رسوله أشد حرًّا في تلك الأيام في أوائل فصل الخريف، إذ هذا الحر مما تحتمله الجسوم، ولا يلبث أن يخف ويزول، ونار جهنم حرها شديد دائم، يلفح الوجوه، وينضج الجلود، فهم لو كانوا يعقلون ذلك، ويعتبرون به .. لما خالفوا وقعدو، ولما فرحوا بقعودهم، بل لحزنوا وبكوا كما فعل المؤمنون الذين أرادوا الخروج والنفقة فعجزوا.
٨٢ - ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾؛ أي: فليضحك (١) هؤلاء الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فرحين بمقعدهم خلافه قليلًا في الدنيا ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ في الآخرة مكان ضحكهم في الدنيا، وهذا وإن ورد بصيغة الأمر، إلا أن معناه الإخبار.
والمعنى: إنهم وإن فرحوا وضحكوا طول أعمارهم في الدنيا، فهو قليل بالنسبة إلى بكائهم في الآخرة؛ لأن الدنيا فانية والآخرة باقية، والمنقطع الفاني بالنسبة إلى الدائم الباقي قليل، وإنما جيء (٢) بهما على صيغة الأمر للدلالة على أن ذلك أمر محتوم، لا يكون غيره، وانتصاب ﴿جَزَاءً﴾ على المصدرية بعامل محذوف، تقديره: يجزون ذلك البكاء الكثير في الآخرة جزاءً ﴿بـ﴾ سبب ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَـ﴾ ـه في الدنيا من المعاصي؛ أي: يجزون به جزاء على ما يقولونه، ويعملونه من المعاصي. أو المعنى (٣): إن الأجدر بهم، بحسب ما تقتضيه حالهم، وتستوجبه جريمتهم، أن يضحكوا قليلًا ويبكوا كثيرًا في الدنيا، لو كانوا يفقهون ما فاتهم بالتخلف من أجر، وما سيحملونه في الآخرة من وزر، وما يلاقونه في الدنيا من خزي وضرٍّ، جزاء لهم على ما اجترحوا من العصيان، وارتكبوا من الإثم والبهتان، وكما يدين الفتى يدان.
ونحو الآية قوله ﷺ : لو تعلمون ما أعلم .. لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا يظهر النفاق، وترتفع الأمانة وتقبض الرحمة، ويتهم الأمين، ويؤتمن غير الأمين،
стр. 5042
أناخ بكم الشرف الجون، الفتن كأمثال الليل المظلم"، الشرف بضمتين جمع شارف، وهي الناقة الكبيرة السن، والجون السود.
٨٣ - ثم بين ما يجب أن يعاملوا به في الدنيا قبل الآخرة، مما يقتضي تركهم الفرح، والغبطة في دنياهم بالتمتع بأحكام الإِسلام فقال: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ يا محمَّد، من غزوة تبوك، وردَّك من سفرك هذا، والفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُم﴾؛ أي: إلى طائفة من المنافقين المتخلفين عنك في المدينة، وإنما قال إلى طائفة منهم؛ لأن جميع من أقام بالمدينة لم يكونوا منافقين، بل كان فيهم غيرهم من المؤمنين، الذين لهم أعذار صحيحة، وفيهم من المؤمنين من لا عذر له، ثم عفا عنهم رسول الله ﷺ ، وتاب الله عليهم، كالثلاثة الذين خلفوا، وسيأتي بيان ذلك، وقيل: إنما قال: إلى طائفة؛ لأن منهم من تاب عن النفاق، وندم على التخلف.
﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ معك إلى غزوة أخرى بعد غزوة تبوك؛ أي: ليخرجوا معك في غزوة أو غيرها، مما تخرج لأجله ﴿فَقُلْ﴾ لهم يا محمَّد إخراجًا لهم عن ديوان الغزاة، وإبعادًا لمحلهم عن محفل صحبتك ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ في سفر من الأسفار، ولن يكون لكم أبدًا شرف الصحبة بالخروج معي للجهاد في سبيل الله تعالى، ما دمت ودمتم ﴿وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ من الأعداء لا بالخروج والسفر إليهم ولا بغير ذلك، كأن يهاجم المؤمنون في عقر دارهم، كما حدث يوم وقعة الأحزاب.
وقرىء (١): ﴿معي﴾ في الموضعين بفتح الياء، وقرىء: بسكونها فيهما، ثم بين سبب النهي عن صحبتهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها المتخلفون ﴿رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ﴾ عن الغزو ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وهي غزوة تبوك ﴿فَاقْعُدُوا﴾ عن الجهاد ﴿الْخَالِفِينَ﴾؛ أي: مع النساء والصبيان والرجال العاجزين، كالمرضى والزمنى، الذين لا يكلفون القيام بشرف الجهاد دفاعًا عن الحق، وإعلاءً لكلمة الله تعالى، وجملة
стр. 5043
قوله: ﴿إنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ﴾ للتعليل؛ والفاء في قوله: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ لتفريع ما بعدها على ما قبلها.
والمعنى (١): لن تخرجوا معي أبدًا، ولن تقاتلوا عدوًّا؛ لأنكم رضيتم لأنفسكم بخزي العقود والتخلف أول مرة دعيتم فيها إلى الخروج، إذ طلب إليكم أن تنفروا، فلم تنفروا، وعصيتم الله ورسوله، فاقعدوا أبدًا مع الذين تخلفوا عن النفر، من الأشرار المفسدين، الذين خرجوا عن سبيل المهتدين، وربما كان المراد بالمخالفين الصبيان والعجزة والنساء، كما مرَّ آنفًا.
والخالفين (٢) جمع خالف، كأنهم خلفوا الخارجين، والمراد بهم: من تخلَّف عن الخروج، وقيل: المعنى: فاقعدوا مع الفاسدين من قولهم: فلان خالف أهل بيته، إذا كان فاسدًا فيهم، من قولك: خلف اللبن، إذا فسد بطول المكث في السقاء، ذكر معناه الأصمعيُّ، وقرأ (٣) مالك بن دينار وعكرمة مع ﴿الْخَالِفِينَ﴾، وهو مقصورٌ من الخالفين.
وفي الآية (٤): دليلٌ على أن الرجل إذا ظهر منه مكروه، وخداع وبدعة .. يجب الانقطاع عنه، وترك مصاحبته؛ لأن الله منع المنافقين من الخروج مع رسول الله ﷺ إلى الجهاد، وهو مشعر بإظهار نفاقهم، وذمهم وطردهم، وإبعادهم لما علم من مكرهم وخداعهم إذا خرجوا إلى الغزوات.
الإعراب
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يَا﴾ حرف نداء ﴿أَيُّ﴾ منادى نكرة مقصودة، و ﴿الهاء﴾ حرف تنبيه زائد، تعويضًا عمَّا فات ﴿أَيُّ﴾ من الإضافة ﴿النَّبِيُّ﴾ صفة لـ ﴿أَيُّ﴾ وجملة
стр. 5044
النداء مستأنفة ﴿جَاهِدِ الْكُفَّار﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة جواب للنداء، لا محل لها من الإعراب، ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ معطوف على ﴿الْكُفَّار﴾ ﴿وَاغْلُظْ﴾ فعل أمر ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة معطوفة على جملة ﴿جَاهِدِ﴾ ﴿وَمَآواهُم﴾ مبتدأ، ومضاف إليه ﴿جَهَنَّمُ﴾ خبره، والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان مآل أمرهم بعد بيان عاجله، كما ذكره أبو السعود. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ فعل وفاعل، والجملة خبر عن المخصوص بالذم المحذوف وجوبًا تقديره: وبئس المصير هي.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾.
﴿يَحْلِفُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿بِاللَّه﴾ متعلق به، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان ما صدر عنهم، من الجرائم الموجبة للأمر بجهادهم، والغلظة عليهم، كما ذكره أبو السعود ﴿مَا﴾ نافية ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: يحلفون بقولهم: والله ما قالوا ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿اللام﴾ موطئة لقسم محذوف ﴿قَد﴾ حرف تحقيق ﴿قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف مستأنفة مسوقة لبيان حالهم. ﴿وَكَفَرُوا﴾: فعل وفاعل ﴿بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿قَالُوا﴾ ﴿وَهَمُّوا﴾ فعل وفاعل معطوف على قالوا أيضًا ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق به ﴿لَمْ يَنَالُوا﴾ جازم وفعل وفاعل والجملة صلة و ﴿ما﴾: أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما لم ينالوه.
﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿ما﴾ نافية ﴿نَقَمُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ﴾ ناصب وفعل ومفعول وفاعل ﴿وَرَسُولُهُ﴾ معطوفة على لفظ الجلالة ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ متعلق به، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿نَقَمُوا﴾ تقديره: وما نقموا إلا إغناء الله ورسوله
стр. 5045
إياهم من فضله ﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حالهم المذكور، وأردت بيان عاقبة أمرهم .. فأقول لك ﴿إِنْ﴾: حرف شرط ﴿يَتُوبُوا﴾ فعل وفعل مجزوم بـ ﴿أن﴾ على كونه فعل شرط لها ﴿يَكُ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف، واسمها ضمير مستتر فيه، يعود على التوب المفهوم مما قبله، تقديره: هو ﴿خَيْرًا﴾: خبرها منصوب ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بخيرًا، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِير﴾.
﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إن﴾: حرف شرط ﴿يَتَوَلَّوْا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾: على كونه فعل شرط لها ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جواب شرط لها، وجملة ﴿إن﴾: الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة ﴿عَذَابًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، أو مفعول ثان ﴿أَلِيمًا﴾: صفة له ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: متعلق بـ ﴿عَذَابًا﴾ ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: معطوف عليه ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ حالية ﴿ما﴾: نافية ﴿لَهُم﴾ جار ومجرور، خبر مقدم لـ ﴿ما﴾ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ حال من الضمير المستكن في الخبر ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾: اسم ﴿ما﴾ مؤخر ﴿مِنْ﴾: زائدة ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ معطوف عليه، والتقدير: وما ولي ولا نصير كائنًا هو لهم، حالة كونه في الأرض، وجملة ﴿ما﴾ في محل النصب، حال من هاء ﴿يُعَذِّبْهُمُ﴾ والتقدير: يعذبهم الله عذابًا أليمًا، حالة كونهم عادمي ولي ونصير في الأرض.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾.
﴿وَمِنْهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، أو عاطفة، كما تقدم نظيرها ﴿منهم﴾: جار
стр. 5046
ومجرور خبر مقدم ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، أو معطوفة ﴿عَاهَدَ اللَّهَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة صلة الموصول، وفيه معنى القسم؛ لأنه بمعنى أقسم بالله. وقال في قسمه ﴿لَئِنْ﴾: و ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿آتَانَا﴾: فعل ومفعول أول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: مالًا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلق به وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾ وجواب ﴿إن﴾ الشرطية، محذوف لدلالة جواب القسم عليه تقديره: إن آتانا من فضله، نتصدق، ونكون من الصالحين، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب، مقول لـ ﴿قال﴾ المقدر، كما مر آنفًا ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ ﴿اللام﴾ موطئة للقسم، وكررت لتدل على أنَّ ما بعدها جواب القسم، لا جواب الشرط ﴿نَصَّدَّقَنَّ﴾: فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله ضمير يعود على ﴿المنافقين﴾ والجملة جواب القسم. لا جواب الشرط، وقد اجتمع هنا قسم وشرط، فالمذكور وهو قوله: لنصدقن ... إلخ، جواب القسم وجواب الشرط محذوف كما قدرناه آنفًا على حد قول ابن مالك:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَم
وفي الكرخي قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ فيه معنى القسم: فلذلك أجيب بقوله: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وحذف جواب الشرط لدلالة هذا الجواب عليه، و ﴿اللام﴾: للتوطئة، ولا يمتنع الجمع بين القسم واللام الموطئة له اهـ. ﴿وَلَنَكُونَنّ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة و ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿نكونن﴾ فعل مضارع ناقص: في محل الرفع مبني على الفتح، واسمها ضمير يعود على ﴿المنافقين﴾ ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: خبرها، والجملة معطوفة على ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ على كونها جواب القسم.
﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت قسمهم هذا، وأردت بيان عاقبته .. فأقول لك ﴿لما﴾: حرف
стр. 5047
شرط غير جازم ﴿آتَاهُمْ﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾ ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ متعلق به، والمفعول الثاني محذوف تقديره: فلمَّا آتاهم مالًا من فضله، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لمَّا﴾ لا محلَّ لها من الإعراب ﴿بَخِلُوا﴾ فعل وفاعل ﴿به﴾ متعلق به، والجملة جواب ﴿لِمَا﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿بَخِلُوا﴾ ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ مبتدأ وخبر، الجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تولوا﴾ وجملة ﴿لما﴾ من فعل شرطها وجوابها مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.
﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ حرف عطف وتفريع ﴿أعقبهم نفاقًا﴾ فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿بخلوا﴾ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿نِفَاقًا﴾. ﴿إِلَى يَوْمِ﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أعقبهم﴾ أو صفة ثانية لـ ﴿نِفَاقًا﴾؛ أي: نفاقًا مستمرًا إلى يوم يلقون ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ فعل وفاعل، ومفعول: والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمِ﴾ ﴿بِمَا﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب ﴿مَا﴾ مصدرية ﴿أَخْلَفُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في حل النصب مفعول ثان لـ ﴿أخْلَفُوا﴾ ﴿وَعَدُوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، وجملة ﴿أَخْلَفُوا﴾ صلة ﴿مَا﴾ المصدرية ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: بسبب إخلافهم الله فيما وعدوه ﴿وَبِمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿الباء﴾: حرف جر و ﴿مَا﴾: مصدرية ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَكْذِبُونَ﴾: خبرها، وجملة ﴿كان﴾ صلة ﴿مَا﴾ المصدرية ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: وبتكذيبهم الله ورسوله، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: بما أخلفوا الله.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.
﴿أَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي المضمَّن معنى الإنكار ﴿لم﴾ حرف
стр. 5048
جزم ﴿يَعْلَمُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾ والجملة جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ فعل ومفعول به؛ لأنه علم بمعنى عرف ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾ معطوف عليه، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾ وجملة يعلم في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾ وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لعلم؛ لأنه بمعنى عرف تقديره: ألم يعلموا علم الله سرهم ونجواهم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ناصب واسمه، وخبره والجملة معطوفة علي جملة ﴿أَنَّ﴾ الأولى، تقديره: وكون الله تعالى علام الغيوب.
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ ﴿يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول ﴿مِنَ اَلمُؤمِنِينَ﴾ حال من الضمير في المطوعين ﴿فِي الصَّدَقَاتِ﴾ متعلق بـ ﴿يَلْمِزُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ﴾ في محل النصب، معطوف على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ ﴿لَا يَجِدُونَ﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿جُهْدَهُمْ﴾ مفعول به، ومضاف إليه ﴿فَيَسْخَرُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَلْمِزُونَ﴾ على كونها صلة الموصول ﴿سَخِرَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق به، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿وَلَهُمْ﴾ خبر مقدم ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل الرفع، معطوفة على جملة ﴿سَخِرَ اللَّهُ﴾ على كونها خبر المبتدأ.
﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.
﴿اسْتَغْفِرْ﴾ فعل أمر ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿أَوْ﴾ حرف عطف ﴿لَا﴾ ناهية ﴿تَسْتَغْفِرْ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة معطوفة على جملة ﴿اسْتَغْفِرْ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿تَسْتَغْفِرْ﴾: فعل مضارع مجزوم
стр. 5049
بـ ﴿إن﴾ وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به ﴿سَبْعِينَ﴾: منصوب على المصدرية؛ لأنه صفة لمصدر محذوف، تقديره: استغفارًا سبعين ﴿مَرَّةً﴾ منصوب على التمييز ﴿فَلَن﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجوبًا ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، منصوب بـ ﴿لَنْ﴾ ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ ﴿الباء﴾ حرف جر وسبب ﴿أن﴾ حرف نصب و ﴿الهاء﴾ اسمها ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على الجلالة وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: بسبب كفرهم باللهِ ﴿وَرَسُولِهِ﴾ الجار والمجرور خبر المبتدأ، تقديره: ذلك كائنٌ بسبب كفرهم بالله ورسوله، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾: متعلق به ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ظرف بمعنى بعد، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿مَقْعَدِهِمْ﴾ وقد تقدم لك في مبحث التفسير، ما يجري فيه، من أوجه الإعراب، استعجالًا للفائدة ﴿وكَرِهُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿فَرِحَ﴾ ﴿أنْ يُجَاهِدُوا﴾: فعل وفاعل، منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية ﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾: متعلق به ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾: معطوف عليه ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: متعلق به أيضًا، والجملة الفعلية في تأويل مصدر، منصوب على المفعولية، تقديره: وكرهوا مجاهدتهم في سبيل الله، بأموالهم وأنفسهم.
﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿كَرِهُوا﴾ ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَنْفِرُوا﴾: فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية ﴿فِي الْحَرّ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب، مقول ﴿قَالُوا﴾
стр. 5050
﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير، يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿نَارُ جَهَنَّم﴾ مبتدأ ومضاف إليه ﴿أَشَدُّ﴾ خبره ﴿حَرًّا﴾ تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿لَو﴾ حرف شرط ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص، واسمه، وجملة ﴿يَفْقَهُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿كَانُوا﴾ فعل شرط لِـ ﴿لَوْ﴾ وجوابها محذوف، تقديره: لو كانوا يفقهون شدة حرارتها .. ما تخلفوا عن رسول الله ﷺ ، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية معترضة بين جمل المقول، وفي "أبي السعود" قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ اعتراضٌ تذييليٌّ من جهته تعالى، غير داخل تحت القول المأمور به، مؤكِّدٌ لمضمونه اهـ.
﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
﴿فَلْيَضْحَكُوا﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريغ و ﴿اللام﴾: لام الأمر، مبنية على السكون، لاتصالها بالفاء ﴿يضحكوا﴾ فعل وفاعل، مجزوم بلام الأمر ﴿قَلِيلًا﴾ منصوب على المصدرية؛ لأنه صفة لمصدر محذوف، تقديره ضحكًا قليلًا، والجملة في محل النصب، معطوفة على جملة قوله: ﴿نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ على كونها مَقُولًا لـ ﴿قُلْ﴾ ﴿ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ فعل وفاعل ومفعول مطلق، مجزوم بـ ﴿لام﴾ الأمر معطوف على ﴿فَلْيَضْحَكُوا﴾ ﴿جَزَاءً﴾: مفعول لأجله؛ أي: بسبب الأمر بقلة الضحك وكثرة البكاء، جزاؤهم بعملهم، أو منصوب على المصدرية، بفعل مقدر، تقديره: يجزون، ذلك جزاء ﴿بِمَا﴾ ﴿الباء﴾ حرف جر وسبب ﴿ما﴾ موصولة، أو موصوفة في محل الجر بالباء، الجار والمجرور صفة لـ ﴿جَزَاءً﴾ أو متعلق به، لتعديته به ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَكْسِبُون﴾ خبره وجملة ﴿كَانُ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها.
﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾.
﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾ لتفريع ما بعدها على ما قبلها؛ أي: على ما سرد من أمرهم، كذا قالوا، أو ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شوط مقدر، تقديره: إذا عرفت حالهم المذكور فيما سبق، وأردت بيان شأنك فيهم ...
стр. 5051
فأقول لك ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿إِلَى طَائِفَةٍ﴾ متعلق به ﴿مِنْهُمْ﴾ صفة لـ ﴿طَائِفَة﴾ ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿اسْتَأْذَنُوكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿رَجَعَكَ﴾ ﴿لِلْخُرُوجِ﴾ متعلق به ﴿فَقُلْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجوبًا ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذ المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبدًا﴾: إلى آخر الآية، مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾ وإن شئت قلت: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بـ ﴿لَنْ﴾ ﴿مَعِيَ﴾ متعلق به ﴿أَبَدًا﴾ منصوب على الظرفية متعلق به - والجملة في محل النصب، مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿وَلَنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لَنْ تُقَاتِلُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿لَنْ﴾ معطوف على ﴿لَنْ تَخْرُجُوا﴾ ﴿مَعِيَ﴾ متعلق به ﴿عَدُوًّا﴾ مفعول به ﴿إِنَّكُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿رَضِيتُمْ﴾ فعل وفاعل ﴿بِالْقُعُودِ﴾ متعلق به ﴿أوَّلَ مرَّةٍ﴾ ظرف متعلق ﴿بِالقُعُودِ﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قل﴾ مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿فَاقْعُدُوا﴾ ﴿الفاء﴾ حرف عطف وتفريع ﴿اقْعُدُوا﴾ فعل وفاعل ﴿مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿اقْعُدُوا﴾ أو حال من فاعل ﴿اقْعُدُوا﴾ والجملة في محل الرفع، معطوفة مفرعة على جملة ﴿رَضِيتُم﴾ والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ جاهد، من باب فاعل الرباعي فيه معنى المشاركة. يقال: جاهد يجاهد جهادًا ومجاهدة، والجهاد والمجاهدة: استفراغ الجهد والوسع في مدافعة العدو، وهو ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، مجاهدة الشيطان، مجاهدة النفس والهوى، ويشير إلى هذه كلها قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾، ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقال ﷺ "جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم"، وقال: "جاهدوا الكفار
стр. 5052
بأيديكم وألسنتكم" والجهاد باللسان، إقامة الحجة والبرهان، كما مر والجهاد باليد: الجهاد بالسيف، وبكل الوسائل الحربية ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ من الغلظة، وهي الخشونة، والشدة في المعاملة، وهي ضد اللين ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ نقم منه الشيء إذا أنكره وعابه عليه، من باب ضرب ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد، أصله لنتصدقن من باب تفعل الخماسي، فقلبت التاء صادًا، فأدغمت الصاد في الصاد، فصار لنصَّدَّقن بتشديد الصاد، والدال.
﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾ يقال: أعقبت فلانًا ندامةً، إذا صيرت عاقبة أمره نادمة وحسرة وخسارة.
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ وفي "المصباح" لمزه لمزًا من باب ضرب إذا عابه، وقرأ بها السبعة ومن باب قتل لغة، وأصله الإشارة بالعين ونحوها، كما مر المطَّوِّعين بتشديد الطاء والواو، جمع المطوع بمعنى: المتبرع بغير ما وجب عليه، فأصله المتطوعين؛ لأنه اسم فاعل من تطوع الخماسي، فقلبت التاء طاء، وأدغمت الطاء في الطاء، فصار المطوعين بتشديد الطاء ﴿فِي الصَّدَقَاتِ﴾ جمع الصدقة، ﴿إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ والجهد: بالضم والفتح، الطاقة وهي: أقصى ما يستطيعه الإنسان، وقال القرطبي: الجهد الشيء اليسير الذي يعيش به المقل ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: يستهزئون منهم، احتقارًا وفي "المصباح" سخرت منه سخرًا، من باب تعب، هزئت به، والسِّخريُّ، بالكسر اسم منه، والسُّخريُّ بالضم، لغة فيه، والسخرة وزان غرفة ما سخرت من خادم أو جارية أو دابة، بلا أجرٍ ولا ثمنٍ، والسخري بالضم، بمعناه، وسخرته في العمل، بالتثقيل استعملته مجانًّا وسخر الله الإبل، ذللها وسهلها اهـ وفيه أيضًا هزئت به أهزأ. مهموز من باب تعب، وفي لغة من باب نفع، سخرت منه اهـ ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ جمع مخلف، اسم مفعول من خلف، كما مر، والفاعل الكسل؛ أي: الذين خلفهم، وأقعدهم الكسل، والفرح: الشعور بارتياح النفس وسرورها.
﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾؛ أي: بقعودهم. يقال: قعد قعودًا ومقعدًا، إذا جلس وأقعده غيره، ذكر معناه الجوهري، ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ والخلاف والمخالفة بمعنى،
стр. 5053
ويستعمل خلافه بمعنى بعده، يقال: جلست خلاف فلان، وخلفه؛ أي: بعده، ومنه ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾؛ أي: ردك (١) الله، خطاب للنبي ﷺ بعدم جمعهم معه في مشاهد الخير بعد ذلك، ويؤخذ من ذلك: أن أهل الفسوق والعصيان لا يرافقون ولا يشاورون.
ورجع: إما لازم، فبابه جلس، ومصدره الرجوع، وإما متعد، وبابه قطع، ومصدره المرجع، كالرد، كما في "المختار" وفي "الكرخي" ومعنى الرجع تصيير الشيء إلى المكان الذي كان فيه، يقال: رجعته رجعا كقولك رددته ردًّا. اهـ.
﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وهي (٢) الخرجة إلى غزوة تبوك، ومرة مصدر، كأنه قيل أول خرجه دعيتم إليها، لأنها لم تكن أول خرجه خرجها الرسول ﷺ للغزاة، فلا بد من تقييدها، إذ الأولية تقتضي السبق، وقيل: التقدير: أول خرجه خرجها الرسول لغزوة الروم بنفسه، وقيل: أول مرة قبل الاستئذان.
﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾؛ أي: أقيموا وليس أمرًا بالقعود الذي هو نظير الجلوس، وإنما المراد منعهم من الخروج معه، قال أبو عبيدة: الخالف، الذي خلف بعد خارج، فقعد في رحله، وهو الذي يستخلف عن القوم، وقيل: المخالفين، المخالفين، من قولهم: عبد خالف؛ أي: مخالف لمولاه، وقيل: الأخساء الأدنياء، من قولهم: فلان خالفة قومه، لأخسِّم وأرذلهم.
ودلت هذه الآية على توقي صحبة من يظهر منه مكرٌ وخداع وكيد، وقطع العلاقة معه، والاحتراز منه، وقال قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا اثثي عشر رجلًا.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآية أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنهما: تأكيد المدح بما يشبه الذم في قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ
стр. 5054
وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِه﴾ كأنه قال: ليس له صفة تكره وتعاب إلا أنه ترتب على قدومه إليهم هجرته عندهم إغناء الله إياهم بعد شدة الحاجة، وهذه ليست صفة ذم، فحينئذٍ ليست له صفة تُذم أصلًا، وهو من باب قول النابغة:
وَلاَ عَيْبَ فِيْهِمْ غير أنَّ سيُوْفَهُمْ ... بِهنَّ فُلُوْلٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
ومن باب قول الآخر:
مَا نَقَمُوْا مِنْ بَنِيْ أُمَيَّةَ إِلَّا ... أَنَّهُمْ يَحْلَمُوْنَ إِنْ غَضِبُوْا
وَأنَّهُمْ سَادَةُ الْمُلُوْكِ وَلاَ ... يَصْلُحُ إِلَّا عَلَيْهِمُ الْعَرَبُ
وفي "البحر" قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ الجملة كلام أجري مجرى التهكم به، كما تقول: ما لي عندك ذنب، إلا أني أحسنت إليك، فإن فعلهم يدل على أنهم كانوا لِئامًا.
ومنها: اللف (١) والنشر المرتب في قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا﴾ فقوله: ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ راجع لقوله: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وقوله: ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ راجع لقوله: ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
ومنها: المقابلة في قوله: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ وفي قوله: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ وهي من المحسنات البديعية.
ومنها: جناس الاشتقاق بين يعلم وعلام في قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.
ومنها: أن التنوين في قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ للتهويل والتفخيم.
ومنها: طباق السلب في قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ﴾.
ومنها: المقابلة (٢) المعنوية بين قوله: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾، وقوله: ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ لأن الفرح من ثمرات المحبة.
стр. 5055
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿يَلْمِزُونَ﴾؛ لأن اللمز حقيقة في الإشارة بالعين ونحوها، ثم استعير للتعييب والتغيير.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ وفيه أيضًا من المحسنات البديعية المشاكلة.
ومنها: الاعتراض التذييلي في قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾؛ لأنه كلام معترض من جهته تعالى، غير داخل تحت القول المأمور به، مؤكدٌ لمضمونه، كما في "أبي السعود".
ومنها: التعريض (١) بالمؤمنين بتحملهم المشاق العظيمة، في قوله: ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: كرهوا أن يجاهدوا كالمؤمنين الذين بذلوا أموالهم وأنفسهم في الجهاد في سبيل الله، وآثروا ذلك على الدعة والخفض، وكره ذلك المنافقون.
ومنها: الزيادة والحذف في عدَّة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 5056
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩) وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (١) أمر رسوله فيما سبق، بإهانة المنافقين، وإذلالهم بمنعهم من الخروج معه إلى الغزوات .. أردف ذلك بذكر إهانة أخرى لهم، وهي منع الرسول أن يصلي على من مات منهم بعد إعلامه بحقيقة أمرهم، وفي مقدمتهم زعيمهم الأكبر عبد الله بن أبي والاثنا عشر الذين أرادوا اغتيال الرسول ﷺ .
قوله: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ ...﴾ الآية، مناسبة
стр. 5057
هذه الآية لما قبلها: أن الله لما بيَّن أنَّ المنافقين عملوا الحيل، والتمسوا المعاذير للتخلف عن رسول الله ﷺ ، والقعود عن الغزو .. أردف ذلك بأن أبان أنه إذا أنزلت سورة فيها أمر بالإيمان والجهاد مع الرسول ﷺ .. استأذن أولو الثروة والقدرة منهم في التخلف عن الغزو، وقالوا لرسول الله ﷺ : دعنا نكن مع الضعفاء والزَّمنى العاجزين عن القتال.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لمَّا قبلها: أنَّ أنه سبحانه تعالى لمَّا ذكر فيما سبق المعذورين، والذين كذبوا الله ورسوله، وذكر وعيدهم على سوء صنيعهم. أردف ذلك بذكر أصنافٍ ثلاثةٍ، أعذارها مقبولةٌ، ثم أردف هذا بذكر شر الأعذار، وهو استئذان الأغنياء.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا ...﴾ سبب نزوله: ما روي عن ابن عمر، قال لما توفي عبد الله بن أبي بن سلول .. جاء ابنه إلى رسول الله ﷺ ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه إياه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام ليصلي، فقام عمر بن الخطاب، فأخذ بثوب رسول الله ﷺ ، قال: يا رسول الله، أتصلي عليه، وقد نهاك ربك، أن تصلي على المنافقين؟ قال: "إنما قد خيرني الله، فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾. فقال عمر: إنه منافق فصلى عليه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ فترك الصلاة عليهم، وروي ذلك من حديث عمر وأنس وجابر وغيرهم.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ ...﴾ الآية؛ سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله ﷺ ، فكنت أكتب براءة، فإني لواضع القلم على أذني، إذا أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله ﷺ ينظر ما ينزل عليه، إذ جاءه أعمى، فقال: كيف بي يا رسول الله، وأنا أعمى؟ فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ ...﴾ الآية، وأخرج عن طريق العوفي عن ابن عباس، قال:
стр. 5058
أمر رسول الله ﷺ أن ينبعثوا غازين معه، فجاءت عصابةٌ من أصحابه , فيهم عبد الله بن معقل المزني، فقال: يا رسول الله، احملنا , فقال: "والله لا أجد ما أحملكم عليه" فتولوا ولهم بكاءٌ، وعز عليهم أن يحبسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقةً ولا محملًا , فأنزل الله : ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الآية , وقد ذكرت أسمائهم في المبهمات.
التفسير وأوجه القراءة
٨٤ - ﴿وَلَا تُصَلِّ﴾ يا محمد بعد الآن؛ أي: بعد عبد الله بن أبي ﴿عَلَى أَحَدٍ﴾ من هؤلاء المنافقين، الذين تخلفوا عن الخروج معك، وقوله: ﴿مَاتَ﴾ صفة لأحد، وقوله: ﴿أَبَدًا﴾ ظرف لتأييد النفي، منصوب بالنهي؛ أي: لا تصل أبدًا بعد اليوم على أحد مات منهم؛ لأن المقصود من الصلاة الدعاء للميت والاستغفار له، وهو ممنوع في حق الكفار ﴿ولَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾؛ أي: ولا تقف عند قبره للدفن , أو الزيارة أو الدعاء له بالتثبيت، كما تقوم على قبور المؤمنين عند دفنهم، فإنه ﷺ كان إذا دفن الميت .. وقف على قبره ودعا له.
روى أبو داود والحاكم والبزار عن عثمان ﵁: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت. وقف عليه فقال: "استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل".
ثم بيَّن سبب نهيه عن الصلاة عليم ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: لأنهم استمروا على الكفر بالله ورسوله في السِرِّ مدَّة حياتهم ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾؛ أي: خارجون عن حظيرة الإسلام مفارقون أمر الله ونهيه، فليسوا أهلًا للصلاة عليهم، ولا للاستغفار لهم بالقيام عند قبورهم.
فإن قلت: لِمَ وصفهم بالفسق بعد أن وصفهم بالكفر؛ لأن الفسق أدنى حالًا من الكفر، فالكفر يشمله وغيره، فما الفائدة في وصفهم بكونهم فاسقين بعد وصفهم بالكفر؟.
قلتُ: إن الكفر قد يكون عدلًا في دينه، بأن يؤدِّي الأمانة ولا يضمر
стр. 5059
لأحد سوءًا، وقد يكون خبيثًا في نفسه كثير الكذب والمكر والخداع، وإضمار السوء للغير، وهذا أمر مستقبح عند كل أحد، ولما كان المنافق بهذه الصفة الخبيثة .. وصفهم الله تعالى بكونهم فاسقين، بعد أن وصفهم بالكفر، ولما نزلت هذه الآية .. ما صلى رسول الله ﷺ على منافق، ولا قام على قبره بعدها.
روى أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم عن ابن عباس، قال: سمعت عمر يقول: لما توفي عبد الله بن أبي .. دعي رسول الله ﷺ للصلاة عليه، فقام عليه، فلما وقف .. قلت: أتصلي على عدو الله، عبد الله بن أبي، القائل: كذا وكذا، والقائل: كذا وكذا؟ أعدِّد أيامه، ورسول الله ﷺ ، يبتسم، حتى إذا أكثرت، قال: "يا عمر أخر عني، إني قد خيرت، قد قيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له .. لزدت عليها" ثم صلى عليه، ومشى معه حتى قام على قبره، إلى أن فرغ منه، فعجبت لي ولجرأتي على رسول الله ﷺ ، والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إلا يسيرًا حتى نزلت هاتان الآيتان ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِه﴾ فما صلَّى رسول الله ﷺ على منافق بعده، حتى قبضه الله .
وقد حكم كثير من العلماء (١)، كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وإمام الحرمين والغزالي، وغيرهم بعدم صحة هذا الحديث، لمخالفته للآية من وجوه:
١ - جعل الصلاة على ابن أبي سببًا لنزول الآية، وسياق القرآن صريح في أنها نزلت في سفر غزوة تبوك، سنة ثمان، وابن أبي مات في السنة التي بعدها.
٢ - قول عمر للنبي ﷺ : وقد نهاك ربك أن تصلي عليه، يدل على أن النهي عن هذه الصلاة سابق لموت ابن أبي، وقوله بعده، فصلى عليه رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ صريح في أنه نزل بعد موته والصلاة.
стр. 5060
٣ - قوله إنه ﷺ قال: إن الله خيَّره في الاستغفار لهم وعدمه، إنما يظهر التخيير لو كانت الآية كالحديث، ولم يكن فيها التصريح بأنه لن يغفر الله لهم بسبب كفرهم، فـ (أو) فيها: للتسوية لا للتخيير.
وهناك (١) روايات أخرى في الصلاة على ابن أبي من طريق ابن عمر، ومن طريق جابر، وإنما ذكرنا هذا الحديث مع ما علمت من رأى أئمة الحديث فيه وحكمهم بأنه لا يقبل، لما ذكروا من الأسباب؛ لأنه قلما يخلو تفسير من ذكره، وقيل أن تجد من يشير إلى شيء مما يدل على ضعفه واضطرابه، لمخالفته لظاهر الآية، فرأينا أن نجعلك على بينةٍ من أمره، إذا أنت قرأته.
فصل
وقد وقع في الأحاديث (٢) التي تتضمن قصة موت عبد الله بن أبي بن سلول صورة اختلاف في الروايات، ففي حديث ابن عمر: أنه لما توفي عبد الله بن أبي .. أتى ابنه عبد الله إلى رسول ﷺ ، فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه، وأن يصلي عليه، فأعطاه قميصه، وصلَّى عليه، وفي حديث عمر بن الخطاب - من أفراد البخاري - أن رسول الله دعا له ولم يصل عليه، وفي حديث جابر: أن النبي ﷺ أتاه بعد ما أدخل في حفرته، فأمر به فأخرج فوضعه على ركبته، ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه.
ووجه الجمع بين هذه الروايات: أنه ﷺ أعطاه قميصه فكفن فيه، ثم إنه صلى عليه، وليس في حديث جابر ذكر الصلاة عليه، فالظاهر - والله أعلم - أنه ﷺ صلى عليه أولًا، كما في حديث ابن عمر، ثم إن رسول الله ﷺ أتاه ثانيًا، بعدما أدخل حفرته، فأخرجه منها، ونزع عنه القميص الذي أعطاه وكفن فيه، لينفث عليه من ريقه، ثم إنه ﷺ ألبسه قميصه بيده الكريمة، فعل هذا كله بعبد الله بن أبي تطييبًا لقلب ابنه عبد الله، فإنه كان من فضلاء الصحابة، وأصدقهم إسلامًا وأكثرهم عبادة، وأشرحهم صدرًا.
ويروى أن النبي ﷺ كُلِّم فيما فعل بعبد الله بن أبي فقال ﷺ : "وما يغني
стр. 5061
عنه قميصي وصلاته من الله، والله إني كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه" ويروي أنه أسلم ألف من قومه لمَّا رأوه يتبرك بقميص النبي ﷺ ، وفي رواية عن جابر، قال: لما كان يوم بدر، أتى بالأسارى وأتي بالعباس، ولم يكن عليه ثوب فنظر النبي ﷺ له قميصًا، فوجدو قميص عبد الله بن أبي مقدرًا عليه، فكساه النبي ﷺ إياه فلذلك نزع النبي ﷺ قميصه له. اهـ "الخازن".
٨٥ - ثم أكد ما تقدَّم من النهي عن الاغترار بالأموال والأولاد؛ لأن الأمر جد خطير، يحتاج إلى التوكيد إذ هما أعظم الأشياء جذبًا للقلوب، وجلبًا للخواطر للاشتغال بالدنيا، فيجب التحذير منهما مرةً بعد أخرى، فقال: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ﴾ يا محمد أموالهم وأولادهم؛ أي. كثرتها واغترارهم بها ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ بتمتيعهم بالأموال والأولاد ﴿أَنْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ ويتعبهم ﴿بِهَا﴾؛ أي بمكابدتهم الشدائد في شأنها ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾، أي: وتخرج أرواحهم ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾؛ أي: مغرورون بها عن نعيم الآخرة، أي: فيموتوا كافرين باشتغالهم بالتمتع بها.
وقد جاء (١) مثل هذا النص فيما سبق، إلا أن زيادة ﴿لا﴾ في الآية السابقة للنهي عن الإعجاب بكل من الأموال والأولاد على حدته، وهو شامل لمن كانت له إحدى المزيتين أو كلاهما، والنهي في هذه الآية عن الإعجاب بها مجتمعين، وهذا أدعى إلى الإعجاب بهما.
فصلٌ للكلام على هذه الآية في بحثين
البحث الأول: في وجه تكرارها (٢)، والحكمة فيه أن تجدد النزول له شأنٌ في تقرير ما نزل أولًا، وتأكيده وإرادة أن يكون المخاطب به على بالٍ، ولا يغفل عنه، ولا ينساه، وأن يعتقد أنَّ العمل به مهم، وإنما أعيد هذا المعنى لقوته فيما يجب أن يحذر منه، وهو أن أشد الأشياء جذبًا للقلوب والخواطر الاشتغال بالأموال والأولاد، وما كان كذلك يجب التحذير منه مرة بعد أخرى، وبالجملة
стр. 5062
فالتكرار يراد به التأكيد، والمبالغة في التحذير في ذلك الشيء الذي وقع الاهتمام به، وقيل أيضًا: إنما كرر هذا المعنى؛ لأنه أراد بالآية الأولى قومًا من المنافقين، كان لهم أموالٌ وأولاد عند نزولها، وبالآية الأخرى أقوامًا آخرين منهم.
البحث الثاني: في بيان وجه ما حصل من التفاوت في الألفاظ في هاتين الآيتين، وذلك أنه قال في الآية الأولى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ﴾ بالفاء، وقال، هنا: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ﴾ بالواو، والفرق بينهما: أنه عطف الآية الأولى على قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ وصفهم بكونهم كارهين للإنفاق، لشدة المحبة للأموال والأولاد، فحسن العطف عليه بالفاء في قوله: فلا تعجبك، وأما هذه الآية فلا تعلق لها بما قبلها، فلهذا أتى بحرف الواو، وقال في الآية الأولى ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ بزيادة لا وأسقطها هنا، فقال: ﴿أَوْلَادُهُمْ﴾ والسبب فيه: أن حرف ﴿لا﴾ دخل هناك لزيادة التأكيد في شأن الأولاد، فيدل على أنهم كانوا معجبين بكثرة الأموال والأولاد، وكان إعجابهم بأولادهم أكثر من إعجابهم بأموالهم، وفي إسقاط حرف ﴿لا﴾ هنا دليل على أنه لا تفاوت بين الأمرين، وقال في الآية الأولى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ بزيادة حرف اللام، وقال هنا: ﴿أَن يُعَذِّبَهُمْ﴾ بإسقاطها وزيادة حرف أن، والسبب في ذلك، التنبيه على أنَّ التعليل في أحكام الله محال، وأنه أينما ورد حرف اللام، فمعناه: أن كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ومعناه: وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله، وقال أيضًا في الآية الأولى ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بزيادة لفظ الحياة، وقال هنا: ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ بإسقاطه، والحكمة في إسقاطه هنا: التنبيه على أن الحياة الدنيا بلغت في الخسة إلى حيث إنها لا تستحق أن تذكر، ولا تسمى حياةً، بل يجب الاقتصار عند ذكرها على لفظ الدنيا، تنبيهًا على كمال دنائتها وخستها، فهذه جمل في ذكر الفرق بين هذه الألفاظ، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
٨٦ - ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ﴾ عليك يا محمد ﴿سُورَةٌ﴾ من سور القرآن، كلا أو بعضًا
стр. 5063
يحتمل أن يراد بالسورة بعضها؛ لأن إطلاق لفظ الجمع على البعض جائز، ويحتمل أن يراد جميع السورة، فعلى هذا المراد بالسورة سورة براءة؛ لأنها مشتملة على الأمر بالإيمان، والأمر بالجهاد بـ ﴿أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أي: داوموا على إيمانكم بالله تعالى ﴿وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾ ﷺ في المستقبل، ويصح أن تكون أن مصدرية، كما أشرنا إليه بتقدير الباء، ومفسرة لما في الإنزال من معنى القول والوحي، والقولان ذكرهما أبو السعود.
فإن قلت: كيف يأمرهم بالإيمان مع كونهم مؤمنين، فهو من باب تحصيل الحاصل؟ قلت: معناه: الأمر بالدوام على الإيمان وبالجهاد في المستقبل، وقيل: إن الأمر بالإيمان يتوجه على كل أحد، في كل ساعة، وقيل: إن هذا الأمر، وإن كان ظاهرهُ العموم، لكن المراد به الخصوص، وهم المنافقون، والمعنى حينئذ: إن أخلصوا الإيمان بالله، وجاهدوا مع رسوله، وإنما قدم الأمر بالإيمان على الأمر بالجهاد؛ لأن الجهاد بغير إيمان لا يفيد أصلًا، فكأنه قيل للمنافقين: الواجب عليكم أن تؤمنوا بالله أولًا، وتجاهدوا مع رسوله ثانيًا حتى يفيدكم ذلك الجهاد فائدة يرجع عليكم نفعها في الدنيا والآخرة.
والمعنى: وإذا أنزلت عليك يا محمَّد سورة من القرآن، مشتملةٌ على الأمر بإخلاص الإيمان، وعلى الأمر بالجهاد مع رسوله في المستقبل ﴿اسْتَأْذَنَكَ﴾ في التخلف عن الغزو ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ وأصحاب الغنى ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من المنافقين أي: استأذنك أصحاب السعة في المال والقدرة على الجهاد بالبدن من رؤساء المنافقين وكبرائهم، كعبد الله بن أبي وجدٍّ بن قيس، ومعتب ابن قشير. وخصهم بالذكر؛ لأن الذم لهم ألزم، لكونهم قادرين على أهبة السفر والجهاد؛ أو لأن العاجز عن السفر والجهاد لا يحتاج إلى الاستئذان ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: قال أولوا الطول لك ﴿ذَرْنَا﴾؛ أي: أتركنا يا محمَّد عن الخروج معك ﴿نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ في البيوت من النساء والصبيان. وقيل: مع المرضى والزمنى: أي: إن تركتنا وسامحتنا من الخروج للغزو نكون مع الضعفاء من الناس، والساكنين
стр. 5064
في البلد بعذر.
والمعنى: أنه كلما أنزلت سورةٌ، تدعو المنافقين ببعض آياتها إلى الإيمان باللهِ، والجهاد مع رسوله ﷺ .. استأذنك أولوا المقدرة على الجهاد، المفروض عليهم بأموالهم وأنفسهم في التخلف عن الجهاد، وقالوا: دعنا نكن مع القاعدين في بيوتهم من الضعفاء والزمنى، العاجزين عن القتال والنساء والصبيان، غير المخاطبين بالجهاد.
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ وفي هذا تصريح بجبنهم، ورضاهم لأنفسهم بالمذلة والهوان.
٨٧ - ﴿رَضُوا﴾؛ أي: رضي هؤلاء المنافقون لأنفسهم ﴿بِأَن يَكوُنُواْ﴾ في البلد ﴿مَعَ الْخَوَالِفِ﴾؛ أي: مع النساء اللاتي يخلفن الرجال في القعود في البيوت، جمع خالفة، وجوز بعضهم أن يكون جمع خالف، وهو من لا خير فيه؛ أي: أن يكونوا مع النساء اللاتي ليس عليهن فرض الجهاد، وهذا منتهى الجبن، وتعافه النفس الكريمة، التي لا ترضى بالمذلة، ثم بين العلة في قبولهم هذا الذل، فقال: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: ختم على قلوب هؤلاء المنافقين، ومنعت من حصول الإيمان ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ولا يفهمون مراد الله تعالى في الأمر بالجهاد وموافقة الرسول من السعادة، وما في التخلف عنه من الشقاوة.
والمعنى: أن الله تعالى قد ختم على قلوبهم، فلا تقبل جديدًا من العلم والموعظة غير ما استقر فيها واستحوذ عليها، وصار وصفًا لازمًا لها، لأن النفاق قد أثر فيها، بحسب سنة الله في الارتباط بين العقائد والأعمال، فهم لا يفهمون ما أمروا به فَهْم تدبر واعتبار، فيعملوا به.
٨٨ - والمقصود من الاستدراك: في قوله: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ﴾ إلى آخره، الإشعار بأن تخلف هؤلاء غير ضائر، فإنه قد قام بفريضة الجهاد من هو خير منهم، وأخلص نية على حد قوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا
стр. 5065
بِكَافِرِينَ﴾؛ أي: ولكن الرسول محمد ﷺ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ به وكانوا ﴿مَعَهُ﴾ في كل المهام الدينية ولا يفارقونه ﴿جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ وقاموا بالواجب خير قيام، عملًا بداعي الإيمان وأمر الله في القرآن ﴿وَأُولَئِكَ﴾ المجاهدون في سبيل الله ﴿لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾؛ أي منافع الدارين، النصر والغنيمة في الدنيا، والجنة والكرامة في الآخرة؛ أي لهم الخيرات التى هى ثمرات الإيمان والجهاد من شرف النصر، ومحو كلمة الكفر، وإعلاء كلمة الله، وإقامة الحق والعدل، والتمتع بالغنائم، والسيادة في الأرض دون المنافقين الجبناء، الذين ألفوا الذلة والهوان، ولم يكونوا أهلًا للقيام بهذه الأعباء ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ أي: هم الفائزون بسعادة الدنيا، وسعادة الآخرة، دون المنافقين الذين حرموا منهما بنفاقهم بما له من الأثر في أخلاقهم وأعمالهم.
٨٩ - وقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ إلى آخره، كلام مستأنف مسوق لبيان ما لهم من الخيرات الأخروية؛ أي،: هيأ الله لهم في الآخرة ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: بساتين ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾، أي: من تحت أشجارها وقصورها ﴿الْأَنْهَار﴾ الأربعة الماء واللبن والخمر والعسل حالة كونهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: ماكثين في تلك الجنات مكثًا مؤبَّدًا، لا نهاية له، لا يموتون ولا يخرجون منها ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الخيرات والفلاح وإعداد الجنات، الموصوفة بتلك الصفة هو ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ والظفر الجسيم الذي لا فوز وراءه.
٩٠ - وقوله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ شروع في بيان أحوال منافقي الأعراب، إثر بيان أحوال منافقي أهل المدينة، والمعذرون: هم المعتذرون بالأعذار الباطلة الكاذبة ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ هم سكان البوادي، وهم أخص من العرب، إذ العربي من تكلم باللغة العربية، سواء كان يسكن البادية أو الحاضرة، وهؤلاء (١) المعذرون هم أسد وغطفان استأذنوا في التخلف معتذرين بالجهد وكثرة العيال، وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل، قالوا: إن غزونا معك .. أغارت طيءُ على أهالينا ومواشينا،
стр. 5066
فقال لهم رسول الله ﷺ : "قد أنبأني الله من أخباركم، وسيغنيني الله عنكم" واختلفت الروايات فيهم، بين قائل بصدقهم في الاعتذار، وقائل بكذبهم فيه، وظاهر كلام ابن عباس أنهم صادقون في اعتذارهم، وعليه يكون المراد بالذين كذبوا الله ورسوله جماعة غيرهم من المنافقين.
أي: وجاء إليك يا محمَّد المعذرون؛ أي: الذين أتوا بأعذار كاذبة، وتكلفوا عذرًا بباطل من الأعراب؛ أي: من سكان البوادي من بني غفار أو من أسد وغطفان على الخلاف فيه ﴿لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ في التخلف عن غزوة تبوك، فلم يعذرهم الله تعالى ﴿وَقَعَدَ﴾ عن الجهاد بغير إذن ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في ادعائهم الإيمان وهم منافقوا الأعراب الذين لم يجيئوا إلى الرسول ولم يعتذورا.
وقال أبو عمرو بن العلاء (١): إن قومًا تكلفوا عذرًا بباطل، فهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ وتخلف آخرون لا لعذر، ولا لشبهة عذر جرأة على الله تعالى، فهم المراد بقوله تعالى: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهم منافقوا الأعراب، الذين ما جاؤوا وما اعتذروا، وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله، يعني: في ادعائهم الإيمان، فمنافقوا الأعراب قسمان: قسم جاء واعتذر بالأعذار الكاذبة، وقسمٌ لم يجىء ولم يعتذر.
والمعنى (٢): وجاء الذين يطلبون من النبي ﷺ أن يأذن لهم في التخلف عن الخروج إلى تبوك، امتثالًا للنفير العام من أولي التعذير، وقعد عن القتال وعن المجيء للاعتذار الذين أظهروا الإيمان بهما، كذبًا وإيهامًا على غير اعتقاد صادق، قال أبو عمرو: كان كلا الفريقين مسيئًا، فأوعد المكذبين وبعض المعتذرين بقوله: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: سيصيب الذين كذبوا الله ورسوله من المنافقين والكاذبين من المعتذرين الذين في قلوبهم مرض عذاب أليم في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالنار؛ أي: سيصيب الذين استمروا على الكفر منهم، لا من أسلم منهم عذاب أليم.
стр. 5067
وقرأ الجمهور: ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ بفتح العين وتشديد الذال، وسيأتي لك بيان أصله في مبحث التصريف إن شاء الله تعالى، وقرأ ابن عباس وزيد بن علي والضحاك والأعرج وأبو صالح وعيسى بن هلال ويعقوب والكسائي في رواية عنه: ﴿الْمُعذِرُونَ﴾ من أعذر الرباعي، وقرأ مسلمة: ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ بفتح العين، وتشديد الذال، من تعذر، بمعنى اعتذر، قال أبو حاتم: أراد المتعذرين والتاء لا تدغم في العين لبعد المخارج، وهي غلط منه أو عليه، وقرأ الجمهور: ﴿كَذَبُوا﴾ بالتخفيف؛ أي: في إيمانهم فأظهروا ضدَّ ما أخفوه، وقرأ أُبَيٌّ والحسن، في المشهور عنه، ونوحٌ وإسماعيل: ﴿كذَّبوا﴾ بالتشديد؛ أي: لم يصدقوه تعالى ولا رسوله، وردوا عليه أمره، والتشديد أبلغ في الذم.
٩١ - ولمَّا ذكر الله المنافقين الذين تخلفوا عن الجهاد، واعتذروا بأعذار باطلة .. عقبه بذكر أصحاب الأعذار الحقيقة الصحيحة وعذرهم، وأخبر: أن فرض الجهاد عنهم ساقط، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ جمع ضعيف والضعيف: هو الصحيح في بدنه، العاجز عن الغزو، وتحمل مشاق السفر والجهاد، مثل الشيوخ والصبيان والنساء، ومن خلق في أصل الخلقة ضعيفًا نحيفًا، ويدل على أنَّ هؤلاء الأصناف هم الضعفاء: أنَّ الله عطف عليهم المرض فقال سبحانه ﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ والمعطوف مغاير للمعطوف عليه، فأما المرضى .. فيدخل فيهم أهل العمى والعرج والزمانة، وكل من كان موصوفًا بمرض يمنعه من التمكن من الجهاد والسفر للغزو ﴿وَلَا عَلَى﴾ الفقراء العاجزين عن أهبة الغزو والجهاد ﴿الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾ فيه من الزاد والراحلة والسلاح وسائر مؤونة السفر؛ لأن العاجز عن نفقة الغزو معذور ﴿حَرَجٌ﴾؛ أي: ليس على هؤلاء الأصناف الثلاثة حرج؛ أي: إثم في التخلف عن الغزو، وقال الإِمام الفخر الرازي: ليس في الآية أنه يحرم عليهم الخروج؛ لأن الواحد من هؤلاء لو خرج ليعين المجاهدين بمقدار القدرة، إما بحفظ متاعهم، أو بتكثير سوادهم، بشرط أن لا يجعل نفسه كلًّا ووبالًا عليهم، فإن ذلك طاعة مقبولة، ثم إنه تعالى شرط على الضعفاء في جواز التخلف عن الغزو شرطًا معينًا، وهو قوله : ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ﴾ بالإيمان به، والعمل بشريعته، وترك ما
стр. 5068
يخالفها، كائنًا ما كان، ويدخل تحته دخولًا أوليًّا نصح عباده، ومحبة المجاهدين في سبيله، وبذل النصيحة لهم في أمر الجهاد، وترك المعاونة لأعدائهم بوجه من الوجوه، والقيام بمصالح بيوتهم، وإيصال الخير إلى أهاليهم، وإخلاص الإيمان والعمل لله تعالى، والاحتراز عن إفشاء الأراجيف وإثارة الفتن ﴿و﴾ نصحوا لـ ﴿رسوله﴾. بتصديق رسالته، وقبول ما جاء به في كل ما يأمر به، أو ينهى عنه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، ومحبته وتعظيم سننه، وإحيائها بعد موته بما تبلغ إليه القدرة، وقد ثبت في الحديث الصحيح، أن النبي ﷺ ، قال: "الدين النصيحة" ثلاثًا، قالوا: لمن؟ قال: "الله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم"، وقرأ أبو حيوة: ﴿إذا نصحوا الله ورسوله﴾ بنصب الجلالة وجملة قوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ بالقول والفعل ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ مُقرِّرةُ لمضمون ما سبق؛ أي: ليس على المعذورين المخلصين الناصحين من سبيل؛ أي: طريق عقاب، ومؤاخذةٍ على تخلفه؛ أي: ليس على من أحسن، فنصح لله ولرسوله، في تخلفه عن الجهاد بعذر قد أباحه الشارع، طريق يتطرق عليه فيعاقب عليه، والمعنى: إنه سد بإحسانه طريق العقاب عن نفسه.
و ﴿من﴾ في قوله (١) ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ مزيدة للتأكيد، وعلى هذا المعنى المذكور فيكون لفظ ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ موضوعًا موضع الضمير الراجع إلى المذكورين سابقًا، كأنه قال: ما عليهم من سبيل، ويحتمل أن يكون المراد ما على جنس المحسنين من سبيل، وهؤلاء المذكورون سابقًا من جملتهم، فتكون الجملة معللة.
ويستنبط من قوله (٢): ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أنَّ كلَّ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، مخلصًا من قلبه، ليس عليه سبيل في نفسه وماله، إلا ما أباحه الشرع بدليل منفصل، وجملة قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لمن تخلف عن الجهاد بعذر ظاهر أباحه الشرع ﴿رَحِيمٌ﴾ بجميع عباده جملة تذييلية،
стр. 5069
ونحو الآية: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾.
والحاصل (١): أن التكليف بالغزو ساقط عن أصناف ثلاثة:
١ - الضعفاء: وهم من لا قوة لهم في أبدانهم تمكنهم من الجهاد، كالشيوخ والعجزة والنساء والصبيان، وذوي العاهات التي لا تزول، كالكساح والعمى والعرج.
٢ - المرضى: وهم من عرضت لهم أمراض لا يتمكنون معها من الجهاد، وعذرهم ينتهي إذا شفوا منها.
٣ - الفقراء: الذين لا يجدون ما ينفقون منه على أنفسهم إذا ما خرجوا، ولا ما يكفي عيالهم، وقد كان المؤمنون يجهزون أنفسهم للقتال، فالفقير ينفق على نفسه، والغني ينفق على نفسه وعلى غيره بقدر سعته، كما فعلوا في غزوة تبوك.
والخلاصة: أن هذه الأصناف الثلاثة لا حرج عليهم؛ أي: لا ضيق عليهم ولا إثم في قعودهم عن الجهاد الواجب، على شرط أن ينصحوا لله ورسوله؛ أي: يخلصوا لله في الإيمان وللرسول في الطاعة، بعمل كل ما فيه مصلحة للأمة الإِسلامية، ولا سيما المجاهدين منها، من كتمان السر، والحث على البر، ومقاومة الخائنين - في السر والجهر.
روى البخاري ومسلم عن جابر، قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾؛ أي: ليس لأحد أدنى طريق يسلكها لمؤاخذة المحسنين، فكل السبل مسدودة دون الوصول إليهم.
стр. 5070
والخلاصة: أن كل ناصح لله ورسوله .. فهو محسن، ولا سبيل إلى مؤاخذة المحسن وإيقاعه في الحرج، ثم قفى ذلك بذكر الصفح عنهم، والتجاوز عن سيئاتهم فقال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: وهو كثير المغفرة، واسع الرحمة، يستر على المقصرين ضعفهم في إداء الواجبات، ما داموا مخلصين النصح لله ورسوله، ويدخلهم في زمرة الصالحين من عباده.
أما المنافقون المسيئون فلا يغفر لهم، ولا يرحمهم إلا إذا تابوا وأقلعوا عن النفاق الذي كان سببًا في ارتكاب هذه الآثام، وإسقاط التكليف عن هؤلاء المعذورين لا يستلزم عدم ثبوت ثواب الغزو لهم الذي عذرهم الله عنه مع رغبتهم إليه لولا حبسهم العذر عنه، ومنه حديث أنس عند أبي داود وأحمد، وأصله في "الصحيحين" أنَّ رسول الله ﷺ ، قال: "لقد تركتم بعدكم قومًا، ما سرتم من مسير، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم واديًا، إلا وهم معكم فيه"، قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال: "حبسهم العذر" وأخرجه أحمد ومسلم من حديث جابر،
٩٢ - ثم ذكر الله سبحانه من جملة المعذورين من تضمنه قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ إلخ والعطف على جملة ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: ولا على الذين إذا ما أتوك، من سبيل، ويجوز أن يكون عطفًا على الضعفاء؛ أي: ولا على الذين إذا ما أتوك ... إلخ حرجٌ.
والمعنى: أنَّ من جملة المعذورين هؤلاء الذين إذا ما أتوك لتحملهم، إلخ وقرأ معقل بن هارون: ﴿لنحملهم﴾ بنون الجماعة.
والحاصل: أن الله ، لمَّا ذكر هذه الأقسام الثلاثة من المعذورين، أتبعه بذكر قسم رابع فقال: ﴿وَلَا﴾ حرج ولا إثم في التخلف عنك في الخروج إلى غزوة تبوك ﴿علَى﴾ الأقوام ﴿الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ على الرواحل، فيخرجوا معك، فلم تجد ما تحملهم عليه ﴿قُلْتَ﴾ لهم، ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ وجواب إذا قوله: ﴿تَوَلَّوْا﴾؛ أي: انصرفوا من مجلسك ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾؛ أي: انصرفوا من عندك، والحال أن أعينهم تسيل من الدموع ﴿حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ في سبيل الله؛ أي: رجعوا من عندك، والحال
стр. 5071
أنهم يبكون بكاءً شديدًا لأجل الحزن والأسف على عدم وجدانهم ما ينفقون ويركبون في خروجهم معك للجهاد في سبيل الله، وابتغاء مرضاته. وهؤلاء، وإن دخلوا في عموم الذين لا يجدون ما ينفقون للجهاد لفقدهم الرواحل، قد خصوا بالذكر اعتناءً بشأنهم، وجعلهم كأنهم قسم مستقل.
وعدم وجود ما يحملون عليه يدخل فيه مراكب النقل، البرية والبحرية والهوائية في هذا العصر، ويتحقق العذر بفقد ما يحتاج إليه منها في كل سفر بحسبه، ويفقد العذر بوجوده، أو المعنى: وليس على من أتوك يسألونك أن تحملهم إلى غزوة تبوك، ثم خرجوا من عندك يبكون لعدم وجدان ما ينفقون في الجهاد سبيل في لومهم، ولذلك سموا البكائين، وهم سبعة من الأنصار: معقل بن يسار، وصخر بن خنساء، وعبد الله بن كعب، وسالم بن عمير، وثعلبة بن عتمة، وعبد الله بن مغفل، وعبد الله بن زيد، فإنهم أتوا رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : "لا أجد ما أحملكم عليه"، فتولوا وهم يبكون، فحمل العباس منهم اثنين، وعثمان ثلاثةً، زيادةً على الجيش الذي جهزه وهو ألفٌ، وحمل يامين بن عمرو النضريُّ اثنين.
٩٣ - ثم ذكر من عليه السبيل من المتخلفين، فقال: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾؛ أي: طريق العقوبة والمؤاخذة، والطريق هي الأعمال السيئة ﴿علَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ في التخلف عن الغزو، والقعود عن الجهاد ﴿وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾؛ أي: والحال أنهم واجدون للأهبة، قادرون على الخروج معك؛ أي إنما الإثم والحرج في التخلف على الذين يستأذنونك فيه، وهم قادرون على الجهاد، وعلى الإنفاق لغناهم، ثم ذكر السبب في استحقاقهم المؤاخذة، فقال: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾؛ أي: رضوا لأنفسهم بأن يكونوا مع الخوالف، والخالفين من النساء والأطفال والمُعذِّرين من المفسدين وهذه الجملة مستأنفة لبيان ما هو السبب لاستئذانهم من غير عذر، وهو رضاهم بالدناءة والانتظام في جملة الخوالف، إيثارًا للدعة والراحة، وجملة قوله: ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: ختم على قلوبهم، وأحاطت بهم خطاياهم وذنوبهم، بحسب سنن الله في
стр. 5072
أمثالهم، معطوفة على جملة ﴿رَضُوا﴾؛ أي: سبب الاستئذان مع الغنى، أمران: أحدهما: الرضا بالصفقة الخاسرة، وهي أن يكونوا مع الخوالف، والثاني: الطبع من الله على قلوبهم ﴿فَهُمْ﴾ بسبب هذا الطبع ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما فيه الربح لهم حتى يختاروه على ما فيه الخسران؛ أي: لا يعلمون ما في الجهاد من الخير في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا .. فالفوز بالغنيمة والظفر بالعدو، وأما في الآخرة .. فالثواب والنعيم الدائم، الذي لا ينقطع فهم لا يعلمون حقيقة أمرهم، ولا سوء عاقبتهم، وما هو سبب ذلك من أعمالهم، فهم قد رضوا بالمهانة في الدنيا، بانتظامهم في سلك النساء والأطفال، إلا أنَّ تخلف الأفراد عن القتال الذي تسعى إليه الشعوب والأمم يعد من مظاهر الخزي والعار، وقد جعله الدين من أقوى آيات الكفر والنفاق، وأما سوء عاقبتهم، فيكفي فيه فضيحتهم في هذه السورة، كفاء إحجامهم عن الجهاد في سبيله، وما أعده لهم من العذاب العظيم، والخزي والنكال في نار الجحيم، وتقدم نظير هذه الجملة آنفًا، وذكره ثانيًا: للتأكيد، وعبر هنا بالعلم، وهناك بالفقه إشارة إلى أن معناهما واحد، إذ الفقه هو العلم، والعلم هو الفقه. ذكره الصاوي.
الإعراب
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿تُصَلِّ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة على ﴿عَلَى أَحَدٍ﴾ متعلق به ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور صفة أولى لـ ﴿أَحَدٍ﴾ ﴿مَات﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿أَحَدٍ﴾، والجملة في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿أَحَدٍ﴾ ﴿أَبَدًا﴾ ظرف متعلق بـ ﴿لا تصل﴾ وجملة قوله: ﴿وَلَا تَقُمْ﴾: معطوفة على جملة ﴿وَلَا تُصَلِّ﴾ ﴿عَلَى قَبْرِهِ﴾ متعلق به ﴿إنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به ﴿وَرَسُولِهِ﴾ معطوف على الجلالة، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة، لتعليل ما قبلها ﴿وَمَاتُوا﴾: فعل
стр. 5073
وفاعل، معطوف على ﴿إنَّهُمْ﴾، ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾: جملة اسمية في محل النصب حال، من فاعل ﴿مَاتُوا﴾.
﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾.
﴿وَلَا تُعْجِبْكَ﴾: فعل ومفعول ﴿أَمْوَالُهُمْ﴾: فاعل ﴿وَأَوْلَادُهُمْ﴾: معطوف عليه، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿أَنْ يُعَذِّبَهُمْ﴾: ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾ ﴿بِهَا﴾: متعلق به، وكذا قوله: ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: متعلق به، والجملة في تأويل مصدر، منصوب على المفعولية، تقديره: إنما يريد الله تعذيبه إياهم بها ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿يُعَذِّبَهُمْ﴾ ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾: جملة اسمية في محل النصب، حال من ضمير الغائبين في ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾.
﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦)﴾.
﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾؛ فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها ﴿أن﴾ حرف مصدر ونصب ﴿آمِنُوا﴾ فعل وفاعل في محل النصب بـ ﴿أن﴾ المصدرية ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق به، والجملة في تأويل مصدر مجرور بباء مقدوة، تقديره: وإذا أنزلت سورة بإيمانهم بالله ﴿وَجَاهِدُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿آمِنُوا﴾ ﴿مَعَ رَسُولِهِ﴾ ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿جَاهِدُوا﴾؛ أي: وإذا أنزلت سورة بالإيمان بالله وبالجهاد مع رسوله ﴿اسْتَأْذَنَكَ﴾ فعل ومفعول ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ فاعل ومضاف إليه ﴿مِنْهُمْ﴾ حال من ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة ﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿اسْتَأْذَنَكَ﴾ عطفًا تفسيريًّا، فهو مغن عن بيان ما استأذنوا فيه، وهو القعود، ذكره أبو السعود، ﴿ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ مقول محكي، وإن
стр. 5074
شئت قلت: ﴿ذَرْنَا﴾، فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿نَكُنْ﴾ فعل مضارع ناقص، مجزوم بالطلب السابق، واسمه ضمير يعود على المتكلمين ﴿مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ خبر ﴿نَكُنْ﴾ وجملة ﴿نَكُنْ﴾ في محل لنصب مقول قالوا، على كونها جواب الطلب.
﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾.
﴿رَضُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، أعني قوله: ﴿اسْتَأْذَنَكَ﴾ ﴿بِأَنْ﴾ ﴿الباء﴾ حرف جر ﴿أن﴾: حرف مصدر ﴿يَكُونُوا﴾ فعل مضارع ناقص، منصوب بـ ﴿أن﴾ ﴿والواو﴾: اسمها ﴿مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ خبرها، وجملة ﴿يكون﴾ في تأويل مصدر، مجرور بالباء، تقديره: رضوا بكونهم مع ﴿الْخَوَالِفِ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿رَضُوا﴾ ﴿وَطُبِعَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ نائب فعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿رَضُوا﴾ ﴿فَهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة تفريعية ﴿هم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ خبره، الجملة معطوفة مفرعة على جملة طبع.
﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)﴾.
﴿لَكِنِ﴾ حرف استدراك، على محذوف، تقديره؛ إن تخلف هؤلاء ولم يجاهدوا، فقد جاهد مَنْ هو خير منهم، ذكر البيضاوي، ﴿الرَّسُولُ﴾ مبتدأ ﴿وَالَّذِينَ﴾ معطوف عليه ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿مَعَهُ﴾، متعلق بـ ﴿آمَنُوا﴾ ﴿جَاهَدُوا﴾ فعل وفاعل ﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾ متعلق به ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية، في محل الرفع، خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جملة استدراكية، لا محل لها من الإعراب ﴿وَأُولَئِكَ﴾ مبتدأ أول ﴿لَهُمُ﴾ خبر مقدم ﴿الْخَيْرَاتُ﴾ مبتدأ ثاني مؤخر، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع، خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأولى وخبره، مستأنفة ﴿وَأُولَئِكَ﴾ مبتدأ ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبر، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها.
стр. 5075
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾.
﴿أَعَدَّ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان كونهم مفلحين ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به ﴿جَنَّاتٍ﴾ مفعول به ﴿تَجْرِي﴾ فعل مضارع ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ متعلق به ﴿الْأَنْهَارُ﴾ فاعل والجملة الفعلية في محل الجر صفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من ضمير لهم ﴿فِيهَا﴾ متعلق به ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ﴾ مبتدأ وخبر ﴿الْعَظِيمُ﴾ صفة له، والجملة مستأنفة.
﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾.
﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ حال من ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ ﴿لِيُؤْذَنَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل ﴿يؤذن﴾: فعل مضارع، مغير الصيغة، منصوب بأن مضمرة جوازًا، بعد لام كي ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور، نائب فاعل، والجملة في تأويل مصدر، مجرور باللام، تقديره: للإذن لهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَاءَ﴾ ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿جاء﴾ ﴿كَذَبُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿وَرَسُولَهُ﴾ معطوف على الجلالة، والجملة الفعليه، صلة الموصول ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ﴾: فعل ومفعول ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول ﴿مِنْهُمْ﴾ حال من فاعل ﴿كَفَرُوا﴾ ﴿عَذَابٌ﴾: فاعل ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة له، والجملة الفعلية مستأنفة.
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)﴾.
﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص ﴿عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾: جار ومجرور، خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم على اسمها ﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾: جار ومجرور، معطوف على الجار والمجرور قبله وكذا قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ﴾: معطوف عليه ﴿لَا يَجِدُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة، في محل النصب، مفعول ﴿يَجِدُونَ﴾ وجملة ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد، أو
стр. 5076
الرابط محذوف، تقديره: ما ينفقونه ﴿حَرَجٌ﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر عن خبرها، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ مستأنفة ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿نَصَحُوا لِلَّهِ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿وَرَسُولِهِ﴾ معطوف على الجلالة، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب المحذوف، تقديره: إذ نصحوا لله ولرسوله ليس عليهم حرج، وجملة ﴿إِذَا﴾ معترضة، لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين المتعاطفين ﴿مَا﴾: نافية ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ خبر مقدم ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿مِنْ﴾ زائدة، والجملة مستأنفة ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ ﴿غَفُورٌ﴾ خبر أول ﴿رَحِيمٌ﴾ خبر ثان، أو صفة له، والجملة مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾.
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ﴾ معطوف على قوله: ﴿عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾؛ أي: وعلى الذين إلخ ﴿حَرَجٌ﴾ أو معطوف على ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: ليس عليهم سبيل ﴿إذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿مَا﴾: زائدة ﴿أَتَوْكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول فعل شرط لـ ﴿إِذَا﴾ ﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾ ﴿اللام﴾: لام كي ﴿تَحْمِلَهُمْ﴾: فعل ومفعول، منصوب بأن مضمرة، وفاعله ضمير، يعود على محمَّد، والجملة في تأويل مصدر، مجرور باللام، تقديره: لحملك إياهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَتَوْكَ﴾ ﴿قُلْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض، معطوفة بعاطف مقدر على جملة ﴿أَتَوْكَ﴾ على كونها فعل شرط لها، وفيه أوجه أخرى ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾: مقول محكي، إن شئت قلت: ﴿لَا﴾: نافية ﴿أَجِدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير، يعود على محمَّد ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿أَجِدُ﴾ ﴿أَحْمِلُكُمْ﴾: فعل ومفعول، ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير، يعود على محمَّد، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها ﴿تَوَلَّوْا﴾: فعل وفاعل جواب إذا، وجملة إذا صلة الموصول ﴿وَأَعْيُنُهُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿تَفِيضُ﴾: خبره ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾: متعلق به، والجملة الاسمية، في محل النصب حال من فاعل
стр. 5077
﴿تَوَلَّوْا﴾ ﴿حَزَنًا﴾ مفعول لأجله ﴿تَفِيضُ﴾ ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر ﴿لَّا﴾: نافية ﴿يَجِدُوا﴾ فعل وفاعل، منصوب بـ ﴿أن﴾ ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول ﴿يَجِدُوا﴾ وجملة ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ما ينفقونه، وجملة ﴿يَجِدُوا﴾ صلة ﴿أن﴾ المصدرية ﴿أن﴾ مع صلتها، في تأويل مصدر، منصوب عل كونه مفعولًا لأجله لحزنًا تقديره: حزنا لعدم وجدانهم ما ينفقون، فيكون علل فيض الدمع، بالحزن، وعلل الحزن، بعدم وجدان النفقة، وكون التقدير: وأعينهم تفيض من الدمع لأجل الحزن، لعدم وجدان ما ينفقونه.
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾.
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾: مبتدأ ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: خبره، والجملة مستأنفة ﴿يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول ﴿وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب، حال من فاعل ﴿يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ ﴿رَضُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، مسوقة لتعليل الاستئذان؛ أي: لأنهم رضوا ﴿بِأَنْ﴾ ﴿الباب﴾ حرف جر و ﴿أن﴾ مصدرية ﴿يَكُونُوا﴾: فعل ناقص، واسمه منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية ﴿مَعَ الْخَوَالِفِ﴾: خبر ﴿يَكُونُوا﴾ وجملة ﴿يَكُونُوا﴾ في تأويل مصدر مجرور بالباء، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿رَضُوا﴾؛ أي: رضوا بكونهم مع الخوالف ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، معطوف على جملة ﴿رَضُوا﴾ ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿طَبَعَ﴾ ﴿فَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة تفريعية ﴿هم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية، معطوفة مفرعة على جملة ﴿طَبَعَ اللَّهُ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ أبدًا، اسم لزمان بعد زمان تكلمك إلى ما لا نهاية له، وهو هنا لتأييد النفي ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾؛ أي: لا تقف عليه، ولا تتولَّ دفنه، من قولهم: قام فلان بأمر فلان، إذا كفاه أمره، وناب عنه فيه،
стр. 5078
كما في "الخازن" ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ والطول: بالفتح، الغنى والثروة، وقد يراد به الفضل والمنة، من طال عليه طولًا، ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا﴾ أي: دعنا واتركنا، تقول: ذره؛ أي: دعه وهو يذره؛ أي: يدعه، ولا يقال منه: وذر، ولا واذر، ولكنه تركه، وهو تارك؛ لأنه من الأفعال التي ليس لها مصدر ولا ماض، ولا اسم فاعل.
﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ رضوا أصله: رضيوا، بوزن فرحوا، استثقلت الضمة على الياء، ثم نقلت إلى ما قبلها، فالتقى ساكنان، ثم حذفت الياء، فصار رضوا، بوزن فعوا و ﴿الْخَوَالِفِ﴾ جمع خالفة من صفة النساء، وهذه صفة ذم، وقال النحاس: يجوز أن تكون الخوالف من صفة الرجال، بمعنى: أنها جمع خالفة، يقال: رجل خالفة؛ أي: لا خير فيه، فعلى هذا، يكون جمعًا للذكور باعتبار لفظه، وقال بعضهم: إنه جمع خالف، يقال: رجل خالف؛ أي: لا خير فيه، وهذا مردود، فإن فواعل لا يكون جمعًا لفاعل وصفًا لعاقل إلا ما شد، من نحو: فوارس ونواكس، وهوالك اهـ "سمين".
﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾: وهي جمع خير، فيشمل منافع الدنيا والدين، وقيل: المراد به: النساء الحسان، كقوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ ومفرده خيرة بالتشديد، ثم خفف مثل: هيئة وهينة ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ جمع معذر، من عذر في الأمر، إذا قصر فيه وتوانى ولم يجد، وهو يوهم أن له عذرًا فيما يفعل ولا عذر له، وقد يكون أصله المعتذرون، من اعتذر، والمعتذر إما صادق أو كاذب، وقال أبو حيان: قرأ الجمهور: ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ بفتح العين وتشديد الذال، فاحتمل وزنين:
أحدهما: أن يكون فعَّل، بتضعيف العين، ومعناه: تكلف العذر ولا عذر له، والثاني: أن يكون وزنه افتعل، وأصله اعتذر، كاختصم، فأدغمت التاء في الذال، ونقلت حركتها إلى العين، فذهبت ألف الوصل، ويؤيِّده قراءة سعيد بن جبير: ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ بالتاء، من اعتذر. ومن ذهب إلى أن وزنه افتعل الأخفش والفراء وأبو عبيد وأبو حاتم والزجاج وابن الأنباري ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ بفتح
стр. 5079
الهمزة: سكان البوادي الناطقون بالعربية، والعربي: من نطق بالعربية مطلقًا، سكن البوادي أم لا، فهو أعم من الأعراب، وبكسرها مصدر أعرب الكلام، إذا بين، ويطلق على المعنى المصطلح عند النحاة ﴿كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي أظهروا الإيمان بهما كذبًا، يقال: كذبته نفسه، إذا حدثته بالأماني والأوهام التي لا يبلغها، وكذبته عينه إذا أرته ما لا حقيقةً له ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ جمع ضعيف كشرفاء جمع شريف، وهو الهرم ومن خلق في أصل البنية شديد النحافة والضؤولة، بحيث لا يمكنه الجهاد ﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾: جمع مريض كجريح وجرحى، والمريض: من عرض له المرض، أو كان زمنًا، ويدخل فيه العمى والعرج ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾ هم الفقراء ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ يقال: حمله على البعير أو غيره، إذا أركبه إياه، أو أعطاه إياه ليركبه، وكأنَّ الطالب لظهر يركبه، يقول: لمن يطلب منه: احملني ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾؛ أي: تفيض فيضًا، مبتدأ من الدمع، أي: من كثرته وفي "البيضاوي" تفيض من الدمع، أي: يفيض دمعها، فإن ﴿من﴾ البيانية مع مجرورها، في محل نصب على التمييز المحول عن الفاعل، يقال: فاض يفيض فيضًا، إذا انصبَّ عن امتلاءٍ، والدمع ماء العين الملح الحار.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التكرار في قوله: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ وفي قوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وفي قوله: (﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ﴾ الآية.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿مَعَ الْخَوَالِفِ﴾؛ لأن الخوالف حقيقة في الأعمدة التي في أواخر بيوت الحيِّ مجاز في النساء، شبه النساء لكثرة لزومهن البيوت بالخوالف؛ أي: بالأعمدة التي تكون في البيوت، على طريقة الاستعارة التصريحية الأصلية، وقال الآلوسي: الخوالف: النساء المقيمات في دار الحي، بعد رحيل الرجال، ففيه استعارة، وإنما سمي النساء خوالف، تشبيهًا
стр. 5080
لهن بالخوالف، وهي الأعمدة تكون في أواخر بيوت الحيِّ، فشبهت لكثرة لزوم البيوت بالخوالف التي تكون في البيوت، انتهى.
ومنها: الاستهجان والمبالغة في الذم لهم، في قوله ﴿بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾؛ لأن الخوالف: النساء، فكونهم رضوا بأن يكونوا قاعدين مع النساء في المدينة أبلغ ذم لهم وتهجينٍ؛ لأنهم نزلوا أنفسهم منزلة النساء العجزة، اللواتي لا مدافعة عندهن ولا غنى. ذكره في "البحر المحيط".
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾؛ لأن المراد بالمحسنين: المتخلفون للعذر، وهم الضعفاء والمرضى والفقراء، فحق العبارة أن يقال: ما عليهم من سبيل، وإنما أتى بالظاهر للدلالة على انتظامهم بنصحهم في سلك المحسنين اهـ "أبو السعود".
ومنها: ذكر الخاص بعد العام في قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ إلخ؛ لأنهم داخلون في الذين لا يجدون ما ينفقون، ذكرهم اعتناء بشأنهم، أفاده في "روح البيان".
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾؛ لأن الفيض مجاز عن الامتلاء بعلاقة السببية؛ لأن الامتلاء سبب للفيض، الذي هو انصباب الدمع بكثرةٍ، فالمجاز في المسند أو الفيض على حقيقته، والمجاز في إسناده إلى العين للمبالغة، كجرى النهر، ذكره في "الفتوحات".
ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *