الإفراد؛ لأنه واجب على المستطيع فحسب، ويدخل في ذلك جميع وجوه الخير، من تكفين الموتى، وبناء الجسور، والحصون، وعمارة المساجد، ونحو ذلك.
والصنف الثامن: ما ذكره بقوله: ﴿و﴾ مصروفةٌ في معونة ﴿ابن السبيل﴾ والسبيل الطريق، ونسب إليها المسافر لملازمته إياها، وهو المنقطع عن بلده في سفر غير المعصية، لا يتيسَّر له فيه شيء من ماله، إن كان له مال، فهو غنيٌّ في بلده، فقير في سفره، فيعطى لفقره العارض ما يستعين به على العودة إلى بلده، وفي ذلك عناية بالسياحة، وتشجيع عليها، على شرط أن يكون سفره في غير معصية، ويكون هذا من أسباب التعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان، وسهولة طرق الوصول في العصر الحاضر، ونقل الأخبار في المؤمن القليل، جعلت نقل المال من بلد إلى آخر ميسورًا بلا كلفة، فيسهل على الغني في بلده أن يجلب ماله في أي وقتٍ أراد وإلى أي مكان طلب، فلا يعطى حينئذٍ من الصدقات، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة؛ لأن معنى قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ فرض الله ، صرف الصدقات لهؤلاء الأصناف المذكورة، فريضةً كائنةً منه؛ أي: محتمةٌ عنده.
والمعنى: أن كون الصدقات مقصورة على هذه الأصناف، هو حكم لازم، فرضه الله على عباده، ونهاهم عن مجاوزته، أو حال من الضمير المستكن في الخبر، والتقدير: إنما الصدقات مصروفةٌ هي لهؤلاء الأصناف المذكورة حالة كونها فريضةً من الله ، وقرىء: ﴿فريضة﴾ بالرفع على معنى: تلك الصدقات فريضة من الله تعالى، يعني: أنَّ هذه الأحكام التي ذكرها في هذه الآية فريضةٌ واجبةٌ من الله تعالى، ويجوز قطعه إلى النصب؛ أي: فرض الله هذه الأشياء فريضةً.
﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده، وبأحوالهم وبحوائجهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرعه ودبَّره لهم، تطهيرًا لأنفسهم وتزكية لها، وشكرًا لخالقهم على ما أنعم به عليهم، كما قال ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَةِرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ لا
стр. 4972
يدخل في تدبيره وشرعه نقصٌ ولا خللٌ.
فصل في بيان حكمة إيجاب الزكاة على الأغنياء، وصرفها إلى المحتاجين من الناس (١)
ذكروا في بيان حكمتها ستة أوجه:
الوجه الأول: أن المال محبوب بالطبع، وسببه أن القدرة صفة من صفات الكمال، وصفة الكمال محبوبة لذاتها، والمال سبب لتحصيل تلك القدرة، فكان المال محبوبًا بالطبع، فإذا استغرق القلب في حب المال .. اشتغل به عن حب الله ، وعن الاشتغال بالطاعات المقربة إلى الله ، فاقتضت الحكمة الإلهية إيجاب الزكاة في ذلك المال، الذي هو سبب البعد عن الله، فيصير سببًا للقرب من الله ، بإخراج الزكاة منه.
الوجه الثاني: أنَّ كثرة المال توجب قسوة القلب، وحبَّ الدنيا، والميل إلى شهواتها ولذاتها، فأوجب الله الزكاة، ليقل ذلك المال الذي هو سبب لقساوة القلب.
الوجه الثالث: سبب وجوب الزكاة امتحان العبد المؤمن؛ لأنَّ التكاليف البدنية غير شاقة على العبد، وإخراج المال سياق على النفس، فأوجب الله الزكاة على العباد، ليمتحن بإخراج الزكاة أصحاب الأموال، ليميز بذلك المطيع المخرج لها طيبةً بها نفسه من العاصي المانع لها.
الوجه الرابع: أنَّ المال مال الله، والأغنياء خزان الله، والفقراء عيال الله، فأمر الله خزانه الذين هم الأغنياء بدفع طائفة من ماله إلى عياله، فيثيب العبد المؤمن المطيع، المسارع إلى امتثال الأمر المشفق على عياله، ويعاقب العبد العاصي المانع لعياله من ماله، وعن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ ، قال: "إن الخازن المسلم الأمين، الذي ينفذ - وربما قال: يعطي - ما
стр. 4973
أمر به، فيعطيه كاملًا موفرًا، طيبةً به نقسه، فيدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدقين" متفق عليه.
الوجه الخامس: أن الفقراء ربما تعلقت قلوبهم بالأموال، التي بأيدي الأغنياء، فأوجب الله نصيبًا للفقراء في ذلك المال تطييبًا لقلوبهم.
الوجه السادس: أنَّ المال الفاضل عن حاجة الإنسان الأصلية إذا أمسك .. بقي معطلًا عن المقصود الذي لأجله خلق المال، فأمر بدفع الزكاة إلى الفقراء، حتى لا يصير ذلك المال معطلًا بالكلية.
الأعراب
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾.
﴿لَوْ﴾ حرف شرط ﴿خَرَجُوا﴾: فعل وفاعل والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ ﴿فِيكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿خَرَجُوا﴾ أو حال من فاعله تقديره: لو خرجوا حال كونهم مصاحبين لكم ﴿مَا﴾ نافية ﴿زَادُوكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿خَبَالًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿زادوا﴾ ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة و ﴿اللام﴾ رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ ﴿أوضعوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿زَادُوكُمْ﴾ ﴿خِلَالَكُمْ﴾ ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أوضعوا﴾ ومفعول ﴿أوضعوا﴾ محذوف تقديره، ولأوضعوا ركائب نمائمهم بينكم، ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿أوضعوا﴾ أي: لأسرعوا فيما بينكم حال كونهم باغين؛ أي: طالبين الفتنة لكم اهـ. "سمين" ﴿وَفِيكُمْ﴾: خبر مقدم ﴿سَمَّاعُونَ﴾ مبتدأ مؤخر ﴿لهم﴾ متعلق به والجملة في محل النصب حال من كاف ﴿يَبْغُونَكُمُ﴾ أو من واوه، أو مستأنفة كما مر في مبحث التفسير ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿عَلِيمٌ﴾ خبره ﴿بِالظَّالِمِينَ﴾ متعلق به والجملة مستأنفة.
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ
стр. 4974
اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾.
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا﴾ ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلق به والجملة الفعلية جواب للقسم المحذوف، لا محل لها من الإعراب ﴿وَقَلَّبُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿ابْتَغَوُا﴾ ﴿لَكَ﴾ متعلق به ﴿الْأُمُورَ﴾ مفعول به ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية ﴿جَاءَ﴾. فعل ماض في محل النصب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، ﴿الْحَقُّ﴾: فاعل ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿جَاءَ﴾ وجملة ﴿جَاءَ الْحَقُّ﴾ صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، تقديره: واستعمروا على تقليب الأمور إلى مجيء الحق، وظهور أمر الله ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾: مبتدأ وخبر والجملة في محل النصب حال من الحق؛ أي: حتى جاء الحق حالة كونهم كارهين مجيئه وظهوره.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)﴾.
﴿وَمِنْهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿مَنْ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، وجملة ﴿يَقُولُ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة ﴿ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾: مقول محكي لـ ﴿يَقُولُ﴾ وإن شئت قلت: ﴿ائْذَنْ﴾ فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿لِي﴾ متعلق به والجملة في محل النصب مقول القول ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لا﴾ ناهية ﴿تَفْتِنِّي﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية وعلامة جزمه سكون النون المدغمة في نون الوقاية، والنون للوقاية والياء ضمير المتكلم في محل النصب مفعول به، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿ائْذَنْ لِي﴾ ﴿أَلَا﴾ حرف تنبيه ﴿فِي الْفِتْنَةِ﴾ متعلق بـ ﴿سَقَطُوا﴾. ﴿سَقَطُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿وَإِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إنَّ﴾ حرف نصب ﴿جَهَنَّمَ﴾ اسمها ﴿لَمُحِيطَةٌ﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء ﴿محيطة﴾ خبر ﴿إن﴾ ﴿بِالْكَافِرِينَ﴾ متعلق به، والجملة الاسمية معطوفة على جملة
стр. 4975
﴿سَقَطُوا﴾ وقال أبو السعود: هذه الجملة وعيد لهم على ما فعلوا، معطوفة على الجملة السابقة، داخلة تحت التنبيه اهـ.
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾.
﴿إِن﴾ حرف شرط ﴿تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل مجزوم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ فعل ومفعول، مجزوم بـ ﴿إِن﴾ على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿حَسَنَةٌ﴾ وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ فعل ومفعول وفاعل مجزوم على كونه فعل شرط لها في ﴿يَقُولُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إِن﴾ الأولى ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ مقول محكي لـ ﴿يَقُولُوا﴾ وإن شئت قلت: ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلق بـ ﴿أَخَذْنَا﴾ والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُوا﴾ ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾: فعل وفعل معطوف على ﴿يَقُولُوا﴾ ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من الضمير في ﴿يَقُولُوا﴾ و ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ لا من الأخير فقط، لمقارنة الفرح لهما معًا. ذكره أبو السعود.
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿لَنْ يُصِيبَنَا﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾ وإن شئت قلت: ﴿لَنْ يُصِيبَنَا﴾ ناصب وفعل ومفعول ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل الرفع فاعل ﴿يُصِيبَنَا﴾ والجملة الفعلية في محل النصب مقول القول ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل ﴿لنا﴾ متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كتبه الله لنا ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يتوكل﴾ قدم عليه لإفادة الحصر ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة سبببية
стр. 4976
كما في الجمل، و ﴿اللام﴾: لام الأمر ﴿يتوكل المؤمنون﴾ فعل وفاعل، مجزوم بلام الأمر والجملة معطوفة على جملة ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾.
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿هَلْ﴾ حرف للاستفهام التوبيخي الإنكاري. ﴿تَرَبَّصُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِنَا﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: مفعول به ومضاف إليه.
﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾.
﴿وَنَحْنُ﴾ مبتدأ ﴿نَتَرَبَّصُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على المتكلمين ﴿بِكُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على الجملة الفعلية، على كونها مقولًا لـ ﴿قُل﴾ ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ﴾ ناصب وفعل ومفعول وفاعل ﴿بِعَذَابٍ﴾ متعلق به ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿عذاب﴾ والجملة الفعلية في تأويل مصدر، منصوب على المفعولية، والتقدير: ونحن نتربص بكم إصابة الله إياكم بعذاب من عنده ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ جار ومجرور، معطوف على قوله ﴿بِعَذَابٍ﴾ ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة، كما في الشوكاني؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما قلته لكم، وأردتم بيان ما هو اللائق بكم .. فأقول لكم ﴿تربصوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة، في محل النصب مقول لـ ﴿قُل﴾ ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف متعلق بما بعده ﴿مُتَرَبِّصُونَ﴾ خبر ﴿إنّ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة على كونها مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣)﴾.
стр. 4977
﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿أَنْفِقُوا﴾: إلى آخر الآية، مقول محكى، وإن شئت قلت: ﴿أَنْفِقُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾: مصدران في محل النصب على الحال من فاعل ﴿أَنْفِقُوا﴾ ولكنه في تأويل المشتق؛ أي طائعين أو كارهين ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ﴾ ناصب وفعل ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الإنفاق المفهوم مما قبله، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿إِنَّكُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه ﴿قَوْمًا﴾ خبره ﴿فَاسِقِينَ﴾ صفته، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول القول، مسوقٌ لتعليل ما قبلها.
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿ما﴾ نافية ﴿مَنَعَهُمْ﴾ فعل ومفعول أول ﴿أَن﴾ حرف نصب ﴿تُقْبَلَ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة، منصوب بـ ﴿أَن﴾. ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق به. ﴿نَفَقَاتُهُمْ﴾ نائب فاعل ﴿تُقْبَلَ﴾ والجملة الفعلية في تأويل مصدر، منصوب على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿منع﴾ والتقدير: وما منعهم قبول نفقاتهم منهم، فإن منع يتعدى لمفعولين بنفسه، وقد يتعدى إلى الثاني بحرف الجر، وهو: (من) أو (عن)، وهنا تعدى بنفسه إليهما، وإن كان حذف حرف الجر مع أن، وأنَّ، مقيسًا مطردًا، ولذا قدره بعضهم هنا، وقال أبو البقاء: ﴿أَنْ تُقْبَلَ﴾ بدل اشتمال، من (هم) في منعهم. اهـ "شهاب". ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿أَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به ﴿وَبِرَسُولِهِ﴾ معطوف على ﴿بِاللَّهِ﴾ وكرر الباء إشعارًا إلى تعدد كفرهم، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَن﴾ وجملة ﴿أَن﴾ في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لـ ﴿منع﴾ تقديره: وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم باللهِ وبرسوله، والجملة الفعلية مستأنفة.
﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.
﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع، معطوفة على جملة ﴿كَفَرُوا﴾ على كونها خبرًا لـ ﴿أَن﴾ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء
стр. 4978
مفرغ ﴿وَهُمْ كُسَالَى﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يَأْتُونَ﴾ ﴿ولا ينفقون﴾ فعل وفاعل في محل الرفع، معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب، حال من فاعل ﴿يُنْفِقُونَ﴾ والمعنى: وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم باللهِ ورسوله، وكسلهم في إتيان الصلاة، وكونهم كارهين الإنفاق. اهـ "زاده".
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾.
﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حالهم المذكورة، وأردت بيان ما هو الأصلح لك .. فأقول لك ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿تُعْجِبْكَ﴾ فعل ومفعول ﴿أَمْوَالُهُمْ﴾ فاعل ومضاف إليه ﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر زائد لتقوية العامل ﴿يعذبهم﴾ فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة بعد اللام، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ ﴿بِهَا﴾ متعلق به، وكذا ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ متعلق به أيضًا، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: إنما يريد الله تعذيبه إياهم بها في الحياة الدنيا، وكذا في الآخرة ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿يعذب﴾ ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب، حال من ضمير ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾؛ لأن المضاف جزء المضاف إليه.
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)﴾.
﴿وَيَحْلِفُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿لَمِنْكُمْ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور، خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ جواب القسم ﴿وَمَا﴾: نافية ﴿هُم﴾ مبتدأ ﴿مِنْكُمْ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من الضمير المستكن في خبر ﴿إن﴾
стр. 4979
﴿وَلَكِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿قَوْمٌ﴾ خبره، وجملة ﴿يَفْرَقُونَ﴾ صفة ﴿قَوْمٌ﴾ وجملة ﴿لكن﴾ جملة استدراكية، لا محل لها من الإعراب.
﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾.
﴿لَوْ﴾: حرف شرط ﴿يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾: فعل وفاعل ومفعول به لأن وجد هنا بمعنى: أصاب، فيتعدى إلى مفعول واحد ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا﴾: معطوفان على ملجأ، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ ﴿لَوَلَّوْا﴾ ﴿اللام﴾ رابطة لجواب ﴿لو﴾ ﴿وَلَّوْا﴾ فعل وفاعل ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق به، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ وجملة ﴿لَوْ﴾ مستأنفة ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَجْمَحُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿ولَّوا﴾.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾.
﴿وَمِنْهُمْ﴾ جار ومجرور، خبر مقدم ﴿مَنْ﴾ اسم موصول، في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ وما بينهما، اعتراض ﴿يَلْمِزُكَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة صلة الموصول ﴿فِي الصَّدَقَاتِ﴾ متعلق به ﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾: تفصيلية ﴿إنْ﴾ حرف شرط ﴿أُعْطُوا﴾ فعل ونائب فاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها ﴿مِنْهَا﴾ متعلق به ﴿رَضُوا﴾ فعل وفاعل والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها جواب شرط لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية جملة تفصيلية لجملة ﴿يَلْمِزُكَ﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿لَمْ﴾ حرف جزم ﴿يُعْطَوْا﴾ فعل ونائب فاعل، مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾ ﴿مِنْهَا﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها فعل شرط لها ﴿إذَا﴾ فجائية، قائمة مقام فاء الجزاء في ربط الجواب وجوبًا لكون الجواب جملة اسمية، كما قال ابن مالك:
وَتَخْلُفُ الفَاءَ إِذَا المُفَاجَأَةْ
стр. 4980
﴿هُمْ﴾: مبتدأ وجملة ﴿يَسْخَطُونَ﴾: خبره والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿وَإِنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إنْ﴾ الأولى.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾.
﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿لو﴾: حرف شرط ﴿أَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿رَضُوا﴾ خبره، وجملة ﴿أن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لفعل محذوف؛ لأن ﴿لو﴾ الشرطية لا يليها إلا الفعل، تقديره: ولو ثبت رضاؤهم ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به ﴿رَضُوا﴾ ﴿آتَاهُمُ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول ﴿وَرَسُولُهُ﴾ معطوف على الجلالة، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: ما آتاهم الله إياه؛ لأنَّ آتى هنا بمعنى: أعطى، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط، الضمير المحذوف، وجواب ﴿لو﴾ محذوف، تقديره: لكان خيرًا لهم، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَقَالُوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿رَضُوا﴾ ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿حَسْبُنَا﴾ خبر مقدم ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب، مقول ﴿قالوا﴾ ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ﴾ فعل ومفعول أول، وفاعل ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ في محل المفعول الثاني، ﴿وَرَسُولُهُ﴾ معطوف على الجلالة، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قالوا ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿رَاغِبُونَ﴾ ﴿رَاغِبُونَ﴾ خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب، مقول ﴿قالوا﴾ وفي "الفتوحات": هاتان الجملتان، أعني قوله: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ كالشرح لقوله: ﴿حَسْبُنَا اللهُ﴾، فلذلك لَمْ يتعاطف؛ لأنهما كالشيء الواحد، فشدة الاتصال منعت العطف.
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾.
стр. 4981
﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر ﴿الصَّدَقَاتُ﴾ مبتدأ ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ والجملة مستأنفة ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: معطوف على الفقراء ﴿وَالْعَامِلِينَ﴾ معطوف على الفقراء أيضًا ﴿عَلَيْهَا﴾ متعلق به ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ﴾: معطوف على الفقراء ﴿قُلُوبُهُمْ﴾: نائب فاعل للمؤلفة ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾: جار ومجرور، معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾، ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾: معطوف على ﴿الرِّقَابِ﴾ ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور، معطوف ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ أيضًا ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: معطوف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ﴿فَرِيضَةً﴾: حال من الضمير المستكن في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ ولكن بعد تأويلها بمشتق، تقديره: إنما الصدقات مصروفة هي للفقراء ومن بعدهم، حالة كونها مفروضة لهم، من الله تعالى ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور صفة لفريضة. أو منصوب على المفعولية بفعل محذوف. تقديره: فرض الله ذلك لهم فريضة كائنةً منه ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر أول له ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِلَّا خَبَالًا﴾، وأصل الخبال: اضطراب ومرض يؤثر في العقل، كالجنون. اهـ "خازن" وقيل: الخبال: الاضطراب في الرأي، والفساد في العمل، كضعف القتال، ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾: يقال: وضعت الناقة، تضع، إذا أسرعت في سيرها، وأوضعتها أنا اهـ "سمين" ويقال: وضع الرجل، إذا عدا مسرعًا، وأوضع راحلته، إذا حملها على الإسراع، والخلال: جمع خلل، كجمل وجمال، وخلال الأشياء ما يفصل بينها من فروج ونحوها، وفي الشوكاني الإيضاع: سرعة السير، ومنه قول ورقة بن نوفل:
يَا لَيتَنِيْ فِيْهَا جَذَعْ ... أَخُبُّ فِيْهَا وَأَضَعْ
ويقال: أوضع البعير إذا أسرع السير، وقيل: الإيضاع سير الخبب، والخلل الفرجة بين الشيئين، والجمع الخلال؛ أي: الفرج التي تكون بين الصفوف ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ والفتنة: التشكيك في الدين، والتخويف من الأعداء، وقيل: الفتنة هنا الشرك ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾؛ أي: ضعفاء العزيمة يسمعون قولهم
стр. 4982
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ يقال: قلب لك الأمر، إذا اجتهد فيه، ودبر لك فيه بالمكر والحيل والمكايد، وتقليب الشيء: تصريفه في كل وجه من وجوهه، والنظر في كل ناحية من أنحائه، والمراد: أنهم دبروا الحيل والمكايد، ودوروا الأراء في كل وجه لإبطال دينك. ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ والحسنة: كل ما يسر بها صاحبها، النصر والغلبة على الأعداء ﴿المصيبة﴾ كل ما يصيبك من المكاره ﴿الْحُسْنَيَيْنِ﴾ تثنية الحسنى، مؤنث الأحسن ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ مصدران، بمعنى: المشتق
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ﴾ والإعجاب: السرور بالشيء، مع نوع من الافتخار به، مع اعتقاد أنه ليس لغيره مثله اهـ "خازن"، وهذا المعنى، إنما يناسب في إعجاب الشخص بمال نفسه، يقال: أعجب بماله، أو ولده؛ أي: فرح به، وما هنا في إعجاب المرء بمال غيره، والمعنى عليه: لا تستحسن أموالهم وأولادهم، ولا تخبر برضاك بها.
وفي "المصباح": ويستعمل التعجب على وجهين:
أحدهما: ما يحمده الفاعل، ومعناه: الاستحسان والإخبار عن رضاه به.
والثاني: ما يكرهه، ومعناه: الإنكار والذم له، ففي الاستحسان، يقال: أعجبني - بالألف - وفي الذم والإنكار عجبت، وزان تعبت. اهـ ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾ يقال: زهقت الروح، إذا خرجت من باب ذهب ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ في "المختار" فرق فرقًا - من باب تعب - إذا خاف، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أفرقته اهـ. والفَرَق بالتحريك: الخوف الشديد الذي يفرق بين القلب وإدراكه ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ والملجأ المكان الذي يلجأ إليه الخائف ليعتصم به، كحصن أو قلعةٍ، أو جزيرة في بحرٍ، أو قنةٍ في جبل ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ والمغارات، جمع مغارة: وهي الكهف في الجبل، يغور فيه الإنسان ويستتر ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ والمدخل، بالتشديد: السرب في الأرض، يدخله الإنسان بمشقة، وفي "السمين" ﴿مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ الملجأ: الحصن، وقيل: المهرب، وقيل الحرز، وهو مفعل، من لجأ إليه، يلجأ؛ أي: انحاز، يقال: ألجأته إلى كذا؛ أي: اضررته إليه فالتجأ،
стр. 4983
والملجأ يصلح للمصدر والزمان والمكان، والظاهر منها هنا المكان، والمغارات جمع مغارة، وهي مفعلة من غار يغور، فهي كالغار في المعنى، وقيل: المغارة: السرب في الأرض كنفق اليربوع، والغار: الثقب في الجبل، وهذا من أبدع النظم، ذكر أولًا الأمر الأعم، وهو الملجأ من أي نوع كان، ثم ذكر الغيران التي يختفى فيها في أعلى الأماكن، وهي الجبال، ثم الأماكن التي يختفى فيها في الأماكن السافلة، وهي السروب، وهي التي عبر عنها بالمدخل. اهـ ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾؛ أي: يسرعون، والجماح: السرعة التي تتعذر مقاومتها، وفي "المصباح": جمح الفرس براكبه، يجمح بفتحتين، من باب خضع جماحًا بالكسر، وجموحًا استعصى حتى غلبه، فهو جموح بالفتح، وجامح يستوى فيه المذكر والمؤنث اهـ.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ اللمز: العيب والطعن في الوجه، والهمز: الطعن في الغيبة، وفي "المصباح": لمزه لمزًا - من باب ضرب - إذا عابه. وبه قرأ السبعة: ومن باب قتل لغة، وأصله الإشارة بالعين ونحوها. اهـ فهو أخص من الغمز إذ هو الإشارة بالعين ونحوها، سواء كان على وجه الاستنقاص أو لا، وأما اللمز: فهو خاص بكونه على وجه العيب، وفي "السمين" قرأ العامة: يلمزك بكسر الميم، من لمزه يلمزه إذا عابه، وأصله الإشارة بالعين وغيرها، وقال الأزهري: أصله الدفع، يقال: لمزته؛ أي: دفعته. وقال الليث: هو الغمز في الوجه. ومنه ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾؛ أي: كثير هذين الفعلين، وقرأ يعقوب وحماد بن سلمة وغيرهما: بضمها، وهي لغتنا في المضارع اهـ.
﴿إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ يقال: رغبه ورغب فيه، إذا أحبه، ورغب عنه إذا كرهه، ورغب إليه إذا طلبه وتوجه إليه ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ جمع صدقة: وهي الزكاة الواجبة على النقد والأنعام والزرع والتجارة، سميت صدقة لإشعارها بصدق باذلها في الإيمان. والفقير: من لا مال له يقع موقعًا من كفايته، فيحتاج للمسألة لقوته وكسوته. والمسكين: من له مال قليل يقع موقعًا من كفايته، ولا يكفيه تمامها، كما مر في بحث التفسير، وقيل بالعكس فيهما. والعامل عليها: هو الذي يولِّيه السلطان أو نائبه العمل على جمعها من الأغنياء ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾:
стр. 4984
هم الذين يراد استمالة قلوبهم إلى الإسلام، أو التثبيت فيه، ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾؛ أي: وللإنفاق في إعانة الأرقاء لفكاكهم من الرق ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾؛ أي: الذين عليهم غرامة من المال تعذر عليهم أدائها، من الغرم، وأصله لزوم شيء شاق، ومنه قيل للعشق: غرام، ويعبر به عن الهلاك، في قوله تعالى: ﴿إنَّ عَذَابَهَا كانَ غَرَامًا﴾ وغرامة المال فيها مشقة عظيمة اهـ "سمين" ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: وفي الطريق الموصل إلى مرضاة الله ومثوبته، والمراد بهم كل من سعى في طاعة الله وسبل الخيرات، كالغزاة، والحجاج الذين انقطعت بهم السبل، ولا مورد لهم من المال، وطلبة العلم، والفقراء ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: هو المسافر الذي بعد عن بلده، ولا يتيسر له إحضار شيء من ماله، فهو غني في بلده فقير في سفره ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي فرض الله ذلك فريضة، ليس لأحد فيها رأي، والله أعلم.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ شبه سرعة إفسادهم لذات البين بسرعة سير الركائب المسماة بالإيضاع، وهو إسراع سير البعير، ثم استعير لسرعة الإفساد لفظ الإيضاع، ثم اشتق منه أوضعوا، بمعنى: أسرعوا على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية، وأصل الاستعارة: ولأوضعوا ركائب نمائمهم خلالكم، ثم حذف النمائم، وأقيم المضاف إليه مقامها، لدلالة سياق الكلام على أن المراد النميمة، ثم حذف الركائب. قاله الطيبي. اهـ زكريا.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ حيث شبه وقوعهم في جهنم بإحاطة العدو بالجند، أو السوار بالمعصم.
ومنها: جمع المؤكدات في هذه الجملة إنَّ واللام واسمية الجملة للدلالة على الثبات والدوام.
ومنها: ما يسمى بالمقابلة، التي هي من المحسنات البديعية في قوله: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ ...﴾ الآية، وفي قوله: ﴿قُل هَل
стр. 4985
تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ ...﴾ الآية؛ لأنه في معنى: ونحن نتربص بكم إحدى السوءيين.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، وبين الرضا والسخط في قوله: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾.
ومنها: القصر في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ لأنَّ تقديم المعمول على عامله يفيد الحصر، وفيه أيضًا إظهار الاسم الجليل مكان الإضمار، لتربية الروعة والمهابة.
ومنها: تكرار لفظ الجلالة في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية.
ومنها: ذكر الأعم ثم الأخص في قوله: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا﴾ حيث ذكر أولًا الأمر الأعم وهو الملجأ من أي نوع كان، ثم ذكر المغارات التي يختفى فيها في أعلى الأماكن. وهي الجبال، ثم الأماكن التي يختفى فيها في الأماكن السافلة، وهي السروب التي عبر عنها بالمدخل.
ومنها: القصر في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ...﴾ الآية، ففي الآية قصر الموصوف على الصفة؛ أي: الصدقات مقصورة على الاتصاف، بصرفها لهؤلاء الثمانية، لا تتجاوز هذه الصفة إلى أن تتصف بصرفها لغيرهم.
ومنها: الزيادة والحذف في مواضع.
والله أعلم
* * *
لما قبلها: أن الله لما ذكر أن من دلائل نفاقهم الطعن في أفعاله ﷺ ، كإيذاء الذين لمزوه في قسمة الصدقات .. أردف ذلك بذكر من طعن في أخلاقه وشمائله الكريمة، بقولهم: إن محمدًا أذنٌ، نحلف له فيصدقنا.
قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله ، لما ذكر أفعال المنافقين الخبيثة، وذكر ما أعده لهم من العذاب في الدنيا والآخرة .. أردف ذلك بذكر صفات المؤمنين الذين زكت نفوسهم وطهرت سرائرهم، وما أعدَّه لهم من الثواب الدائم والنعيم المقيم.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﵁ قال: كان نَبْتَلُ بن الحارث يأتي رسول الله ﷺ ، ف يجلس إليه، فيسمع منه وينقل حديثه إلى المنافقين، فأنزل الله ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾ سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن ابن عمر، قال: قال رجل في غزوة تبوك، في مجلس يومًا: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء، لا أرغب بطونا، ولا أك ذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، ونزل القرآن، قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله ﷺ والحجارة تنكبه، وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول: "أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟! ".
ثم أخرج من وجه آخر، عن ابن عمر نحوه، وسمى الرجل عبد الله بن أبي، وأخرج عن كعب بن مالك، قال مخشيُّ بن حمير - بالتصغير -: لوددت أني
стр. 4988
أقاضي على أن يضرب كل رجل منكم مئة، على أن ننجو من أن ينزل فينا قرآن، فبلغ النبيَّ ﷺ ، فجاؤوا يعتذرون، فأنزل الله ﴿لَا تَعْتَذِرُوا ...﴾ الآية، فكان الذي عفا الله عنه مخشي بن حمير، فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتل شهيدًا لا يعلم بمقتله أحد، فقتل يوم اليمامة لا يعلم مقتله إلا من قتله، وأخرج ابن جرير عن قتادة أن ناسًا من المنافقين قالوا في غزوة تبوك: يرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها، هيهات، فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فأتاهم، فقال: "قلتم كذا وكذا"، قالوا: إنما كنا نخوض ونلعب، فنزلت هذه الآية.
التفسير وأوجه القراءة
٦١ - ﴿وَمِنْهُمُ﴾؛ أي: ومن المنافقين ﴿الذين يؤذون النبي﴾؛ أي: جماعة يؤذون رسول الله ﷺ بأقوالهم وأفعالهم، ويعيبونه ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ سامعة؛ أي: يسمع من كل أحد ما يقوله، ويقبله، ويصدقه، وهم يريدون بذلك أنه سليم القلب، سريع الاغترار بكل ما يسمع دون أن يتدبر فيه ويميز بين ما هو جدير بالقبول، لوجود أمارات الصدق فيه، وما لا ينبغي قبوله، وهذا عيب في الملوك والرؤساء، لما يترتب عليه من تقريب المنافقين وإبعاد الناصحين، وإنما قالوا ذلك؛ لأنه ﷺ كان يعاملهم بأحكام الشريعة، كما يعامل عامة المؤمنين، بالبناء على الظاهر، فظنوا أنه يصدق كل ما يقال له.
قال الجوهري (١): يقال رجل أذن، إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع، ومرادهم: أقمأهم الله تعالى أنهم إذا آذوا النبي، وبسطوا فيه ألسنتهم، وبلغه ذلك .. اعتذروا له، وقبل ذلك منهم؛ لأنه يسمع كل ما يقال له فيصدقه، وإنما أطلقت العرب على من يسمع ما يقال له فيصدقه، أنه: أذن مبالغةً؛ لأنهم سموه بالجارحة التي هي آلة السماع، حتى كأنَّ جملته أذن سامعةٌ، ونظيره قولهم للربيئة؛ أي الجاسوس: عين، وإيذاؤهم له هو قولهم ﴿هُوَ﴾؛ أي: محمد ﷺ ، ﴿أُذُنٌ﴾ سامعةٌ، ليس له ذكاءٌ؛ لأنهم نسبوه إلى أنه يصدق كل ما
стр. 4989
يقال له، ولا يفرق بين الصحيح والباطل، اغترارا منهم بحلمه عنهم، وصفحه عن جناياتهم، كرمًا وحلمًا وتغاضيًا، ثم أجاب الله سبحانه عن قولهم هذا، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد، نعم هو ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ لا أذن شرٍّ، يسمع الخير فيعمل به، ولا يعمل بالشر إذا سمعه.
أي (١): أنه أذن، ولكنه نعم الأذن؛ لأنه أذن خير، لا كما تزعمون، فهو لا يقبل مما يسمعه إلا ما يعتقد أنه الحق، وما فيه المصلحة للخلق، وليس بأذن في سماع الباطل، كالكذب والنميمة والجدل والمراء، وإذا سمعه من غير أن يستمع إليه لا يقبله ولا يصدق ما لا يجوز تصديقه، كما هو شأن الملوك والزعماء، الذين يتقرب إليهم أهل الأهواء بالسعاية لإبعاد الناصحين المخلصين عنهم، وحملهم على إيذاء من يبتغون إيذاءه. وقرأ جمهور القراء (٢): ﴿هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ﴾ بالتثقيل، وقرأ نافع: ﴿هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ﴾ بإسكان الذال فيهما.
وقرأ الجمهور أيضًا (٣): ﴿أذُنُ خير﴾ بالإضافة، وقرأ الحسن ومجاهد وزيد بن علي وأبا بكر عن عاصم في رواية: ﴿قل أذنٌ خير﴾ وجوزوا في ﴿أُذُنٌ﴾، أن يكون خبر مبتدأ محذوف، و ﴿خَيْرٌ﴾ خبر ثان لذلك المحذوف؛ أي: هو أذن هو خير لكم؛ لأنه ﷺ يقبل معاذيركم ولا يكافئكم على سوء خلقكم، وأن يكون ﴿خيرٌ﴾ صفةً لـ ﴿أذن﴾؛ أي: أذنٌ ذو خير لكم.
ثم بيَّن الله سبحانه كونه ﷺ ، أذن خير بقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾؛ أي: يصدق بالله، لما قام عنده من الأدلة، وبما يوحى إليه مما فيه خيركم وخير غيركم ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: ويصدق المؤمنين الصادقي الإيمان من المهاجرين والأنصار، ويقبل قولهم فيما يخبرونه، لما علمه من آيات إيمانهم الذي يوجب عليهم الصدق فيما يحدِّثونه به، وفي هذا إيماءٌ إلى أنه ﷺ لا يؤمن لهؤلاء المنافقين إيمان تسليم، ولا يصدقهم في أخبارهم، وإن وكدوها بالأيمان اغترارًا
стр. 4990
بلطيفه وأدبه ﷺ ، إذ كان لا يواجه أحدًا بما يكره، وبمعاملته إياهم كما يعامل أمثالهم من عامة أصحابه.
وعدى (١) فعل الإيمان بالباء إلى الله؛ لأنه قصد به التصديق بالله، الذي هو ضد الكفر به، وإلى المؤمنين باللام؛ لأنه قصد به السماع من المؤمنين أخبارهم، وأن يسلم لهم ما يقولونه، ويصدقه لكونهم صادقين عنده، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ كيف ينبىء عن الباء.
﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾؛ أي: وهو ﷺ رحمة للذين آمنوا إيمانًا صحيحًا صادقًا، إذ كان سبب هدايتهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، لا لمن أظهر الإسلام وأسر الكفر نفاقًا، إذ هو نقمة عليه في الدارين.
وإنما قال منكم (٢)؛ لأن المنافقين كانوا يزعمون أنهم مؤمنون، فبيَّن الله كذبهم بقوله: إنه رحمة للمؤمنين المخلصين، لا للمنافقين، وقيل: في كونه ﷺ رحمةً؛ لأنه يجري أحكام الناس على الظاهر، ولا ينقب عن أحوالهم، ولا يهتك أسرارهم.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بالرفع عطفًا على ﴿أُذُنٌ﴾، والمعنى عليه: هو أنه أذن خيرٍ، وأنه هو رحمة للمؤمنين، وقرأ حمزة وأبي وعبد الله والأعمش: ﴿ورحمةٍ﴾ بالجر عطفًا على ﴿خيرٍ﴾، والمعنى عليه: إنه أذن خير، وأذن رحمةٍ فالجملة من يؤمن ويؤمن اعتراضٌ بين المتعاطفين، قال النحاس: وهذا عند أهل العربية بعيدٌ، يعني قراءة الجر؛ لأنه قد تباعد بين الاسمين، وهذا يقبح في المخفوض اهـ وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿رحمةً﴾ بالنصب على أنه مفعول لأجله، لفعل محذوف دلَّ عليه أذن خير؛ أي: يأذن لكم ويستمع رحمةً لكم، فحذف
لدلالة أذن خير لكم عليه.
стр. 4991
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ﷺ ، بالقول، أو بالفعل ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: وجيع شديد الإيلام في الدنيا والآخرة، وأبرز (١) اسم الرسول ولم يأت به ضميرًا على نسق يؤمن بلفظ الرسول تعظيمًا لشأنه، وجمعًا له في الآية بين الرتبتين العظيمتين، من النبوة والرسالة، وإضافته زيادة في تشريفه، وحتَّم على من آذاه بالعذاب الأليم، وحقَّ لهم ذلك ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ عام، يندرج فيه هؤلاء الذين آذوه هذا الإيذاء، وغيرهم.
وفي هذه الآية (٢)، وما في معناها: دليلٌ على أن إيذاء الرسول ﷺ كفرٌ إذا كان فيما يتعلق برسالته؛ لأن ذلك ينافي الإيمان، وأما إيذاؤه في شؤونه البشرية، والعادات الدنيوية، فحرام لا كفر، كإيذاء الذين كانوا يطيلون الجلوس في بيوته لدى نسائه بعد الطعام، وفيهم نزل ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ وإيذاء الذين كانوا يرفعون أصواتهم في ندائه ويسمونه باسمه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ وإيذاؤه (٣) في بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، كإيذائه في حال حياته، كالخوض في أبويه، وآل بيته بما يعلم أنه يؤذيه لو كان حيًّا، فالإيمان به ﷺ مانعٌ من تصدي المؤمن لما يعلم أو يظن أنه يؤذيه صلوات الله وسلامه عليه إيذاءً ما، فهذا الذنب من أكبر الذنوب، ومعصيةٌ من أعظم المعاصي.
٦٢ - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: يحلف المنافقون ويقسمون باللهِ ﴿لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون على أنهم ما قالوا ما حكي عنهم، من طعن الرسول ﷺ ، وطعن المؤمنين ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾ أيها المؤمنون، بالأيمان الكاذبة، وذلك أن المنافقين كانوا في خلواتهم يطعنون على المؤمنين، وعلى النبي ﷺ ، فإذا بلغ ذلك إلى رسول الله ﷺ وإلى المؤمنين .. جاء المنافقون، فحلفوا على أنهم لم يقولوا ما بلغ
стр. 4992
عنهم، قاصدين بهذه الإيمان الكاذبة أن يرضوا رسول الله، ومن معه من المؤمنين، فنعى الله ذلكم عليهم، وقال؛ ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾؛ أي: والحال أن الله ورسوله ﷺ أحق بالإرضاء من إرضاء المؤمنين بالأيمان الكاذبة، فإنهم لو اتقوا الله، وآمنوا به، وتركوا النفاق .. لكان ذلك أولى لهم، وكان من الواجب أن يرضوهما بالإخلاص والتوبة والمتابعة، وإيفاء حقوقه ﷺ في باب الإجلال مشهدًا ومغيبًا، لا بإتيانهم بالأيمان الفاجرة.
وإفراد الضمير في قوله (١): ﴿يُرْضُوهُ﴾ إما للتعظيم للجناب الإلهيِّ بإفراده بالذِّكر، أو لكونه لا فرق بين إرضاء الله وإرضاء رسوله، فإرضاء الله إرضاء لرسوله، أو المراد: الله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، كما قال سيبويه: ورجحه النحاس، أو لأن الضمير موضوع موضع اسم الإشارة، فإنه يشار به إلى الواحد والمتعدد، أو الضمير راجعٌ إلى المذكور، وهو يصدق عليهما، وقال الفراء: المعنى: ورسوله أحق أن يرضوه، والله افتتاح كلام، كما تقول: ما شاء الله، وشئت، وفي التعبير بـ ﴿يُرْضُوهُ﴾ دون يرضوهما، إشعارٌ بأن إرضاء رسوله، هو
عين إرضائه تعالى؛ لأنه إرضاء له في اتباع ما أرسله به، وجواب قوله: ﴿إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ محذوف، تقديره: إن كانوا مؤمنين .. فليرضوا الله ورسوله بالطاعة، فإنهما أحق بالإرضاء؛ أي إن كان هؤلاء المنافقون مصدِّقين بوعد الله، ووعيده في الآخرة، كما يدعون ويحلفون .. فليرضوهما، وإلَّا كانوا كاذبين، فإن المؤمنين قد يصدقونهم فيما يحلفون عليه إذا لم يكن كذبهم فيه ظاهرًا معلومًا باليقين، ولكن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فيوحي إلى رسوله ﷺ من أمور الغيب ما فيه المصلحة للمؤمنين، وفي الآية عبرة للمنافقين في زماننا وفي كل زمان، إذ يحلفون حين الحاجة إلى تأكيد أخبارهم فيما يحاولون به إرضاء الناس، وبخاصةٍ الملوك والوزراء، الذين يتقربون إليهم فيما لا يرضي ربهم، بل فيما يسخطه بأخس الوسائل، وأقذر السبل،
٦٣ - ثم وبخهم على ما أقدموا عليه مع علمهم بوخامة عاقبته
стр. 4993
بقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾؛ أي: ألم يعلم هؤلاء المنافقون، وهو استفهام، معناه التوبيخ والإنكار، كما ذكره أبو حيان ﴿أَنَّهُ﴾؛ أي: أن الشأن والحال ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾؛ أي: من يخالف الله ﴿وَرَسُولَهُ﴾ ﷺ بتعدي حدوده، أو بلمز الرسول في أعماله، كقسمة الصدقات، وفي أخلاقه وشمائله، كقولهم: هو أُذُنُ ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ أي: فحق أن له نار جهنم؛ أي، فكون نار جهنم له أمر ثابت؛ أي: فجزاؤه جهنم يصلاها يوم القيامة، حالة كونه ﴿خَالَدًا فِيها﴾ أبدًا لا مخلص له منها ﴿ذَلِكَ﴾ العذاب الخالد هو ﴿الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ والذل البالغ إلى الغاية التي لا يبلغ إليها غيره، والهوان الذي يصغر دونه كل خزي وذل في الدنيا وهو ثمرات نفاقهم.
وقرأ الحسن والأعرج (١): ﴿ألم تعلموا﴾ بالتاء الفوقية على الخطاب، فالظاهر أنه التفات، فهو خطاب للمناقين، قيل: ويحتمل أن يكون خطابًا للمؤمنين، فيكون معنى الاستفهام التقرير. وإن كان خطابًا للرسول .. فهو خطاب تعظيم، والاستفهام فيه للتعجب، والتقدير: ألا تعجب من جهلهم في محادة الله تعالى، وقرأ الباقون: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ بالياء التحتية وفي مصحف أُبيٍّ ﴿ألم تعلم﴾ قال ابن عطية: على خطاب النبي ﷺ . انتهى. والأولى أن يكون خطابًا للسامع. قال أهل المعاني: ﴿ألم تعلم﴾ الخطاب لمن حاول تعليم إنسان شيئًا مدةً وبالغ في ذلك التعليم فلم يعلم، فقال له: ألم تعلم بعد المباحث الظاهرة، والمدة المديدة، وحسن ذلك؛ لأنه طال مكث النبي ﷺ معه، وكثر منه التحذير عن معصية الله، والترغيب في طاعة الله، وقرأ الجمهور: ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ بفتح الهزة على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فحق أن له نار جهنم، أو فالواجب أن له النار، والفاء رابطةٌ جواب الشرط، وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿فإن له﴾ بالكسر في الهمزة، حكاها عنه أبو عمرو الداني، وهي قراءة محبوب عن الحسن، ورواية أبي عبيدة عن أبي عمرو، ووجهه في العربية قوي؛ لأن الفاء تقتضي الاستئناف والكسر مختار؛ لأنه لا يحتاج إلى إضمار بخلاف الفتح.
стр. 4994
٦٤ - ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾؛ أي: يخاف المنافقون، قيل: هو خبر ليس بأمر. وقال الزجاج: هو خبر بمعنى الأمر، فهو على تقدير ليحذر المنافقون ﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي على المؤمنين، وقرىء بالتخفيف وبالتشديد ﴿سُورَةٌ﴾ من سور القرآن ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾: أي: تخبر المؤمنين ﴿بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: بما في قلوب المنافقين، من النفاق والحسد والعداوة للمؤمنين، وذلك أن المنافقين كانوا فيما بينهم يذكرون المؤمنين بسوءٍ ويسترونه، ويخافون الفضيحة، ونزول القرآن في شأنهم.
ويجوز (١) أن تكون الضمائر للمنافقين؛ فإنَّ النازل فيهم كالنازل عليهم، من حيث إنه مقروءٌ، ومحتجٌ به عليهم.
والمعنى: يخاف المنافقون أن ينزل في شأنهم سورة تفضحهم بإظهار ما في قلوبهم للمؤمنين، وذلك يدل على ترددهم أيضًا في كفرهم، وأنهم لم يكونوا على بت في أمر الرسول ﷺ بشيءٍ.
والخلاصة: أنهم يحذرون أن تنزل سورة في شأنهم، وبيان حالهم، فتكون في ذلك فضيحتهم وكشف عوراتهم، وإنذارهم ما قد يترتب عليه من عقابهم.
ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ ، بأن يجيب عليهم، فقال: ﴿قُلِ﴾ لهم يا محمد ﴿اسْتَهْزِئُوا﴾ أمر تهديد على حد ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾؛ أي: افعلوا الاستهزاء بالله وبرسوله وبآياته ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿مُخْرِجٌ﴾ ومظهر ﴿مَا تَحْذَرُونَ﴾ من إنزال سورة تهتك ستركم، أو ما تحذرون إظهاره من مساويكم، والمعنى؛ أي: قل لهم استهزئوا، فإن الله سينزل على رسوله ما يفضحكم به، ويبين أمركم، من قرآن أو وحي.
٦٥ - ولا يخفى ما في هذا من التهديد والوعيد على فعلم، وكونه سببًا لإخراجه تعالى ما يحذرون ظهوره من مخبآت سرائرهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لئن سألت يا محمد هؤلاء المستهزئين عما قالوه من الطعن في الدين،
стр. 4995
وثلب المؤمنين، بعد أن يبلغ إليك ذلك، ويطلعك الله عليه ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ معتذرين عما قالوا ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ولم نكن في شيء من أمرك ولا أمر المؤمنين؛ أي: إنما كنا نخوض ونتحدث بالحديث الباطل الذي لا معنى له، نقطع به عنا الطريق كحديث الركب المسافرين في الطريق لتقصر عليه المسافة، ﴿وَنَلْعَبُ﴾؛ أي: نضحك بما نقول، ولا نقصد معناه.
أي: إنك إن سألتهم عن أقوالهم هذه يعتذرون عنها، بأنهم لم يكونوا جادين ولا منكرين، بل هازلين لاعبين للتسلي والتلهي، وكانوا يظنون أن هذا عذر مقبول، لجهلهم أن اتخاذ الدين هزوًا ولعبًا كفرٌ محضٌ، كما قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)﴾ وقال: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢)﴾.
ويدخل في عموم الآية المبتدعون في الدين، والذين يخوضون في الداعين، إلى الكتاب والسنة، ويستهزئون بهم لاعتصامهم بهما.
أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة قال: بينما رسول الله ﷺ في غزوته إلى تبوك، إذ نظر إلى أناس بين يديه يقولون: أيرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات .. فاطلع الله نبيه ﷺ على ذلك فقال: "احبسوا على هؤلاء الركب"، فأتاهم، فقال: "قلتم كذا، وقلتم كذا"، قالوا: يا نبيَّ الله إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهم ما تسمعون.
ثم أمر الله سبحانه نبيه أن يجيب عنهم، فقال: ﴿قُلِ﴾ لهم يا محمد ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ والاستفهام للتقريع والتوبيخ حقه الدخول على كان، وأثبت وقوع ذلك منهم، ولم يعبأ بإنكارهم؛ لأنهم كانوا كاذبين في الإنكار، بل جعلهم كالمعترفين بوقوع ذلك منهم، حيث جعل المستهزأ به واليًا لحرف الاستفهام؛ أي: أكنتم تستهزئون، وتسخرون بالله؛ أي: بفرائض الله وحدوده وأحكامه وبآياته؛ أي: وبكتابه وبرسوله محمد ﷺ .
والمعنى: كيف تقدمون على الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، ولا يستقيم ذلك
стр. 4996
لمن له عقل؛ أي: قل لهم (١): إن الخوض واللعب في صفات الله وشرعه وآياته المنزلة ورسوله استهزاء بها، إذ كل ما يلعب به، فهو مستخف به، وكل مستخف به، فهو مستهزأ به.
وقصارى ذلك: ألم تجدوا ما تستهزئون به في خوضكم ولعبكم إلا الله وآياته ورسوله، فقصرتم ذلك عليهما، فهل ضاقت عليكم سبل القول، فلم تجدوا ما تخوضون فيه، وتلعبون به غير هذا، ثم بعدئذٍ تظنون أن معاذيركم بمثل هذا تقبل، وتدلون بها بلا خوف ولا خجل؛
٦٦ - ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ بالاعتذارات الباطلة، فلن نقبلها منكم؛ أي لا تذكروا هذا العذر الباطل، لدفع هذا الجرم العظيم، فإنَّ ذلك غير مقبول منكم؛ لأن الإقدام على الكفر لأجل اللعب لا ينبغي أن يكون، فاعتذاركم إقرارٌ بذنبكم، فهو كما يقال: عذر أقبح من الذنب. ونقل الواحدي عن أئمة اللغة، أن معنى الاعتذار هو أثر الذنب وقطعه، من قولهم: اعتذر المنزل إذا درس واعتذرت المياه إذا انقطعت، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في مبحث التصريف؛ أي: لا تعتذروا فـ ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾؛ أي: أظهرتم الكفر بما وقع منكم من الاستهزاء المذكور، ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾؛ أي: بعد إظهاركم الإيمان مع كونكم تبطنون الكفر ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: إن نعف عن جماعة منكم هذا الاستهزاء، لتوبتهم وإنابتهم إلى ربهم كمخشي بن حمير ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ أخرى منكم لإجرامهم وإصرارهم عليه، ﴿بـ﴾ سبب ﴿أنهم كانوا مجرمين﴾؛ أي: مصرين مستمرين على الإجرام والنفاق، لم يتوبوا منه، قال الزجاج: الطائفة: الجماعة، قال ابن الأنباري: ويطلق لفظ الجمع على الواحد عند العرب.
وخلاصة ذلك: أن من تاب من كفره ونفاقه .. عفي عنه، ومن أصر عليه، وأظهره .. عوقب به.
روي (٢): أن الطائفتين كانوا ثلاثة، فالواحد: طائفة، وهو جهير بن حمير
стр. 4997
والاثنان: طائفة، وهما وديعة بن جذام وجدُّ بن قيس، فالذي عفى عنه جهير بن حمير؛ لأنه كان ضحك معهم، ولم يستهزىء معهم، فلما نزلت هذه الآية، تاب من نفاقه، وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آية، تقشعر منها الجلود، وتخفق منها القلوب، اللهم اجعل وفاتي قتلًا في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة فلم يعرف أحد من المسلمين مصرعه.
وقرأ زيد بن ثابت (١) وأبو عبد الرحمن وزيد بن علي وعاصم من السبعة: ﴿إِنْ نَعْفُ﴾ بالنون ﴿نعذب﴾ بالنون ﴿طائفة﴾ بالنصب، ولقيني شيخنا الأديب الكامل أبو الحكم، مالك بن المرحل المالقي بغرناطة، فسألني: قراءة من تقرأ اليوم على الشيخ أبي جعفر بن الطباع؟ فقلت: قراءة عاصم، فأنشدني:
لِعاصِمٍ قِرَاءَةٌ لِغَيْرِهَا مُخَالِفَهْ ... إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَهْ
وقرأ باقي السبعة ﴿إن تُعفَ عن طائفة تعذب طائفة﴾ مبنيًّا للمفعول، وقرأ الجحدري: ﴿إن يَعف﴾ ﴿يُعذب﴾ مبنيًّا للفاعل فيهما؛ أي: إن يعف الله، وقرأ مجاهد ﴿إن تعف﴾ بالتاء مبنيًّا للمفعول ﴿تعذب﴾ مبنيًّا للمفعول بالتاء أيضًا، قال ابن عطية: على تقدير إن تعف هذه الذنوب. وقال الزمخشري: الوجه التذكير؛ لأن المسند إليه الظرف، كما تقول سير بالدابة، ولا تقول: سيرت بالدابة، ولكنه ذهب إلى المعنى كأنه قيل: إن ترحم طائفة، فأنث لذلك، وهو غريب، والجيد قراءة العامة: ﴿إن يعف عن طائفة﴾ بالتذكير و ﴿تعذب طائفة﴾ بالتأنيث. انتهى.
٦٧ - ﴿الْمُنَافِقُونَ﴾ قيل (٢) كانوا ثلاث مئة ﴿وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ وكنَّ مئة وسبعين ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾؛ أي: متشابهون في صفة النفاق والأفعال الخبيثة؛ أي: أنَّ (٣) أهل النفاق رجالًا ونساءً يتشابهون في صفاتهم وأخلاقهم وأعمالهم، كما قال تعالى في آل إبراهيم وآل عمران: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾. وقال الشاعر:
تِلْكَ العَصَا مِنْ هَذِه العُصَيَّهْ ... هَلْ تَلِدُ الحَيَّةُ إلَّا حَيَّهْ
стр. 4998
ثُم بين ذلك التشابه فقال: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾؛ أي: إن بعضهم يأمر بعضًا بالمنكر، وهو كل (١) قبيح عقلًا أو شرعًا كالكذب والخيانة، وإخلاف الوعد، ونقض العهد، كما جاء في الحديث الصحيح: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان" رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: وينهى بعضهم بعضًا عن المعروف، وهو كل حسن عقلًا أو شرعًا كالجهاد وبذل المال في سبيل الله للقتال، كما حكى الله تعالى عنهم، بقوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾، ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ عن كل خير، من زكاة وصدقة وإنفاق في سبيل الله، والقبض كناية عن الشح، كما أن البسط كناية عن الكرم، واقتصر (٢) من منكراتهم الفعلية في هذه الآية على الامتناع عن البذل؛ لأنه شرها وأضرها وأقواها دلالةً على النفاق، كما أن الإنفاق في سبيل الله أقوى دلائل الإيمان ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾؛ أي: نسوا وتركوا أن يتقربوا إليه بفعل، ما أمر به وترك ما نهى عنه، ولم يكن يخطر ببالهم أن له عليهم حق الطاعة والشكر، واتبعوا أهواءهم ووساوس الشيطان ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾؛ أي: تركهم من رحمته وفضله، والنسيان هنا الترك؛ لأن النسيان الحقيقي لا يصح إطلاقه على الله سبحانه، وإنما أطلق عليه هنا من باب المشاكلة المعروفة في علم البيان، أو المعنى: فجازاهم على ما فعلوا بحرمانهم من لطفه، وتوفيقه في الدنيا، ومن الثواب في الآخرة.
ثم حكم عليهم بالفسق؛ أي: الخروج عن طاعته إلى معاصيه فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ الناكبين عن الصراط المستقيم إلى سبل الشيطان ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي؛ الكاملون في الفسق، الذي هو الانسلاخ من كل خير؛ أي: هم أكثر الناس فسوقًا وخروجًا من جميع الفضائل، حتى من الكفار، الذين يعتقدون صحة عقائدهم الباطلة، فهم لا يبلغون مبلغهم في الفسوق والخروج من طاعة الله، والانسلاخ من فضائل الفطر السليمة،
٦٨ - ثم بين سبحانه ما أعدَّ لهم ولأمثالهم
стр. 4999
من العقاب جزاءً لهم على أعمالهم، فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ هؤلاء ﴿الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ﴾ المجاهرين بالكفر جميعًا ﴿نَارَ جَهَنَّمَ﴾ يصلونها حالة كونهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: ماكثين فيها مكثًا مؤبدًا لا نهاية له، فالنار المخلدة من أعظم العقوبات، وقدم المنافقين في الوعيد على الكفار للإيذان بأنهم وإن أظهروا الإيمان وعملوا أعمال الإسلام شر من الكفار، ولا سيما المتدينين منهم بأديان محرفة أو منسوخة، كأهل الكتاب وفي هذه الآية دليلٌ على أن وعد يقال في الشر، كما يقال في الخير: ﴿هِيَ﴾؛ أي: نار جهنم ﴿حَسْبُهُمْ﴾؛ أي: كافيتهم عقوبةً ولا شيء أبلغ منها، ولا يمكن الزيادة عليها ﴿و﴾ مع ذلك فقد ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ تعالى: أي: طردهم وأبعدهم من رحمته ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾؛ أي: نوعٌ آخر من العذاب دائم، لا ينفك عنهم، كالزمهرير والسموم.
والمعنى: أن نار جهنم فيها من الجزاء ما يكفيهم، عقابًا لهم في الآخرة على أعمالهم، وعليهم لعنة الله في الدنيا والآخرة، بحرمانهم من رحمته، التي لا يستحقها إلا المؤمنون الصادقون، ولهم عذاب مقيم دائم، غير عذاب جهنم، كالسموم الذي يلفح وجوههم، والحميم الذي يصهر ما في بطونهم، والضريح الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وحرمانهم من لقاء الله تعالى وكرامته، والحجاب دون رؤيته، كما قال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾.
٦٩ - ثم شبه حال المنافقين بالكفار الذين كانوا من قبلهم، ملتفتًا من الغيبة إلى الخطاب، فقال: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ والكاف فيه خبر لمبتدأ محذوف، ولكنه مع تقدير مضاف؛ أي: فعلكم أيها المنافقون المعاصرون لمحمد ﷺ كفعل الكفار الذين كانوا من قبلكم من الأمم الماضية، في الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض الأيدي عن الخيرات، فقد ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾؛ أي: أكثر منكم قوةً في الأبدان ﴿وَأَكْثَرَ﴾ منكم ﴿أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾؛ أي: أجمع منكم إياها ﴿فَاسْتَمْتَعُوا﴾؛ أي: تمتع أولئك الكفار وانتفعوا ﴿بِخَلَاقِهِمْ﴾؛ أي: بنصيبهم وحظهم من ملاذ الدنيا وشهواتها مدة حياتهم،
стр. 5000
وخاضوا في تكذيب أنبيائهم واستهزائهم، وفتنوا بدنياهم، وغروا بشهواتهم، وخرجوا من الدنيا مفتونين مغرورين محرومين من - رحمة الله - تعالى ونعيم الآخرة.
والمعنى: أنتم أيها المنافقون المؤذون لله ورسوله ﷺ والمؤمنين كأولئك المنافقين الذين خلوا من قبلكم في أقوام الأنبياء السابقين، فتنتم بأموالكم وأولادكم، كما فتنوا وغروا بها، ولكنهم كانوا أشد منكم قوةً، وأكثر منكم أموالًا وأولادًا، وقد كان جل مطلبهم وسعيهم، هو التمتع بنصيبهم وحظهم الدنيويِّ، من الأموال والأولاد، فأطغتهم الدنيا، وأغرتهم لذاتها، ولم يكن لهم مقاصد شريفة من الحياة كالتي يقصدها أهل الإيمان باللهِ ورسله والدار الآخرة، من إعلاء كلمة الحق، وإقامة ميزان العدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فخرجوا من الدنيا مفتونين مغرورين محرومين.
﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾؛ أي: فأنتم أيها المنافقون المعاصرون لمحمد ﷺ حذوتم حذوهم، وسلكتم سبيلهم، وتمتعتم بنصيبكم وحظكم من ملاذ الدنيا وشهواتها ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾؛ أي: استمتعتم استمتاعًا كاستمتاع الكفار الذين خلوا من قبلكم بحظوظهم الخسيسة من الشهوات الفانية، وفتنتم بها، كما فتنوا بها، فأنتم أولى بالعقاب منهم.
والمعنى: أي وقد سلكتم أيها المنافقون سبيلهم في الاستمتاع بخلاقكم، فأنتم فعلتم بدينكم ودنياكم كما فعل الذين كانوا من قبلكم، ولم تفضلوا عليهم بشيءٍ من الاسترشاد بكلام الله وهدي رسوله، إذ لم تعلموا شيئًا من الفضائل التي تزكي النفوس وتجعلها أهلًا للسعادة، فكنتم أجدر بالعقاب منهم؛ لأنهم أوتوا من القوة والأموال فوق ما أوتيتم، ولم يروا من آيات الله ما رأيتم.
فإن قلت: ما فائدة ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرةً ثم في حق المنافقين ثانيًا ثم تكريره في حق الأولين ثالثًا، والثاني مغن عن الأول؟
قلت: فائدة ذكر الاستمتاع في الأولين أولًا: تمهيدٌ لذم حال المخاطبين، بأن قرر وبين حال الأولين، ثم عاد فشبه حال المنافقين بحالهم، فيكون ذلك
стр. 5001
بيانًا لوجه الشبه، وتكريره ثانيًا تأكيدٌ ومبالغةٌ في ذم المخاطبين، وتقبيح حالهم، ولم يسلك هذه الطريقة في التشبيه الثاني، وهو قوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ حيث لم يقل: وخاضوا وخضتم كخوضهم، اكتفاءًا بالتمهيد الأول فاستغنى عن ذكر التمهيد في التشبيه الثاني. اهـ "زاده" بتصرف.
وقوله: ﴿وَخُضْتُمْ﴾ معطوف على قوله: واستمتعتم؛ أي: وخضتم أيها المنافقون المعاصرون لمحمد ﷺ ، ودخلتم أشد الدخول في إيذاء الله ورسوله ﷺ والمؤمنين وفي الطعن بالإسلام ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾؛ أي: خوضًا كخوض الفريق الذي خاضوا في تكذيب أنبيائهم وطعنهم من الذين كانوا من قبلكم؛ أي: ودخلتم في الباطل، كما دخلوا فيه مع ما بين حالكم وحالهم من الفوارق التي كانت تقتضي أن تكونوا أهدى منهم سبيلًا.
﴿أُولَئِكَ﴾ المستمتعون بخلاقهم وحظوظهم، والخائضون في الأباطيل، فالإشارة إلى كل من المشبهين والمشبه بهم، فهي لمجموع الفريقين ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾؛ أي: بطلت حسناتهم بسبب الفقر، والانتقال من العز إلى الذل، ومن القوة إلى الضعف، وبسبب الموت وفي الآخرة بسبب أنهم يعاقبون أشد العقاب.
والمعنى: حبطت أعمالهم الدنيوية، فكان ضررها أكبر من نفعها لهم، لإسرافهم وإفسادهم في الأرض، وكذلك أعمالهم الدينية في الآخرة من عبادات، وصلة رحم وصدقة، وقرى ضيف، فلم يكن لهم أجر عليها ينقذهم من عذاب النار ويدخلهم الجنة، إذ شرط قبولها في الآخرة الإيمان والإخلاص.
﴿وَأُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالأفعال الذميمة ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ في الدنيا والآخرة، حيث أتعبوا أنفسهم في الرد على الأنبياء، فما وجدوا منه إلا فوات الخيرات في الدنيا والآخرة، وإلا حصول العقاب بهم في الدنيا والآخرة، فهم خسروا في مظنة الربح والمنفعة.
ونحو الآية قوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾.
٧٠ - ثم نبههم وحذرهم سوء عاقبة أعمالهم،
стр. 5002
فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾؛ أي: ألم يأت أولئك المنافقين المعاصرين لمحمد ﷺ ، ففيه رجوع إلى الغيبة عن الخطاب، ففيه التفات ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: خبر الأمم الذين كانوا من قبلهم، حيث عصوا رسلهم، وخالفوا أمر ربهم، فأخذهم العذاب المستأصل في الدنيا؛ أي: ألم يأتهم خبرهم الذي له شأن، وهو ما فعلوه وما فعل بهم، ولما شبه حالهم بحالهم فيما سلف على الإجمال، في المشبه بهم، ذكر منهم ههنا ست طوائف قد سمع العرب أخبارهم؛ لأن بلادهم وهي الشام والعراق واليمن، قريبة من بلاد العرب، فالاستفهام فيه للتقرير على حدِّ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ كما في "الجمل" وقوله: ﴿قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ بدل تفصيل من الموصول؛ أي: ألم يأتهم نبأ قوم نوح الذين أغرقوا بالطوفان، ونبأ عاد الذين أهلكوا بالريح العقيم، ونبأ ثمود الذين أهلكوا بالصيحة، ونبأ قوم إبراهيم الذين حاولوا إحراقه، وهم نمروذ وأتباعه، وأهلكوا بسلب النعمة عنهم والهدم، وبتسليط البعوضة على دماغ نمروذ، ونبأ أصحاب مدين، الذين هم قوم شعيب، أهلكوا بالظلة أو بالرجفة، ونبأ أصحاب المؤتفكات؛ أي: القرى المنقلبات، التي جعل الله عاليها سافلها، الذين هم قوم لوط أهلكوا بالخسف الذي نزل بهم وهم فيها، وأمطروا حجارةً من سجيل، وإنما (١) اقتصر على هذه الستة؛ لأن آثارهم باقية وبلادهم بالشام والعراق واليمن، وكل ذلك قريب من أرض العرب، فكانوا يمرون عليها ويعرفون أخبار أهلها، كما مر آنفًا.
﴿أَتَتْهُمْ﴾؛ أي: جاءت تلك الأمم الماضية ﴿رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالمعجزات الباهرات والحجج الواضحات، الدالة على صدقهم فكذبوهم، وخالفوا أمرنا، كما فعلتم أيها المنافقون والكفار المعاصرون لمحمد ﷺ ، فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فتعجل لكم العقوبة، كما عجلت لهم، ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ﴾ ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾؛ أي: ظالمًا لهم، بتعجيل العقوبة لهم؛ لأنه حكيم حليم، فلا يعاقب أحدًا بغير جرم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
стр. 5003
حيث عرضوها للعقوبة بالكفر والتكذيب للأنبياء.
والمعنى (١): وما كان من سنة الله، ولا من مقتضى عدله وحكمته أن يظلمهم بما حل بهم من العذاب، وقد أعذرهم وأنذرهم، ليجتنبوه، ولكن كانوا يظلمون أنفسهم بجحودهم وعنادهم، وعدم مبالاتهم، بإنذار رسلهم، وقد ضرب هذا المثل للكافرين برسالته ﷺ والمنافقين ليبين لهم أن سنة الله تعالى في عباده واحدة، لا ظلم فيها ولا محاباة، فلا بد أن يحل بهم من العذاب مثل ما حل بأمثالهم من أقوام الرسل إن لم يتوبوا، وقد أهلك الله تعالى أكابر الجاحدين المعاندين منهم في أول غزوة، وهي غزوة بدر، ثم خذل من بعدهم في سائر الغزوات، وما زال المنافقون يكيدون له في السر، حتى فضحهم الله بهذه السورة، فتاب أكثرهم ومات زعيمهم عبد الله بن أبي بغيظه وكفره، ولم تقم للنفاق قائمة من بعده، وبهذا التمحص كانت أمة محمد ﷺ خير أمة أخرجت للناس، نشر الله بها أعلام دينه، حتى سادت العالم جميعه.
ولمَّا وصف الله المنافقين بالأعمال الخبيثة، والأحوال الفاسدة،
٧١ - ثم ذكر بعده ما أعد لهم، من أنوع الوعيد في الدنيا والآخرة .. عقبه بذكر أوصاف المؤمنين وأعمالهم الحسنة، وما أعد لهم من أنواع الكرامات والخيرات في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾؛ أي: والمصدقون بوحدانية الله ورسالة رسوله من الرجال، والمصدقات من النساء، بعضهم أنصار بعض آخر، وأصدقاؤه في الدين والمعاونة بتسديد الله وتوفيقه وهدايته، لا بمقتضى الطبيعة، وهوى النفس، بل قلوبهم متحدة في التوادد والتحابب والتعاطف، بسبب ما جمعهم من أمر الدين، وضمهم من الإيمان بالله ورسوله.
والولاية: ضد العداوة، فتشمل ولاية النصرة، وولاية الأخوة والمودة، ونصرة النساء: تكون فيما دون القتال، من الأعمال المتعلقة بتعبئة الجيوش، من
стр. 5004
الأمور المالية والبدنية، وكان نساء النبي ﷺ ، ونساء أصحابه، يخرجن مع الجيش يسقين الماء، وبجهزن الطعام، ويحرضن على القتال، ويرددن المنهزم من الرجال، قال حسان بن ثابت:
تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٌ ... تُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ
فإن قلت: لِمَ قال في وصف المؤمنين: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، وقال في وصف المنافقين: ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ فما الفائدة في التفرقة بينهما في الوصف؟
قلت: فرق بينهما لأن المؤمنين بينهم أخوة ومودة وتعاون وتراحم، حتى شبه النبي ﷺ جماعتهم بالجسد الواحد، وبالبنيان يشد بعضه بعضًا، وبينهم ولاية النصرة في الدفاع عن الحق والعدل، وإعلاء كلمة الله تعالى، أما المنافقون فيشبه بعضهم بعضًا في الشكوك والذبذبة، وما يتبعها من الجبن والبخل، وهما يمنعان من التناصر ببذل النفس والمال، وقصارى أمرهم التعاون بالكلام، وما لا يشق من الأعمال، ومن ثم أكْذَبَ الله منافقي المدينة في وعدهم لليهود حلفائهم، بنصرهم على النبي ﷺ والمؤمنين إذا قاتلوهم، في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ...﴾ الآية، ثم بين أوصافهم الحميدة، كما بين أوصاف من قبلهم من المنافقين، فقال: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بما هو معروف في الشرع غير منكر، ومن ذلك توحيد الله سبحانه، وترك عبادة غيره؛ أي: يأمرون غيرهم بالإيمان بالله ورسوله، واتباع ما أمر به ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾؛ أي: عما هو منكر في الدين والشرع، غير معروف فيه، من الشرك والمعاصي والبدع ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾؛ أي: يؤدون الصلاة المفروضة، بإتمام الأركان والشرائط ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾؛ أي: يؤدون الزكاة المفروضة عليهم إلى مستحقيها، وخصَّ (١) إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر من بين جملة العبادات؛ لكونهما الركنين العظيمين فيما يتعلق بالأبدان والأموال
стр. 5005
﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما يأمرهم به وينهاهم عنه في السر والعلن.
والحاصل (١): أن الله وصف المؤمنين في هذه الآية بصفاتٍ خمسٍ، تفاد مثلها في المنافقين:
١ - أنهم يأمرون بالمعروف، والمنافقون يأمرون بالمنكر.
٢ - أنهم ينهون عن المنكر، والمنافقون ينهون عن المعروف، وهاتان الخصلتان سياج الفضائل، ومنع فشوِّ الرذائل.
٣ - أنهم يؤدون الصلاة على أقوم وجه وأكمله بخشوع وإخبات لله، وحضور القلب في مناجاته، والمنافقون إذا قاموا إلى الصلاة .. قاموا وهم كسالى، يراؤون الناس.
٤ - أنهم يعطون الزكاة المفروضة عليهم، وما وفقوا له من التطوع، والمنافقون يقبضون أيديهم، والمنافقون وإن كانوا يصلون لم يكونوا يقيمون الصلاة، وكانوا يزكون وينفقون، ولكن خوفًا أو رياءً لا طاعةً لله تعالى، كما قال سبحانه ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ...﴾ الآية.
٥ - أنهم يستمرون على الطاعة، بترك ما نهوا عنه وفعل ما أمروا به، بقدر الطاقة وبضد ذلك المنافقون فإنهم فاسقون خارجون عن حظيرة الطاعة كما تقدم.
ثم ذكر ما يكون لهم من حسن العاقبة، وعظيم الجزاء على جميل أفعالهم فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصفون بالصفات المذكورة من المؤمنين والمؤمنات ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ ؛ أي: يفيض عليهم آثار رحمته، ويتعهدهم برحمته في الدنيا والآخرة باستمرارهم على طاعته، وطاعة رسوله، ويقابل هذا نسيانه تعالى للمنافقين ولعنه إياهم.
وزيدت (٢) السين فيه للتأكيد والمبالغة؛ أي: للدلالة على تحقيق ذلك وتقرر
стр. 5006
ألبتة بمعونة المقام كما هنا، إذ السين موضوعة للدلالة على الوقوع مع التأخير، فهذا كان المقام ليس مقام تأخير لكونه بشارة ووعدًا، تمحضت لتأكيد الوقوع اهـ. كرخي.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: غالب لا يمنع من مراده من رحمةٍ أو عقوبة، ولا يمتنع عليه شيء من وعده ووعيده ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما دبره لعباده، لا يضع شيئًا منهما في غير موضعه.
٧٢ - والإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ لزيادة التقرير والإشعار بعلية وصف الإيمان للوعد المذكور، ذكره أبو السعود. وبعد أن بين صفاته روحمته لهم إجمالًا .. بين ما وعدهم به، من الجزاء المفسر لرحمته تفصيلًا، فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ وبساتين ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها وقصورها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ الأربعة الجارية في الجنة، اللبن، والماء، والخمر، والعسل، حالة كونهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: ماكثين في تلك الجنات مكثًا مؤيدًا لا نهاية له ﴿و﴾ وعدهم ﴿مساكن طيبة﴾؛ أي: منازل حسنة يسكنون فيها من الدرِّ والياقوت تستطيبها النفس، أو يطيب فيها العيش، أو قد طيبها الله بالمسك والريحان، ويقال: جميلةً ويقال: طاهرةً ويقال: عامرةً كائنة ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ وخلود وإقامة مؤبدة، فجنات عدن، هي جنات الإقامة والخلود كقوله: ﴿جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ ﴿جَنَّةُ المَأوَى﴾ وقيل: إنه منزل من منازل دار النعيم، كالفردوس الذي هو أوسط الجنة أو أعلاها، روي عن أبي هريرة: "إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما، كما بين السماء والأرض، فهذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن".
تتمة: والجنَّات (١): البساتين الملتفة الأشجار، التي تجن ما تحتها؛ أي:
стр. 5007
تغطيه وتستره، وجريان الأنهار من تحت أشجارها مما يزيد جمالها، والمساكن الطيبة في جنات عدن هي الدور والخيام، التي يطيب لساكنها المقام فيها، لاحتوائها على ما يطلبون من الأثاث والرياش والزينة التي بها تتم راحة المقيم فيها وسروره، والعدن: الإقامة والاستقرار، يقال: عدن في مكان كذا، إذا أقام فيه وثبت.
والمراد (١) بالجنات التي تجري من تحتها الأنهار: البساتين التي يتحير في حسنها الناظر؛ لأنه ، قال: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ﴾، والمعطوف يجب أن يكون مغايرًا للمعطوف عليه، فتكون مساكنهم في جنات عدن ومناظرهم الجنات التي هي البساتين، فتكون جنات عدن هي المساكن التي يسكنونها، والجنات الأخرى هي البساتين التي يتنزهون فيها، فهذه فائدة المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، والفرق بينهما.
والمعنى: ومنازل طيبةً كائنةً في محلات تسمى بجنة عدن، روى الطبري، بسنده عن عمران بن حصين وأبي هريرة، قالا: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ قال: "قصر من لؤلؤة، في ذلك القصر سبعون دارًا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتًا من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريرًا، على كل سرير سبعون فراشًا، على كل فراش زوجة من الحور العين"، وفي رواية: "في كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونًا من طعام، وفي كل بيت سبعون وصيفةً، ويعطى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله أجمع"، ولكن هذا الحديث ضعفه أئمة الحديث، وبعضهم جعله من الموضوعات، وهو حديث منكر من دسائس الوضاعين، ككعب الأحبار وغيره، قال ابن القيم: لم يثبت في نساء الجنة حديث صحيح بأكثر من زوجتين لكل رجل.
وروى بسنده عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ "عدن داره - يعني
стр. 5008
دار الله - التي لم ترها عين، ولم تخطر على قلب بشر، وهي مسكنه، ولا يسكنها معه من بني آدم غير ثلاثة، النبيين والصدقين والشهداء، يقول الله : طوبى لمن دخلك"، هكذا رواه الطبري، فإن صحت هذه الرواية .. فلا بد من تأويلها، فقوله: "عدن داره"، يعني: دار الله، وهو من باب حذف المضاف، تقديره عدن دار أصفياء الله التي أعدها لأوليائه وأهل طاعته، والمقربين من عباده.
وعن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال: "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" أخرجه البخاري ومسلم.
وقال عبد الله بن مسعود: ﴿عَدْنٍ﴾ بطنان الجنة، يعني وسطها، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن في الجنة قصرًا، يقال له: عدن، حوله البروج والمروج، له خمسة الآف باب لا يدخله إلا نبيٌّ أو صديق أو شهيد، وقال عطاء بن السائب: ﴿عَدْنٍ﴾ نهر في الجنة خيامه على حافتيه، وقال مقاتل والكلبي: عدن: أعلى درجة في الجنة، فيها عين التسنيم، والجنان حولها محدقة بها، وهي مغطاة من حين خلقها الله تعالى حتى ينزلها أهلها، وهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، ومن شاء الله، وفيها قصور الدر والياقوت والذهب، فتهب ريح طيبة من تحت العرش، فتدخل عليها كثبان المسك الأبيض.
قال الإمام فخر الدين الرازي: حاصل هذا الكلام: أن في جنان عدن قولين:
أحدهما: أنه اسم علم لموضع معين في الجنة، وهذه الأخبار والآثار تقوي هذا القول.
قال صاحب "الكشاف": و ﴿عدن﴾ علم بدليل قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾.
стр. 5009
والقول الثاني: أنه صفة للجنة، قال الأزهري: ﴿العدن﴾ مأخوذ من قولك عدن بالمكان، إذا أقام يعدن عدونا، فبهذا الاشتقاق قالوا: الجنات كلها جنات عدن، انتهى من "الخازن".
وقوله : ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ جملة مستأنفة؛ أي: رضوان قليل يسير من الله الذي ينزله عليهم أكبر وأعلى وأفضل من ذلك النعيم المقيم كله الذي أعطاهم إياه، وفيه دليل على أنه لا شيء من النعم وإن جلت وعظمت يماثل رضوان الله سبحانه، وإن أدنى رضوان منه لا يساويه شيء من اللذات الجسمانية، وإن كانت على غاية ليس وراءها غاية، اللهم ارض عنا رضًا لا سخط بعده، ولا يكدره نكد، يا من بيده الخير كله. وقرأ الأعمش: ﴿ورضوان﴾ بضمتين، قال صاحب "اللوامع" وهي: لغة. اهـ "البحر".
﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الأمور الثلاثة، من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، ومن المساكن الطيبة، من الرضوان الأكبر ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ والظفر الجسيم، لا ما يطلبه المنافقون والكفار، من التنعم بطيبات الدنيا، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: "إنَّ الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير كله في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون أي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول أحلُّ عليكم رضواني فلا أسخط بعده عليكم أبدًا" متفق عليه.
الإعراب
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾.
﴿وَمِنْهُمُ﴾ جار ومجرور، خبر مقدم ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة أو معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾. ﴿يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ فعل وفاعل
стр. 5010
معطوف على ﴿يُؤْذُونَ﴾ ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ مقول محكي، أو مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو أذن خير لكم، والجملة في محل النصب، مقول القول ﴿خَيْرٍ﴾ مضاف إليه، ويقرأ: بالرفع، على أنه صفة ﴿أُذُنُ﴾ والتقدير: أذنٌ ذو خير لكم، ذكره أبو البقاء ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿خَيْرٍ﴾ أو صفة له، ويجوز أن يكون ﴿خَيْرٍ﴾ بمعنى أفعل؛ أي: أذن أكثر خيرًا لكم ﴿يُؤْمِنُ﴾ فعل مضارع ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿أُذُنٌ﴾ بمعنى محمد، والجملة في محل الرفع صفة ﴿أُذُنُ﴾ ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ جملة معطوفة على ما قبلها، و ﴿اللام﴾ في ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ زائدة، دخلت عليه لتفرق بين يؤمن، بمعنى: يصدق، ويؤمن بمعنى: يثبت الأمان، كما تقدم في بحث التفسير بأوضح بيان ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بالرفع معطوف على ﴿أُذُنٌ﴾؛ أي: هو أذن ورحمة، ويقرأ: بالجر عطفًا على ﴿خَيْرٍ﴾ فيمن جر خيرًا ﴿لِلَّذِينَ﴾ جار ومجرور، صفة لـ ﴿رحمة﴾ ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور، حال من فاعل الصلة؛ أو من الموصول ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ أول ﴿يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ فعل وفاعل ومفعول صلة الموصول ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة له، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره جملة كبرى في ضمنها جملة صغرى مستأنفة.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾.
﴿يَحْلِفُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به، والجملة مستأنفة ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به أيضًا ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾ ﴿اللام﴾ لام كي ﴿يرضوكم﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَحْلِفُونَ﴾ على كونه بدل اشتمال من ﴿لَكُمْ﴾؛ أي: يحلفون بالله لكم، لإرضائهم إياكم، والخطاب فيه للمؤمنين ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿وَرَسُولُهُ﴾، معطوف عليه ﴿أَحَقُّ﴾ خبر