غزوة تبوك، في جملة من قعد من المخالفين، كسلًا وميلًا إلى الدعة والراحة والتمتع بطيب الثمار والتفيؤ بالظلال لا شكًّا ونفاقًا. وكانت طائفة منهم، ربطوا أنفسهم بالسواري، كما فعل أبو لبابة وأصحابه. وطائفة لم يفعلوا ذلك، وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، فنزلت توبة الأولين قبل توبة هؤلاء، وأرجئت أي أخرت توبة هؤلاء، حتى نزلت آية ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ الآية. ومعنى ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: ومن المتخلفين، ناس آخرون مؤخرون إلى أمر الله وحكمه فيهم بما شاء، وهم أولئك النفر، الذين سبق ذكرهم، وكانوا تخلفوا عن رسول الله، ﷺ مع الهم باللحاق به، ولم يتيسر لهم، ولم يكن تخلفهم عن نفاق. فلما قدم النبي، ﷺ من تبوك .. قالوا لا عذر لنا إلا الخطيئة، ولم يعتذروا لرسول الله، ﷺ ، كما فعل أبو لبابة وأصحابه، من الذين ربطوا أنفسهم في سواري المسجد، فنزل فيهم، قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ الآية. فنهى النبي، ﷺ ، عن مجالستهم وأمرهم باعتزال نسائهم، وإرسالهن إلى أهاليهن، إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية. وكانت مدة ما بين نزول الآيتين، خمسين ليلة، بقدر مدة التخلف؛ إذ كانت غيبته، ﷺ عن المدينة، خمسين ليلة؛ لأنهم، لما تمتعوا بالراحة في المدينة مع تعب غيرهم في السفر .. عوقبوا بهجرهم تلك المدة فلما مضت خمسون ليلة .. نزلت توبتهم بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية.
ومعنى قوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إن أصروا ولم يتوبوا من التخلف، ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إن تابوا عنه؛ أي: إن أَمْرهم دَائِرٌ بين هذين، التعذيبِ والتوبةِ، وإما هنا إما للشك بالنسبة إلى المخاطبين، وإما للإبهام بالنسبة إلى الله، بمعنى: أنه تعالى، أبهم على المخاطبين كما في "السمين".
وقد أبهم الأمر عليهم وعلى الناس، فلا يدرون ماذا ينزل بهم، هل تنفع توبتهم فيتوب الله عليهم، كما تاب على الذين اعترفوا بذنوبهم، أو يحكم بعذابهم في الدنيا والآخرة، كما حكم على الخالفين من المنافقين. وحكمة إبهام الأمر
стр. 5112
عليهم، إثارة الغم والحزن في قلوبهم، لتصح توبتهم. وحكمة إبهامه على الرسول والمؤمنين تركهم مكالمتهم ومخاطبتهم تربيةً للفريقين على ما يجب أن يعامل به أمثالهم ممن يؤثرون الراحة ونعمة العيش على طاعة الله ورسوله والجهاد؛ لإعلاء كلمة الحق، ودفع عدوان أهل الباطل عن المؤمنين.
وهذه الجملة، في محل نصب على الحال من الضمير المستكن في ﴿مرجون﴾، والتقدير، وآخرون مرجون هم إلى أمر الله حالة كونهم إما معذبين، وإما متوبًا عليهم، ما سيأتي في بحث الإعراب.
﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يصلح حالَ عباده، ويربيهم ويزكيهم، أفرادًا وجماعات ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يشرعه لهم من الأحكام المفيدة لهذا الصلاح، إذا عملوا بها.
ومن هذه الحكمة إرجاء النص على توبتهم في كتابه، كما أن تكرار تلاوتها في مختلف الأوقات، مما يوقع في قلوب المؤمنين الرهبة والخوف، ويفيدهم عظة وتهذيبًا.
الإعراب
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾.
﴿يَعْتَذِرُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿إِلَيْكُمْ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة. ﴿إذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿يَعْتَذِرُونَ﴾، أو الجواب محذوف دل عليه ما قبلها. ﴿رَجَعْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾: فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾: ناصب وفعل. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على المتكلمين، أعني: المؤمنين، والجملة في محل
стр. 5113
النصب مقول القول. ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ﴾ ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿نَبَّأَنَا اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل. ﴿مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾: مفعول ثانٍ، والجملة في محل النصب مقول القول. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾، فيه وجهان:
أحدهما: أنها المتعدية إلى مفعولين، أحدهما ضمير التكلم.
والثاني: قوله من أخباركم، وعلى هذا، ففي ﴿مِنْ﴾ وجهان:
أحدهما: أنها غير زائدة، والتقدير: قد نبأنا الله أخبارًا من أخباركم، أو جملة من أخباركم، فهو في الحقيقة صفة للمفعول المحذوف.
والثاني: أن ﴿مِنْ﴾ زائدة عند الأخفش،؛ لأنه لا يشترط فيها شيئًا. والتقدير: قد نبأنا الله أخباركم.
الوجه الثاني: من الوجهين الأولين: أنها متعدية لثلاثة، كأعلم، فالأول والثاني ما تقدم، والثالث محذوف؛ اختصارًا للعلم به، والتقدير: نبأنا الله من أخباركم كذبًا ونحوه اهـ "سمين".
﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والثاني محذوف تقديره: واقعًا، والجملة معطوفة على ما قبلها على كونها مقولًا لـ ﴿قُل﴾ ﴿وَرَسُولُه﴾: معطوف على الجلالة.
﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب ﴿تُرَدُّونَ﴾: فعل ونائب ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تُرَدُّونَ﴾ ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾ معطوف على الغيب، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿سيرى﴾ على كونها، مقولا لـ ﴿قُلْ﴾ ﴿فينبئكم﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿ينبئكم﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير، يعود على الله ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور، في محل المفعول الثاني، والجملة، معطوفة على جملة تردون ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص، واسمه. وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ إن قلنا: ﴿ما﴾ موصولة، والعائد محذوف تقديره: بما كنتم تعملونه، أو صلة ﴿ما﴾ المصدرية إن قلنا: ﴿ما﴾ مصدرية تقديره: بعملكم.
стр. 5114
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)﴾.
﴿سَيَحْلِفُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به، وكذا يتعلق به ﴿لَكُمْ﴾ والجملة بدل من ﴿يَعْتَذِرُونَ﴾ أو تفسير له كما في "أبي السعود" ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، متعلق بـ ﴿يَحْلِفُونَ﴾ ﴿انْقَلَبْتُمْ﴾ فعل وفاعل ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إِذَا﴾ ﴿لِتُعْرِضُوا﴾: ﴿اللام﴾: لام كي. ﴿تُعْرِضُوا﴾: فعل وفاعل، منصوب بأن مضمرة ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة في تأويل مصدر، مجرور ﴿باللام﴾ تقديره، لإعراضكم ﴿عَنْهُمْ﴾: الجار والمجرور، متعلق بيحلفون ﴿فَأَعْرِضُوا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أنهم سيحلفون لكم، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم، فأقول لكم: أعرضوا عنهم ﴿أعرضوا﴾: فعل وفاعل ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة ﴿إِذَا﴾: المقدرة مستأنفة ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ ﴿إن﴾ حرف نصب والهاء: اسمها. ﴿رِجْسٌ﴾: خبرها، وجملة إن: في محل النصب، مستأنفة، مسوقة، لتعليل الأمر بالإعراض عنهم، على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: مبتدأ وخبر، إما من تمام التعليل، وإما تعليل مستقل، كما ذكره: أبو السعود ﴿جَزَاءً﴾: منصوب على المصدرية، بعامل مقدر من لفظه، تقديره: يجزون جهنم جزاء، والجملة المحذوفة مستأنفة، ويجوز كونه حالًا من جهنم وفي "الفتوحات" قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ يجوز أن ينتصب على المصدر، بفعل من لفظه مقدر؛ أي: يجزون جزاءً وأن ينتصب بمضمون الجملة السابقة؛ لأن كونهم ثاوين في جهنم، في معنى المجازاة، ويجوز أن يكون مفعولًا من أجله، اهـ "سمين" ﴿بِمَا﴾: ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، أو بمعنى: على ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة، أو مصدرية ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص، واسمه. وجملة ﴿يَكْسِبُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كَانُ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط، محذوف، تقديره: بما كانوا يكسبونهُ أو صلة ما المصدرية تقديره: بكسبهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جزاءً﴾، أو صفةٌ له.
стр. 5115
﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
﴿يَحْلِفُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة ﴿لِتَرْضَوْا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر، وتعليل ﴿ترضوا﴾ فعل وفاعل، منصوب بأن مضمرة ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة في تأويل مصدر، مجرور بـ ﴿اللام﴾ تقديره: لرضائكم عنهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَحْلِفُونَ﴾ ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم حلفهم، لرضائكم عنهم، وأردتم بيان حكم رضائكم عنهم .. فأقول لكم ﴿إن ترضوا﴾: ﴿إن﴾: حرف شرط ﴿ترضوا﴾: فعل وفاعل، مجزوم بإن، على كونه فعل شرط لها ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، وجواب إن الشرطية محذوف، تقديره: فلا ينفعهم رضاؤكم عنهم، وجملة إن الشرطية، في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿فإنَّ الله﴾: الفاء: تعليلية ﴿إن﴾: حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾ اسمها ﴿لَا يَرْضَى﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير، يعود على الله ﴿عَنِ الْقَوْمِ﴾: متعلق به ﴿الْفَاسِقِينَ﴾: صفة للقوم، وجملة ﴿لَا يَرْضَى﴾: في محل الرفع خبر إن، وجملة ﴿إن﴾: في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المدلول عليها بالفاء التعليلية.
﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿الْأَعْرَابُ﴾: مبتدأ ﴿أَشَدُّ﴾: خبر ﴿كُفْرًا﴾: تمييز، محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل، والجملة مستأنفة ﴿وَنِفَاقًا﴾: معطوف على كفرًا ﴿وَأَجْدَرُ﴾: معطوف على ﴿أَشَدُّ﴾. ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾: حرف مصدر ﴿لا﴾: نافية ﴿يَعْلَمُوا﴾: فعل وفاعل، منصوب بـ ﴿أن﴾ ﴿حُدُودَ مَا﴾: مفعول به، ومضاف إليه ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل ﴿عَلَى رَسُولِه﴾: متعلق به، وجملة ﴿أَنزَلَ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما أنزله الله، وجملة ﴿لا يعلموا﴾ في تأويل مصدر، مجرور، بحرف جر محذوف، تقديره، وأجدر بعدم
стр. 5116
علمهم حدود ما أنزله الله على رسوله ﴿وَالله﴾: مبتدأ ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر أول ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثانٍ، والجملة مستأنفة.
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ﴾: جار وجرور، خبر مقدم ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة ﴿يَتَّخِذُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير، يعود على ﴿مَن﴾ ﴿ما﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول أول. ﴿يُنفِقُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير، يعود على ﴿مَن﴾ وجملة ﴿ينفِقُ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾: أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما ينفقه. ﴿مَغْرَمًا﴾: مفعول ثان، لاتخذ، وجملة ﴿يَتَّخِذُ﴾: صلة من الموصولة ﴿وَيَتَرَبَّصُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير، يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿يَتَّخِذُ﴾ ﴿بِكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿يَتَرَبَّصُ﴾: ﴿الدَّوَائِرَ﴾: مفعول به ﴿عَلَيْهِمْ﴾: خبر مقدم ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾: مبتدأ مؤخر، ومضاف إليه، والجملة دعائية لا محل لها من الإعراب ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿سَمِيعٌ﴾: خبر أول ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثانٍ والجملة مستأنفة، لا محل لها من الإعراب.
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنَ﴾ اسم موصول، في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ﴾. ﴿يُؤْمِنُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: معطوف على الجلالة ﴿وَيَتَّخِذُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُؤْمِنُ﴾ ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول أول، لـ ﴿يَتَّخِذُ ﴿يُنْفِقُ﴾؛ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة
стр. 5117
صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ﴿ما ينفقه﴾ ﴿قُرُبَاتٍ﴾: مفعول ثان لـ ﴿يتخذ﴾ ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: سبب قربات، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿قُرُبَاتٍ﴾ أو متعلق بـ ﴿يَتَّخِذُ﴾ ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾: معطوف على ﴿قُرُبَاتٍ﴾؛ أي: سبب صلوات الرسول ودعواته ﴿ألا إنها﴾: ﴿أَلَا﴾: حرف تنبيه واستفتاح ﴿إِنَّهَا قُرْبَةٌ﴾؛ ناصب، واسمه وخبره ﴿لَهُمْ﴾: صفة لقربة، والجملة مستأنفة ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: ناصب واسمه وخبر أول ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثانٍ، والجملة مستأنفة.
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿وَالسَّابِقُونَ﴾: مبتدأ ﴿الْأَوَّلُونَ﴾: صفة له ﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾: جار ومجرور، حال من المبتدأ ﴿وَالْأَنْصَارِ﴾: معطوف على المهاجرين ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على ﴿السَّابِقُونَ﴾ ﴿اتَّبَعُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول صلة الموصول ﴿بِإِحْسَانٍ﴾: جار ومجرور حال، من واو اتبعوهم، أو متعلق بـ ﴿اتَّبَعُوهُمْ﴾ ﴿رَضِيَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿وَرَضُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿رَضِيَ﴾. ﴿عنه﴾ متعلق به ﴿وَأَعَدَّ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير، يعود على الله ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به ﴿جَنَّاتٍ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿رَضِيَ﴾ ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع ﴿تَحْتَهَا﴾: متعلق به ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل، والجملة صفة لـ ﴿جنات﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من ضمير لهم ﴿فِيهَا﴾: متعلق به، وكذا يتعلق به ﴿أبدًا﴾ ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ﴾: مبتدأ وخبر ﴿الْعَظِيمُ﴾: صفة له والجملة مستأنفة.
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾.
﴿وَمِمَّنْ﴾: جار ومجرور، خبر مقدم ﴿حَوْلَكُمْ﴾؛ ظرف ومضاف إليه، صلة ﴿مِنَ﴾ الموصولة ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ﴾: جار ومجرور، حال من الضمير المستكن
стр. 5118
في الصلة ﴿مُنَافِقُونَ﴾ مبتدأ مؤخر والجملة مستأنفة ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾: جار ومجرور، خبر مقدم لمبتدأ محذوف، قامت صفته مقامه، وحَذفُ الموصوف وإقامة صفته مقامه مطرد تقديره: ومن أهل المدينة قوم. وجملة ﴿مَرَدُوا﴾: صفة لهذا المبتدأ المحذوف، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ ﴿عَلَى النِّفَاقِ﴾: متعلق بـ ﴿مَرَدُوا﴾.
﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾: فعل ومفعول به، إن قلنا: أن علم هنا عرفانية، ومفعول أول إن قلنا إن علم على بابه، والمفعول الثاني محذوف تقديره: لا تعلمهم منافقين، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة، أو صفة لـ ﴿مُنَافِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ﴾: مبتدأ ﴿نَعْلَمُهُمْ﴾: فعل ومفعول أول، والثاني محذوف تقديره: منافقين، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة ﴿مَرَّتَيْنِ﴾: منصوب على المصدرية ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف ﴿يُرَدُّونَ﴾: فعل ونائب فاعل ﴿إِلَى عَذَابٍ﴾: متعلق به ﴿عَظِيمٍ﴾: صفة لعذاب، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿نُعَذِّبُهُمْ﴾.
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَآخَرُونَ﴾ معطوف على منافقون، على كونه صفة لمبتدأ محذوف، خبره محذوف أيضًا، تقديره: وممن حولكم، أو من أهل المدينة قوم آخرون، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿وممن حولكم﴾ ﴿اعْتَرَفُوا﴾: فعل وفاعل ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ متعلق به، والجملة صفة ثانية لذلك المحذوف ﴿خَلَطُوا﴾: فعل وفاعل ﴿عَمَلًا﴾: مفعول به ﴿صَالِحًا﴾ صفة له، والجملة صفة ثالثة له ﴿وَآخَرَ﴾: معطوف على ﴿عَمَلًا﴾ ﴿سَيِّئًا﴾: صفة ﴿آخر﴾ ﴿عَسَى﴾: فعل ناقص، من أفعال الرَّجاء ﴿اللَّهُ﴾: اسمها ﴿أَنْ يَتُوبَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به، وجملة ﴿يَتُوبَ﴾ في تأويل مصدر، منصوب على كونه خبر
стр. 5119
عسى، ولكنه في تأويل اسم الفاعل، ليصح الإخبار به عن الجلالة، تقديره: عسى الله توبته عليهم؛ أي: عسى الله تائبًا عليهم، وجملة عسى مستأنفة ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثانٍ لها، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَةِرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿خُذْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾: متعلق به ﴿صَدَقَةً﴾ مفعول به ﴿تُطَهِرُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة الفعلية صفة لصدقة، ولكنها سببية، والرابط محذوف تقديره: بها ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهَا﴾: متعلق به لقربه، أو بتطهر لسبقه، كما هو شأن التنازع، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة معطوفة على جملة تطهر. ﴿وَصَلِّ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿خُذْ﴾ ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿سَكَنٌ﴾: خبره. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿سَكَنٌ﴾: وجملة ﴿إنَّ﴾: مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾: مبتدأ وخبر أول. ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر ثانٍ، والجملة مستأنفة.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: للاستفهام التقريري. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَعْلَمُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾ والجملة مستأنفة. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل. ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَقْبَلُ﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر أن، وجملة أن في تأويل مصدر، ساد مسد مفعولي علم، تقديره: ألم يعلموا قبول الله تعالى توبة عباده. ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَقْبَلُ﴾. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل. ﴿التَّوَّابُ﴾: خبر أن. ﴿الرَّحِيمُ﴾: صفة للتواب،
стр. 5120
أو خبر ثانٍ لها، وجملة أن معطوفة على جملة أن الأولى.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَقُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿اعْمَلُوا﴾: إلى آخر الآية، مقول محكي لـ ﴿قُلِ﴾ وإن شئت قلت ﴿اعْمَلُوا﴾: فعل وفاعل، ومفعوله محذوف. تقديره: ما شئتم، والجملة في محل النصب مقول قل. ﴿فَسَيَرَى﴾: الفاء: تعليلية، السين: حرف استقبال زيدت هنا لإفادة تأكيد معنى الكلام. ﴿يَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿وَرَسُولُهُ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قل. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: معطوف على الجلالة أيضًا. ﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ﴾: متعلق به. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: معطوف على الغيب، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿ينبئكم﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾: جار ومجرور، في محل المفعول الثاني، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿ستردون﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: خبره وجملة ﴿كان﴾ صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: تعملونه.
﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿وَآخَرُونَ﴾: صفة لمبتدأ محذوف، خبره محذوف أيضًا، تقديره: ومن أهل المدينة قوم آخرون. ﴿مُرْجَوْنَ﴾: صفة ثانية لذلك المحذوف، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ كما قاله أبو البقاء ﴿لِأَمْرِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿مُرْجَوْنَ﴾. ﴿إِمَّا﴾: حرف تفصيل. ﴿يُعَذِّبُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ والجملة في محل الرفع صفة ثالثة لذلك المحذوف، ولكنها سببية، تقديره: ومن أهل المدينة قوم آخرون مرجون لأمر الله، إما معذبون أو حال من الضمير المستكن في مرجون، تقديره: ومن أهل المدينة قوم آخرون مرجون هم لأمر الله، حالة كونهم إما معذبين، وإما متوبًا
стр. 5121
عليهم. ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ﴾: الواو: عاطفة ﴿إما﴾ على ﴿إِمَّا﴾. ﴿إِمَّا﴾: حرف تفصيل، مفيدة للشك بالنسبة إلى المخاطب، ومفيدة للإبهام بالنسبة إلى الله. قال أبو البقاء: وإما إذا كانت للشك .. جاز أن يليها الاسم، وأن يليها الفعل، فإن كانت للتخيير، ووقع الفعل بعدها .. كانت معه أن كقوله: إما أن تلقى انتهى. ﴿يَتُوبُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾. على كلا الاحتمالين، وقيل: غير ذلك، من أوجه الإعراب. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر أول. ﴿حَكِيمٌ﴾ خبر ثانٍ، والجملة الاسمية مستأنفة. مسوقة لتعليل ما قبلها.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾: من اعتذر من باب افتعل إذا مَهَّد العذر. والاعتذار: إظهار العذر بالأعذار الكاذبة.
﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: ﴿الْغَيْبِ﴾: ما غاب عنك علمه ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: ما تشهده وتعرفه.
﴿إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾: انقلب إلى الشيء من باب انفعل: رجع إليه ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾؛ أي: قذر يجب الإعراض عنهم. ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾: والمأوى، كل مكان يأوى إليه الشيء، ليلًا أو نهارًا، وقد أوى فلان إلى منزله، يأوي أويًا وإيواء. ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا﴾: ﴿الْأَعْرَابُ﴾ اسم لبدو العرب، واحده أعرابي، والأنثى أعرابية، والعرب اسم لهذا الجيل الذي ينطق بهذه اللغة، بَدْوِه وحَضَره، واحدَهُ عربي، كالمجوس والمجوسي واليهود واليهودي.
وفي "الفتوحات" والأعراب اسم جمع، جاء على صورة الجمع، وليس جمعًا لعرب، لئلا يلزم كون الجمع أخص من مفرده؛ لأن الأعراب سكان البادية خاصة، والعرب المتكلمون باللغة العربية، سواء سكنوا البادية أو الحاضرة، اهـ شيخنا. وفي "المصباح" وأما ﴿الْأَعْرَابُ﴾ بالفتح فأهل البَدْوِ من العرب، الواحد أعرابي بالفتح أيضًا، وهو الذي يكون صاحب نجعة، وارتياد غيث وكلأ، وزاد
стр. 5122
الأزهري فقال: سواء كان من العرب، أو من مواليهم قال: فمن نزل البادية وجاور البادين، وظعن بظعنهم .. فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب .. فهم عرب وإن لم يكونوا فصحاء. قال النيسابوري: قيل إنما سمي العرب عربًا؛ لأن أولاد إسماعيل ﵇ نشؤوا بالعرب، وهي من تهامة، فنسبوا إلى بلدهم وكل من يسكن جزيرة العرب، وينطق بلسانهم فهو منهم، وقيل: لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم، ولما في لسانهم من الفصاحة والبلاغة انتهى.
﴿وَأَجْدَرُ﴾؛ أي: أحق وأولى وأحرى يقال، هو جدير وأجدر، وحقيق وأحق، وقمن وخليق، وأولى بكذا كله بمعنى واحد. قال الليث: جدر يجدر جدارة، فهو جدير وأجدر به، يؤنث ويثنى ويجمع. قال الشاعر:
نَخِيْلٌ عَلَيْهَا جَنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ ... جَدِيْرُوْنَ يَوْمًا أَنْ يَنَالُوْا فَيَسْتَعْلُوْا
وقد نبه الراغب على أصل اشتقاق هذه المادة، وأنها من الجدار؛ أي: الحائط، فقال: والجدير المنتهي لانتهاء الأمر إليه، انتهاء الشيء إلى الجدار، والذي يظهر، أن اشتقاقه من الجدر، وهو أصل الشجرة، فكأنه ثابت كثبوت الجدر في قولك: جدير بكذا، اهـ "سمين". ﴿مَغْرَمًا﴾ والمغرم: الغرامة والخسران، من الغرام بمعنى: الهلاك؛ لأنه سببه، ومنه ﴿إن عذابها كان غرامًا﴾ وقيل: أصله الملازمة، ومنه الغريم، للزومه من يطالبه وإلحاحه عليه. ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾: والتربص: الانتظار، والدوائر، هي: المصائب التي لا مخلص منها، تحيط به كما تحيط الدائرة. وقيل: تربص الدوائر هنا: موت الرسول، ﷺ ، وظهور الشرك. قال الشاعر:
تَرَبَّصْ بِهَا ريْبَ الْمَنُوْنِ لَعَلَّهَا ... تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوْتَ حَلِيْلُهَا
والدوائر: جمع دائرة، وهي: ما يحيط بالإنسان من مصيبة ونكبة، أخذًا من الدائرة المحيطة بالشيء، وأصلها داورة؛ لأنها من دار يدور؛ أي: أحاط، فقلبت الواو همزة ومعنى تربص الدوائر: انتظار المصائب؛ أي: انتظار انقلاب الدوائر. ففي الكلام حذف مضاف، وفي الدائرة مذهبان أظهرهما، أنها صفة
стр. 5123
على فاعلة كقائمة، وقال الفارسي: يجوز أن تكون مصدرًا كالعاقبة، اهـ "سمين". ودوائر الزمان، حوادثه. والمراد بها ما لا محيص منه، من تصاريف الأيام ونوائبها التي تحيط شرورها بالناس، والدائرة أيضًا، النائبة والمصيبة، والسوء اسم لما يسوء ويضر. وقال الفراء: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾: العذاب والبلاء. قال: والسوء بالفتح مصدرر سؤته سوءًا ومساءة وسوائية ومسائية، وبالضم اسم لا مصدر. وقال أبو البقاء: السوء بالضم الضرر، وهو مصدر في الحقيقة، قلت: يعني، أنه في الأصل كالمفتوح في أنه مصدر، ثم أطلق على كل ضرر وشر. وقال مكي: من فتح السين، فمعناه الفساد والرداءة، ومن ضمها، فمعناه البلاء والضرر، وظاهر هذا، أنهما اسمان لما ذكر، ويحتمل أن يكونا في الأصل مصدرين، ثم أطلقا على ما ذكر. وقال غيره: المضموم العذاب والضرر، والمفتوح الذم، اهـ "سمين".
﴿قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ والـ ﴿قُرُبَاتٍ﴾: جمع قربة، وهي ما يتقرب به إلى الله ، تقول منه: قربت لله قربانًا، وهي في المنزلة والمكانة، كالقرب في المكان والقرابة في الرحم. ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾: والـ ﴿صلوات﴾: واحدها صلاة، ويراد بها الدعاء، والمعنى: أنه يتخذ ما ينفق سببًا لحصول القربات عند الله تعالى، وسببًا لحصول دعوات الرسول.
﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾: وأصل مرد وتمرد: اللين والملاسة والتجرد فكأنهم تجردوا للنفاق، ومنه غصن أمرد لا ورق عليه، وفرس أمرد لا شعر فيه، وغلام أمرد لا شعر بوجهه، وأرض مرداء لا نبات فيها، وصرح ممرد؛ أي: مجرد فالمعنى: أنهم أقاموا على النفاق، وثبتوا عليه ولم ينثنوا عنه.
﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾: الاعتراف: الإقرار بالشيء، ومجرد الإقرار لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي، والعزم على تركه في الحال والاستقبال. ﴿خَلَطُوا﴾: ومعنى الخلط، أنهم خلطوا كل واحد منهما بالآخر، كقولك خلطت الماء باللبن، واللبن بالماء، ويجوز أن تكون الواو في قوله: ﴿وَءَاخَرَ﴾: بمعنى الباء، كقولك بعت الشاة شاة ودرهمًا؛ أي: بدرهم. ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾:
стр. 5124
والصدقة: مأخوذة من الصدق إذ هي دليل على صدق مخرجها في إيمانه. والصدقة ما ينفقه المؤمن قربة لله. ﴿تزكيهم﴾: والتزكية من قولهم رجل زكى؛ أي: زائد الخير والفضل، قاله: في "الأساس". ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: والصلاة الدعاء. ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾: والسكن: كل ما تسكن وتطمئن إليه النفس، وترتاح عنده من أهل ومال ومتاع ودعاء وثناء، فهو فعل بمعنى، مفعول كالقبض بمعنى، المقبوض والقنص بمعنى، المقنوص. والمعنى، يسكنون إليها. مرجون ومرجؤون وبهما قرئ؛ أي: مؤخرون يقال؛ أرجأت الأمر وأرجيته؛ أي: أخرته.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا، وضروبًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الطباق بين كلمتي ﴿الْغَيْبِ﴾ ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾.
ومنها: التكرار في: ﴿يَحْلِفُونَ﴾ وفي لفظ ﴿الْأَعْرَابُ﴾، وفي قوله: ﴿وسيرى الله عملكم ورسوله﴾.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ونكتة العدول لهذا الظاهر التسجيل عليهم، حيث وصفهم بالخروج عن الطاعة المستوجب لما حل بهم من السخط وللإيذان بشمول الحكم لمن شاركهم في ذلك، اهـ "أبو السعود".
ومنها: المقابلة في قوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾، وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِر﴾؛ لأن الدوائر حقيقة في الدائرة المحيطة بالشيء، كدائرة القمر ودائرة الخط، فاستعملها في المصائب والنكبات النازلة بالإنسان، بجامع الاشتمال والإحاطة في كل.
стр. 5125
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾؛ حيث أطلق المسبب الذي هو القربات، وأراد السبب، أي: سبب قربات، وسبب صلوات وفي قوله: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾؛ أي: يدخلهم في جنته التي هي محل الرحمة، وهو من إطلاق الحال وإرادة المحل.
ومنها: الطباق بين قوله: ﴿عَمَلًا صَالِحًا﴾ وقوله: ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾.
ومنها: التشبيه البليغ قوله ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ حيث جعل الصلاة نفس السكن، والاطمئنان مبالغة، وأصله كالسكن حذفت أداة التشبيه، ووجه الشبه فصار بليغًا.
ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾.
ومنها: الاستعارة التبعية في قوله: ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ حيث استعار الإلصاق، الذي هو معنى الباء للواو التي هي للجمع؛ لأن الواو هنا، بمعنى الباء؛ أي بآخر. قال التفتازاني: وتحقيقه أن الواو للجمع، والباء للإلصاق والجمع، والإلصاق من قبيل واحد، فسلك به طريق الاستعارة، اهـ "كرخي".
ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ حيث أتى بأن، وبالجملة الاسمية، وبضمير الفصل، وبصيغة المبالغة في التواب وفي الرحيم؛ تبشيرًا لعباده؛ وترغيبًا لهم كما ذكره الشوكاني.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾؛ حيث شبه القبول بالأخذ، فاستعار له اسمه، فاشتق من الأخذ، بمعنى القبول، يأخذ بمعنى يقبل على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: الحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
وأفعالًا .. ذكر هنا، أن منهم: من بالغ في الشر حتى ابتنى مجمعًا للمنافقين، يدبرون فيه ما شاؤوا من الشر وسموه مسجدًا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها أن الله لما ذكر (١) فضائح المنافقين بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وأصناف المقصرين من المؤمنين .. أردف ذلك بذكر حال المؤمنين الصادقين في إيمانهم، البالغين فيه حد الكمال، وبذا تم معرفة جميع أحوال المؤمنين.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: لما (٢) كان الكلام من أول السورة إلى هنا براءة من الكفار والمنافقين في جميع الأحوال بين الله سبحانه هنا أنه يجب البراءة من أمواتهم، وإن قربوا غاية القرب كالأب والأم، ثم ذكر السبب الذي لأجله استغفر إبراهيم لأبيه، وهو وعده بالاستغفار بقوله: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فلما أصر على كفره، تبرأ منه وبعدئذٍ بين رحمته بعباده، وأنه لا يعاقبهم على شيء إلا بعد بيان شافٍ لما يعاقبون عليه.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ...﴾ الآية، مناسبة (٣) هذه الآية لما قبلها أنه لما قدم الكلام في أحوال المنافقين، من تخلفهم عن غزوة تبوك، واستطرد إلى تقسيم المنافقين إلى أعراب وغيرهم، وذكر ما فعلوا من مسجد الضرار، وذكر مبايعة المؤمنين الله في الجهاد وأثنى عليهم، وأنه ينبغي أن يباينوا المشركين، حتى الذين ماتوا منهم بترك الاستغفار لهم .. عاد إلى ذكر ما بقي من أحوال غزوة تبوك، وهذه شنشنة كلام العرب، يشرعون في شيء، ثم يذكرون بعده أشياء مناسبة، ويطيلون فيها، ثم يعودون إلى ذلك الشيء الذي كانوا شرعوا فيه.
стр. 5128
وعبارة المراغي هنا: لما استقصى الله أحوال المتخلفين عن غزوة تبوك على النحو الذي سلف، عاد مرة أخرى إلى الكلام في توبتهم، جريًا على سنّة القرآن الكريم في تفريق الآيات في الموضوع الواحد؛ لأنه أفعل في النفس، وأشد تأثيرًا في القلب، وأجدى في تجديد الذكرى، وأدنى أن لا يسأم التالي لها في الصلاة وغيرها، إلا أنه مناسب لما قبله من النهي عن الاستغفار للمشركين، إذ كل مما يتاب منه وكل عثرة يطلب منها الصفح والعفو.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا ...﴾ الآية، سبب (١) نزولها ما أخرجه ابن مردويه: من طريق ابن إسحاق، قال: ذكر ابنُ شهاب الزهري، عن ابن أكيمة الليثي، عن ابن أخي أبي رهم الغفاري، أنه سمع أبا رهم، وكان ممن بايع تحت الشجرة يقول: أتى منْ بني مسجدَ الضرار رسولَ الله ﷺ ، وهو متجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله، إنا بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة الشاتية والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، قال: إني على جناح السفر، وإذا قدمنا إن شاء الله .. أتيناكم فصلينا لكم فيه، فلما رجع نزل بذي أوان على ساعة من المدينة، فأنزل الله في المسجد: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾، إلى آخر القصة، فدعا مالك بن الدخشن، ومعن بن عدي، أو أخاه عاصم بن عدي، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وأحرقاه، ففعلا.
وأخرج (٢) ابن أبي حاتم، وابن مردويه، من طريق العوفي عن ابن عباس قال: لما بنى رسول الله ﷺ ، مسجد قباء خرج رجال من الأنصار، منهم: بخدج، فبنوا مسجد النّفاق فقال رسول الله ﷺ لبخدج "ويلك، ما أردتَ إلى ما أرى" فقال: يا رسول الله، ما أردت إلا الحسنى، فأنزل الله الآية. وأخرج ابن مردويه: من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: إن أناسًا من الأنصار بنوا مسجدًا فقال لهم أبو عامر: ابتنوا مسجدكم واستمدوا بما استطعتم
стр. 5129
من قوة وسلاح، فإني ذاهب إلى قيصر، ملك الروم، فآتي بجند، فأخرِجَ محمدًا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم، أتوا النبي، ﷺ ، فقالوا له: لقد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه، فأنزل الله ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾.
وأخرج الواحدي، عن سعد بن أبي وقاص قال: إن المنافقين عرضوا بمسجد، يبنونه يضاهون به مسجد قباء، لأبي عامر الراهب إذا قدم ليكون إمامهم فيه، فلما فرغوا من بنائه، أتوا رسول الله، ﷺ ، فقالوا: إنا بنينا مسجدًا، فصل فيه فنزلت: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾.
وأخرج الترمذي، عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَةَرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾ قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير، عن محمَّد بن كعب القرظي، قال: قال عبد الله بن رواحة، لرسول الله، ﷺ ، اشْتَرِطْ لربك ولنفسك ما شئتَ، قال: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم"، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا، قال: "الجنة"، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه البخاري (ج٣ ص ٤٦٥) عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، أنه أخبره أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله، ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله: ﷺ ، لأبي طالب: "يا عم، قل: لا إله إلا الله كلمةً أشهد لك بها عند الله"، فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب، آخر ما كلمهم هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله فقال رسول الله ﷺ : "أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك"، فأنزل الله تعالى فيه
стр. 5130
هذه الآية، والحديث قد أخرجه مسلم والنسائي وأحمد وابن جرير والبيهقي وابن أبي حاتم.
وأنزل (١) في أبي طالب ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية، وظاهر هذا أن الآية نزلت بمكة.
وأخرج الترمذي وحسنه، والحاكم عن علي قال: سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت له أتستغفر لأبويك وهما مشركان، فقال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك. فذكرت ذلك لرسول الله، ﷺ ، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾. وأخرج الحاكم والبيهقي: في "الدلائل" وغيرهما عن ابن مسعود، قال: خرج رسول الله، ﷺ ، يومًا إلى المقابر، فجلس إلى قبر منها فناجاه طويلًا، ثم بكى فبكيت لبكائه، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي، وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي، فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ قال الحافظ (٢) ابن حجر: يحتمل أن يكون لنزول الآية أسباب، متقدم هو أمر أبي طالب، ومتأخر وهو أمر آمنة، وقصة علي، وجمع غيره بتعدد النزول قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها، أنه تعالى لما بالغ في وجوب الانقطاع عن المشركين الأحياء والأموات، بين أن هذا الحكم، غير مختص بدين محمَّد، ﷺ ، بل هو مشروع أيضًا، في دين إبراهيم ﵇، فتكون المبالغة في وجوب الانقطاع، أكمل وأقوى، اهـ كرخى.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ سبب نزولها: ما أخرجه البخاري وغيره، عن كعب بن مالك قال: لم أتخلف عن النبي، ﷺ في غزوة غزاها، إلا بدرًا، حتى كانت غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها، وآذن الناس بالرحيل، فذكر الحديث بطوله، وفيه فأنزل الله توبتنا. ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾
стр. 5131
إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ قال: وفينا أنزل أيضًا، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١٠٧ - وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ عطف على قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾؛ أي: ومن المنافقين الفريق الذين اتخذوا، وبنوا مسجدًا، وكانوا اثني عشر رجلًا من المنافقين، منهم: وديعة بن ثابت، وثعلبة بن حاطب، وجارية بن عمرو، ﴿ضِرَارًا﴾؛ أي: لأجل إضرار أهل مسجد قباء؛ أي: ومن المنافقين جماعة، بالغوا في الإجرام حتى ابتنوا مجتمعًا يدبرون فيه الشر للمؤمنين، وسموه مسجدًا مضارة للمؤمنين، وقد اشتهر باسم "مسجد الضرار" ﴿وَكُفْرًا﴾؛ أي: ولأجل تقوية الكفر والنفاق، الذي أضمروه بالطعن علي النبي، ﷺ ، ودين الإِسلام، ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: ولأجل التفريق والتشتيت بين المؤمنين الذين كانوا يصلون في مسجد قباء؛ أي: لكي يصلي طائفة من المؤمنين في ذلك المسجد الذي بنوه، فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة، ﴿وَإِرْصَادًا﴾؛ أي: وانتظارًا ﴿لـ﴾: مجيء ﴿من حارب الله ورسوله﴾: أبي عامر الراهب الفاسق. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلق بحارب؛ أي: حارب الله ورسوله من قبل بناء هذا المسجد وكان أبو عامر: قد تنصر في الجاهلية، وترهب؛ أي: لبس المسوح وطلب العلم، فلما قدم النبي، ﷺ المدينة، عاداه؛ لأنه زالت رياسته وقال: للنبي، ﷺ يوم أحد لا أجد قومًا يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، ولم يزل يقاتله ﷺ إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هاربًا إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، وابنوا لي مسجدًا، فإني ذاهب إلى قيصر وآت من عنده بجند، فأخرج محمدًا وأصحابه من المدينة، فبنوا هذا المسجد إلى جنب مسجد قباء، وانتظروا مجيء أبي عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد.
﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، ليحلفن لك أيها الرسول، أولئك الذين بنوا ذلك المسجد، كاذبين والله، ﴿إِنْ أَرَدْنَا﴾؛ أي: ما أردنا ببناء هذا المسجد،
стр. 5132
﴿إِلَّا الْحُسْنَى﴾؛ أي: إلا الفعلة الحسنى، والخصلة التي تفوق غيرها في الحسن، وهي الصلاة والذكر فيه، والرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل الضعف والعجز عن الصلاة في مسجد قباء، أو مسجد الرسول، ﷺ ، ﴿وَاللَّهُ﴾، ﴿يَشْهَدُ﴾؛ أي: يعلم ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قيلهم وفي حلفهم؛ لأنهم ما بنوه إلا للسوء وضرار مسجد قباء.
روي أن الذين اتخذوا هذا المسجد، كانوا اثني عشر رجلًا من منافقي الأوس والخزرج، وقد بين الله الأغراض التي لأجلها بنى، وهي أربعة:
١ - مضارة المؤمنين من أهل مسجد قباء، الذي بناه رسول الله، ﷺ ، مقدمه من مكة مهاجرًا قبل وصوله إلى المدينة.
٢ - تقوية الكفر وتسهيل أعماله من فعل وترك، كتمكين المنافقين من ترك الصلاة هناك، مع خفاء ذلك على المؤمنين لعدم اجتماعهم في مسجد واحد، والتشاور فيما بينهم في الكيد لرسول الله، ﷺ ، والطعن فيه إلى نحو أولئك من مقاصد المنافقين.
٣ - التفريق بين المؤمنين المقيمين هنالك، فإنهم كانوا يصلون جميعًا في مسجد قباء، وفي ذلك حصول التعارف والتآلف والتعاون وجمع الكلمة، وهي أهم مقاصد الإِسلام الاجتماعية، ومن ثم كان تكثير المساجد وتفريق الجماعة منافيًا لأغراض الدين ومراميه، ومن الواجب أن يصلي المسلمون الجمعة في مسجد واحد ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا فإن تفرقوا عمدًا كانوا آثمين.
ومن (١) هذا، يعلم أن بناء المساجد لا يكون قربة يتقبلها الله، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ولم يكن سببًا لتفريق جماعتهم، فكثير من المساجد المتقاربة في القاهرة وغيرها من الأمصار والمدن الأخرى، لم تبن لوجه الله، بل كان الباعث على بنائها الرياء واتباع الأهواء من جهلة الأفراد والأثرياء، وعدم نصح
стр. 5133
العلماء لهم.
٤ - الانتظار والترقب، لمن حارب الله ورسوله، أن يجيء محاربًا فيجد مكانًا مرصدًا له، وقومًا راصدين مستعدين للحرب معه، وهم أولئك المنافقون الذين بنوا هذا المسجد مرصدًا له.
﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾؛ أي: وليحلفن ما أردنا ببنائه إلا الخصلة التي تفوق غيرها في الحسن، وهي: الرفق بالمسلمين، وتيسير صلاة الجماعة على أولي العجز والضعف، ومن يحبسهم المطر منهم، ليصدقهم الرسول الله، ﷺ وليصلي معهم فيه، والله يعلم إنهم لكاذبون في أيمانهم؛ لأنهم ما بنوه إلا للسوء وضرار مسجد قباء.
وقرأ جمور القراء (١): ﴿وَالَّذِينَ﴾ بالواو عطفًا على ﴿وَآخَرُونَ﴾؛ أي: ومنهم: الذين اتخذوا، الخ كما مر. وقرأ أهل المدينة، نافع، وأبو جعفر، وشيبة، وغيرهم، وابن عامر: ﴿الذين﴾ بغير واو، كذا في مصاحف المدينة، والشام، فاحتمل أن يكون بدلًا من قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ وأن يكون خبر مبتدأ تقديره هم الذين.
وقرأ الأعمش: ﴿وَإِرْصَادًا للذين حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
روي أن النبي، ﷺ ، لما انصرف من تبوك راجعًا، نزل بذي أوان، وهو موضع قريب من المدينة، فأتاه المنافقون، وسألوه أن يأتي مسجدهم، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم، فأنزل الله هذه الآية، وأخبره خبر مسجد الضرار وما هموا به، فدعا رسول الله، ﷺ ، مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي، وعامر بن السكن، ووحشيًّا، فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه فخرجوا مسرعين حتى أتوا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال: أنظروني حتى أخرج إليكم بنار. فدخل أهله، فأخذ من سعف النخل، فأشعله، ثم خرجوا يشتدون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله، فأحرقوه
стр. 5134
وهدموه وتفرق عنه أهله، وأمر رسول الله، ﷺ ، أن يتخذ ذلك الموضع كناسة، تلقى فيها الجيف والنتن والقمامة، ومات أبو عامر الراهب بالشام غريبًا وحيدًا.
وروي أن بني ابن عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء، أتوا عمر بن الخطاب في خلافته، فسألوه أن يأذن لمجمع بن جارية أن يؤمهم في مسجدهم، فقال لا ونعمة عين، أليس هو إمام مسجد الضرار. قال مجمع: يا أمير المؤمنين! لا تعجل عليَّ، فوالله لقد صليت فيه، وأنا لا أعلم ما أضمروا عليه، ولو علمت ما صليت معهم فيه، وكنت غلامًا قارئًا للقرآن، وكانوا شيوخًا لا يقرؤون، فصليت بهم ولا أحسب إلا أنهم يتقربون إلى الله، ولم أعلم ما في أنفسهم، فعذره عمر، فصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء. قال عطاء: لما فتح الله على عمر بن الخطاب الأمصار، أمر المسلمين أن يبنوا المساجد، وأمرهم أن لا يبنوا في موضع واحد مسجدين يضار أحدهما الآخر.
١٠٨ - وقوله سبحانه ﴿لَا تَقُمْ﴾ يا محمَّد ﴿فِيهِ﴾ أي: في هذا المسجد الذي بني للضرار، ﴿أَبَدًا﴾ للصلاة فيه قال ابن عباس، معناه: لا تصل فيه أبدًا، منع الله نبيه، ﷺ ، أن يصلي في مسجد الضرار. واللام في قوله: ﴿لَمَسْجِدٌ﴾ لام الابتداء، وقيل لام القسم، تقديره: والله مسجد أسس على التقوى وهو مسجد قباء؛ أي: لمسجد ﴿أُسِّسَ﴾؛ أي: وضع أساسه وبني أصله، ﴿عَلَى التَّقْوَى﴾؛ أي: على تقوى الله وطاعته ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ بني ووضع أساسه، كان ذلك البناء على التقوى، وهو مسجد قباء، أسسه رسول الله، ﷺ ، وصلى فيه أيام مقامه بقباء، وهو يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وخرج منه صبيحة يوم الجمعة، وهو أوفق للقصة، أو هو مسجد رسول الله، ﷺ ، لقول أبي سعيد الخدري ﵁ سألت رسول الله، ﷺ ، عنه، فقال: هو مسجدكم هذا، مسجد المدينة أخرجه مسلم.
﴿أَحَقُّ﴾ وأولى، ﴿أَنْ تَقُومَ﴾ وتصلي يا محمَّد، ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في ذلك المسجد الذي أسس على التقوى، من الصلاة في مسجد الضرار الذي يدعوك المنافقون إلى الصلاة فيه.
стр. 5135
والمعنى: أن مسجدًا قصد ببنائه، منذ وضع أساسه في أول يوم، تقوى الله، بإخلاص العبادة له وجمع المؤمنين فيه على ما يرضيه من التعارف والتعاون على البر والتقوى، هو أحق من غيره أن تقوم فيه، أيها الرسول مصليًّا بالمؤمنين. والسياق يدل على أن المسجد الذي أسس على التقوى، هو مسجد قباء، ولكن روى البخاري ومسلم والنسائي: أن النبي، ﷺ سئل عنه، فأجاب: بأنه مسجده الذي في المدينة، والآية لا تمنع إرادة كلّ من المسجدين؛ لأن النبي، ﷺ ، قد بنى كلًّا من المسجدين ووضع أساسه على التقوى من أول يوم شرع فيه ببنائه، ومما يدل على فضل مسجد قباء، ما روي عن ابن عمر قال: كان النبي، ﷺ ، يزور قباء، أو يأتي قباءً راكبًا وماشيًا، زاد في رواية فيصلي فيه ركعتين، وفي رواية، أن رسول الله، ﷺ ، كان يأتي مسجد قباء كل سبت راكبًا وماشيًا، وكان ابن عمر يفعله. أخرج الرواية الأولى والزيادة البخاري ومسلم. وأخرج الرواية الثانية البخاري. وعن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله: ﷺ ، من خرج حتى يأتي هذا المسجد، مسجد قباء فيصلي فيه، كان له كعدل عمرة، أخرجه النسائي. وعن أسد بن ظهير، أن النبي، ﷺ ، قال: "الصلاة في مسجد قباء كعمرة" أخرجه الترمذي. ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في ذلك المسجد الذي أسس على التقوى ﴿رِجَالٌ﴾ من بني عامر بن عوف يعمرونه بإقامة الصلاة، وذكر الله وتسبيحه فيه بالغدو والآصال، و ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهرُوا﴾ بذلك مما يعلق بأنفسهم من أوضار الذنوب والآثام، كما تطهر المتخلفون منهم من غزوة تبوك بالتوبة والصدقات، ويتبع الطهارة المعنوية بالعكوف فيه للصلاة وغيرها، الطهارة الحسية للثوب والبدن، وطهارة الوضوء والاغتسال. قال عطاء: كانوا يستنجون بالماء بعد الحجر ولا ينامون بالليل على الجنابة.
روى ابن خزيمة في "صحيحه" عن عويمر بن ساعدة، أنه، ﷺ أتاهم؛ أي: أهل مسجد قباء فقال: إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ قالوا والله يا رسول الله، ما نعلم شيئًا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا. وفي حديث رواه البزار فقالوا نتبع الحجارة بالماء. فقال هو
стр. 5136
ذاك فعليكموه.
ومعنى (١) محبتهم للتطهر: أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه عند عروض موجبه، وقيل، معناه: يحبون التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار، والأول أولى كما يفيده الحديث المذكور.
والخلاصة (٢): أن التطهر يشمل الطهارتين، النفسية والبدنية والروايات وردت بكل منهما، والأولى إرادتهما معًا. ﴿وَاللَّهُ﴾ ، ﴿يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾؛ أي: الذين يبالغون في طهارة الروح والجسد، لحبهم إياهما؛ لأنهم يرون فيهما الكمال الإنساني، فمن ثم يبغضون نجاسة البدن والثوب، وأشد منهما بغضًا لهم، نجاسة النفس وخبثها، بالإصرار على فعل المعاصي، والتخلق بذميم الأخلاق. كالرياء في الأعمال إذ هو فعل المنافقين، والشح بالأموال، أو بالأنفس في سبيل الله ابتغاءً لمرضاته، وحبه تعالى منزه عن مشابهته حبنا، كتنزه ذاته وسائر صفاته عن مشابهة ذواتنا وصفاتنا، ويظهر أثر حبه لعباده في أخلاقهم وأعمالهم ومعارفهم وآدابهم، كما أشار إليه الحديث القدسي الذي رواه البخاري "ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به" الحديث.
ومعنى (٣) محبة الله لهم: الرضا عنهم والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه، والحق أن المحبة صفة ثابتة له ، نثبتها ونعتقدها ولا نكيفها ولا نمثلها.
وقرأ (٤) ابن مصرف والأعمش: ﴿يطهروا﴾ بالإدغام. وقرأ ابن أبي طالب: "المتطهرين".
١٠٩ - والهمزة في قوله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ للاستفهام التقريري (٥)، داخلة
стр. 5137
على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف تقديره: أبعد ما علم حالهم فمن أسس ووضع بناءه الذي بناه ﴿على تَقْوَى﴾ ومخافة ﴿مِنَ﴾ عقاب ﴿اللَّهِ﴾ تعالى، ﴿و﴾ رجاء، ﴿رضوان﴾ وثواب منه، وهم النبي وأنصاره، ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ﴾ ووضع ﴿بُنْيَانَهُ﴾. الذي بناه، ﴿عَلَى شَفَا﴾ وطرف ﴿جُرُفٍ﴾ وهوَّةٍ وحفرة ﴿هَارٍ﴾ ومشرف ذلك الطرف على السقوط، ﴿فَانْهَارَ﴾ وسقط ذلك الطرف ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالباني وببنائه، ﴿فِي﴾ قعر نار، ﴿جَهَنَّمَ﴾ خير وهم أهل مسجد الضرار ورد أنهم رأوا الدخان حين حفروا أساسه، اهـ كرخي وجواب الاستفهام محذوف تقديره: الأول: خير وهو مثال، مسجد قباء، والثاني: مثال، مسجد الضرار.
والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان خيرية الرجال المذكورين على أهل مسجد الضرار.
وعبارة المراغي هنا قوله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ إلخ، هذا (١) بيان مستأنف للفرق بين مقاصد أهل مسجد التقوى، وهم الرسول، ﷺ وأنصاره، ومقاصد أهل مسجد الضرار الذي زادوا به رجسًا إلى رجسهم.
والأساس على شفا الجرف الهاري، مثلٌ يُضرب لما يكون في منتهى الوهى والانحلال، والإشراف على الزوال؛ أي: أفمن أسس بنيانه الذي يتخذه موطنًا لراحته وهناء معيشته، ويتقي به العوامل الجوية، وعدوان الكائنات الحية على أمتن الأسس وأقواها، على مصابرة العواصف والسيول وقد العوام، والوحوش خيرٌ بنيانًا أم من أسس بنيانه على أوهى القواعد وأقلها بقاءً واستمساكًا، فكانت عرضة للانهيار في كل حين من ليل أو نهار؟ وقد ضرب الله مثل البنيان على تينك الصفتين لبيان حال الفريقين المتقدمين من صدق الإيمان والنفاق والارتياب؛ أي: أفمن كان مؤمنًا صادقًا، يتقي الله في جميع أحواله، ويبتغي مرضاته في جميع أعماله، قاصدًا تزكية نفسه وإصلاح سريرته. خير، أم من هو
стр. 5138
منافق مرتاب، يبتغي بأعماله الضرر والضرار وتقوية أعمال الكفر وموالاة الكفار وتفريق جماعة المؤمنين، والإرصاد، لمساعدة من حارب الله ورسوله، مع ما يكون لعمله في الدنيا من العار والفضيحة والخزي والبوار، وفي الآخرة من الانهيار في النار.
وخلاصة المثل (١): بيان ثبات الإِسلام وقوته وسعادة أهله به، وثمرته في أعمالهم وجزائهم عليه برضوان الله عنهم، وبيان ضعف الباطل واضمحلاله ووهيه، وقرب زواله وخيبة صاحبه، وسرعة انقطاع آماله، وبيان أن شر أعمال المنافقين ما اتخذوه من مسجد الضرار لمفاسده الأربع المتقدمة.
فالإيمان وما يلزمه من صالح العمل هو الثابت، والنفاق وما يستلزمه من فاسد العمل هو الباطل الزاهق، بحكم ناموس الاجتماع وبقاء الأصلح في الوجود، وقد صدق الله وعده وثبت المؤمنين بالقول الثابت. وهداهم إلى العمل الصالح، ففتحوا البلاد وأقاموا سبل الحق والعدل، وأهلك المنافقين، وقد جرت سنّته في كل زمان ومكان أن يكون الفوز حليف أهل الحق، والخيبة لأهل الباطل ما استمسكوا به ولم يقلعوا عنه. ﴿وَاللَّهُ﴾ ، ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أنفسهم بالنفاق وغيرهم بالأضرار؛ أي: لا يوفقهم ما فيه صلاحهم ونجاتهم، ولا يغفر لهم ولا ينجيهم؛ أي: مضت سنّته تعالى أن لا يكون الظالم مهتديًا في أعماله إلى الحق والعدل، ولا إلى الرحمة والفضل.
وقرأ (٢) نافع وابن عامر: ﴿أسس بنيانه﴾، مبنيًّا للمفعول في الموضعين، وقرأ باقي السبعة وجماعة: ذلك مبنيًّا للفاعل، وبنصب بنيانه. وقرأ عمارة بن عائذ: الأولى على بناء الفعل للمفعول، والثانية على بنائه للفاعل. وقرأ نصر بن علي، ورويت عن نصر بن عاصم: ﴿أسس بنيانه﴾، وعن نصر بن علي، وأبي حيوة، ونصر بن عاصم أيضًا، ﴿أساس بنيانه﴾، بالألف جمع أس، وعن نصر بن عاصم: ﴿أسس﴾، بهمزة مفتوحة وسين مضمومة. وقرىء: ﴿إساس﴾ بالكسر،
стр. 5139
وهي جموع أضيفت إلى البنيان. وقرىء: ﴿أساس﴾ بفتح الهمزة، و ﴿أس﴾ بضم الهمزة وتشديد السين، وهما مفردان أضيفا إلى البنيان. فهذه تسع قراءات. وفي كتاب "اللوامح" قرأ، نصر بن عاصم: ﴿أفمن أسس﴾، بالتخفيف والرفع، ﴿بنيانه﴾ بالجر على الإضافة فأسس مصدر أس الحائط، يؤسه أسا، من باب شد وأسسا. وعن نصر أيضًا: ﴿أساس بنيانه﴾، كذلك إلا أنه بالألف وأس وأسس وأساس كل منها مصادر انتهى.
وقرأ عيسى بن عمر: ﴿على تقوى﴾، بالتنوين. وحكى سيبويه: هذه القراءة وردها الناس. قال ابن جني: قياسها أن تكون ألفها للإلحاق، كأرطى. وقرأ جماعة، منهم حمزة وابن عامر، وأبو بكر: ﴿جرف﴾، بإسكان الراء وباقي السبعة وجماعة: بضمها، وهما لغتان. وقيل: الأصل الضم، وفي مصحف أبي: ﴿فانهارت به قواعده في نار جهنم﴾.
١١٠ - ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُم﴾ أي: لا يزال بنيان أهل مسجد الضرار، ولا يبرح مسجدهم، ﴿الَّذِي بَنَوْا﴾ بعد ما هدم، ﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: سبب ريبة وشك في الدين، متمكن في قلوبهم في جميع الأوقات، ﴿إِلَّا﴾ وقت، ﴿أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: إلا وقت أن تجعل قلوبهم قطعًا وفلذًا، إما بالسيف أو بالموت. والمعنى: أن هذه الريبة باقية في قلوبهم إلى أن يموتوا، فالاستثناء من أعم الأزمنة كما ذكره "البيضاوي"؛ أي: لا يزال (١) مسجدهم سبب شك في الدين؛ لأن المنافقين عظم فرحهم ببناء مسجد الضرار، فلما أمر رسول الله، ﷺ ، بتخريبه ثقل ذلك عليهم، وازداد بغضهم له وارتيابهم في نبوته، وعظم خوفهم منه في جميع الأوقات، وصاروا مرتابين في أن رسول الله، ﷺ ، هل يخلي سبيلهم، أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم وقال السدي: لا يزال هدم بنيانهم ريبة، أي: حرارة وغيظًا في قلوبهم في جميع الأوقات، إلا أن يموتوا؛ أي؛ إلا في وقت موتهم وتقطع أجزائهم وتمزق أجسادهم.
стр. 5140
والمعنى (١): أي لا يزال بنيانهم سبب ريبة وشك في الدين؛ لأنهم يظهرون فيه حال قيامه وثباته ما في قلوبهم من آثار الكفر والنفاق، ويدبرون أمورهم ويتشاورون في ذلك، ويلقي بعضهم إلى بعض ما سمعوا من أسرار المؤمنين، مما يزيدهم ريبةً وشكًّا في الدين، وحين أمر رسول الله، ﷺ ، بتخريبه وهدمه ثقل ذلك عليهم، وعظم خوفهم وارتابوا في أمرهم، أيتركون على حالهم؟ أم يؤمر بهم فيقتلون وتنهب أموالهم؟ إلى أنهم اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في البناء، فلما أمر بتخريبه أصبحوا شاكين في أمره، ولأي سبب كان ذلك؟ ولا يزال هذا شأنهم في جميع الأحوال إلا حال تقطع القلوب أفلاذًا، وصيرورتها جذاذًا، فتكون غير قابلة للإدراك وفي هذا إيماء إلى أن تمكن الريبة في قلوبهم، وإضمار الشك بحيث لا يزول منها ما داموا أحياءً.
والخلاصة: أنه لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوا، سببًا للقلق واضطراب النفس، وأن ذلك لا يزول ما دامت القلوب سالمة، أما إذا تفرقت قطعًا وتقطعت أجزاءً بقتلهم، فحينئذٍ يسلون عنه. وقد يكون المراد إلا أن يتوبوا توبةً تتقطع بها قلوبهم ندمًا وأسفًا على تفريطهم.
وقرأ (٢) ابن عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم: ﴿إلا أن تقطع﴾ بفتح التاء والطاء المشددة؛ أي: يتقطع. وقرأ باقي السبعة: بضم التاء مبنيًّا للمجهول. وعن ابن كثير: ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾، بفتح الطاء، وسكون القاف وفتح قلوبهم على الخطاب؛ أي: إلا أن تجعل قلوبهم قطعًا بالسيف. وقرأ الحسن ومجاهد وقتادة ويعقوب ﴿إلى أن تقطع قلوبهم﴾. وقرأ أبو حيوة: كذلك، إلا أنه قرأ: بضم التاء وفتح القاف، وكسر الطاء مشددة على الخطاب للرسول، وقلوبهم بالنصب، أي: تقتلهم، أو فيه ضمير الريبة، وفي مصحف عبد الله: ﴿ولو قطعت قلوبهم﴾ بالبناء للمجهول. وكذلك قرأها أصحابه. وحكى أبو عمرو: هذه القراءة ﴿إن قطعت﴾
стр. 5141
بتخفيف الطاء. وقرأ طلحة: ﴿ولو قطعت قلوبهم﴾ خطابًا للرسول، ﷺ ، أو كل مخاطب. وفي مصحف أبي: ﴿حتى الممات﴾ وفيه: ﴿حتى تقطع﴾.
والمعنى (١): أن هذه الريبة باقية في قلوبهم أبدًا ويموتون على هذا النفاق وإلا بمعنى إلى بدليل القراءة الشاذة. ﴿وَاللَّهُ﴾ : ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوالهم وأحوال جميع عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حكم به عليهم، ومن حكمته أن بين حال المنافقين، وأظهر ما خفي من أمرهم لتعرفوا عنه الحقيقة في ذلك.
١١١ - ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ، ﴿اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المخلصين، ﴿أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ وهذا ترغيب للمؤمنين في الجهاد على أبلغ وجه، وأحسن صورة فقد مثل الله إثابة المؤمنين على بذل أنفسهم وأموالهم في سبيله، بتمليكهم الجنة التي هي دار النعيم والرضوان الدائم السرمدي، تفضلًا منه تعالى، وكرمًا بصورة من باع شيئًا هو له لآخر، وعاقد عقد البيع هو رب العزة، والمبيع هو بذل الأنفس والأموال، والثمن هو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وجعل هذا العقد مسجلًا في الكتب السماوية، وناهيك به من صك لا يقبل التحلل والفسخ، وفي هذا منتهى الربح والفوز العظيم، وكل هذا لطف منه تعالى وتكريم لعباده المؤمنين، فهو المالك لأنفسهم إذ هو الذي خلقها، ولأموالهم إذ هو الذي رزقها. وقال الحسن: بايعهم فأغلى لهم الثمن، وانظروا إلى كرم الله أنفسًا هو خلقها وأموالًا هو رزقها ثم وهبها لهم، ثم اشتراها منهم بهذا الثمن الغالي، فإنها لصفقة رابحة. وقال بعضهم، ناهيك، عن بيع البائع فيه المؤمن والمشتري فيه رب العزة، والثمن فيه الجنة، والصك فيه الكتب السماوية، والواسطة فيه محمَّد، ﷺ . وقوله: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ كلام مستأنف، لبيان البيع الذي يستلزمه الشراء، فكأنه قيل: كيف يبيعون أنفسهم وأموالهم بالجنة؟ فقيل: يقاتلون في سبيل الله؛ أي: أنهم يقاتلون في سبيل الحق والعدل التي توصل إلى مرضاة الله تعالى ببذل أنفسهم وأموالهم فيها؛ أي: يبذلون أنفسهم وأموالهم في طاعة الله تعالى ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾؛ أي: فيكونون
стр. 5142
إما قاتلين لأعدائه الصادين عن سبيله، وإما مقتولين شهداء في هذه السبيل، ولا فرق بين القاتل والمقتول في الفضل والمثوبة عند الله، فكل منهما كان في سبيله، ولم يكن رغبة في سفك الدماء، ولا حبًّا للأموال ولا توسلًا إلى ظلم العباد، كما يفعل الذين يقاتلون الآن لأغراض الدنيا من الملوك والأمراء.
وقرأ عمر بن الخطاب والأعمش (١): ﴿وأموالهم بالجنة﴾. وقرأ الحسن، وقتادة، وأبو رجاء، والعربيان، أبو عمرو، وابن عامر، والحرميان، نافع، وابن كثير، وعاصم، أولًا: ﴿فيقتلون﴾ بالبناء للفاعل، وثانيًا: ﴿ويقتلون﴾ بالبناء للمفعول؛ وقرأ النخعي، وابن وثاب، وطلحة، والأعمش، والأخوان - حمزة والكسائي - بعكس ذلك، والمعنى واحد، إذ الغرض أن المؤمنين يقاتلون ويؤخذ منهم من يقتل، وفيهم من يقتل، وفيهم من يجتمع له الأمران، وفيهم من لا يقع له واحد منهما، بل تحصل منهم المقاتلة.
وقال أبو علي (٢): القراءة الأولى بمعنى، أنهم يقتلون أولًا، ويقتلون، والأخرى يجوز أن تكون في المعنى، كالأولى؛ لأن المعطوف بالواو يجوز أن يراد به التقديم، فإن لم يقدر فيه التقديم، فالمعنى، يقتل من بقي منهم بعد قتل من قتل.
وفي "المراح" (٣): فمعنى تقديم الفاعل على المفعول، أنهم يقتلون الكفار ولا يرجعون عنهم إلى أن يصيروا مقتولين. وأما تقديم المفعول على الفاعل، فالمعنى: أن طائفة كبيرة من المسلمين، وإن صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعًا للباقي عن المقاتلة، بل يبقون بعد ذلك مقاتلين مع الأعداء، قاتلين لهم بقدر الإمكان. ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ﴾؛ أي: وعدهم الله ذلك عليه وعدًا ﴿حَقًّا﴾؛ أي: ثابتًا عليه وأوجبه على نفسه وجعله حقًّا وأثبته ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ فإن الله سبحانه بين في الكتابين أنه اشترى من أمة محمَّد أنفسهم وأموالهم بالجنة،
стр. 5143
كما بين في القرآن، وضياعه منهما في النسخ التي بين يدي أهل الكتاب لا يقدح في ذلك؛ لأنه قد ضاع منهما كثير، وحرف بعضهما لفظًا ومعنى، ويكفي إثبات القرآن لذلك وهو المهيمن عليهما. والاستفهام في قوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ إنكاري؛ أي: لا أحد أوفى بعهده وأصدق في إنجاز وعده من الله، إذ لا يمنعه من ذلك عجز عن الوفاء، ولا يعرض له تردد ولا رجوع عما يريد إمضاءه من شأنه. والفاء في قوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا﴾ فاء الفصيحة؛ أي: فإذا كان الأمر على هذه الحال فأظهروا السرور، وافرحوا غاية الفرح ﴿بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ مع ربكم، وهو بيع الأنفس والأموال بالجنة؛ أي: فافرحوا غاية الفرح بجهادكم الذي فزتم به الجنة، ﴿وَذَلِكَ﴾ البيع الذي هو بيع الأنفس والأموال بالجنة، ﴿هُوَ الْفَوْزُ﴾؛ أي: سبب الفوز؛ لأنه رابح في الآخرة، ﴿الْعَظِيمُ﴾ الذي لا فوز أعظم منه، وما يتقدمه من النصر والسيادة والملك، لا يعد فوزًا إلا بكونه وسيلة لإقامة الحق والعدل.
وفي هذا الأسلوب من تأكيد استحقاق المجاهدين للثواب ما لا يخفى، إذ جعلهم مالكين معه، ومبايعين له، ومستحقين الثمن الذي بايعهم به، وأكد لهم أمر الوفاء وإنجاز وعده، وعن جعفر الصادق أنه قال: ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها إلا بها. يريد أن الذي يقتل أو يموت في سبيل الله، بذل بدنه الفاني لا روحه الباقي.
١١٢ - ثم وصف الله سبحانه هؤلاء الكملة من المؤمنين، الذين باعوا أنفسهم وأموالهم، بجنته بصفات تسعة، الستة الأولى منها، تتعلق بمعاملة الخالق، والسابع والثامن، يتعلقان بمعاملة المخلوق، والتاسع يعم القبيلين:
١ - ﴿التَّائِبُونَ﴾ وهو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هم الراجعون إلى ربهم، بتركهم كل ما يبعد عن مرضاته، وقرأ أبي، وعبد الله، والأعمش: ﴿التائبين﴾ بالياء، إلى والحافظين نصبًا على المدح. واعلم أن التوبة المقبولة إنما تحصل باجتماع أمور أربعة: الإقلاع عن الذنب في الحال، والندم على ما مضى منه، والعزم على الترك في المستقبل. ورابعها: أن يكون الحامل له على هذه الأمور
стр. 5144
الثلاثة طلب رضوان الله تعالى وعبوديته، فإن كان غرضه منها دفع مذمة الناس، وتحصيل مدحهم، أو لغرض آخر من الأغراض الدنيوية، فليس بتائب، ولا بد من رد المظالم إلى أهلها إن كانت، فالتوبة تختلف باختلاف المعاصي، فتوبة الكفار هي: رجوعهم عن الكفر الذي كانوا عليه، كما قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ وتوبة المنافق تكون بترك نفاقة، وتوبة العاصي من معصيته، تكون بالندم على ما حصل منه والعزم على عدم العود لمثله، كتوبة من تخلف عن غزوة تبوك من المؤمنين، وتوبة المقصر في شيء من البر وعمل الخير تكون بالاستزادة منه، وتوبة من يغفل عن ربه تكون بالإكثار من ذكره وشكره.
٢ - ﴿الْعَابِدُونَ﴾ لله المخلصون في جميع عباداتهم، فلا يتوجهون إلى غيره بدعاء ولا استغاثة، ولا يتقربون إلى غيره بعمل قربان ولا طلب مثوبة في الآخرة.
٣ - ﴿الْحَامِدُونَ﴾ لله في السراء والضراء، روي عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي، ﷺ ؛ إذا أتاه الأمر يسره قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات" وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: "الحمد لله على كل حال".
وروى البغوي بغير سند، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السراء والضراء" وقيل: "هم الذين يحمدون الله ويقومون بشكره على جميع نعمه دنيا وأخرى".
٤ - ﴿السَّائِحُونَ﴾ في الأرض والمتنقلون فيها من بلد إلى بلد آخر لغرض صحيح، كعلم نافع للسائح في دينه أو دنياه، أو نافع لقومه وأمته أو النظر في خلق الله وأحوال الأمم والشعوب للاعتبار والاستبصار، وقد قيل: إن السياحة لها أثر عظيم في تهذيب النفس وتحسين أخلاقها؛ لأن السائح، لا بد أن يلقى أنواعًا من التفسير والبؤس، ولا بد له من الصبر عليها، ويلقى العلماء والصالحين في سياحته، فيستفيد منهم ويرى العجائب وآثار قدرة الله تعالى فيتفكر في ذلك، فيدله على وحدانية الله وعظيم قدرته.
стр. 5145
وقد حث الله كثيرًا على السير في الأرض والضرب فيها، كما قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ وعلى السفر والسياحة لطلب الرزق الحلال من تجارة وغيرها. وفسر بعضهم السياحة بالصوم لما روي عن عائشة ﵂: "سياحة هذه الأمة الصيام؛ لأن الصوم يعوق عن اللذات كما أن السياحة كذلك غالبًا. وقال الأزهري، قيل للصائم، سائح؛ لأن الذي يسيح في الأرض كان متعبدًا لا زاد معه، فكان ممسكًا عن الأكل، وكذلك الصائم ممسك عن الأكل. وقيل: أصل السياحة استمرار الذهاب في الأرض، كالماء الذي يسيح، والصائم مستمر على فعل الطاعة وترك المنهي.
٥ - ٦ ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ في صلواتهم المفروضة، وخُصَّا بالذكر لما فيهما من الدلالة على التواضع والعبودية والتذلل لله . والمراد بهم، المصلون وإنما عبر عن الصلاة بالركوع والسجود لأنهما معظم أركانها وبهما يتميز المصلي من غير المصلي، بخلاف حالة القيام والقعود لأنما يكونان للمصلى ولغيره.
٧ - ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ شرعًا، يعني: يأمرون الناس بالإيمان باللهِ وحده، وما يتبعه من أعمال البر والخير.
٨ - ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ شرعًا، الذين ينهون الناس عن الإشراك بالله، وعن غيره من سائر الأعمال السيئة.
ولم يذكر في الآية لهذه الأوصاف متعلقًا، فلم يقل: التائبون من كذا لله، والعابدون لله لفهم ذلك، إلا صفتي الأمر والنهي مبالغةً في ذلك، ولم يأت بعاطف بين هذه الصفات لمناسبة بعضها لبعض، إلا في صفتي الأمر والنهي لتباين ما بينهما، فإن الأمر طلب فعل، والنهي طلب ترك أو كف، وكذا الحافظون عطفه وذكر متعلقة لعدم مناسبته للصفات السابقة، ولخفاء متعلقة، اهـ "سمين".
وقال الخازن: أما دخول الواو في قوله: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فإن
стр. 5146
العرب تعطف بالواو على السبعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وقيل: غير ذلك.
٩ - ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ أي لتكاليف الله المتعلقة بالعبادات وبالمعاملات؛ أي: الحافظون لشرائعه وأحكامه التي بين فيها ما يجب على المؤمنين اتباعه، وما يحظر عليهم فعله منها، وكذا ما يجب على أئمة المسلمين، وأولي الأمور منهم إقامته وتنفيذه بالعمل في أفراد المسلمين وجماعتهم، إذا أخلوا بما يجب عليهم حفظه منها. ثم ذكر جزاءهم على ذلك فقال: ﴿وَبَشِّرِ﴾ يا محمَّد ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ المتصفين بهذه الصفات السابقة بخيري الدنيا والآخرة.
وخصت تلك الخلال بالذكر؛ لأن بها تكون المحافظة على حدود الله.
١١٣ - ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾؛ أي: ما جاز لمحمد، ﷺ ، ﴿و﴾ لا لـ ﴿لذين آمنوا﴾ بالله ورسوله ﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا﴾؛ أي: ولو كان أولئك المشركون ﴿أُولِي قُرْبَى﴾؛ أي: أصحاب قرابة للنبي والمؤمنين؛ أي: ما كان من شأن النبي، ولا مما ينبغي أن يصدر منه من حيث هو نبي، ولا من شأن المؤمنين، ولا مما يجوز أن يقع منهم أن يدعوا الله طالبين منه المغفرة للمشركين، ولو كان لهم حق البر وصلة الرحم، وكانت عاطفة القرابة تقتضي الحدب والإشفاق عليهم. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ﴾ وظهر ﴿لَهُمْ﴾ بالدليل ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾؛ أي أهل النار بأن ماتوا على الكفر، أو بأن نزل وحي يسجل عليهم ذلك، كإخباره تعالى عن بعض الجاحدين المعاندين بنحو قوله: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .. متعلق بالنفي أو بالاستغفار المنفي. وأما قبل الموت فيفصل، فإن أريد بطلب المغفرة للكافر، هدايته للإسلام .. جاز الاستغفار له وإن أريد به أن تغفر ذنوبه مع بقائه على الكفر .. لم يجز. فمفهوم قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ﴾ إلخ، فيه تفصيل، اهـ "فتوحات" ومعنى الآية: ما كان ينبغي للنبي، والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين وليس لهم ذلك؛ لأن الله لا يغفر للمشركين، ولا يجوز أن يطلب منه ما لا يفعله. ففيه النهي عن الاستغفار
стр. 5147
للمشركين ولو كانوا أولي قربى؛ لأن النهي عن الاستغفار للمشركين عام، فيستوي فيه القريب والبعيد.
وخلاصة ذلك: أن النبوة والإيمان الصادق، لا يبيحان الاستغفار للمشركين في كل حال، حتى ولو كانوا أولي قربى، إذا ظهر لهم بالدليل، أنهم من أصحاب الجحيم.
وقد تقدم لك في أسباب النزول أن هذه الآية نزلت في أبي طالب، وقد استبعد بعض العلماء نزولها فيه؛ لأن موت أبي طالب كان في مكة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، وأجاب عنه آخرون بأحد أمرين:
١ - إما بأنها نزلت عقب موته، ثم ألحقت بهذه السورة المدنية، لمناسبتها لأحكامها الخاصة بالبراءة من الكفار وفضيحة المنافقين.
٢ - وإما بأنها نزلت مع غيرها من براءة، مبينة لحكم استغفار النبي، ﷺ له، وقد كان من ذلك الحين إلى نزول الآية، يستغفر لأبي طالب، فإن التشديد على الكفار والبراءة منهم إنما جاء في هذه السورة.
وفي الآية إيماء إلى تحريم الدعاء، لمن مات على كفره بالمغفرة والرحمة، أو بوصفه بذلك، كقولهم: المغفور له، والمرحوم فلان، كما يفعله بعض جهلة المسلمين من الخاصة والعامة.
١١٤ - ثم أجاب عن سؤال قد يختلج بالخاطر مما تقدم فيقال: كيف يمنع النبي والمؤمنون من الاستغفار لأقربائهم وقد استغفر إبراهيم لأبيه؟ فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: وما استغفر إبراهيم، ﴿لِأَبِيهِ﴾ آزر بقوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾؛ أي: وَفِّقْه للإيمان وَاهدِه إلى سبيله، ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ مبنية على عدم تبين أمره كما ينبىء عنه قوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ إلخ، والاستثناء مفرغ من أعم العلل؛ أي: لم يكن استغفاره لأبيه ناشئًا عن شيء، ولا لأجل شيء، إلا لأجل موعدة ﴿وَعَدَهَا﴾ إبراهيم ﴿إياهُ﴾؛ أي: أباه بقوله سأستغفر لك ربي؛ أي: لا أملك لك هدايةً ولا نجاةً وإنما أملك أن أدعو الله لك وقد وفى إبراهيم بما وعده ولم يكن إلا وَفِيًّا كما شهد الله له بقوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي
стр. 5148
وَفَّى﴾. وقرأ (١) الحسن. وحماد الراوية وابن السميقع، وأبو نهيك، ومعاذ القارئ: ﴿وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ بالباء الموحدة.
﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾؛ أي: فلما ظهر لإبراهيم، ﴿أَنَّهُ﴾؛ أي: أن أباه، ﴿عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾؛ أي: مستمر على الكفر ومات عليه، ﴿تَبَرَّأَ﴾ إبراهيم، ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من أبيه وترك الاستغفار له؛ أي؛ إن إبراهيم استغفر لأبيه ما كان حيًّا، فلما مات أمسك عن الاستغفار له.
والمعنى: أي (٢) لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات تبين له أنه عدو لله فتبرأ منه. قال ابن عباس: وقيل، تبين له ذلك بوحي من الله، فتبرأ منه ومن قرابته، وترك الاستغفار له، إذ هذا مقتضى الإيمان كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ الآية.
ثم بيّن السبب الذي حمل إبراهيم على الوعد بالاستغفار لأبيه، مع شكاسته له وسوء خلقه معه كما يؤذن بذلك قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ ﵇، ﴿لَأَوَّاهٌ﴾؛ أي: كثير التأوه والدعاء والتضرع إلى الله، ﴿حَلِيمٌ﴾؛ أي: صبور على المحنة؛ أي: إن إبراهيم لكثير المبالغة في خشية الله والخضوع له، صبور على الأذى والصفح عن زلات غيره عليه،
١١٥ - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾؛ أي: وما كان من سنن الله في خلقه ولا من رحمته وحكمته ﴿لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾؛ أي: أن يصف قومًا بالضلال، ويجري عليهم أحكامه بالذم والعقاب، ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ إلى الإيمان، وشرح صدورهم للإسلام بقول يصدر منهم خطأ أو عمل يحدث منهم باجتهاد خاطيء، ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ بالوحي، ﴿مَا يَتَّقُونَ﴾؛ أي: ما ينزجرون منه، وينتهون عنه من الأقوال والأفعال، بيانًا واضحًا فيمتنعوا من امتثال نهيه.
стр. 5149
والحاصل (١): أنه لما نزل المنع من الاستغفار للمشركين، خاف المؤمنون من المؤاخذة بما صدر عنهم منه قبل المنع، وقد مات قوم منهم قبل النهي عن الاستغفار، فوقع الخوف في قلوب المسلمين على من مات منهم أنه كيف يكون حالهم، فأزال الله تعالى ذلك الخوف عنهم بهذه الآية، وبين أنه تعالى لا يؤاخذهم بعمل، إلا بعد أن يبين لهم أنه يجب عليهم أن يحترزوا عنه. والمعنى؛ أي: وما كان الله ليقضي عليكم بالضلال بسبب استغفاركم لموتاكم المشركين، بعد أن رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يبين لكم بالوحي ما يجب الاحتراز عنه من محظورات الدين، فلا تنزجروا عما نهيتم عنه، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ، ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من المعلومات ﴿عَلِيمٌ﴾ فيعلم حاجتهم إلى بيان قبح ما لا يستقل العقل في معرفته فبين لهم ذلك؛ أي: أنه تعالى عليم بجميع الأشياء، ومن جملتها حاجة الناس إلى البيان، فهو يبين لهم مهمات الدين بالنص القاطع حتى لا يضل فيه اجتهادهم بأهواء أنفسهم، ومن أجل هذا لم يؤاخذ إبراهيم في استغفاره لأبيه قبل أن تتبين له حاله، وكذلك لا يؤاخذ النبي، والذين آمنوا بما سبق لهم من الاستغفار لوالديهم، وأولي القربى منهم قبل هذا التبيين لحكم الله تعالى.
١١٦ - ولما منعهم من الاستغفار للمشركين، ولو كانوا أولي قربى، وذلك يستدعي التبرؤ منهم وعدم انتظار النصرة من أحد .. بين أن النصر لا يكون إلا من جهته تعالى فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿لَهُ﴾ لا لغيره ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وسلطنتهما والتصرف فيهما كيف يشاء؛ أي: أنه تعالى مالك كل موجود، ومتولي أمره في السموات والأرض وهو الذي ﴿يُحْيِي﴾؛ أي: يهب الحياة بمحض قدرته ومشيئته ومقتضى سننه في التكوين، ﴿وَيُمِيتُ﴾ من يشاء حين انقضاء أجله، ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: غيره، ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولى أموركم، ﴿وَلَا﴾ من، ﴿نَصِيرٍ﴾ ينصركم على أعدائكم؛ أي: وليس لكم أيها المؤمنون من يتولى أموركم، ولا من ينصركم على عدوِّكم غير الله تعالى، فلا
стр. 5150
تحيدوا عن هدايته فيما نهاكم عنه من الاستغفار لأولي القربى، الذين هم أهل الولاية والنصرة من ذوي الأرحام، ولا في غير ذلك من أوامره ونواهيه.
والحاصل: أنه تعالى لما أمر بالبراءة من الكفار، بين أن له ملك السموات والأرض، فإذا كان هو ناصرًا لكم .. فهم لا يقدرون على إضراركم؛ أي: أنكم إن صرتم محرومين عن معاونتهم .. فالإله الذي هو المالك للسموات والأرض، والمحيي والمميت ناصركم، فلا يضركم أن ينقطعوا عنكم، والواجب عليكم أن تنقادوا لحكم الله تعالى وتكليفه، لكونه إلهكم، ولكونكم عبيدًا له.
١١٧ - ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾، ﷺ ؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد عفا الله عن النبي، محمَّد، ﷺ ، فيما وقع منه من إذنه للمنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك، وهو شيء صدر منه من باب ترك الأولى والأفضل، لا أنه ذنب يوجب عقابًا؛ لأنه معصوم، أو فيما وقع منه من الاستغفار للمشركين، ويحتمل أن يكون ذكر النبي، بالتوبة عليه تشريفًا للمهاجرين والأنصار؛ حيث ضم توبتهم إلى توبة النبي، ﷺ ، كما ضم اسم الرسول إلى اسم الله في قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ فهو تشريف له، ﷺ ، ﴿و﴾ كذلك تاب الله على ﴿المهاجرين والأنصار﴾؛ أي: عفا (١) عنهم عما وقع منهم، من الوساوس، والخطرات النفسانية التي وقعت في قلوبهم، من الميل إلى القعود عن غزوة تبوك؛ لأنها كانت في وقت حر شديد، وربما وقع في قلوب بعضهم أنا لا نقدر على قتال الروم، وكيف لنا بالخلاص منهم فتاب الله عليهم، وعفا عنهم ما وقع في قلوبهم من هذه الخطرات. وقيل: إن الإنسان لا يخلو من زلات وتبعات في مدة عمره، إما من باب الصغائر، وإما من باب ترك الأفضل، ثم إن النبي، ﷺ ، والمؤمنين لما تحملوا مشاق هذا السفر، ومتاعبه، وصبروا على تلك الشدائد التي حصلت لهم في هذا السفر، غفر الله لهم، وتاب عليهم، لأجل ما تحملوه من الشدائد العظيمة في تلك الغزوة مع النبي، ﷺ وإنما ضم ذكر النبي، ﷺ ، إلى ذكرهم؛ تنبيهًا على عظم مراتبهم في الدين، وأنهم قد بلغوا إلى الرتبة التي