فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما حرمه ﴿زُيِّنَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به ﴿سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ نائب فاعل، ومضاف إليه، والأصل زين لهم الشيطان سوء أعمالهم، كما قاله ابن عباس ﵁ ﴿وَاللهُ﴾ مبتدأ ﴿لَا يَهْدِى القَوْمَ﴾ فعل ومفعول به ﴿الْكَافِرِينَ﴾ صفة لـ ﴿الْقَوْمَ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهُ﴾ والجملة الفعلية خبر المبتدأ والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء ﴿أيُّ﴾ منادى نكرة مقصودة و ﴿ها﴾ حرف تنبيه ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الرفع صفة لـ ﴿أيُّ﴾ وجملة النداء مستأنفة ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل والجملة صلة الموصول ﴿مَا﴾ للاستفهام الإنكاري التوبيخي، في محل الرفع مبتدأ ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: أي شيء ثابت لكم، والجملة الاسمية جواب النداء، لا محل لها من الإعراب ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، لا جواب لها ﴿قِيلَ﴾ فعل ماض مغير الصِّيغة ﴿لَكُمُ﴾ متعلق به ﴿انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نائب فاعل محكي، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ والظرف متعلق بـ ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ الآتي وإن شئت قلت: ﴿انْفِرُواْ﴾ فعل وفاعل ﴿في سَبيلِ اللهِ﴾ متعلق به، والجملة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾، ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾ فعل ماض وفاعل ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب حال من كاف المخاطبين في ﴿لَكُمُ﴾ والتقدير: أيُّ شيء ثبت لكم من الأعذار، حال كونكم متثاقلين في وقت قول الرسول لكم: انفروا؛ أي: أخرجوا في سبيل الله ﴿أَرَضِيتُم﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام التوبيخي التعجبي الإنكاري ﴿رضيتم﴾ فعل وفاعل ﴿بِالْحَيَاةِ﴾ متعلق به ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة للحياة والجملة الاستفهامية مستأنفة ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور حال من ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كما ذكره أبو البقاء: أي: حالة كونها بدلًا من الآخرة ﴿فَمَا مَتَاعُ﴾ ﴿الفاء﴾ تعليلية ﴿ما﴾ نافية
стр. 4937
﴿مَتَاعُ﴾ مبتدأ ﴿الْحَيَاةِ﴾ مضاف إليه ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة لـ ﴿الْحَيَاةِ﴾ ﴿في الْآخِرَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من المبتدأ، على رأي سيبويه، تقديره: حالة كونه منسوبًا إلى الآخرة ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿قَلِيلٌ﴾ خبر المبتدأ والجملة الاسمية مسوقة لتعليل النفي المفهوم من الجملة الاسمية، والتقدير: لا ترضوا الحياة الدنيا بدل الآخرة لكون متاع الدنيا قليلًا، وفي "الفتوحات" قوله: ﴿في الْآخِرَةِ﴾ متعلق بمحذوف من حيث؛ المعنى، تقديره: فما متاع الحياة الدنيا محسوبًا في الآخرة، فمحسوبًا: حال من متاع، وقال الحوفي: إنه متعلق بـ ﴿قَلِيلٌ﴾ وهو خبر المبتدأ، قال: وجاز أن يتقدم الظرف على عامله المقرون بإلا؛ لأن الظروف تعمل فيها روائح الأفعال، ولو قلت: ما زيد إلا عمرًا يضرب .. لم يجز، اهـ "سمين".
﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿إلَا﴾ ﴿إنْ﴾ حرف شرط جازم مبني بسكون على النون المدغمة في لام ﴿لا﴾، ﴿لا﴾ نافية ﴿تَنفِرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ فعل ومفعول مجزوم بإن الشرطية، على كوفه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿عَذَابًا﴾ مفعول به، أو مفعول مطلق ﴿أَلِيمًا﴾ صفة لـ ﴿عَذَابًا﴾ والجملة الشرطية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَيَسْتَبْدِلْ﴾ معطوف على ﴿يُعَذِّبْ﴾ وفاعله ضمير يعود على الله ﴿قَوْمًا﴾ مفعول به ﴿غَيْرَكُمْ﴾ صفة لـ ﴿قَوْمًا﴾ لأنه بمعنى مغايرين إياكم ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، معطوف على يعذب أيضًا ﴿شَيْئًا﴾ مفعول ثان ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾ ﴿قَدِيرٌ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾.
﴿إِلَّا﴾ ﴿إِنَّ﴾ حرف شرط جازم مبني بسكون على النون المدغمة في لام
стр. 4938
﴿لَا﴾ النافية، ﴿لا﴾ نافية ﴿تَنْصُرُوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إِنَّ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فسينصره الله تعالى، وجملة الشرط مع جوابه المحذوف مستأنفة ﴿فَقَدْ﴾ ﴿الفاء﴾ تعليلية ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية في محل الجر بـ ﴿لام﴾ التعليل المقدرة المدلول عليها بـ ﴿الفاء﴾ التعليلية المتعلقة بالجواب المحذوف، الذي قدرناه آنفًا ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، في محل النصب على الظرفية، متعلق بـ ﴿نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ ﴿أخْرَجَهُ الَّذِينَ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محلّ الجر بإضافة ﴿إذْ﴾ إليها ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، صلة الموصول ﴿ثَانِيَ﴾ منصوب على الحال من الهاء في ﴿أَخْرَجَهُ﴾ ﴿اثْنَيْنِ﴾ مضاف إليه، ولكنه في تأويل مشتق، تقديره: إذ أخرجه الذين كفروا، حالة كونه واحدًا من اثنين؛ أي: حالة كونه منفردًا عن جميع الناس، إلا أبا بكر الصديق، ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، في محلّ النصب على الظرفية، والظرف بدل من ﴿إِذْ﴾ قبله بدل بعض من كل، فيفرض زمن إخراجه ممتدًا، بحيث يصدق على زمن استقرارهما في الغار، وزمن القول المذكور، والبدل في هذا وما بعده بدل بعض من كل، ولا بد من هذا التكلف لتصح البدلية، وإلا فزمن الإخراج مباين لزمن حصولهما في الغار، إذ بين الغار ومكة مسيرة ساعة ﴿هُمَا﴾ مبتدأ ﴿فِي الْغَارِ﴾ خبره، والجملة في محلّ الجر مضاف إليه.
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى ﴿يَقُولُ﴾ فعل مضارع ﴿لِصَاحِبِهِ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة في محلّ الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾ والظرف بدل أيضًا من ﴿إِذْ﴾ الأولى بدل بعض من كل ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ مقول محكي لـ ﴿يَقُولُ﴾ وإن شئت قلت: ﴿لا﴾ ناهية ﴿تَحْزَنْ﴾ فعل
стр. 4939
مضارع مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على أبي بكر، والجملة في محلّ النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾ ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾ اسمها ﴿مَعَنَا﴾ ظرف متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محلّ النصب مقول القول مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل و ﴿الفاء﴾ عاطفة الجملة على جملة قوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ ﴿سَكِينَتَهُ﴾ مفعول به ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ ﴿وَأَيَّدَهُ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنْزَلَ﴾ ﴿بِجُنُودٍ﴾ متعلق بـ ﴿أَيَّدَ﴾ ﴿لَمْ تَرَوْهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول به وجازم؛ لأنَّ رأى بصرية، والجملة في محلّ الجر صفة لـ ﴿جنود﴾ ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ﴾ فعل ومفعول أول ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿أيد﴾ ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿السُّفْلَى﴾ مفعول ثان لجعل ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ مبتدأ ومضاف إليه ﴿هِيَ﴾ ضمير فصل ﴿الْعُلْيَا﴾ خبر المبتدأ والجملة مستأنفة ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿عَزِيزٌ﴾ خبر أول ﴿حَكِيمٌ﴾ خبر ثان، والجملة مستأنفة أو معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾.
﴿انْفِرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ حالان من واو ﴿انْفِرُوا﴾ ﴿وَجَاهِدُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿انْفِرُوا﴾ ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾ متعلق به ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ معطوف على ﴿أَمْوَالِكُمْ﴾ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿جَاهِدُوا﴾ ﴿ذَلِكُمْ﴾ مبتدأ ﴿خَيْرٌ﴾ خبره ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾ والجملة مستأنفة ﴿إِنْ﴾ حرف شرط ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل واسمه في محلّ الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجملة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾ وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية محذوف، تقديره: إن كنتم تعلمون خيريته .. فلا تتثاقلوا عنه، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ
стр. 4940
بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
﴿لَوِ﴾ حرف شرط ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ما فهم من السياق، تقديره: لو كان ما دعوتهم إليه ﴿عَرَضًا﴾ خبرها ﴿قَرِيبًا﴾ صفة ﴿عَرَضًا ﴿وَسَفَرًا﴾ معطوف على ﴿عَرَضًا﴾ ﴿قَاصِدًا﴾ صفة ﴿سَفَرًا﴾ ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ ﴿اللام﴾ رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية ﴿اتَّبَعُوكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لكن﴾ حرف استدراك ﴿بَعُدَتْ﴾ فعل ماض ﴿عَلَيْهِمُ﴾ متعلق به ﴿الشُّقَّةُ﴾ فاعل وجملة الاستدراك معطوفة على جملة ﴿لَوْ﴾ ﴿وَسَيَحْلِفُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة الاستدراك ﴿لَوِ﴾ حرف شرط ﴿اسْتَطَعْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوِ﴾ ﴿لَخَرَجْنَا﴾ ﴿اللام﴾ رابطة لجواب ﴿لَوِ﴾ ﴿خَرَجْنَا﴾ فعل وفاعل ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف حال من فاعل ﴿خرجنا﴾؛ أي: حالة كوننا مصاحبين بكم، وجملة ﴿خرجنا﴾ ساد مسد جوابي القسم والشرط جميعًا، كما في "الفتوحات" وجملة ﴿لَوِ﴾ الشرطية في محلّ النصب مقول لقول محذوف، تقديره: وسيحلفون لكم. قائلين: لو استطعنا .. لخرجنا معكم ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة بدل من جملة قوله ﴿وَسَيَحْلِفُونَ﴾؛ لأنّ الحلف الكاذب إهلاك للنفس. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾ خبره والجملة الاسمية مستأنفة ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء ﴿كاذبون﴾ خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ سادة مسد مفعولي عَلم معلقة عنها باللام.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾.
﴿عَفَا اللَّهُ﴾ فعل وفاعل ﴿عَنْكَ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة ﴿لِمَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر ﴿م﴾ اسم استفهام إنكاري، في محلّ الجر باللام، مبني بسكون على الألف المحذوفة، فرقًا بينها وبين الموصولة، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَذِنْتَ﴾ المذكور بعده ﴿أَذِنْتَ﴾ فعل وفاعل ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به أيضًا، وجاز تعلقهما بعامل واحد مع اتحادهما لفظًا لاختلاف معناهما؛ لأنّ الأولى للتعليل،
стр. 4941
والثانية للتبليغ، كما في "الجمل" والجملة الاستفهامية جملة إنشائية لا محلّ لها من الإعراب ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية، ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ ﴿لَكَ﴾ متعلق به ﴿الَّذِينَ﴾ فاعل وجملة ﴿صَدَقُوا﴾ صلة الموصول، وجملة ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ تقديره: إلى تبيّن الذين صدقوا وظهورهم لك، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَذِنْتَ﴾ ﴿وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ فعل ومفعول معطوف على ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ وفاعله ضمير يعود على محمد، وعلم هنا بمعنى: عرف.
﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)﴾.
﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ﴾ فعل ومفعول وفاعل والجملة مستأنفة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فعل وفاعل، صلة الموصول ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ معطوف على الجلالة ﴿أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ ناصب وفعل وفاعل ﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾ متعلق به ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾ معطوف عليه والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: في مجاهدتهم بأموالهم وأنفسهم، والجار المحذوف متعلق بـ ﴿يَسْتَأْذِنُكَ﴾ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ مبتدأ وخبر ﴿بِالْمُتَّقِينَ﴾ متعلق به والجملة مستأنفة.
﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾.
﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر ﴿يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ معطوف على الجلالة ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فعل وفاعل، معطوف على جملة الصلة ﴿فَهُمْ﴾ مبتدأ و ﴿الفاء﴾ تفريعية عاطفة، ﴿هم﴾ مبتدأ. ﴿فِي رَيْبِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾ وجملة ﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾ في محلّ الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مفرعة معطوفة على جملة ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾.
стр. 4942
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ حرف شرط وفعل وفاعل ومفعول ﴿لَأَعَدُّوا﴾: فعل وفاعل، جواب ﴿لو﴾ و ﴿اللام﴾ رابطة للجواب ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿أَعَدُّوا﴾ ﴿عُدَّةً﴾ مفعول به وجملة ﴿لو﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لكن﴾ حرف استدراك ﴿كَرِهَ اللَّهُ﴾ فعل وفعل ﴿انْبِعَاثَهُمْ﴾ مفعول به، والجملة الاستدراكية معطوفة على جملة ﴿لو﴾ ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ فعل ومفعول و ﴿الفاء﴾ عاطفة وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿كَرِهَ﴾ ﴿وَقيلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة ﴿اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ نائب فاعل محكى لـ ﴿قيل﴾ وجملة ﴿قيل﴾ معطوفة على جملة ﴿ثبطهم﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ ﴿عِدَّةَ﴾ اسم مصدر لعد الشيء، يعده: من باب رد إذا أحصاه، والشهور: جمع شهر، وهو في الأصل اسم للهلال، سميت به الأيام؛ أي: إن عدد شهور السنة القمرية ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ والكتاب: هو اللوح المحفوظ ﴿حُرُمٌ﴾ بضمتين واحدها حرام من الحرمة، بمعنى: التعظيم ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: الدين: الشرع، والقيم: الصحيح المستقيم الذي لا عوج فيه ﴿كَافَّةً﴾: مصدر في موضع الحال، كما تقدم في مبحث الإعراب، ومعناه: جميعًا ولا يثنى ولا يجمع ولا تدخله أن ولا يتصرف فيه بغير الحال، اهـ. كرخي.
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ والنسيء: من نسأ الشيء ينسؤه نسأ ومنسأة إذا أخره؛ أي: الشهر الذي أنسىء تحريمه؛ أي: أخر عن موضعه وقال الكسائي: يقال: نسأه وأنساه إذا أخره، وقال الجوهري وأبو حاتم: النسيء فعيل، بمعنى: مفعول من نسأت الشيء فهو منسوء إذا أخرته، ثم حول إلى نسيء كما حول مقتول إلى قتيل، ورجل ناسىء وقوم نسأة، مثل فاسق وفسقة، انتهى. وقال الطبري: النسيء بالهمز معناه: الزيادة، انتهى، فإذا قلت أنسأ الله أجله، بمعنى: أخر، لزم من ذلك الزيادة في الأجل، فليس النسيء مرادفًا للزيادة، بل قد يكون منفردا عنها في بعض المواضع، وإذا كان النسيء مصدرًا كان الإخبار عنه بمصدر واضحًا، وإذا
стр. 4943
كان بمعنى مفعول فلا بد من إضمارٍ إما في النسيء؛ أي: إن نسأ النسيء، أو في زيادة؛ أي: ذو زيادة، وبتقدير هذا الإضمار يُردُّ على ما يرد على قوله: ولا يجوز أن يكون فعيلًا بمعنى مفعول؛ لأنه يكون المعنى: إنما المؤخر زيادة، والمؤخر الشهر، ولا يكون الشهر زيادة في الكفر ذكره في "البحر".
وفي "المختار": والنسيئة كالفعيلة التأخير، وكذا النسآء، بالفتح والمد، التأخير والنسيء في الآية، فعيل بمعنى: مفعول، من قولك نسأه، من باب: قطع؛ أي: أخره فهو منسوء فحول منسوء إلى نسيء، كما حول مقتول إلى قتيل، والمراد: تأخيرهم حرمة المحرم إلى صفر، انتهى.
﴿انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ النفر والنفور: الفرار من الشيء أو الإقدام عليه بخفة ونشاط، يقال: نفرت الدابة والغزال، نفورًا ونفر الحجيج من عرفات نفرًا واستنفر الملك العسكر إلى القتال، وأعلن النفير العام، فنفروا خفافًا وثقالًا وفي "الخازن" يقال: استنفر الإمام الناس إذا حثهم على الخروج إلى الجهاد ودعاهم إليه، ومنه قوله ﷺ "إذا استنفرتم، فانفروا" والاسم النفير، اهـ ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾؛ أي: تبأطاتم وملتم عن الجهاد إلى القعود في الأرض، وأصله تثاقلتم، فأبدلت التاء ثاءً مثلثة ثم أدغمت في الثاء، ثم اجتلبت همزة الوصل، توصلا إلى النطق بالساكن، فصار اثاقلتم ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ والمتاع ما يتمتع به من لذات الدنيا ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ والغار: النقب العظيم في الجبل، والمراد هنا غار جبل ثور، يجمع على غِيران، مثل: تاج وتيجان وقاع وقيعان، والغار أيضًا نبت طيب الريح، والغار أيضًا: الجماعة والغاران: البطن والفرج، وألف الغار منقلبةٌ عن واوٍ، اهـ "سمين".
﴿لِصَاحِبِهِ﴾ والصاحب: هو أبو بكر الصديق ﵁ سكينته والسكينة: سكون النفس واطمئنانها، وهو ضد الانزعاج والاضطراب و ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ هي التوحيد و ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هي الشرك والكفر.
﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أي: انفروا على الصفة التي يخفف عليكم الجهاد فيها، وعلى الصفة التي يثقل عليكم الجهاد فيها، وهذان الوصفان يدخل تحتهما
стр. 4944
أقسام كثيرة، كما أشرنا إليها في مبحث التفسير.
﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾ والعرض بفتحتين: ما يعرض لك من متاع الدنيا ومنافعها، مما لا ثبات له ولا بقاء، وليس في الوصول إليه كبير عناء ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ ويقال: سير قاصد، وسفر قاصد؛ أي: هين لا مشقة فيه، من القصد وهو الاعتدال ﴿الشُّقَّةُ﴾ والشقة الطريق، لا تقطع إلا بعناء ومشقة، فهي مشتقة من المشقة كما في "السمين" ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ والعفو: التجاوز عن التقصير، وترك المؤاخذة عليه ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إنما أضاف الشك والارتياب إلى القلب؛ لأنه محلّ المعرفة والإيمان، فإذا دخله الشك، كان ذلك نفاقًا اهـ "خازن".
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الطباق بين يحلون ويحرمون في قوله: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ وبين ﴿الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ في قوله: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ وبين كلمة ﴿اللَّهُ﴾ وكلمة ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في قوله: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ وبين قوله: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، وبين ﴿الصَّادِقِينَ﴾ و ﴿الْكَاذِبِينَ﴾ في قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾.
ومنها: التكرار في قوله ﴿كَافَّةً﴾ وفي لفظ الجلالة في قوله: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ وفي لفظ ﴿الدُّنْيَا﴾ و ﴿الْآخِرَةِ﴾ في قوله: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ...﴾ إلخ.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وفي قوله: ﴿أعدوا له عدة﴾ وفي قوله: ﴿اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾.
ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبيخي في قوله: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ﴾.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: أرضيتم بنعيم الدنيا ولذائذها بدل نعيم الآخرة.
стр. 4945
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ من إطلاق الكل، وإرادة البعض؛ لأن المراد بها الشهور القمرية.
ومنها: إبهام الفاعل استهجانًا له في قوله: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ إن كان المزين الشيطان، أو للتفخيم إن قلنا: المزين هو الله.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار؛ لزيادة التقرير والمبالغة في بيان حقارة الدنيا ودنائتها، بالنسبة للآخرة.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾؛ لأنها استعارة عن الشرك، كما أن كلمة الله استعارة عن الإيمان والتوحيد، وفي قوله: ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾؛ لأنه استعار الشقة للمسافة الطويلة البعيدة التي توجب المشقة على سالكها.
ومنها: الإبهام في قوله: ﴿لِصَاحِبِهِ﴾ إظهارًا بعظم فضله، وجلالة قدره.
ومنها: تقديم المسرة على المضرة، في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ حيث قدم العفو على العتاب، وقد أحسن من قال: إن من لطف الله بنبيه: أن بدأه بالعفو قبل العتب.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ لأنه أسند الارتياب والشك إلى القلب؛ لأنه محل المعرفة والإيمان، فإذا دخله الشك كان ذلك نفاقًا كما مرَّ.
ومنها: الحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
١ - الاضطراب في الرأي وفساد النظام.
٢ - تفريق الكلمة بالسعي فيما بينكم بالنميمة.
٣ - أنَّ فيكم ناسًا من ضعفاء الإيمان، يسمعون كلامهم ويقبلون قولهم.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنها سيقت لبيان أقوالٍ قالها المنافقون، بعضها قيلت جهرًا، وبعضها أكنوه في أنفسهم، وأعذارٍ سيعتذرون بها غير ما سبق منهم، وشؤونٍ أخرى لهم أكثرها من أنباء الغيب.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لمّا قبلها: أن الله لمّا ذكر اعتذار المنافقين بالمعاذير الكاذبة، وتعللاتهم الباطلة في التخلف عن القتال، وذكر ما يجول في نفوسهم من كراهتهم للرسول ﷺ والمؤمنين، وأنهم يتربصون بهم الدوائر .. أردف ذلك ببيان أن نفقاتهم على الجهاد في هذه الحال، طوعًا أو كرهًا، لن يتقبلها الله تعالى، ولا ثواب لهم عليها، لما يبطنونه في صدورهم من الكفر والفسوق عن أمر الله تعالى، فهم إن فعلوا شيئًا من أركان الدين .. فإنما يفعلونه رئاء الناس، وخوفًا على أنفسهم من الفضيحة إذا هم تركوها، وإن أموالهم الكثيرة إنما هي عذاب لهم في الدنيا والآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ ...﴾ الآيتين، مناسبة هاتين الآيتين لما قبلهما: أن الله لمّا بيَّن أن المنافقين يظهرون غير ما يضمرون، فإذا هم طلبوا الإذن خوف الفتنة كانوا كاذبين، وذكر أنهم يتمنون أن تدور الدوائر على المؤمنين .. أردف ذلك بذكر غلوهم في النفاق، وأنهم لا يتحرجون أن يحلفوا الأيمان الفاجرة لستر نفاقهم خوف الفضيحة، وأنهم يتمنون أن يجدوا أي السبل للبعد عن المؤمنين، فيلجؤوا إليها مسرعين.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ...﴾ الآيتين، مناسبتهما لما
стр. 4948
قبلهما: أن الله لما (١) ذكر أن المنافقين لا يتحرجون عن كاذب الإيمان إذا وجدوا في ذلك طريقًا لخدعة المؤمنين في تصديقهم بأنهم مؤمنون كما هم مؤمنون، كي يأمنوا جانبهم، وأنهم يجدون في البعد عنهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا .. أردف ذلك بذكر سوءة أخرى من سوآتهم، وهي: أنهم يتمنون الفرص للطعن علي النبي ﷺ ، حتى يوقعوا الريب في قلوب ضعفاء الإيمان من المسلك الذي يوافق أهواءهم، وقد وجدوا من ذلك قسمة الصدقات والمغانم، فولجوا هذا الباب، وقالوا ما شاؤوا أن يقولوا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر (٢) من يعيب الرسول في قسم الصدقات، بأنّه يعطي من شاء ويحرم من يشاء، أو يخص أقاربه أو يأخذ لنفسه ما بقي، وكانوا يسألون فوق ما يستحقون .. بيَّن تعالى مصرف الصدقات، وأنه ﷺ إنما قسم على ما فرضه الله تعالى.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٣): ما أخرجه الطبراني وأبو نعيم وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: لمّا أراد النبي ﷺ أن يخرج إلى غزوة تبوك .. قال للجدِّ بن قيس: "يا جُدَّ بن قيس، ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟ " فقال: يا رسول الله، إني امرؤٌ صاحب نساء ومتى أرى نساء بني الأصفر أفْتتِن، فأُذن لي ولا تفتنِّي، فأنزل الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ...﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، من حديث جابر بن عبد الله، مثله وأخرج الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس، أن النبي ﷺ ، قال: "اغزوا، تغنموا بنات بني الأصفر". فقال ناس من المنافقين: إنه ليفتنكم بالنساء، فأنزل الله ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾.
стр. 4949
قوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن جابر بن عبد الله، قال: جعل المنافقون الذين تخلفوا بالمدينة يخبرون عن النبي ﷺ أخبار السوء، يقولون: إن محمدًا وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا، فبلغهم تكذيب حديثهم، وعافية النبي ﷺ وأصحابه، فساءهم ذلك، فأنزل الله : ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال: قال الجدُّ بن قيس: إني إذا رأيت النساء .. لم أصبر حتى أفتتن، ولكن أعينك بمالي. قال: ففيه نزلت هذه الآية ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ قال: لقوله: أعينك بمالي.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (١) البخاريُّ عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما النبي ﷺ يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: "ويلك من يعدل إذا لم أعدل" قال عمر بن الخطّاب: دعني أضرب عنقه، قال: "دعه، فإن له أصحابًا، يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة، ينظر في قذذه، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل، إحدى يديه - أو قال: ثدييه - مثل ثدي المرأة" أو قال: "مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين غفلة من الناس" قال أبو سعيد الخدري: أشهد أني سمعت من رسول الله ﷺ ، وأشهد أن عليًّا قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ ، قال: فنزلت فيهم ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ وروى (٢) ابن جرير عن داود بن أبي عاصم: قال: أتى النبي ﷺ بصدقةٍ فقسمها ها هنا وها هنا، حى ذهبت ورأى ذلك رجلٌ من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل، فنزلت هذه الآية.
стр. 4950
ومجموع الروايات يدلّ على أن أشخاصًا من منافقي المدينة قالوا ذلك لحرمانهم من العطية، ولم يقله أحد من المهاجرين، ولا من الأنصار الأولين الذين بايعوا النبي ﷺ في منى.
التفسير وأوجه القراءة
٤٧ - وقوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا﴾ شروع في بيان المفاسد التي تترتب على خروجهم؛ أي: لو خرج هؤلاء المنافقون المستأذنون في القعود ﴿فِيكُمْ﴾؛ أي: في جيشكم وفي جمعكم، وقيل: في بمعنى: مع؛ أي: معكم ﴿مَا زَادُوكُمْ﴾ بخروجهم معكم شيئًا ﴿إِلَّا خَبَالًا﴾؛ أي: إلا فسادًا وشرًّا، وأصل الخبال: اضطراب ومرض يؤثر في العقل، كالجنون، والمراد به هنا الفساد والنميمة وإيقاع الاختلاف والأراجيف، قيل: هذا الاستثناء متصل والمستثنى منه محذوف، والمعنى: ما زادوكم شيئًا إلا خبالًا، والمتصل ما كان المستثنى فيه من جنس المستثنى منه، بالخبال بعض المستثنى منه المحذوف؛ لأنه داخل في الشيء، وقيل: منقطع، والمعنى: ما زادوكم قوةً ولا شدةً، ولكن خبالًا، وقوله: ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ معطوف على ﴿مَا زَادُوكُمْ﴾ والمفعول محذوف؛ أي: ولأسرعوا ركائب نمائمهم وإفساداتهم ﴿خِلَالَكُمْ﴾؛ أي: بينكم.
والمعنى: ولأسرعوا بينكم بالإفساد، بما يختلقونه من الأكاذيب المشتملة على الإرجاف والنمائم الموجبة لفساد ذات البين، وقال الحسن: معناه: لأسرعوا بالنميمة، وخط في المصحف ﴿ولا أوضعوا﴾ بزيادة الألف؛ لأنّ الفتحة كانت تكتب ألفًا قبل الخط العربي، والخط العربي اخترع قريبًا من نزول القرآن، وقد بقي من تلك الألف أثرٌ في الطباع، فكتبوا صورة الهمزة ألفًا، وفتحها ألفًا أخرى، ونحوه: أو لا أذبحنه ذكره النسفي.
وقرأ ابن أبي عبلة (١): ﴿ما زادكم﴾ بغير واو؛ أي:. ما زادكم خروجهم إلا خبالا وفسادًا، وقرأ محمد بن القاسم: ﴿لأسرعوا بالفرار﴾ وقرأ مجاهد
стр. 4951
ومحمد بن زيد: ﴿ولأوفضوا﴾؛ أي: أسرعوا كقوله: ﴿إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ وقرأ ابن الزبير: ﴿ولأرفضوا﴾ بالراء من رفض، إذا أسرع في مشيه رفضًا ورفضانًا، والخلال جمع الخلل، وهو الفرجة بين الشيئين، وجملة قوله: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ حال (١) من فاعل أوضعوا؛ أي: ولأسرعوا فيما بينكم، حال كونهم باغين؛ أي: طالبين لكم الفتنة؛ أي: يطلبون لكم ما تفتنون به، وذلك أنهم يقولون للمؤمنين: لقد جمعوا لكم كذا وكذا، ولا طاقة لكم بهم، وإنكم ستهزمون منهم، وسيظرون عليكم، ونحو ذلك من الأحاديث الكاذبة التي تورث الجبن والفشل.
والمعنى: يطلبون لكم، ما تفتنون به بإلقاء الرعب في قلوبكم، وبإفساد نياتكم، وقيل معناه: يطلبون لكم العيب والشر، وجملة قوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ حال إما من مفعول ﴿يَبْغُونَكُمُ﴾ أو من فاعله، وجاز ذلك؛ لأنّ في الجملة ضميريهما، قال مجاهد: يعني وفيكم في خلالكم عيون لهم، يؤدون إليهم أخباركم، وما يسمعون منكم، وهم الجواسيس، فاللام على هذا المعنى للتعليل، وقال قتادة: وفيكم مطيعون لهم، يسمعون كلام المنافقين ويطيعونهم، وذلك؛ لأنهم يلقون إليهم أنواعا من الشبهات الموجبة لضعف القلب، فيقبلونها منهم، فاللام على هذا المعنى لتقوية التعدية، كقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.
فإن قلت: كيف (٢) يجوز أن يكون في المؤمنين المخلصين من يسمع ويطيع المنافقين؟
قلتُ: يحتمل أن يكون بعض المؤمنين لهم أقارب من كبار المنافقين ورؤساءهم، فإذا قالوا قولًا .. ربما أثر في قلوب ضعفة المؤمنين، في بعض الأحوال. اهـ "خازن".
ومعنى الآية (٣): لو خرج هؤلاء المنافقون المستأذنون في القعود معكم .. ما زادوكم قوةً ومنعةً وإقدامًا كما هو الشأن في القوى المتحدة في العقيدة
стр. 4952
والمصلحة، بل زادوكم اضطرابًا في الرأي، وضعفًا في القتال، ومفسدةً للنظام، كما حدث مثل ذلك في غزوة حنين، فقد ولى المنافقون الأدبار في أول المعركة، وولى على أثرهم ضعفاء الإيمان من طلقاء فتح مكة، ومن ثم اضطرب نظام الجيش، فولى أكثر المؤمنين معهم بلا تدبر وتفكير، كما هو الشأن في مثل هذه الأحوال، ولأوضعوا؛ أي: ولأسرعوا في الدخول فيما بينكم، سعيًا بالنميمة، وتفريق الكلمة، يبغون بذلك تثبيطكم عن القتال، وتهويل أمر العدو، وإيقاع الرعب في قلوبكم، وفيكم ناس من ضعفاء الإيمان، أو ضعفاء العزم، يسمعون كلامهم، فإذا ألقوا إليهم شيئًا مما يوجب ضعف العزائم .. قبلوه، وفتروا بسببه عن القيام بأمر الجهاد كما ينبغي.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ وبما يحدث منهم لو خرجوا معكم علمًا يحيط بظواهرهم وبواطنهم وأعمالهم ما تقدم منها وما تأخر، وبما هم مستعدون له في كل حال مما وقع، ومما لم يقع، فأحكامه فيهم على علم تام، لا ظن فيه ولا اجتهاد كاجتهاد الرسول ﷺ في الإذن لهم، ولا ينافي (١) حالهم هذا لو خرجوا مع رسول الله ﷺ ما تقدم من عتابه على الإذن لهم في التخلف؛ لأنه سارع إلى الإذن لهم ولم يكن قد علم من أحوالهم لو خرجوا أنهم يفعلون هذه الأفاعيل، فعوتب ﷺ على تسرعه إلى الإذن لهم قبل أن يتبين له الصادق منهم في عذره من الكاذب، ولهذا قال الله فيما يأتي في هذه السورة ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ الآية، وقال في سورة الفتح: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ وعيدٌ وتهديدٌ للمنافقين الذين يلقون الفتن والشبهات بين المؤمنين.
والخلاصة: أن وجه (٢) العتاب على الإذن في قعودهم مع ما قص الله تعالى من المفاسد التي تترتب على خروجهم أنهم لو قعدوا بغير إذن منه .. لظهر نفاقهم
стр. 4953
بين المسلمين بادئ ذي بدء فلم يستطيعوا مخالفتهم ولا السعي فيما بينهم بالأراجيف وقالة السوء التي يقبح أثرها وتسوء عاقبتها.
والذي تثبته هذه الآية: أن خروجهم شرٌّ لا خير فيه، وهو ضعف لا قوةٌ، ولكنه ﷺ لم يكن يعلم أنهم لا يخرجون إذا لم يأذن لهم؛ فهذا من أخبار الغيب التي لا يعلمها إلا الله وهو لم يعلمه قبل نزول هذه الآيات.
فقد كان من حكمة الله تعالى في تربية رسوله ﷺ وتكميله أن يبين له بعض الحقائق بعد اجتهاده فيها، لتكون أوقع في نفسه ونفس أتباعه، فيحرصون على العمل بها ولا يحكموا أهواءهم فيها، وكذلك كان السلف الصالح يسيرون على نهجه ويهتدون بهديه.
٤٨ - وعزتي وجلالي ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ﴾ أي: أي لقد ابتغى وطلب هؤلاء المنافقون إيقاع الفتنة في المسلمين وتفريق شملهم؛ أي: لقد طلبوا صد أصحابك يا محمد عن الدين وردهم إلى الكفر، وتخذيل الناس عنكم ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذه الغزوة، وهي غزوة تبوك، كما فعل عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين يوم أحد، حين انصرف بأصحابه عنكم، حين اعتزل بثلث الجيش، في موضع يسمى الشوط بين المدينة وأحدٍ، وطفق يقول للناس: أطاع النبي الولدان ومن لا رأي له، فعلام نقتل أنفسنا، وكان من رأيه عدم الخروج إلى أحد، فرجع بمن اتبعه من المنافقين، وكاد يتبعه بنو سلمة وبنو حارثة فيرجعون، ولكن عصمهما الله تعالى من الفتنة.
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾؛ أي: ودبروا لك المكايد والحيل في إبطال دينك ورد أمرك، فكان لهم خوض مع اليهود ومع المشركين في كل ما فعلا من عداوته ﷺ وقتال المؤمنين، وقرأ مسلمة من محارب (١): ﴿وقلَبوا﴾ بتخفيف اللام.
وقوله: ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ غاية للمحذوف تقديره: واستمروا على تقليب الأمور وتدبير المكايد لك وإثارة الفتنة بين المسلمين وتنفير الناس عن قبول
стр. 4954
الحق، حتى جاء الحق والنصر الإلهي الذي وعده لك ربك ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: ظهر دين الله وعلا شرعه وغلب دينه بظهور الأسباب التي تقوي شرع محمَّد ﷺ ، كالتنكيل باليهود الغادرين الناكثين للعهود، والنصر على المشركين بفتح مكة، ودخول الناس في الإِسلام أفواجًا ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم كارهون لمجيء هذا الحق وظهور أمر الله، ولكن كان ذلك على رغم أنف منهم.
وفي الآيتين (١) تسليةٌ لرسوله ﷺ والمؤمنين على تخلف المنافقين، وبيان ما ثبطهم الله تعالى، لأجله، وكره انبعاثهم له، وهتك أستارهم، وكشف أسرارهم، وإزاحة اعتذارهم، تداركًا لما فوت الرسول ﷺ بالمبادرة إلى الإذن، ولذلك عوتب عليه.
٤٩ - ﴿وَمِنْهُمْ﴾؛ أي: ومن هؤلاء المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ لك يا محمَّد ﴿ائْذَنْ لِي﴾ في القعود في المدينة ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾؛ أي: ولا توقعني في الفتنة؛ أي: في العصيان والمخالفة، بأن لا تأذن لي فإنك إن منعتني من القعود، وقعدت بغير إذنك .. وقعت في الإثم، وقيل معناه: لا توقعني في الهلكة بالخروج، وقيل معناه أي: ومن المنافقين ناسٌ يستأذنوك في التخلف عن القتال، حتى لا يفتنوا بنساء الروم، روى ابن أي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: لجد بن قيس: يا جد، هل لك في جلاد بني الأصفر؛ أي: في جهاد ملوك الروم، قال الجد: يا رسول الله، قد علمت الأنصار أني مغرم بالنساء، فلا تفتني ببنات بني الأصفر، وإني أخشى إن رأيتهن .. أن لا أصبر عنهم، ولكني أعينك بمالي، فقال رسول الله ﷺ ، وهو معرضٌ عنه: "قد أذنت لك" فنزلت الآية، كما سبق في مبحث الأسباب، وبنو الأصفر هم أولاد الأصفر بن روم بن عيصو بن إسحاق، أو لأن جيشًا من الحبشة غلب عليهم، فوطىء نساءهم فولد لهم أولادٌ صفر، اهـ "قاموس".
стр. 4955
وقد ردَّ الله شبهته وشبهة من وافقه عليها، بقوله: ﴿أَلَا﴾؛ أي: انتبهوا أيها المخاطبون ﴿فِي الْفِتْنَةِ﴾ العظيمة، وهي فتنة التخلف عن الجهاد، والاعتذار الباطل، ﴿سَقَطُوا﴾؛ أي: وقعوا.
والمعنى (١): أنهم ظنوا أنهم بالخروج أو بترك الإذن لهم يقعون في الفتنة، وهم بهذا التخلف سقطوا في الفتنة العظيمة، فإن أعظم أنواع الفتن الكفر بالله ورسوله، والتمرد عن قبول التكليف؛ أي (٢): فليعلموا أنهم بمقالتهم هذه سقطوا، وتردوا في هاوية الفتنة، حيث اعتذروا بالمعاذير الكاذبة، من حيث يزعمون إتقاء التعرض للإثم، ثم بالنظر إلى جمال نساء الروم، وشغل القلب بمحاسنهم، وفي التعبير (٣) بالسقوط ما يشعر بأنهم وقعوا فيها وقوع من يهوي من أعلى إلى أسفل، وذلك أشد من مجرد الدخول في الفتنة.
وقرا ورشٌ (٤): بتخفيف همزة ﴿ائْذَن ليِ﴾ بإبدالها واوًا لضمة ما قبلها، وقال النحاس ما معناه: إذا دخلت الواو أو الفاء على إئذن، فهجاؤها في الخط ألف وذال، ونون بغير ياء، أو ثم فالهجاء ألف وياء وذال ونون، والفرق: أن ثم يوقف عليها، وتنفصل بخلافهما، وقرأ عيسى بن عمرو ﴿ولا تُفتني﴾ بضم التاء الأولى من أفتن، الرباعي، قال أبو حاتم: هي: لغة تميم، وهي أيضًا قراءة ابن السميقع، ونسبها ابن مجاهد إلى إسماعيل المكي، وجمع الشاعر بين اللغتين فقال:
لَئِنْ فَتَنَتْنِي فَهِيَ بِالأَمْسِ أَفْتَنَتْ ... سَعِيْدا فأَمْسَى قَدْ قَلَا كُلَّ مُسْلِمِ
وقرىء (٥): ﴿سقط﴾؛ أي: مراعة للفظ من.
ثم توعدهم على ذلك، فقال: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾؛ أي: مشتملة عليهم من جميع الجوانب، لا يجدون عنها مخلصًا، ولا يتمكنون من
стр. 4956
الخروج منها بحال من الأحوال.
أي: وإن النار لمطيفة بمن كفر باللهِ، وجحد آياته وكذب رسله، جامعةٌ لهم يوم القيامة، وكفى بها نكالًا ووبالًا. وهذا وعيد لهم على الفتنة التي تردوا فيها، وبيانٌ بأن عقابهم بإحاطة جهنم بهم عقاب على الكفر الذي حملهم على ذلك الاعتذار، وإنما تحيط النار بمن أحاطت بهم خطاياهم، حتى لا رجاء في توبتهم منها، كما قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)﴾.
٥٠ - ﴿إِنْ تُصِبْكَ﴾ يا محمَّد في بعض الغزوات، كيوم بدر ﴿حَسَنَةٌ﴾ من ظفر أو غنيمةٍ أو انقياد بعض ملوك الأطراف ﴿تَسُؤْهُمْ﴾؛ أي: تحزنهم لشدة عداوتهم لك، والحسنة: كل ما يسر النفس حصوله من غنيمة ونصر ونحوهما؛ أي: إن كل ما يسرك من النصر والغنيمة، كما حدث يوم بدر يورثهم كآبة وحزنًا لفرط حسدهم وشدة عدواتهم، ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ﴾ في بعض الغزوات ﴿مُصِيبَةٌ﴾؛ أي: شدة، وإن صغرت كانكسار جيش وهزيمة كما حدث يوم أحد ﴿يَقُولُوا﴾ معجبين بآرائهم حامدين ما صنعوا ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾؛ أي: أخذنا حذرنا وعملنا بالحزم، ولزمنا بالاحتياط حين اعتزلنا عن المسلمين، وتخلفنا عن الخروج معهم للقتال، وجاملنا مع الكفرة ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذه المصيبة، ولم نلق بأيدينا إلى الهلاك.
والمعنى: احتطنا لأنفسنا، وأخذنا بالحزم، فلم نخرج إلى القتال كما خرج المؤمنون حتى نالهم من المصيبة ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾؛ أي: وينصرفوا ويرجعوا إلى أهلهم عن مقامات الاجتماع ومواطن التحدث التي يقولون فيها هذا القول، أو يعرضوا عن النبي ﷺ ، ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ فرح البطر والشماتة، ومسرورون بما أصابك من المصيبة وبسلامتهم منها.
فإن قلت: لم قابل الله هنا الحسنة بالمصيبة، ولم يقابلها بالسيئة، كما قال: في سورة آل عمران ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا﴾؟
قلت: لأنّ الخطاب هنا للنبي ﷺ ، وهي في حقه مصيبة يثاب عليها، لا
стр. 4957
سيئة يعاتب عليها، والتي في آل عمران خطاب للمؤمنين اهـ "شهاب".
٥١ - ثُمَّ لما قالوا هذا القول .. أمر الله رسوله ﷺ بأن يجيب عليهم بقوله: ﴿قُل﴾ يا محمد لهؤلاء المنافقين، الذين يفرحون بمصائبك ويحزنون بمسارك بيانًا، لبطلان اعتقادهم ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾؛ أي: إلا ما خط لنا، وكتب علينا في اللوح المحفوظ، بحسبه سننه تعالى في خلقه، من نصر وغنيمة، أو تمحيص وشهادة، ولا يتغير ذلك بموافقتكم أو مخالفتكم، فالأمور كلها بقضائه تعالى.
والمعنى: لن يصيبنا، ولن يحصل لنا خيرٌ ولا رخاء، ولا أمن، ولن يقع علينا شر ولا شدة ولا خوف، إلا وهو مقدر لنا، مكتوب علينا عند الله ، فإذا صرنا مغلوبين صرنا مستحقين للأجر العظيم، وإن صرنا غالبين صرنا مستحقين للثواب في الآخرة، وفزنا بالمال الكثير والثناء الجميل في الدنيا ﴿هُوَ﴾ ﴿مَوْلَانَا﴾؛ أي: ناصرنا ومتولي أمورنا بتوفيقنا ونصرنا، وجاعل العاقبة لنا، ومظهر دينه على جميع الأديان ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ ، لا على غيره ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: فليعتمد المؤمنون، وليتقوا به؛ أي: فنحق نتوكل عليه ونلتجأ إليه، فلا نيأس عند شدة ولا نبطر عند نعمةٍ.
ومن حق (١) المتوكل على الله وحده أن يقوم بما أوجبه عليه في شرعه، ويهتدي بسننه في خلقه، عن الأخذ بأسباب النصر المادّية والمعنوية، كإعداد العدة، وإتقاء التنازع الذي يولد الفشل ويفرق الكلمة، ثم بعد ذلك يكل الأمر إلى الله فيما لا تصل إليه الأيدي من الأسباب ويتوقف عليه حصول النجاح.
ويقابل التوكل بهذا المعنى إتكال الماديين على حولهم وقوتهم وحدها، حتى إذا أدركهم العجز خانهم الصبر، وأدركهم اليأس، حين حلول البأس واتكال ذوي الأوهام الذين يتعلقون بالأماني والأحكام حتى إذا ما استبان لهم فساد أوهامهم .. نكصوا على أعقابهم، وكفروا بوعد ربهم بنصر المؤمنين، وهو إنما
стр. 4958
وعد أولياءه لا أولياء الشيطان وذوي الخرافات والأوهام وقرأ (١) ابن مسعود، وابن مصرف: ﴿هل يصيبا﴾ مكان ﴿لَنْ يُصِيبَنَا﴾ وقرأ ابن مصرف أيضًا، وأعْيَنُ قاضي الري: ﴿هل يصيبنا﴾ بتشديد الياء، وهو مضارع فَيْعَلَ، نحو: بيطر، لا مضارع فَعَّلَ، إذ لو كان كذلك لكان صوب مضعف العين.
٥٢ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المنافقين ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ﴾ وتنتظرون ﴿بِنَا﴾ أيا الجاهلون ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ أي: إلا إحدى العاقبتين الحسنتين، إما النصرة، أو الشهادة، وكلاهما مما يحسن لدينا، فالنصرة مآلها إلى الغلبة والاستيلاء، والشهادة مآلها إلى الجنة، والحسنى: تأنيث الأحسن، والاستفهام (٢) فيه للتقريع والتوبيخ مع الإنكار؛ أي: ما تنتظرون بنا إلا إحدى الحالتين الشريفتين، النصر أو الشهادة، وذلك لأن (٣) المسلم إذا ذهب إلى الغزو، فإن صار مغلوبًا مقتولًا .. فاز بالاسم الحسن في الدنيا، وهي الرجولية والشوكة، وبالثواب العظيم الذي أعده الله للشهداء في الآخرة، وإن صار غالبًا .. فاز في الدنيا بالمال الحلال، والاسم الجميل، وفي الآخرة بالثواب العظيم، وقرأ البزي وابن فليح: ﴿هل تربصون﴾ بإظهار اللام، وتشديد التاء، وقرأ الكوفيون: بإدغام اللام في التاء، وقرأ الباقون: بإظهار اللام، وتخفيف التاء، ﴿وَنَحْنُ﴾ معاشر المؤمنين ﴿نَتَرَبَّصُ﴾ وننتظر ﴿بِكُمْ﴾ أيها المنافقون إحدى السوأتين؛ أي: إحدى الحالتين الخسيستين، إما ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾؛ أي: بقارعة سماوية، لا كسب لنا فيها، كما فعل بالأمم المكذبة لرسلها، كأن ينزل عليكم صاعقةً من السماء، كما نزلت على عاد وثمود ﴿أَوْ﴾ بعذاب ﴿بِأَيْدِينَا﴾ وهو القتل على الكفر؛ أي: أو أن يأذن لنا بقتالكم إن أغراكم الشيطان بإظهار كفركم؛ أي: إنَّ (٤) المنافق إذا قعد فيه بيته .. كان مذمومًا منسوبًا إلى الجبن وضعف القلب، والرضا بأمر يشاركه فيه النسوان والصبيان والعاجزون، ثم يكون أبدًا خائفًا على نفسه وولده وماله، وإن إذن الله في قتله .. وقع في القتل والأسر والنهب مع
стр. 4959
الذل، وإن مات .. انتقل إلى العذاب الدائم في الآخرة.
والمعنى: أو يصيبكم بأيدي المؤمنين، بأن يظفرنا بكم، ويظهرنا عليكم، وقرأ ابن محيصن (١): ﴿إلا حدى﴾ بإسقاط الهمزة، قال ابن عطية: فوصل ألف إحدى، وهذه لغة، وليست بالقياس، وهذا نحو قول الشاعر:
يَابَا الْمُغِيْرَةِ رُبَّ أَمْرٍ مُعْضَلٍ
وقول الآخر:
إِنْ لَمْ أُقاتِل فَالبِسَنِّي بُرْقُعَا
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ بنا إحدى الحالتين الشريفتين ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾؛ أي: منتظرون وقوعكم في إحدى الحالتين الخسيستين، وقال الحسن (٢): فتربصوا مواعيد الشيطان، إنا متربصون مواعيد الله من إظهار دينه واستئصال من خالفه.
والمعنى: فتربصوا بنا إنا معكم متربصون من عاقبتنا وعاقبتكم، إن أصررتم على كفركم، وظهر أمركم، فنحن على بينة من ربنا، ولا بينة لكم، فإذا لقي كل منا ومنكم ما يتربصه، لا نشاهد إلا ما يسوؤكم، ولا تشاهدون إلا ما يسرنا، والدين لا يأمر بقتل المنافق ما دام يظهر الإسلام، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة.
٥٣ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المنافقين القائلين: ذرونا نكن مع القاعدين، ونعينكم بالأموال، كالجد بن قيس وأشباهه حين قال للنبي ﷺ : إئذن لي في القعود، وهذا مالي أعينك به، كما مر في مبحث الأسباب.
﴿أَنْفَقُوا﴾ أموالكم ﴿طَوْعًا﴾ واختيارًا؛ أي: من غير إلزام من الله ورسوله ﴿أَوْ كَرْهًا﴾؛ أي: إلزامًا، منهما وسمى (٣) الإلزام إكراهًا؛ لأن إلزام المنافقين بالإنفاق كان شاقًّا عليهم كالإكراه.
стр. 4960
والمعنى (١): أنفقوا طائعين، من قبل أنفسكم أو مكرهين بالإنفاق بإلزام الله ورسوله إياكم بالإنفاق ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ ذلك الإنفاق؛ لأن هذا الإنفاق إنما وقع لغير الله، وهذه الآية وإن كانت خاصة في إنفاق المنافقين .. فهي عامة في حق كل من أنفق ماله لغير وجه الله، بل أنفقه رياء وسمعة، فإنه لا يقبل منه.
وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي النساء والأحقاف (٢): ﴿كرها﴾ بضم الكاف، وقرأ عاصم وابن عامر في الأحقاف: بالضم، من المشقة، وفي النساء والتوبة: بالفتح، من الإكراه، والباقون: بفتح الكاف في جميع ذلك.
وقال الشوكاني قوله: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ هذا الأمر معناه الشرط والجزاء؛ لأن الله سبحانه لا يأمرهم بما لا يتقبله منهم، والتقدير: إن أنفقتم طائعين أو مكرهين .. فلن يتقبل منكم، وقيل: هو أمر في معنى الخبر؛ أي: أنفقتم طوعًا أو كرهًا لن يتقبل منكم، فهو كقوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وفيه الإشعار بتساوي الأمرين في عدم القبول.
وجملة قوله: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ تعليل لعدم قبول إنفاقهم، والفسق: التمرد والعتوُّ، والمراد به هنا: الكفر؛ أي: لأنكم كنتم قوما منافقين؛ أي: كافرين في الباطن.
وخلاصة معنى الآية: قل أيها الرسول لهؤلاء المنافقين: أنفقوا من أموالكم ما شئتم في الجهاد، أو في غيره من النفقات التي أمر الله بها وحث في شرعه عليها حال التطوع تقيةً وحفظًا للنفس وكرهًا وخوفًا من العقوبة، فمهما أنفقتم فلن يتقبل منكم ما دمتم في شك مما جاء به الرسول من الدين والجزاء على الأعمال في الآخرة؛ لأنكم قوم فاسقون؛ أي: خارجون من دائرة الإيمان، والله إنما يتقبل من المؤمنين.
٥٤ - ثم بين السبب المانع من قبول نفقاتهم، فقال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾؛ أي: وما منع هؤلاء المنافقين قبول نفقاتهم ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ
стр. 4961
كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾؛ أي: إلا كفرهم بالله وبرسوله ﷺ ، والاستثناء (١) من أعم الأشياء؛ أي: ما منعهم قبول نفقاتهم شيءٌ من الأشياء إلا كفرهم و ﴿ما﴾ عطف عليه.
وقرأ حمزة والكسائي وزيد بن علي (٢): ﴿أن يُقْبل﴾ بالياء، وباقي السبعة: بالتاء، و ﴿نَفَقَاتُهُمْ﴾ بالجمع، وزيد بن علي بالإفراد، وقرأ الأعرج بخلاف عنه: ﴿أن تقبل﴾ بالتاء، من فوق نفقتهم بالإفراد، وفي هذه القراءات، الفعل مبني للمفعول، وقرأت فرقة: ﴿أن نَقْبَل منهم نفقتهم﴾ بالنون ونصب النفقة، وقال الزمخشري: وقراءة السلمي: ﴿أن نقبل منهم نفقاتهم﴾ على أن الفعل لله تعالى. انتهى.
والمعنى: أي وما منع (٣) قبول نفقاتهم، إلا كفرهم بالله وصفاته على الوجه الحق، وكفرهم برسالة رسوله، وما جاء به عن الهدى والبينات ﴿و﴾ إلا أنهم ﴿لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى﴾؛ أي: وإلا عدم إتيانهم مواضع فعل الصلاة ومساجدها إلا وهم كسالى، جمع كسلان؛ أي: متثاقلون في الإتيان إلى الصلاة، وذلك؛ لأنهم لا يرجون على فعلها ثوابًا ولا يخافون على تركها عقابًا، فلذل ذمهم مع فعلها، والمعنى: ولا يصلون إلا رياء وتقية، لا إيمانًا بوجوبها، ولا قصدًا إلى ثوابها واحتسابًا لأجرها، ولا تكميلًا لأنفسهم بما شرعه الله تعالى، لأجلها لأنها لا يأتونها إلا وهم متثاقلون كسالى، لا تنشرح لها نفوسهم، ولا تنشط لها أبدانهم، ﴿و﴾ إلا أنهم ﴿لا ينفقون﴾ أموالهم في مصالح الجهاد وغيره ﴿إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ لذلك الإنفاق غير طيبة به أنفسهم، لأنهم يعدون هذه النفقات مغارم تضرب عليهم ينتفع بها المؤمنون، وهم ليسوا منهم، فلا نفع لهم بما أنفقوا لا في الدنيا - وهو واضح - ولا في الآخرة، إذ لا يؤمنون بها.
والحاصل: أنه جعل (٤) المانع من القبول، ثلاثة أمور:
стр. 4962
الأول: الكفر.
والثاني: أنهم لا يصلون في حال من الأحوال إلا في حال الكسل والتثاقل؛ لأنهم لا يرجون ثوابًا، ولا يخافون عقابًا، فصلاتهم ليست إلا رياءً للناس، وتظهرًا بالإسلام الذي يبطنون خلافه.
والثالث: أنهم لا ينفقون أموالهم إلا وهم كارهون، ولا ينفقونها طوعًا؛ لأنهم يعدون إنفاقها وضعًا لها في ضيعة لعدم إيمانهم بما وعد الله ورسوله.
وعبارة "زاده": أي (١) ما منعهم قبول نفقتهم إلا كفرهم وكسلهم في إتيان الصلاة، وكونهم كارهين الإنفاق. انتهت.
فإن قيل (٢): الكفر سبب مستقل، لعدم القبول، فما وجه التعليل بمجموع الأمور الثلاثة، وعند حصول السبب المستقل، لا يبقى لغيره أثر؟
قلنا: أجاب الإمام بأنه إنما يتوجه على قول المعتزلة، القائلين: بأن العلل مؤثرة في الحكم، وأما أهل السنة، فإنهم يقولون هذه الأسباب معرفةٌ غير موجبة للثواب ولا للعقاب، واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد جائزٌ. اهـ "شهاب".
٥٥ - والخطاب في قوله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ﴾ يا محمد ﴿أَمْوَالُهُمْ﴾؛ أي: كثرة أموالهم ﴿ولا أولادهم﴾؛ أي: ولا كثرة أولادهم، الخطاب للنبي ﷺ ، ولكن المراد جميع المؤمنين، والسامعين، أي فلا تعجبك أيها السامع كثرة أموالهم ولا أولادهم التي هي من أكبر النعم وأجلها ولا يجولن بخاطرك أنهم قد صغا لهم، نعيمها في الدنيا، وقد حرموا ثوابها في الآخرة، فإن ذلك استدراج ووبال لهم، كما أشار إليه بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾؛ أي: بتلك الأموال والأولاد ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بما يحصل لهم من الغم الحزن، عندئذٍ
стр. 4963
يغنمها المسلمون، ويأخذوها قسرًا من أيديهم، مع كونها زينة حياتهم، وقرة أعينهم، وكذا في الآخرة، يعذبهم بعذاب النار، بسبب عدم الشكر لربهم الذي أعطاهم ذلك، وترك ما يجب عليهم من الزكاة فيها، والتصدق بما يحق التصدق به.
وقيل (١): إن سبب كون المال والولد عذابًا في الدنيا: هو ما يحصل من المتاعب والمشاق في تحصيلهما، فإذا حصلا، ازداد التعب وتحمل المشاق في حفظهما، ويزداد الحزن والغم بسبب المصائب الواقعة فيهما، فعلى هذا القول لا حاجة إلى التقديم والتأخير في نظم الآية، وأورد على هذا القول بأن هذا التعذيب حاصلٌ لكل أحد من بني آدم، مؤمنهم وكافرهم، فما فائدة تخصيص المنافقين بهذا التعذيب في الدنيا؟
وأجيب عن هذا الإيراد: بأنَّ المنافقين مخصوصون بزيادة من هذا التعذيب، وهو أنَّ المؤمن قد علم أنه مخلوق للآخرة، وأنه يثاب بالمصائب الحاصلة له في الدنيا، فلم يكن المال والولد في حقه عذابًا في الدنيا، وأما المنافق .. فإنه لا يعتقد كون الآخرة له، وأنه ليس له فيها ثواب، فبقي ما يحصل له في الدنيا من التعب والشدة، والغم والحزن على المال والولد عذابًا عليه في الدنيا، فثبت بهذا الاعتبار أنَّ المال والولد، عذاب على المنافقين في الدنيا دون المؤمنين.
وقال مجاهد وقتادة (٢): في الآية تقديم وتأخير، تقديرها: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة؛ لأنهم منافقون، فهم ينفقون كارهين، فيعذبون بما ينفقون ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: ويريد الله ، أن تخرج أرواحهم ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم كافرون، لعدم قبولهم لما جاءت به الأنبياء، وأرسلت به الرسل، وتصميمهم على الكفر وتماديهم في الضلالة، فيعذبون بها في الآخرة إثر ما عذبوا بها في الدنيا، لموتهم على الكفر الذي يحبط أعمالهم.
٥٦ - ثم ذكر الله نوعًا آخر من قبائح المنافقين، فقال: ﴿وَيَحْلِفُونَ
стр. 4964
بِاللَّهِ﴾؛ أي: ويحلف هؤلاء المنافقون بالله للمؤمنين كذبًا إذا جالسوهم ﴿إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾؛ أي: لمن جملتكم في الدين، والملة، والانقياد لرسول الله ﷺ ولكتاب الله سبحانه ﴿وَمَا هُمْ﴾؛ أي: والحال أنهم ليسوا ﴿مِنْكُمْ﴾ يا معشر المؤمنين في ذلك إلا بمجرد ظواهرهم، دون بواطنهم؛ أي: ليسوا من أهل ملتكم ودينكم بل هم أهل شك ونفاق ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾؛ أي: يخافونكم، فيقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم؛ أي: يخافون أن ينزل بهم، ما نزل بالمشركين من القتل والسبي، فيظهرون لكم الإسلام، ويحلفون لكم تقيةً منكم، لا عن حقيقة
٥٧ - ﴿لَوْ يَجِدُونَ﴾؛ أي: لو وجد هؤلاء المنافقون ﴿مَلْجَأً﴾؛ أي مهربًا وحرزًا، يلتجؤون إليه، ويحفظون فيه نفوسهم، تحصنًا منكم، من رأس جبل أو قلعه أو جزيرة ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ جمع مغارة، بمعنى: غار؛ أي: كهوفًا في الجبل، يخفون فيها أنفسهم ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾؛ أي: مكانًا يدخلون فيه من الأمكنة التي ليست مغارات؛ أي: سربًا تحت الأرض يندسون ويختفون فيه منكم كالآبار، وأنفاق اليربوع، وقوله: أو مغارات أو مدخلًا من عطف الخاص على العام، لدخولهما في الملجأ ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾؛ أي: للتجؤوا إليه وأدخلوا أنفسهم فيه؛ أي: لو حصلوا واحدًا من هذه الثلاثة، لولَّوا إليه؛ أي لصرفوا وجوههم ورجعوا إليه؛ أي: إلى أحد هذه الوجوه الثلاثة، التي هي شرُّ الأمكنة ﴿وَهُمْ﴾ أي: والحال أنهم ﴿يَجْمَحُونَ﴾؛ أي: يسرعون إليه إسراعا لا يرد وجوههم عنه شيء، لشدة تأذيهم من الرسول، ومن المؤمنين من جمح الفرس إذا لم يرده اللجام، والمعنى: لو (١) وجدوا شيئًا من هذه الأشياء المذكورة، لولَّوا إليه مسرعين هربًا من المسلمين.
والخلاصة: (٢) أنهم لشدة كرههم للقتال معكم، ولبغض معاشرتهم إياكم ولعظيم الخوف من ظهور نفاقهم لكم، يتمنون الفرار منكم، والعيش في مكان يعتصمون به من انتقاكم منهم، حتى لو استطاعوا السكنى في الحصون والقلاع، أو في كهوف الجبال ومغاراتها، أو في أنفاق الأرض وأسرابها .. لولَّوا إليه
стр. 4965
مسرعين، كالفرس الجموح، لا يردهم شيء عن ذلك.
وإنما وصفهم الله بتلك الأوصاف؛ لأنهم إنما أقاموا بين أظهر أصحاب رسول الله ﷺ مع كفرهم ونفاقهم وعداوتهم لهم؛ لأنهم كانوا بين عشيرتهم وفي دورهم وأموالهم، ولم يقدروا على ترك ذلك وفراقه، فصانعوا القوم بالنفاق، ودافعوا عن أنفسهم وأموالهم وأولادهم بإخفاء الكفر، ودعوى الإيمان، وفي أنفسهم ما فيها من البغض لرسول الله، ولأهل الإيمان به، وبالغ الحقد عليهم.
وعبارة "زاده" هنا: أي إنهم (١) وإن كانوا يحلفون لكم أنهم منكم، إلا أنهم كاذبون في ذلك وإنما يحلفون خوفًا من القتل، ولو استطاعوا ترك دورهم وأموالهم والالتجاء إلى بعض الحصون والغيران، والسروب التي تحت الأرض، لدخلوه تسترًا عنكم واستكراهًا لرؤيتكم ولقائكم، انتهت.
وقرأ الجمهور: ﴿مُدَّخَلًا﴾ وأصله مدتخل، مفتعل، من ادَّخل، وهو بناء تأكيد ومبالغةٍ، ومعناه: السرب والنفق في الأرض كما مر وقال النحاس: الأصل فيه متدخلٌ، قلبت التاء دالًا، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ومسلمة بن محارب وابن محيصن ويعقوب وابن كثير بخلاف عنه ﴿مُدَّخَلًا﴾ بفتح الميم من دخل الثلاثي. وقرأ محبوب عن الحسن: ﴿مُدَّخَلًا﴾ بضم الميم من أدخل الرباعي، وروي ذلك عن الأعمش وعيسى بن عمر، وقرأ قتادة وعيسى بن عمر والأعمش ﴿مُدَّخَلًا﴾ بتشديد الدال والخاء معا، أصله متدخَّلٌ، فأدغمت التاء في الدال وقرأ أبي ﴿مُندَخلًا﴾ بالنون من إنْدخَل، وقال أبو حاتم قراءة أُبيٌّ ﴿مُتْدَخَّلًا﴾ بالتاء وقرأ الأشهب العقيلي ﴿لوالوا إليه﴾؛ أي: لتابعوا إليه، وسارعوا، وروى ابن أبي عبيدة بن معاوية بن نوفل، عن أبيه عن جده، وكانت له صحبةٌ أنه قرأ: ﴿لوالوا إليه﴾ من الموالاة، وأنكرها سعيد بن مسلم، وقال: أظنها ﴿لَوألوا﴾ بمعنى للجؤوا إليه، وقال أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد الرازي: وهذا مما جاء فيه
стр. 4966
فاعل وفعل بمعنى واحد، ومثله ضاعف وضعف، انتهى. وقال الزمخشري: وقرأ أبيٌّ ﴿متدخلًا لوألُوا إليه﴾؛ أي: لالتجووا إليه، انتهى، وعن أبيٍّ ﴿لَولَّوا وجوههم إليه﴾ وقرأ أنس بن مالك والأعمش ﴿وهم يَجْمَزون﴾ قيل: يجمحون ويجمزون ويشدون واحدٌ، وقال ابن عطية يجمزون يُهَرْولون، ومنه قولهم في حديث الرجم: "فلما أذلقته الحجارة جمز".
ولمَّا (١) كان العطف بـ ﴿أو﴾ عاد الضمير إليه مفردًا، على قاعدة النحو في ﴿أوْ﴾ فاحتمل من حيث الصناعة أن يعود على الملجأ، أو على المدخل، فلا يحتمل في الظاهر أن يعود على المغارات لتذكيره، وأما بالتأويل فيجوز أن يعود عليها.
٥٨ - ثم شرع في ذكر نوع آخر من قبائحهم فقال: ﴿وَمِنْهُمْ﴾؛ أي: ومن هؤلاء المنافقين ﴿مَنْ يَلْمِزُكَ﴾ يا محمد ويعيبك سرًّا ويطعن عليك ﴿فِي﴾ قسمة ﴿الصَّدَقَاتِ﴾ والزكوات المفروضة بين الناس إذ يزعمون أنك تحابى فيها، وتؤتي من تشاء من الأقارب وأهل المودة، ولا تراعي العدل في ذلك، قيل: وفر الرسول ﷺ قسم أهل مكة في الغنائم استعطافًا لقلوبهم، فضجَّ المنافقون. وقرأ الجمهور: ﴿يَلْمِزُكَ﴾ بكسر الميم مخففة، وقرأ يعقوب وحماد بن سلمة، عن ابن كثير والحسن: وأبو رجاء وغيرهم: بضمها، وهي قراءة المكيِّين، ورويت عن أبي عمرو. وقرأ الأعمش: ﴿يُلَمِّزكُ﴾، بالتشديد، وروى أيضًا حماد بن سلمة، عن ابن كثير: ﴿يلامزك﴾ وهي مفاعلة من واحدٍ، ثم بيَّن سبحانه أسباب هذا اللَّمْز، وأن منشأه حرصهم على حطام الدنيا، فقال: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا﴾؛ أي: فإن أعطي هؤلاء اللامزون ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من الصدقات، قدر ما يريدون في الكثرة، ولو بغير حق، كأن أظهروا الفقر كذبًا واحتيالًا ﴿رَضُوا﴾ بما وقع من رسول الله ﷺ ، ولم يعيِّبوه، واستحسنوا قسمته، وذلك لأنه لا مقصد لهم إلا حطام الدنيا، وليسوا من الدين في شيء ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا﴾؛ أي: من الصدقات
стр. 4967
ما يريدونه ويطلبونه ﴿إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾؛ أي: فاجئوك بالسخط، وبادروك بالغضب واللمز، وإن لم يكونوا مستحقين للعطاء، إذ لا هَمَّ لهم، إلا المنفعة الدنيوية، ونيل حطام الدنيا. وفائدة إذا الفجائية إفادة أنَّ الشرط مفاجىء للجزاء، وهاجمٌ عليه، وقد ثابت إذا الفجائية مناب فاء الجزاء على حد قوله:
وَتَخْلُفُ الْفَاءَ إِذَا المُفَاجَأَهْ
والأصل فهم يسخطون.
٥٩ - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: ما أعطاهم الله تعالى من الغنائم وغيرها، وذكر (١) الله للتعظيم والتنبيه على أنَّ ما فعله الرسول، كان بأمره تعالى، والأصل ما أتاهم الله ﴿و﴾ أعطاهم ﴿رسوله﴾ ﷺ ، بقسمة الغنائم والصدقات، كما أره الله تعالى ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾؛ أي: كافينا الله في كل حال ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ﴾؛ أي: وسيعطينا الله سبحانه ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ ورزقه بما يرد علينا من الغنائم والصدقات ﴿و﴾ يقسم لنا ﴿رسوله﴾ على وفق ما أمره الله تعالى به، لا يبخس أحدًا منَّا شيئًا يستحقه في شرع الله، وقالوا: ﴿إِنَّا إِلَى﴾ فضل ﴿اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ وفي رزقه طامعون، أي: وقالوا: إنا إلى الله نرغب في أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا عن الصدقة وغيرها من صلات الناس والحاجة إليهم، والآية بأسرها في حيز الشرط، والجواب محذوف، تقديره: لكان خيرًا لهم، أي: لو فعلوا ذلك المذكور .. لكان خيرًا لهم من الطمع في غير مطمع، ومن همز الرسول ولمزه.
والخلاصة (٢): أنهم لو رضوا من الله نعمته، ومن الرسول قسمته، وعلقوا أملهم بفضل الله وكفايته، وبما سينعم به عليهم في مستأنف الأيام، وبأن الرسول يعدل في القسمة .. لكان في ذلك الخير كل الخير لهم.
وفي ذلك إيماءٌ إلى أن المؤمن يجب أن يكون قانعًا بكسبه، وما يناله بحق من صدقة ونحوها، مع توجيه قلبه إلى ربه، ولا يرغب إلا إليه في الحصول على
стр. 4968
رغائبه التي وراء كسبه وحقوقه الشرعية.
٦٠ - ولمَّا لمز (١) المنافقون رسول الله ﷺ عابوه في قسم الصدقات .. بيَّن الله في هذه الآية، أن المستحقين للصدقات هؤلاء الأصناف الثمانية، ومصرفها إليهم، ولا تعلق لرسول الله ﷺ منها بشيءٍ، ولم يأخذ لنفسه منها شيئًا، فلم يلمزونه ويعيبون عليه؟ فلا مطعن لهم فيه، بسبب قسم الصدقات، فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾؛ أي: إنما الزكوات الواجبة مصروفةٌ ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ وما عطف عليه من سائر الأصناف السبعة، وإنما أداة حصرٍ، وتعريف الصدقات للجنس؛ أي: جنس هذه الصدقات مقصورٌ على هذه الأصناف المذكورة، لا يتجاوزها، بل هي لهم لا لغيرهم، وقد اختلف العلماء، هل يجب تقسيط الصدقات على هذه الأصناف الثمانية، أو يجوز صرفها إلى البعض دون البعض على حسب ما يراه الإمام أو صاحب الصدقة؟ فذهب إلى الأول: الشافعي وجماعةٌ من أهل العلم، وذهب إلى الثاني: مالك وأبو حنيفة، وبه قال عمر وحذيفة وابن عباس وغيرهم.
الأول منها: الفقراء، جمع فقير وهو (٢) من لا مال له ولا كسب يقع موقعًا من حاجته، بأن لم يكن له مالٌ ولا كسبٌ أصلًا، أو كانا له ولا يقعا موقعًا من كفايته، كمن يحتاج إلى عشرة، وكان عنده أربعة وما دونها، مأخوذ من الفقار، كأنه أصيب في فقاره، وهو أسوأ حالًا من المسكين.
وثانيهما: ما ذكره بقوله ﴿و﴾ مصروفة لـ ﴿المساكين﴾ جمع مسكين، والمسكين: من له مال، أو كسب، يقع موقعًا من كفايته ولا يكفيه تمام حاجته، كمن يحتاج إلى عشرة وعنده خمسةٌ، أو ما فوقها إلى تسعة، ومعنى وقوعه موقعًا من كفايته: أن يسد نصف حاجته، وما فوقه دون تمامها، مأخوذٌ من السكون، كأنَّ العجز أسكنه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ وأنه ﵇ كان يسأل المسكنة، ويتعوذ من الفقر، وقيل: بالعكس، لقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾.
стр. 4969
والأولى في بيان ماهية المسكين (١): ما ثبت عن رسول الله ﷺ عند البخاري ومسلم وغيرهما، من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: "ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان" قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا".
والصنف الثالث: ما ذكره بقوله ﴿و﴾ مصروفةٌ لـ ﴿العاملين عليها﴾؛ أي: على الصدقات من جابٍ وقاسم وكاتب وحاشر، وهم (٢) السعاة الذين يتولون جباية الصدقات وقبضها من أهلها، ووضعها في جهتها، فيعطون من مال الصدقات بقدر أجور أعمالهم، سواء كانوا فقراء أو أغنياء، هذا قول ابن عمر، وبه قال الشافعي وقال مجاهد والضحاك: يعطون الثمن من الصدقات، وظاهر اللفظ مع مجاهد إلا أنَّ الشافعي، يقول: هو أجرة عمل، تتقدر بقدر العمل، والصحيح أن الهاشمي والمطلبيَّ لا يجوز أن يكون عاملًا على الصدقات، لما روي عن أبي رافع أنَّ رسول الله ﷺ استعمل رجلًا من بني مخزوم على الصدقات، فأراد أبو رافع أن يتبعه فقال رسول الله ﷺ : "لا تحل لنا الصدقة، وإن مولى القوم منهم". أخرجه الترمذي والنسائي.
والصنف الرابع: ما ذكره بقوله ﴿و﴾ مصروفةً لـ ﴿المؤلفة قلوبهم﴾ أي: ومصروفةٌ لأقوام ضعفاء النية في الإسلام، فتستألف قلوبهم على الإسلام بإعطائهم من الزكاة، والمؤلفة: هم قوم يراد استمالتهم إلى الإسلام، أو تثبيتهم فيه، أو كف شرهم عن المسلمين، أو رجاء نفعهم في الدفاع عنهم، أو نصرهم على عدوٍّ لهم، فأقسامها كثيرة مذكورة في كتب الفروع.
تنبيهٌ: (٣) وإنما أضاف في الآية الصدقات إلى الأصناف الأربعة الأولى بلام الملك، وإلى الأربعة الأخيرة بفي الظرفية، للإشعار بإطلاق الملك في
стр. 4970
الأربعة الأولى، وتقييده في الأربعة الأخيرة بما إذا صرفت في مصارفها المذكورة، فإذا لم يحصل الصرف في مصارفها، استرجعت بخلافه في الأولى، كما هو مقرر في الفقه.
والصنف الخامس: ما ذكره بقوله: ﴿و﴾ مصروفة ﴿في﴾ فك ﴿الرِّقَابِ﴾؛ أي: الأرقاء من الرق. فهو معطوف على قوله ﴿للفقراء﴾؛ أي فسهمهم مصروف في المكاتبين، ليستعينوا به في أداء النجوم، فيعتقوا كما هو مذهب الشافعي والليث بن سعد، أو مصروفٌ في عتق الرقاب، يشترى به عبيدٌ فيعتقون، كما هو مذهب مالك وأحمد وإسحاق، وقال الزهري: سهم الرقاب نصفان، نصف للمكاتبين من المسلمين، ونصف يشترى به رقاب ممَّن صلوا وصاموا، وقدم إسلامهم، فيعتقون من الزكاة.
والصنف السادس: ما ذكره بقوله: ﴿و﴾ مصروفةٌ في فك ﴿الغارمين﴾ والمديونين في طاعة الله، من أسر الديون، مأخوذ من الغرم، وهو في اللغة: لزوم ما يشق على النفس، وسمي الدَّين غرمًا، لكونه شاقًّا على الإنسان، والمراد بالغارمين هنا المديونون وهم قسمان:
قسم ادَّانوا لأنفسهم في غير معصية، فيعطون من مال الصدقات بقدر ديونهم إذا لم يكن لهم مالٌ يفي بديونهم، فإن كان عندهم وفاء .. فلا يعطون.
وقسم ادَّانوا في المعروف وإصلاح ذات البين، فيعطون من مال الصدقات ما يقضون به ديونهم، وإن كانوا أغنياء. أما من استدان في معصية فلا يعطى من الصدقات شيئًا.
والصنف السابع: ما ذكره بقوله: ﴿و﴾ مصروفةٌ ﴿في سبيل الله﴾ وسبيل الله هو الطريق الموصل إلى مرضاته ومثوبته، والمراد به الغزاة، والمرابطون للجهاد، فيعطون من الصدقات ما ينفقون في غزوهم ومرابطتهم، وإن كانوا أغنياء، وهذا قول أكثر العلماء، والحق: أن المراد بسبيل الله، مصالح المسلمين العامة، التي بها قوام أمر الدين والدولة، دون الأفراد، كتأمين طرق الحج، وتوفير الماء والغذاء، وأسباب الصحة للحجاج، إن لم يوجد مصرف آخر، وليس منها حج
стр. 4971
الإفراد؛ لأنه واجب على المستطيع فحسب، ويدخل في ذلك جميع وجوه الخير، من تكفين الموتى، وبناء الجسور، والحصون، وعمارة المساجد، ونحو ذلك.
والصنف الثامن: ما ذكره بقوله: ﴿و﴾ مصروفةٌ في معونة ﴿ابن السبيل﴾ والسبيل الطريق، ونسب إليها المسافر لملازمته إياها، وهو المنقطع عن بلده في سفر غير المعصية، لا يتيسَّر له فيه شيء من ماله، إن كان له مال، فهو غنيٌّ في بلده، فقير في سفره، فيعطى لفقره العارض ما يستعين به على العودة إلى بلده، وفي ذلك عناية بالسياحة، وتشجيع عليها، على شرط أن يكون سفره في غير معصية، ويكون هذا من أسباب التعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان، وسهولة طرق الوصول في العصر الحاضر، ونقل الأخبار في المؤمن القليل، جعلت نقل المال من بلد إلى آخر ميسورًا بلا كلفة، فيسهل على الغني في بلده أن يجلب ماله في أي وقتٍ أراد وإلى أي مكان طلب، فلا يعطى حينئذٍ من الصدقات، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة؛ لأن معنى قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ فرض الله ، صرف الصدقات لهؤلاء الأصناف المذكورة، فريضةً كائنةً منه؛ أي: محتمةٌ عنده.
والمعنى: أن كون الصدقات مقصورة على هذه الأصناف، هو حكم لازم، فرضه الله على عباده، ونهاهم عن مجاوزته، أو حال من الضمير المستكن في الخبر، والتقدير: إنما الصدقات مصروفةٌ هي لهؤلاء الأصناف المذكورة حالة كونها فريضةً من الله ، وقرىء: ﴿فريضة﴾ بالرفع على معنى: تلك الصدقات فريضة من الله تعالى، يعني: أنَّ هذه الأحكام التي ذكرها في هذه الآية فريضةٌ واجبةٌ من الله تعالى، ويجوز قطعه إلى النصب؛ أي: فرض الله هذه الأشياء فريضةً.
﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده، وبأحوالهم وبحوائجهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرعه ودبَّره لهم، تطهيرًا لأنفسهم وتزكية لها، وشكرًا لخالقهم على ما أنعم به عليهم، كما قال ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَةِرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ لا
стр. 4972
يدخل في تدبيره وشرعه نقصٌ ولا خللٌ.
فصل في بيان حكمة إيجاب الزكاة على الأغنياء، وصرفها إلى المحتاجين من الناس (١)
ذكروا في بيان حكمتها ستة أوجه:
الوجه الأول: أن المال محبوب بالطبع، وسببه أن القدرة صفة من صفات الكمال، وصفة الكمال محبوبة لذاتها، والمال سبب لتحصيل تلك القدرة، فكان المال محبوبًا بالطبع، فإذا استغرق القلب في حب المال .. اشتغل به عن حب الله ، وعن الاشتغال بالطاعات المقربة إلى الله ، فاقتضت الحكمة الإلهية إيجاب الزكاة في ذلك المال، الذي هو سبب البعد عن الله، فيصير سببًا للقرب من الله ، بإخراج الزكاة منه.
الوجه الثاني: أنَّ كثرة المال توجب قسوة القلب، وحبَّ الدنيا، والميل إلى شهواتها ولذاتها، فأوجب الله الزكاة، ليقل ذلك المال الذي هو سبب لقساوة القلب.
الوجه الثالث: سبب وجوب الزكاة امتحان العبد المؤمن؛ لأنَّ التكاليف البدنية غير شاقة على العبد، وإخراج المال سياق على النفس، فأوجب الله الزكاة على العباد، ليمتحن بإخراج الزكاة أصحاب الأموال، ليميز بذلك المطيع المخرج لها طيبةً بها نفسه من العاصي المانع لها.
الوجه الرابع: أنَّ المال مال الله، والأغنياء خزان الله، والفقراء عيال الله، فأمر الله خزانه الذين هم الأغنياء بدفع طائفة من ماله إلى عياله، فيثيب العبد المؤمن المطيع، المسارع إلى امتثال الأمر المشفق على عياله، ويعاقب العبد العاصي المانع لعياله من ماله، وعن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ ، قال: "إن الخازن المسلم الأمين، الذي ينفذ - وربما قال: يعطي - ما
стр. 4973
أمر به، فيعطيه كاملًا موفرًا، طيبةً به نقسه، فيدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدقين" متفق عليه.
الوجه الخامس: أن الفقراء ربما تعلقت قلوبهم بالأموال، التي بأيدي الأغنياء، فأوجب الله نصيبًا للفقراء في ذلك المال تطييبًا لقلوبهم.
الوجه السادس: أنَّ المال الفاضل عن حاجة الإنسان الأصلية إذا أمسك .. بقي معطلًا عن المقصود الذي لأجله خلق المال، فأمر بدفع الزكاة إلى الفقراء، حتى لا يصير ذلك المال معطلًا بالكلية.
الأعراب
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾.
﴿لَوْ﴾ حرف شرط ﴿خَرَجُوا﴾: فعل وفاعل والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ ﴿فِيكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿خَرَجُوا﴾ أو حال من فاعله تقديره: لو خرجوا حال كونهم مصاحبين لكم ﴿مَا﴾ نافية ﴿زَادُوكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿خَبَالًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿زادوا﴾ ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة و ﴿اللام﴾ رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ ﴿أوضعوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿زَادُوكُمْ﴾ ﴿خِلَالَكُمْ﴾ ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أوضعوا﴾ ومفعول ﴿أوضعوا﴾ محذوف تقديره، ولأوضعوا ركائب نمائمهم بينكم، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿أوضعوا﴾ أي: لأسرعوا فيما بينكم حال كونهم باغين؛ أي: طالبين الفتنة لكم اهـ. "سمين" ﴿وَفِيكُمْ﴾: خبر مقدم ﴿سَمَّاعُونَ﴾ مبتدأ مؤخر ﴿لهم﴾ متعلق به والجملة في محل النصب حال من كاف ﴿يَبْغُونَكُمُ﴾ أو من واوه، أو مستأنفة كما مر في مبحث التفسير ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿عَلِيمٌ﴾ خبره ﴿بِالظَّالِمِينَ﴾ متعلق به والجملة مستأنفة.
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ
стр. 4974
اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾.
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا﴾ ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلق به والجملة الفعلية جواب للقسم المحذوف، لا محل لها من الإعراب ﴿وَقَلَّبُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿ابْتَغَوُا﴾ ﴿لَكَ﴾ متعلق به ﴿الْأُمُورَ﴾ مفعول به ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية ﴿جَاءَ﴾. فعل ماض في محل النصب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، ﴿الْحَقُّ﴾: فاعل ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿جَاءَ﴾ وجملة ﴿جَاءَ الْحَقُّ﴾ صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، تقديره: واستعمروا على تقليب الأمور إلى مجيء الحق، وظهور أمر الله ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾: مبتدأ وخبر والجملة في محل النصب حال من الحق؛ أي: حتى جاء الحق حالة كونهم كارهين مجيئه وظهوره.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)﴾.
﴿وَمِنْهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿مَنْ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، وجملة ﴿يَقُولُ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة ﴿ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾: مقول محكي لـ ﴿يَقُولُ﴾ وإن شئت قلت: ﴿ائْذَنْ﴾ فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿لِي﴾ متعلق به والجملة في محل النصب مقول القول ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لا﴾ ناهية ﴿تَفْتِنِّي﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية وعلامة جزمه سكون النون المدغمة في نون الوقاية، والنون للوقاية والياء ضمير المتكلم في محل النصب مفعول به، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿ائْذَنْ لِي﴾ ﴿أَلَا﴾ حرف تنبيه ﴿فِي الْفِتْنَةِ﴾ متعلق بـ ﴿سَقَطُوا﴾. ﴿سَقَطُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿وَإِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إنَّ﴾ حرف نصب ﴿جَهَنَّمَ﴾ اسمها ﴿لَمُحِيطَةٌ﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء ﴿محيطة﴾ خبر ﴿إن﴾ ﴿بِالْكَافِرِينَ﴾ متعلق به، والجملة الاسمية معطوفة على جملة
стр. 4975
﴿سَقَطُوا﴾ وقال أبو السعود: هذه الجملة وعيد لهم على ما فعلوا، معطوفة على الجملة السابقة، داخلة تحت التنبيه اهـ.
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾.
﴿إِن﴾ حرف شرط ﴿تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل مجزوم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ فعل ومفعول، مجزوم بـ ﴿إِن﴾ على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿حَسَنَةٌ﴾ وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ فعل ومفعول وفاعل مجزوم على كونه فعل شرط لها في ﴿يَقُولُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إِن﴾ الأولى ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ مقول محكي لـ ﴿يَقُولُوا﴾ وإن شئت قلت: ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلق بـ ﴿أَخَذْنَا﴾ والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُوا﴾ ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾: فعل وفعل معطوف على ﴿يَقُولُوا﴾ ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من الضمير في ﴿يَقُولُوا﴾ و ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ لا من الأخير فقط، لمقارنة الفرح لهما معًا. ذكره أبو السعود.
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿لَنْ يُصِيبَنَا﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾ وإن شئت قلت: ﴿لَنْ يُصِيبَنَا﴾ ناصب وفعل ومفعول ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل الرفع فاعل ﴿يُصِيبَنَا﴾ والجملة الفعلية في محل النصب مقول القول ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل ﴿لنا﴾ متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كتبه الله لنا ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يتوكل﴾ قدم عليه لإفادة الحصر ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة سبببية