الرابط محذوف، تقديره: ما ينفقونه ﴿حَرَجٌ﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر عن خبرها، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ مستأنفة ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿نَصَحُوا لِلَّهِ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿وَرَسُولِهِ﴾ معطوف على الجلالة، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب المحذوف، تقديره: إذ نصحوا لله ولرسوله ليس عليهم حرج، وجملة ﴿إِذَا﴾ معترضة، لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين المتعاطفين ﴿مَا﴾: نافية ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ خبر مقدم ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿مِنْ﴾ زائدة، والجملة مستأنفة ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ ﴿غَفُورٌ﴾ خبر أول ﴿رَحِيمٌ﴾ خبر ثان، أو صفة له، والجملة مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾.
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ﴾ معطوف على قوله: ﴿عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾؛ أي: وعلى الذين إلخ ﴿حَرَجٌ﴾ أو معطوف على ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: ليس عليهم سبيل ﴿إذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿مَا﴾: زائدة ﴿أَتَوْكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول فعل شرط لـ ﴿إِذَا﴾ ﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾ ﴿اللام﴾: لام كي ﴿تَحْمِلَهُمْ﴾: فعل ومفعول، منصوب بأن مضمرة، وفاعله ضمير، يعود على محمَّد، والجملة في تأويل مصدر، مجرور باللام، تقديره: لحملك إياهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَتَوْكَ﴾ ﴿قُلْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض، معطوفة بعاطف مقدر على جملة ﴿أَتَوْكَ﴾ على كونها فعل شرط لها، وفيه أوجه أخرى ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾: مقول محكي، إن شئت قلت: ﴿لَا﴾: نافية ﴿أَجِدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير، يعود على محمَّد ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿أَجِدُ﴾ ﴿أَحْمِلُكُمْ﴾: فعل ومفعول، ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير، يعود على محمَّد، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها ﴿تَوَلَّوْا﴾: فعل وفاعل جواب إذا، وجملة إذا صلة الموصول ﴿وَأَعْيُنُهُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿تَفِيضُ﴾: خبره ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾: متعلق به، والجملة الاسمية، في محل النصب حال من فاعل
стр. 5077
﴿تَوَلَّوْا﴾ ﴿حَزَنًا﴾ مفعول لأجله ﴿تَفِيضُ﴾ ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر ﴿لَّا﴾: نافية ﴿يَجِدُوا﴾ فعل وفاعل، منصوب بـ ﴿أن﴾ ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول ﴿يَجِدُوا﴾ وجملة ﴿يُنْفِقُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ما ينفقونه، وجملة ﴿يَجِدُوا﴾ صلة ﴿أن﴾ المصدرية ﴿أن﴾ مع صلتها، في تأويل مصدر، منصوب عل كونه مفعولًا لأجله لحزنًا تقديره: حزنا لعدم وجدانهم ما ينفقون، فيكون علل فيض الدمع، بالحزن، وعلل الحزن، بعدم وجدان النفقة، وكون التقدير: وأعينهم تفيض من الدمع لأجل الحزن، لعدم وجدان ما ينفقونه.
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾.
﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾: مبتدأ ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: خبره، والجملة مستأنفة ﴿يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول ﴿وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب، حال من فاعل ﴿يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ ﴿رَضُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، مسوقة لتعليل الاستئذان؛ أي: لأنهم رضوا ﴿بِأَنْ﴾ ﴿الباب﴾ حرف جر و ﴿أن﴾ مصدرية ﴿يَكُونُوا﴾: فعل ناقص، واسمه منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية ﴿مَعَ الْخَوَالِفِ﴾: خبر ﴿يَكُونُوا﴾ وجملة ﴿يَكُونُوا﴾ في تأويل مصدر مجرور بالباء، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿رَضُوا﴾؛ أي: رضوا بكونهم مع الخوالف ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، معطوف على جملة ﴿رَضُوا﴾ ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿طَبَعَ﴾ ﴿فَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة تفريعية ﴿هم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية، معطوفة مفرعة على جملة ﴿طَبَعَ اللَّهُ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ أبدًا، اسم لزمان بعد زمان تكلمك إلى ما لا نهاية له، وهو هنا لتأييد النفي ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾؛ أي: لا تقف عليه، ولا تتولَّ دفنه، من قولهم: قام فلان بأمر فلان، إذا كفاه أمره، وناب عنه فيه،
стр. 5078
كما في "الخازن" ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ والطول: بالفتح، الغنى والثروة، وقد يراد به الفضل والمنة، من طال عليه طولًا، ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا﴾ أي: دعنا واتركنا، تقول: ذره؛ أي: دعه وهو يذره؛ أي: يدعه، ولا يقال منه: وذر، ولا واذر، ولكنه تركه، وهو تارك؛ لأنه من الأفعال التي ليس لها مصدر ولا ماض، ولا اسم فاعل.
﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ رضوا أصله: رضيوا، بوزن فرحوا، استثقلت الضمة على الياء، ثم نقلت إلى ما قبلها، فالتقى ساكنان، ثم حذفت الياء، فصار رضوا، بوزن فعوا و ﴿الْخَوَالِفِ﴾ جمع خالفة من صفة النساء، وهذه صفة ذم، وقال النحاس: يجوز أن تكون الخوالف من صفة الرجال، بمعنى: أنها جمع خالفة، يقال: رجل خالفة؛ أي: لا خير فيه، فعلى هذا، يكون جمعًا للذكور باعتبار لفظه، وقال بعضهم: إنه جمع خالف، يقال: رجل خالف؛ أي: لا خير فيه، وهذا مردود، فإن فواعل لا يكون جمعًا لفاعل وصفًا لعاقل إلا ما شد، من نحو: فوارس ونواكس، وهوالك اهـ "سمين".
﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾: وهي جمع خير، فيشمل منافع الدنيا والدين، وقيل: المراد به: النساء الحسان، كقوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾ ومفرده خيرة بالتشديد، ثم خفف مثل: هيئة وهينة ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ جمع معذر، من عذر في الأمر، إذا قصر فيه وتوانى ولم يجد، وهو يوهم أن له عذرًا فيما يفعل ولا عذر له، وقد يكون أصله المعتذرون، من اعتذر، والمعتذر إما صادق أو كاذب، وقال أبو حيان: قرأ الجمهور: ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ بفتح العين وتشديد الذال، فاحتمل وزنين:
أحدهما: أن يكون فعَّل، بتضعيف العين، ومعناه: تكلف العذر ولا عذر له، والثاني: أن يكون وزنه افتعل، وأصله اعتذر، كاختصم، فأدغمت التاء في الذال، ونقلت حركتها إلى العين، فذهبت ألف الوصل، ويؤيِّده قراءة سعيد بن جبير: ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ بالتاء، من اعتذر. ومن ذهب إلى أن وزنه افتعل الأخفش والفراء وأبو عبيد وأبو حاتم والزجاج وابن الأنباري ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ بفتح
стр. 5079
الهمزة: سكان البوادي الناطقون بالعربية، والعربي: من نطق بالعربية مطلقًا، سكن البوادي أم لا، فهو أعم من الأعراب، وبكسرها مصدر أعرب الكلام، إذا بين، ويطلق على المعنى المصطلح عند النحاة ﴿كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي أظهروا الإيمان بهما كذبًا، يقال: كذبته نفسه، إذا حدثته بالأماني والأوهام التي لا يبلغها، وكذبته عينه إذا أرته ما لا حقيقةً له ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ جمع ضعيف كشرفاء جمع شريف، وهو الهرم ومن خلق في أصل البنية شديد النحافة والضؤولة، بحيث لا يمكنه الجهاد ﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾: جمع مريض كجريح وجرحى، والمريض: من عرض له المرض، أو كان زمنًا، ويدخل فيه العمى والعرج ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾ هم الفقراء ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ يقال: حمله على البعير أو غيره، إذا أركبه إياه، أو أعطاه إياه ليركبه، وكأنَّ الطالب لظهر يركبه، يقول: لمن يطلب منه: احملني ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾؛ أي: تفيض فيضًا، مبتدأ من الدمع، أي: من كثرته وفي "البيضاوي" تفيض من الدمع، أي: يفيض دمعها، فإن ﴿من﴾ البيانية مع مجرورها، في محل نصب على التمييز المحول عن الفاعل، يقال: فاض يفيض فيضًا، إذا انصبَّ عن امتلاءٍ، والدمع ماء العين الملح الحار.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التكرار في قوله: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ وفي قوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وفي قوله: (﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ﴾ الآية.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿مَعَ الْخَوَالِفِ﴾؛ لأن الخوالف حقيقة في الأعمدة التي في أواخر بيوت الحيِّ مجاز في النساء، شبه النساء لكثرة لزومهن البيوت بالخوالف؛ أي: بالأعمدة التي تكون في البيوت، على طريقة الاستعارة التصريحية الأصلية، وقال الآلوسي: الخوالف: النساء المقيمات في دار الحي، بعد رحيل الرجال، ففيه استعارة، وإنما سمي النساء خوالف، تشبيهًا
стр. 5080
لهن بالخوالف، وهي الأعمدة تكون في أواخر بيوت الحيِّ، فشبهت لكثرة لزوم البيوت بالخوالف التي تكون في البيوت، انتهى.
ومنها: الاستهجان والمبالغة في الذم لهم، في قوله ﴿بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾؛ لأن الخوالف: النساء، فكونهم رضوا بأن يكونوا قاعدين مع النساء في المدينة أبلغ ذم لهم وتهجينٍ؛ لأنهم نزلوا أنفسهم منزلة النساء العجزة، اللواتي لا مدافعة عندهن ولا غنى. ذكره في "البحر المحيط".
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾؛ لأن المراد بالمحسنين: المتخلفون للعذر، وهم الضعفاء والمرضى والفقراء، فحق العبارة أن يقال: ما عليهم من سبيل، وإنما أتى بالظاهر للدلالة على انتظامهم بنصحهم في سلك المحسنين اهـ "أبو السعود".
ومنها: ذكر الخاص بعد العام في قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ إلخ؛ لأنهم داخلون في الذين لا يجدون ما ينفقون، ذكرهم اعتناء بشأنهم، أفاده في "روح البيان".
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾؛ لأن الفيض مجاز عن الامتلاء بعلاقة السببية؛ لأن الامتلاء سبب للفيض، الذي هو انصباب الدمع بكثرةٍ، فالمجاز في المسند أو الفيض على حقيقته، والمجاز في إسناده إلى العين للمبالغة، كجرى النهر، ذكره في "الفتوحات".
ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد الثاني عشر»
стр. 5083
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 5084
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[١٢]
لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ ...﴾ الآية، مناسبةُ هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (١) ذكر من يستحقون اللوم والمؤاخذة من المعذرين، ومن لا سبيل إلى مؤاخدتهم ولا حرج عليهم .. ذكر في هذه الآيات ما سيكون من أمر المنافقين الذين تخلفوا في المدينة وما حولها عن غزوة تبوك مع الرسول ﷺ بعد عودتهم.
قوله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر (٢) أنهم يصدر منهم الاعتذار .. أخبر أنهم سيؤكدون ذلك الاعتذار الكاذب بالحلف، وأن سبب الحلف هو طلبهم أن يعرضوا عنهم، فلا يلوموهم ولا يوبخوهم.
قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما ذكر (٣) أحوال العرب مؤمنيهم ومنافقيهم .. بيَّن في هذه الآيات الثلاث أحوال الأعراب مؤمنيهم ومنافقيهم كذلك.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما ذكر فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات .. أردف ذلك بذكر منازل أعلى من منازلهم، وهي منازل السابقين من المهاجرين والأنصار، ثم ذكر بعدهم حال طائفة من المنافقين هي شر الجميع، مرنت على النفاق، وحذقت فنونه، وحال طائفة أخرى بين المنزلتين خلطت سيء العمل بأحسنه، وهؤلاء يرجى لهم التوبة والغفران من ربهم.
قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما (٤) شرح أحوال منافقي المدينة ثم أحوال
стр. 5089
منافقي الأعراب، ثم بين أن في الأعراب من هو مخلص صالح، ثم بيَّن رؤساء المؤمنين من هم .. ذكر في هذه الآية أن منافقين حولكم من الأعراب وفي المدينة لا تعلمونهم؛ أي: لا تعلمون أعيانهم، أو لا تعلمونهم منافقين.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ...﴾ الآيتين، سبب نزولهما: ما أخرجه ابن جرير بسنده أن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يقول: لما قدم رسول الله ﷺ من تبوك .. جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، وصدقته حديثي، فقال كعب: والله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته فأهلك، كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي، شرَّ ما قال لأحد: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ...﴾ الحديث، رجاله رجال الصحيح ونحوه في "صحيح البخاري" في ختام حديث كعب بن مالك في كتاب المغازي باب غزوة تبوك.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما (١) أخرجه ابن جرير عن مجاهد قال: إنها نزلت في بني مقرن من مزينة الذين نزلت فيهم: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾. وقال (٢) عبد الرحمن بن معقل بن مقرن المزني: كنا عشرة ولد مقرن، فنزلت فينا هذه الآية: يعني ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ...﴾ الآية، يريد الستة أو السبعة الإخوة على الخلاف في عددهم وبنيهم.
стр. 5090
قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (١) ابن مردويه وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: غزا رسول الله ﷺ ، فتخلف أبو لبابة وخمسة معه، ثم إن أبا لبابة ورجلين معه تفكروا، وندموا وأيقنوا بالهلاك، وقالوا: نحن في الظلال والطمأنينة مع النساء، ورسول الله ﷺ والمؤمنون معه في الجهاد، واللهِ لنوثقن أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقها، ففعلوا وبقي ثلاثة نفر لم يوثقوا أنفسهم، فرجع رسول الله ﷺ من غزوته، فقال: من هؤلاء الموثقون بالسواري؟. فقال رجل: هذا أبو لبابة، وأصحاب له تخلفوا عنك، فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم. فقال: "لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم"، فأنزل الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ...﴾ الآية. فلما نزلت .. أطلقهم، وعذرهم وبقي الثلاثة الذين لم يوثقوا أنفسهم لم يذكروا بشيء، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ ...﴾ الآية، فجعل أناس يقولون هلكوا إذ لم ينزل عذرهم، وآخرون يقولون: عسى الله أن يتوب عليهم حتى نزلت: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. وأخرج ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس نحوه، وزاد: فجاء أبو لبابة وأصحابه بأموالهم حين أطلقوا، فقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا فتصدق بها عنا، واستغفر لنا، فقال: "ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئًا"، فأنزل الله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
٩٤ - وقوله: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ كلام مستأنف (٢) لبيان ما يتصدرون له عند العود إليهم. روي أنهم كانوا بضعة وثمانين رجلًا، فلما رجع رسول الله ﷺ .. جاءوا يعتذرون إليه بالباطل، والخطاب لرسول الله وأصحابه؛ فإنهم كانوا يعتذرون إليهم أيضًا لا إليه فقط، وتخصيص الخطاب في قوله: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ حيث لم يقل: قولوا، لما أن الجواب وظيفته فقط، وأنه متولي أمورهم ورئيسهم، وأما الاعتذار
стр. 5091
فكان له وللمؤمنين. اهـ "أبو السعود".
وقيل: إنما ذكره بلفظ الجمع تعظيمًا له ﷺ ؛ أي: يعتذر هؤلاء المنافقون وهم بضعة وثمانون رجلًا كما مر آنفًا إليكم أيها الرسول والمؤمنون في التخلف عن الخروج معكم للغزو بالأعذار الكاذبة الباطلة ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ من غزوة تبوك ﴿إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: إلى أولئك المنافقين المتخلفين عنكم المعتذرين إليكم. وإنما قال (١): إليهم، ولم يقل إلى المدينة؛ لأن مدار الاعتذار هو الرجوع إليهم لا الرجوع إلى المدينة، وربما يقع الاعتذار عند الملاقاة قبل الوصول إليها. ثم أخبر الله رسول الله ﷺ بما يجيب به عليهم فقال: قُل لهم يا محمَّد ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ إلينا عن تخلفكم عنا بما عندكم من الأعذار الباطلة؛ لأننا ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾؛ أي: لن نصدقكم فيما تقولون من المعاذير أبدًا، كأنهم ادعوا أنهم صادقون في اعتذارهم؛ لأن غرض المعتذر أن يصدَّق فيما يعتذر به، فإذا عرف أنه لا يصدق ترك الاعتذار؛ لأننا ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ﴾ من أخباركم؛ أي: قد أعلمنا الله فيما سلف بعض أحوالكم مما في ضمائركم من الخبث والنفاق والمكر. وإنما قال: ﴿نَبَّأَنَا﴾ ولم يقل: نبأني؛ إيماءً إلى أنه أَمَره أن ينبىء بذلك أصحابه، ولم يكن هذا النبأ خاصًّا به، كما أن اعتذارهم للجميع يقتضي أن يكونوا كلهم عالمين بما فضحهم الله به. وفي هذا من التشهير بهم والخزي لهم ما لا خفاء فيه ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ﴾ ﴿عَمَلَكُمْ﴾ أي: ويرى الله ويعلم ما ستفعلونه من الأعمال فيما بعد، هل تقلعون عما أنتم عليه الآن من الشر أم تبقون عليه؟، فالتنفيس بالنسبة إلى عملهم لا إلى علم الله. وقوله: ﴿وَرَسُولُهُ﴾ معطوف على الاسم الشريف، ووسط مفعول الرؤية إيذانًا بأن رؤية الله سبحانه لما سيفعلونه من خير أو شر هي التي يدور عليها الإثابة أو العقوبة والمعنى (٢): وسيرى الله عملكم ورسوله فيما بعد، وهو الذي سيدل إما على إصراركم على النفاق أو على التوبة والإنابة إلى ربكم، وأما أقوالكم فلا يعتد بها مهما وكدتموها بالأيمان، فإن أنتم تبتم وأنبتم إلى ربكم، وشهد لكم
стр. 5092
عملكم بصلاح طويتكم .. فإن الله يتقبل منكم توبتكم، ويغفر لكم حوبتكم، ويعاملكم الرسول بما يعامل به المؤمنين الذين أخلصوا، وصدقوا، وشهدت لهم أعمالهم بذلك وإن أنتم أبيتم إلا الإصرار على النفاق والاعتماد على رواج سوق الكذب بتلك الأيمان التي تحلفونها .. فسيعاملكم الرسول بما أمره الله به من جهادكم، والإغلاظ عليكم كإخوانكم الكفار المجاهرين.
وفي هذا: إيماء إلى الرغبة في توبتهم حين سنوح الفرصة ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾؛ أي: ثم ترجعون يوم القيامة ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ﴾؛ أي: إلى عالم ما غاب، وخفي عنا من ضمائركم وغيرها ﴿و﴾ عالم ﴿الشهادة﴾ أي: عالم ما شوهد، وظهر لنا من ظواهركم وغيرها ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: فيخبركم عند وقوفكم بين يديه ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا، ويجازيكم عليه بما تستحقون، وهو ما أوعدكم به في كتابه الكريم في هذه السورة وفي غيرها: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.
ولا يخفى ما في قوله (١): ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ من التهديد، والتخويف الشديد لما اشتمل عليه من وضع الظاهر موضع المضمر، لإشعار ذلك بإحاطته بكل شيء يقع منهم، مما يكتمونه، ويتظاهرون به، وإخباره لهم به ومجازاتهم عليه. ثم ذكر أن هؤلاء المعتذرين بالباطل سيؤكدون ما جاؤوا به من الأعذار الباطلة بالحِلف عند رجوع المؤمنين إليهم من الغزو وغرضُهم من هذا التأكيد: هو أن يُعرْض المؤمنون عنهم، فلا يوبخونهم، ولا يؤاخذونهم بالتخلف، ويظهرون الرضا عنهم،
٩٥ - كما يفيده ذكر الرضا من بعد فقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾؛ أي: سيؤكدون لكم اعتذارهم بما يحلفون به من كاذب الإيمان، ﴿إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾ من سفركم ورجعتم إليهم ﴿لِتُعْرِضُوا عَن﴾ العتب عليـ ﴿هم﴾ والتوبيخ لهم على قعودهم مع الخالفين، من العجزة والنساء والأطفال، وعلى البخل بالنفقة والمال، ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾؛ أي: فأعرضوا عنهم، إعراضَ الإهانة
стр. 5093
والتحقير لا إعراض الصفح وقبول العذر.
روى مقاتل أن النبي ﷺ قال حين قدم المدينة: "لا تجالسوهم ولا تكلموهم. قال أهل المعاني: إن هؤلاء المنافقين طلبوا إعراض الصفح فأعطوا إعراض المقت. ثم ذكر العلة في سبب الإعراض عنهم فقال: ﴿إنَّهُمْ رِجْسٌ﴾؛ أي: إن بواطنهم خبيثة نجسة، وأعمالهم قبيحة؛ أي: إن في نفوسهم قذرًا معنويًّا يجب الاحتراس منه؛ خوف سريان عدواه وميل النفوس إليه، كما يحترز صاحب الثوب النظيف من الأقذار الحسية التي ربما تصيبه، إذا لم يحتط لها، ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾؛ أي: ومسكنهم في الآخرة ﴿جَهَنَّمُ﴾ ومصيرهم النار، يعني: وكفتْهم النارُ عتابًا وتوبيخًا، فلا تتكلفوا عتابهم ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ في الدنيا من الأعمال الخبيثة؛ أي: يجزون بها جزاء كسبهم، وهذا من تمام التعليل، فإن من كان من أهل النار .. لا يجدى فيه الدعاء إلى الخير؛ أي: ومرجعهم الأخير نار جهنم؛ جزاء لهم بما كسبوا في الدنيا من أعمال النفاق وغيرها، مما دنس نفوسهم، وزادهم رجسًا على رجسهم.
٩٦ - ثم زاد في تأكيد نفاقهم فقال: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ أي يحلف لكم هؤلاء المنافقون ﴿لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ بالحلف، وتستديموا معاملتهم بظاهر إسلامهم، وهذا أهم الأغراض لديهم، فلا حظّ لهم من إظهار الإِسلام سواه، ولو كان إسلامهم عن يقين واعتقاد .. لكان غرضهم الأول، إرضاء الله ورسوله. ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾؛ أي: فإن رضيتم عنهم، أيها المؤمنون بما حلفوا لكم، وقبلتم عذرهم، وساعدتموهم على ما طلبوا .. فإن رضاكم عنهم لا يجديهم نفعًا. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: الخارجين عن طاعته، وطاعة رسوله، بما في قلوبهم من النفاق، والشك؛ أي: فإن الله تعالى ساخط عليهم، بسبب فسوقهم، وخروجهم عن أمره ونهيه.
وفي هذا: إيماء إلى نهي المخاطبين عن الرضا عنهم، والاغترار بمعاذيرهم الكاذبة، وأن من يرضى عنهم، من المؤمنين .. يكون فاسقًا مثلهم، محرومًا من رضوان الله. وأن من يتوب منهم ويُرضي الله ورسوله .. يخرج من حدود سخطه، ويدخل في حظيرة مرضاته، ولا يعد حينئذٍ فاسقًا.
стр. 5094
٩٧ - ولما ذكر الله أحوال المنافقين بالمدينة .. ذكر حال من كان خارجًا عنها من الأعراب، وبين أن كفرهم ونفاقهم أشد من كفر غيرهم، ومن نفاق غيرهم؛ لأنهم أقسى قلبًا وأغلظ طبعًا وأجفى قولًا وأبعد عن سماع كتب الله، وما جاءت به رسله، فقال: ﴿الْأَعْرَابُ﴾؛ أي: جنس أهل البدو ﴿أَشَدُّ كُفْرًا﴾ مجاهرًا ﴿وَنِفَاقًا﴾ مبطنًا من أهل الحضر، لتوحشهم، واستيلاء الهواء الحار اليابس عليهم، وبعدهم عن أهل العلم ﴿وَأَجْدَرُ﴾ وأحق بـ ﴿أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ﴾ وتكاليف وفرائض وأحكام ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾ محمد ﷺ ، وهذا من باب وصف الجنس بوصف بعض أفراده، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾؛ إذ ليس كلهم كما ذكر، على ما ستحيط به خبرًا، كما ذكره "أبو السعود": أي: إن طبيعة البداوة اقتضت أمرين:
١ - أن كفارهم ومنافقيهم أشدّ كفرًا ونفاقًا من أمثالهم، من أهل الحضر، ولا سيما، من يقيم منهم في المدينة، فهم أغلظ طباعًا، وأقسى قلوبًا؛ لأنهم أفنوا جلَّ أعمارهم في رعي الأنعام، وحمايتها من ضواري الوحوش، إلَّا أنهم محرومون من العلوم الكسبية، والآداب الاجتماعية.
٢ - أنهم أحق وأحرى من أهل الحضر، بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، من الهدى والبينات في كتابه، وما أتاه من الحكمة التي بين بها تلك الحدود؛ تارة بالقول، وأخرى بالفعل، وكان صحابته في المدينة وما حولها، يتلقون عنه الكتاب حين نزوله، ويشهدون سنته في العمل به، ويرسل عمّاله إلى البلاد التي افتتحت، يبلغون الناس القرآن، ويحكمون به وبسنّة رسوله المبينة له، وكلّ هذا لم يكن مستطاعًا لأهل البوادي، ومن ثم كان الجهل فيهم أكثر لحال المعيشة البدوية.
روى أبو داود والبيهقي، عن أبي هريرة مرفوعًا: "من بدا جفا، ومن اتبع الصّيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن، وما ازداد أحد من سلطانه قربا إلا ازداد من الله بعدًا". ذاك أن السلاطين قلما يرضون عمن يصارحهم القول، ويؤثرهم بالنصح، ولا يزداد منهم قربًا، إلا المراؤون، الذين يعينونهم على الظلم، ويثنون عليهم بالباطل.
стр. 5095
فإن قلت: وصفُ العرب بأنهم جاهلون بذلك، ينافي صحةَ الاحتجاج بألفاظهم وأشعارهم على كتاب الله تعالى، وسنّة رسوله ﷺ ؟
قلتُ: لا منافاة؛ إذ وصفهم بالجهل إنما هو في أحكام القرآن - كما أشرنا في الحل - لا في ألفاظه، ونحن لا نحتج بلغتهم في بيان الأحكام، بل في بيان معاني الألفاظ؛ لأن القرآن والحديث جاءا بلغتهم اهـ "كرخي".
﴿وَاَللهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في قلوب خلقه، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما فرض من فرائضه؛ أي: واسع العلم بشؤون عباده، وأحوالهم، من إيمان وكفر وإخلاص ونفاق، تام الحكمة فيما شرعه لهم، وفي جزائهم، من نعيم مقيم، أو عذاب أليم.
٩٨ - ثم قسم سبحانه الأعراب إلى قسمين:
القسم الأول منهما: ما ذكره بقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ﴾ أي يعد ﴿مَا يُنْفِقُ﴾؛ أي: يصرفه في سبيل الله، ويتصدق به، ﴿مَغْرَمًا﴾؛ أي: غرامةً وخسرانًا؛ إذ لا يحتسبه قربة عند الله، ولا يرجو عليه ثوابًا، وإنما ينفق رياءً، أو تقيةً، والمغرم التزام ما لا يلزم؛ أي: ومن الأعراب ناس كانوا ينفقون أموالهم في الجهاد رياءً وتقيةً، ويعدّون ذلك من المغارم التي يجب على المرء أداؤها طوعًا أو كرهًا، لدفع المكروه عن أنفسهم، أو قومهم، ولا منفعة لهم فيها، لا في الدنيا، وهو واضح، ولا في الآخرة؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث. قال الضحاك: وهم بنو أسد وغطفان.
﴿وَيَتَرَبَّصُ﴾؛ أي: ينتظر ﴿بِكُمُ﴾، أيها المؤمنون، ﴿الدَّوَائِرَ﴾؛ أي: دوائر الزمان، وصروفه، وتقلباته عليكم؛ أي: ينتظر أن تتقلب الأمور عليكم، بموت الرسول ﷺ ، فينعدم الإِسلام بموته، أو بغلبة المشركين عليكم، فتذهب قوتكم، فيتخلص من إعطاء الصدقة، والدوائر، جمع دائرة وهي، الحالة المنقلبة عن النعمة، إلى البليّة، وأصلها ما يحيط بالشيء، ودوائر الزمان، نوبه وتصاريفه ودوله، وكأنها لا تستعمل إلا في المكروه. والمعنى؛ أي: وينتظرون أن تحُلَّ بكم نوائب الزمان، وأحداثه التي تدور بالناس، وتحيط بهم، فتبدل قوتكم ضعفًا وانتصارَكم هزيمةً، فيستريحوا من أداء هذه المغارم لكم، إذ يستغنون عن إظهار
стр. 5096
الإِسلام نفاقًا، وقد كانوا يتوقعون ظهور المشركين واليهود على المؤمنين، فلما أعيتهم الحيل .. صاروا ينتظرون موت النبي ﷺ ؛ ظنًّا منهم، أن الإِسلام يموت بموته. ثم دعا عليهم بقوله: ﴿علَيْهِمْ﴾؛ أي: على أولئك الأعراب، الذين يتربصون بكم الدوائر، لا على غيرهم، ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾؛ أي: دائرةُ البلاء والحُزن والمصيبة والعذاب، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: عليهم الدائرةُ السيئة، والمصيبة الشديدة، والعاقبة القبيحة؛ والمعنى: أنّ عليهم وحدهم الدائرة السوء، تحيط بهم دون المؤمنين الذين يتربصونها بهم، وليس للمؤمنين عاقبة، إلَّا ما يسرهم من نصر الله، وتوفيقه لهم، وما يسوء أعداءهم، من خذلان وخيبة وتعذيب لهم في الدنيا قبل الآخرة.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (١): ﴿السَّوْءِ﴾ هنا وفي سورة الفتح ثانية بالضم. وباقي السبعة بالفتح. فالفتح مصدر قال الفراء: سوأته سوأً ومساءة وسوائية. والضمُّ الاسم وهو الشر والعذاب. والفتح ذم الدائرة. وهو من باب إضافة الموصوف إلى صفته، وُصِفَتْ الدائرة بالمصدر، كما قالوا: رجل سوء، في نقيض رجل صدق. وقال المبرد: ﴿السوء﴾ بالفتح الرداءة، ولا يجوز ضم السين في رجل سوء، قاله أكثرهم، وقد حُكيَ بالضم.
﴿وَاللَّهُ﴾ : ﴿سَمِيعٌ﴾ لما يقولونه، مما يعبر عن شعورهم، واعتقادهم في نفقاتهم؛ إذ تحدثوا بذلك فيما بينهم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يضمرونه في سرائرهم، وسيحاسبهم على ما يسمع ويعلم، من قول وفعل، ويجزيهم به.
٩٩ - وبعد أن بين سبحانه القسم الأول من الأعراب، وهم المنافقون .. ذكر القسم الثاني منهما: وهم المؤمنون الصادقون. ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ في السر والعلانية؛ أي: ومن الأعراب من يؤمن بالله، ويثبت له القدرة، وكمال التصرف في الكون، ويؤمن بمجيء اليوم الآخر، الذي تجازى فيه كل نفس بما كسبت. قال مجاهد: هم بنو مقرن بن مزينة، وهم الذين قال فيهم:
стр. 5097
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾. ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ﴾؛ أي: ويجعل ما يتصدق به ﴿قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تعالى، أي: سببًا لقربه عند الله تعالى، ووسيلة لحصول مرضاته تعالى له، ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ ﷺ معطوف على قربات؛ أي: ويتخذ ما ينفقه سببًا لحصول دعواته ﷺ له؛ لأنه ﷺ كان يدعو للمتصدقين، بالخير والبركة ويستغفر لهم؛ أي: يقصد بصدقاته، حصول مرضاة الله تعالى له، وحصول دعواته له، وقال أبو البقاء: ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ معطوف على ما ينفق تقديره، ويتخذ صلوات الرسول قربات عند الله. انتهى. والقربات (١). جمع قربة، وهو ما يتقرب به إلى الله تعالى، تقول منه قربت لله قربانًا. والجمع قرب وقربات، والمعنى، أنه يجعل ما ينفقه سببًا لحصول القربات، ﴿عند الله و﴾ سببًا لـ ﴿صلوات الرسول﴾؛ أي: لدعوات الرسول لهم.
ثم إنه سبحانه بين بأن ما ينفقه هذا القسم من الأعراب، تقربًا إلى الله مقبول، واقع على الوجه الذي أرادوه فقال: ﴿أَلَا﴾؛ أي: انتبهوا ﴿إِنَّهَا﴾؛ أي: إن نفقتهم، ﴿قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ إلى الله في الدرجات، ثم فسر سبحانه القربة بقوله: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ﴾ تعالى، ﴿في رَحْمَتِهِ﴾؛ أي: في جنته التي هي محل الرحمة الواسعة الدائمة، أي (٢): وقد بين الله تعالى جزاءهم، على ما انطوت عليه نفوسهم، من صدق الإيمان وإخلاص النية في الإنفاق في سبيل الله، فأخبر بقبول نفقتهم، وإثابتهم عليها، فقال: ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾؛ أي: ألا إن تلك النفقة التي
اتخذت لهم، قد تقبلها الله، وأثاب عليها بما وعد به في قوله: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾؛ أي: سيرحمهم الله تعالى برحمته الخاصة بمن رضي عنهم، وهي
هدايتهم إلى الصراط المستقيم الذي يوصلهم إلى جنات النعيم. والمراد بإدخالهم في الرحمة؛ أن تكون محيطة بهم شاملة لهم، وهم مغمورون فيها وهذا أبلغ في إثباتها لهم من مثل قوله: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾. والسين في ﴿سَيُدْخِلُهُمُ﴾، للدلالة على تحقق الوقوع ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿غَفُورٌ﴾ لسيّئاتهم، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم، حيث وفقهم لهذه الطاعات؛ أي: إنه تعالى، واسع
стр. 5098
المغفرة والرحمة، لمن يخلصون في أعمالهم، فهو يغفر لهم، ما فرط منهم من ذنب، أو تقصير، ويرحمهم بهدايتهم، إلى خير العمل، وحسن المصير. وهذا وعد منه تعالى لهم بواسع الرحمة والغفران، كما أن قوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، تهديد للأولين، عقب الدعاء عليهم.
وقرأ ورش (١): ﴿قُرُبة﴾ بضم الراء، وباقي السبعة: بالسكون، وهما لغتان، ولم يختلفوا في قربات بالضم، فإن كان جمع قربة .. فجاء بالضم على الأصل في الوضع وإن كان جمع قربة بالسكون .. فجاء بالضم إتباعًا لما قبله كما قالوا: ظلمات في جمع ظلمة. وهذا القسم الأخير قال (٢) مجاهد: هم بنو مقرن من مزينة. وقال الكلبي: هم أسلم وغفار وجهينة.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أرأيتم إن كان جهينة ومزينة وأسلم وغفار خيرًا من بني تميم وبني أسد وبني عبد الله بن غطفان، ومن بني عامر بن صعصعة" فقال رجل: خابوا وخسروا، قال: "نعم هم خير من بني تميم وبني أسد وبني عبد الله بن غطفان، ومن بني عامر بن صعصعة" متفق عليه.
وفي رواية أن الأقرع بن حابس، قال للنبي ﷺ : إنما تابعك سراقُ الحجيج، من أسلم وغفار ومزينة، وأحسبه قال: وجهينة، فقال النبي ﷺ : أرأيت إن كان أسلم وغفار ومزينة، وأحسبه قال: وجهينة خيرًا من بني تميم، وبني عامر وأسد وغطفان قال: خابوا وخسروا، قال: "نعم".
وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "أسلم سالمها الله وغفار غفر الله لها". متفق عليه. زاد مسلم في رواية له: "أما إني لم أقلها لكنْ الله قالها". وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : "قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار موالي، ليس لهم مولى دون الله ورسوله"، متفق عليه.
١٠٠ - ولما ذكر الله أصناف الأعراب .. ذكر المهاجرين والأنصار، وبين أن منهم السابقين إلى الهجرة، وأن منهم التابعين لهم، فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾ إلى الإِسلام
стр. 5099
والإيمان ﴿الْأَوَّلُونَ﴾ في الهجرة، والنصرة حالة كونهم، ﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾؛ أي: من الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، ﴿و﴾ حالة كونهم من، ﴿الأنصار﴾؛ أي: من الذين نصروا النبي ﷺ ، وآووه، وهم أهل المدينة، من الأوس والخزرج، ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾؛ أي: والذين اتبعوا السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، في الهجرة والنصرة حالة كونهم ملتبسين، ﴿بِإِحْسَانٍ﴾؛ أي: بعمل صالح ونية صادقة، قيل: هم بقية المهاجرين والأنصار، سوى السابقين الأولين، فعلى هذا القول، يكون الجميع من الصحابة. وقيل: هم الذين سلكوا سبيل المهاجرين والأنصار، في الإيمان والهجرة والنصرة إلى يوم القيامة، وخبر المبتدأ، قوله: ﴿﵃﴾؛ أي: أكرمهم الله تعالى بقبول طاعاتهم، وأعمالهم الحسنة، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ، بما أفاض عليهم من نعمه الدينية والدنيوية.
واختلف العلماء (١) في السابقين الأولين من المهاجرين. قيل: هم الذين صلوا إلى القبلتين، وهو قول سعيد بن المسيب وطائفة. وقيل: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان، وهي بيعة الحديبية، وهو قول: الشعبي، أو هم الذين شهدوا بدرًا، وهو قول محمَّد بن كعب وعطاء بن يسار. ولا مانع من حمل الآية على هذه الأصناف كلها. قال أبو منصور البغدادي: أجمع أصحابنا على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون منهم، ثم البدريون، ثم أصحاب أُحُدْ ثمَّ أهل بيعة الرضوان بالحديبية.
وأما السابقون من الأنصار (٢): فهم الذين بايعوا رسول الله، ﷺ ، ليلة العقبة الأولى، وكانوا ستة أنفار، ثم أصحاب العقبة الثانية من العام المقبل، وكانوا اثني عشر رجلًا، ثم أصحاب العقبة الثالثة، وكانوا سبعين رجلًا، فهؤلاء سباق الأنصار. ثم بعث رسول الله، ﷺ ، مصعب بن عمير إلى أهل المدينة، يعلمهم القرآن. فأسلم على يده خلق كثير، من الرجال والنساء والصبيان من أهل المدينة، وذلك قبل أن يهاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة.
стр. 5100
والحاصل (١): أن الله ، ذكر في هذه الآية ثلاث طبقات من الأمة هي خيرها:
١ - السابقون الأولون من المهاجرين، وهم الذين هاجروا قبل صلح الحديبية، وقد كان المشركون يضطهدون المؤمنين، ويقاتلونهم في دار الهجرة وما حولها، ولا يمكنون أحدًا من الهجرة متى كان ذلك في طاقتهم، ولا منجاة للمؤمنين من شرهم، إلا بالفرار أو الجوار، فالذين هاجروا في ذلك الوقت .. كانوا من المؤمنين الصادقين، وأفضل هؤلاء الخلفاء الأربعة، ثم العشرة الذين بشرهم النبي ﷺ بالجنة.
٢ - السابقون الأولون من الأنصار، وهم الذين بايعوا النبي ﷺ عند العقبة، في منى في المرة الأولى، سنة إحدى عشرة من البعثة، وكانوا سبعة، وفي المرة الثانية وكانوا سبعين رجلًا وامرأتين.
٣ - الذين اتبعوا هؤلاء السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في الهجرة والنصرة، حال كونهم محسنين، في أفعالم وأقوالهم فإذا اتبعوهم في ظاهر الإِسلام .. كانوا منافقين مسيئين، غير محسنين في هذا الاتباع وإذا تبعوهم محسنين في بعض أعمالهم ومسيئين في بعض .. كانوا مذنبين.
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾؛ أي: هؤلاء المذكورون جميعًا رضي الله عنهم في إيمانهم وإسلامهم، فقبل طاعتهم، وتجاوز عن زلاتهم، وبهم أعز الإِسلام، ونكل بأعدائه من المشركين، وأهل الكتاب، ورضوا عنه بما أسبغ عليهم من نعمه الدينية والدنيوية، فأنقذهم من الشرك، وهداهم من الضلال، وأعزهم بعد الذل، وأغناهم بعد الفقر.
وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ﴾ معطوف على رضي؛ أي: وهيأ لهؤلاء المذكورين، من الطبقات الثلاث في الآخرة، ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: بساتين ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿تَحْتَهَا﴾؛ أي: تحت أشجارها وغرفها. وقرأ ابن كثير: ﴿من تحتها﴾ بزيادة
стр. 5101
﴿من﴾ ومعلوم أن قراءته الصلة، فليتنبه القارئ إذا قرأ بزيادة منْ لصلة الميم في المواضع الثلاثة، وهي اتبعوهم وعنهم وأعدّ لهم، لئلا يقع في التلفيق اهـ شيخنا ذكره "الجمل".
﴿الْأَنْهَار﴾ الأربعة حالة كونهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: ماكثين في تلك الجنات ﴿أَبَدًا﴾؛ أي: زمنًا لا نهاية له ولا انقضاء ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الرضوان، والجنات؛ أي: نيل ذلك هو، ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ والظفر الجسيم، الذي لا فوز وراءه.
وعن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم". قال عمران: فلا أدري، أذَكر بعد قرنه قرنين، أو ثلاثة. متفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ : "لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدًا - وفي رواية: أحدكم - أنفق مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". متفق عليه.
والمعنى (١): لو أن أحدًا، عمل مهما قدر عليه من أعمال البر والإنفاق في سبيل الله .. ما بلغ هذا القدر اليسير التافه، من أعمال الصحابة، وإنفاقهم؛ لأنهم أنفقوا وبذلوا المجهود في وقت الحاجة.
قال أبو حيان (٢): ولما بين الله ، فضائل الأعراب المؤمنين المتصدقين، وما أعدّ لهم من النعيم .. بين حال هؤلاء السابقين، وما أعد لهم - وشتان ما بين الإعدادَين والثناءين - هناك قال: أَلا إنها قربة لهم، وهنا ﵃، وهناك: سيدخلهم الله في رحمته، وهنا: وأعدَّ لهم جنات تجري، وهناك ختم: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهنا: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ اهـ.
وقرأ (٣) عمر بن الخطاب والحسن وقتادة وعيسى الكوفي وسلام وسعيد بن
стр. 5102
أبي سعيد وطلحة ويعقوب: ﴿والأنصار﴾ برفع الراء، عطفًا على والسابقون. فيكون الأنصار جميعهم، مندرجين في هذا اللفظ، وعلى قراءة الجمهورة: وهي الجر، يكونون قسمين: سابق أول، وغير أول، ويكون المخبر عنهم بالرضا، سابقيهم.
وقرأ ابن كثير: ﴿من تحتها﴾ بإثبات من الجارّة، وهي ثابتة في مصاحف مكة، وباقي السبعة، بإسقاطها على ما رسم في مصاحفهم. وعن عمر بن الخطاب، أنه كان يرى ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ بغير واو صفة للأنصار، حتى قال له زيد بن ثابت: إنها بالواو، فقال: ائتوني بأُبَيّ، فقال: تصديق ذلك في كتاب الله، في أول الجمعة، ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ وأوسط الحشر، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وآخر الأنفال، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ﴾. وروي أنه سمع رجلًا يقرؤه بالواو، فقال: من أقرأك، فقال: أبي، فدعاه، فقال: أقرأنيه رسولُ الله ﷺ ومن ثم قال عمر: لقد كنت أرانا وُفِّقْنَا وقْعة لا يبْلُغُها أحدٌ بعدنا.
١٠١ - وبعد أن بين الله ، كمال إيمان تلك الطبقات الثلاث، ورضاه عنهم، بين حال منافقي أهل المدينة ومن حولها، فقال: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ أيها المؤمنون، وهو خبر مقدم؛ أي: وممن حول بلدتكم؛ يعني المدينة، أي: وممن هم نازلون حول المدينة وخارجها، قريبًا منكم حال كونهم ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ﴾؛ أي: من سكان البوادي أقوام ﴿مُنَافِقُونَ﴾؛ أي: مبطنون بالكفر، مظهرون بالإِسلام. قال البغوي والواحدي: هم من قبائل جهينة ومُزِينة وأشجع وأسلم وغفار، نازلون حول المدينة، وأشعر بقوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ حيث عبر بمن التبعيضية، أن فيهم مؤمنين صادقين، دعا لهم النبي، ﷺ ، ومدحهم. فقد روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأشجع وغفار، موالي الله تعالى ورسوله لا موالي لهم غيره". وعنه أيضًا: أنه ﷺ قال: "أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، أما إني لم أقلها، لكن قالها الله تعالى".
стр. 5103
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ من الأوس والخزرج؛ أي: وممن هم نازلون في جوف المدينة، وداخلها أقوام ﴿مَرَدُوا﴾؛ أي: ثبتوا واستمروا ومرنوا ﴿عَلَى النِّفَاقِ﴾ ولجوا فيه وأبوا غيره. وقال ابن زيد: أقاموا عليه، ولم يتوبوا منه كعبد الله بن أبي، وأصحابه، ثبتوا على النفاق، ولم يتوبوا منه؛ أي: وكذلك من أهل المدينة نفسها، ناس منافقون من الأوس والخزرج، سوى من أعلم الله رسوله بهم، في هذه السورة، بما صدر منهم، من أقوال وأفعال تنافي الإيمان. هؤلاء الذين كانوا حول المدينة، وهؤلاء الذين كانوا من أهل المدينة، مرنوا على النفاق وحذقوه، حتى بلغوا الغاية في إتقانه، فلا يشعر أحد نفاقهم، إذ هم يتقون جميع الإمارات، والشبه التي تدل عليه. وجملة قوله: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾؛ أي: لا تعلم، أنت يا محمَّد، نفاقهم بفطنتك، ودقيق فراستك، لحذقهم في التقية، وتباعدهم عن مثار الشبهات مبينة للجملة الأولى وهي ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾؛ أي: ثبتوا عليه ثبوتًا شديدًا ومهروا فيه، حتى خفي أمرهم عليك يا محمَّد، فكيف سائر المؤمنين، والمراد عدم علمه، ﷺ بأعيانهم، لا من حيث الجملة، فإنّ للنفاق دلائل لا تخفى عليه ﷺ ، وجملة قوله: ﴿نحن نعلمهم﴾ بأعيانهم لأنه لا تخفى علينا خافية وإن دقت .. مقررة لما قبلها، لما فيها من الدلالة على مهارتهم في النفاق، ورسوخهم فيه، على وجه يختفي على البشر، ولا يظهر لغير الله سبحانه، لعلمه بما يخفى، وما تجنه الضمائر وتنطوي عليه السرائر.
وهؤلاء أخفى نفاقًا ممن قال الله فيهم: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾. وهؤلاء لم يعلمه الله بأعيانهم، ولا فضحهم بأقوال قالوها، ولا بأفعال فعلوها، كما فضح غيرهم، في هذه السورة؛ لأنهم يتحامون ما يكون شبهة في إيمانهم، وضررهم مقصور عليهم، لا يعدوهم إلى سواهم.
والحكمة في إخبارنا بحالهم، أن يعلموا هم أنفسهم أن الله عليم بما يسرون من نفاقهم، ويحذروا أن يفضحهم الله، كما فضح غيرهم، وليتوب منهم، من يتوب قبل أن يحل بهم ما أوعدهم به ربهم بقوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ﴾؛ أي: سنعذب هؤلاء المنافقين في الحياة الدنيا ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ أولاهما: ما يصيبهم به من
стр. 5104
المصائب في الأموال، والأولاد، وانتظار الفضيحة بهتك أستارهم، وثانيتهما: آلام الموت، وزهوق أنفسهم، وهم كافرون وضرب الملائكة وجوههم، وأدبارهم في ذلك الحين، ﴿ثُمَّ﴾ بعد تعذيبنا إياهم في الدنيا مرتين، ﴿يُرَدُّونَ﴾؛ أي: يرجعون يوم القيامة ﴿إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: إلى عذاب جهنم، وبئس المصير، وبانضمامه للمرتين، يصير عذابهم ثلاث مرات، مرتين في الدنيا، ومرة في الآخرة. وقيل: مرة في الدنيا، ومرة في القبر، ومرة في الآخرة.
والخلاصة: أنهم يعذبون في الدنيا، بالعذاب الباطن بتوبيخ الضمائر، وعذاب الخوف من الفضيحة على رؤوس الأشهاد في الظاهر، ثم عذاب النار وبئس القرار. فإن قلت: كيف نفى عنه علمه بحال المنافقين هنا، وأثبته في قوله: ولَتَعرِفَنَّهُم في لحن القول.
فالجواب: أن آية النفي نزلت قبل آية الإثبات، فلا تنافي اهـ "كرخي".
١٠٢ - ﴿و﴾ من أهل المدينة أقوام، ﴿آخرون﴾ سوى المذكورين، ليسوا من المنافقين، ولا من السابقين، ﴿اعْتَرَفُوا﴾؛ أي: أقروا، ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ التي هي تخلفهم عن غزوة تبوك، وأظهروا الندامة عليها، ﴿خَلَطُوا﴾؛ أي: جمعوا ﴿عَمَلًا صَالِحًا﴾ وهو ما سبق لهم في الإِسلام، من الأعمال الصالحة، وخروجهم مع رسول الله، ﷺ في سائر الغزوات، ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ وهو تخلفهم عن غزوة تبوك؛ أي: خلطوا كل واحد من العمل الصالح، والعمل السيء، بالآخر، وهم أقوام من المسلمين، تخلفوا عن رسول الله، ﷺ ، في غزوة تبوك بلا عذر ولا استئذان، ثم ندموا على تخلفهم، وربطوا أنفسهم بسواري المسجد، كأبي لُبابة وأصحابه، كما مر في أسباب النزول، أي: وهناك (١) فريق آخر، ممن حولكم من الأعراب، ومن أهل المدينة، ليسوا منافقين، ولا من السابقين الأولين، بل من المذنبين الذين خلطوا الصالح من العمل، بالسيء منه، والسيء بالصالح، فلم يكونوا من الصالحين الخلص، ولا من المنافقين، فهم قد آمنوا وعملوا الصالحات واقترفوا بعض السيئات، كالذين تخلفوا عن الخروج إلى غزوة تبوك من غير عذر صحيح، ولم
стр. 5105
يستأذنوا كاستئذان المرتابين، ولم يعتذروا بالكذب كالمنافقين، ثم كانوا حين قعودهم، ناصحين لله ورسوله، شاعرين بذنوبهم، خائفين من ربهم، وقد بين سبحانه حالهم بقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ﴾ أي: حقق الله : ﴿أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: أن يقبل توبتهم، المفهومة من قوله: اعترفوا بذنوبهم.
قال الزمخشري: فإن قلت (١): قد جعل كل واحد منهما مخلوطًا، فما المخلوط به؟
قلت: كل واحد مخلوط ومخلوط به؛ لأن المعنى، خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك: خلطت الماء واللبن، تريد خلطت كل واحد منهما بالآخر، وفيه ما ليس في قولك: خلطت الماء باللبن؛ لأنك جعلت الماء مخلوطًا، واللبن مخلوطًا به. وإذا قلته: بالواو، جعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطًا بهما، كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء اهـ.
والمعنى: أنهم محلُّ الرَّجاء لقبول توبتهم، بتوفيقهم للتوبة الصحيحة، التي هي سبب المغفرة والرحمة، وإنما يكون ذلك بالعلم بقبح الذنب، وسوء عاقبته، وتوبيخ الضمير، حين تصور سخط الله، والخوف من عقابه، ثم الإقلاع عنه بباعث هذا الألم، والعزم على عدم العود إلى اقترافه، والعزم على العمل بضده، ليمحو أثره من نفسه.
ثم علل هذا بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ، ﴿غَفُورٌ﴾ لمن تاب، ﴿رَحِيمٌ﴾ بقبول توبته؛ أي: إنه تعالى يقبل توبتهم؛ لأنه كثير المغفرة للتائبين، واسع الرحمة للمحسنين. وفي معنى الآية قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
قال جماعة من العلماء: إن هذه الآية، أرجى آية في القرآن، في توقع رحمة الله، للمذنبين الذين يجترحون السيئات، ثم يتوبون إلى ربهم، ويقلعون عن ذنوبهم.
стр. 5106
١٠٣ - ولما أظهر هؤلاء التوبة عن تخلفهم عن غزوة تبوك، وهم أقروا بأن السبب المؤدي لذلك التخلف حبهم للأموال .. أمر الله رسوله أن يأخذ منهم الزكوات الواجبة عليهم، فقال: ﴿خُذْ﴾ يا محمَّد، ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾؛ أي: من أموال هؤلاء، ومن أموال غيرهم، من سائر أموال المؤمنين على اختلاف أنواعها، من نقد وأنعام وأموال تجارة، ﴿صَدَقَةً﴾ بمقدار معين، في الزكاة المفروضة، أو بمقدار غير معين، في صدقة التطوع حالة كونك، ﴿تُطَهِرُهُمْ﴾ يا محمَّد، بتلك الصدقة من دنس الذنوب والبخل والطمع والقسوة على الفقراء البائسين، ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾؛ أي: تزكي يا محمَّد أنفسهم بتلك الصدقة، وترفعهم إلى منازل الأبرار، بفعل الخيرات حتى يكونوا أهلا للسعادة الدنيوية والأخروية.
ونسبت التزكية إلى الله في قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾؛ لأنه: الخالق، الموفق للعبد، بفعل ما تزكو به نفسه، وتصلح، ونسبت إلى الرسول، في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾؛ لأنه: هو المربى للمؤمنين على ما تزكو به نفوسهم، ويعلو قدرها باتباعهم سنته العملية والقولية، وبيانه لكتاب الله تعالى، فهو القدوة الحسنة لهم. ونسبت إلى الفاعل لها في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾؛ لأنه: قد فعل، ما كان سببًا في طهارة نفسه، وزكاتها من صدقات، ونحوها من أعمال البر. وأما النهي عن تزكية النفس، في نحو قوله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. فذاك في تزكية النفس، بدعوى اللسان فقط، دون عمل يؤيدها.
﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: واستعطف عليهم يا محمَّد، وادع لهم؛ أي: للمتصدقين، واستغفر لهم عند أخذ الزكاة منهم. قال الشافعي ﵀: والسنة للإمام إذا أخذ الصدقة، أن يدعو للمتصدق، ويقول آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا. ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ﴾؛ أي: إن دعاءك واستغفارك لهم ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾؛ أي: رحمة وطمأنينة لقلوبهم، يذهب به اضطراب نفوسهم، وتطمئن قلوبهم بقبول توبتهم، ويرتاحون إلى قبول الله صدقاتهم،
стр. 5107
بأخذك لها، ووضعها في مواضعها.
والصلاة من الله على عباده رحمته لهم، ومن ملائكته استغفارهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ومن المؤمنين على النبي ﷺ دعاؤهم له، بما أمرهم به في الصلاة بعد التشهد الأخير. ﴿وَاللَّهَ﴾ ، ﴿سَمِيعٌ﴾ لاعترافهم بذنوبهم، وسميع لدعائك لهم، سماع قبول وإجابة ﴿عَلِيمٌ﴾ بندمهم وتوبتهم منها، وإخلاصهم في صدقاتهم، وطيب أنفسهم بها، عليم بما فيه الخير والمصلحة لهم، وهو الذي يثيبهم عليها. وقد روى البخاري ومسلم، عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: "اللهم صل على فلان" فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى".
وقرأ الحسن (١): ﴿تُطَهِرُهُمْ﴾ من أطهر الرباعي وأطهر وطهّر للتعدية من طهر. وقرأ الأخوان حمزة والكسائي وحفص: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ﴾ هنا وفي هود، ﴿أصَلَاتَكَ﴾ بالإفراد وباقي السبعة بالجمع
١٠٤ - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾؛ أي: ألم يعلم أولئك التائبون من ذنوبهم، قبل توبتهم وصدقتهم، ﴿أَنَّ اللَّه﴾ ، ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾، الصحيحة ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾، المخلصين؛ لاستغنائه عن طاعة الطائعين، وعدم مبالاته لمعصية المذنبين، ولم يجعل ذلك لأحد من خلقه، لا رسول، ولا من دونه، ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾؛ أي: ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص نية، ويثيب عليها، ويضاعف ثوابها، كما وعد ذلك في قوله: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ وفي الآية حَضٌّ على التوبة والصدقة والترغيب فيهما.
وفي إسناد الأخذ إليه سبحانه، بعد أمره لرسوله، ﷺ بأخذها، تشريف عظيم لهذه الطاعة ولمن فعلها. والاستفهام (٢) في قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾: للتقرير، وهو حمل المخاطب على الاعتراف بأمر قد استقر عنده ثبوته، أو نفيه، أو
стр. 5108
للتحضيض، والتأكيد. ومعناه: إن ذلك ليس لرسول الله، ﷺ ، وإنما الله ، هو الذي يقبل التوبة ويردها، فاقصدوه بها اهـ كرخي. والقصد به، تهييجهم إلى التوبة والصدقة.
﴿و﴾ ألم يعلموا ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ ، ﴿هُوَ التَّوَّابُ﴾ أي: هو الذي يقبل التوبة إثر التوبة من المذنبين، الذين ينيبون إلى ربهم، وأنه تعالى، هو ﴿الرَّحِيمُ﴾، بالتائبين الذي يثيبهم على ما قدموا من عمل، ويمنعهم الخوف أن يصروا على ذنب، كما قال تعالى في وصف المتقين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وجاء في الحديث "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة" رواه الترمذي. وهذه الجملة تأكيد لقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ وتبشير لهم بأن الله هو التواب الرحيم. وروى الشيخان،
عن أبي هريرة، أن النبي، ﷺ قال: "ما تصدق أحدكم بصدقة من كسب حلال طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله. والحديث تمثيل لحال الصدقة المقبولة عند الله تعالى. وفي مصحف (١) أبي وقراءة الحسن بخلاف عنه ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا﴾ بالتاء على الخطاب وهو إما خطاب للتائبين أو لجماعة من المؤمنين.
١٠٥ - ﴿وَقُلِ﴾ يا محمَّد لهؤلاء التائبين أو لجميع الناس، ﴿اعْمَلُوا﴾، ما شئتم من الأعمال الحسنة والسيئة ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ﴾ : ﴿عَمَلَكُمْ﴾ خيرًا كان أو شرًّا؛ أي: فسيرى الله أعمالكم المستقبلة ويعلمها خيرًا كانت أو شرًّا كما يرى أعمالكم الماضية ويعلمها فالاستقبال بالنظر إلى الأعمال وإلا فعلم الله حاصل لا استقبال فيه. وفيه ترغيب عظيم للمطيعين، ووعيد شديد للمذنبين، فكأنه قال اجتهدوا في العمل في المستقبل، فإن الله تعالى يرى أعمالكم
стр. 5109
ويجازيكم عليها، ﴿و﴾ يراه ﴿رسوله﴾ ﷺ بإطلاع الله إياه على أعمالكم، كما أطلعه على أعمالكم الماضية بفضيحتكم عليها، ﴿و﴾ يراه ﴿المؤمنون﴾ بما قذف الله تعالى في قلوبهم. من محبة الصالحين وبغض المذنبين.
والمعنى (١): وقيل لهم أيها الرسول، اعملوا لدنياكم وآخرتكم لأنفسكم وأمتكم، فالعمل هو مناط السعادة، لا الاعتذار عن التقصير، ولا دعوى الجد والتشمير، وسيرى الله عملكم خيرًا كان أو شرًّا، فيجب عليكم أن تراقبوه في أعمالكم، وتتذكروا أنه عليم بمقاصدكم، ونياتكم، فجدير بمن يؤمن به، أن يتقيه في السر، والعلن، ويقف عند حدود شرعه، وسيراه رسوله والمؤمنون، ويزنونه بميزان الإيمان، الذي يفرق بين الإخلاص والنفاق، وهم شهداء الله على الناس. روى أحمد والبيهقي: أن النبي، ﷺ قال: "لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماءٍ ليس لها باب ولا كوة .. لأخرج الله عمله للناس كائنًا ما كان".
وفي الآية: إيماء إلى أن مرضاة جماعة المؤمنين القائمين بحقوق الإيمان، تلي مرضاة الله ورسوله. وفي حديث أنس ﵁، قال: "مروا على النبي، ﷺ بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال، النبي، ﷺ وجبت، ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شرًّا، فقال: وجبت. فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت، قال: هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار، أنتم شداء الله في الأرض"، متفق عليه. وقال ابن عباس: ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن.
ثم ذكر بوعيد شديد، فقال: ﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾ أي: وسترجعون بعد الموت، ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: إلى الله الذي يعلم ما غاب عن عباده، وما شوهد لهم؛ أي إلى الله الذي يعلم ما تسرونه، وما تعلنونه، وما تخفونه، وما تبدونه، وفي تقديم الغيب على الشهادة، إشعار بسعة علمه تعالى، وأنه لا يخفى عليه شيء، ويساوي عنده كل معلوم. ثم ذكر سبحانه ما سيكون
стр. 5110
عقب ردّهم إليه فقال: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: فيخبركم الله ، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، في الدنيا، فيجازيكم عليه فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ويتفضل على من يشاء من عباده؛ لأن المجازاة من الله تعالى في الآخرة، لا تحصل إلا بعد الإخبار بعمله، ليعرف كل أحد أن الذي وصل إليه عدل لا ظلم
١٠٦ - ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ أي: ومن المتخلفين عن غزوة تبوك أقوام آخرون؛ أي: غير الذين مردوا على النفاق، وغير الذين اعترفوا بذنوبهم، مرجون؛ أي: بل هم مرجون ﴿لِأَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: بل هم مؤخرون عن التوبة إلى قضاء الله تعالى وحكمه فيهم بما شاء إما التوبة وإما التعذيب. وقرأ (١) الحسن وطلحة وأبو جعفر وابن نصاح والأعرج ونافع وحمزة والكسائي وحفص: ﴿مُرْجَوْنَ﴾ و ﴿ترجي﴾ في سورة الأحزاب بغير همزة. وقرأ باقي السبعة: ﴿مرجؤن وتجرىء﴾ بالهمز وهما لغتان.
كان (٢) المتخلفون عن الجهاد في غزوة تبوك، أقسامًا ثلاثة:
الأول: المنافقون الذين مردوا على النفاق وهم أكثر المتخلفين.
والثاني: المؤمنون الذين اعترفوا بذنوبهم، وتابوا، وزكوا توبتهم بالصدقة وطلب دعاء الرسول، واستغفاره، فتاب الله عليهم، كأبي لبابة وأصحابه.
والثالث: المؤمنون الذين حاروا في أمرهم، ولم يعتذروا للرسول، ﷺ ؛ لأنهم، لا عذر لهم، وأرجؤوا توبتهم واعتذارهم إلى رسول الله، ﷺ ، صريحًا وإنما وجد منهم الندم والحزن، فإرجاء الله تعالى الحكم القاطع في أمرهم، لأسباب ستذكر، والفرق بين القسم الثاني، والقسم الثالث: أن القسم الثاني، سارعوا إلى التوبة فقبل الله توبتهم، والقسم الثالث توقفوا، ولم يسارعوا إلى التوبة، فأخر الله أمرهم.
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة: هم الثلاثة، الذين خلفوا عن التوبة، وهم مرارة - بضم الميم - ابن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية، قعدوا عن
стр. 5111
غزوة تبوك، في جملة من قعد من المخالفين، كسلًا وميلًا إلى الدعة والراحة والتمتع بطيب الثمار والتفيؤ بالظلال لا شكًّا ونفاقًا. وكانت طائفة منهم، ربطوا أنفسهم بالسواري، كما فعل أبو لبابة وأصحابه. وطائفة لم يفعلوا ذلك، وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، فنزلت توبة الأولين قبل توبة هؤلاء، وأرجئت أي أخرت توبة هؤلاء، حتى نزلت آية ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ الآية. ومعنى ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: ومن المتخلفين، ناس آخرون مؤخرون إلى أمر الله وحكمه فيهم بما شاء، وهم أولئك النفر، الذين سبق ذكرهم، وكانوا تخلفوا عن رسول الله، ﷺ مع الهم باللحاق به، ولم يتيسر لهم، ولم يكن تخلفهم عن نفاق. فلما قدم النبي، ﷺ من تبوك .. قالوا لا عذر لنا إلا الخطيئة، ولم يعتذروا لرسول الله، ﷺ ، كما فعل أبو لبابة وأصحابه، من الذين ربطوا أنفسهم في سواري المسجد، فنزل فيهم، قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ الآية. فنهى النبي، ﷺ ، عن مجالستهم وأمرهم باعتزال نسائهم، وإرسالهن إلى أهاليهن، إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية. وكانت مدة ما بين نزول الآيتين، خمسين ليلة، بقدر مدة التخلف؛ إذ كانت غيبته، ﷺ عن المدينة، خمسين ليلة؛ لأنهم، لما تمتعوا بالراحة في المدينة مع تعب غيرهم في السفر .. عوقبوا بهجرهم تلك المدة فلما مضت خمسون ليلة .. نزلت توبتهم بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية.
ومعنى قوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إن أصروا ولم يتوبوا من التخلف، ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إن تابوا عنه؛ أي: إن أَمْرهم دَائِرٌ بين هذين، التعذيبِ والتوبةِ، وإما هنا إما للشك بالنسبة إلى المخاطبين، وإما للإبهام بالنسبة إلى الله، بمعنى: أنه تعالى، أبهم على المخاطبين كما في "السمين".
وقد أبهم الأمر عليهم وعلى الناس، فلا يدرون ماذا ينزل بهم، هل تنفع توبتهم فيتوب الله عليهم، كما تاب على الذين اعترفوا بذنوبهم، أو يحكم بعذابهم في الدنيا والآخرة، كما حكم على الخالفين من المنافقين. وحكمة إبهام الأمر
стр. 5112
عليهم، إثارة الغم والحزن في قلوبهم، لتصح توبتهم. وحكمة إبهامه على الرسول والمؤمنين تركهم مكالمتهم ومخاطبتهم تربيةً للفريقين على ما يجب أن يعامل به أمثالهم ممن يؤثرون الراحة ونعمة العيش على طاعة الله ورسوله والجهاد؛ لإعلاء كلمة الحق، ودفع عدوان أهل الباطل عن المؤمنين.
وهذه الجملة، في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في ﴿مرجون﴾، والتقدير، وآخرون مرجون هم إلى أمر الله حالة كونهم إما معذبين، وإما متوبًا عليهم، ما سيأتي في بحث الإعراب.
﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يصلح حالَ عباده، ويربيهم ويزكيهم، أفرادًا وجماعات ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يشرعه لهم من الأحكام المفيدة لهذا الصلاح، إذا عملوا بها.
ومن هذه الحكمة إرجاء النص على توبتهم في كتابه، كما أن تكرار تلاوتها في مختلف الأوقات، مما يوقع في قلوب المؤمنين الرهبة والخوف، ويفيدهم عظة وتهذيبًا.
الإعراب
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾.
﴿يَعْتَذِرُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿إِلَيْكُمْ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة. ﴿إذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿يَعْتَذِرُونَ﴾، أو الجواب محذوف دل عليه ما قبلها. ﴿رَجَعْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾: فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾: ناصب وفعل. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على المتكلمين، أعني: المؤمنين، والجملة في محل
стр. 5113
النصب مقول القول. ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ﴾ ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿نَبَّأَنَا اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل. ﴿مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾: مفعول ثانٍ، والجملة في محل النصب مقول القول. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾، فيه وجهان:
أحدهما: أنها المتعدية إلى مفعولين، أحدهما ضمير التكلم.
والثاني: قوله من أخباركم، وعلى هذا، ففي ﴿مِنْ﴾ وجهان:
أحدهما: أنها غير زائدة، والتقدير: قد نبأنا الله أخبارًا من أخباركم، أو جملة من أخباركم، فهو في الحقيقة صفة للمفعول المحذوف.
والثاني: أن ﴿مِنْ﴾ زائدة عند الأخفش،؛ لأنه لا يشترط فيها شيئًا. والتقدير: قد نبأنا الله أخباركم.
الوجه الثاني: من الوجهين الأولين: أنها متعدية لثلاثة، كأعلم، فالأول والثاني ما تقدم، والثالث محذوف؛ اختصارًا للعلم به، والتقدير: نبأنا الله من أخباركم كذبًا ونحوه اهـ "سمين".
﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والثاني محذوف تقديره: واقعًا، والجملة معطوفة على ما قبلها على كونها مقولًا لـ ﴿قُل﴾ ﴿وَرَسُولُه﴾: معطوف على الجلالة.
﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب ﴿تُرَدُّونَ﴾: فعل ونائب ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تُرَدُّونَ﴾ ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾ معطوف على الغيب، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿سيرى﴾ على كونها، مقولا لـ ﴿قُلْ﴾ ﴿فينبئكم﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿ينبئكم﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير، يعود على الله ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور، في محل المفعول الثاني، والجملة، معطوفة على جملة تردون ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص، واسمه. وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ إن قلنا: ﴿ما﴾ موصولة، والعائد محذوف تقديره: بما كنتم تعملونه، أو صلة ﴿ما﴾ المصدرية إن قلنا: ﴿ما﴾ مصدرية تقديره: بعملكم.
стр. 5114
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)﴾.
﴿سَيَحْلِفُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به، وكذا يتعلق به ﴿لَكُمْ﴾ والجملة بدل من ﴿يَعْتَذِرُونَ﴾ أو تفسير له كما في "أبي السعود" ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿يَحْلِفُونَ﴾ ﴿انْقَلَبْتُمْ﴾ فعل وفاعل ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إِذَا﴾ ﴿لِتُعْرِضُوا﴾: ﴿اللام﴾: لام كي. ﴿تُعْرِضُوا﴾: فعل وفاعل، منصوب بأن مضمرة ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة في تأويل مصدر، مجرور ﴿باللام﴾ تقديره، لإعراضكم ﴿عَنْهُمْ﴾: الجار والمجرور، متعلق بيحلفون ﴿فَأَعْرِضُوا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أنهم سيحلفون لكم، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم، فأقول لكم: أعرضوا عنهم ﴿أعرضوا﴾: فعل وفاعل ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة ﴿إِذَا﴾: المقدرة مستأنفة ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ ﴿إن﴾ حرف نصب والهاء: اسمها. ﴿رِجْسٌ﴾: خبرها، وجملة إن: في محل النصب، مستأنفة، مسوقة، لتعليل الأمر بالإعراض عنهم، على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: مبتدأ وخبر، إما من تمام التعليل، وإما تعليل مستقل، كما ذكره: أبو السعود ﴿جَزَاءً﴾: منصوب على المصدرية، بعامل مقدر من لفظه، تقديره: يجزون جهنم جزاء، والجملة المحذوفة مستأنفة، ويجوز كونه حالًا من جهنم وفي "الفتوحات" قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يجوز أن ينتصب على المصدر، بفعل من لفظه مقدر؛ أي: يجزون جزاءً وأن ينتصب بمضمون الجملة السابقة؛ لأن كونهم ثاوين في جهنم، في معنى المجازاة، ويجوز أن يكون مفعولًا من أجله، اهـ "سمين" ﴿بِمَا﴾: ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، أو بمعنى: على ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة، أو مصدرية ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص، واسمه. وجملة ﴿يَكْسِبُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كَانُ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط، محذوف، تقديره: بما كانوا يكسبونهُ أو صلة ما المصدرية تقديره: بكسبهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جزاءً﴾، أو صفةٌ له.
стр. 5115
﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
﴿يَحْلِفُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة ﴿لِتَرْضَوْا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر، وتعليل ﴿ترضوا﴾ فعل وفاعل، منصوب بأن مضمرة ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة في تأويل مصدر، مجرور بـ ﴿اللام﴾ تقديره: لرضائكم عنهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَحْلِفُونَ﴾ ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم حلفهم، لرضائكم عنهم، وأردتم بيان حكم رضائكم عنهم .. فأقول لكم ﴿إن ترضوا﴾: ﴿إن﴾: حرف شرط ﴿ترضوا﴾: فعل وفاعل، مجزوم بإن، على كونه فعل شرط لها ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، وجواب إن الشرطية محذوف، تقديره: فلا ينفعهم رضاؤكم عنهم، وجملة إن الشرطية، في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿فإنَّ الله﴾: الفاء: تعليلية ﴿إن﴾: حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾ اسمها ﴿لَا يَرْضَى﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير، يعود على الله ﴿عَنِ الْقَوْمِ﴾: متعلق به ﴿الْفَاسِقِينَ﴾: صفة للقوم، وجملة ﴿لَا يَرْضَى﴾: في محل الرفع خبر إن، وجملة ﴿إن﴾: في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المدلول عليها بالفاء التعليلية.
﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿الْأَعْرَابُ﴾: مبتدأ ﴿أَشَدُّ﴾: خبر ﴿كُفْرًا﴾: تمييز، محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل، والجملة مستأنفة ﴿وَنِفَاقًا﴾: معطوف على كفرًا ﴿وَأَجْدَرُ﴾: معطوف على ﴿أَشَدُّ﴾. ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾: حرف مصدر ﴿لا﴾: نافية ﴿يَعْلَمُوا﴾: فعل وفاعل، منصوب بـ ﴿أن﴾ ﴿حُدُودَ مَا﴾: مفعول به، ومضاف إليه ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل ﴿عَلَى رَسُولِه﴾: متعلق به، وجملة ﴿أَنزَلَ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما أنزله الله، وجملة ﴿لا يعلموا﴾ في تأويل مصدر، مجرور، بحرف جر محذوف، تقديره، وأجدر بعدم