← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

الله فتمسه النار". أخرجه البخاري. وعن أبي مسعود الأنصاري البدري، قال: جاء رجل بناقة مخطومة إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: "هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : "لك بها يوم القيامة سبع مئة ناقة كلها مخطومة" أخرجه مسلم. وعن خريم بن فاتك، قال رسول الله ﷺ : "من أنفق نفقة في سبيل الله، كتب الله له سبع مئة ضعف" أخرجه الترمذي والنسائي. ١٢٢ - واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى (١): ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾. فذهب جماعة: إلى أنه من بقية أحكام الجهاد؛ لأنه سبحانه لما بالغ في الأمر بالجهاد، والانتداب إلى الغزو كان المسلمون إذا بعث رسول الله، ﷺ ، سرية إلى الكفار، ينفرون جميعًا، ويتركون المدينة خاليةً، فأخبرهم الله سبحانه بأنه ما كان لهم ذلك؛ أي: أن ينفروا جميعًا. وذهب آخرون: إلى أن هذه الآية، ليست من بقية أحكام الجهاد، وهي حكم مستقل بنفسه في مشروعية الخروج لطلب العلم، والنفقة في الدين، جعله الله سبحانه متصلًا بما دل على وجوب الخروج للجهاد، فيكون السفر نوعين: الأول: سفر الجهاد. والثاني: السفر لطلب العلم، ولا شك أن وجوب الخروج لطلب العلم إنما يكون إذا لم يجد الطالب من يتعلم منه في الحضر من غير سفر، والفقه هو العلم بالأحكام الشرعية، وبما يتوصل به إلى العلم بها، من لغة ونحو وصرف وبيان، وأصول؛ أي: وما كان ينبغي أن يفعل المؤمنون النفر والخروج للجهاد جميعًا، ويتركوا المدينة خالية، ورسول الله، ﷺ ، منفرد وحده؛ لأن ذلك يخل بأمر المعاش ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾؛ أي: فهلا خرج للجهاد، ﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ﴾؛ أي: من كل قبيلة منهم، ﴿طَائِفَةٌ﴾؛ أي: جماعة ليقوموا بواجب الجهاد، وبقيت طائفة أخرى منهم، في المدينة مع رسول الله، ﷺ ، ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾؛ أي: لتتعلم

стр. 5182

تلك الباقية أحكام دينهم من النبي، ﷺ ، ﴿وَلِيُنْذِرُوا﴾ ويبشروا، ﴿قَوْمَهُمْ﴾ الذين خرجوا للجهاد بما تعلموا من النبي، ﷺ ، ﴿إِذَا رَجَعُوا﴾؛ أي: إذا رجع الخارجون من الغزو، ﴿إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: إلى الباقين في المدينة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾؛ أي: لكي يحذر الخارجون بسبب تعليمهم إياهم، ويخافوا عقاب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. فالمعنى (١): ما ينبغي ولا يجوز للمؤمنين أن ينفروا جميعًا، ويتركوا النبي، ﷺ ، وحده، بل يجب أن ينقسموا قسمين: طائفة تكون مع رسول الله، ﷺ ، وطائفة تنفر إلى الجهاد؛ لأن ذلك هو المناسب للوقت إذ كانت الحاجة داعية إلى هذا الانقسام، قسم للجهاد، وقسم لتعلم العلم والفقه في الدين؛ لأن أحكام الشريعة كانت تتجدد شيئًا بعد شيء، والماكثون يحفظون ما تجدد، فإذا قدم الغزاة علموهم ما تجدد في غيبتهم. وفي قوله: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم الاستقامة وتبليغ الشريعة لا الترفع على العباد، والتبسط في البلاد، كما هو دأب أبناء الزمان، اهـ "أبو السعود". والخلاصة: وما كان من شأن المؤمنين، ولا مما يطلب منهم أن ينفروا جميعًا في كل سرية تخرج للجهاد، فإنه فرض كفاية متى قام به بعض سقط عن الباقين، لا فرض على كل شخص، وإنما يجب ذلك إذا خرج الرسول واستنفرهم للجهاد. فهلا خرج، ونفر من كل فرقة كبيرة منهم، كأهل بلد، أو قبيلة طائفة وجماعة منهم، وتبقى طائفة أخرى للتفقه في الدين، بأن يتكلف الباقون في المدينة الفقاهة في الدين، بما يتجدد نزوله على الرسول، ﷺ من الآيات، وما يكون منه ﷺ ، من بيانها بالقول والعمل، فيعرف الحكم مع حكمته ويوضح المجمل بالعمل به، ولينذروا قومهم الذين نفروا للقاء العدو إذا رجعوا إليهم؛ أي: ليجعلوا أهم قصد لهم من الفقاهة إرشاد هؤلاء وتعليمهم، وإنذارهم عاقبة

стр. 5183

الجهل، وترك العمل بما علموا رجاء أن يخافوا الله ويحذروا عاقبة عصيانه، وأن يكون جميع المؤمنين علماء بدينهم قادرين على نشر دعوته، والحجاج عنه وبيان أسراره للناس، لا أن يوجهوا أنظارهم إلى الرياسات والمناصب العالية، والترفع عن سواد الناس وكسب المال والتشبه بالظلمة والجبارين في ملابسهم ومراكبهم، ومنافسة بعضهم بعضًا. وفي الآية، إشارة إلى وجوب التفقه في الدين، والاستعداد لتعليمه في مواطن الإقامة، وتفقيه الناس فيه بالمقدار الذي تصلح به حالهم، فلا يجهلون الأحكام الدينية العامة التي يجب على كل مؤمن أن يتعرفها، والناصبون أنفسهم لهذا التفقه على هذا القصد، لهم عند الله تعالى من سامي المراتب ما لا يقل في الدرجة عن المجاهد بالمال، والنفس في سبيل إعلاء كلمة الله، والذود عن الدين والملة، بل هم أفضل منهم في غير الحال التي يكون الدفاع فيها واجبًا عينيًّا على كل شخص. فصل في ذكر الأحاديث الدالة على فضل التفقه في الدين وعن معاوية بن أبي سفيان، قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، ويعطي الله، ولم يزل أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي أمر الله" متفق عليه. وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "تجدون الناس خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا" متفق عليه. وعن ابن عباس، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد" أخرجه الترمذي. وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم" أخرجه الترمذي. وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ : "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة" أخرجه الترمذي. وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع" أخرجه الترمذي.

стр. 5184

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي، ﷺ ، قال: "العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة". أخرجه أبو داود. والآية المحكمة: هي التي لا اشتباه فيها، ولا اختلاف في حكمها أو ما ليس بمنسوخ، والسنة القائمة هي المستمرة الدائمة التي العمل بها متصل لا يترك، والفريضة العادلة هي التي لا جور فيها ولا حيف في قضائها. قال الفضيل بن عياض: عالم عامل معلم يدعى عظيمًا في ملكوت السموات، وأخرجه الترمذي موقوفًا. وقال الإِمام الشافعي: طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة. ١٢٣ - ولما أمرهم الله بقتال المشركين كافة، أرشدهم إلى الطريق الأصلح، وهو أن يبدؤوا بقتال الأقرب فالأقرب حتى يصلوا إلى الأبعد فالأبعد، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله، ﴿قَاتِلُوا﴾ الأقوام، ﴿الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾ ويقربونكم، ﴿مِنَ الْكُفَّارِ﴾؛ أي: قاتلوا الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإِسلام في الدار والبلاد والنسب. وبهذا الطريق يحصل الغرض من قتال المشركين كافة؛ لأن قتالهم دفعة واحدة لا يتصور؛ ذاك أن القتال إنما شرع لتأمين الدعوة إلى الدين، والدفاع عن أهله، وقد كانت الدعوة موجهة إلى الأقرب فالأقرب من الكفار، كما قال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. وهذا الترتيب أولى، لوجوه كثيرة: منها: قلة النفقات والحاجة فيه إلى الدواب والآلات، وسهولة معرفة حال الأقرب من الأسلحة والعسكر، ولأن ترك الأقرب والاشتغال بالأبعد لا يؤمن معه من هجوم العدو على الذراري والضعفاء ومن ثم كان هذا هو الطريق المتبع في الدعوة والنفقات والصدقات، وما يدار في المجالس من شراب ونحوه، فكان النبي، ﷺ ، يعطي من على يمينه، وإن لم يكن أفضل الجالسين، ثم الذي يليه ثم الذي يليه، وقال للأعرابي الذي كان يمد يده إلى الجوانب البعيدة: "كل مما يليك".

стр. 5185

﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ﴾؛ أي: وليدرك الكفار فيكم أيها المؤمنون ﴿غِلْظَةً﴾؛ أي: شدةً عظيمةً وخشونة، وجرأة وصبرًا على القتال وعنفًا في القتال والأسر ونحو ذلك، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾. والغلظة في زمن الحرب مما تقتضيه الطبيعة والمصلحة، لما فيها من شدة الزجر والمنع عن القبيح. وفي الآية إيماءٌ إلى أنه قد يحتاج حينًا إلى الرفق واللين وآخر إلى العنف والشدة، لا أن يقتصر على الغلظة فحسب، فإن ذلك مما ينفر، ويوجب تفرق الناس عنهم. وإنما أمروا بذلك في القتال، وما يتصل بالدعوة إلى الإِسلام للإِرشاد، إلا أنه يجب أن تكون حالهم في الأمور العامة مبنية على الرفق والعدل والتؤدة في المعاملة، ومن ثم صار ذلك من أخص صفات المسلمين. وقرأ الجمهور: ﴿غِلْظَةً﴾ بكسر الغين، وهي لغة أسد. وقرأ الأعمش، وأبان بن تغلب، والمفضل، كلاهما عن عاصم، بفتحها، وهي لغة الحجاز. وأبو حيوة، والسلمي، وابن أبي عبلة، والمفضل، وأبان أيضًا، بضمها وهي لغة تميم. وعن أبي عمرو ثلاث اللغات ذكره أبو حيان. ﴿وَاعْلَمُوا﴾ أيها المؤمنون، ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ، ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ الله بالمعونة، والنصرة على أعدائهم، والمراد أن يكون الإقدام على الجهاد بسبب تقوى الله، لا بسبب طلب المال والجاه؛ أي: واعلموا أن الله معكم أيها المؤمنون بالمعونة والنصر، إذا اتقيتموه وراعيتم أحكامه وسننه وابتعدتم عن التقصير في أسباب النصر والغلب، من إعداد العدة المناسبة للزمان والمكان التي عناها الله تعالى بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ومن الثبات والصبر والطاعة وحسن النظام وترك التنازع والاختلاف وكثرة ذكر الله، والتوكل عليه فيما وراء الأسباب والسنن المعروفة. ١٢٤ - ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ من سور القرآن، والحال أن المنافقين ليسوا حاضرين مجلس نزولها، وليس في السورة فضيحة لهم، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾؛ أي: فمن المنافقين فريق، يقول لأصحابه استهزاءً أو للمؤمنين: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ﴾ السورة، ﴿إِيمَانًا﴾؛ أي: تصديقًا ويقينًا. وقرأ الجمهور: ﴿أَيُّكُمْ﴾ بالرفع. وقرأ

стр. 5186

زيد بن علي، وعبيد بن عمير، ﴿أَيُّكُمْ﴾ بالنصب على الاشتغال، والنصب فيه عند الأخفش أفصح، كما هو بعد أداة الاستفهام نحو: أزيدًا ضربته؛ أي: وإذا أنزل الله تعالى على رسوله، ﷺ ، سورة من سور كتابه الكريم، فمن المنافقين من يقول لإخوانه، على سبيل الاستهزاء والسخرية هذه المقالة، ليثبتوا علي النفاق، أو يقول لمن يلقاه من المؤمنين مشككًا لهم، ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾؛ أي: من الذي زادته هذه السورة يقينًا بحقية القرآن والإِسلام وصدق الرسول محمَّد، ﷺ ؛ أي: أيكم زادته تصديقًا جازمًا مقترنًا بإذعان النفس، وخضوعًا وأشعرته بلزوم العمل بها لتيقنه بصدق الرسول الذي أنزلت عليه. والإيمان على هذا النحو يزيد بنزول القرآن في عهد الرسول، ﷺ ولا سيما من يحضر نزوله ويسمعه منه، وكذا يزيد بسماعه من غيره في قلب المؤمن قوة إذعان، ورغبة في العمل والقرب من الله تعالى قال تعالى مجيبًا عن هذا السؤال مبينًا حالهم وحال المؤمنين: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله تعالى، وبما جاء من عنده، ﴿فَزَادَتْهُمْ﴾ هذه السورة ﴿إِيمَانًا﴾ بانضمام إيمانهم، بما فيها بإيمانهم السابق؛ لأنهم يقرون عند نزولها بأنها حق من عند الله تعالى، ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾؛ أي: يفرحون بنزولها لما فيها من المنافع الدينية والدنيوية. أي: فأما المؤمنون فيزيدهم نزول القرآن زيادة اليقين، واطمئنان القلب، ويزيدهم قوة في العمل به، والتقرب إلى ربهم وهم يستبشرون بنزولها لما يرجون من خير هذه الزيادة بتزكية أنفسهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. وقال علي بن أبي طالب ﵁: إن الإيمان يبدو لمعة بيضاء في القلب، وكلما ازداد الإيمان عظمًا ازداد ذلك البياض حتى يبيض القلب كله، وإن النِّفاق يبدو لمعة سوداء في القلب، وكلما ازداد النفاق ازداد السواد حتى يسود القلب كله، وايم الله لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود، اهـ "خازن". ١٢٥ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: نفاق وسوء عقيدة، ﴿فَزَادَتْهُمْ﴾ هذه السورة، ﴿رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾؛ أي: عقيدة باطلة إلى عقيدتهم الباطلة، فإنهم

стр. 5187

كانوا مكذبين بالسور النازلة قبل ذلك، والآن صاروا مكذبين بهذه السورة الجديدة، فقد انضم كفر إلى كفر، وإنهم كانوا في العداوة واستنباط وجوه المكر، والآن ازدادت تلك الأخلاق الذميمة بسبب نزول هذه السورة الجديدة، ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ وهذه الحالة أقبح من الحالة الأولى، فإن الأولى ازدياد الرجاسة، وهذه مداومة الكفر وموتهم عليه؛ أي وأما (١) الذين في قلوبهم شك وارتياب دعاهم إلى النفاق بإسرار الكفر، وإظهار الإِسلام فزادتهم كفرًا ونفاقًا مضمومًا إلى كفرهم ونفاقهم السابق، واستحوذ ذلك عليهم واستحكم فيهم إلى أن ماتوا على الكفر والنفاق، على مقتضى سننه تعالى في تأثير الأعمال في صفات النفس، وتغيير هواجس الفكر، ثم عجيب من حالهم وقد كان لهم زاجر فيما يرون فقال: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ والهمزة (٢): فيه للاستفهام التوبيخي على قراءة الياء في يرون وللاستفهام التعجيبي على قراءة التاء فيه. والخطاب فيه للمؤمنين، وهي داخلة على محذوف والواو عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أيجهلون ولا يرون؛ أي؛ يجهل المنافقون ولا يرون أنهم يختبرون في كل عام بأنواع البليات، من المرض والجوع، ومن إظهار الفضيحة على نفاقهم، وعلى تخلفهم من الغزو مرة أو مرتين فأكثر، ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ من نفاقهم ﴿وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾؛ أي: يتعظون بتلك الفتن الموجبة للتوبة، وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ وما بعده معطوف على لا يرون على قراءة الياء التحتية داخل تحت الإنكار والتوبيخ، وعطف على ﴿يُفْتَنُونَ﴾ على قراءة التاء الفوقية. أي: أيجهلون (٣) هذا ويغفلون عن حالهم فيما يعرض لهم عامًا بعد عام، من ضروب الابتلاء والاختبار التي تظهر استعداد النفوس للإيمان والكفر، والتفرقة بين الحق والباطل، ولا ينظرون إلى الآيات الدالة على صدق الرسول، ﷺ ، في كل ما أخبر به، من نصر الله لمن اتبعه، وخذلان أعدائه،

стр. 5188

ووقوع ما أنذرهم به، ومن إنباء الله بما في قلوبهم، وفضيحتهم بما يكتمون من أعمالهم. ثم هم مع كل هذا تمر عليهم الأعوام بعد الأعوام، ولا يتوبون من نفاقهم، ولا يتعظون بما يحل بهم من العذاب، أفبعد هذا برهان على قلة الاستعداد للإيمان، وانطفاء نور الفطرة؛ ولله در القائل: قَدْ تُنْكِرُ العينُ ضوءَ الشمسِ منْ رمدِ ... وينكرُ الفمُ طعمَ الماءِ من سقمِ ١٢٦ - وقرأ الجمهور (١): ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ بالياء والضمير فيه يعود على الذين في قلوبهم مرض. وقرأ حمزة ﴿ترون﴾ بالتاء، خطابًا للمؤمنين. والرؤية يحتمل أن تكون من رؤية القلب ومن رؤية البصر. وقرأ أبي وابن مسعود والأعمش: ﴿أو لا ترى﴾؛ أي: أنت يا محمَّد. وعن الأعمش أيضًا: ﴿أولم تروا﴾. وقال أبو حاتم عنه: ﴿أولم يروا﴾. وقرأ ابن مسعود ﴿ولا هم يتذكرون﴾. ١٢٧ - وبعد أن بين حال تأثير إنزال السورة في المنافقين، وهم غائبون عن مجلس الرسول ﷺ بين حالهم وهم في مجلسه، ﷺ ، حين نزولها واستماع تلاوته لها، فقال: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ فيها بيان حالهم، وكانوا حاضرين مجلس نزولها ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: تغامزوا بالعيون، يدبرون الهرب ليتخلصوا عن تأذي سماعها، يقولون بطريق الإشارة: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ من المسلمين إن قمتم من المجلس، ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ جميعًا عن مجلس نزول الوحي؛ خوفًا من الافتضاح أو غير ذلك. والمعنى؛ أي: وإذا أنزلت سورة وهم في المجلس، تسارقوا النظر وتغامزوا بالعيون على حين تخشع أبصار المؤمنين، وتنحني رؤوسهم، وتشاوروا في الانسلال. من المجلس، خفية لئلا يفتضحوا بما يظهر عليهم من سخرية وإنكار قائلًا بعضهم لبعض: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾؛ أي: هل يراكم الرسول، ﷺ ، أو المؤمنون إذ قمتم من المجلس، ثم انصرفوا جميعًا عن مجلس نزول الوحي، متسللين لواذًا، كراهة منهم لسماعه، وانتظارًا لسنوح

стр. 5189

فرصة الغفلة عنهم، فكلما لمح أحد منهم غفلة عنه انصرف ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عن الإِيمان وعن استماع القرآن ﴿بـ﴾ سبب ﴿أنهم قوم لا يفقهون﴾ ولا يفهمون ما يسمعون من الآيات لسوء فهمهم وعدم تدبرهم؛ أي: صرف الله قلوبهم عن الإيمان الصادق، والاسترشاد بآيات كتابه، إلى ما في ملكوت السموات والأرض، من دلائل قدرته، وهذه الجملة إما إخبار بذلك، أو دعاء عليهم به، والمآل في هذه واحد في كلامه تعالى. ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: ذلك الصرف بسبب أنهم قوم فقدوا فهم الحقائق، وما يترتب عليها من الأعمال، فلا يفقهون ما يسمعون من الآيات لعدم تدبرها والتأمل في معانيها، مع موافقتها للعقل وهدايتها إلى الحق والعدل؛ لأنهم وطنوا أنفسهم على الإعراض عن كل ما جاء به، من غير بحث ولا تأمل، أحق هو أم باطل، أخير هو أم شر، وأنى لمثل هؤلاء، وتلك حالهم أن يهتدوا بنزول الآيات والسور؛ وعزتي وجلالي ١٢٨ - ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ وبعث إليكم يا معشر العرب، ﴿رسولٌ﴾ عظيم الشأن ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: من جنسكم بشر عربي قرشي مثلكم. وقرىء (١): بفتح الفاء؛ أي: من أشرفكم وأفضلكم. قيل: هذه قرءاة فاطمة وعائشة ﵄. وإلى (٢) كون هذه الآية خطابًا للعرب، ذهب جمهور المفسرين؛ وقال الزجاج: هي خطاب لجميع العالم، والمعنى، لقد جاءكم ﴿رَسُولٌ مِنْ﴾ جنسكم في البشرية، إذ لو كان من الملائكة لضعفت قوى البشر عن سماع كلامه، والأخذ عنه. وحاصل المعنى على القول الأول: أي (٣) لقد جاءكم يا معشر العرب رسول من جنسكم ونسبكم، والآية بمعنى قوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾.

стр. 5190

ذاك أن منته على قومه أعظم وحجته بكتابه أنهض، وأولى قومه به قبيلته قريش ثم عشيرته الأقربين، بنو هاشم وبنو المطلب، ولو لم يؤمن به وبكتابه العرب لما آمن العجم، وقد وجه دعوة إلى الأقرب فالأقرب، فآمن العرب بدعوته مباشرة، وآمن العجم بدعوة العرب، والعرب آمنوا بفهم القرآن وبيانه، ﷺ له، بالتبليغ والعمل، وبما شاهدوا من آيات الله في شخصه، وقد امتن عليه (١) وعلى قومه بالقرآن المجيد فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾؛ أي: وإنه لشرف لك ولهم، تُذْكَرُون به في العالم، ويدون لكم في بطون الكتب والدفاتر وإنما قاومه أكابر قومه أنفةً واستكبارًا عن اتباعه، إذ هم يرونه دونهم، إلَّا أنَّ في اتباعه إقرارًا بكفرهم وكفر أبائهم الذين يفاخرون بهم، إلا أنهم لم يكونوا على ثقة من فوزه ونيلهم باتِّباعه مجد الدنيا وسعادة الآخرة. ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: شاق شديد، ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على هذا الرسول الكريم، ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾؛ أي: ما أثمتم وأذنبتم فهو يخاف عليكم الوقوع في العذاب، لكونه من جنسكم ومبعوثًا لهدايتكم، والعنت التعب لهم، والمشقة عليهم بعذاب الدنيا بالسيف ونحوه، أو بعذاب الآخرة في النار أو بمجموعهما. والظاهر (٢)، أن ما مصدرية، في موضع الفاعل بعزيز، أي: يعز عليه عنتكم ومشقتكم، كما قال الشاعر: يَسُرُّ الْمَرْءَ مَا ذَهَبَ اللَّيَالي ... وَكَانَ ذَهَابُهُنَّ لَهُ ذَهَابَا أي: يسر المرء ذهابُ الليالي؛ أي: شديدٌ عليه عنتكم ولقاؤكم المكروه؛ لأنه منكم، فليس من الهين عليه أن تكونوا في الدنيا أمة ذليلة يعنتها أعداؤها بالسيطرة عليها، والتحكم فيها، ولا أن تكونوا في الآخرة من أصحاب النار التي وقودها الناس والحجارة. ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: حريص على اهتدائكم وصلاح شأنكم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: شديد الحرص والرغبة في اهتدائكم، وإيصال الخيرات إليكم في الدنيا والآخرة، أو حريصٌ

стр. 5191

وشحيح عديكم بأن تدخلوا النار. ﴿بِاَلمُؤمنِينَ﴾ بالله وبرسوله؛ أي: بجميعهم، ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: شديد الرأفة والشفقة بالمطيعين وكثير الرحمة والإصلاح بالمذنبين. وقيل: رؤوف بمن رآه، رحيم بمن لم يره. وقيل: رؤوف بأقربائه، رحيم بغيرهم، ذكره في "البحر". فكل ما يدعو إليه من العمل بشرائع الله فهو دليل على ثبوت هذه الصفات له، وكل شاق منها، كالجهاد فهو منجاة مما هو أشق منه. وقال الحسن بن المفضل: لم يجمع الله لنبي من أنبيائه اسمين من أسمائه، إلا لنبينا محمَّد، ﷺ ، فإنه قال فيه؛ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وقال تعالى في حق نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وقرأ ابن عباس (١)، وأبو العالية والضحاك وابن محيصن، ومحبوب عن أبي عمرو، وعبد الله بن قسيط، المكي، ويعقوب من بعض طرقه: ﴿من أنفسكم﴾ بفتح الفاء. ورويت هذه القراءة عن رسول الله، ﷺ ، وعن فاطمة وعائشة ﵄ كما مر، والمعنى، من أشرفكم وأعزكم، وذلك من النفاسة، وهو راجع لمعنى النفس، فإنها أعز الأشياء. وقرىء "رؤوف" بالمد؛ أي: بزيادة واو بعد الهمزة وبالقصر؛ أي: بحذف الواو قراءتان سبعيتان في هذه الكلمة حيثما وقعت في القرآن. ١٢٩ - ثم قال الله (٢) مخاطبًا لرسوله محمَّد ﷺ ، ومسليًا له ومرشدًا له، إلى ما يقوله عندما يعصى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: فإن (٣) تولى هؤلاء المنافقون والكفار عن الإيمان والتوبة، وناصبوك الحرب؛ أي: فإن تولوا وأعرضوا عن الإيمان بك، والاهتداء بما جئتهم به، ولم يعملوا به، ولا قبلوه بعد هذه الحالة التي منّ الله عليهم بها، من إرسالك إليهم، واتصافك بهذه الأوصاف الجميلة، ﴿فَقُلْ﴾ يا محمَّد: ﴿حَسْبِيَ﴾ وكافيَّ، ﴿اللَّهُ﴾

стр. 5192

المنفرد بالأولوهية؛ أي: فالله هو كافيَّ من شرهم، فإنه يعينك عليهم ويكفيك أمر توليهم، وما يتبعه من عداوتهم وصدهم عن سبيله فقد بلغت وما قصرت، ﴿لَا إِلَهَ﴾؛ أي: لا معبود بحق ولا حافظ ولا ناصر ﴿إِلَّا هُوَ﴾ ؛ أي: لا معبود سواه ألجأ إليه بالدعاء والإعانة، وهو الكافي والمعين، ﴿عَلَيْهِ﴾ لا على غيره، ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ واعتمدت، وإليه أموري فوضت لا إلى غيره، فلا أكل أمري فيما عجزت عنه إلى غيره، ﴿وَهُوَ﴾ ، ﴿رَبُّ الْعَرْشِ﴾؛ أي: مالك وخالق العرش، ﴿الْعَظِيمِ﴾ وصفه بالعظم؛ لأنه أعظم المخلوقات، ولأجل عظمه خصه بالذكر، مع أن الله رب كل شيء، فذكره أمدح للباري. وقد قرأ (١) الجمهور: ﴿العظيمِ﴾ بالجر على أنه صفة للعرش، ومعنى عظمه، كبر جرمه واتساع جوانبه. وقرأ ابن محيصن: ﴿العظيم﴾ برفع الميم على أنه صفة لرب. وقد رويت هذه القراءة عن ابن كثير. ومعنى عظمه تعالى، تنزهه عن جميع النقائص واتصافه بجميع الكمالات. وقال أبو (٢) بكر الأصم: وهذه القراءة أعجب إليّ؛ لأن جعل العظيم صفةً لله تعالى أولى من جعله صفة للعرش، اهـ والعرش (٣)، مركز تدبير أمور الخلق، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ وعظمته بعظمة الرب الذي استوى عليه، وعظمة الملك الكبير الذي هو مركز تدبيره، وعظمة العرش والملك في الملأ الأعلى، وفيما دونه، هي مظهر عظمة الله . ودليل على أنه وحده الإله الحق، الذي لا ينبغي أن يعبد غيره، ولا يتوكل على سواه وهو المالك للعالم كله والمدبر لهم. روى (٤) أحمد والبخاري والترمذي وغيرهم، عن زيد بن ثابت، في جمع القرآن وكتابته في عهد أبي بكر، أنه قال: حتى وجدت من سورة التوبة آيتين عند خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ...﴾ إلى آخرها، يريد أنه لم يجدهما مكتوبتين عندما جمع المكتوب

стр. 5193

في الرقاع والأكتاف والعُسُب إلا عنده، وقد كانتا محفوظتين معروفتين للكثير كما صُرح ذلك في الروايات الأخرى. فقد أخرج ابن أبي داود في "المصاحف"، عن عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ إلى عمر، فقال: من معك على هذا؟ فقال: لا أدري، والله إني أشهد لسمعتهما من رسول الله، ﷺ ، ووعيتهما وحفظتهما، فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتهما من رسول الله، ﷺ ، لو كانت ثلاث آيات لجعلتهما سورة على حدة، فانظروا سورةً من القرآن فالحقوها بها، فألحقت في آخر براءة وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، أن رجلًا من الأنصار جاء بهما عمر، فقال عمر: لا أسألك عليها بينة أبدًا، كذلك كان رسول الله، ﷺ ، يقرؤها. ومن هذه الروايات يعلم، أن الآيتين كانتا محفوظتين مشهورتين، إلا أنهم اختلفوا في موضعهما، ففي بعضها أنهما آخر سورة براءة بالتوقيف من النبي، ﷺ . وفي بعضها أنهما وضعتا بالرأي والاجتهاد، ولكن المعتمد هو الأول؛ لأن من حفظ بالتوقيف حجة على من لم يحفظ. قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري": إن زيدًا لم يكن يعتمد في جمع القرآن على علمه، ولا يقتصر على حفظه، واكتفاؤه بخزيمة وحده إنما كان لأنه لم يجدهما مكتوبتين عند غيره وإن كانتا محفوظتين عنده وعند غيره، وحسبك دليلًا على ذلك قوله: إنهم كانوا يسمعون رسول الله، ﷺ ، يقرؤها فهو صريح في أن البحث عمن كتبها فقط، اهـ فجملة القول أن الآيتين كانتا محفوظتين ومكتوبتين ومعروفتين لكثير من الصحابة، وإنما اختلفوا حين الجمع، في موضع كتابتهما، حتى شهد من شهد أن النبي، ﷺ ، هو الذي وضعهما في آخر سورة براءة وفاقًا لقول أبيّ بن كعب، وهو أحد الذين تلقوا القرآنَ كُلَّه مرتبًا عن النبي، ﷺ ، وكذا زيد بن ثابت، وكان عدد المختلفين في موضعهما قليلًا، فلما كتبتا في المصاحف وافق الجميع على وضعهما هذا، ولم يروا أيَّ اعتراض على ذلك ممن كتبوا لأنفسهم مصاحف اعتمدوا فيها على حفظهم، كابن مسعود ﵁.

стр. 5194

فائدة: وفي كتاب أبي داود عن أبي الدرداء، قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى: حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، سبع مرات، كفاه الله تعالى ما أهمه، ذكره في "البحر". الإعراب ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿كَانَ﴾ فعل ماضٍ ناقص. ﴿لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، خبر مقدم لـ ﴿كَانَ﴾ على اسمها. ﴿وَمَنْ﴾ اسم موصول، معطوف على أهل المدينة. ﴿حَوْلَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، صلة لـ ﴿مِنَ﴾ الموصولة. ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ﴾: جار ومجرور، حال من الضمير المستقر في الظرف. ﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل. ﴿عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر، مرفوع على كونه اسم كان مؤخرًا، تقديره: ما كان التخلف عن رسول الله جائزًا لأهل المدينة ومن حولهم، ولا لائقًا بهم، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة. ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ﴿وَلَا يَرْغَبُوا﴾: الواو: عاطفة. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَرْغَبُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿يَتَخَلَّفُوا﴾ ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾ جار ومجرور متعلق به، وكذلك، يتعلق به الجار والمجرور في قوله: ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ والتقدير: ولا الرغبة بأنفسهم عن نفسه كائنًا. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾، الباء: حرف جر وسبب. ﴿أَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه. ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ فعل ومفعول وفاعل. ﴿وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ معطوفان على ظمأ. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بيصيب، أو حال من ضمير المفعول في ﴿يُصِيبُهُمْ﴾ وجملة يصيب، في محل الرفع خبر ﴿أَنّ﴾، ولكنه خبر سببي، وجملة ﴿أَنّ﴾ في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره؛ ذلك بسبب عدم إصابة ظمأ ولا نصب ولا مخمصة ﴿في سبيل الله﴾، الجار والمجرور، متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: ذلك النهي عن التخلف،

стр. 5195

كائن بسبب عدم إصابتهم ظمأ ولا نصب، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿وَلَا يَطَئُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على قوله ﴿لَا يُصِيبُهُمْ﴾ ﴿مَوْطِئًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة. ﴿يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَوْطِئًا﴾ والجملة في محل النصب، صفة لـ ﴿مَوْطِئًا﴾. ﴿وَلَا يَنَالُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف أيضًا على ﴿يُصِيبُهُمْ﴾ ﴿مِنْ عَدُوٍّ﴾ متعلق به. ﴿نَيْلًا﴾ منصوب على المصدرية. ﴿إِلَّا كُتِبَ﴾ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿كُتِبَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق به، وكذا يتعلق به الجار والمجرور في قوله: ﴿بِهِ﴾ ﴿عَمَلٌ﴾: نائب فاعل ﴿صَالِحٌ﴾: صفة له، والجملة الفعلية في محل النصب، حال من مفعول ﴿يُصِيبُهُمْ﴾ ومن فاعل يطئون وينالون وفي "الفتوحات" قوله: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾: جملة ﴿كُتِبَ﴾ حالية، فهذا التركيب نظير قولك: ما جاء زيد إلا راكبًا، اهـ شيخنا. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه. ﴿لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: فعل ومفعول ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على الجلالة، والجملة الفعلية في محل الرفع، خبر إن، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾. ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ﴾ فعل وفاعل، في محل الرفع معطوف على قوله: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ﴾ ﴿نَفَقَةً﴾: مفعول به ﴿صَغِيرَةً﴾: صفة لها ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾: معطوف على ﴿صَغِيرَةً﴾ ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿لَا يُصِيبُهُمْ﴾ ﴿وَادِيًا﴾ مفعول به ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿كُتِبَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على المذكور من كل واحد من الأمرين، النفقة وقطع الوادي. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب، حال من النفقة، وقطع الوادي؛ أي: إلا حالة كونهما مكتوبين لهم. ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

стр. 5196

﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾ فعل ومفعول أول وفاعل، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي ﴿أَحْسَنَ مَا﴾: مفعول ثانٍ ومضاف إليه، والجملة الفعلية في تأويل مصدر، مجرور بلام التعليل، تقديره: لجزاء الله إياهم أحسن ما كانوا يعملون، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿كُتِبَ﴾ ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ما كانوا يعملونه. ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾. ﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية. ﴿مَا﴾: نافية ﴿كَانَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿لِيَنْفِرُوا﴾؛ ﴿اللام﴾: حرف جر وجحود ﴿ينفروا﴾: فعل وفاعل، منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود، لوقوعه بعد ﴿كَانَ﴾ المنفية بما. ﴿كَافَّةً﴾: حال من واو ينفروا؛ أي: حالة كونهم مجتمعين، وجملة ينفروا، صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر، مجرور باللام المتعلقة بمحذوف خبر كان، تقديره: وما كان المؤمنون مريدين النفر كافة، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة؛ أي: ما صح لهم ولا استقام أن ينفروا جميعًا، ويتركوا المدينة خالية، بل ينفر من كل فرقة منهم طائفة. وقال النحاس: هذه الجملة لفظها خبر ومعناها أمر؛ أي: نهي؛ أي: لا تنفروا كافةً. ﴿فَلَوْلَا﴾ الفاء: عاطفة. ﴿لولا﴾: حرف تحضيض، بمعنى، هلا ﴿نَفَرَ﴾: فعل ماض ﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نفر﴾ ﴿مِنْهُمْ﴾ صفة لـ ﴿فِرْقَةٍ﴾ ﴿طَائِفَةٍ﴾: فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿كَانَ﴾ ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي ﴿فِي الدِّينِ﴾: متعلق به، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لتفقههم في الدين والجار والمجرور متعلق بمحذوف معطوف على نفر، تقديره: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة؛ وبقيت طائفة في المدينة لتفقههم في الدين ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾: فعل وفاعل، ومفعول منصوب بأن مضمرة، معطوف على قوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ عطف علة على علة ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط متعلق بينذروا، ﴿رَجَعُوا﴾ فعل وفاعل

стр. 5197

﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق به والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ حرف نصب واسمه. وجملة ﴿يَحْذَرُونَ﴾ في محل الرفع خبر، لعل، وجملة، لعل مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾. ﴿يا﴾: حرف نداء ﴿أي﴾ منادى نكرة مقصودة، وجملة النداء مستأنفة ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول، صفة لأي، ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب النداء ﴿يَلُونَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنَ الْكُفَّارِ﴾: جار ومجرور، حال من واو ﴿يَلُونَكُمْ﴾. ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. ﴿وَلْيَجِدُوا﴾ الواو: عاطفة ﴿اللام﴾: لام الأمر ﴿يَجِدُوا﴾: فعل وفاعل، مجزوم بلام الأمر ﴿فِيكُمْ﴾: متعلق به ﴿غِلْظَةً﴾: مفعول به؛ لأن وجد هنا بمعنى أصاب وأدرك، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿قَاتِلُوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿واعلموا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿قَاتِلُوا﴾ ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ظرف ومضاف إليه، خبر أن وجملة أن في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم، تقديره: واعلموا كون الله مع المتقين. ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. ﴿وَإِذَا﴾ الواو: استئنافية ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿مَا﴾: زائدة ﴿أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها ﴿فَمِنْهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذَا﴾ الشرطية ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور، خبر مقدم ﴿مِن﴾: اسم موصول، في محل الرفع مبتدأ مؤخر ﴿يَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير، يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة الفعلية صلة من الموصولة، والجملة الاسمية جواب ﴿إِذَا﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ مستأنفة ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾: مقول محكي،

стр. 5198

ليقول، وإن شئت قلت: ﴿أَيُّكُمْ﴾: اسم استفهام للاستفهام الإنكاري، مبتدأ مرفوع، والكاف: مضاف إليه ﴿زَادَتْهُ﴾: فعل ومفعول أول ﴿هَذِهِ﴾ فاعل ﴿إِيمَانًا﴾: مفعول ثانٍ، والجملة الفعلية في محل الرفع، خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول القول ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت قولهم هذا، وأردت بيان ما يترتب على نزول السورة، فأقول لك: ﴿أما﴾: حرف شرط وتفصيل ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلته ﴿فَزَادَتْهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أما﴾ واقعة في غير موضعها؛ لأن موضعها موضع ﴿أما﴾ ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على سورة ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ. وجملة ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾: خبره، والجملة الإسمية في محل النصب، حال من هاء ﴿زادتهم﴾ وجملة ﴿زادتهم﴾ في محل الرفع خبر الموصول، ولكنه خبر سببي، والجملة من المبتدأ والخبر جواب ﴿أما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أما﴾ في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. ﴿وَأَمَّا﴾ الواو: عاطفة ﴿أما﴾: حرف شرط. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: خبر مقدم ﴿مَرَضٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة صلة الموصول ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا﴾: فعل ومفعولان، والفاء: رابطة لجواب ﴿أما﴾ والفاعل ضمير مستتر، يعود على السورة ﴿إِلَى رِجْسِهِمْ﴾: جار ومجرور، صفة لـ ﴿رِجْسًا﴾ تقديره: رجسا منضمًا إلى رجسهم، وجملة ﴿زادتهم﴾ جواب ﴿أما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أما﴾ في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿أما﴾ الأولى ﴿وَمَاتُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿زادتهم﴾ ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الإسمية في محل النصب، حال من فاعل ﴿ماتوا﴾. ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.

стр. 5199

﴿أَوَلَا﴾: الهمزة فيه: للاستفهام التوبيخي، على قراءة الياء التحتية في يرون، وللتعجبي على قراءة التاء الفوقية، داخلة على محذوف تقديره: أيجهلون، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، كما مر في مبحث التفسير. ﴿ألَا﴾: نافية ﴿يَرَوْنَ﴾: فعل وفاعل، والرؤية يحتمل كونها قلبية، وكونها بصرية ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه ﴿يُفْتَنُونَ﴾: فعل ونائب فاعل ﴿فِي كُلِّ عَامٍ﴾: متعلق به ﴿مَرَّةً﴾: منصوب على المفعولية المطلقة ﴿أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾: معطوف عليه، وجملة يفتنون في محل الرفع خبر ﴿أَنّ﴾ وجملة ﴿أَنّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعول ﴿يرى﴾ إن كانت بصرية، أو ساد مسد مفعولي ﴿يرى﴾ إن كانت قلبية، تقديره: أوَلا يرون افتتانهم مرة أو مرتين في كل عام، وجملة ﴿يَرَوْنَ﴾ معطوفة على الجملة المحذوفة، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿يُفْتَنُونَ﴾ ﴿وَلَا﴾ الواو: عاطفة ﴿لَا﴾ نافية ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. وجملة ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ خبره والجملة الاسمية معطوفة على جملة لا يتوبون. ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. ﴿وَإِذَا﴾ الواو: استئنافية. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿مَا﴾: زائدة ﴿أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الجر بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ﴾: فعل وفاعل ﴿إِلَى بَعْضٍ﴾: متعلق به، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ وجملة ﴿إِذَا﴾ مستأنفة ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام الاستخباري ﴿يَرَاكُمْ﴾: فعل ومفعول به ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لقول محذوف، حال من فاعل نظر، تقديره: نظر بعضهم إلى بعض حالة كونهم قائلين: هل يراكم من أحد ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على نظر ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة، مسوقة للدعاء عليهم أو للإخبار عن حالهم، قولان، كما ذكره أبو السعود ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ الباء: حرف جر وسبب ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه ﴿قَوْمٌ﴾: خبره. وجملة ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ صفة لقوم، وجملة ﴿أَنّ﴾ في تأويل مصدر

стр. 5200

مجرور بالباء المتعلقة بـ ﴿صَرَفَ﴾ تقديره: صرف الله قلوبهم بسبب كونهم قومًا لا يفقهون. ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿لَقَدْ﴾: اللام: موطئة للقسم، ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾: فعل، ومفعول، وفاعل، والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ صفة أولى للرسول ﴿عَزِيزٌ﴾: صفة ثانية له، ولكنها سببية ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به ﴿مَا﴾؛ مصدرية ﴿عَنِتُّمْ﴾: فعل وفاعل، صلة ﴿مَا﴾ المصدرية ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر، مرفوع على كونه فاعلًا لعزيز، تقديره: عزيز عليه عنتكم ومشقتكم. ﴿حَرِيصٌ﴾ صفة ثالثة له ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾: تنازع فيه كل من ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿رَءُوفٌ﴾ صفة رابعة له ﴿رَحِيمٌ﴾ صفة خامسة له. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما قلته لك، وأردت ما إذا تولوا عنك فأقول لك. ﴿إن تولوا﴾ ﴿إِنْ﴾: حرف شرط ﴿تَوَلَّوْا﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بإن الشرطية، على كونه فعل شرط لها ﴿فَقُلْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إن الشرطية ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة في محل الجزم بإن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب، مقول لجواب، إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي لـ ﴿قل﴾ وإن شئت قلت: ﴿حَسْبِيَ﴾ خبر مقدم، ومضاف إليه. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿لَا إِلَهَ﴾ ﴿لَا﴾: نافية ﴿إِلَهَ﴾: في محل النصب اسمها، وخبرها محذوف، تقديره: لا إله موجود ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿هُوَ﴾ ضمير للمفرد المنزه عن الذكورة

стр. 5201

والأنوثة، في محل الرفع بدل من الضمير المستكن في خبر ﴿لَا﴾ المحذوف، وجملة ﴿لَا﴾ في محل النصب مقول القول ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بما بعده ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿الْعَظِيمِ﴾: بالجر صفة للعرش، وبالرفع صفة للرب، والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ يقال (١): رغب في الشيء إذا أحبه، وآثره ورغب عنه إذا كرهه، وقد جمع بينهما في الآية ﴿ظَمَأٌ﴾ الظمأ: العطش الشديد، وهو مصدر ظمىء يظمأ، من باب فرح فهو ظمآن، وهي ظمأى ويمد ويقال: ظمآء ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ والنصب: الإعياء والتعب، ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ المخمصة الجوع الشديد. ﴿ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار﴾ والموطىء (٢): اسم مكان، ويجوز أن يكون مصدرًا، يغيظ: بفتح الياء باتفاق السبعة وإن كان يجوز لغة ضمها، إذ يقال: غاظه وأغاظه بمعنى واحد. ذكره "الجمل" والغيظ الغضب ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ في "المختار" (٣)، و"المصباح"، نال خيرًا، ينال نيلًا إذا أصابه، وأصله، نيل، ينيل من باب فهم، والأمر منه، نل وإذا أخبرت عن نفسك كسرت النون، فتقول: نلت اهـ. هذا لفظ الأول، ولفظ الثاني، نال من عدوه، ينال: من باب تعب نيلًا، بلغ منه مقصوده، ومنه قيل نال من امرأته ما أراد اهـ. ﴿وَادِيًا﴾ الوادي في الأصل: المنفرج بين الجبال، أو الآكام؛ أي؛ المنفتح بينها الذي تجتمع وتمر فيه السيول، فهو اسم فاعل من ودي إذا سال، اهـ أبو السعود. والمراد به هنا، مطلق الأرض. وفي "المصباح" وودي الشيء: إذا سال، ومنه اشتقاق الوادي، وهو كل منفرج بين جبال أو آكام يكون منفذًا للسيل، والجمع أودية، ووادي القرى، موضع قريب من المدينة على طريق الحاج، من جهة الشام

стр. 5202

اهـ. وقال أبو حيان: الوادي (١): ما انخفض من الأصل مستطيلًا، كمجاري السيول ونحوها، وجمعته العرب على أودية، وليس بقياسه، قال تعالى: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ وقياسه أوادي على زنة فواعل، لكنهم استثقلوه لجمع الواوين. وقال النحاس: ولا أعرف فاعلًا وأفعله سواه، وذكر غيره: ناد، وأندية. قال الشاعر: وَفيْهِمْ مَقَامَاتٌ حِسَانٌ وُجُوْهُهُمْ ... وَأنْدِيَةٌ يَتَشَابَهَا الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ والنادي: المجلس، وحكى الفراء في جمعه: أوداء، كصاحب وأصحاب. قال جرير: عَرَفْتُ بِبُرْقَةِ الأوْدَاءِ رَسْمَا ... مُجِيْلًا طَالَ عَهْدُكَ مِنْ رُسُوْمِ ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ نفر: بمعنى خرج للقتال. ﴿ولولا﴾ (٢): كلمة تفيد التحضيض، والحث على ما يدخل عليها إذا كان مستقبلًا، واللوم على تركه إذا كان ماضيًا فإن كان مما يمكن تلاقيه .. فربما أفاد الأمر به كما هنا؛ لأن المعنى على الطلب، كأنه قيل: لتخرج طائفة وتبقى أخرى. ﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ والفرقة: الجماعة الكثيرة، والطائفة: الجماعة القليلة ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ يقال: تفقه إذا تكلف الفقاهه والفهم، وتجشم مشاق تحصيلها. ﴿وَلِيُنْذِرُوا﴾ يقال: أنذره إذا خوفه. ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ يقال: حذره، من باب فهم إذا تحرز منه. وقد (٣) جعل الله الغرض من هذا، هو التفقه في الدين، وإنذار من لم يتفقه، فجمع بين المقصدين الصالحين، والمطلبين الصحيحين، وهما تعلم العلم وتعليمه، فمن كان غرضه بطلب العلم غير هذين فهو .. طالب لغرض دنيوي، لا لغرض ديني فهو كما قلت: وَطَالِبُ الدُّنْيَا بِعِلِـ ... ـمِ الدِّيْنِ أيُّ بَائِسِ! كَمَنْ غَدَا لِنَعْلِهِ ... يَمْسَحُ بِالْقَلاَنِسِ

стр. 5203

﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾ في "المصباح" الولى: مثل فلس القرب، وفي الفعل لغتان: أكثرهما، وليه يليه، بالكسر فيهما، والثانية من باب وعد، وهي قليلة الاستعمال، وجلست مما يليه؛ أي: يقاربه، انتهى. وكأنَّ (١) الآي جاءت على اللغة الثانية، وأصله يليون بوزن يعدون، فنقلت ضمة الياء إلى اللام بعد سلب حركتها، ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع الواو. ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ والغلظة: تجمع الجرأة والصبر على القتال وشدة العداوة. ﴿رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ والرجس: القذر والعذاب وزيادته عبارة عن تعمقهم في الكفر وخبطهم في الضلال، وإذا كفروا بسورة فقد زاد كفرهم واستحكم، وتزايد عقابهم ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ بضم الفاء؛ أي: من جنسكم. وقرىء بفتح الفاء؛ أي: من أفضلكم ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: شاق. ﴿عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ والعنت: المشقة ولقاء المكروه الشديد. ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ والحرص: شدة الرغبة في الحصول على مفقود، وشدة عناية بموجود، والرأفة: الشفقة والرحمة والإِحسان فالرؤوف أخص من الرحيم، وإنما قدم عليه رعاية للفواصل. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة، والفصاحة والبيان والبديع: فمنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ وفي قوله: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾. ومنها: الطباق في قوله: ﴿صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾؛ لأن القطع حقيقة في فصل الأجزاء المتصلة، كالحبل. ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿غِلْظَةً﴾؛ لأن الغلظة حقيقة في الأجرام، فاستعيرت هنا للشدة والصبر والتجلد كما في "السمين"، وفيه

стр. 5204

المجاز المرسل، لما فيه من استعمال المسبب في السبب، فإن وجدان الكفار لغلظة المسلمين، سببه إغلاظ المسلمين عليهم ذكره: في "الفتوحات". ومنها: المقابلة في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. ومنها: الجناس الناقص في قوله: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾؛ أي عمى وضلالة لأن الرجس حقيقة في الشيء المستقذر، فاستعاره لعمى قلوبهم وضلالتها. قال في "تلخيص البيان" السورة لا تزيد الأرجاس رجسًا ولا القلوب مرضًا، بل هي شفاءً للصدور وجلاء للقلوب، ولكن المنافقين لما ازدادوا عند نزولها عمى، حسن أن يضاف ذلك إلى السورة على طريق الاستعارة، اهـ. ومنها: الحصر في قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١). والله أعلم * * *

стр. 5205

سورة يونس مكية كلها إلا ثلاث آيات: ٤٠، ٩٤، ٩٦ نزلت بعد سورة الإسراء، وقبل سورة هود. وعدد آياتها تسع ومئة آية. وكلماتها ألف وثمان مئة واثنتان وثلاثون كلمة. وحروفها سبعة آلاف وخمس مئة وسبعة وستون حرفًا. وسميت بذلك لذكر اسمه فيها وقصته. وقد جرت العادة بتسمية السورة ببعض أجزائها. ووجه مناسبتها لما قبلها (١): أن السابقة ختمت بذكر رسالة النبي، ﷺ ، واختتمت بها هذه، وأن جل تلك في أحوال المنافقين، وما كانوا يقولونه وما كانوا يفعلونه حين نزول القرآن، وهذه في أحوال الكفار وما كانوا يقولونه في القرآن. وليس التناسب بين السور سببًا في هذا الترتيب الذي بينهما، فكثيرًا ما نرى صورتين بينهما أقوى تناسب في موضوع الآيات، وقد فصل بينهما كما فعل بسورتي الهمزة واللهب، وموضوعهما واحد، وقد يجمع بينهما تارة أخرى، كما فعل بين سور الطواسين وسور آل حاميم وسورتي المرسلات والنبأ. ومن الحكمة في الفصل بين القوية التناسب في المعاني، أنه أدنى إلى تنشيط تالي القرآن وأبعد به عن الملل وأدعى له إلى التدبر، ولهذه الحكمة عينها تفرق مقاصد القرآن في السورة الواحدة، كالعقائد والأحكام العملية، والحكم الأدبية والترغيب والترهيب والأمثال، والقصص والعمدة في كل ذلك التوقيف والسماع. وقال أبو حيان (٢): مناسبة هذه السورة لما قبلها: أنه تعالى لما أنزل ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ وذكر تكذيب المنافقين ثم قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ وهو محمَّد ﷺ .. أتبع ذلك بذكر الكتاب الذي أنزل، والنبي الذي

стр. 5206

أرسل، وأن ديدن الضالين واحد، متابعيهم ومشركيهم في التكذيب بالكتب الإلهية، وبمن جاء بها، ولما كان ذكر القرآن مقدمًا على ذكر الرسول في آخر السورة جاء في أول هذه السورة كذلك فقدم ذكر الكتاب على ذكر الرسول، انتهى. وموضوع (١) هذه السورة يدور على إثبات أصول التوحيد، وهدم الشرك وإثبات الرسالة والبعث والجزاء وما يتعلق بذلك من مقاصد الدين وأصوله، وهي موضوعات السور المكية. الناسخ والمنسوخ من هذه السورة: قال محمَّد بن حزم: جملة المنسوخ في هذه السورة أربع آيات: أولاهن: قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٥)، نسخت بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ الآية (٢) من سورة الفتح. الثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ الآية (١٠٢) نسخت بآية السيف. الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ الآية (٤١) نسخت بآية السيف. الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ الآية (١٠٨) نسخت بآية السيف انتهى. والله أعلم * * *

стр. 5207

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ .....﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما افتتح السورة بذكر آيات الكتاب، وأنكر على الناس عجبهم أنه يوحى إلى رجل منهم يبشرهم على الأعمال الصالحة بالثواب، وينذرهم على الكفر والمعاصي بالعقاب .. أردف ذلك بذكر أمرين:

стр. 5208

١ - إثبات أن لهذا العالم إلهًا قادرًا نافذ الحكم بالأمر والنهي، يفعل ما يشاء، وهو العليم الخبير. ٢ - إثبات البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال، من ثواب وعقاب وهما اللذان أخبر بهما الأنبياء. وقال أبو حيان مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن من كان قادرًا على إيجاد هذا الخلق العلوي والسفلي العظيمين، وهو ربكم الناظر في مصالحكم، فلا يتعجب أن يبعث إلى خلقه من يحذر من مخالفته، ويبشر على طاعته، إذ ليس خلقهم عبثًا، بل على ما اقتضته حكمته وسبقت به إرادته، إذ القادر العظيم قادر على ما دونه بطريق الأولى، اهـ. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر الآيات الدالة على وجوده، وهو خلق السموات والأرض على ذلك النظام المحكم ... ذكر هنا أنواعًا من آياته الكونية، الدالة على ذلك، وعلى أنه خلقها على غاية من الإحكام والإتقان، وهو تفصيل لما تقدم، وبيان له على وجه بديع وأسلوب عجيب. وقال أبو حيان مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر الدلائل على ربوبيته من إيجاد هذا العالم العلوي والسفلي، ذكر ما أودع في العالم العلوي، من هذين الجوهرين النيرين المشرقين، فجعل الشمس ضياءً، انتهى. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر الأدلة على وجوده تعالى، من خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وأثبت بذلك البعث والجزاء على الأعمال يوم العرض والحساب .. أردف ذلك بذكر حال من كفر به، وأعرض عن البينات الدالة عليه، وحال المؤمنين الذين عملوا الصالحات موقنين بلقاء ربهم، ثم ذكر جزاء كل من الفريقين. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْر ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر تعجب القوم، من

стр. 5209

تخصيص محمَّد بالنبوة، وأزال هذا التعجب بقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ ثم ذكر دلائل التوحيد والبعث والجزاء .. ذكر هنا جوابًا عن شبهة كانوا يقولونها أبدًا، وهي: اللهم إن كان ما يقول محمَّد حقًّا في أداء الرسالة، فأمطر علينا حجارة من السماء. وخلاصة الجواب: أنه لا مصلحة لهم في إيصال الشر إليهم، إذ لو أوصله إليهم لماتوا وهلكوا، ولا صلاح في إماتتهم، فربما آمنوا بعد ذلك، أو خرج من صلبهم من يكون مؤمنًا. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنهم لما استدعوا حلول الشر بهم، وأنه تعالى لا يفعل ذلك بطلبهم، بل يترك من لا يرجو لقائه يعمه في طغيانه .. بين شدة افتقار الناس إليه واضطرارهم إلى استمطار إحسانه، مسيئهم ومحسنهم، وأن من لا يرجو لقاءه مضطر إليه حالة مس التفسير له، فكل يلجأ إليه حينئذٍ، ويفرده بأنه القادر على كشف الضر، ذكره في "البحر". أسباب النزول قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (١) ابن جرير، من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: لما بعث الله محمدًا، ﷺ ، رسولًا، أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر ذلك منهم، فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا، أما وجد الله من يرسله إلا يتيم أبي طالب، فأنزل الله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ...﴾ الآية. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿الر﴾ هذه (٢) الحروف تقرأ ساكنة غير معربة هكذا: ألف لام را والأخير منها غير مهموز.

стр. 5210

والحكمة في مجيئها أول السورة: تنبيه السامع إلى ما يتلى عليه بعدها، لأجل العناية بفهمه، حتى لا يفوته شيء مما يسمع، فهي من وادي حروف التنبيه نحو ﴿لا﴾ و ﴿ها﴾ الداخلة على اسم الإشارة. قال ابن الجوزي (١): فأما قوله: ﴿الر﴾ قرأ ابن كثير: ﴿الر﴾ بفتح الراء. وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿الر﴾ على الهجاء مكسورة، وقد ذكرنا في أول سورة البقرة ما يشتمل على بيان هذا الجنس، وقد خصت هذه الكلمة بستة أقوال: أحدها: أن معناها، أنا الله أرى، رواه الضحاك، عن ابن عباس. والثاني: أنا الله الرحمن، رواه عطاء، عن ابن عباس. والثالث: أنه بعض اسم من أسماء الله، روى عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿الر﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿نون﴾ حروف الرحمن، فالراء والحاء والميم والنون بعض حروف الرحمن. والرابع: أنه قسم أقسم الله به، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس. والخامس: أنه اسم من أسماء القرآن، قاله مجاهد وقتادة. والسادس: أنه اسم لسورة قاله ابن زيد. وقد (٢) اتفق القراء على أن ﴿الر﴾ ليس بآية وعلى أن طه آية. وفي "مقنع" أبي عمرو الداني، أن العادّين لطه آية هم الكوفيون فقط. قيل: ولعل الفرق بينهما أن ﴿الر﴾ لا يشاكل مقاطع الآية التي بعده. والإشارة بقوله: ﴿تِلْكَ﴾ إلى ما تضمنته هذه السورة من الآيات، وأتى باسم إشارة البعيد مع كونها قريبة تنزيلًا لبعدها الرتبي منزلة البعد الحسي، وهو مبتدأ خبره ما بعده؛ أي: هذه الآيات المذكورة في هذه السورة هي ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ أي: آيات من القرآن المحكم بمعنى، المبين في مبانيه الموضح في

стр. 5211

معانيه، والعرب تضع فعيلًا بمعنى، مفعل، أو بمعنى: المحكم بالحلال والحرام والحدود والأحكام، قاله أبو عبيدة وغيره، وقيل: الحكيم معناه الحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ فهو فعيل، بمعنى: فاعل. وقيل الحكيم، يعني: المحكوم فيه، فهو فعيل، بمعنى: مفعول؛ أي: حكم الله فيه بالعدل والإحسان، قاله: الحسن وغيره. وقيل: الحكيم، ذو الحكمة لاشتماله عليها وتعلقه بها. ٢ - والاستفهام في قوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ لإنكار العجب مع ما يفيده من التقريع والتوبيخ؛ أي: لا ينبغي ولا يليق لهم أن يتعجبوا من إرسال هذا الرسول لهم، فهذا رد عليهم في قولهم: العجب أن الله لم يجد رسولًا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، وهم من فرط حماقتهم، وقصر نظرهم على الأمور العاجلة، وجهلهم بحقيقة الوحي، مع أنه ﵊ لم يقصر عن عظمائهم فيما يعتبرونه إلا في المال مع أن خفة المال أليق بحاله، ﷺ ، وما هو بصدده، ولذلك كان أكثر الأنبياء ﵈ قبله كذلك، اهـ "بيضاوي". والعجب: حالةٌ تعتري الإنسان من رؤية شيءٍ على خلاف العادة، وقيل: العجب حالة تعتري الإنسان عند الجهل بسبب الشيء، اهـ "خازن". وقيل: هو استعظام أمر خفي اهـ. واسم كان ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾؛ أي إيحاؤنا ﴿إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ محمَّد، ﷺ ، وخبره ﴿عَجَبًا﴾؛ أي: هل كان عجبًا لأهل مكة إيحاؤنا، وإرسالنا إلى رجل من جنسهم ونسبهم بـ ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾؛ أي: بأن خوف الكافرين من عذاب الله؛ أي: لا ينبغي لهم العجب من ذلك؛ لأنه ليس في إيحائنا إلى رجل من جنسهم ما يقتضى العجب، فإنه لا يلابس الجنس ويرشده، ويخبره عن الله سبحانه إلا من كان من جنسه، ولو كان من غير جنسهم لكان من الملائكة أو من الجن، ويتعذر المقصود من الإِرسال حينئذٍ؛ لأنهم لا يأنسون إليه ولا يشاهدونه، ولو فرضنا تشكله لهم وظهوره، فإما أن يظهر في غير شكل النوع الإِنساني، وذلك أوحش لقلوبهم وأبعد من أنسهم، أو في الشكل الإِنساني، فلا بد من إنكارهم

стр. 5212

لكونه في الأصل غير إنسان، هذا إن كان العجب منهم لكونه من جنسهم، وأما إن كان لكونه يتيمًا، أو فقيرًا، فذلك لا يمنع من أن يكون من كان كذلك جامعًا من خصال الخير والشرف، ما لم يجمعه غيره، وبالغًا في كمال الصفات إلى حد يقصر عنه من كان غنيًّا أو كان غير يتيم. وقد كان لرسول الله، ﷺ ، قبل أن يصطفيه الله تعالى بإرساله، من خصال الكمال عند قريش، ما هو أشهر من الشمس، وأظهر من النهار، حتى كانوا يسمونه الأمين. وقرأ ابن مسعود (١): ﴿عجب﴾ بالرفع على أن كان تامة وعجب فاعلها، والمعنى: أحدث للناس عجب لأن أوحينا إلى رجل منهم، ومعنى: كونه للناس عجبًا، أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها، ونصبوه علمًا لهم يوجهون نحوه استهزاءهم وإنكارهم. وقرأ رؤبة: ﴿إِلَى رَجُلٍ﴾ بسكون الجيم، وهي لغة تميمية، يسكنون فعلًا، نحو: سبع وعضد، في سبع وعضد. ولما كان الإنذار عامًّا، كان متعلقه - وهو الناس - عامًّا، ولما كانت البشارة خاصة كان متعلقها خاصًّا، وهو الذين آمنوا. وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ معطوف على ﴿أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ والمعنى: أكان للناس عجبًا إيحاؤنا إلى رجل منهم، بأن أنذر (٢) الناس كافة، وأعلمهم بالتوحيد والبعث وسائر مقاصد الدين، مع التخويف بعاقبة ما هم عليه، من كفر وضلال، وبشر الذين آمنوا منهم بما أوحيناه إليك، بأن لهم قدم صدق؛ أي: أعمالًا صالحةً استوجبوا بها الثواب منه تعالى، ومنزلة رفيعة نالوها بصدق القول وحسن النية. وفي "الخازن": واختلفت (٣) عبارة المفسرين وأهل اللغة في معنى ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ فقال ابن عباس: أجرًا حسنًا بما قدموا من أعمالهم. وقال الضحاك:

стр. 5213

ثواب صدق. وقال مجاهد: الأعمال الصالحة، صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم. وقال الحسن: عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه. وفي رواية أخرى عن ابن عباس، أنه قال: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول، يعني: في اللوح المحفوظ. وقال زيد بن أسلم: هو شفاعة محمَّد، ﷺ ، وهو قول قتادة. وقيل: لهم منزلة رفيعة عند ربهم، وأضيف القدم إلى الصدق وهو نعته كقولهم: مسجد الجامع، وصلاة الأولى، وحب الحصيد. والفائدة في هذه الإضافة: التنبيه على زيادة الفضل ومدح القدم؛ لأن كل شيء أضيف إلى الصدق فهو ممدوح، ومثله في مقعد صدق ومدخل صدق. وقال أبو عبيدة: كل سابق في خير أو شر، فهو عند العرب قدم، يقال: لفلان قدم في الإِسلام وقدم في الخير، ولفلان عندي قدم صدق وقدم سوء. وقال الليث وأبو الهيثم: القدم: السابقة، والمعنى: أنه قد سبق لهم عند الله خير، والسبب في إطلاق لفظ القدم على هذه المعاني أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم، فسمى المسبب باسم السبب، كما سميت النعمة يدًا؛ لأنها تعطى باليد اهـ. وجملة قوله: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ﴾ مستأنفة (١) استئنافًا بيانيًّا، كأنه قيل: ماذا صنعوا بعد التعجب. وقال القفال: قبله إضمار، تقديره: فلما أتاهم (٢) بوحي الله وتلاه عليهم، قال الكافرون المتعجبون من إيحاء الله تعالى إليه، المنكرون لتوحيد الله ورسالة رسوله: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ القرآن الذي جاء به محمَّد، ﷺ ، ﴿لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر واضح، يبين لكم أنه مبطل فيما يدعيه. وجعلوه سحرًا؛ لأنه خارق للعادة في تأثيره في القلوب، وجذبه النفوس إلى الإِيمان به، واحتقار الحياة، ولذاتها في سبيل الله.

стр. 5214

وخلاصة ذلك: أنه كلام مزخرف حسن الظاهر، لكنه واضح البطلان في الحقيقة. وقد كذبوا في تسميته سحرًا؛ لأن السحر ما يكون بأسباب خفية يتعلمها بعض الناس من بعض، إما بالحيل والشعوذة، وإما باستخدام خواص طبيعية علمية مجهولة للجماهير، وإما بتأثير قوى النفس وتوجيه الإرادة وجميعها من الأمور التي يشترك فيها الكثير من العارفين بها، والقرآن ليس بسحر يؤثر بالعلم والصناعة، بل هو أقوال مشتملة على آداب عالية، وتشريع حكيم فيه مصلحة للناس، ولم يكن ليقدر على شيء من مثله، وبهذا ثبت أنه نبي من عند الله تعالى، وأن ما جاء به وحي من لدنه تعالى. قال ابن عطية (١): وقولهم في الإنذار والبشارة سحر، إنما هو بسبب أنه: فرق كلمتهم وحال بين القريب وقريبه. فأشبه ذلك ما يفعله الساحر، وظنوه من ذلك الباب. وقال الزمخشري: وهذا دليل عجزهم واعترافهم به، وإن كانوا كاذبين في تسميته سحرًا وقرأ (٢) الجمهور، وأبو عمرو وابن عامر ونافع: ﴿لسحر﴾ إشارة إلى الوحي أو القرآن. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف والأعمش وابن محيصن وابن مسعود وأبو رزين ومسروق وابن جبير ومجاهد وابن وثاب وطلحة وابن كثير وعيسى بن عمرو، بخلاف عنهما ﴿لساحر﴾ إشارة إلى الرسول، ﷺ ، وفي مصحف أبيّ ﴿ما هذا إلا سحر﴾. وقرأ الأعمش أيضًا ﴿ما هذا إلا ساحر﴾. وحاصل المعنى على القراءة الثانية أعني القراءة على صيغة اسم الفاعل؛ أي (٣): إن الكافرين لما جاءهم رسول منهم فأنذرهم وبشرهم، قالوا متعجبين: إن هذا الذي يدعي أنه رسول وهو محمَّد، ﷺ ، ساحر ظاهر. وعلى القراءة الأولى، أعني؛ قراءة المصدر؛ أي: إن هذا القرآن لكذب ظاهر ووصف الكفار القرآن بكونه سحرًا، يدل على عظم القرآن عندهم من حيث تعذر المعارضة عليهم

стр. 5215

فيه، فأرادوا بهذا الكلام أن القرآن كلام مزخرف، حسن الظاهر، ولكنه باطل في الحقيقة، وهذا ذم له، أو أرادوا به أنه لكمال فصاحته وتعذر مثله جار مجرى السحر وهذا مدح له وإنما لم يؤمنوا به عنادًا. ٣ - ثم إن الله جاء بكلام يبطل به العجب الذي حصل للكفار، من الإيحاء إلى رجل منهم فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ﴾ ومالككم ومعبودكم الذي يستحق منكم العبادة هو ﴿اللَّهُ﴾؛ أي: هو المعبود بحق الذي لا يعبد معه سواه ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ وأوجد ﴿السموات والأرض﴾ واخترعهما على غير مثال سابق ﴿في﴾ مقدار ﴿سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ معلومة التي أولها الأحد، وآخرها الجمعة ﴿ثُمَّ﴾ بعد خلق السموات والأرض ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ العظيم المخلوق قبلهما استواء يليق بعظمته وجلاله، لا يكيف ولا يمثل ولا يعطل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ حالة كونه ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أي يدبر أمر ملكوت السموات والأرض ويصرفها على الوجه الأكمل، ويقدرها ويقضيها بحسب ما اقتضته حكمته وتعلقت به إرادته. أي: من (١) كان له هذا الاقتدار العظيم الذي تضيق العقول عن تصوره كيف يكون إرساله لرسول إلى الناس من جنسهم، محلًا للتعجب؟ مع كون الكفار يعترفون بذلك، فكيف لا يعترفون بصحة هذه الرسالة بهذا الرسول؟. وحاصل المعنى: أي إن (٢) ربكم هو الله الذي خلق العوالم السماوية التي فوقكم، وهذه الأرض التي تعيشون على ظهرها في ستة أزمنة، قد تم في كل زمن منها، طور من أطوارها، وقدرها بمقادير أرادها، ثم استوى على عرشه الذي جعله مركز هذا التدبير لهذا الملك العظيم، استواء يليق بعظمته وجلاله، حالة كونه يدبر أمر ملكه بما اقتضاه علمه من النظام، واقتضته حكمته من الأحكام، ولا يستنكر من هو رب هذا الخلق المدبر لأمور عباده، أن يفيض ما شاء من علمه على من اصطفى من خلقه، ما يهديهم به، لما فيه كمالهم من

стр. 5216

عبادته، وشكره، وبذلك تصلح أنفسهم، وتطهر قلوبهم، وتستنير أفئدتهم، لتتم لهم بذلك الحياة السعيدة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة، كما لا يستنكر أن هذا الوحي منه ، إذ هو من كمال تقديره وتدبيره، ولا يقدر عليه سواه. وترك العاطف في قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ لأن جملته كالتفسير والتفصيل لما قبلها. وقيل: هي في محل نصب على الحال من ضمير استوى، كما أشرنا إليه في الحل. وقيل: مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وأصل التدبير النظر في أدبار الأمور وعواقبها، لتقع على الوجه المقبول، واشتقاقه من الدبر كما سيأتي في مبحث التصريف إن شاء الله تعالى. وقال مجاهد معناه: يقضيه ويقدره وحده. وقيل: يبعث الأمر. وقيل: ينزل الأمر. وقيل: يأمر به ويمضيه، والمعنى متقارب، والأمر: الشأن، وهو أحوال ملكوت السموات والأرض والعرش وسائر الخلق. وقال أبو السعود: والمراد بالأمر: ملكوت السموات والأرض والعرش، وغير ذلك من الجزئيات الحادثة، شيئًا فشيئًا على أطوار شتى لا تكاد تحصى، اهـ. قال الزجاج (١): إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية، كانوا يقولون: إن الأصنام شفعاؤنا عند الله. فرد الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه بشيء إلا بعد إذنه؛ لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب فقال: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ أي، لا يوجد (٢) شفيع يشفع لأحد عنده تعالى إلا من بعد إذنه، والآية بمعنى، قوله سبحانه؛ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. وقد جاء في كتابه تعالى، أنه لا يشفع أحد عنده بإذنه إلا من ارتضاه للشفاعة كما قال ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ومن أذن له بالشفاعة لا يشفع إلا لمن رضي له الرحمن، لإيمانه وصالح عمله كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. وفي هذا إيماء لدحض العقيدة التي كان يعتقدها مشركو العرب، ومقلدوهم من أهل الكتاب من أن الأصنام والأوثان وعباده المقربين من الملائكة والبشر، يشفعون

стр. 5217

لهم عند الله بما يدفع عنهم الضرر، ويجلب لهم النفع، كما حكى الله تعالى عن عبدة الأصنام قولهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. وفي هذه العقيدة حجة عليهم؛ إذ يقال لهم: إنكم إذا كنتم تؤمنون بأن لله شفعاء من أولياء. وعباده المقربين يشفعون لكم بما يقربكم إليه زلفى، وهو قول عليه تعالى بغير علم، فما بالكم تنكرون وتعجبون، أن يوحي إلى من يشاء، ويصطفي من عباده من يعلمهم ما يهديهم إلى العمل الموصل إلى السعادة، والهادي إلى طريق الرشاد. ﴿ذَلِكُمُ﴾ الرب، الموصوف بالصفات السابقة، من الخلق والتقدير والحكمة والتدبير والتصرف في أمر الشفاعة، يأذن بها لمن يشاء هو ﴿اللَّهُ﴾؛ أي: المعبود بحق في الوجود ﴿رَبُّكُمْ﴾ المتولي شؤونكم ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾؛ أي: أفردوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئًا، ولا تشركوا معه أحدًا، لا في شفاعة، ولا في غيرها، فالشفعاء لا يملكون لكم من دونه نفعًا ولا ضرًّا، بل هو الذي يملك ذلك وحده، وهو قد هداكم إلى أسباب النفع والضر الكسبية بالعقول والمشاعر التي سخرها لكم، وإلى أسباب النفع والضر الغيبية بوحيه، فلا تطلبوا نفعًا ولا ضرًّا إلا بالأسباب التي سخرها لكم، وما تعجزون عنه أو تجهلون أسبابه فادعوه فيه تعالى وحده يحصل لكم ما فيه ترغبون، أو يدفع عنكم ما تكرهون وهذه الجملة زيادة تأكيد لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ للاستفهام الإنكاري المضمن للتوبيخ والتقريع، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتجهلون هذا الحق الواضح، فلا تتذكرون أن الذي خلق السموات والأرض، وانفرد بتدبير هذا العالم، هو الذي يجب أن يعبد، ولا يعبد سواه، وذلك هو مقتضى الفطرة، والإعراض عنه غفلة يجب التنبيه إليها. ٤ - ﴿إِلَيْهِ﴾ لا إلى غيره ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾، أي: رجوعكم أيها الخلائق بالبعث بعد الموت، للمجازاة على أعمالكم؛ أي: إلى ربكم وحده دون غيره من معبوداتكم وشفعائكم وأوليائكم ترجعون ﴿جَمِيعًا﴾ بعد الموت وفناء هذا العالم الذي أنتم فيه، لا يتخلف منكم أحد، فلا حكم إلا حكمه، ولا نافذ إلا أمره ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ سبحانه

стр. 5218

وتعالى ذلك الرجوع وعدًا ﴿حَقًّا﴾؛ أي: ثابتًا لا خلف فيه، فهو تأكيد لتأكيد، فيكون في الكلام من الوكادة ما هو الغاية في ذلك. وقرأ (١) ابن أبي عبلة ﴿حق﴾ بالرفع على الاستئناف، فهو مبتدأ، خبره أنه يبدأ الخلق قاله أبو الفتح، وكون حق خبرًا مقدمًا، ﴿إنه﴾ مبتدأ مؤخرًا، هو الوجه في الإعراب، كما تقول صحيح أنك تخرج؛ لأن اسم إن معرفة، والذي تقدمها في نحو هذا المثال نكرة. ﴿إنه﴾ تعالى ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾؛ أي: المخلوق فالمصدر بمعنى المفعول، وينشئه من العدم المحض حين التكوين، ليأمرهم بالعبادة ثم يميتهم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾؛ أي: ينشؤه نشأة أخرى، من العدم بالبعث بعد انحلاله وفنائه ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ ورسوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات على إيمانهم وأعمالهم الصالحة ﴿بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بالعدل الذي لا جور فيه لا ينقص من أجورهم شيئًا. وقال البيضاوي: قوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بعدله، أو بعدالتهم وقيامهم على العدل في أمورهم، أو بإيمانهم؛ لأنه العدل القويم، كما أن الشرك ظلم عظيم، وهو الأوجه لمقابلة قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلخ. والجزاء (٢) بالعدل لا يمنع أن يزيدهم ربهم شيئًا من فضله، ويضاعف لهم كما وعد على ذلك في آيات أخرى، منها قوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وفي هذه الجملة (٣) إيماء إلى أن المقصود بالذات من الإبداء والإعادة، هو الإثابة وإيصال الرحمة، وأما عقاب الكفرة، فكأنه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وسوء أفعالهم؛ أي: إنه تعالى يعيدهم لأجل جزائهم بالعدل، فيعطي كل عامل حقه من الثواب الذي جعله لعمله، وهذا المعنى، قد جاء في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ وقوله: ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. والعدل في الأمور كلها مما يتطلبه الإيمان كما قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا

стр. 5219

﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ وقال: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾. وقد اتفق (١) العلماء جميعًا، ماديهم وروحيهم على أن الأرض وجميع الأجرام السماوية، قد وجدت بعد أن لم تكن، وإن كانوا لا يزالون يبحثون عن كيفية تلك النشأة والقوة المتصرفة في أصل مادتها، وهم جميعًا متفقون على توقع خراب هذه الأرض والكواكب المرتبطة بها في هذا النظام الشمسي الجامع لها، بأن تصيب الأرض قارعة من الأجرام السماوية تبسها بسًّا، فتكون هباءً منبثًا. وهَا هُوَذَا، قد حمل البدء بالفعل، والإعادة أهون من البدء، فمن قدر على البدء يكون أقدر على الإعادة، كما قال في سورة الروم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. وقرأ (٢) عبد الله، وأبو جعفر والأعمش وسهل بن شعيب ويزيد بن القعقاع: ﴿أنه يبدأ الخلق﴾ بفتح الهمزة. قال الزمخشري: هو منصوب بالفعل الذي نصب ﴿وعد الله﴾، والتقدير: وعد الله تعالى بدأ الخلق، ثم إعادته والمعنى: إعادة الخلق بعد بدئه، ﴿وعد الله﴾ على لفظ الفعل، ويجوز أن يكون مرفوعًا بما نصب حقًّا؛ أي: حق حقًّا بدء الخلق ثم إعادته كقوله: أَحَقًّا عِبَادَ اللهِ أَنْ لَسْتُ جَائِيَا ... وَلاَ ذَاهِبًا إلَّا عَلَيَّ رَقِيْبُ انتهى. وقال ابن عطية: وموضعها النصب على تقدير، أحق أنه. وقال الفراء: موضعها رفع على تقدير، لحق إنه قال ابن عطية ويجوز عندي أن يكون أنه بدلًا من قوله: وعد الله وقرأ طلحة: ﴿يبدىء﴾ بضم الياء من أبدأ الرباعي، وبدأ، وأبدأ بمعنى واحد. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللهِ ورسوله محمَّد، ﷺ ، وبالقرآن ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾؛ أي: من ماء حار قد انتهى حره ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: وجيع يبلغ وجعه إلى قلوبهم ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾؛ أي: بسبب كفرهم بالله ورسوله؛ أي: إن

стр. 5220

الكافرين لهم من الجزاء شراب من حميم يقطع أمعاءهم، وعذاب شديد الألم بسبب ما كانوا يعملون من أعمال الكفر، المستمرة إلى الموت، كدعاء غير الله تعالى من الأوثان، والأصنام، وسائر المعاصي التي يزينها لهم الشيطان، ويصدهم بها عن الإيمان. وتعليل الرجوع إليه تعالى بأنه لجزاء المؤمنين الصالحين، بيان منه، بأنه المقصود بالذات، إذ هو الذي يكون به منتهى كمال الارتقاء البشري، للذين زكوا أنفسهم، وطهروا قلوبهم وأخبتوا إلى ربهم، فيلقى من عمل الصالحات من النعيم المادي، ما هو خال من الشوائب التي تخالطه في نعيم الدنيا، ومن النعيم الروحي، وهو رضوان الله الأكبر مما لا يعلم كنهه في هذه الحياة أحدٌ، كما قال: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وجاء في الحديث القدسي "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" رواه البخاري. وأما جزاء الكافرين الظالمين لأنفسهم، وللناس على تدسيتهم لأنفسهم، بالكفر والخطايا، فليس من المقاصد التي اقتضتها الحكمة الإلهية في خلق الإنسان، ولكنها مقتضى العدل، ومقتضى مشيئته تعالى في ارتباط الأسباب بالمسببات، والعلل بالمعلولات. ٥ - ﴿هُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾؛ أي: ذات ضياء أو مضيئة ﴿و﴾ جعل ﴿القمر نورًا﴾ أي: ذا نور أو منيرًا؛ إن ربكم الذي خلق السموات والأرض هو الذي جعل الشمس مضيئة نهارًا، والقمر منيرًا ليلًا، ودبر أمور معاشكم هذا التدبير البديع، فأجدر به وأولى أن يدبر أمور معادكم، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، والضوء والنور، بمعنى واحد، لغة، والضوء أقوى من النور، استعمالًا بدليل هذه الآية. وقيل: الضوء: لما كان من ذاته، كالشمس والنار، والنور: لما كان مكتسبًا من غيره ويدل على ذلك قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. والسراج: نوره من ذاته، والضياء والضوء: ما أضاء لك.
следующие страницы →