه ممتدًا، بحيث يصدق على زمن استقرارهما في الغار، وزمن القول المذكور، والبدل في هذا وما بعده بدل بعض من كل، ولا بد من هذا التكلف لتصح البدلية، وإلا فزمن الإخراج مباين لزمن حصولهما في الغار، إذ بين الغار ومكة مسيرة ساعة ﴿هُمَا﴾ مبتدأ ﴿فِي الْغَارِ﴾ خبره، والجملة في محلّ الجر مضاف إليه.
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى ﴿يَقُولُ﴾ فعل مضارع ﴿لِصَاحِبِهِ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة في محلّ الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾ والظرف بدل أيضًا من ﴿إِذْ﴾ الأولى بدل بعض من كل ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ مقول محكي لـ ﴿يَقُولُ﴾ وإن شئت قلت: ﴿لا﴾ ناهية ﴿تَحْزَنْ﴾ فعل
стр. 4939
مضارع مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على أبي بكر، والجملة في محلّ النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾ ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾ اسمها ﴿مَعَنَا﴾ ظرف متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محلّ النصب مقول القول مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل و ﴿الفاء﴾ عاطفة الجملة على جملة قوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ ﴿سَكِينَتَهُ﴾ مفعول به ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ ﴿وَأَيَّدَهُ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنْزَلَ﴾ ﴿بِجُنُودٍ﴾ متعلق بـ ﴿أَيَّدَ﴾ ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول به وجازم؛ لأنَّ رأى بصرية، والجملة في محلّ الجر صفة لـ ﴿جنود﴾ ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ﴾ فعل ومفعول أول ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿أيد﴾ ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿السُّفْلَى﴾ مفعول ثان لجعل ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ مبتدأ ومضاف إليه ﴿هِيَ﴾ ضمير فصل ﴿الْعُلْيَا﴾ خبر المبتدأ والجملة مستأنفة ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿عَزِيزٌ﴾ خبر أول ﴿حَكِيمٌ﴾ خبر ثان، والجملة مستأنفة أو معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾.
﴿انْفِرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ حالان من واو ﴿انْفِرُوا﴾ ﴿وَجَاهِدُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿انْفِرُوا﴾ ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾ متعلق به ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ معطوف على ﴿أَمْوَالِكُمْ﴾ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿جَاهِدُوا﴾ ﴿ذَلِكُمْ﴾ مبتدأ ﴿خَيْرٌ﴾ خبره ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾ والجملة مستأنفة ﴿إِنْ﴾ حرف شرط ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل واسمه في محلّ الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجملة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾ وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية محذوف، تقديره: إن كنتم تعلمون خيريته .. فلا تتثاقلوا عنه، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ
стр. 4940
بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
﴿لَوِ﴾ حرف شرط ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ما فهم من السياق، تقديره: لو كان ما دعوتهم إليه ﴿عَرَضًا﴾ خبرها ﴿قَرِيبًا﴾ صفة ﴿عَرَضًا ﴿وَسَفَرًا﴾ معطوف على ﴿عَرَضًا﴾ ﴿قَاصِدًا﴾ صفة ﴿سَفَرًا﴾ ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ ﴿اللام﴾ رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية ﴿اتَّبَعُوكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لكن﴾ حرف استدراك ﴿بَعُدَتْ﴾ فعل ماض ﴿عَلَيْهِمُ﴾ متعلق به ﴿الشُّقَّةُ﴾ فاعل وجملة الاستدراك معطوفة على جملة ﴿لَوْ﴾ ﴿وَسَيَحْلِفُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة الاستدراك ﴿لَوِ﴾ حرف شرط ﴿اسْتَطَعْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوِ﴾ ﴿لَخَرَجْنَا﴾ ﴿اللام﴾ رابطة لجواب ﴿لَوِ﴾ ﴿خَرَجْنَا﴾ فعل وفاعل ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف حال من فاعل ﴿خرجنا﴾؛ أي: حالة كوننا مصاحبين بكم، وجملة ﴿خرجنا﴾ ساد مسد جوابي القسم والشرط جميعًا، كما في "الفتوحات" وجملة ﴿لَوِ﴾ الشرطية في محلّ النصب مقول لقول محذوف، تقديره: وسيحلفون لكم. قائلين: لو استطعنا .. لخرجنا معكم ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة بدل من جملة قوله ﴿وَسَيَحْلِفُونَ﴾؛ لأنّ الحلف الكاذب إهلاك للنفس. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾ خبره والجملة الاسمية مستأنفة ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء ﴿كاذبون﴾ خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ سادة مسد مفعولي عَلم معلقة عنها باللام.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾.
﴿عَفَا اللَّهُ﴾ فعل وفاعل ﴿عَنْكَ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة ﴿لِمَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر ﴿م﴾ اسم استفهام إنكاري، في محلّ الجر باللام، مبني بسكون على الألف المحذوفة، فرقًا بينها وبين الموصولة، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَذِنْتَ﴾ المذكور بعده ﴿أَذِنْتَ﴾ فعل وفاعل ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به أيضًا، وجاز تعلقهما بعامل واحد مع اتحادهما لفظًا لاختلاف معناهما؛ لأنّ الأولى للتعليل،