ألبتة بمعونة المقام كما هنا، إذ السين موضوعة للدلالة على الوقوع مع التأخير، فهذا كان المقام ليس مقام تأخير لكونه بشارة ووعدًا، تمحضت لتأكيد الوقوع اهـ. كرخي.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: غالب لا يمنع من مراده من رحمةٍ أو عقوبة، ولا يمتنع عليه شيء من وعده ووعيده ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما دبره لعباده، لا يضع شيئًا منهما في غير موضعه.
٧٢ - والإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ لزيادة التقرير والإشعار بعلية وصف الإيمان للوعد المذكور، ذكره أبو السعود. وبعد أن بين صفاته روحمته لهم إجمالًا .. بين ما وعدهم به، من الجزاء المفسر لرحمته تفصيلًا، فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ وبساتين ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها وقصورها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ الأربعة الجارية في الجنة، اللبن، والماء، والخمر، والعسل، حالة كونهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: ماكثين في تلك الجنات مكثًا مؤيدًا لا نهاية له ﴿و﴾ وعدهم ﴿مساكن طيبة﴾؛ أي: منازل حسنة يسكنون فيها من الدرِّ والياقوت تستطيبها النفس، أو يطيب فيها العيش، أو قد طيبها الله بالمسك والريحان، ويقال: جميلةً ويقال: طاهرةً ويقال: عامرةً كائنة ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ وخلود وإقامة مؤبدة، فجنات عدن، هي جنات الإقامة والخلود كقوله: ﴿جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ ﴿جَنَّةُ المَأوَى﴾ وقيل: إنه منزل من منازل دار النعيم، كالفردوس الذي هو أوسط الجنة أو أعلاها، روي عن أبي هريرة: "إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما، كما بين السماء والأرض، فهذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن".
تتمة: والجنَّات (١): البساتين الملتفة الأشجار، التي تجن ما تحتها؛ أي:
стр. 5007
تغطيه وتستره، وجريان الأنهار من تحت أشجارها مما يزيد جمالها، والمساكن الطيبة في جنات عدن هي الدور والخيام، التي يطيب لساكنها المقام فيها، لاحتوائها على ما يطلبون من الأثاث والرياش والزينة التي بها تتم راحة المقيم فيها وسروره، والعدن: الإقامة والاستقرار، يقال: عدن في مكان كذا، إذا أقام فيه وثبت.
والمراد (١) بالجنات التي تجري من تحتها الأنهار: البساتين التي يتحير في حسنها الناظر؛ لأنه ، قال: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ﴾، والمعطوف يجب أن يكون مغايرًا للمعطوف عليه، فتكون مساكنهم في جنات عدن ومناظرهم الجنات التي هي البساتين، فتكون جنات عدن هي المساكن التي يسكنونها، والجنات الأخرى هي البساتين التي يتنزهون فيها، فهذه فائدة المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، والفرق بينهما.
والمعنى: ومنازل طيبةً كائنةً في محلات تسمى بجنة عدن، روى الطبري، بسنده عن عمران بن حصين وأبي هريرة، قالا: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ قال: "قصر من لؤلؤة، في ذلك القصر سبعون دارًا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتًا من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريرًا، على كل سرير سبعون فراشًا، على كل فراش زوجة من الحور العين"، وفي رواية: "في كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونًا من طعام، وفي كل بيت سبعون وصيفةً، ويعطى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله أجمع"، ولكن هذا الحديث ضعفه أئمة الحديث، وبعضهم جعله من الموضوعات، وهو حديث منكر من دسائس الوضاعين، ككعب الأحبار وغيره، قال ابن القيم: لم يثبت في نساء الجنة حديث صحيح بأكثر من زوجتين لكل رجل.
وروى بسنده عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ "عدن داره - يعني
стр. 5008
دار الله - التي لم ترها عين، ولم تخطر على قلب بشر، وهي مسكنه، ولا يسكنها معه من بني آدم غير ثلاثة، النبيين والصدقين والشهداء، يقول الله : طوبى لمن دخلك"، هكذا رواه الطبري، فإن صحت هذه الرواية .. فلا بد من تأويلها، فقوله: "عدن داره"، يعني: دار الله، وهو من باب حذف المضاف، تقديره عدن دار أصفياء الله التي أعدها لأوليائه وأهل طاعته، والمقربين من عباده.
وعن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال: "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" أخرجه البخاري ومسلم.
وقال عبد الله بن مسعود: ﴿عَدْنٍ﴾ بطنان الجنة، يعني وسطها، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن في الجنة قصرًا، يقال له: عدن، حوله البروج والمروج، له خمسة الآف باب لا يدخله إلا نبيٌّ أو صديق أو شهيد، وقال عطاء بن السائب: ﴿عَدْنٍ﴾ نهر في الجنة خيامه على حافتيه، وقال مقاتل والكلبي: عدن: أعلى درجة في الجنة، فيها عين التسنيم، والجنان حولها محدقة بها، وهي مغطاة من حين خلقها الله تعالى حتى ينزلها أهلها، وهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، ومن شاء الله، وفيها قصور الدر والياقوت والذهب، فتهب ريح طيبة من تحت العرش، فتدخل عليها كثبان المسك الأبيض.
قال الإمام فخر الدين الرازي: حاصل هذا الكلام: أن في جنان عدن قولين:
أحدهما: أنه اسم علم لموضع معين في الجنة، وهذه الأخبار والآثار تقوي هذا القول.
قال صاحب "الكشاف": و ﴿عدن﴾ علم بدليل قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾.
стр. 5009
والقول الثاني: أنه صفة للجنة، قال الأزهري: ﴿العدن﴾ مأخوذ من قولك عدن بالمكان، إذا أقام يعدن عدونا، فبهذا الاشتقاق قالوا: الجنات كلها جنات عدن، انتهى من "الخازن".
وقوله : ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ جملة مستأنفة؛ أي: رضوان قليل يسير من الله الذي ينزله عليهم أكبر وأعلى وأفضل من ذلك النعيم المقيم كله الذي أعطاهم إياه، وفيه دليل على أنه لا شيء من النعم وإن جلت وعظمت يماثل رضوان الله سبحانه، وإن أدنى رضوان منه لا يساويه شيء من اللذات الجسمانية، وإن كانت على غاية ليس وراءها غاية، اللهم ارض عنا رضًا لا سخط بعده، ولا يكدره نكد، يا من بيده الخير كله. وقرأ الأعمش: ﴿ورضوان﴾ بضمتين، قال صاحب "اللوامع" وهي: لغة. اهـ "البحر".
﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الأمور الثلاثة، من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، ومن المساكن الطيبة، من الرضوان الأكبر ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ والظفر الجسيم، لا ما يطلبه المنافقون والكفار، من التنعم بطيبات الدنيا، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: "إنَّ الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير كله في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون أي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول أحلُّ عليكم رضواني فلا أسخط بعده عليكم أبدًا" متفق عليه.
الإعراب
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾.
﴿وَمِنْهُمُ﴾ جار ومجرور، خبر مقدم ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة أو معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾. ﴿يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ فعل وفاعل
стр. 5010
معطوف على ﴿يُؤْذُونَ﴾ ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ مقول محكي، أو مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو أذن خير لكم، والجملة في محل النصب، مقول القول ﴿خَيْرٍ﴾ مضاف إليه، ويقرأ: بالرفع، على أنه صفة ﴿أُذُنُ﴾ والتقدير: أذنٌ ذو خير لكم، ذكره أبو البقاء ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿خَيْرٍ﴾ أو صفة له، ويجوز أن يكون ﴿خَيْرٍ﴾ بمعنى أفعل؛ أي: أذن أكثر خيرًا لكم ﴿يُؤْمِنُ﴾ فعل مضارع ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿أُذُنٌ﴾ بمعنى محمد، والجملة في محل الرفع صفة ﴿أُذُنُ﴾ ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ جملة معطوفة على ما قبلها، و ﴿اللام﴾ في ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ زائدة، دخلت عليه لتفرق بين يؤمن، بمعنى: يصدق، ويؤمن بمعنى: يثبت الأمان، كما تقدم في بحث التفسير بأوضح بيان ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بالرفع معطوف على ﴿أُذُنٌ﴾؛ أي: هو أذن ورحمة، ويقرأ: بالجر عطفًا على ﴿خَيْرٍ﴾ فيمن جر خيرًا ﴿لِلَّذِينَ﴾ جار ومجرور، صفة لـ ﴿رحمة﴾ ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور، حال من فاعل الصلة؛ أو من الموصول ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ أول ﴿يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ فعل وفاعل ومفعول صلة الموصول ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة له، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره جملة كبرى في ضمنها جملة صغرى مستأنفة.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾.
﴿يَحْلِفُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به، والجملة مستأنفة ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به أيضًا ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾ ﴿اللام﴾ لام كي ﴿يرضوكم﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَحْلِفُونَ﴾ على كونه بدل اشتمال من ﴿لَكُمْ﴾؛ أي: يحلفون بالله لكم، لإرضائهم إياكم، والخطاب فيه للمؤمنين ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿وَرَسُولُهُ﴾، معطوف عليه ﴿أَحَقُّ﴾ خبر
стр. 5011
عنهما ﴿أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ناصب وفعل وفاعل ومفعول والجملة في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، والتقدير: والله ورسوله أحق بإرضائهم إياهما منكم، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ضمير ﴿يَحْلِفُونَ﴾؛ أي: يحلفون لكم لإرضائكم، والحال أنه تعالى ورسوله أحق بالإرضاء منكم؛ أي يعرضون عما يهمهم ويشتغلون بما لا يَعْنِيهم، ذكره أبو السعود ﴿إِن﴾: حرف شرط ﴿كَانُوا﴾ فعل ماض ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ خبرها، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف، دل عليه السياق، والتقدير: إن كانوا مؤمنين .. فليرضوا الله ورسوله بطاعتهما، فإنهما أحق بالإرضاء، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾.
﴿أَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام التوبيخي وفيه معنى التقرير ﴿لم﴾ حرف نفي وجزم ﴿يَعْلَمُوا﴾ فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿لم﴾ ﴿أَنَّهُ﴾ أن حرف نصب ومصدر و ﴿الهاء﴾ اسمها من اسم شرط جازم، في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب أو هما ﴿يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها ﴿وَرَسُولَهُ﴾ معطوف على الجلالة، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ ﴿فَأَنَّ لَهُ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية وجوبًا ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر، ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لها ﴿نَارَ جَهَنَّمَ﴾ اسمها مؤخر ﴿خَالِدًا﴾ حال من الضمير، المجرور باللام ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدًا﴾ وجملة ﴿أن﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر مرفوع، على كونه خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره: فجزاؤه كون نار جهنم له خالدًا فيها، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وجملة من الشرطية في محل الرفع، خبر لـ ﴿أنَّ﴾ الأولى، وجملة ﴿أن﴾ الأولى في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم، تقديره: ألم يعلموا كون جزاء من يحادد الله ورسوله نار جهنم، وجملة علم جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب، ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ ﴿الْخِزْيُ﴾
стр. 5012
خبره ﴿الْعَظِيمُ﴾ صفة و ﴿الْخِزْيُ﴾ والجملة مستأنفة.
﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾.
﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة ﴿أَنْ تُنَزَّلَ﴾ ناصب وفعل ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به ﴿سُورَةٌ﴾: نائب فاعل والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: يحذر المنافقون تنزيل سورة عليهم، الجملة الفعلية مستأنفة ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿سُورَةٌ﴾ والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿سُورَةٌ﴾ ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ جار ومجرور صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها ﴿قُلِ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة، ﴿اسْتَهْزِئُوا﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي. وإن شئت، قلت ﴿اسْتَهْزِئُوا﴾ فعل وفاعل والجملة في محل النصب مقول القول ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿مُخْرِجٌ﴾ خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول القول، مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿مُخْرِجٌ﴾ ﴿تَحْذَرُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما تحذرونه.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾.
﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والثاني محذوف، تقديره: عن استهزائهم ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ ﴿اللام﴾ موطئة للقسم مؤكدة للأولى ﴿يقولن﴾ فعل مضارع، مرفوع وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة، لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين، في محل الرفع فاعل، والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف، لدلالة جواب القسم عليه، تقديره: وإن سألتهم .. يقولون، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر
стр. 5013
﴿كُنَّا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿نَخُوضُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على المتكلمين، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾ في محل النصب مقول القول، وجملة ﴿وَنَلْعَبُ﴾ معطوفة على جملة ﴿نَخُوضُ﴾ ﴿قُل﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿أَبِاللَّهِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿الهمزة﴾ للاستفهام التوبيخي، داخلة على ﴿كنتم بالله﴾ ومجرور متعلق بـ ﴿تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ﴾ معطوفان على الجلالة ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه وجملة ﴿تَسْتَهْزِئُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾ في محل النصب مقول ﴿قُل﴾.
﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾.
﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، والجملة مستأنفة ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ فعل وفاعل ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ظرف ومضاف إليه، متعلق به، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل النهي قبله ﴿إِنْ نَعْفُ﴾ جازم وفعل مجزوم على كونه فعل شرط له، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾ ﴿عَنْ طَائِفَةٍ﴾ متعلق به ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿طَائِفَةٍ﴾ ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ فعل ومفعول، مجزوم على كونه جواب الشرط، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾ وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية مستأنفة ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ ﴿الباء﴾ سببية ﴿أن﴾ حرف نصب، والهاء اسمها وجملة ﴿كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ في محل الرفع، خبر ﴿أن﴾ وجملة أن في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: بسبب كونهم ﴿مُجْرِمِينَ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نُعَذِّبْ﴾.
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾.
﴿الْمُنَافِقُونَ﴾: مبتدأ أول ﴿وَالْمُنَافِقَاتُ﴾: معطوف عليه ﴿بَعْضُهُمْ﴾: مبتدأ ثان، ﴿مِنْ بَعْضٍ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، وجملة الثاني في محل الرفع خبر للأول، وجملة الأول مستأنفة ﴿يَأْمُرُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿بِالْمُنْكَرِ﴾: متعلق به، والجملة
стр. 5014
الفعلية مستأنفة، مفسرة لما قبلها، وجملة ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾: معطوفة على جملة ﴿يَأْمُرُونَ﴾: وكذلك جملة ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوفة عليها. ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول والجملة مستأنفة ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿نسميهم﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير، يعود على ﴿اللَّهَ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿نَسُوا﴾ ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ اسمها ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول ﴿وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ﴾ معطوفان على ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ ﴿نَارَ جَهَنَّمَ﴾ مفعول ثان، والجملة مستأنفة ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من المفعول الأول، وهو مجموع الأصناف الثلاثة، غير أنها حال مقدرة، إذ وقت الوعد لم يكونوا ﴿خَالِدِينَ﴾ ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾ ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة في محل النصب، حال من ﴿جَهَنَّمَ﴾ ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَعَدَ﴾ ﴿وَلَهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿مُقِيمٌ﴾ صفة له، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَعَدَ﴾ أيضًا.
﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾.
﴿كَالَّذِينَ﴾: جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، ولكنه على حذف مضاف، تقديره: حالكم كائن كحال الذين ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: والجملة مستأنفة ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ جار ومجرور صلة الموصول ﴿كَانُوا أَشَدَّ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَشَدَّ﴾ وجملة ﴿كان﴾ مستأنفة مسوقة لبيان حال الذين من قبلهم ﴿قُوَّةً﴾ تمييز محول عن اسم كان منصوب باسم التفضيل أعني أشد
стр. 5015
﴿وَأَكْثَرَ﴾ معطوف على ﴿أَشَدَّ﴾ ﴿أَمْوَالًا﴾، تمييز منصوب بـ ﴿أكثر﴾ ﴿وَأَوْلَادًا﴾ معطوف عليه ﴿فَاسْتَمْتَعُوا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿استمتعوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿كَانُوا﴾ ﴿بِخَلَاقِهِمْ﴾ متعلق به ﴿فَاسْتَمْتَعْتُم﴾ معطوف على ﴿استمتعوا﴾ ﴿بِخَلَاقِكِمْ﴾ متعلق به ﴿كَمَا﴾ ﴿الكاف﴾ حرف جر وتشبيه ﴿ما﴾ مصدرية ﴿اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ جار ومجرور صلة الموصول ﴿بِخَلَاقِهِمْ﴾ متعلق باستمتع وجملة استمتع صلة ما المصدرية، ما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره فاستمتعتم بخلاقكم استمتاعًا كائنًا كاستمتاع الذين من قبلكم.
﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿وَخُضْتُمْ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿استمتعتم﴾ ﴿كَالَّذِي﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف، ولكنه على حذف مضاف تقديره: وخضتم في الباطل خوضًا كائنًا، كخوض الفريق الذي خاضوا من قبلكم ﴿خَاضُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول وأتى في العائد بضمير الجمع نظرًا لمعنى الذي لأنه هنا عبارة عن الفريق ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ متعلق بـ ﴿حَبِطَتْ﴾ ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ معطوف على الدنيا ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾.
﴿أَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾ فيه: للاستفهام التقريري ﴿لم﴾ حرف جزم ﴿يَأْتِهِمْ﴾ فعل ومفعول مجزوم بلم ﴿نَبَأُ الَّذِينَ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجمل مستأنفة ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور صلة الموصول ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾: بدل الموصول بدل بعض من كل ﴿وَعَادٍ﴾: معطوف على ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ مجرور بالكسرة الظاهرة ﴿وَثَمُودَ﴾
стр. 5016
معطوف عليه أيضًا مجرور بالفتحة، للعلمية والتأنيث المعنوي ﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ﴾: معطوف عليه أيضًا وكذلك ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾: معطوفان عليه أيضًا ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعل ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان نبأهم كما ذكره أبي السعود. ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة على محذوف تقديره: أتتهم رسلهم بالبينات، فكذبوهم فأهلكوا ﴿ما﴾: نافية، ﴿كَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وجحود ﴿يَظْلِمَهُمْ﴾: فعل ومفعول، منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ والجملة الفعلية صلة أو المضمرة ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لظلمه إياهم الجار والمجرور متعلق بمحذوف، خبر كان، تقديره: فما كان الله مريدًا لظلمه إياهم، وجملة كان معطوفة على ذلك المحذوف ﴿وَلَكِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لَكِنْ﴾: حرف استدراك. ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول مقدم لـ ﴿يَظْلِمُونَ﴾ قدمه عليه للاهتمام به، ولرعاية الفاصلة وجملة ﴿يَظْلِمُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كَانُ﴾ وجملة الاستدراك معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ أول ﴿وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ معطوف عليه ﴿بَعْضُهُمْ﴾ مبتدأ ثان ﴿أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، وجملة الثاني خبر للأول، وجملة الأول مستأنفة ﴿يَأْمُرُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ متعلق به، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان خصالهم الحميدة ﴿وَيَنْهَوْنَ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿يَأْمُرُونَ﴾ ﴿عن الْمُنْكَرِ﴾ متعلق به، وكذلك جملة قوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: معطوفاتٌ عليها أيضًا ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، مسوقة لبيان عاقبتهم الحسنة، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ ناصب واسمه وخبره ﴿حَكِيمٌ﴾ خبر ثان
стр. 5017
له، الجملة مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول ﴿وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ معطوف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾ مفعول ثان لـ ﴿وَعَدَ﴾ والجملة الفعلية مستأنفة ﴿تَجْرِي﴾ فعل مضارع ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ متعلق به ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل وجملة ﴿تَجْرِي﴾ في محل النصب صفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾ ولكنها صفة سببية ﴿خَالِدِينَ﴾ حال مقدرة أو ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ ﴿فِيهَا﴾ متعلق به ﴿وَمَسَاكِنَ﴾: معطوف على ﴿جَنَّاتِ﴾ ﴿طَيِّبَةً﴾: صفة أولى ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، صفة ثانية لـ ﴿مَسَاكِنَ﴾ ﴿رِضْوَانٌ﴾ مبتدأ وسوغ الابتداء بالنكرة وصفه، بما بعده ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿رِضْوَانٌ﴾ ﴿أَكْبَرُ﴾ خبر لـ ﴿رضوان﴾ والجملة مستأنفة ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل ﴿الْفَوْزُ﴾ خبر المبتدأ ﴿الْعَظِيمُ﴾ صفة له، والجملة مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ الأذى: ما يؤلم الحي المدرك في بدنه، أو في نفسه، ولو ألمًا خفيفًا، يقال: أوذي بكذا، أذًى، وتأذى تأذِّيًا إذا أصابه مكروه يسير ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ والأذن: هو الذي يسمع أو كل أحد ما يقبل فيقبله، ويصدقه، ويقولون: رجل أذن؛ أي: يسرع الاستمتاع والقبول، وفي "المختار" أذن له، إذا استمع، وبابه طرب، ورجل أُذن بالضم، إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع، اهـ ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي؛ يصدقهم لما علم فيهم أو علامات الإيمان، الذي يوجب عليهم الصدق ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾؛ أي: يخالفه ويخاصمه، وأصل المحادة في اللغة أو الحد؛ أي: الجانب كأن كل واحد أو المتخاصمين في محل غير محل صاحب اهـ "خازن" يعني: أن المحادة من الحد، وهو طرف الشيء كالمشاقة من الشق بالكسر. وهو الجانب
стр. 5018
ونصف الشيء المنشق منه، وهما بمعنى المعاداة، من العدوة بالضم: وهي جانب الوادي؛ لأن العدو يكون في غاية البعد عمن يعاديه عداء البغض، بحيث لا يتزاوران ولا يتعاونان، فكأنَّ كلا منهما في شق وعدوة غير التي فيها الآخر، إذ هما على طرفي بنقيض، وهكذا المنافقون يكونون في الجانب المقابل للجانب الذي يحب الله لعباده، والرسول لأمته من الحق والخير، والعمل الصالح.
﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ الحذر: الإحتراز والتحفظ مما يخشى ويخاف منه، ﴿مُخْرِجٌ﴾: من الإخراج والإخراج: إظهار الشيء الخفي المستتر، كإخراج الحب والنبات أو الأرض ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ﴾ والخوض: الدخول في البحر، أو في الوحل، وكثر استعماله في الباطل، لما فيه من التعرض للأخطار ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ والاعتذار الإدلاء بالعذر، وهو ما يراد به محو أثر الذنب وترك المؤاخذة عليه، أو عذر الصبي يعذره؛ في: ختنه تطهيرًا له، بقطع عذرته؛ في: قلفته، وفي "الفتوحات" والاعتذار: التنصل أو الذنب، وأصله أو تعذرت المنازل؛ أي: درست وانمحت آثارها، فالمعتذر يزاول أبو ذنبه، وقيل: أصله أو العذر، وهو القطع، ومنه العذرة؛ لأنها تقطع، قال ابن الأعرابي: ويقولون اعتذرت المياه؛ أي: انقطعت، فكأن المعتذر يحاول قطع الذم عنه، اهـ "سمين" ﴿عَنْ طَائِفَةٍ﴾ والطائفة: الجماعة أو الناس، والقطعة أو الشيء، يقال: ذهبت طائفة من الليل، ومن العمر، وأعطاه طائفةً من ماله.
﴿وَعَدَ اللهُ المُنَافِقِينَ﴾ يقال: وعده في الخير والشر، والاختلاف إنما هو بالمصدر، فمصدر الأول: وعد، ومصدر الثاني: وعيد فاستعمل وعد في الشر، كما هنا، وفي الخير، فيما سيأتي في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ ....﴾ إلخ وفي "المصباح" وعده وعدًا يستعمل في الخير والشر، ويعدى بنفسه وبالباء، فيقال: وعده الخير وبالخير، وشرًّا وبالشر، وإذا أسقطوا لفظ الخير والشر .. قالوا في الخير: وعده وعدًا، وعدةً، وفي الشر وعده وعيدًا، فالمصدر فارق، وأوعده خيرًا وشرًّا بالألف أيضًا، وقد أدخلوا الباء مع الألف في الشر خاصة، يقال: أوعده بالسجن اهـ.
стр. 5019
﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾؛ أي: متشابهون فيه وصفًا وعملًا، كما تقول: أنت مني وأنا منك، أي: أمرنا واحد، لا افتراق بيننا ﴿بِالْمُنْكَرِ﴾ وهو إما شرعي، وهو ما يستقبحه الشرع وينكره، وإما فطري، وهو ما تستنكره العقول الراجحة، والفطر السليمة، لمنافاته للفضائل، والمنافع الفردية، والمصالح العامة، وضده المعروف في كل ذلك ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ وقبض الأيدي يراد به الكف عز البذل، وضده بسط اليد ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾؛ أي: تركوا أوامره حتى صارت عندهم بمنزلة المنسي ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾؛ أي: فجازاهم على نسيانهم بحرمانهم أو النشاب على ذلك في الآخرة ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: الخارجون عن الطاعة المنسلخون عن فضائل الإيمان ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ واللعن الطرد والإبعاد أو الرحمة، والإهانة والمذلة ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ والمقيم الثابت الذي لا يتحول ﴿بِخَلَاقِهِمْ﴾؛ أي: بنصيبهم من ملاذ الدنيا، واشتقاقه أو الخلق، بمعنى التقدير: فإنه ما قدر لصاحبه، كما في "البيضاوي".
﴿وَخُضْتُمْ﴾؛ أي: دخلتم في الباطل وتلبستم به ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ يقال: حبط العمل إذا فسد، وذهبت فائدته ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: من الخسارة والخسارة في التجارة تقابل الربح فيها ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾؛ أي: المنقلبات التي جعل الله عاليها سافلها، جمع مؤتفكة، من الائتفاك، وهو الانقلاب، بجعل أعلى الشيء أسفله بالخسف، وهي قرى قوم لوط، يقال: أَفَكَهُ إذا قلبه، وبابه ضرب وفي "السمين" والمؤتفكات؛ أي: المنقلبات، يقال: أفكته فأتفك؛ أي: قلبته فانقلب والمادة تدل على التحول والصرف ومنه ﴿يُؤفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ﴾؛ أي: يصرف اهـ.
﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾؛ أي: منازل يطيب العيش فيها، جمع مسكن، وهو من أوزان منتهى الجموع؛ لأنه على زنة مفاعل كمساجد.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ لما فيه من إطلاق اسم الجزء
стр. 5020
على الكل، للمبالغة في استماعه، كأنه عين آلة الاستماع، وفي "المصباح" أنه مجاز مرسل، كما يراد بالعين الرجل إذا كان ربيئة؛ في: طليعة وجاسوسًا؛ لأن العين هي المقصودة منه، فصارت كأنها الشخص كله.
ومنها: إبراز اسم الرسول في قوله: ﴿يُؤذُونَ رَسُولَ اَللهِ﴾ حيث لم يأت به ضميرًا ولم يقل: يؤذونه تعظيمًا لشأنه ﵇، وجمعًا له في الآية بين الرتبتين العظيمتين، النبوة والرسالة، وفيه أيضًا إضافة إليه زيادةً في تشريفه.
ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾.
ومنها: الإشارة بالبعيد عن القريب، في قوله: ﴿ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ للإيذان ببعد درجته في الهول والفظاعة.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾؛ لأن قبض الأيدي كناية عن الشح والبخل، كما أن بسطها كناية عن الكرم والجود.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾؛ لأنه مجاز عن الترك، ففيه إطلاق الملزوم وإرادة اللازم.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ لأن فيه التفاتًا عن الغيبة في قوله: المنافقون إلى الخطاب لزيادة التقريع والتوبيخ.
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ ...﴾ الآية، والغرض منه: الذم والتوبيخ لاشتغالهم بالمتاع الخسيس عن الشيء النفيس.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ﴾ فهو رجوع إلى الغيبة عن الخطاب، ففيه التفات وفيه أيضًا الاستفهام التقريري، حملًا لهم على الإقرار بما بعد النافي.
ومنها: تقديم المفعول في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لمجرد الاهتمام به، مع مراعاة الفاصلة، أو غير قصدٍ إلى قصر المظلومية عليهم، كما ذكره أبي السعود.
стр. 5021
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ تسجيلًا عليهم بأنهم يستحقون جهنم باسم النفاق، وفي قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ إشعارا بأنهم يستحقون ذلك الجزاء بصفة الإيمان، وزيادة في التقرير.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ دلالة على التحقير والتقليل.
ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ﴾.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
ومنها: الحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
الله عليه، وكذبهم في إنكارهم.
وجهادهم أن لا يعاملوا معاملة المؤمنين الصادقين، فيقابلون بالغلظة والتجهم لا بالطلاقة والبشر، إلى نحو ذلك مما سيذكر.
وقال أبو حيان (١): لما ذكر الله وعيد غير المؤمنين، وكانت السورة قد نزلت في المنافقين .. بدأ بهم في ذلك بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ ولمَّا ذكر أمر الجهاد، وكان الكفار غير المنافقين أشد شكيمة، وأقوى أسبابًا في القتال، وأنكاءً بتصديهم للقتال، قال: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فبدأ بهم قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ هذه الآيات بيان لحال طائفة أخرى أو المنافقين، أغناهم الله تعالى بعد فقرٍ وإملاقٍ، وقد كانوا يلجؤون إلى الله وقت البأساء والضراء، فيدعونه ويعاهدونه على الشكر له، والطاعة لشرعه، إذا هو كشف ضرهم وأغناهم بعد فقرهم، فلما استجاب دعاءهم .. نكصوا على أعقابهم، وكفروا النعمة، وهضموا يقول الخلق، ومثل هؤلاء يوجدون في كل زمان ومكان.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أن الله لما ذكر بخل المنافقين، وشحهم بأموالهم حتى بعد أن عاهدوا الله على الصدقة إذا آتاهم أو فضله .. أردف ذلك ببيان أنهم، يقتصروا في جرمهم على هذا الحد، بل جاوزوا ذلك إلى لمز المؤمنين، وذمهم في صدقاتهم غنيهم وفقيرهم، وأنهم لهذا قد وصلوا إلى حدّ لم يعد لهم فيه أدنى حظٍّ من الإِسلام، ولا أدنى نفع أو استغفار الرسول، ودعائه لهم، لرسوخهم في الكفر بالله ورسوله وعدم الرَّجاء في إيمانهم.
قوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ ....﴾ الآية، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر بعض سوءات المنافقين أو اعتذارهم للمؤمنين عن الخروج معهم للقتال، ولمزهم في قسمة الصدقات، وفي
стр. 5024
إعطائهم .. عاد إلى الكلام في ذكر حال الذين تخلفوا عن القتال في عزوة تبوك وظلوا في المدينة، وبيان ما يجب من معاملة هؤلاء بعد الرجوع إليها، وقد نزل ذلك أثناء السفر.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا ....﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه (١) ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان الجلاس بن سويد بن الصامت ممن تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وقال: لئن كان هذا الرجل صادقًا .. لنحن شر من الحمير، فرفع عمير بن سعيد ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فحلف بالله ما قلت، فأنزل الله ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا ...﴾ الآية، فزعموا أنه تاب وحسنت توبته.
ثم أخرج عن كعب بن مالك نحوه، وأخرج أيضًا عن أنس بن مالك، قال: سمع زيد بن أرقم رجلًا من المنافقين، يقول والنبي ﷺ ، يخطب: إن كان هذا صادقًا .. لنحن شر من الحمير، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ ، فجحد القائل: فأنزل الله ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا ...﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ ، جالسًا في ظل شجرة، فقال: "إنه سيأتيكم إنسان ينظر بعيني شيطان"، فطلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ ، فقال: "علام تشتمني أنت وأصحابك"، فانطلق الرجل: فجاء بأصحابه، فحلفوا باللهِ ما قالوا حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا ...﴾ الآية، وأخرج (٢) قتادة، قال: إن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة، والآخر من غفار، وكانت جهينة حلفاء الأنصار، وظهر الغفاري على الجهيني، فقال عبد الله بن أبي للأوس: انصروا أخاكم، فوالله ما مثلنا ومثل محمَّد إلا كما قال القائل: سَمِّنْ كلبك يأكلك، لئن رجعنا إلى المدينة .. ليخرجن الأعز منها الأذل، فسعى رجل من المسلمين إلى رسول الله ﷺ ، فأرسل إليه، فسأله، فجعل يحلف بالله
стр. 5025
ما قال، فأنزل الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ...﴾ سبب نزولها: ما أخرجه الطبراني، عن ابن عباس، قال: همَّ رجلٌ، يقال له: الأسود، بقتل النبي ﷺ ، فنزلت: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ...﴾.
وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن عكرمة، أن مولى بني عدي بن كعب، قتل رجلًا من الأنصار، فقضى النبيُّ ﷺ ، بالدية اثني عشر ألفًا، وفيه نزلت: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: بأخذهم الدية.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ ...﴾ الآية، أخرج (١) الطبراني وابن مردويه وابن أبي حاتم والبيهقي في "الدلائل"، بسند ضعيف، عن أبي أمامة، أن ثعلبة بن حاطب قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالًا، قال: "ويحك يا ثعلبة! قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه" قال: والله لئن آتاني الله مالًا .. لأوتين كل ذي حق حقه، فدعا له، فاتَّخذ غنمًا فنمت حتى ضاقت عليه أزقة المدينة، فتنحى بها، وكان يشهد الصلاة ثم يخرج إليها، ثم نمت حتى تعذرت عليه مراعي المدينة، فتنحى بها، فكان يشهد الجمعة ثم يخرج إليها، ثم نمت فتنحى بها فترك الجمعة والجماعات، ثم أنزل الله على رسوله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فاستعمل على الصدقات رجلين، وكتب لهما كتابًا فأتيا ثعلبة، فأقرآه كتاب رسول الله ﷺ ، فقال: انطلقا إلى الناس، فإذا فرغتم .. فمروا بي، ففعلا، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية، فانطلقا فأنزل الله ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ الحديث بطوله.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه الشيخان، عن أبي مسعود، قال: لما نزلت آية الصدقة .. كنا نحامل على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مراء، وجاء آخر فتصدق بصاع، فقالوا: إن الله لغني عن صاع هذا، فنزل: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ ...﴾
стр. 5026
الآية وورد نحو هذا من حديث أبي هريرة، وأبي عقيل، وأبي سعيد الخدري، وابن عباس، وعميرة بنت فهد بن رافع، أخرجها كلها ابن مردويه.
قوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير، عن ابن عباس، قال: أمر رسول الله ﷺ الناس أن ينبعثوا معه، وذلك في الصيف، فقال رجل: يا رسول الله الحر شديد، ولا نستطيع الخروج، فلا تنفروا في الحر، فأنزل الله ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ...﴾ الآية.
وأخرج عن محمَّد بن كعب القرظي. قال: خرج رسول الله ﷺ في حر شديد إلى تبوك، فقال رجل من بني سلمة: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ..﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
٧٣ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ الكريم محمَّد ﷺ ، ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾؛ أي: جاهد المجاهرين بالكفر، بالسيف والسِّنان ﴿و﴾ جاهد ﴿المنافقين﴾؛ أي: الساترين كفرهم بإظهار الإِسلام بالحجة واللسان، لا بالسيف، لنطقهم بكلمتي الشهادة ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: واشدد على كلا الفريقين بالفعل والقول، ولا ترأف عليهم والغلظ: نقيض الرأفة، وهو شدة القلب، وخشونة الجانب، قيل: وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصلح والصفح المذكور في القرآن.
والأمر للنبي ﷺ بهذا الجهاد أمرٌ لأمته أو بعده، وجهاد الكفار يكون بمقاتلتهم حتى يسلموا، وجهاد المنافقين يكون بإقامة الحجة عليهم حتى يخرجوا عن النفاق، ويؤمنوا باللهِ تعالى.
والمعنى: يا أيها النبي ابذل جهدك في مقاومة هاتين الطائفتين، اللتين تيعشان بين ظهرانيك، بمثل ما يبذلان من جهد في عداوتك، وعاملهما بالغلظة والشدة، التي توافق سوء حالهما.
وقد اتفق الأئمة على أن المنافقين يعاملون بأحكام الشريعة كالمسلمين الصادقين، فلا يقاتلون إلا إذا ارتدوا، أو بغوا على جماعة المسلمين بالقوة، أو
стр. 5027
امتنعوا من إقامة شعائر الإِسلام وأركانه، وعن ابن عباس: جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين باللسان؛ أي: بالحجة والبرهان.
وكان كفار اليهود يؤذون النبي ﷺ حتى بتحريف السلام عليه، بقولهم: السام عليكم، والسام: الموت، فيقول: "وعليكم" ثم تكرر نقضهم للعهد حتى كان من أمرهم ما تقدم ذكره وكان يعامل المنافقين باللطف واللين بناء على حكم الإِسلام الظاهر، فجرأهم هذا على أذاه ﷺ ، بنحو قوله: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ فأمره الله تعالى في هذه الآية بالغلظة على الفريقين، في جهاده التأديبي لهم؛ لأن أمثالهم لا علاج له إلا هذا.
وهو جهاد فيه مشقة عظيمة؛ لأنه موقف وسط بين رحمته ولينه للمؤمنين المخلصين، وشدته في قتاله لأعدائه المحاربين، يجب فيه إقامة العدل، واجتناب الظلم، وأثر عن عمر أنه قال: أذلوهم، ولا تظلموهم، وفي هذه الغلظة تربية للمنافقين، وعقوبة لهم، يرجى أن تكون سببًا في هداية من لم يطبع الكفر على قلبه، ولم تحط به خطايا نفاقه، فتقطيب وجهه ﷺ في وجوههم تحقيرٌ لهم، يتبعه فيه المؤمنون، ومن ير أنه محتقرٌ بين قومه وأبناء جنسه من الرئيس وغيره .. يضق صدره، ويحاسب نفسه، ويثب إلى رشده، ويتب إلى ربه، وهذه السياسة الحكيمة كانت سبب توبة أكثر المنافقين، وإسلام ألوف الألوف من الكافرين، ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾؛ أي: ومسكنهم ومنزلهم في الآخرة نار جهنم؛ أي: لا مأوى لهم يلجؤون إليه، إلا دار العذاب، التي لا يموت من أوى إليها، ولا يحيا حياة طيبة ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي وقبح المرجع لهم هي ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾ وهذه الجملة مستأنفة لبيان عاقبة أمرهم.
والخلاصة: أنهم قد اجتمع لهم عذابان عذاب الدنيا بالجهاد والغلظة، وعذاب الآخرة، بأن تكون جهنم مأواهم.
ثم ذكر سبحانه، الجرائم الموجبة لجهادهم كالكفار، وهي أنهم أظهروا الكفر بالقول، وهموا بشر ما يغرى به من الفعل، وهو الفتك برسول الله ﷺ ، وقد أظهره الله عليه، وأنبأه بأنهم سينكرونه إذا سألهم، ويحلفون على إنكارهم
стр. 5028
ليصدقهم كدأبهم من قبل، فقد كانوا يحلفون للمؤمنين ليرضوهم، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ ويخوضون في آيات الله وفي رسوله، استهزاءً خرجوا به من الإيمان الذي يدعونه إلى الكفر الذي يكتمونه، فقال:
٧٤ - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: يحلف ويقسم لك، يا محمَّد، هؤلاء المنافقون باسم الله تعالى على أنهم ﴿مَا قَالُوا﴾ تلك الكلمة التي نسبت إليهم، والله يكذبهم، ويثبت أنهم قد قالوا كلمة الكفر، التي رويت عنهم، حيث قال: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد قالوا كلمة الكفر، التي نسبت إليهم بتوافقهم على شتم النبي ﷺ ، وطعنهم على دينه ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾؛ أي: أظهروا الكفر وجاهروا بالحرب بتلك الكلمة بعد أن أظهروا الإِسلام، وإن كانوا كفارًا في الباطن.
والمعنى: أنهم فعلوا ما يوجب كفرهم، على تقدير صحة إسلامهم ﴿وَهَمُّوا﴾؛ أي: قصدوا ﴿بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾؛ أي بما لم يصيبوا، ولم يقدروا على تحصيله، قيل: هو همهم بقتل رسول الله ﷺ ، ليلة العقبة في غزوة تبوك، كما قاله ابن كثير، وقيل: هموا بعقد التاج على رأس عبد الله بن أبي، وقيل غير ذلك.
ولم يذكر القرآن تلك الكلمة التي قالوها؛ لأنه لا ينبغي ذكرها، ولئلا يتبعد بتلاوتها، وأصح ما قيل فيها: ما رواه ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه، عن ابن عباس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في ظل شجرةٍ، فقال: "إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء .. فلا تكلموا" فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله ﷺ ، فقال: "علام تشتمني أنت وأصحابك"؟ إلى آخر ما سبق في أسباب النزول، وأما همهم بما لم ينالوا فهو اغتيال رسول الله ﷺ في العقبة عند منصرفه من تبوك.
روي: أنَّ (١) المنافقين هموا بقتله ﷺ عند رجوعه من تبوك، وهم خمسة عشر رجلًا، قد اتفقوا على أن يدفعوه ﷺ عن راحلته ليقع في الوادي فيموت،
стр. 5029
فأخبره الله تعالى بما دبروه، فلما وصل إلى العقبة التي بين تبوك والمدينة .. نادى مناديه بأمره، أن رسول الله ﷺ يريد أن يسلك العقبة فلا يسلكها أحد غيره، واسلكوا يا معشر الجيش بطن الوادي، فإن أسهل لكم وأوسع، فسلك الناس بطن الوادي وسلك النبي ﷺ العقبة، وكان ذلك في ليلة مظلمة، فجاء المنافقون وتلثموا وسلكوا العقبة، وكان النبي ﷺ ، قد أمر عمار بن ياسر أن يأخذ بزمام ناقته ويقودها، وأمر حذيفة أن يسوقها من خلفها، فبينما النبي ﷺ يسير في العقبة .. إذ زحمه المنافقون، فنفرت ناقته حتى سقط بعض متاعه، فصرخ بهم، فولوا مدبرين وعلموا أنه اطلع على مكرهم، فانحطوا من العقبة مسرعين إلى بطن الوادي، واختلطوا بالناس، فصار حذيفة يضرب الناقة، فقال له النبي ﷺ : "هل عرفت أحد منهم؟ " قال: لا فإنهم كانوا متلثمين، والليلة مظلمة، قال: "هل علمت مرادها؟ "، قال: لا، قال النبي ﷺ : "إنهم مكروا، وأرادوا أن يسيروا معي في العقبة، فيزحمونني عنها، وإنّ الله أخبرني بهم وبمكرهم" فلما أصبح .. جمعهم، وأخبرهم بما مكروا به، فحلفوا بالله ما قالوا بتكذيب النبي ﷺ ونسبته إلى التصنع في ادعاء الرسالة، ولا أرادوا فتكه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قالوا: أولا تأمرنا بهم يا رسول الله، إذًا فنضرب أعناقهم؟ قال: "أكره أن يتحدث الناس ويقولوا: إن محمدًا قد وضع يده في أصحابه "فسماهم لهما، وقال: "اكتماهم".
والصحيح (١) في عددهم: ما رواه مسلم أن رسول الله ﷺ قال: "في أمتي اثنا عشر منافقًا، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحا، حتى يلج الجمل في سم الخياط. ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة - خراج ودمل كبير يظهر في الجوف، يقتل صاحبه كثيرًا - سراجٌ من النار يظهر في أكتافهم، حتى ينجم من صدورهم؛ أي: كأنه سراج من النار.
стр. 5030
﴿وَمَا نَقَمُوا﴾؛ أي: وما أنكر هؤلاء المنافقون، وما كرهوا من أمر الإِسلام وبعثة الرسول ﷺ فيهم شيئًا يقتضي الكراهة، والهم بالانتقام ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: إلا إغناء الله تعالى إياهم ورسوله ﷺ من فضله بالغنائم، التي هي عندهم أحب الأشياء لديهم في هذه الحياة، وكانوا كسائر الأنصار فقراء، فأغناهم الله تعالى ببعثة الرسول ونصره، وبما آتاه من الغنائم، كما وعده، ومن ثم قال ﷺ للأنصار: "كنتم عالةً فأغناكم الله بي".
فإن (١) هؤلاء المنافقين، كانوا قبل قدوم النبي ﷺ المدينة في ضنك من العيش، لا يركبون الخيل، ولا يحرزون الغنيمة، وبعد قدومه ﷺ أخذوا الغنائم، وفازوا بالأموال، ووجدوا الدولة. وقتل للجلاس مولى، فأمر له رسول الله ﷺ بديته اثني عشر ألفًا، فاستغنى وذلك يوجب عليهم أن يكونوا محبين له ﷺ ، مجتهدين في بذل النفس والمال لأجله، فعملوا بضد الواجب، فوضعوا موضع شكره ﷺ أن كرهوه وعابوه.
﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ من النفاق، وما يصدر عنه من مساوي الأقوال والأفعال، كما وقع للجلاس بن سويد، فإنه تاب وحسنت توبته ﴿يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ أي: يكن ذلك المتاب خيرًا لهم في الدنيا والآخرة، أما في (٢) الدنيا فبما فيه من التوكل على الله والرضا بقضائه، والصبر على بلائه، والعمل لما فيه السعادة في الآخرة ومعاشرة الرسول ﷺ ، ومشاهدة فضائله، وأخوة المؤمنين، بعضهم لبعض، وما فيها من الود والوفاء الكامل، والإيثار على النفس إلى نحو ذلك.
وأما في الآخرة: فبما علمت مما وعد الله به المؤمنين، من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، والمساكن الطيبة.
﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾؛ أي: يعرضوا عن التوبة ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ بقتلهم وسبي أولادهم وأزواجهم، واغتنام أموالهم؛ لأنه لما ظهر كفرهم بين الناس .. صاروا مثل أهل الحرب. فيحل قتالهم ﴿و﴾ في ﴿الآخرة﴾ بالنار
стр. 5031
وغيرها، من أفانين العقاب.
والمعنى (١): وإن أعرضوا عما دعوا إليه من التوبة، وأصروا على النفاق، وما ينشأ منه من المساوي الخلقية والنفسية .. يعذبهم الله عذابًا أليمًا في الدنيا، بما يلازم قلوبهم من الخوف والهلع، كما قاله سبحانه: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ وقال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ فهم في جزع دائم، وهمّ ملازم.
وأما في الآخرة: فحسبك ما تقدم من وعيدهم بتلك النار، التي تطلع على الأفئدة ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ مع سعتها وتباعد أقطارها وكثرة أهلها ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾؛ أي: من حافظ يحفظهم من عذاب الدنيا ﴿وَلَا نَصِير﴾ ينقذهم من عذاب الآخرة.
أي: وما لهم في الأرض كلها من يتولى أمورهم، ولا من ينصرهم ويدافع عنهم، إذ من خذله الله فلا يقدر أحد أن يجيره، أما في الدنيا: فقد أغلقت في وجوههم الأبواب، فقد خص الله ولاية الأخوة والمودة والنصر بالمؤمنين والمؤمنات، دون المنافقين والمنافقات، وقد قضى الإِسلام على جوار الجاهلية، وعلى أحلافهم من أهل الكتاب في الحجاز بالقتل والجلاء، وأما في الآخرة: فقد تظاهرت النصوص، على أنه لا ولي ولا ظهير للكفار والمنافقين
٧٥ - ﴿وَمِنْهُم﴾؛ أي: ومن المنافقين ﴿مَّنْ عَهَدَ أللهَ﴾؛ أي: من أعطى الله عهده وميثاقه، بقوله: والله ﴿لَئِنْ آتَانَا﴾ الله ، وأعطانا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ وجوده وكرمه وعطائه مالًا وثروةً، وأغنانا عن غيرنا ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾؛ أي: لنشكرن له نعمته بالصدقة منها، ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ﴾ جملة ﴿الصَّالِحِينَ﴾ من المؤمنين، القائمين بواجبات الدين، التاركين لمحرماته، والصالح ضد المفسد، والمفسد هو الذي بخل بما يلزمه في حكم الشرع؛ أي: ولنعملن عمل أهل الصلاح بأموالنا من صلة الرحم به، والإنفاق في سبيل الله، كإعداد العدة للجهاد، وبذل المستطاع لخير الأمة وصلاحها، بما يرقى بها في اختلف شؤونها، وقرأ الأعمش شاذًا:
стр. 5032
﴿لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ﴾ بالنون الخفيفة، واللام الأولى؛ أعني قوله: ﴿لَئِنْ آتَانَا﴾ لام القسم. كما أشرنا إليه في الحل، واللام الثانية؛ أعني قوله: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾، لام الجواب للقسم
٧٦ - ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ﴾؛ أي: فلما رزقهم الله ، وأعطاهم ما طلبوا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ وعطائه ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ أي: بما آتاهم وأمسكوه عن الإنفاق في سبيل الله، فلم يتصدقوا منه بشيء، كما حلفوا به ﴿وَتَوَلَّوْا﴾؛ أي: وأعرضوا عن طاعة الله وإخراج صدقات ما أعطاهم الله من فضله، إصلاح حالهم وحال أمتهم، كما عاهدوا الله عليه ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: والحال أنهم ﴿مُعْرِضُونَ﴾ بقلوبهم عن طاعة الله تعالى في جميع الأوقات قبل أن يعطيهم الله ما أعطاهم من الرزق وبعده.
والمعنى: لم يكن ذلك التولِّي عارضًا طارئًا، بل تولوا بكل ما أوتوا من قوةٍ، بحافز نفسيٍّ، ملك عليهم أمرهم، ومنعهم عن التصدق، بحيث إذا ذُكِّروا بما يجب عليهم .. لا يذكرون، وإذا دعوا لا يستجيبون.
٧٧ - ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ الله ، وأورثهم بسبب البخل الذي وقع منهم، والإعراض عن الإنفاق ﴿نِفَاقًا﴾ وكفرًا كائنًا ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ متمكنًا منها، مستمرًّا فيها ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ أي يلقون الله ، ويرونه في الآخرة، وحكمة الجمع في هذه الضمائر مع أن سبب نزولها في شخص واحد: الإشارة إلى أن حكم هذه باق لكل من اتصف بهذا الوصف، من أول الزمان إلى آخره، وليس مخصوصًا بثعلبة، وهذا التفسير على أن الضمير في أعقبهم إلى الله تعالى، وقيل: من الضمير يرجع إلى البخل، والمعنى عليه: فأعقبهم ذلك البخل بما عاهدوا الله عليه، والتولِّي عنه بعد العهد الموثق بأوكد الإيمان، نفاقًا كائنًا في قلوبهم متمكنًّا منها، وملازمًا لها إلى يوم يلقون بخلهم؛ أي: جزاء بخلهم؛ أنه: ملازمًا لها إلى يوم الحساب في الآخرة؛ لأنه لا رجاء أمه في التوبة، يعني: أنه سبحانه حرمهم التوبة إلى يوم القيامة، فيوافونه على النفاق، فيجازيهم عليه، ومعنى ﴿أَعْقَبَهُمْ﴾ أن الله سبحانه جعل النفاق المتمكن في قلوبهم إلى تلك الغاية عاقبة ما وقع منهم من البخل، ثم ذكر الله سبحانه سببين هما من أخس أوصاف
стр. 5033
المنافقين، إخلاف الوعد، والكذب، فقال: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ والباء فيه وفيما بعده للسببية؛ أي: فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم، بسبب إخلافهم وتركهم لما وعدوه من التصدق والصلاح ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وقرأ أبو رجاء: ﴿يكذِّبُونَ﴾ بالتشديد؛ أى: وبسبب تكذيبهم بما جاء به رسول الله ﷺ ، أي: أنَّ سنة الله في البشر قد جرت بأن العمل بما يقتضيه النفاق يمكن النفاق في القلب ويقويه، كما أن العمل بمقتضى الإيمان يزيد الإيمان قوةً ورسوخًا في النفس. وهكذا جميع الأخلاق والعقائد، تقوَّى وترسَّخ بالعمل الذي يصدر منها، فهؤلاء لما كان قد رسخ في قلوبهم خلف الوعد واستمرار الكذب .. مكن ذلك النفاق في قلوبهم، بمقتضى سننه وتقديره.
أخرج ابن جرير، وابن مردويه والبيهقي، عن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية، أن رجلًا من الأنصار، يقال له: ثعلبة، أتى مجلسًا، فأشهدهم، قال: لئن آتاني الله من فضله .. آتيت كل ذي حق حقه، وتصدقت، وجعلت منه للقرابة، فابتلاه الله، فآتاه من فضله، فأخلف ما وعده، فأغضب الله بما أخلفه ما وعده، فقص الله تعالى شأنه في القرآن اهـ.
وكان (١) ثعلبة في ابتداء أمره صحيح الإِسلام، لكنه صار منافقًا في آخر أمره، فصح كونه من المنافقين، اهـ شيخنا.
وفي "الشهاب" قيل: كان ثعلبة قبل ذلك ملازمًا لمسجد رسول الله ﷺ حتى لقب بحمامة المسجد، ثم رآه النبيُّ ﷺ يسرع الخروج من المسجد عقب الصلاة، فقال له رسول الله ﷺ "ما لك تفعل فعل المنافقين؟ "فقال: إني افتقرت ولي ولامرأتي ثوب واحد، أجيء به للصلاة، ثم أذهب فأنزعه لتلبسه وتصلي به، فادع الله أن يوسع في رزقي ... إلى آخر ما في القصة اهـ.
قال بعض العلماء (٢): إنما لم يقبل رسول الله ﷺ صدقة ثعلبة لأن الله
стр. 5034
سبحانه وتعالى، منعه من قبولها منه، مجازاة له على إخلافه ما عاهد الله عليه، وإهانةً له على قوله: إنما هي جزية، أو أخت الجزية، فلما صدر هذا القول منه .. ردت صدقته عليه، إهانة له، وليعتبر غيره به، فلا يمتنع من بذل الصدقة عن طيب نفس بإخراجها، ويرى أنها واجبة عليه ويثاب على إخراجها ويعاقب على منعها.
وفي "الخازن": وهذا أحد قولين في سبب نزولها، والآخر: أنه حاطب بن أبي بلتعة، قال ابن السائب: إنَّ حاطب بن أبي بلتعة، كان له مال بالشام، فأبطأ عليه، فجهد لذلك جهدًا شديدًا، فحلف بالله لئن آتاني الله من فضله، يعني ذلك المال .. لأصدقن منه، ولأصلن قرابتي، فلما آتاه ذلك المال .. لم يف بما عاهد الله عليه، فأنزل الله هذه الآية اهـ.
وحاصل ما في المقام: أن ظاهر الآية يدل على أن بعض المنافقين عاهد الله، لئن آتاه من فضله .. ليصدقن، وليفعلن فيه أفعال الخير والبر والصلة، فلما آتاه الله من فضله ما سأل .. لم يَفِ بما عاهد الله عليه، بلا تعيين واحد منهم.
وقال الإِمام فخر الدين الرازي: ظاهر هذه الآية يدل على أن نقض العهد، وخلف الوعد يورث النفاق فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه فإذا عاهد الله في أمر .. فليجتهد في الوفاء به.
٧٨ - وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ رجوع لما سبق، في قوله: المنافقون والمنافقات، لا بقيد كونهم الذين عاهدوا الله، إذ الآيات الواردة في خصوص المعاهدين قد انقضت بقوله: ﴿يَكذِبُونَ﴾ والاستفهام فيه للتوبيخ والتقريع المضمن للإنكار.
وقرأ عليٌّ وأبو عبد الرحمن والحسن (١): ﴿تَعْلَمُوا﴾ بالتاء خطابًا للمؤمنين على سبيل التقرير؛ أي: ألم يعلم المنافقون ﴿أنَّ الله﴾ ﴿اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾؛ أي: جميع ما يسرونه من النفاق ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾؛ أي: جميع ما يتناجون به ويتحدثونه فيما بينهم، من الطعن على النبي ﷺ وعلى أصحابه وعلى دين
стр. 5035
الإِسلام ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾؛ أي: ما غاب عن الخلق، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء المغيبة، كائنًا ما كان، ومن جملة ذلك ما يصدر عن المنافقين.
أي: ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين يعلنون غير ما يسرون به، ويتناجون فيما بينهم بالإثم والعدوان، ولَمْزِ الرسول، أن الله يعلم السر الكامن في أعماق نفوسهم، الذي يخصون به من يثقون به، ممن هو مشارك لهم في النفاق، وأن الله تعالى يعلم الغيوب كلها, لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فكيف يكذبون على الله فيما يعاهدونه به، وعلى الناس فيما يحلفون عليه باسمه.
٧٩ - وقوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ محله (١) إما الرفع على الابتداء، وخبره قوله الآتي: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ وهو أوضح الإعراب فيه، أو النصب على الذم، أو الجر، بدلًا من الضمير في سرهم ونجواهم، وقرىء: ﴿يَلْمِزُونَ﴾ بضم الميم؛ أي: أولئك المنافقون الذين يلمزون ويعيبون ﴿الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾؛ أي: يلمزون المتطوعين والمتبرعين من المؤمنين، ويعيبونهم في شأن الصدقات التي هي أظهر آيات الإيمان ويذمونهم في أكمل فضائلهم، ويقولون: ما فعلوها لوجه الله، وإنما فعلوها رئاء الناس، سخر الله منهم، فلَمْزُهم (٢) هنا في مقدارها وصفة أدائها لا فيها نفسها، واللمز هناك؛ أي: في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ﴾ في قسمتها، وقد جاء في بعض الروايات:
أن النبي ﷺ حث على الصدقة، فجاء عمر بصدقة، وجاء عثمان بصدقة عظيمة، وكثير من أصحابه بصدقات، فقال المنافقون: ما أخرج هؤلاء صدقاتهم إلا رياء، وأما أبو عقيل: فإنما جاء بصاعه ليذكِّر بنفسه، فيعطى من الصدقات، والله غني عن صاعه.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ معطوف (٣) على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾
стр. 5036
عطف خاصٍ على عام، وليس معطوفًا على البيان، لإيهام أن المعطوف ليس من المؤمنين؛ أي: ويلمزون الفقراء الذين لا يجدون إلا طاقتهم، ويعيبونهم ويطعنونهم في صدقاتهم القليلة؛ أي: يعيبون الفقراء الذين تصدقوا بقليل هو مبلغ جهدهم وآخر طاقتهم. وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُم﴾ معطوف على الصلة؛ أعني يلمزون، فالصلة أمران: اللمز، والسخرية.
والمعنى: أن المنافقين كانوا يعيبون فقراء المؤمنين الذين كانوا يتصدقون بما فضل عن كفايتهم، فيسخرون منهم؛ أي: يستهزئون بهم؛ لحقارة ما يخرجونه في الصدقة، وعدِّه من الحماقة والجنون، مع كون ذلك جهد المقل وغاية ما يقدر عليه ويتمكن منه، وخص هؤلاء بالذكر، وإن كانوا داخلين في المتطوعين؛ لأنَّ مجال لمزهم عند المنافقين أوسع، والسخرية منهم أشد، وهم أهل الإجلال والإكبار، والأحق بالثناء عند المؤمنين.
وقرأ ابن هرمز وجماعة شذوذًا (١): ﴿جُهْدَهُمْ﴾ بالفتح. والجُهد بالضم: الطاقة، وبالفتح: المشقة، وقيل: هما لغتان، ومعناهما واحد، وقال الشعبي: بالضم: القوت. وبالفتح: في العمل، وقيل: بالضم، شيءٌ قليل يعاش به. وقوله: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ خبر المبتدأ السابق، في قوله الذين يلمزون؛ أي (٢): جازاهم على ما فعلوه من السخرية المؤمنين، بمثل ذلك، فسخر الله منهم بأن أهانهم وأذلهم وعذبهم في الدنيا بفضيحتهم وقتلهم، وهو خبر ليس بدعاء عليهم، والتعبير بذلك من باب المشاكلة.
والمعنى: أي فجازاهم الله بمثل ذنبهم، فجعلهم سخريةً للمؤمنين وللناس أجمعين، بفضيحتهم في هذه السورة، ببيان مخازيهم وعيوبهم، وقيل: هو دعاء عليهم بأن يسخر الله بهم كما سخروا بالمؤمنين. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: وجيع في الآخرة.
٨٠ - ثم بيَّن سبحانه عقابهم وسواهم بالكافرين، فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يا
стр. 5037
محمَّد ﷺ إن شئت ﴿أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ إن شئت، وهذا كلام خرج مخرج الأمر، ومعناه: الخبر، تقديره استغفارك لهم وعدمه سواء، وتصويره بصورة الأمر للمبالغة في بيان استوائهما.
والحاصل: أن هذا الأمر تخيير له ﷺ في الاستغفار وتركه، ومعناه: إخبار باستواء الأمرين؛ أي: إن شئت فاستغفر لهم، وإن شئت فلا تستغفر لهم، فاستغفارك لهم وعدمه سواء، وقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ بيانٌ لاستحالة المغفرة لهم بعد المبالغة في الاستغفار، إثر بيان الاستواء بينه وبين عدمه، ذكره أبو السعود، ومعنى قوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾؛ أي: إن (١) تدع لهؤلاء المنافقين وتسأل الله أن يستر عليهم ذنوبهم بالعفو عنها وترك فضيحتهم بها، أو لا تدع لهم بالمغفرة فلن يغفر الله لهم؛ أي لن يستر الله عليهم، ولن يعفو عنهم، ولكنه يفضحهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، وليس المراد من هذا أنه لو زاد على السبعين لكان ذلك مقبولًا كما في سائر مفاهيم الأعداد، بل المراد بهذا المبالغة في عدم القبول، فقد كانت العرب تجري ذلك مجرى المثل في كلامها عند إرادة التكثير، والمعنى أنه لن يغفر الله لهم، وإن استغفرت لهم استغفارًا بالغًا في الكثرة غاية المبالغ، ويراد بالسبعين في مثل هذا الأسلوب: الكثرة لا العدد المعين، فالمراد أنك مهما أكثرت من الاستغفار لهم .. فلن يستجاب لك فيهم، وقد كان ﷺ يستغفر لهم رجاء أن يهديهم الله، فيتوب عليهم، ويغفر لهم، كما كان يدعو للمشركين كلما اشتد إيذاؤهم له، ويقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" رواه ابن ماجه، وقال الضحاك: ولما نزلت هذه الآية .. قال رسول الله ﷺ : "إن الله قد رخَّص لي، فسأزيدن على السبعين، لعل الله أن يغفر لهم"، فأنزل الله سبحانه ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾.
وقد ذهب بعض الفقهاء (٢): إلى أن التقييد بهذا العدد المخصوص يفيد
стр. 5038
قبول الزيادة عليه، ويدل على ذلك، ما روي عن النبي ﷺ ، أنه قال: "لأزيدن على السبعين" وذكر بعضهم لتخصيص السبعين وجهًا، فقال: إن السبعة عدد شريف؛ لأنها عدد السموات والأرضين والبحار والأقاليم والنجوم السيارة، والأعضاء السبعة، وأيام الأسبوع، فصير كل واحد من السبعة إلى عشرة؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، وقيل: خصت السبعين بالذكر؛ لأنه ﷺ كبر على عمه حمزة سبعين تكبيرة، فكأنه قال: إن تستغفر لهم سبعين مرة، بإزاء تكبيراتك على حمزة ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: امتناع المغفرة لهم، ولو بعد المبالغة في الاستغفار، ليس لعدم الاعتداد باستغفارك، بل بسبب ﴿بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وفي "الكرخي" ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: اليأس من الغفران لهم، بسبب أنهم كفروا بالله ورسوله، لا ببخل منا، أو قصورٍ فيك، بل لعدم قابليتهم، بسبب الكفر الصارف عنها. اهـ؛ أي: ذلك المذكور بسبب (١) جحودهم وحدانية الله تعالى، وعدم إيقانهم بما وصف به تعالى نفسه، من العلم بالسر والنجوى وسائر الغيوب، وجحودهم وحيه لرسوله ﷺ وبما أوجبه من أتباعه، وجحودهم بعثه للموت، وجزاءهم على أعمالهم، لم يعف عن ذنوبهم، ولا عمَّا دسُّوا به أنفسهم من الآثام والمعاصي ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: المتمردين الخارجين عن الطاعة، المتجاوزين لحدودها، والمراد (٢) هنا: الهداية الموصلة إلى المطلوب، لا الهداية التي بمعنى الدلالة وإراءة الطريق؛ أي: أنَّ سنة الله سبحانه قد جرت فيمن أصرُّوا على فسوقهم، وتمرَّدوا في نفاقهم، وأحاطت بهم خطاياهم، أن يفقدوا الاستعداد للتوبة والإيمان، فلا يهتدون إليهما سبيلًا.
والمعنى: والله لا يوفق للإيمان به وبرسوله من اختار الكفر والخروج عن طاعة الله، وطاعة رسوله، وهو كالدليل على الحكم السابق، فإن مغفرة الكافر بالإقلاع عن الكفر، والإرشاد إلى الحق، والمنهمك في كفره المطبوع عليه، لا ينقلع ولا يهتدي، والتنبيه على عذر الرسول في استغفاره، وهو عدم يأسه من
стр. 5039
إيمانهم، ما لم يعلم أنهم مطبوعون على الضلالة، والممنوع هو الاستغفار بعد العلم، لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ...﴾ الآية، ذكره البيضاوي.
٨١ - ثم ذكر سبحانه نوعًا آخر من قبائح المنافقين، فقال: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾؛ أي: المخلفون من هؤلاء المنافقين، الذين تركهم رسول الله ﷺ عند خروجه إلى غزوة تبوك ﴿بِمَقْعَدِهِم﴾؛ أي: بقعودهم في بيوتهم في المدينة ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أي: بعد خروج رسول الله ﷺ إلى تبوك، أو مخالفين الله ورسوله، وإنما فرحوا بذلك؛ لأنهم لا يؤمنون بما في الخروج معه من أجر عظيم، لا تذكر معه راحة القعود في البيوت شيئًا، والمخلفون اسم مفعول، من خلف إذا ترك، فالمخلفون المتروكون، وهم الذين استأذنوا رسول الله ﷺ من المنافقين، فأذن لهم وخلفهم بالمدينة، أو الذين خلفهم وأقعدهم الكسل أو خلفهم الله تعالى، بتثبيطه إياهم، لما علم في ذلك من الحكمة الخفية، أو خلفهم كسلهم، أو نفاقهم، كما ذكره أبو السعود ﴿بِمَقْعَدِهِم﴾؛ أي: بقعودهم، يقال قعد قعودًا ومقعدًا؛ أي: جلس ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، ظرف زمان، بمعنى بعد خروج رسول الله إلى تبوك، إليه ذهب أبو عبيدة وعيسى بن عمرو الأخفش، ويؤيد هذا قراءة ابن عباس وأبي حيوة، وعمرو بن ميمون ﴿خلف﴾ بفتح الخاء وسكون اللام، أو مفعول لأجله، والعامل فيه إما فرح، وإما مقعد؛ أي: فرحوا لأجل مخالفتهم رسول الله ﷺ ، حيث مضى هو للجهاد وتخلفوا هم عنه، أو بقعودهم لمخالفتهم له، وإليه ذهب الطبري والزجاج، ويؤيد ذلك قراءة من قرأ؛ ﴿خلف﴾ بضم الخاء وسكون اللام، أو منصوب على المصدرية، بفعل مقدر مدلول عليه، بقوله: ﴿مقعدهم﴾ لأنه في معنى تخلفوا؛ أي: تخلفوا خلاف رسول الله.
وقرأ ابن مسعود وابن يعمر والأعمش وابن أبي عبلة (١): ﴿خلف رسول الله﴾ بفتح الخاء وسكون اللام، وقرىء: ﴿خلف﴾ بضم الخاء وسكون اللام
стр. 5040
﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فإن في المجاهدة إتلاف المال والنفس، سبب ذلك الشح بالأموال والأنفس، وعدم وجود باعث الإيمان وداعي الإخلاص، ووجود الصارف عن ذلك، وهو ما هم فيه من النفاق، وفيه تعريض بالمؤمنين الباذلين لأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، لوجود الداعي معهم وانتفاء الصارف عنهم ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: قال المنافقون بعضهم لبعض أو قالوا للمؤمنين ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ تثبيطًا لهم وكسرًا لنشاطهم، وتواصيًا بينهم بالمخالفة لأمر الله ورسوله؛ أي: لا تخرجوا مع محمَّد ﷺ إلى غزوة تبوك في الحر الشديد، ثم أمر رسوله ﷺ أن يقول لهم بقوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد لهؤلاء الذين اختاروا الراحة والقعود خلافك عن الجهاد في الحر ﴿نَارُ جَهَنَّم﴾ التي هي موعدهم في الآخرة ﴿أَشَدُّ حَرًّا﴾ من حر الدنيا ﴿لوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: يعلمون أنَّ مآبهم إليها، أو أنها كيف هي ما اختاروها بإيثار الدعة على الطاعة.
والمعنى (١): أنكم أيها المنافقون، كيف تفرون من هذا الحر اليسير، ونار جهنم الي ستدخلونها خالدين فيها أبدًا أشد حرًّا مما فررتم منه، فإنكم إنما فررتم من حر يسير في زمن قصير، ووقعتم في حر كثير في زمن كبير، بل غير متناهٍ أبد الآبدين، ودهر الداهرين، وجواب لو، في قوله: ﴿لوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ محذوف تقديره: لو كانوا يفقهون أنها كذلك .. لما فعلوا ما فعلوا.
وقرأ عبيد الله (٢): ﴿يعلمون﴾ مكان يفقهون، وينبغي أن يحمل ذلك على معنى التفسير؛ لأنه مخالف لسواد ما أجمع المسلمون عليه.
وحال معنى الآية: أي (٣) وقالوا لإخوانهم في النفاق إغراءً لهم بالثبات على المنكر، وتثبيطًا لعزائم المؤمنين: لا تنفروا في الحر، قل لهم أيها الرسول، مفندًا آراءهم، ومسفهًا أحلامهم: نار جهنم التي أعدها الله لمن عصاه وعصى
стр. 5041
رسوله أشد حرًّا في تلك الأيام في أوائل فصل الخريف، إذ هذا الحر مما تحتمله الجسوم، ولا يلبث أن يخف ويزول، ونار جهنم حرها شديد دائم، يلفح الوجوه، وينضج الجلود، فهم لو كانوا يعقلون ذلك، ويعتبرون به .. لما خالفوا وقعدو، ولما فرحوا بقعودهم، بل لحزنوا وبكوا كما فعل المؤمنون الذين أرادوا الخروج والنفقة فعجزوا.
٨٢ - ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾؛ أي: فليضحك (١) هؤلاء الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فرحين بمقعدهم خلافه قليلًا في الدنيا ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ في الآخرة مكان ضحكهم في الدنيا، وهذا وإن ورد بصيغة الأمر، إلا أن معناه الإخبار.
والمعنى: إنهم وإن فرحوا وضحكوا طول أعمارهم في الدنيا، فهو قليل بالنسبة إلى بكائهم في الآخرة؛ لأن الدنيا فانية والآخرة باقية، والمنقطع الفاني بالنسبة إلى الدائم الباقي قليل، وإنما جيء (٢) بهما على صيغة الأمر للدلالة على أن ذلك أمر محتوم، لا يكون غيره، وانتصاب ﴿جَزَاءً﴾ على المصدرية بعامل محذوف، تقديره: يجزون ذلك البكاء الكثير في الآخرة جزاءً ﴿بـ﴾ سبب ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَـ﴾ ـه في الدنيا من المعاصي؛ أي: يجزون به جزاء على ما يقولونه، ويعملونه من المعاصي. أو المعنى (٣): إن الأجدر بهم، بحسب ما تقتضيه حالهم، وتستوجبه جريمتهم، أن يضحكوا قليلًا ويبكوا كثيرًا في الدنيا، لو كانوا يفقهون ما فاتهم بالتخلف من أجر، وما سيحملونه في الآخرة من وزر، وما يلاقونه في الدنيا من خزي وضرٍّ، جزاء لهم على ما اجترحوا من العصيان، وارتكبوا من الإثم والبهتان، وكما يدين الفتى يدان.
ونحو الآية قوله ﷺ : لو تعلمون ما أعلم .. لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا يظهر النفاق، وترتفع الأمانة وتقبض الرحمة، ويتهم الأمين، ويؤتمن غير الأمين،
стр. 5042
أناخ بكم الشرف الجون، الفتن كأمثال الليل المظلم"، الشرف بضمتين جمع شارف، وهي الناقة الكبيرة السن، والجون السود.
٨٣ - ثم بين ما يجب أن يعاملوا به في الدنيا قبل الآخرة، مما يقتضي تركهم الفرح، والغبطة في دنياهم بالتمتع بأحكام الإِسلام فقال: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ يا محمَّد، من غزوة تبوك، وردَّك من سفرك هذا، والفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُم﴾؛ أي: إلى طائفة من المنافقين المتخلفين عنك في المدينة، وإنما قال إلى طائفة منهم؛ لأن جميع من أقام بالمدينة لم يكونوا منافقين، بل كان فيهم غيرهم من المؤمنين، الذين لهم أعذار صحيحة، وفيهم من المؤمنين من لا عذر له، ثم عفا عنهم رسول الله ﷺ ، وتاب الله عليهم، كالثلاثة الذين خلفوا، وسيأتي بيان ذلك، وقيل: إنما قال: إلى طائفة؛ لأن منهم من تاب عن النفاق، وندم على التخلف.
﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ معك إلى غزوة أخرى بعد غزوة تبوك؛ أي: ليخرجوا معك في غزوة أو غيرها، مما تخرج لأجله ﴿فَقُلْ﴾ لهم يا محمَّد إخراجًا لهم عن ديوان الغزاة، وإبعادًا لمحلهم عن محفل صحبتك ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ في سفر من الأسفار، ولن يكون لكم أبدًا شرف الصحبة بالخروج معي للجهاد في سبيل الله تعالى، ما دمت ودمتم ﴿وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ من الأعداء لا بالخروج والسفر إليهم ولا بغير ذلك، كأن يهاجم المؤمنون في عقر دارهم، كما حدث يوم وقعة الأحزاب.
وقرىء (١): ﴿معي﴾ في الموضعين بفتح الياء، وقرىء: بسكونها فيهما، ثم بين سبب النهي عن صحبتهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها المتخلفون ﴿رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ﴾ عن الغزو ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وهي غزوة تبوك ﴿فَاقْعُدُوا﴾ عن الجهاد ﴿الْخَالِفِينَ﴾؛ أي: مع النساء والصبيان والرجال العاجزين، كالمرضى والزمنى، الذين لا يكلفون القيام بشرف الجهاد دفاعًا عن الحق، وإعلاءً لكلمة الله تعالى، وجملة
стр. 5043
قوله: ﴿إنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ﴾ للتعليل؛ والفاء في قوله: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ لتفريع ما بعدها على ما قبلها.
والمعنى (١): لن تخرجوا معي أبدًا، ولن تقاتلوا عدوًّا؛ لأنكم رضيتم لأنفسكم بخزي العقود والتخلف أول مرة دعيتم فيها إلى الخروج، إذ طلب إليكم أن تنفروا، فلم تنفروا، وعصيتم الله ورسوله، فاقعدوا أبدًا مع الذين تخلفوا عن النفر، من الأشرار المفسدين، الذين خرجوا عن سبيل المهتدين، وربما كان المراد بالمخالفين الصبيان والعجزة والنساء، كما مرَّ آنفًا.
والخالفين (٢) جمع خالف، كأنهم خلفوا الخارجين، والمراد بهم: من تخلَّف عن الخروج، وقيل: المعنى: فاقعدوا مع الفاسدين من قولهم: فلان خالف أهل بيته، إذا كان فاسدًا فيهم، من قولك: خلف اللبن، إذا فسد بطول المكث في السقاء، ذكر معناه الأصمعيُّ، وقرأ (٣) مالك بن دينار وعكرمة مع ﴿الْخَالِفِينَ﴾، وهو مقصورٌ من الخالفين.
وفي الآية (٤): دليلٌ على أن الرجل إذا ظهر منه مكروه، وخداع وبدعة .. يجب الانقطاع عنه، وترك مصاحبته؛ لأن الله منع المنافقين من الخروج مع رسول الله ﷺ إلى الجهاد، وهو مشعر بإظهار نفاقهم، وذمهم وطردهم، وإبعادهم لما علم من مكرهم وخداعهم إذا خرجوا إلى الغزوات.
الإعراب
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يَا﴾ حرف نداء ﴿أَيُّ﴾ منادى نكرة مقصودة، و ﴿الهاء﴾ حرف تنبيه زائد، تعويضًا عمَّا فات ﴿أَيُّ﴾ من الإضافة ﴿النَّبِيُّ﴾ صفة لـ ﴿أَيُّ﴾ وجملة
стр. 5044
النداء مستأنفة ﴿جَاهِدِ الْكُفَّار﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة جواب للنداء، لا محل لها من الإعراب، ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ معطوف على ﴿الْكُفَّار﴾ ﴿وَاغْلُظْ﴾ فعل أمر ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة معطوفة على جملة ﴿جَاهِدِ﴾ ﴿وَمَآواهُم﴾ مبتدأ، ومضاف إليه ﴿جَهَنَّمُ﴾ خبره، والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان مآل أمرهم بعد بيان عاجله، كما ذكره أبو السعود. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ فعل وفاعل، والجملة خبر عن المخصوص بالذم المحذوف وجوبًا تقديره: وبئس المصير هي.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾.
﴿يَحْلِفُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿بِاللَّه﴾ متعلق به، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان ما صدر عنهم، من الجرائم الموجبة للأمر بجهادهم، والغلظة عليهم، كما ذكره أبو السعود ﴿مَا﴾ نافية ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: يحلفون بقولهم: والله ما قالوا ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿اللام﴾ موطئة لقسم محذوف ﴿قَد﴾ حرف تحقيق ﴿قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف مستأنفة مسوقة لبيان حالهم. ﴿وَكَفَرُوا﴾: فعل وفاعل ﴿بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿قَالُوا﴾ ﴿وَهَمُّوا﴾ فعل وفاعل معطوف على قالوا أيضًا ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق به ﴿لَمْ يَنَالُوا﴾ جازم وفعل وفاعل والجملة صلة و ﴿ما﴾: أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما لم ينالوه.
﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿ما﴾ نافية ﴿نَقَمُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ﴾ ناصب وفعل ومفعول وفاعل ﴿وَرَسُولُهُ﴾ معطوفة على لفظ الجلالة ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ متعلق به، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿نَقَمُوا﴾ تقديره: وما نقموا إلا إغناء الله ورسوله
стр. 5045
إياهم من فضله ﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حالهم المذكور، وأردت بيان عاقبة أمرهم .. فأقول لك ﴿إِنْ﴾: حرف شرط ﴿يَتُوبُوا﴾ فعل وفعل مجزوم بـ ﴿أن﴾ على كونه فعل شرط لها ﴿يَكُ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف، واسمها ضمير مستتر فيه، يعود على التوب المفهوم مما قبله، تقديره: هو ﴿خَيْرًا﴾: خبرها منصوب ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بخيرًا، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِير﴾.
﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إن﴾: حرف شرط ﴿يَتَوَلَّوْا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾: على كونه فعل شرط لها ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جواب شرط لها، وجملة ﴿إن﴾: الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة ﴿عَذَابًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، أو مفعول ثان ﴿أَلِيمًا﴾: صفة له ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: متعلق بـ ﴿عَذَابًا﴾ ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: معطوف عليه ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ حالية ﴿ما﴾: نافية ﴿لَهُم﴾ جار ومجرور، خبر مقدم لـ ﴿ما﴾ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ حال من الضمير المستكن في الخبر ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾: اسم ﴿ما﴾ مؤخر ﴿مِنْ﴾: زائدة ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ معطوف عليه، والتقدير: وما ولي ولا نصير كائنًا هو لهم، حالة كونه في الأرض، وجملة ﴿ما﴾ في محل النصب، حال من هاء ﴿يُعَذِّبْهُمُ﴾ والتقدير: يعذبهم الله عذابًا أليمًا، حالة كونهم عادمي ولي ونصير في الأرض.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾.
﴿وَمِنْهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، أو عاطفة، كما تقدم نظيرها ﴿منهم﴾: جار