العرب تعطف بالواو على السبعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وقيل: غير ذلك.
٩ - ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ أي لتكاليف الله المتعلقة بالعبادات وبالمعاملات؛ أي: الحافظون لشرائعه وأحكامه التي بين فيها ما يجب على المؤمنين اتباعه، وما يحظر عليهم فعله منها، وكذا ما يجب على أئمة المسلمين، وأولي الأمور منهم إقامته وتنفيذه بالعمل في أفراد المسلمين وجماعتهم، إذا أخلوا بما يجب عليهم حفظه منها. ثم ذكر جزاءهم على ذلك فقال: ﴿وَبَشِّرِ﴾ يا محمَّد ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ المتصفين بهذه الصفات السابقة بخيري الدنيا والآخرة.
وخصت تلك الخلال بالذكر؛ لأن بها تكون المحافظة على حدود الله.
١١٣ - ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾؛ أي: ما جاز لمحمد، ﷺ ، ﴿و﴾ لا لـ ﴿لذين آمنوا﴾ بالله ورسوله ﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا﴾؛ أي: ولو كان أولئك المشركون ﴿أُولِي قُرْبَى﴾؛ أي: أصحاب قرابة للنبي والمؤمنين؛ أي: ما كان من شأن النبي، ولا مما ينبغي أن يصدر منه من حيث هو نبي، ولا من شأن المؤمنين، ولا مما يجوز أن يقع منهم أن يدعوا الله طالبين منه المغفرة للمشركين، ولو كان لهم حق البر وصلة الرحم، وكانت عاطفة القرابة تقتضي الحدب والإشفاق عليهم. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ﴾ وظهر ﴿لَهُمْ﴾ بالدليل ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾؛ أي أهل النار بأن ماتوا على الكفر، أو بأن نزل وحي يسجل عليهم ذلك، كإخباره تعالى عن بعض الجاحدين المعاندين بنحو قوله: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ .. متعلق بالنفي أو بالاستغفار المنفي. وأما قبل الموت فيفصل، فإن أريد بطلب المغفرة للكافر، هدايته للإسلام .. جاز الاستغفار له وإن أريد به أن تغفر ذنوبه مع بقائه على الكفر .. لم يجز. فمفهوم قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ﴾ إلخ، فيه تفصيل، اهـ "فتوحات" ومعنى الآية: ما كان ينبغي للنبي، والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين وليس لهم ذلك؛ لأن الله لا يغفر للمشركين، ولا يجوز أن يطلب منه ما لا يفعله. ففيه النهي عن الاستغفار
стр. 5147
للمشركين ولو كانوا أولي قربى؛ لأن النهي عن الاستغفار للمشركين عام، فيستوي فيه القريب والبعيد.
وخلاصة ذلك: أن النبوة والإيمان الصادق، لا يبيحان الاستغفار للمشركين في كل حال، حتى ولو كانوا أولي قربى، إذا ظهر لهم بالدليل، أنهم من أصحاب الجحيم.
وقد تقدم لك في أسباب النزول أن هذه الآية نزلت في أبي طالب، وقد استبعد بعض العلماء نزولها فيه؛ لأن موت أبي طالب كان في مكة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، وأجاب عنه آخرون بأحد أمرين:
١ - إما بأنها نزلت عقب موته، ثم ألحقت بهذه السورة المدنية، لمناسبتها لأحكامها الخاصة بالبراءة من الكفار وفضيحة المنافقين.
٢ - وإما بأنها نزلت مع غيرها من براءة، مبينة لحكم استغفار النبي، ﷺ له، وقد كان من ذلك الحين إلى نزول الآية، يستغفر لأبي طالب، فإن التشديد على الكفار والبراءة منهم إنما جاء في هذه السورة.
وفي الآية إيماء إلى تحريم الدعاء، لمن مات على كفره بالمغفرة والرحمة، أو بوصفه بذلك، كقولهم: المغفور له، والمرحوم فلان، كما يفعله بعض جهلة المسلمين من الخاصة والعامة.
١١٤ - ثم أجاب عن سؤال قد يختلج بالخاطر مما تقدم فيقال: كيف يمنع النبي والمؤمنون من الاستغفار لأقربائهم وقد استغفر إبراهيم لأبيه؟ فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: وما استغفر إبراهيم، ﴿لِأَبِيهِ﴾ آزر بقوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾؛ أي: وَفِّقْه للإيمان وَاهدِه إلى سبيله، ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ مبنية على عدم تبين أمره كما ينبىء عنه قوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ إلخ، والاستثناء مفرغ من أعم العلل؛ أي: لم يكن استغفاره لأبيه ناشئًا عن شيء، ولا لأجل شيء، إلا لأجل موعدة ﴿وَعَدَهَا﴾ إبراهيم ﴿إياهُ﴾؛ أي: أباه بقوله سأستغفر لك ربي؛ أي: لا أملك لك هدايةً ولا نجاةً وإنما أملك أن أدعو الله لك وقد وفى إبراهيم بما وعده ولم يكن إلا وَفِيًّا كما شهد الله له بقوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي
стр. 5148
وَفَّى﴾. وقرأ (١) الحسن. وحماد الراوية وابن السميقع، وأبو نهيك، ومعاذ القارئ: ﴿وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ بالباء الموحدة.
﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾؛ أي: فلما ظهر لإبراهيم، ﴿أَنَّهُ﴾؛ أي: أن أباه، ﴿عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾؛ أي: مستمر على الكفر ومات عليه، ﴿تَبَرَّأَ﴾ إبراهيم، ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من أبيه وترك الاستغفار له؛ أي؛ إن إبراهيم استغفر لأبيه ما كان حيًّا، فلما مات أمسك عن الاستغفار له.
والمعنى: أي (٢) لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات تبين له أنه عدو لله فتبرأ منه. قال ابن عباس: وقيل، تبين له ذلك بوحي من الله، فتبرأ منه ومن قرابته، وترك الاستغفار له، إذ هذا مقتضى الإيمان كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ الآية.
ثم بيّن السبب الذي حمل إبراهيم على الوعد بالاستغفار لأبيه، مع شكاسته له وسوء خلقه معه كما يؤذن بذلك قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ ﵇، ﴿لَأَوَّاهٌ﴾؛ أي: كثير التأوه والدعاء والتضرع إلى الله، ﴿حَلِيمٌ﴾؛ أي: صبور على المحنة؛ أي: إن إبراهيم لكثير المبالغة في خشية الله والخضوع له، صبور على الأذى والصفح عن زلات غيره عليه،
١١٥ - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾؛ أي: وما كان من سنن الله في خلقه ولا من رحمته وحكمته ﴿لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾؛ أي: أن يصف قومًا بالضلال، ويجري عليهم أحكامه بالذم والعقاب، ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ إلى الإيمان، وشرح صدورهم للإسلام بقول يصدر منهم خطأ أو عمل يحدث منهم باجتهاد خاطيء، ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ بالوحي، ﴿مَا يَتَّقُونَ﴾؛ أي: ما ينزجرون منه، وينتهون عنه من الأقوال والأفعال، بيانًا واضحًا فيمتنعوا من امتثال نهيه.
стр. 5149
والحاصل (١): أنه لما نزل المنع من الاستغفار للمشركين، خاف المؤمنون من المؤاخذة بما صدر عنهم منه قبل المنع، وقد مات قوم منهم قبل النهي عن الاستغفار، فوقع الخوف في قلوب المسلمين على من مات منهم أنه كيف يكون حالهم، فأزال الله تعالى ذلك الخوف عنهم بهذه الآية، وبين أنه تعالى لا يؤاخذهم بعمل، إلا بعد أن يبين لهم أنه يجب عليهم أن يحترزوا عنه. والمعنى؛ أي: وما كان الله ليقضي عليكم بالضلال بسبب استغفاركم لموتاكم المشركين، بعد أن رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يبين لكم بالوحي ما يجب الاحتراز عنه من محظورات الدين، فلا تنزجروا عما نهيتم عنه، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ، ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من المعلومات ﴿عَلِيمٌ﴾ فيعلم حاجتهم إلى بيان قبح ما لا يستقل العقل في معرفته فبين لهم ذلك؛ أي: أنه تعالى عليم بجميع الأشياء، ومن جملتها حاجة الناس إلى البيان، فهو يبين لهم مهمات الدين بالنص القاطع حتى لا يضل فيه اجتهادهم بأهواء أنفسهم، ومن أجل هذا لم يؤاخذ إبراهيم في استغفاره لأبيه قبل أن تتبين له حاله، وكذلك لا يؤاخذ النبي، والذين آمنوا بما سبق لهم من الاستغفار لوالديهم، وأولي القربى منهم قبل هذا التبيين لحكم الله تعالى.
١١٦ - ولما منعهم من الاستغفار للمشركين، ولو كانوا أولي قربى، وذلك يستدعي التبرؤ منهم وعدم انتظار النصرة من أحد .. بين أن النصر لا يكون إلا من جهته تعالى فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿لَهُ﴾ لا لغيره ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وسلطنتهما والتصرف فيهما كيف يشاء؛ أي: أنه تعالى مالك كل موجود، ومتولي أمره في السموات والأرض وهو الذي ﴿يُحْيِي﴾؛ أي: يهب الحياة بمحض قدرته ومشيئته ومقتضى سننه في التكوين، ﴿وَيُمِيتُ﴾ من يشاء حين انقضاء أجله، ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: غيره، ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولى أموركم، ﴿وَلَا﴾ من، ﴿نَصِيرٍ﴾ ينصركم على أعدائكم؛ أي: وليس لكم أيها المؤمنون من يتولى أموركم، ولا من ينصركم على عدوِّكم غير الله تعالى، فلا
стр. 5150
تحيدوا عن هدايته فيما نهاكم عنه من الاستغفار لأولي القربى، الذين هم أهل الولاية والنصرة من ذوي الأرحام، ولا في غير ذلك من أوامره ونواهيه.
والحاصل: أنه تعالى لما أمر بالبراءة من الكفار، بين أن له ملك السموات والأرض، فإذا كان هو ناصرًا لكم .. فهم لا يقدرون على إضراركم؛ أي: أنكم إن صرتم محرومين عن معاونتهم .. فالإله الذي هو المالك للسموات والأرض، والمحيي والمميت ناصركم، فلا يضركم أن ينقطعوا عنكم، والواجب عليكم أن تنقادوا لحكم الله تعالى وتكليفه، لكونه إلهكم، ولكونكم عبيدًا له.
١١٧ - ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾، ﷺ ؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد عفا الله عن النبي، محمَّد، ﷺ ، فيما وقع منه من إذنه للمنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك، وهو شيء صدر منه من باب ترك الأولى والأفضل، لا أنه ذنب يوجب عقابًا؛ لأنه معصوم، أو فيما وقع منه من الاستغفار للمشركين، ويحتمل أن يكون ذكر النبي، بالتوبة عليه تشريفًا للمهاجرين والأنصار؛ حيث ضم توبتهم إلى توبة النبي، ﷺ ، كما ضم اسم الرسول إلى اسم الله في قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ فهو تشريف له، ﷺ ، ﴿و﴾ كذلك تاب الله على ﴿المهاجرين والأنصار﴾؛ أي: عفا (١) عنهم عما وقع منهم، من الوساوس، والخطرات النفسانية التي وقعت في قلوبهم، من الميل إلى القعود عن غزوة تبوك؛ لأنها كانت في وقت حر شديد، وربما وقع في قلوب بعضهم أنا لا نقدر على قتال الروم، وكيف لنا بالخلاص منهم فتاب الله عليهم، وعفا عنهم ما وقع في قلوبهم من هذه الخطرات. وقيل: إن الإنسان لا يخلو من زلات وتبعات في مدة عمره، إما من باب الصغائر، وإما من باب ترك الأفضل، ثم إن النبي، ﷺ ، والمؤمنين لما تحملوا مشاق هذا السفر، ومتاعبه، وصبروا على تلك الشدائد التي حصلت لهم في هذا السفر، غفر الله لهم، وتاب عليهم، لأجل ما تحملوه من الشدائد العظيمة في تلك الغزوة مع النبي، ﷺ وإنما ضم ذكر النبي، ﷺ ، إلى ذكرهم؛ تنبيهًا على عظم مراتبهم في الدين، وأنهم قد بلغوا إلى الرتبة التي
стр. 5151
لأجلها ضم ذكر النبي، ﷺ ، إلى ذكرهم.
ثم وصف الله المهاجرين والأنصار بقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ ﷺ ولم يتخلفوا عنه، ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ والمشقة؛ أي: (١) في الزمان الذي صعب عليهم الأمر جدًّا في السفر إلى تبوك وكانت لهم عسرة من الزاد، وعسرة من الظهر، وعسرة من الحر، وعسرة من الماء، فربما مص التمرة الواحدة جماعة يتناوبونها، حتى لا يبقى من التمرة إلا النواة، وكان معهم شيء من شعير مسوس، فكان أحدهم إذا وضع اللقمة في فيه أخذ أنفه من نتن اللقمة، وكانت العشرة من المسلمين يخرجون على بعير واحد يعتقبونه بينهم، وكانوا قد خرجوا في قيظ شديد، وأصابهم فيه عطش شديد، حتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه ويشربه، وكانت تلك الغزوة تسمى غزوة العسرة، وجيشها يسمى جيش العسرة.
وقد ذكر بعض العلماء أن النبي ﷺ سار إلى تبوك في سبعين ألفًا ما بين راكب وماش من المهاجرين والأنصار، وغيرهم من سائر القبائل، اهـ "خازن". والمراد بالساعة هنا، مطلق الوقت والزمن، لا الساعة الفلكية كما أشرنا إليه في الحل.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ﴾ إلخ بيان (٢) لتناهى الشدة وبلوغها النهاية؛ أي: الذين اتبعوه في وقت المشقة والشدة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾؛ أي: من بعد ما قرب أن تميل قلوب بعضهم إلى أن يفارق النبي ﷺ ، في ذلك الغزو لحر شديد، ولم ترد الميل عن الدين، وربما وقع في قلوب بعضهم أنا لا نقدر على قتال الروم، وكيف لنا بالخلاص منها؛ ولكنهم صبروا واحتسبوا، وندموا على ما خطر في قلوبهم، فلأجل ذلك قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: عفا الله عنهم ما وقع في قلوبهم من تلك الخواطر والوساوس، لما صبروا وندموا على ذلك الهم، يعني، أنه علم إخلاص نيتهم،
стр. 5152
وصدق توبتهم فرزقهم الإنابة والتوبة. وفي تكرير (١) التوبة تأكيد ظاهر، واعتناء بشأنها إن كان الضمير راجعًا إلى من تقدم ذكر التوبة عنهم، وإن كان الضمير إلى الفريق .. فلا تكرار، أو يراد بالأول: إنشاء التوبة، وبالثاني: استدامتها. فإن (٢) قلت: قد ذكر التوبة أولًا، ثم ذكرها ثانيًا، فما فائدة التكرار؟
قلتُ: إنه تعالى ذكر التوبة أولًا، قبل ذكر الذنب، تفضلًا منه، وتطييبًا لقلوبهم، ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى؛ تعظيمًا لشأنهم، وليعلموا أنه قد قبل توبتهم وعفا عنهم.
ثم علل قبول توبتهم بقوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ تأكيدًا لذلك؛ أي: إنه رؤوف بهم؛ أي: منعم عليهم بجلائل النعم التي منها مجرد الإيمان، وأنه رحيم بهم؛ أي: منعم عليهم بدقائقها التي منها قوة الإيمان وزيادته بقبول التوبة. وقيل: معنى رؤوف؛ أي: مكرم لهم بدفع المضار عنهم، رحيم بهم بجلب المنافع لهم. وفي، "الفتوحات" الرأفة، عبارة عن السعي في إزالة الضرر، والرحمة، عبارة عن السعي في إيصال النفع، اهـ. وقيل: رؤوف بهم، فلا يحملهم ما لا يطيقون من العبادة رحيم بهم، فلا (٣) يهملهم بأن ينزع الإيمان منهم، بعد ما أبلوا في الله، وأبلوا مع رسوله، وصبروا في البأساء والضراء.
وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم: ﴿كَادَ يَزِيغُ﴾ بالياء التحتية. وقرأ باقي السبعة: ﴿تزيغ﴾ بالتاء الفوقية. وقرأ الأعمش، والجحدري: ﴿تزيغ﴾ بضم التاء. وقرأ أبي: ﴿من بعد ما كادت تزيغ﴾. وقرأ ابن مسعود: ﴿من بعد ما زاغت﴾.
ومعنى تزيغ: تتلف بالجهد والمشقة والشدة، وقيل، معناه: تميل عن الحق، وتترك المناصرة والممانعة، وقيل معناه: تهم بالتخلف عن الغزو لما هم فيه من الشدة العظيمة.
١١٨ - وقوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ﴾ معطوف على قوله: ﴿عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ وفائدة هذا العطف، بيان قبول توبتهم؛ أي: ولقد تاب الله سبحانه
стр. 5153
وتعالى على النبي والمهاجرين وعلى الثلاثة، ﴿الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾؛ أي: أخروا في قبول توبتهم عن الطائفة الأولى التي خلطت عملًا صالحًا وآخر سيئًا كأبي لبابة وأصحابه وهؤلاء الثلاثة، هم كعب بن مالك الشاعر، وهلال بن أمية، الذي نزلت فيه آية اللعان، ومرارة بن الربيع، وكلهم من الأنصار، وهم المرادون بقوله سبحانه: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ وكلمة إذا في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾ زائدة، وفي "الفتوحات" ولا بد من ادعاء أحد أمرين، إما ادعاء زيادة إذا وإما ادعاء زيادة ثم، وقد نص "زكريا على البيضاوي" على زيادة ثم وغيره على زيادة إذا؛ أي: أخر أمرهم إلى أن ضاقت عليهم الأرض ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾؛ أي: مع رحبها وسعتها بسبب مجانبة الأحباء، ونظر الناس لهم بعين الإهانة والتحقير؛ لأن النبي، ﷺ ، كان معرضًا عنهم ومنع المؤمنين من مكالمتهم وأمرهم باعتزال أزواجهم، وبقوا على هذه الحالة خمسين ليلة.
والمعنى: خلفوا عن التوبة حتى شعروا بأن الأرض قد ضاقت عليهم على رحبها وسعتها بالخلق جميعًا، خوفًا من العاقبة وجزعًا من إعراض النبي، ﷺ ، والمؤمنين عنهم، وهجرهم إياهم في المجالسة والمحادثة، وهذا مثل للحيرة في الأمر، كأنهم لا يجدون فيها مكانًا يقرون فيه قلقًا وجزعًا مما هم فيه قال قائلهم:
كَأَنَّ فِجَاجَ الأَرْضِ وَهِيَ فَسَيْحَةٌ ... عَلَى الْخَائِفِ الْمَطْلُوْبِ كَفَّةُ حَابِلِ
ثم ترقى وانتقل من ضيق الأرض عليهم إلى ضيقهم في أنفسهم فقال: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: وأخروا إلى أن ضاقت قلوبهم إذا رجعوا إلى أنفسهم لا يطمئنون بشيء، بسبب تأخير أمرهم من قبول التوبة.
والمعنى: وضاقت أنفسهم على أنفسهم لما كانوا يشعرون به من ضيق صدورهم، بامتلائها بالهم والغم حتى لا متسع فيها لشيء من البسط والسرور، فكانهم لا يجدون لأنفسهم مكانًا ترتاح إليه وتطمئن به.
﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾؛ أي: وأخروا إلى أن ظنوا وأيقنوا
стр. 5154
وعلموا أنه لا ملجأ ولا منجا لأحد من سخطه تعالى وغضبه إلا إليه تعالى، بالتوبة والاستغفار ورجاءِ رحمته، وقد أعرض عنهم رسوله البرّ الرحيم بأصحابه، فلم يكونوا يستطيعون أن يطلبوا دعاءه، واستغفاره، إلا أنه ﷺ ، لا يشفع في الدنيا، ولا في الآخرة إلا لمن ارتضى الله أن يشفع لهم.
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على هؤلاء الثلاثة؛ أي: ثم وفقهم التوبة الصحيحة المقبولة ﴿لِيَتُوبُوا﴾؛ أي: ليحصلوا التوبة، وينشئوها، فبهذا المعنى تحصل المغايرة، ويصح التعليل. وفي "البيضاوي" ثم تاب عليهم بالتوفيق للتوبة ليتوبوا، أو أنزل قبول توبتهم ليعدوا من جملة التوابين، أو رجع عليهم بالقبول والرحمة مرة بعد أخرى، ليستقيموا على توبتهم، اهـ.
وفي "الخازن" ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ فيما مضى، ﴿لِيَتُوبُوا﴾؛ أي: ليكون ذلك داعيًا لهم إلى التوبة في المستقبل، فيرجعوا ويداوموا عليها. وقيل: إن أصل التوبة الرجوع، ومعناه حينئذٍ: ثم تاب عليم ليتوبوا؛ أي: ليرجعوا إلى حالتهم الأولى، يعني: إلى عادتهم في الاختلاط بالناس ومكالمتهم فتسكن نفوسهم بذلك، اهـ ببعض تصرف. وفي "المراغي" ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: ثم عطف عليهم وأنزل قبول توبتهم. ﴿لِيَتُوبُوا﴾ ويرجعوا إليه بعد إعراضهم عن هدايته، واتباع رسوله، ﷺ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ، ﴿هُوَ التَّوَّابُ﴾؛ أي: الكثير القبول لتوبة التائبين، ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ أي: الكثير الرحمة للمحسنين، المتفضل عليهم بضروب النعم، مع استحقاقهم لأعظم أنواع العقاب، ولما نزلت هذه الآية، خرج رسول الله، ﷺ ، من حجرته وهو عند أم سلمة فقال: الله أكبر، قد أنزل الله عذر أصحابنا، فلما صلى الفجر، أخبر ذلك لأصحابه وبشرهم بأن الله تاب عليهم، فانطلقوا إلى رسول الله، ﷺ ، وتلا عليهم ما نزل فيهم. وقال كعب بن مالك: توبتي إلى الله، أن أخرج عن مالي صدقة، فقال: لا، قلت: فنصفه، قال: لا، قلت: فثلثه، قال: نعم. وقصتهم مشهورة مذكورة في حديث رواه البخاري وغيره،
١١٩ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ ورسوله، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وراقبوه بأداء فرائضه، واجتناب نواهيه، ﴿وَكُونُوا﴾ في الدنيا من أهل ولايته وطاعته تكونوا في
стр. 5155
الآخرة، ﴿مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ في الجنة، ولا تكونوا مع المنافقين الذين يتنصلون من ذنوبهم بالكذب، ويؤيدونه بالحلف.
وقيل: ﴿مع﴾ هنا بمعنى من، بدليل القراءة الشاذة التي حكاها أبو السعود، والمعنى: كونوا من الصادقين في الأقوال والأفعال والاعتقاد. وفي قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ بعد قصة الثلاثة، الإشارة إلى أنّ هؤلاء الثلاثة حصل لهم بالصدق، ما حصل لهم من توبة الله تعالى، وظاهر الآية الأمر للعباد على العموم. أخرج الحاكم، عن ابن مسعود، عن النبي، ﷺ ، أنه قال: "إن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل ولا يعد الرجل ابنه ثم لا ينجز له اقرءوا إن شئتم" ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. وأخرج البيهقي مرفوعًا: إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، إنه يقال: للصادق صدق وبر، ويقال: للكاذب كذب وفجر، وأن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صادقًا، ويكذب حتى يكتب عند الله كذابًا. ولا رخصة في الكذب إلا لضرورة من خديعة حرب، أو إصلاح بين اثنين، أو رجل يحدث امرأته ليرضيها؛ أي: في التحبب إليها بوصف محاسنها، ورضاه عنها لا في مصالح الدار والعيال وغيرها.
وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، عن أسماء بنت يزيد، عن النبي، ﷺ ، قال: "كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب في خديعة حرب، أو صلاح بين اثنين، أو رجل يحدث امرأته ليرضيها" ولا شك أن في المعاريض ما يغني العاقل عن الكذب، كما جاء في الحديث: "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب".
وروي (١): أن رجلًا جاء إلى النبي، ﷺ ، وقال: إني رجل أريد أن أؤمن بك إلا أني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب، والناس يقولون إنك تحرم هذه الأشياء، ولا طاقة لي على تركها بأسرها، فإن قنعت مني بترك واحد منها آمنت
стр. 5156
بك، فقال ﷺ : "اترك الكذب" فقبل ذلك ثم أسلم. فلما خرج من عند النبي، ﷺ ، عرضوا عليه الخمر فقال: إن شربت وسألني الرسول عن شربها وكذبت .. فقد نقضت العهد، وإن صدقت أقام الحد علي فتركها. ثم عرضوا عليه الزنا، فجاء ذلك الخاطر فتركه، وكذا في السرقة، فتاب عن الكل فعاد إلى رسول الله، ﷺ ، وقال: ما أحسن ما فعلت لما منعتني عن الكذب، انسدت أبواب المعاصي عليَّ.
وقرأ الجمهور (١): ﴿خلفوا﴾ بتشديد اللام مبنيًّا للمفعول. وقرأ أبو مالك: كذلك. وخفف اللام. وقرأ عكرمة بن هارون، المخزومي، وزر بن حبيش، وعمرو بن عبيد، ومعاذ القارئ، وحميد، بتخفيف اللام مبنيًّا للفاعل. ورويت عن أبي عمرو؛ أي؛ خلفوا الغازين بالمدينة أو فسدوا من المخالفة. وقرأ أبو العالية، وأبو الجوزاء، كذلك مشدد اللام. وقرأ أبو زيد، وأبو مجلز، والشعبي، وابن يعمر، وعلي بن الحسين، وابناه زيد ومحمد الباقر وابنه جعفر الصادق: ﴿خالفوا﴾ بألف؛ أي: لم يوافقوا على الغزو. وقرأ الأعمش: ﴿وعلى الثلاثة المخلفين﴾ ولعله قرأ: كذلك على سبيل التفسير؛ لأنها قراءة مخالفة لسواد المصحف.
وقرأ ابن مسعود، وابن عباس: ﴿من الصادقين﴾ ورويت عن النبي، ﷺ ، وقرأ زيد بن علي، وابن السميقع وأبو المتوكل ومعاذ القارئ: ﴿مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ بفتح القاف وكسر النون على التثنية، ويظهر أنهما الله ورسوله لقوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.
الإعراب
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
стр. 5157
﴿وَالَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿الذين﴾: مبتدأ، خبره محذوف تقديره: ومنهم الذين اتخذوا، والجملة معطوفة على قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾. ﴿اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول. ﴿ضِرَارًا﴾: مفعول لأجله، أو مفعول ثانٍ ﴿لاتخذوا﴾. ﴿وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا﴾: معطوفان عليه. ﴿بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تفريقًا﴾. ﴿وَإِرْصَادًا﴾: معطوف عليه أيضًا ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿إرصادًا﴾. ﴿حَارَبَ اللَّهَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير، يعود على ﴿مَن﴾ والجملة صلة الموصول. ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف على الجلالة. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بحارب.
﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾ الواو: استئنافية. ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿يحلفن﴾: فعل مضارع مرفوع، لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية جواب القسمم، لا محل لها من الإعراب، ﴿إِنْ﴾: نافية، ﴿أَرَدْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة، جواب لجواب القسم. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿إنْ أَرَدْنَا﴾ جواب لقوله: ﴿ليحلفن﴾ فوقع جواب القسم المقدر فعل قسم مجاب بقوله: ﴿إنْ أَرَدْنَا﴾ انتهى. أو الجملة مقول لقول محذوف تقديره: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾ قائلين ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿الْحُسْنَى﴾: صفة لموصوف محذوف، واقع مفعولًا به ﴿لأردنا﴾ تقديره: إن أردنا إلا الخصلة الحسنى. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. وجملة ﴿يَشْهَدُ﴾ خبره والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿إِنَّهُمْ﴾ ﴿إن﴾: حرف نصب. والهاء: اسمها. ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ اللام: حرف ابتداء ﴿كاذبون﴾: خبر إن مرفوع بالواو، وجملة إن في محل النصب سادة مسد مفعولي ﴿يَشْهَدُ﴾؛ لأنه بمعنى، يعلم.
﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾.
﴿لَا﴾: ناهية جازمة ﴿تَقُمْ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، وفاعله
стр. 5158
ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿فِيهِ﴾: متعلق به ﴿أَبَدًا﴾: منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بـ ﴿تَقُمْ﴾ ﴿لَمَسْجِدٌ﴾ اللام: حرف ابتداء أو لام قسم ﴿مسجد﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وصفه بما بعده، ﴿أُسِّسَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على مسجد، والجملة الفعلية صفة ﴿لَمَسْجِدٌ﴾. ﴿عَلَى التَّقْوَى﴾: متعلق بـ ﴿أُسِّسَ﴾. ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أُسِّسَ﴾. ﴿أَحَقُّ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو جواب لقسم محذوف. ﴿أَنْ تَقُومَ﴾: فعل وناصب، وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿فِيهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: أحق بالقيام فيه ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور، خبر مقدم. ﴿رِجَالٌ﴾: مبتدأ مؤخر، وجملة ﴿يُحِبُّونَ﴾ صفة لـ ﴿رِجَالٌ﴾: والجملة الاسمية مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿أَنْ يَتَطَهَرُوا﴾ فعل وفاعل، وناصب، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية ليحبون، تقديره يحبون الطهارة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿يُحِبُّ الْمُطَّهرِينَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ﴾.
﴿أَفَمَنْ﴾: الهمزة: للاستفهام التقريري، داخلة على محذوف. والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أبعد ما علم حالهم فمن أسس بنيانه على تقوى من الله إلخ. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة صلة الموصول. ﴿عَلَى تَقْوَى﴾: متعلق بـ ﴿أَسَّسَ﴾: أو حال من فاعل ﴿أَسَّسَ﴾؛ أي: حالة كونه قاصدًا تقوى الله ﴿مِنَ اللَّه﴾: صفة لتقوى. ﴿وَرِضْوَانٍ﴾: معطوف على ﴿تَقْوَى﴾. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة المحذوفة المذكورة آنفًا.
﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
стр. 5159
﴿أَمْ﴾: متصلة عاطفة. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول ﴿عَلَى شَفَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَسَّسَ﴾ ﴿جُرُفٍ﴾ مضاف إليه ﴿هَارٍ﴾: صفة لـ ﴿جُرُفٍ﴾ مجرور بكسرة ظاهرة، أو مقدرة، كما سيأتي البحث عنه في مبحث التصريف إن شاء الله تعالى ﴿فَانْهَار﴾ الفاء: عاطفة ﴿انْهَار﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على البنيان. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿انهار﴾ والضمير يعود على الباني، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَسَّسَ﴾، وفي "الفتوحات" قوله: ﴿فَانهارَ بِهِ﴾: فاعله إما ضمير البنيان، والهاء في ﴿بِهِ﴾ على هذا .. ضمير المؤسس الباني؛ أي: فسقط بنيان الباني على شفا جرف هار، وإما ضمير الشفا، وإما ضمير الجرف؛ أي: فسقط الشفا أو سقط الجرف، والهاء في به للبنيان، ويجوز أن تكون للباني المؤسس، والأولى أن يكون الفاعل ضمير الجرف؛ لأنه يلزم من انهياره انهيار الشفا والبنيان جميعًا، ولا يلزم من انهيارهما أو انهيار أحدهما انهياره، والباء في ﴿بِهِ﴾: يجوز أن تكون للتعدية، وأن تكون للمصاحبة، وقد تقدم لك خلاف أول هذا الموضوع أن التعدية عند بعضهم، تستلزم المصاحبة، وإذا قيل: إنها للمصاحبة هنا فتتعلق بمحذوف؛ لأنها: حال؛ أي: فانهار مصاحبًا له، اهـ "سمين". ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿انهار﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ﴾: فعل ومفعول. ﴿الظَّالِمِينَ﴾: صفة للقوم، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿لَا يَزَالُ﴾: فعل مضارع ناقص من أخوات كان ﴿بُنْيَانُهُمُ﴾: اسمها. ﴿الَّذِي﴾: في محل الرفع، صفة لـ ﴿بُنْيَانُهُمُ﴾. ﴿بَنَوْا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: الذي بنوه. ﴿رِيبَةً﴾: خبر زال، منصوب به ولكنه على حذف مضاف، تقديره: سبب ريبة وشك في الدين. ﴿فِي
стр. 5160
قُلُوبِهِمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿رِيبَةً﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من أعم الأوقات، أو ﴿إِلَّا﴾ حرف بمعنى: إلى الجارة، كما قيل، ﴿أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾: ناصب وفعل وفاعل، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر، مجرور بإضافة المستثنى المحذوف إليه، تقديره: لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم في جميع الأوقات، إلا وقت تقطع قلوبهم وتمزقها بالموت، أو في تأويل مصدر، مجرور بإلا بمعنى، إلى تقديره: لا يزال بنيانهم ريبة في قلوبهم إلى تقطع قلوبهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَزَالُ﴾ وجملة يزال مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر أول ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة.
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿اشْتَرَى﴾ فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الرفع خبر إن، وجملة إن مستأنفة. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلق بـ ﴿اشْتَرَى﴾ ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به. ﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾: معطوف عليه. ﴿بِأَنَّ﴾: الباء: حرف جر و ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿لَهُمْ﴾: خبر أن مقدم على اسمها. ﴿الْجَنَّةَ﴾: اسمها مؤخر، وجملة أن في تأويل مصدر، مجرور بالباء، تقديره: يكون الجنة لهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿اشْتَرَى﴾ ودخلت الباء هنا على المتروك على بابها، وسماها أبو البقاء: باء المقابلة، كقولهم: باء العوض، ذكره: في "الفتوحات". ﴿يُقَاتِلُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان الاشتراء، ذكره: أبو السعود. ﴿فَيَقْتُلُونَ﴾: الفاء: استئنافية. ﴿يَقْتُلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان البيع الذي يستلزمه الشراء، أو لبيان تسليم المبيع. ﴿يَقْتُلُونَ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿يَقْتُلُونَ﴾. ﴿وَعْدًا﴾: منصوب على المصدرية بفعل محذوف، تقديره: وعدهم ذلك وعدًا، والجملة المحذوفة مستأنفة. مسوقة
стр. 5161
لتأكيد ما قبلها. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿وَعْدًا﴾ ﴿حَقًّا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، بفعل محذوف، تقديره وحق ذلك الوعد حقًّا، أي: تحقق، وثبت والجملة المحذوفة مستأنفة، مسوقة لتأكيد ما قبلها، ويصح كون ﴿حَقًّا﴾ صفة لـ ﴿وَعْدًا﴾. ﴿فِي التَّوْرَاةِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿اشْتَرَى﴾ أو صفة لـ ﴿وَعْدًا﴾. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿فِي التَّوْرَاةِ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه متعلق باشترى، وعلى هذا فتكون كل أمة قد أمرت بالجهاد، ووعدت عليه الجنة.
والثاني: أنه متعلق بمحذوف؛ لأنه صفة الوعد؛ أي: وعدًا مذكورًا وكائنًا في التوراة، وعلى هذا فيكون الوعد بالجنة لهذه الأمة مذكورًا في كتب الله المنزلة، اهـ "سمين". ﴿وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾: معطوفان على التوراة. ﴿وَمَنْ أَوْفَى﴾: الواو اعتراضية. ﴿من﴾: اسم استفهام، للاستفهام الإنكاري، في محل الرفع مبتدأ ﴿أَوْفَى﴾ خبره مرفوع بضمة مقدرة، والجملة اعتراضية، مقررة لمضمون ما قبلها، من حقية الوعد على نهج المبالغة في كونه أوفى بالعهد من كل وافٍ، فإن إخلاف الميعاد مما لا يكاد يصدر من كرام الخلق مع إمكان صدوره منهم، فكيف بجانب الخالق، اهـ أبو السعود. ﴿بِعَهْدِهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَوْفَى﴾ وكذلك يتعلق به قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾. ﴿فَاسْتَبْشِرُوا﴾: الفاء: عاطفة. ﴿اسستبشروا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى﴾. ﴿بِبَيْعِكُمُ﴾: متعلق به. ﴿الَّذِي﴾ صفة للبيع. ﴿بَايَعْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق به والجملة صلة الموصول. ﴿وَذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل. ﴿الْفَوْزُ﴾: خبر. ﴿الْعَظِيمُ﴾: صفة له، والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿التَّائِبُونَ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: أولئك المؤمنون هم التائبون، والجملة في محل الجر، صفة للمؤمنين في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 5162
﴿الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ﴾: أخبار بعد خبر لذلك المبتدأ المحذوف. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: متعلق بـ ﴿الْآمِرُونَ﴾ ﴿وَالنَّاهُونَ﴾: معطوف على ﴿الْآمِرُونَ﴾ ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: متعلق به ﴿وَالْحَافِظُونَ﴾: معطوف على الآمرون أيضًا. ﴿لِحُدُودِ اللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، وحذف المبشر به لخروجه عن حد البيان والجملة مستأنفة.
فائدة: وإنما عُطف قولهُ: ﴿وَالنَّاهُونَ﴾ على ما قبله للمضادة بينهما، إذ الأول طلب فعل، والثاني طلب ترك كما مر. وقيل: إنما عطفه بالواو إشارة إلى أن مدخولها هو الوصف الثامن، وذلك؛ لأنها عندهم تسمى: واو الثمانية وتدخل على ما يكون ثامنًا، اهـ شيخنا. وفي "أبي السعود": والعطف فيه للدلالة على أن المتعاطفين بمنزلة خصلة واحدة، كأنه قال: الجامعون بين الوصفين اهـ ذكره في "الفتوحات".
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
﴿مَا﴾: نافية. ﴿كَانَ﴾ فعل ماضٍ ناقص ﴿لِلنَّبِيِّ﴾: جار ومجرور. خبر مقدم لـ ﴿كَانَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على النبي. وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول. ﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾: فعل وفاعل، منصوب بأن المصدرية ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم كان مؤخرًا، تقديره: ما كان جائزًا للنبي، والذين آمنوا استغفارهم للمشركين، والجملة مستأنفة. ﴿وَلَوْ كَانُوا﴾ الواو: عاطفة. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه ﴿أُولِي قُرْبَى﴾: خبر كان، وجملة ﴿كَانُ﴾ فعل شرط لـ ﴿لو﴾ وجواب ﴿لو﴾ معلوم مما قبله تقديره: ولو كانوا أولى ما يجوز استغفارهم لهم، وجملة ﴿لو﴾ معطوفة على جملة محذوفة، واقعة حالًا من المشركين، تقديرها: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين إن كانوا غير أولي قربى، ولو كانوا أولي قربى؛ أي: حالة كونهم مغايرين لأولي قربى، وموصوفين بالقرابة. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كَانَ﴾: أو متعلق بـ ﴿يَسْتَغْفِرُوا﴾. ﴿مَا﴾
стр. 5163
مصدرية. ﴿تَبَيَّنَ﴾: فعل ماض ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به. ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: خبره، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لـ ﴿تَبَيَّنَ﴾ تقديره: من بعد ما تبين كونهم من أصحاب الجحيم، وجملة ﴿تَبَيَّنَ﴾ في تأويل مصدر، مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من بعد تبين كونهم من أصحاب الجحيم.
﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾.
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ﴾: اسمها ومضاف إليه. ﴿لِأَبِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿اسْتِغْفَارُ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾: جار ومجرور خبر ﴿كان﴾. ﴿وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة الفعلية صفة لـ ﴿مَوْعِدَةٍ﴾، والتقدير: وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا كائنا عن موعدة وعدها إياه.
﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿فَلَمَّا﴾، الفاء: عاطفة. ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿تَبَيَّنَ﴾: فعل ماض. ﴿لَهُ﴾: متعلق به ﴿أَنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿عَدُوٌّ﴾ خبر أن. ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿عَدُوٌّ﴾ وجملة، أن في تأويل مصدر، مرفوع على الفاعلية، لـ ﴿تَبَيَّنَ﴾ تقديره: فلما تبين له كونه عدوًا لله، والجملة الفعلية فعل شرط للما، لا محل لها من الإعراب. ﴿تَبَرَّأَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على إبراهيم. ﴿مِنْهُ﴾ متعلق به، وجملة ﴿تَبَرَّأَ﴾ جواب ﴿لما﴾ وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على جملة ﴿كَانَ﴾. ﴿إنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَأَوَّاهٌ﴾ اللام: حرف ابتداء. (أواه﴾: خبر ﴿إن﴾. ﴿حَلِيمٌ﴾: صفة ﴿أواه﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كَانَ اللَّه﴾: فعل ناقص،
стр. 5164
واسمه. ﴿لِيُضِلَّ﴾، اللام: حرف جر وجحود. ﴿يضل﴾: فعل مضارع، منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود، وفاعله ضمير مستتر فيه، يعود على الله. ﴿قَوْمًا﴾: مفعول به، والجملة صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام الجحود، تقديره: وما كان الله لإضلاله قوما، الجار والمجرور متعلق بواجب الحذف، لوقوعه خبرًا لـ ﴿كَانَ﴾ تقديره: وما كان الله مريدًا لإضلاله قومًا، هذا على مذهب البصريين. وعند الكوفيين. فاللام زائدة، والتقدير: وما كان الله مضلًا قومًا وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة. ﴿بَعْدَ﴾ منصوب على الظرفية ﴿إِذْ﴾: حرف بمعنى أن المصدرية. ﴿هَدَاهُمْ﴾: فعل ومفعول في محل النصب بإذ، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: بعد هدايته إياهم، والظرف متعلق بـ ﴿يضل﴾. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ ﴿إِذْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن إذ بمعنى أن.
الثاني: أنها ظرف بمعنى وقت، أي: بعد أن هداهم أو بعد وقت هداهم فيه، اهـ. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يُبَيِّنَ﴾: منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى، بمعنى إلى، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿يَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ما يتقونه، وجملة ﴿يُبَيِّنَ﴾ صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحتى، بمعنى، إلى تقديره: حتى تبيينه لهم ما يتقون الجار والمجرور متعلق بيضل. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه. ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم. ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ
стр. 5165
ومضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع، خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿يُحْيِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع، معطوفة على الجملة الاسمية على كونها خبرًا ﴿لإن﴾. وجملة قوله: ﴿وَيُمِيتُ﴾: معطوفة على ﴿يُحْيِي﴾. ﴿وَمَا لَكُمْ﴾، الواو: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور، خبر مقدم. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ لاستقرار الذي تعلق به الخبر ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ مبتدأ مؤخر و ﴿مِنْ﴾: زائدة ﴿لَا نَصِيرٍ﴾: معطوف على ﴿وَلِيٍّ﴾ والجملة من المبتدأ والخبر معطوفة على جملة ﴿إن﴾.
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿لَقَدْ﴾: اللام: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿تَابَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب. ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾: متعلق بـ ﴿تَابَ﴾. ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾: معطوفان على النبي. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الجر صفة لكل من ﴿الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾. ﴿اتَّبَعُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿اتَّبَعُوهُ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿اتَّبَعُوهُ﴾ أيضًا. ﴿مَا﴾: مصدرية ﴿كَادَ﴾: زائدة لفظًا، لا عمل لها وإن كان معناها مرادًا بدليل قراءة ابن مسعود ﴿من بعد ما زاغت قلوب فريق منهم﴾ ﴿يَزِيغُ﴾: فعل مضارع. ﴿قُلُوبُ فَرِيقٍ﴾: فاعل، ومضاف إليه. ﴿مِنْهُمْ﴾: صفة لفريق، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَا﴾: المصدرية ﴿مَا﴾: مع صلتها في تأويل مصدر، مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من بعد مقاربة زيغ قلوب فريق منهم. ﴿ثُمَّ تَابَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به. والجملة معطوفة على جملة تاب الأول ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه. ﴿بِهِمْ﴾ تنازع فيه ما بعده؛ لأن التنازع يكون في المتأخر كما يكون في المتقدم. ﴿رَءُوفٌ﴾: خبر أول
стр. 5166
لـ ﴿إِنَّ﴾ ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان له، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾.
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ﴾: جار ومجرور، معطوف على قوله: ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾؛ أي لقد تاب الله على النبي والمهاجرين وعلى الثلاثة، أو معطوف على عليهم؛ أي: ثم تاب عليهم وعلى الثلاثة. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة للثلاثة. ﴿خُلِّفُوا﴾: فعل، ونائب فاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿إذَا﴾: زائدة. ﴿ضَاقَتْ﴾: فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلق به. ﴿الْأَرْضُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية في تأويل مصدر، مجرور بحتى بمعنى: إلى؛ لأن أن المصدرية مقدرة بعدها إذا جعلنا إذا زائدة، تقديره: خلفوا وأخروا عن التوبة إلى ضيق الأرض ﴿عَلَيْهِمُ﴾، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿خُلِّفُوا﴾. ﴿بِمَا﴾ الباء: حرف جر. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿رَحُبَتْ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الأرض، والجملة في تأويل مصدر، مجرور بالباء، تقديره: برحبها، الجار والمجرور متعلق بضاقت. ﴿وَضَاقَتْ﴾: فعل ماض. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ فاعل، والجملة في محل الجر، معطوفة على جملة قوله: ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾. ﴿وَظَنُّوَا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾. ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. ﴿لَا﴾: نافية للجنس. ﴿مَلْجَأَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبر ﴿لَا﴾: تقديره: إنه لا ملجأ موجود من الله، ويحتمل تعلق الجار والمجرور بملجأ، وخبر ﴿لَا﴾: محذوف، تقديره: لا ملجأ من الله موجود وجملة ﴿لَا﴾: من اسمها وخبرها، في محل الرفع خبر أن المخففة وجملة أن المخففة سادة مسد مفعولي ظن. ﴿إِلَّا إِلَيْهِ﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿إلَيْهِ﴾: جار ومجرور، بدل من الجار والمجرور في قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ على كونه خبر ﴿لَا﴾ مثل قولنا "لا إله إلا الله" كما ذكره أبو البقاء. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿إلا إليه﴾
стр. 5167
مستثنى من مقدر؛ أي: لا ملجأ لأحد ولا اعتماد على أحد إلا إليه تعالى، اهـ من "السمين". ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾: معطوف على ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ﴾ على كونه مجرورًا بـ ﴿حَتَّى﴾. ﴿لِيَتُوبُوا﴾ اللام: لام كي. ﴿يتوبوا﴾: فعل وفاعل، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة في تأويل مصدر، مجرور باللام، تقديره: ثم تاب عليهم لتوبتهم، الجار والمجرور متعلق بتاب. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل. ﴿التَّوَّابُ﴾ خبر أول لإن. ﴿الرَّحِيمُ﴾: خبر ثانٍ لها، وجملة إن مستأنفة. مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل الرفع، صفة لأي، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَكُونُوا﴾: فعل ناقص، واسمه. ﴿مَعَ الصَّادِقِينَ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف خبر ﴿كونوا﴾ تقديره: وكونوا مصاحبين بالصادقين؛ أي: من الصادقين، وجملة كونوا معطوفة على جملة ﴿اتَّقُوا﴾ على كونها جواب النداء.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾: الضرار والمضارة محاولة إيقاع الضرر، ﴿والإرصاد﴾: الانتظار والترقب مع العداوة، يقال: رصدته؛ أي: قعدت له على طريقه أترقبه، وأرصدت هذا الجيش للقتال، وهذا الفرس للطراد، ﴿إِلَّا الْحُسْنَى﴾: الحسنى مؤنث الأحسن، وهو صفة لموصوف محذوف، تقديره: إلا الخصلة الحسنى، أو إلا الحالة الحسنى، ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ﴾؛ أي: لا تصل فيه.
﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾: أسس (١) على وزن فعل مضعف العين، وآسس على وزن فاعل، إذا وضع الأساس وهو معروف، ويقال فيه: أس والتأسيس وضع
стр. 5168
الأساس للبناء ليقوم عليه ويرفع، والتقوى اسم لما يرضي الله ويقي من سخطه. ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾: أحق اسم التفضيل على غير بابه، أو المفاضلة باعتبار زعمهم، أو بالنظر له في ذاته فإن المحظور قصدهم ونيتهم، اهـ "جمل". ﴿بُنْيَانَهُ﴾: والبنيان مصدر، كالغفران، أطلق على المبنى كالخلق بمعنى، المخلوق، وقيل: هو جمع، واحده بنيانة، ذكره أبو حيان. ﴿شَفَا﴾، أي: حرف وفي "المصباح" وشفا كل شيء طرفه وحرفه مثل النوى، اهـ. ﴿جُرُفٍ﴾، والجرف بضمتين جانب الوادي ونحوه، والجرف أيضًا البئر التي لم تطو. وقال أبو عبيدة: الجرف الهوة وما يجرفه السيل من الأودية. ﴿هَارٍ﴾: والهار والهائر كالشاك والشائك، الضعيف المتداعي للسقوط، يتداعى بعضه إثر بعض. وأصله (١) هاير أو هاور فقلبت الياء أو الواو همزة ثم حذفت الهمزة اعتباطًا فوزنه قال، فهو محذوف العين. وقيل: إنه منقوص، كقاض وأصله هاور، ثم نقلت الواو بعد الراء، ثم قلبت ياءً فصار كقاض، ثم حذفت الياء فإعرابه بحركات مقدرة عليها، اهـ شيخنا. وفي "المختار" هار الجرف، من باب قال، وهورًا أيضًا، فهو هائر ويقال: أيضًا جرف هار، اهـ. وفي "السمين" هار الجرف، فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: وهو المشهور أنه مقلوب بتقديم لامه على عينه، وذلك أن أصله هاور أو هاير بالواو أو بالياء لأنه سمع فيه الحرفان قالوا: هار يهور ويهار وهار يهير، وتهور البناء وتهير فقدمت اللام وهي الراء على العين وهي الواو أو الياء، فصار كغاز ورام فأعل بالنقص كإعلالهما، فوزنه بعد القلب فالع ثم نزنه بعد الحذف على قال.
القول الثاني: أنه حذف عينه اعتباطًا؛ أي: لغير موجب، وعلى هذا فتجري وجوه الإعراب على لامه فيقال هذا هار ورأيت هارًا ومررت بهار ووزنه أيضًا قال.
стр. 5169
القول الثالث: أنه لا قلب فيه ولا حذف وأن أصله هور أو هير بوزن كتف فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ألفًا، وعلى هذا فتجري عليه وجوه الإعراب أيضًا كالذي قبله، كما تقول هذا باب، ورأيت بابًا، ومررت ببابٍ وهذا أعدل الوجوه لاستراحته من ادعاء القلب والحذف اللذين هما على خلاف الأصل لولا أنه غير مشهور عند أهل التصريف، ومعنى هار؛ أي: ساقط متداع منهال اهـ ﴿فَانهَارَ﴾؛ أي: سقط. ﴿رِيبَةً﴾؛ أي: سبب ريبة وشك في الدين، والريبة من الريب. وهو اضطراب النفس وتردد الوهم والحيرة. ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾: يقال تقطع الشيء إذا تفرقت أجزاؤه، وتمزقت، وهو من باب تفعل الخماسي ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾ والاستبشار: إظهار السرور، والسين: ليست للطلب بل للمطاوعة، كاستوقد وأوقد. وفي "الكرخي"، ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾؛ أي: افرحوا به غاية الفرح، واستفعل هنا، ليس للطلب، بل بمعنى، أفعل كاستوقد وأوقد، اهـ. ﴿لأواه﴾؛ أي: يكثر التأوه وهو كناية عن فرط ترحمه ورقة قلبه، اهـ "بيضاوي". والتأوه، أن يقول الرجل عند الشكاية والتوجع: آه، اهـ "زاده". وفي "المختار" وقد أوه الرجل تأويهًا وتاوه تأوهًا، إذا قال أَوَّهُ اهـ. وفي "المراغي" الأواه الكثير التأوه والتحسر، أو الخاشع الكثير الدعاء والتضرع إلى ربه، وقيل: إنها كلمة حبشية الأصل، ومعناها: المؤمن أو الموقن، اهـ.
وفي "السمين" والأواه الكثير التأوه، وهو من يقول أواه. وقيل: من يقول، أوه، وهو أنسب؛ لأن: أوه بمعنى، أتوجع فالأواه، فعال، مثال مبالغة من ذلك، وقياس فعله أن يكون ثلاثيًّا؛ لأن: أمثلة المبالغة إنما تطرد في الثلاثي، وقد حكى: قطرب فيه فعله ثلاثيًّا، فقال: يقال، آه يؤوه أوهًا، كقال يقول قولًا، وأنكر النحويون: هذا القول على قطرب، وقالوا: لا يقال من أوه بمعنى، أتوجع فعل ثلاثي، وإنما يقال: أوه تأويهًا، وتأوه تأوهًا اهـ.
وعبارة الخازن: جاء في الحديث أن الأواه الخاشع المتضرع. وقال ابن مسعود: الأواه الكثير الدعاء. وقال ابن عباس: هو المؤمن التواب، وقال الحسن وقتادة: الأواه الرحيم بعباد الله. وقال مجاهد: الأواه الموقن وقال كعب
стр. 5170
الأحبار: هو الذي يكثر التأوه، وكان إبراهيم ﵇ يكثر أن يقول: أوه من النار، قبل أن لا ينفع أوه. وقال عقبة بن عامر: الأواه الكثير الذكر لله. وقال سعيد بن جبير: هو المسبح، وعنه: أنه المعلم للخير. وقال عطاء: هو الراجع عما يكره الله، الخائف من النار. وقال أبو عبيدة: هو المتأوه شفقًا وفرقًا، المتضرع يقينًا ولزومًا للطاعة. وقال الزجاج: انتظم في قول أبي عبيدة، جميع ما قيل، في الأواه، وأصله من التأوه، وهو أن يسمع للصدر صوت بتنفس الصعداء، والفعل منه أوه، وهو قول الرجل عند شدة خوفه وحزنه أوه، والسبب فيه أنه عند الحزن تحمى الروح داخل القلب، ويشتد حرها فالإنسان يخرج ذلك النفس المحترق في القلب ليخفف بعض ما به من الحزن والشدة.
وأما ﴿الحليم﴾: فمعناه ظاهر، وهو الصفوح عمن سبه، أو أتاه بمكروه ثم يقابله بالإحسان واللطف كما فعل إبراهيم مع أبيه حين قال له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ فأجابه إبراهيم بقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ وقال ابن عباس: الحليم السيد اهـ.
وعبارة المراغي: ﴿والحليم﴾ هو الذي لا يستفزه الغضب، ولا يعبث به الطيش، ولا يستخفه هوى النفس، ومن لوازم ذلك: الصبر والثبات والصفح والتأني في الأمور، واتقاء العجلة في الرغبة والرهبة، اهـ.
﴿في سَاعَةِ العُسْرَةِ﴾ ﴿العسرة﴾: الشدة والضيق ﴿تزيغ قلوب﴾ من زاغ القلب، مال عن الحق من زاغ يزيغ زيغًا، كباع يبيع بيعًا، ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾، يقال: رحب من باب ظرف رحبًا، والرحب بضم الراء السعة، وبفتحها المكان المتسع، فمضمومها مصدر ومفتوحها مكان، ومنه يقال: فلان رحب الصدر، بضم الراء، واسعه وقولهم مرحبًا وأهلًا؛ أي: أتيت سعة وأتيت أهلًا، فاستأنس ولا تستوحش ورحب به ترحيبًا إذا قال له مرحبًا. ﴿مَلْجَأً﴾، الملجأ؛ اسم مكان من لجأ إلى الحصن، أو غيره، من باب قطع، إذا لاذ إليه واعتصم به.
﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: الرأفة، العناية بالضعيف والرفق به، والرحمة: السعي في إيصال المنفعة.
стр. 5171
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التكرار في قوله: ﴿أُسِّسَ﴾.
ومنها: جناس المحرف في قوله: ﴿أسس وأسس﴾ لاختلافهما في الشكل.
ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، للتنبيه على علة الحكم، أي: سبب استحقاقهم الجنة هو إيمانهم، وحذف المبشر به لخروجه عن حد البيان، وهو الجنة ذكره أبو السعود، وفي قوله: ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾؛ لأن مقتضى السياق أن يقول أم من أسسه.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿هَارٍ فَانْهَارَ﴾، وفي قوله: ﴿أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾، وفي قوله: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا﴾، وفي قوله: ﴿بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾، وفي قوله: ﴿عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا﴾، وفي قوله: ﴿لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿تَابَ﴾.
ومنها: الجناس المحرف في قوله: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ لاختلافهما في الشكل سمي محرفًا لانحراف إحدى الهيئتين عن هيئة الآخر.
ومنها: الاستعارة بالكناية في قوله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾ شبهت التقوى والرضوان بما يعتمد عليه البناء؛ تشبيهًا مضمرًا في النفس، وأسس بنيانه تخييل، فهو مستعمل في معناه الحقيقي، أو مجاز، فتأسيس لبنيان بمعنى، إحكام أمور دينه أو تمثيل لحال من أخلص لله، وعمل الأعمال الصالحة، بحال من بنى شيئًا محكمًا، مؤسسًا يستوطنه، ويتحصن فيه، أو البنيان: استعارة أصلية والتأسيس: ترشيح، اهـ "شهاب".
﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ﴾ هو كناية عن إحكام أمور دينه وترتيبها على ضلال وكفر ونفاق، وقوله: ﴿شَفَا جُرُفٍ﴾ المراد به هنا، الضلال وعدم التقوى.
стр. 5172
ومنها: الاستعارة التبعية في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى﴾ ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾ شبه بذلهم الأموال والأنفس، وإثابتهم عليها بالجنة، بالبيع والشراء بجامع المعاوضة في كل.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾ تشريفًا لهم على تشريف وزيادة لسرورهم على سرورهم.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ من إطلاق الجزء وإرادة الكلّ، وخص الركوع والسجود بالذكر لشرفهما.
ومنها: الطباق بين ﴿لِيُضِلَّ﴾ و ﴿إِذْ هَدَاهُمْ﴾ وكذلك بين ﴿يحيي ويميت﴾ وبين ﴿ضاقت ورحبت﴾.
ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ إعتناءً بشأنه وإظهارًا لفضله.
ومنها: الاستفهام والحذف والزيادة في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 5173
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧) لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ ....﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله (١) لما ذكر توبته على المتخلفين الذين حسنت نياتهم، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون .. أكد هنا وجوب متابعة الرسول، والغزو معه لما فيه من الأجر العظيم، وحظر تخلف أحد عنه إلا بإذنه.
وقال أبو حيان (٢): مناسبتها لما قبلها: أنه لما أمر المؤمنين بتقوى الله،
стр. 5174
وأمر بكينونتهم مع الصادقين، وأفضل الصادقين رسول الله، ﷺ ، ثم المهاجرون والأنصار .. اقتضى ذلك موافقة الرسول وصحبته، أنى توجه من الغزوات والمشاهد، فعوتب العتاب الشديد من تخلف عن الرسول، ﷺ ، في غزوة تبوك، واقتضى ذلك الأمر بصحبته، وبذل النفوس دونه.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن هذه الآية جاءت متممة لأحكام الجهاد، مع بيان حكم العلم والتفقه في الدين، من قبل أنه وسيلة للجهاد بالحجة والبرهان، وهو الركن الركين في الدعوة إلى الإيمان، وإقامة دعائم الإِسلام، ولم يشرع جهاد السيف إلا ليكون حمايةً وسياجًا لتلك الدعوة من أن تلعب بها أيدي المعاندين والمعتدين من الكافرين والمنافقين.
وقال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن كلا النفيرين هو في سبيل الله، وإحياء دينه، هذا بالعلم، وهذا بالقتال، انتهى.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله (١) لما حض المؤمنين على التفقه في الدين، وحرض على رحلة طائفة من المؤمنين فيه .. أمر تعالى المؤمنين كافة بقتال من يليهم من الكفار، فجمع من الجهاد جهاد الحجة وجهاد السيف. وقال بعض الشعراء في ذلك:
مَنْ لاَ يَعُدَّ لَهُ الْقُرْآنَ كَانَ لَهُ ... مِنَ الصَّغَارِ وَبِيْضِ الْهِنْدِ تَعْدِيْلُ
وعبارة المراغي هنا: مناسبتها لما قبلها: أن الله لما أمر فيما سبق بقتال المشركين كافة .. أرشدهم في هذه الآية إلى طريق السداد في هذا الباب، وهو أن يبدؤوا بقتال من يليهم، ثم ينتقلوا إلى الأبعد فالأبعد، وهكذا، وقد فعل النبي، ﷺ ، وصحابته كذلك، فقد حارب قومه ثم انتقل إلى غزو سائر العرب ثم إلى غزو الشام، ولما فرغ صحابته من الشام دخلوا العراق، وكذلك
стр. 5175
في أمر الدعوة، فقد قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ ثم أمر بالدعوة العامة وقتال من يقف في طريقها من المشركين فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ انتهت.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله (١) لما ذكر ضروبًا من مخازي المنافقين، كتخلفهم عن غزوة تبوك وتعلقهم لذلك بالأيمان الفاجرة .. ذكر هنا ضروبًا أخرى من تلك المثالب، كتهكمهم بالقرآن، وتسللهم لواذًا حين سماعه، وهذا آخر ما نزل مما يبين تأثير القرآن فيهم، وفي المؤمنين.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ ...﴾ الآية، مناسبتها: أنه تعالى لما ذكر أنهم (٢) بموتهم على الكفر رائحون إلى عذاب الآخرة .. ذكر أنهم أيضًا في الدنيا لا يخلصون من عذابها.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما (٣) بدأ السورة ببراءة الله ورسوله من المشركين، وقص فيها أحوال المنافقين شيئًا فشيئًا خاطب العرب على سبيل تعداد النعم عليهم، والمن عليهم بكونهم جاءهم رسول من جنسهم، أو من نسبهم، عربيًّا قرشيًّا يبلغهم عن الله، متصف بالأوصاف الجميلة، من كونه يعز عليه مشقتهم في سوء العاقبة من الوقوع في العذاب، ويحرص على هداهم ويرأف بهم ويرحمهم.
وعبارة المراغي: مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما أمر رسوله في هذه السورة أن يبلغ الخلق تكاليف شاقة يعسر تحملها إلا على من خص بوجوه التوفيق والكرامة .. ختمها بما يوجب تحملهم تلك التكاليف، فبين أن هذا الرسول منهم، فما يحصل له من عز وشرف فهو عائد إليهم، إلا أنه يشق عليه ضررهم وتعظم رغبته في إيصال خيري الدنيا والآخرة إليهم، فهو كالطبيب المشفق، والأب الرحيم عليهم، والطبيب الحاذق، ربما أقدم على علاج يصعب تحمله، والأب الرحيم
стр. 5176
ربما ركن إلى ضروب من التأديب يشق على النفس احتمالها.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ...﴾ الآية، أخرج (١) ابن أبي حاتم عن عكرمة، قال: لما نزلت آية ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وقد كان تخلف عنه ناس في البدو يفقهون قومهم، فقال المنافقون: قد بقي ناس في البوادي، هلك أصحاب البوادي فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾. وأخرج عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: كان المؤمنون لحرصهم على الجهاد إذا بعث رسول الله، ﷺ ، سرية خرجوا فيها، وتركوا النبي، ﷺ ، بالمدينة في رقة من الناس فنزلت.
التفسير وأوجه القراءة
١٢٠ - وفي قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ إلخ، زيادة تأكيد لوجوب الغزو مع رسول الله، ﷺ ؛ أي: ما صح ولا جاز لأهل المدينة عاصمة الإِسلام ومقر رسول الله، ﷺ ، ولا ينبغي لساكنيها من المهاجرين والأنصار، ﴿و﴾ لا لـ ﴿من حولهم من الأعراب﴾؛ أي: من سكان البوادي، كمزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم، ﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾، ﷺ ، ويتأخروا عنه في الخروج للغزو في سبيل الله، كما فعل بعضهم في غزوة تبوك، ولا في غيره من شؤون الأمة ومصالح الملة، فإن السمع والطاعة لرسول الله ﷺ ، واجب وكذلك غيره من الولاة والأئمة إذا ندبوا وعينوا. وإنما (٢) خصهم الله بالذكر؛ لأنهم قد استنفروا فلم ينفروا، بخلاف غيرهم من العرب فإنهم لم يستنفروا مع كون هؤلاء لقربهم وجوارهم أحق بالنصرة والمتابعة لرسول الله ﷺ ، ﴿وَلَا﴾ أن، ﴿يَرْغَبُوا﴾ ويتخلفوا، ﴿بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ﴾ صيانة وحفظ، ﴿نفسه﴾ ﷺ ، الشريفة فيشحون بأنفسهم ويصونونها، ولا يشحون بنفس رسول الله، ﷺ ، ويصونونها كما شحوا بأنفسهم وصانوها، بل واجب عليهم أن يكابدوا معه المشاق ويجاهدوا بين يديه
стр. 5177
أهل الشقاق، ويبذلوا أنفسهم دون نفسه؛ أي (١)؛ لا يختاروا إِبقاء أنفسهم على نفسه في الشدائد، بل أمروا بأن يصحبوه في البأساء والضراء، ويلقوا أنفسهم بين يديه في كل شدة.
والمعنى (٢): ولا ينبغي لهم أن يفضلوا أنفسهم على نفسه، فيرغبوا في الراحة والسلامة، ولا يبذلوها فيما يبذل فيه نفسه الشريفة، بل عليهم أن يصحبوه في البأساء والضراء، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط، علمًا بأنها أعز نفس على الله وأكرمها فإذا تعرضت مع كرامتها للخوض في شدة وهول، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت له، ولا يكترث لها أصحابها فضلًا عن أن يربؤوا بأنفسهم عن متابعتها، ويضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه.
والخلاصة: أن المتخلف يفضل نفسه ويؤثرها على نفس رسول الله، ﷺ ، التي لا يكمل إيمان أحد حتى يحبه أكثر من حبه لنفسه.
وفي ذلك نهي شديد عن عملهم، وتوبيخ لهم عليه وتهييج لمتابعته، ﷺ ، بأنفة وحمية، والإِشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى ما يفيده السياق من وجوب متابعته، ﷺ ، والنهي عن التخلف عنه؛ أي: ذلك الوجوب والنهى عن التخلف عنه، ﷺ ، ﴿بـ﴾ سبب، ﴿أنهم لا يصيبهم﴾ ولا ينالهم في سفرهم ولا غزواتهم، ﴿ظَمَأٌ﴾ ولا عطش، ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ ولا تعب. وقرأ عبيد بن عمير: ﴿ظمأ﴾ بالمد مثل سفه وسفاها. وقرأ غيره: بالقصر وهما لغتان، مثل خطأ وخطاء. ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ ولا مجاعة ولو يسيرًا، وكذا يقال، فيما قبله، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وطاعته والجهاد لإعلاء كلمته، ﴿ولا يطئون﴾؛ أي: ولا يدوسون بأرجلهم وحوافر خيولهم وأخفاف بعيرهم ﴿مَوْطِئًا﴾؛ أي: دوسًا ووطئًا، ﴿يَغِيظُ﴾ ويغضب، ﴿الْكُفَّارَ﴾ ويضيق صدورهم أو لا يدوسون مكانًا من أمكنة الكفار يغيظهم الدوس فيها، يعني: ولا يضعون قدمًا على الأرض يكون ذلك القدم سببًا لغيظ الكفار، وغمهم وحزنهم. وقرأ زيد بن علي: ﴿يغيظ﴾ بضم الياء ﴿وَلَا
стр. 5178
يَنَالُونَ﴾؛ أي: ولا يصيبون ﴿من عدو﴾ وكفار، ﴿نيلا﴾؛ أي: إصابة أسرًا أو قتلًا أو هزيمةً أو غنيمةً، أو نحو ذلك قليلًا كان أو كثيرًا، ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ﴾؛ أي: إلا حالة كونهم يكتب لهم بكل واحد من الأمور الخمسة، ﴿عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ وثواب حسن جزيل؛ لأن من قصد طاعة الله تعالى، كان جميع حركاته وسكناته حسنات مكتوبةً له عند الله تعالى. وجملة (١) كتب، حالية فهذا التركيب نظير قولك: ما جاء زيد إلا راكبًا، اهـ شيخنا. وفي "أبي السعود" ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ﴾؛ أي: بكل واحد من الأمور المعدودة عمل صالح، وحسنة مقبولة، مستوجبة بحكم الوعد الكريم للثواب الجميل وقيل الزلفى، اهـ.
والمعنى: أي لم (٢) يكن لهم حق التخلف، بل يجب عليهم الاتباع بسبب أن كل ما يصيبهم في جهادهم من أذًى وإن كان قليلًا كظمأ لقلة الماء أو نصب لبعد الشُّقَّة أو لقلة الظهر، أو مجاعة لقلة الزاد، ومن إيذاء للعدو وإن صغر كوطء أرضه الذي يعده استهانة بقوته، فيغيظه أن تمسه أقدام المؤمنين، أو حوافر خيولهم، أو النيل منه بجرح، أو قتل أو أسر أو هزيمة، أو غنيمة إلا كتب لهم بكل واحد مما ذكر عمل صالح يجزى عليه بالثواب العظيم، وما أكثر هذه الأعمال الصالحة التي تشمل كل حركة من بطشة يد، أو وطأة قدم، أو عروض جوع، أو عطش أو نحو ذلك، ولما كان الظمأ أشق الأشياء المؤذية للمسافر بكثرة الحركة وإزعاج النفس وخصوصًا في شدة الحر كغزوة تبوك، بدىء به أولًا، وثنى بالنصب وهو التعب؛ لأنه الكلال الذي يلحق المسافر والإعياء الناشيء من العطش والسير، وأتى ثالثًا بالجوع لأنه حالة يمكن الصبر عليها الأوقات العديدة، بخلاف العطش والنصب المفضيين إلى الخلود والانقطاع عن السفر، فكان الإخبار بما يعرض للمسافر أولًا فثانيًا فثالثًا، ذكره أبو حيان.
وفي الآية إيماء إلى أن من قصد خيرًا كان سعيه فيه من قيام أو قعود أو مشي أو كلام، أو نحو ذلك مشكورًا مثابًا عليه وإلى أن المدد القادم بعد انقضاء
стр. 5179
الحرب يشارك الجيش في الغنيمة لأن وطء ديارهم مما يغيظهم، ثم علل هذا الأجر العظيم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لا يضيع أجر المحسنين﴾؛ أي: لا يبطل ولا يترك ثوابهم؛ أي: لا يترك إثابتهم على إحسانهم وهو تعليل (١) لكتب، وتنبيه على أن الجهاد إحسان، أما في حق الكفار؛ فلأنه سعى في تكميلهم بأقصى ما يمكن، كضرب المداوي للمجنون، وأما في حق المؤمنين؛ فلأنه صيانة لهم عن سطوة الكفار واستيلائهم؛ أي: إن الله تعالى لا يضيع محسنًا أحسن في عمله، فأطاعه فيما أمره به، وانتهى عما نهاه عنه أن يجازيه على إحسانه، ويثيبه على صالح عمله، ومن ثم كتب لمن أطاعه من أهل المدينة، ومن حولهم من الأعراب الثواب على كل ما فعلوا، فلم يضع لهم أجرًا على عمل عملوه.
والخلاصة: أن هؤلاء محسنون ولا يبطل ثوابهم.
١٢١ - ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ﴾ في سبيل الله، ﴿نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ ولو تمرة أو علاقة سوط، ﴿وَلَا﴾ نفقة ﴿كبيرة﴾ كما أنفق عثمان في جيش العسرة، ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ من الأودية؛ أي: ولا يجاوزون في مسيرهم في سبيل الله واديًا مقبلين، أو مدبرين فيه، ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾؛ أي: إلا كتب الله لهم آثارهم وخطاهم، ونفقاتهم في صحائف أعمالهم، ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ ، ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: لكي يجزيهم الله تعالى الجزاء الحسن؛ والثواب الوافر على جميع ما يعملونه في سبيل الله تعالى، قليلًا أو كثيرًا.
والمعنى: أي كذلك شأنهم فيما ينفقون في سبيل الله صغر أو كبر، قل أو كثر، وفي كل وادٍ يقعطونه في سيرهم غادين، أو رائحين إلا كتب لهم أجرهم على ذلك جزاءً لهم على عملهم، ولا يترك شيء منه أو ينسى ليجزيهم بكتابته في صحف أعمالهم، كأحسن ما يجزيهم على خير أعمالهم التي كانوا يعملونها وهم مقيمون في منازلهم.
وخلاصة ذلك: أنه تعالى يجزيهم بكل عمل مما ذكر، جزاءً أحسن من
стр. 5180
جزائهم على أعمالهم الجليلة، في غير الجهاد بالمال والنفس، بأن تكون النفقة الصغيرة فيه كالنفقة الكبيرة في غيره من أنواع المبرات، والمشقة القليلة فيه كالمشقة الكبيرة فيما عداه من الأعمال الصالحة.
فصل في ذكر الأحاديث المناسبة للآية
عن سهل بن سعد الساعدي، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها"، وفي رواية "وما فيها" متفق عليه.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ ، "تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهادًا في سبيل الله، وإيمانًا بي وتصديقًا برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنّة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمَّد بيده، ما من كلم يكلم في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم، لونه لون دم وريحه ريح مسك، والذي نفس محمَّد بيده، لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمَّد بيده، لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل". متفق عليه، هذا لفظ مسلم وللبخاري بمعناه.
وعن أبي سعيد الخدري، قال: أتى رجل رسول الله، ﷺ ، فقال: أي الناس أفضل؟ قال: "مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله"، قال: ثم من؟ قال: "ثم رجل في شعب من الشعاب يعبد الله". متفق عليه. وفي رواية" "يتقي الله ويدع الناس من شره".
وعن أبي هريرة، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديق بوعده، فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة يعني حسنات" أخرجه البخاري.
وعن ابن عباس، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "ما اغبرت قدما عبد في سبيل
стр. 5181
الله فتمسه النار". أخرجه البخاري.
وعن أبي مسعود الأنصاري البدري، قال: جاء رجل بناقة مخطومة إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: "هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : "لك بها يوم القيامة سبع مئة ناقة كلها مخطومة" أخرجه مسلم.
وعن خريم بن فاتك، قال رسول الله ﷺ : "من أنفق نفقة في سبيل الله،
كتب الله له سبع مئة ضعف" أخرجه الترمذي والنسائي.
١٢٢ - واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى (١): ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾. فذهب جماعة: إلى أنه من بقية أحكام الجهاد؛ لأنه سبحانه لما بالغ في الأمر بالجهاد، والانتداب إلى الغزو كان المسلمون إذا بعث رسول الله، ﷺ ، سرية إلى الكفار، ينفرون جميعًا، ويتركون المدينة خاليةً، فأخبرهم الله سبحانه بأنه ما كان لهم ذلك؛ أي: أن ينفروا جميعًا. وذهب آخرون: إلى أن هذه الآية، ليست من بقية أحكام الجهاد، وهي حكم مستقل بنفسه في مشروعية الخروج لطلب العلم، والنفقة في الدين، جعله الله سبحانه متصلًا بما دل على وجوب الخروج للجهاد، فيكون السفر نوعين:
الأول: سفر الجهاد.
والثاني: السفر لطلب العلم، ولا شك أن وجوب الخروج لطلب العلم إنما يكون إذا لم يجد الطالب من يتعلم منه في الحضر من غير سفر، والفقه هو العلم بالأحكام الشرعية، وبما يتوصل به إلى العلم بها، من لغة ونحو وصرف وبيان، وأصول؛ أي: وما كان ينبغي أن يفعل المؤمنون النفر والخروج للجهاد جميعًا، ويتركوا المدينة خالية، ورسول الله، ﷺ ، منفرد وحده؛ لأن ذلك يخل بأمر المعاش ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾؛ أي: فهلا خرج للجهاد، ﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ﴾؛ أي: من كل قبيلة منهم، ﴿طَائِفَةٌ﴾؛ أي: جماعة ليقوموا بواجب الجهاد، وبقيت طائفة أخرى منهم، في المدينة مع رسول الله، ﷺ ، ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾؛ أي: لتتعلم
стр. 5182
تلك الباقية أحكام دينهم من النبي، ﷺ ، ﴿وَلِيُنْذِرُوا﴾ ويبشروا، ﴿قَوْمَهُمْ﴾ الذين خرجوا للجهاد بما تعلموا من النبي، ﷺ ، ﴿إِذَا رَجَعُوا﴾؛ أي: إذا رجع الخارجون من الغزو، ﴿إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: إلى الباقين في المدينة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾؛ أي: لكي يحذر الخارجون بسبب تعليمهم إياهم، ويخافوا عقاب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.
فالمعنى (١): ما ينبغي ولا يجوز للمؤمنين أن ينفروا جميعًا، ويتركوا النبي، ﷺ ، وحده، بل يجب أن ينقسموا قسمين: طائفة تكون مع رسول الله، ﷺ ، وطائفة تنفر إلى الجهاد؛ لأن ذلك هو المناسب للوقت إذ كانت الحاجة داعية إلى هذا الانقسام، قسم للجهاد، وقسم لتعلم العلم والفقه في الدين؛ لأن أحكام الشريعة كانت تتجدد شيئًا بعد شيء، والماكثون يحفظون ما تجدد، فإذا قدم الغزاة علموهم ما تجدد في غيبتهم.
وفي قوله: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم الاستقامة وتبليغ الشريعة لا الترفع على العباد، والتبسط في البلاد، كما هو دأب أبناء الزمان، اهـ "أبو السعود".
والخلاصة: وما كان من شأن المؤمنين، ولا مما يطلب منهم أن ينفروا جميعًا في كل سرية تخرج للجهاد، فإنه فرض كفاية متى قام به بعض سقط عن الباقين، لا فرض على كل شخص، وإنما يجب ذلك إذا خرج الرسول واستنفرهم للجهاد. فهلا خرج، ونفر من كل فرقة كبيرة منهم، كأهل بلد، أو قبيلة طائفة وجماعة منهم، وتبقى طائفة أخرى للتفقه في الدين، بأن يتكلف الباقون في المدينة الفقاهة في الدين، بما يتجدد نزوله على الرسول، ﷺ من الآيات، وما يكون منه ﷺ ، من بيانها بالقول والعمل، فيعرف الحكم مع حكمته ويوضح المجمل بالعمل به، ولينذروا قومهم الذين نفروا للقاء العدو إذا رجعوا إليهم؛ أي: ليجعلوا أهم قصد لهم من الفقاهة إرشاد هؤلاء وتعليمهم، وإنذارهم عاقبة
стр. 5183
الجهل، وترك العمل بما علموا رجاء أن يخافوا الله ويحذروا عاقبة عصيانه، وأن يكون جميع المؤمنين علماء بدينهم قادرين على نشر دعوته، والحجاج عنه وبيان أسراره للناس، لا أن يوجهوا أنظارهم إلى الرياسات والمناصب العالية، والترفع عن سواد الناس وكسب المال والتشبه بالظلمة والجبارين في ملابسهم ومراكبهم، ومنافسة بعضهم بعضًا.
وفي الآية، إشارة إلى وجوب التفقه في الدين، والاستعداد لتعليمه في مواطن الإقامة، وتفقيه الناس فيه بالمقدار الذي تصلح به حالهم، فلا يجهلون الأحكام الدينية العامة التي يجب على كل مؤمن أن يتعرفها، والناصبون أنفسهم لهذا التفقه على هذا القصد، لهم عند الله تعالى من سامي المراتب ما لا يقل في الدرجة عن المجاهد بالمال، والنفس في سبيل إعلاء كلمة الله، والذود عن الدين والملة، بل هم أفضل منهم في غير الحال التي يكون الدفاع فيها واجبًا عينيًّا على كل شخص.
فصل في ذكر الأحاديث الدالة على فضل التفقه في الدين
وعن معاوية بن أبي سفيان، قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، ويعطي الله، ولم يزل أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي أمر الله" متفق عليه.
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "تجدون الناس خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا" متفق عليه. وعن ابن عباس، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد" أخرجه الترمذي.
وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم" أخرجه الترمذي. وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ : "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة" أخرجه الترمذي.
وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع" أخرجه الترمذي.
стр. 5184
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي، ﷺ ، قال: "العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة". أخرجه أبو داود.
والآية المحكمة: هي التي لا اشتباه فيها، ولا اختلاف في حكمها أو ما ليس بمنسوخ، والسنة القائمة هي المستمرة الدائمة التي العمل بها متصل لا يترك، والفريضة العادلة هي التي لا جور فيها ولا حيف في قضائها.
قال الفضيل بن عياض: عالم عامل معلم يدعى عظيمًا في ملكوت السموات، وأخرجه الترمذي موقوفًا. وقال الإِمام الشافعي: طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة.
١٢٣ - ولما أمرهم الله بقتال المشركين كافة، أرشدهم إلى الطريق الأصلح، وهو أن يبدؤوا بقتال الأقرب فالأقرب حتى يصلوا إلى الأبعد فالأبعد، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله، ﴿قَاتِلُوا﴾ الأقوام، ﴿الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾ ويقربونكم، ﴿مِنَ الْكُفَّارِ﴾؛ أي: قاتلوا الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإِسلام في الدار والبلاد والنسب. وبهذا الطريق يحصل الغرض من قتال المشركين كافة؛ لأن قتالهم دفعة واحدة لا يتصور؛ ذاك أن القتال إنما شرع لتأمين الدعوة إلى الدين، والدفاع عن أهله، وقد كانت الدعوة موجهة إلى الأقرب فالأقرب من الكفار، كما قال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
وهذا الترتيب أولى، لوجوه كثيرة:
منها: قلة النفقات والحاجة فيه إلى الدواب والآلات، وسهولة معرفة حال الأقرب من الأسلحة والعسكر، ولأن ترك الأقرب والاشتغال بالأبعد لا يؤمن معه من هجوم العدو على الذراري والضعفاء ومن ثم كان هذا هو الطريق المتبع في الدعوة والنفقات والصدقات، وما يدار في المجالس من شراب ونحوه، فكان النبي، ﷺ ، يعطي من على يمينه، وإن لم يكن أفضل الجالسين، ثم الذي يليه ثم الذي يليه، وقال للأعرابي الذي كان يمد يده إلى الجوانب البعيدة: "كل مما يليك".
стр. 5185
﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ﴾؛ أي: وليدرك الكفار فيكم أيها المؤمنون ﴿غِلْظَةً﴾؛ أي: شدةً عظيمةً وخشونة، وجرأة وصبرًا على القتال وعنفًا في القتال والأسر ونحو ذلك، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾. والغلظة في زمن الحرب مما تقتضيه الطبيعة والمصلحة، لما فيها من شدة الزجر والمنع عن القبيح.
وفي الآية إيماءٌ إلى أنه قد يحتاج حينًا إلى الرفق واللين وآخر إلى العنف والشدة، لا أن يقتصر على الغلظة فحسب، فإن ذلك مما ينفر، ويوجب تفرق الناس عنهم. وإنما أمروا بذلك في القتال، وما يتصل بالدعوة إلى الإِسلام للإِرشاد، إلا أنه يجب أن تكون حالهم في الأمور العامة مبنية على الرفق والعدل والتؤدة في المعاملة، ومن ثم صار ذلك من أخص صفات المسلمين. وقرأ الجمهور: ﴿غِلْظَةً﴾ بكسر الغين، وهي لغة أسد. وقرأ الأعمش، وأبان بن تغلب، والمفضل، كلاهما عن عاصم، بفتحها، وهي لغة الحجاز. وأبو حيوة، والسلمي، وابن أبي عبلة، والمفضل، وأبان أيضًا، بضمها وهي لغة تميم. وعن أبي عمرو ثلاث اللغات ذكره أبو حيان.
﴿وَاعْلَمُوا﴾ أيها المؤمنون، ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ، ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ الله بالمعونة، والنصرة على أعدائهم، والمراد أن يكون الإقدام على الجهاد بسبب تقوى الله، لا بسبب طلب المال والجاه؛ أي: واعلموا أن الله معكم أيها المؤمنون بالمعونة والنصر، إذا اتقيتموه وراعيتم أحكامه وسننه وابتعدتم عن التقصير في أسباب النصر والغلب، من إعداد العدة المناسبة للزمان والمكان التي عناها الله تعالى بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ومن الثبات والصبر والطاعة وحسن النظام وترك التنازع والاختلاف وكثرة ذكر الله، والتوكل عليه فيما وراء الأسباب والسنن المعروفة.
١٢٤ - ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ من سور القرآن، والحال أن المنافقين ليسوا حاضرين مجلس نزولها، وليس في السورة فضيحة لهم، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾؛ أي: فمن المنافقين فريق، يقول لأصحابه استهزاءً أو للمؤمنين: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ﴾ السورة، ﴿إِيمَانًا﴾؛ أي: تصديقًا ويقينًا. وقرأ الجمهور: ﴿أَيُّكُمْ﴾ بالرفع. وقرأ