عبادته، وشكره، وبذلك تصلح أنفسهم، وتطهر قلوبهم، وتستنير أفئدتهم، لتتم لهم بذلك الحياة السعيدة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة، كما لا يستنكر أن هذا الوحي منه ، إذ هو من كمال تقديره وتدبيره، ولا يقدر عليه سواه. وترك العاطف في قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ لأن جملته كالتفسير والتفصيل لما قبلها. وقيل: هي في محل نصب على الحال من ضمير استوى، كما أشرنا إليه في الحل. وقيل: مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وأصل التدبير النظر في أدبار الأمور وعواقبها، لتقع على الوجه المقبول، واشتقاقه من الدبر كما سيأتي في مبحث التصريف إن شاء الله تعالى. وقال مجاهد معناه: يقضيه ويقدره وحده. وقيل: يبعث الأمر. وقيل: ينزل الأمر. وقيل: يأمر به ويمضيه، والمعنى متقارب، والأمر: الشأن، وهو أحوال ملكوت السموات والأرض والعرش وسائر الخلق. وقال أبو السعود: والمراد بالأمر: ملكوت السموات والأرض والعرش، وغير ذلك من الجزئيات الحادثة، شيئًا فشيئًا على أطوار شتى لا تكاد تحصى، اهـ.
قال الزجاج (١): إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية، كانوا يقولون: إن الأصنام شفعاؤنا عند الله.
فرد الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه بشيء إلا بعد إذنه؛ لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب فقال: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ أي، لا يوجد (٢) شفيع يشفع لأحد عنده تعالى إلا من بعد إذنه، والآية بمعنى، قوله سبحانه؛ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. وقد جاء في كتابه تعالى، أنه لا يشفع أحد عنده بإذنه إلا من ارتضاه للشفاعة كما قال ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ومن أذن له بالشفاعة لا يشفع إلا لمن رضي له الرحمن، لإيمانه وصالح عمله كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. وفي هذا إيماء لدحض العقيدة التي كان يعتقدها مشركو العرب، ومقلدوهم من أهل الكتاب من أن الأصنام والأوثان وعباده المقربين من الملائكة والبشر، يشفعون
стр. 5217
لهم عند الله بما يدفع عنهم الضرر، ويجلب لهم النفع، كما حكى الله تعالى عن عبدة الأصنام قولهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. وفي هذه العقيدة حجة عليهم؛ إذ يقال لهم: إنكم إذا كنتم تؤمنون بأن لله شفعاء من أولياء. وعباده المقربين يشفعون لكم بما يقربكم إليه زلفى، وهو قول عليه تعالى بغير علم، فما بالكم تنكرون وتعجبون، أن يوحي إلى من يشاء، ويصطفي من عباده من يعلمهم ما يهديهم إلى العمل الموصل إلى السعادة، والهادي إلى طريق الرشاد.
﴿ذَلِكُمُ﴾ الرب، الموصوف بالصفات السابقة، من الخلق والتقدير والحكمة والتدبير والتصرف في أمر الشفاعة، يأذن بها لمن يشاء هو ﴿اللَّهُ﴾؛ أي: المعبود بحق في الوجود ﴿رَبُّكُمْ﴾ المتولي شؤونكم ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾؛ أي: أفردوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئًا، ولا تشركوا معه أحدًا، لا في شفاعة، ولا في غيرها، فالشفعاء لا يملكون لكم من دونه نفعًا ولا ضرًّا، بل هو الذي يملك ذلك وحده، وهو قد هداكم إلى أسباب النفع والضر الكسبية بالعقول والمشاعر التي سخرها لكم، وإلى أسباب النفع والضر الغيبية بوحيه، فلا تطلبوا نفعًا ولا ضرًّا إلا بالأسباب التي سخرها لكم، وما تعجزون عنه أو تجهلون أسبابه فادعوه فيه تعالى وحده يحصل لكم ما فيه ترغبون، أو يدفع عنكم ما تكرهون وهذه الجملة زيادة تأكيد لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ للاستفهام الإنكاري المضمن للتوبيخ والتقريع، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتجهلون هذا الحق الواضح، فلا تتذكرون أن الذي خلق السموات والأرض، وانفرد بتدبير هذا العالم، هو الذي يجب أن يعبد، ولا يعبد سواه، وذلك هو مقتضى الفطرة، والإعراض عنه غفلة يجب التنبيه إليها.
٤ - ﴿إِلَيْهِ﴾ لا إلى غيره ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾، أي: رجوعكم أيها الخلائق بالبعث بعد الموت، للمجازاة على أعمالكم؛ أي: إلى ربكم وحده دون غيره من معبوداتكم وشفعائكم وأوليائكم ترجعون ﴿جَمِيعًا﴾ بعد الموت وفناء هذا العالم الذي أنتم فيه، لا يتخلف منكم أحد، فلا حكم إلا حكمه، ولا نافذ إلا أمره ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ سبحانه
стр. 5218
وتعالى ذلك الرجوع وعدًا ﴿حَقًّا﴾؛ أي: ثابتًا لا خلف فيه، فهو تأكيد لتأكيد، فيكون في الكلام من الوكادة ما هو الغاية في ذلك. وقرأ (١) ابن أبي عبلة ﴿حق﴾ بالرفع على الاستئناف، فهو مبتدأ، خبره أنه يبدأ الخلق قاله أبو الفتح، وكون حق خبرًا مقدمًا، ﴿إنه﴾ مبتدأ مؤخرًا، هو الوجه في الإعراب، كما تقول صحيح أنك تخرج؛ لأن اسم إن معرفة، والذي تقدمها في نحو هذا المثال نكرة.
﴿إنه﴾ تعالى ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾؛ أي: المخلوق فالمصدر بمعنى المفعول، وينشئه من العدم المحض حين التكوين، ليأمرهم بالعبادة ثم يميتهم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾؛ أي: ينشؤه نشأة أخرى، من العدم بالبعث بعد انحلاله وفنائه ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ ورسوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات على إيمانهم وأعمالهم الصالحة ﴿بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بالعدل الذي لا جور فيه لا ينقص من أجورهم شيئًا. وقال البيضاوي: قوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بعدله، أو بعدالتهم وقيامهم على العدل في أمورهم، أو بإيمانهم؛ لأنه العدل القويم، كما أن الشرك ظلم عظيم، وهو الأوجه لمقابلة قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلخ. والجزاء (٢) بالعدل لا يمنع أن يزيدهم ربهم شيئًا من فضله، ويضاعف لهم كما وعد على ذلك في آيات أخرى، منها قوله: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وفي هذه الجملة (٣) إيماء إلى أن المقصود بالذات من الإبداء والإعادة، هو الإثابة وإيصال الرحمة، وأما عقاب الكفرة، فكأنه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وسوء أفعالهم؛ أي: إنه تعالى يعيدهم لأجل جزائهم بالعدل، فيعطي كل عامل حقه من الثواب الذي جعله لعمله، وهذا المعنى، قد جاء في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ وقوله: ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
والعدل في الأمور كلها مما يتطلبه الإيمان كما قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا
стр. 5219
﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ وقال: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾.
وقد اتفق (١) العلماء جميعًا، ماديهم وروحيهم على أن الأرض وجميع الأجرام السماوية، قد وجدت بعد أن لم تكن، وإن كانوا لا يزالون يبحثون عن كيفية تلك النشأة والقوة المتصرفة في أصل مادتها، وهم جميعًا متفقون على توقع خراب هذه الأرض والكواكب المرتبطة بها في هذا النظام الشمسي الجامع لها، بأن تصيب الأرض قارعة من الأجرام السماوية تبسها بسًّا، فتكون هباءً منبثًا. وهَا هُوَذَا، قد حمل البدء بالفعل، والإعادة أهون من البدء، فمن قدر على البدء يكون أقدر على الإعادة، كما قال في سورة الروم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.
وقرأ (٢) عبد الله، وأبو جعفر والأعمش وسهل بن شعيب ويزيد بن القعقاع: ﴿أنه يبدأ الخلق﴾ بفتح الهمزة. قال الزمخشري: هو منصوب بالفعل الذي نصب ﴿وعد الله﴾، والتقدير: وعد الله تعالى بدأ الخلق، ثم إعادته والمعنى: إعادة الخلق بعد بدئه، ﴿وعد الله﴾ على لفظ الفعل، ويجوز أن يكون مرفوعًا بما نصب حقًّا؛ أي: حق حقًّا بدء الخلق ثم إعادته كقوله:
أَحَقًّا عِبَادَ اللهِ أَنْ لَسْتُ جَائِيَا ... وَلاَ ذَاهِبًا إلَّا عَلَيَّ رَقِيْبُ
انتهى. وقال ابن عطية: وموضعها النصب على تقدير، أحق أنه. وقال الفراء: موضعها رفع على تقدير، لحق إنه قال ابن عطية ويجوز عندي أن يكون أنه بدلًا من قوله: وعد الله وقرأ طلحة: ﴿يبدىء﴾ بضم الياء من أبدأ الرباعي، وبدأ، وأبدأ بمعنى واحد.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللهِ ورسوله محمَّد، ﷺ ، وبالقرآن ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾؛ أي: من ماء حار قد انتهى حره ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: وجيع يبلغ وجعه إلى قلوبهم ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾؛ أي: بسبب كفرهم بالله ورسوله؛ أي: إن
стр. 5220
الكافرين لهم من الجزاء شراب من حميم يقطع أمعاءهم، وعذاب شديد الألم بسبب ما كانوا يعملون من أعمال الكفر، المستمرة إلى الموت، كدعاء غير الله تعالى من الأوثان، والأصنام، وسائر المعاصي التي يزينها لهم الشيطان، ويصدهم بها عن الإيمان.
وتعليل الرجوع إليه تعالى بأنه لجزاء المؤمنين الصالحين، بيان منه، بأنه المقصود بالذات، إذ هو الذي يكون به منتهى كمال الارتقاء البشري، للذين زكوا أنفسهم، وطهروا قلوبهم وأخبتوا إلى ربهم، فيلقى من عمل الصالحات من النعيم المادي، ما هو خال من الشوائب التي تخالطه في نعيم الدنيا، ومن النعيم الروحي، وهو رضوان الله الأكبر مما لا يعلم كنهه في هذه الحياة أحدٌ، كما قال: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وجاء في الحديث القدسي "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" رواه البخاري.
وأما جزاء الكافرين الظالمين لأنفسهم، وللناس على تدسيتهم لأنفسهم، بالكفر والخطايا، فليس من المقاصد التي اقتضتها الحكمة الإلهية في خلق الإنسان، ولكنها مقتضى العدل، ومقتضى مشيئته تعالى في ارتباط الأسباب بالمسببات، والعلل بالمعلولات.
٥ - ﴿هُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾؛ أي: ذات ضياء أو مضيئة ﴿و﴾ جعل ﴿القمر نورًا﴾ أي: ذا نور أو منيرًا؛ إن ربكم الذي خلق السموات والأرض هو الذي جعل الشمس مضيئة نهارًا، والقمر منيرًا ليلًا، ودبر أمور معاشكم هذا التدبير البديع، فأجدر به وأولى أن يدبر أمور معادكم، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، والضوء والنور، بمعنى واحد، لغة، والضوء أقوى من النور، استعمالًا بدليل هذه الآية. وقيل: الضوء: لما كان من ذاته، كالشمس والنار، والنور: لما كان مكتسبًا من غيره ويدل على ذلك قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾. والسراج: نوره من ذاته، والضياء والضوء: ما أضاء لك.
стр. 5221
﴿وَقَدَّرَهُ﴾؛ أي: وقدر سير القمر في فلكه وجعله ﴿مَنَازِلَ﴾؛ أي: في منازل وأماكن ينزل فيها كل ليلة في واحد منها، لا يجاوزها ولا يقصر دونها، يرى القمر فيها بالأبصار، وليلة أو ليلتان يحتجب فيهما فلا يرى. ومنازل القمر هي: المسافة التي يقطعها في يوم وليلة، بحركته الخاصة به. وأسماء تلك المنازل هي، السرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرفة والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك والغفر والزبانان والإكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة والسعد الذابح وسعد البلع وسعد السعود وسعد الأخبية وفرغ الدلو المقدم وفرغ الدلو المؤخر، وبطن الحوت ويكون مقام الشمس في كل منزلة منها ثلاثة عشر يومًا. وهذه المنازل منقسمة على اثني عشر برجًا وهي، الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، لكل برج منها منزلتان وثلث. فيكون إقامة القمر في كل برج ستة وخمسين ساعة وانتقالات الشمس في هذه الأبراج مرتبة على الشهور القبطية، لكن الشهر نصفه الأول من آخر برج، ونصفه الآخر من أول برج آخر، فيكون نصفه الأول من نصف السنبلة الأخير، ونصفه الأخير من نصف الميزان الأول وهكذا، وخص (١) القمر بالذكر، وإن كانت الشمس لها منازل أيضًا؛ لأن سير القمر في المنازل أسرع، وبه يعرف انقضاء الشهور والسنين؛ لأن المعتبر في مثل الصيام والحج السنة القمرية، لا الشمسية. وفي "الخازن" قوله ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ قيل: الضمير (٢) في قدره يرجع إلى الشمس والقمر، والمعنى: وقدر لهما منازل، أو وقدر لسيرهما منازل لا يجاوزانها في السير، ولا يقصران عنها وإنما وحد الضمير في وقدره للإيجاز، فاكتفى بذكر أحدهما عن الآخر، فهو كقوله تعالى؛ ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ وقيل: الضمير في ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ يرجع للقمر فقط؛ لأن سير القمر في المنازل أسرع، وبه يعرف انقضاء الشهور والسنين، وذلك؛ لأن الشهور المعتبرة في الشرع مبنية على رؤية الأهلة، والسنة المعتبرة في الشرع هي السنة القمرية لا الشمسية اهـ.
стр. 5222
ثم ذكر سبحانه بعض المنافع المتعلقة بهذا التقدير فقال: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾؛ أي: قدر هذه المنازل لتعلموا بها، أيها العباد، عدد السنين والأعوام وقت دخولها وانقضائها ﴿و﴾ لتعلموا ﴿الحساب﴾ أي: حساب الشهور والأيام والساعات، ونقصانها وزيادتها، فيمكنكم ترتيب مهمات المعاش، من الزراعة والحراثة، ومهمات الشتاء والصيف.
فإن (١) في العلم بعدد السنين من المصالح الدينية؛ والدنيوية ما لا يحصى، وفي العلم بحساب الأشهر والأيام والليالي من ذلك ما لا يخفى، ولولا هذا التقدير الذي قدره الله سبحانه .. لم يعلم الناس بذلك، ولا عرفوا ما يتعلق به كثير من مصالحهم، والسنة تتحصل من اثني عشر شهرًا، والشهر يتحصل من ثلاثين يومًا، إن كان كاملًا، واليوم يتحصل من ساعات معلومة هي: أربع وعشرون ساعة للَّيل والنهار، وقد يكون لكل واحد منهما اثنتا عشرة ساعة في أيام الاستواء، ويزيد أحدهما على الآخر في أيام الزيادة والنقصان، والاختلاف بين السنة الشمسية والقمرية معروف.
والمعنى: قدره منازل لتعلموا بتلك المنازل حساب الأوقات، من الأشهر والأيام، لضبط عباداتكم ومعاملاتكم المالية والمدنية، ولولا هذا النظام المشاهد .. لتعذر العلم بذلك على الأميين، من أهل البدو والحضر، إذ حساب السنين والشهور الشمسية لا يعلم إلا بالدراسة، ومن ثم جعل الشارع الحكيم الصوم والحج وعدة الطلاق بالحساب القمري، الذي يعرفه كل أحد بالمشاهدة، ولعبادتي الصوم والحج حكمة أخرى وهي: دورانهما في جميع فصول السنة، فيعبد المسلمون ربهم في جميع الأوقات من حارة وباردة وطويلة وقصير ومعتدلة.
﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ المذكور من جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا وتقديره: منازل ﴿إِلَّا﴾ خلقًا ملابسًا ﴿بِالْحَقِّ﴾ والصواب والحكمة البالغة ومطابقة المصلحة في أمور المعاملات، والعبادات، ولم يخلق ذلك باطلًا ولا عبثًا؛ أي: ما خلق
стр. 5223
الله الشمس (١) ذات ضياء تفيض أشعتها على كواكبها التابعة لها، فتنبعث الحرارة في جميع الأحياء، وبها يبصر الناس جميع المبصرات، ويقومون بأمور معايشهم وسائر شؤونهم، وما خلق الله القمر ذا نور مستمد من الشمس، تنتفع به السيارة في سيرهم، وقدره منازل يعرف بها الناس السنين والشهور، ما خلق ذلك إلا خلقًا مقترنًا بالحق، الذي تقتضيه الحكمة والمنفعة لحياة الخلق ونظام معايشهم، فلا عبث فيه ولا خلل. فكيف يعقل بعد هذا أن يخلق هذا الإنسان ويعلمه البيان، ويعطيه من كمال الاستعداد ما لم يعط غيره، ثم يتركه بعد ذلك سدًى يموت ويفنى ولا يعاد ويبعث لتجزى كل نفس بما كسبت، فيُجزى المتقون بصالح أعمالهم، والمشركون والظالمون المجرمون بكفرهم وجرائمهم؟ كما قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣ ٦)﴾ . ﴿يُفَصِّلُ﴾ الله ويبين ﴿الْآيَاتِ﴾؛ أي: دلائل قدرته ووحدانيته على لسان رسوله ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ الحكمة في إبداع الكائنات، فيستدلون بذلك على شؤون مبدعها، من الوحدانية وكمال القدرة والعلم؛ أي: يبين الدلائل من حكم الخلق على رسوله، ﷺ ، مفصلة منوعة، من كونية وعقلية، لقوم يعلمون دلالة الأدلة، ويميزون بين الحق والباطل، باستعمال عقولهم في فهم تلك الآيات، فيجزمون بأن من خلق النيرين على هذا النظام البديع لا يمكن أن يخلق الإنسان سدًى.
وخص من يعلم بتفصيل الآيات لهم؛ لأنهم الذين ينتفعون بتفصيل الآيات، ويتدبرون بها في الاستدلال والنظر الصحيح. وقرأ قنبل (٢) ﴿ضئاء﴾ هنا وفي الأنبياء والقصص، بهمزة قبل الألف، بدل الياء. وقرأ ابن مصرف: ﴿وَالْحِسَابَ﴾ بفتح الحاء، ورواه أبو توبة: عن العرب. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص: ﴿يفصل﴾ بالياء جريًا على لفظة الله، وباقي السبعة بالنون على سبيل الالتفات، والإخبار بنون العظمة.
٦ - ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؛ أي: في تعاقبهما، أو في تفاوتهما بازدياد
стр. 5224
وانتقاص، أو في تفاوتهما بحسب الأمكنة في الطول والقصر ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من أنواع الموجودات ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ أي: لعلامات دالة على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته ﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ الله تعالى، بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، وخص العلامات بالمتقين؛ لأن الداعي إلى التدبر والنظر إنما هو تقوى الله تعالى والحذر من العاقبة؛ أي: إن في اختلاف الليل والنهار وحدوثهما وتعاقبهما بمجيء كل منهما خلفة للآخر، وفي طولهما وقصرهما بحسب اختلاف مواقع الأرض من الشمس وما لهما من نظام دقيق، بحسب حركة الشمس اليومية والسنوية، وفي طبيعة كل منهما وما يصلح فيه من نوم وسكون، وعمل دنيوي وديني ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من أحوال الجماد والنبات والحيوان، ويدخل في ذلك أحوال الرعود والبروق والسحاب والأمطار وأحوال البحار، من مد وجزر، وأحوال المعادن العجيبة في تركيبها، وأوضاعها المختلفة إلى نحو ذلك.
﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾؛ أي: لدلائل (١) عظيمة على وجود الصانع ووحدانيته، وحكمته في الإبداع والإتقان، وفي تشريع العقائد والأحكام ﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ مخالفة سننه تعالى في التكوين، وسننه في التشريع، فلله سنن في حفظ الصحة، من خالفها مرض، وله سنن في تزكية الأنفس، من خالفها، وأفسدها بارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، جوزي على ذلك في الآخرة أشد الجزاء.
٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾؛ أي: لا يخافون لقاءنا يوم القيامة لتكذيبهم بالبعث والمجازاة، فهم مكذبون بالثواب والعقاب، أو لا يطمعون ثوابنا؛ لأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ واختاروها بدل الآخرة، وعملوا في طلبها فهم راضون بزينة الدنيا وزخرفها ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾؛ أي: سكنوا ومالوا إليها مطمئنين فيها. وهذه الطمأنينة التي حصلت في قلوب الكفار، من الميل إلى الدنيا ولذاتها، أزالت عن قلوبهم الوجل والخوف، فإذا سمعوا الإنذار والتخويف لم يصل ذلك إلى قلوبهم. والمعنى؛ أي: إن الذين لا يتوقعون
стр. 5225
لقاءنا في الآخرة للحساب، والجزاء على الأعمال لإنكارهم للبعث، ورضوا بالحياة الدنيا بدلًا من الآخرة، فقصروا كل همهم من الحياة على الحصول على أغراضهم منها، وسكنت نفوسهم إلى شهواتها ولذاتها. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا﴾ ودلائل قدرتنا ﴿غَافِلُونَ﴾؛ أي: ساهون ومعرضون عنها، فلا يتدبرون منها ما نزل على رسولنا، وما حوته من عبر ومواعظ ومعاد وحكم، ولا يتفكرون في أحوال الكون وما فيها من حكمته وسننه في الخلق، وبهذا شاركوا الفريق الأول في الشغل بالدنيا عن الآخرة، ومن ثم لم يستعدوا لحسابنا وما يعقبه من نعيم مقيم، وعذاب أليم.
والعطف (١) إما لتغاير الوصفين، والتنبيه على أن الوعيد على الجمع بين الذهول عن الآيات رأسًا والانهماك في الشهوات، بحيث لا تخطر الآخرة ببالهم أصلًا، وإما لتغاير الفريقين، والمراد بالأولين، من أنكر البعث ولم يرد إلا الحياة الدنيا، وبالآخرين من ألهاه حب العاجل عن التأمل في الآجل والاستعداد له.
٨ - ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالصفات السابقة ﴿مَأْوَاهُمُ﴾ ومسكنهم في الآخرة ﴿النَّار﴾ جزاء ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: جزاءً على ما كانوا يقترفون من السيئات طول حياتهم، فهم قد دنسوا أنفسهم بشرور الوثنية، وظلمات الشهوات الحيوانية، فلم يبق لنور الحق والخير مكان فيها، ومن ثم لا يجدون ملجأً بعد هول الحساب إلا جهنم دار العذاب.
٩ - وبعد (٢) أن أبان جزاء الفريق الأول .. كان من الواضح أن تستشرف نفس القارئ والسامع إلى جزاء الفريق الثاني فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: شغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: شغلوا جوارحهم بالخدمة، فعينهم مشغولة بالاعتبار، وأذنهم مشغولة بسماع كلام الله تعالى، ولسانهم مشغول بذكر الله ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾؛ أي: يهديهم إلى الجنة ثوابًا لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة، وإنما لم يذكر الجنة تعويلًا على ظهورها،
стр. 5226
وانسياق النفس إليها كما ذكره "أبو السعود"؛ أي: إن الذين آمنوا بما يجب الإيمان به، ولم يغفلوا عن الآيات التي غفل عنها الغافلون، ورجوا لقاء ربهم، وخافوا حسابه وعقابه يهديهم ربهم بسبب إيمانهم إلى صراطه المستقيم في كل ما يعملون، وينتهي بهم ذلك إلى دخول الجنة التي أعدها لعباده المخبتين، وفي هذا إيماء إلى أن الإيمان والعمل الصالح هما سبب الهداية والفوز برفيع الدرجات والوصول إلى أقصى الغايات.
وقوله: ﴿تجري﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ﴾؛ أي: من تحت قصورهم وأشجارهم ﴿الْأَنْهَار﴾ الأربعة الماء واللبن والخمر والعسل، جملة مستأنفة أو خبر ثانٍ؛ لأن، أو: حال من مفعول يهديهم. وقوله: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ خبر آخر، أو حال أخرى من الأنهار أو متعلق بتجري؛ أي: إنهم يكونون جالسين على سرر مرفوعة في البساتين والأنهار التي تجري من بين أيديهم.
١٠ - ﴿دَعْوَاهُمْ﴾؛ أي: دعاؤهم ونداؤهم ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الجنة ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾؛ أي: نسبحك يا الله تسبيحًا، ونقدسك تقديسًا من كل النقائص ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ﴾؛ أي: تحية بعضهم لبعض ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الجنة؛ أي: أو تحية الله، أو الملائكة لهم فيها ﴿سَلَامٌ﴾؛ أي: قول سلام عليكم، الدال على السلامة من كل مكروه، وهي تحية المؤمنين في الدنيا ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾؛ أي: وخاتمة دعائهم وثنائهم الذي هو التسبيح ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: أن يقولوا الحمد لله رب العالمين؛ أي: خاتمة تسبيحهم في كل مجلس، أن يقولوا: الحمد لله رب العالمين لا أن معناه: انقطاعه؛ أي: الحمد، فإن أقوال أهل الجنة وأحوالها لا آخر لها، اهـ "كرخي".
أي (١): أن أهل الجنة لما عاينوا ما هم فيه من السلامة عن الآفات، والمخافات، علموا أن كل هذه الأحوال السنية إنما كانت بإحسان الله تعالى عليهم، فاشتغلوا بالثناء على الله تعالى، فقالوا الحمد لله رب العالمين وإنما وقع
стр. 5227
الختم على الحمد؛ لأن الاشتغال بشكر النعمة متأخر عن رؤية تلك النعمة. والمعنى: أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمة الله، ووجدوا فيها النعم العظيمة، وعرفوا أنه تعالى كان صادقًا في وعده إياهم بتلك النعم، مجدوه تعالى، ونعتوه بنعوت الجلال، فقالوا سبحانك اللهم؛ أي: نسبحك عن الخلف في الوعد، والكذب في القول، وعما لا يليق بحضرتك العلية، ولما حياهم الله والملائكة بالسلامة عن الآفات، وبالفوز بأنواع الكرامات .. أثنوا عليه تعالى بصفات الإكرام. وهذه (١) التحية تكون منه حين لقائه، كما قال الذي سورة الأحزاب: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ ومن الملائكة لهم عند دخول الجنة كما قال: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ وتكون منهم بعضهم لبعض كما قال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾.
وإن آخر كل حال من أحوالهم من دعاء يناجون به ربهم، ومطلب يطلبونه من إحسانه وكرمه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كما أنه أول ثناء عليه، حين دخولها كما قال: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ كما أنه آخر كلام الملائكة كما قال: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
فعلى كل مؤمن أن يستعد لها بتزكية نفسه، وترقية روحه، ويعلم أنه لن يكون أهلًا لها إلا بالعمل، ومجاهدة النفس والهوى، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾.
وقال أهل (٢) التفسير: كلمة ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ علامة بين أهل الجنة والخدم
стр. 5228
في الطعام، فإذا أرادوا الطعام قالوا: سبحانك اللهم، فيأتونهم في الوقت، بما يشتهون على الموائد، كل مائدة: ميل في ميل على كل مائدة: سبعون ألف صحيفة، في كل صحيفة: لون من الطعام، لا يشبه بعضها بعضًا، فإذا فرغوا من الطعام، حمدوا الله على ما أعطاهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقيل: إن المراد بقوله: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ اشتغال أهل الجنة بالتسبيح والتحميد، والتقديس لله ، والثناء عليه بما هو أهله، وفي هذا الذكر والتحميد سرورهم، وابتهاجهم، وكمال لذتهم، ويدل عليه ما روي عن جابر قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يشغلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون"، قالوا: فما بال الطعام؟ قال: "جشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والتحميد، كما يلهمون النفس" وفي رواية "التسبيح والحمد" أخرجه مسلم. قوله: جشاء؛ أي: يخرج ذلك الطعام جشاء وعرقًا.
وقال الزجاج: أعلم الله أن أهل الجنة يبتدئون بتعظيم الله وتنزيهه، ويختمون بشكره والثناء عليه، انتهى. وقرأ (١) عكرمة، ومجاهد وقتادة وابن يعمر وبلال بن أبي بردة وأبو مجلز وأبو حيوة وابن محيصن، ويعقوب: ﴿إن الحمد لله﴾ بالتشديد ونصب الحمد. قال ابن جني: ودلت قراءة الجمهور بالتخفيف ورفع الحمد على أن ﴿أن﴾ هي المخففة كقول الأعشى:
فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوْفِ الْهِنْدِ قَدْ عَلِمُوْا ... إِن هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحَفَى وَينْتَعِلُ
يريد إنه هالك، فإذا خففت لم تعمل في غير ضمير شأن محذوف.
ونزل لما استعجل المشركون رسول الله، ﷺ ، بالعذاب الذي أنذرهم نزوله بهم، كما حكى الله عنهم في نحو قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ وقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ
стр. 5229
وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
١١ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ﴾؛ أي: ولو يعجل الله للناس إجابة الدعاء في طلب الشر، وفيما عليهم فيه مضرة في نفس، أو مال، أو ولد عند الغضب، أو الضمير من البلاء ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾؛ أي: تعجيلًا مثل استعجالهم إجابة الدعاء في طلب الخير، الذي يدعونه من الله، أو حصول الخير الذي يرجونه بعلاج الأسباب، التي يظنون أنها قد تأتي به قبل أوانه ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾؛ أي: لحكم عليهم حلول أجلهم قبل أوانه، ووقته الطبيعي وفرغ من هلاكهم وماتوا جميعًا كما هلك الذين كذّبوا الرسل من قبلهم، واستعجلوهم بالعذاب، ولكن الله أرحم بهم من أنفسهم. وقد بعث محمدًا، ﷺ ، بالهداية الدائمة، وقضى بأن يؤمن به قومه العرب، ويحملوا دينهم إلى العجم، وأنه يعاقب المعاندين من قومه في الدنيا، بما فيه تأديب لهم، كما بين ذلك بقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ويؤخر عذاب سائر الكافرين إلى يوم القيامة، ولم يقض بإهلاكهم واستئصالهم بل يذرهم إلى نهاية آجالهم كما قال: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ الخ.
وقال ابن قتيبة (١): إن الناس عند الغضب والضجر، قد يدعون على أنفهسم وأهلهم وأولادهم، بالموت وتعجيل البلاء، كما يدعون بالرزق والرحمة وإعطاء السؤال، يقول: لو أجابهم الله إذا دعوه بالشر الذي يستعجلون به استعجالهم بالخير .. لقضى إليهم أجلهم، يعني: لفرغ من هلاكهم، ولكن الله بفضله وكرمه يستجيب للداعي بالخير، ولا يستجيب له في الشر.
وقرأ ابن عامر (٢): ﴿لقضى﴾ مبنيًّا للفاعل ﴿أجلهم﴾ بالنصب. وقرأ الأعمش ﴿لقضينا﴾ وباقي السبعة مبنيًّا للمفعول ﴿وأجلهم﴾ بالرفع. وقوله:
стр. 5230
﴿فنذر الذين لا يرجون لقائنا﴾ معطوف (١) على فعل محذوف، دلت عليه الشرطية تقديره: ولكن لا نعجل ولا نقضي، فنذرهم ونتركهم إمهالًا لهم واستدراجًا بهم؛ أي: فنترك الذين لا يخافون عقابنا، ولا يؤمنون بالبعث بعد الموت، ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ وتمردهم وعتوهم وضلالتهم حالة كونهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ ويترددون ويتحيرون فيها. روى الشيخان، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "اللهم إني اتخذت عندك عهدًا، لن تخلفنيه فإنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة، واجعل ذلك كفارة له يوم القيامة".
وحاصل المعنى (٢): أي فنترك الذين لا يرجون لقاءنا ممن تقدم ذكره، فيما هم فيه من طغيان في الكفر والتكذيب، يترددون فيه متحيرين لا يهتدون سبيلًا للخروج منه، ولا نعجل لهم العذاب في الدنيا بالاستئصال، حتى يأتي أمر الله في جماعتهم بنصر رسوله، ﷺ ، عليهم وفي أفرادهم بقتل بعضهم، وموت بعض، ومأواهم النار وبئس القرار، إلا من تاب وآمن منهم.
وقد يكون المراد ولو يعجل الله للناس الشر الذي يستعجلونه، بما يقترفونه من ظلم وفساد في الأرض، لأهلكهم كما جاء في قوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. ومن هذا دعاؤهم على أنفسهم حين اليأس، ودعاء بعضهم على بعض حين الغضب، كما قال: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾؛ أي: وما دعاء الكافرين بربهم أو بنعمه فيما يخالف شرعه بسننه في خلقه، إلا في ضياع، لا يستجيبه الله لهم، لحلمه عليهم ورحمته بهم.
١٢ - ثم بين الله أنهم كاذبون في استعجال الشر، ولو أصابهم ما طلبوه .. لأظهروا العجز والجزع فقال: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: إذا أصاب جنس الإنسان، مسلمًا كان أو كافرًا. وقيل: المراد به، الكافر ﴿الضُّرُّ﴾؛ أي:
стр. 5231
الشدة والجهد والمشقة والفقر والمرض، وهو كل ما يشعر فيه شدة ألم، أو فيه خطر على نفسه كغرق ومسغبة وداء عضال ﴿دَعَانَا﴾ في كشفه وإزالته، ملحًا في الدعاء حالة كونه مضطجعًا ﴿لِجَنْبِهِ﴾؛ أي: على جنبه وشقه ﴿أَوْ﴾ حالة كونه ﴿قَاعِدًا﴾ على إسته ﴿أَوْ﴾ حالة كونه ﴿قَائِمًا﴾ على قدميه حائرًا في أمره، ولا ينسى حاجته إلى رحمة ربه ما دام يشعر بمس الضر ويعلم من نفسه العجز عن النجاة منه. والمعنى: إن المضرور لا يزال داعيًا في جميع حالاته إلى أن ينكشف ضره، سواء كان مضطجعًا أو قاعدًا، أو قائمًا، وإنما خص هذه الحالات الثلاث؛ لأن الإنسان لا ينفك عن إحدى هذه الحالات غالبًا، وما عداها نادر، كالركوع والسجود، وقدم منها، ما يكون الإنسان فيه أشد عجزًا، وشعوره بالحاجة إلى ربه أقوى، ثم التي تليها ثم التي تليها.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا﴾ وأزلنا ﴿عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ وجهده الذي دعانا إليه، حال شعوره بعجزه، عن كشفه بنفسه، أو بغيره من الأسباب ﴿مَرَّ﴾ ومضى واستمر في طريقته التي كان عليها قبل مس الضر، من الغفلة عن ربه، والكفر به ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾؛ أي: وكان كأنه لم يدعنا إلى كشف ضر، وجهد مسّه، وأصابه ولم نكشف عنه ضرًّا. والمعنى: أنه استمر على حالته الأولى، قبل أن يمسه الضر، ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء والضيق والفقر، وهذه (١) الحالة التي ذكرها الله سبحانه للداعي لا تختص بأهل الكفر، بل تتفق لكثير من المسلمين، تلين ألسنتهم بالدعاء، وقلوبهم بالخشوع والتذلل، عند نزول ما يكرهون بهم، فإذا كشفه الله عنهم غفلوا عن الدعاء، والتضرع، وذهلوا عما يجب عليهم من شكر النعمة التي أنعم الله بها عليهم، من إجابة دعائهم، ورفع ما نزل بهم من الضر، ودفع ما أصابهم من المكروه، وهذا مما يدل على أن الآية تعم المسلم والكافر كما يشعر به لفظ الناس ولفظ الإنسان، اللهم أوزعنا شكر نعمتك، وأذْكرنا الأحوال التي مننت علينا فيها بإجابة الدعاء، حتى نستكثر من الشكر
стр. 5232
الذي لا نطيق سواه، ولا نقدر على غيره، وما أغناك عنه وأحوجنا إليه ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
وهذه الآية (١)، بيان أن الإنسان قليل الصبر عند نزول البلاء، قليل الشكر عند وجدان النعماء، فإذا مسه الضر أقبل على التضرع والدعاء، مضطجعًا أو قاعدًا أو قائمًا مجتهدًا في ذلك الدعاء، طالبًا من الله تعالى إزالة تلك المحنة وتبديلها بالمنحة، فإذا كشف الله تعالى عنه بالعافية، أعرض عن الشكر ولم يتذكر ذلك الضر، ولم يعرف قدر الإنعام، وصار بمنزلة من لم يدع الله تعالى لكشف ضره، فالواجب على العاقل أن يكون صابرًا عند نزول البلاء، شاكرًا عند الفوز بالنعماء، وأن يكون كثير الدعاء والتضرع في أوقات الراحة والرفاهية، حتى يكون مجاب الدعوة في وقت المحنة. وعن رسول الله، ﷺ ، أنه قال: "من سره أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر الدعاء عند الرخاء".
والإشارة (٢) بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ إلى مصدر الفعل المذكور بعده كما مر غير مرة؛ أي: مثل ذلك التزيين العجيب الذي حصل لمن مسه الضر ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: زين لهم عملهم الخبيث، والمسرف في اللغة هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس، وشرعًا من باع دينه بدنياه واستبدلها عن آخرته. والتزيين هو إما من جهة الله تعالى على طريق التحلية وعدم اللطف بهم، أو من طريق الشيطان بالوسوسة أو من طريق النفس الأمارة بالسوء. والمعنى: أنه زين لهم الإعراض عن الدعاء، والغفلة عن الشكر والاشتغال بالشهوات.
وعبارة الجلال ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما زين له الدعاء عند الضر، والإعراض عند الرخاء ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾؛ أي: للمشركين ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: كما زين لهذا الإنسان الدعاء عند الضر والإعراض عند الرخاء، زين للمسرفين المتجاوزين الحد في الإجرام والإشراك، ما كانوا يعملون من الإعراض عن الشكر والإيمان
стр. 5233
والانهماك في الشرك والمعاصي. وعبارة المراغي؛ أي: مثل هذا الطريق من معرفة الله، والإخلاص في دعائه وحده في الشدة ونسيانه والكفر به، بعد كشفها زين للمشركين، من طغاة مكة وغيرهم ما كانوا يعملون من أعمال الشرك، حتى بلغ من عنادهم للرسول، ﷺ ، واستهزائهم بما أنذرهم من عذاب، أن استعجلوه به، فقالوا: اللهم ربنا أمطر علينا حجارة من السماء انتهت.
الإعراب
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢)﴾.
﴿الر﴾: ليس بمعرب ولا مبني، فلا محل له من الإعراب، إن قلنا: إنه مما استأثر الله تعالى بعلمه؛ لأن الإعراب فرع عن إدراك المعنى، وإن قلنا: إنه علم للسورة .. فتجري فيه الأوجه الخمسة، أو السبعة التي تجري، في أسماء التراجم، ولكن إعرابه لا يظهر لتعذره بسكون الوقف. ﴿تِلْكَ﴾: مبتدأ ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: خبر ومضاف إليه. ﴿الْحَكِيمِ﴾ صفة للكتاب والجملة مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿أَكَانَ﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري ﴿كَانَ﴾: فعل ماضٍ ناقص. ﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿عَجَبًا﴾ أو حال منه؛ لأن التقدير: أكان عجبًا للناس، أو متعلق بـ ﴿كَانَ﴾ كما ذكره: أبو البقاء. ﴿عَجَبًا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم على اسمه ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ ناصب وفعل وفاعل ﴿إِلَى رَجُلٍ﴾: متعلق به ﴿مِنْهُمْ﴾ صفة لرجل، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخرًا، تقديره: أكان إيحاؤنا إلى رجل منهم عجبًا للناس، وجملة ﴿كَانَ﴾ جملة إنشائية مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾: ﴿أَنْ﴾ مصدرية، أو مفسرة بمعنى: أي ﴿أَنْذِرِ النَّاسَ﴾: فعل أمر، ومفعول في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَجُلٍ﴾، والجملة في تأويل مصدر منصوب بـ ﴿أَوْحَيْنَا﴾ تقديره: أن أوحينا إلى رجل منهم إنذار الناس، أو الجملة مفسرة ﴿لأوحينا﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ﴾ فعل ومفعول، معطوف على ﴿أَنْ أَنْذِرِ﴾
стр. 5234
على كلا التقديرين، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَجُلٍ﴾ ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، صلة الموصول ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر ﴿أَنَّ﴾ مقدم على اسمها. ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ اسمها مؤخر. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ظرف ومضاف إليه، حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر مجرور بالباء المحذوفة؛ لأن حذف الجار، مطرد مع، أن، وأن، تقديره: وبشر الذين آمنوا، بكون قدم صدق كائنًا لهم حالة كونه كائنًا عند ربهم، والباء المحذوفة متعلقة بـ ﴿بَشِّر﴾ ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا ﴿إِنَّ هَذَا﴾ ناصب واسمه ﴿لَسَاحِرٌ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ واللام حرف ابتداء ﴿مُبِينٌ﴾ صفة ﴿سَاحِرٌ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ﴾: ناصب واسمه ﴿اللَّهُ﴾: خبره والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة للجلالة ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف على ﴿السموات﴾ ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بخلق.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف ﴿اسْتَوَى﴾ فعل ماضٍ وفاعله ضمير يعود على الله ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة خلق ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب، حال من فاعل ﴿اسْتَوَى﴾ أو في محل الرفع خبر ثانٍ؛ لـ ﴿إن﴾، أو، مستأنفة لا محل لها من الإعراب، كما ذكره في "الفتوحات" ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ﴾ ﴿مَا﴾: نافية. ﴿مِنْ﴾: زائدة ﴿شَفِيعٍ﴾: مبتدأ وسوغ الابتداء بالنكرة دخول ﴿مِنْ﴾ الاستغراقية عليه ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ. ﴿مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة ﴿ذَلِكُمُ﴾: مبتدأ ﴿اللَّهُ﴾: خبره ﴿رَبُّكُمْ﴾: بدل من الجلالة، أو خبر
стр. 5235
ثانٍ لاسم الإشارة، والجملة مستأنفة مسوقة لتأكيد قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره؛ إذا عرفتم أيها العباد ذلكم الله ربكم وأردتم بيان ما هو الواجب عليكم: فأقول لكم ﴿اعبدوه﴾ ﴿اعبدوه﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول، لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿أَفَلَا﴾: الهمزة: للاستفهام التوبيخي، المضمن للإنكار داخلة على محذوف. والفاء عاطفة على ذلك المحذوف. ﴿لَا﴾: نافية، ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على ذلك المحذوف، تقديره: أتجهلون هذا الحق الواضح فلا تذكرون، والجملة المحذوفة مستأنفة.
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾.
﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور، خبر مقدم ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، ومضاف إليه ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ضمير، المخاطبين، والجملة مستأنفة. ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾: منصوب على المصدرية، بفعل محذوف، تقديره: وعدكم بالرجوع إليه وعدًا، والجملة مستأنفة، مسوقة لتأكيد ما قبلها. ﴿حَقًّا﴾: منصوب أيضًا على المصدرية، بفعل محذوف، تقديره، حق ذلك الوعد حقًّا، والجملة مؤكدة لـ ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ وفي "الفتوحات" قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مصدران منصوبان بفعلهما المقدر؛ أي: وعدكم بالرجوع إليه وعدا، وحق ذلك الوعد حقًّا، لكن الأول مؤكد لنفسه؛ لأن قوله: إليه مرجعكم جميعًا، صريح في الوعد لا يحتمل غيره، والثاني مؤكد لغيره، فإن الوعد يحتمل الحق وغيره، اهـ "بيضاوي"، وفي "زاده" المصدر إذا أكد مضمون جملة تدل على معناه، فإن كان نصًّا فيه لا تحتمل غيره .. فهو مؤكد لنفسه، كما هنا فإن إليه مرجعكم لا يحتمل غير الوعد، وإن احتملته وغيره كان مؤكدًا لغيره، مثل ﴿حَقًّا﴾ فإن الوعد يحتمل الحقية والتخلف، والعامل فيهما محذوف اهـ ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾، فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع، خبر ﴿إِنّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾
стр. 5236
مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، هذا على قراءة كسر همزة إن وأما على فتحها فعلى تقدير لام التعليل. وجملة قوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ معطوفة على جملة ﴿يَبْدَأُ﴾ على كونها خبرًا لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ﴾ فعل ومفعول، منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في تأويل مصدر، مجرور باللام، تقديره: لجزائه الذين آمنوا الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يعيده﴾ ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾ ﴿بِالْقِسْطِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَجْزِيَ﴾. وفي "السمين" ويجوز أن يكون قوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ حالًا إما من الفاعل، وإما من المفعول؛ أي: يجزيهم ملتبسًا بالحق، أو ملتبسين به، والقسط: العدل اهـ.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ أول. وجملة ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول ويجوز أن يكون الموصول في محل النصب، معطوفًا على الموصول قبله، وتكون الجملة بعده مبينة لجزائهم. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿شَرَابٌ﴾: مبتدأ ثانٍ مؤخر. ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾: صفة لشراب. ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: معطوف على شراب، والجملة الاسمية في محل الرفع، خبر للمبتدأ الأول، وجملة المبتدأ الأول مستأنفة ﴿بِمَا﴾، الباء: حرف جر ﴿مَا﴾: مصدرية ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿يَكْفُرُونَ﴾ خبره وجملة ﴿كَان﴾ في تأويل مصدر، مجرور بالباء تقديره.: لهم شراب من حميم، بسبب كفرهم، الجار والمجرور متعلق بالاستقرار، الذي تعلق به الخبر. وقال أبو البقاء: الجار والمجرور في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا﴾ في موضع رفع صفة أخرى لعذاب، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف اهـ.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾.
﴿هُوَ الَّذِي﴾ مبتدأ وخبر والجملة مستأنفة ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾: فعل ومفعولان، ﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾: معطوف على المفعولين، وفاعله ضمير على ﴿اللَّهِ﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿وَقَدَّرَهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير
стр. 5237
يعود على ﴿الله﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿جَعَلَ﴾ ﴿مَنَازِلَ﴾ منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿قدر﴾ ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ﴾: فعل وفاعل، ومفعول منصوب بأن مضمرة، بعد لام كي ﴿وَالْحِسَابَ﴾: معطوف على ﴿عَدَدَ السِّنِينَ﴾ والجملة في تأويل مصدر، مجرور بلام التعليل، الجار والمجرور متعلق ﴿بقدر﴾ ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾: ذلك فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾. ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾ والجملة مستأنفة ﴿لِقَوْمٍ﴾ متعلق بـ ﴿يُفَصِّلُ﴾ وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ صفة لقوم.
﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾ ﴿وَالنَّهَارِ﴾: معطوف على ﴿اللَّيْلِ﴾ ﴿وَمَا﴾ في محل الجر معطوف على اختلاف الليل ﴿خَلَقَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: متعلق به ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السموات﴾ والجمله الفعلية صلة لما، أو صفة لها والعائد أو الرابط، محذوف تقديره: وما خلقه الله ﴿لَآيَاتٍ﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر واللام حرف ابتداء ﴿لِقَوْمٍ﴾: صفة ﴿لَآيَاتٍ﴾ ﴿يَتَّقُونَ﴾: صفة ﴿لِقَوْمٍ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧)﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿الَّذِينَ﴾ اسمها. ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول ﴿وَرَضُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ ﴿بِالْحَيَاةِ﴾ متعلق بـ ﴿رضوا﴾ ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الحياة﴾ ﴿وَاطْمَأَنُّوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿رضوا﴾ ﴿بِهَا﴾: متعلق بـ ﴿اطْمَأَنُّوا﴾ ﴿وَالَّذِينَ﴾ معطوف على الموصول الأول ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿عَنْ آيَاتِنَا﴾: متعلق بـ ﴿غَافِلُونَ﴾. ﴿غَافِلُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول.
стр. 5238
﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾، مبتدأ أول ﴿مَأْوَاهُمُ﴾ مبتدأ ثانٍ. ﴿النَّارُ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، والجملة من الأول وخبره خبر، لـ ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة ﴿بِمَا كَانُوا﴾: الباء حرف جر وسبب ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة أو مصدرية ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿يَكْسِبُونَ﴾: خبره وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: بما كانوا يكسبونه، أو صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية تقديره: بكسبهم، الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف، دل عليه الكلام، تقديره: جوزوا ذلك بما كانوا يكسبون، ذكره أبو البقاء.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب اسمها ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾ ﴿يَهْدِيهِمْ﴾: فعل ومفعول وفاعل ﴿بِإِيمَانِهِمْ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ﴾: متعلق به ﴿الْأَنْهَارُ﴾، فاعل والجملة في محل الرفع خبر ثانٍ لـ ﴿إن﴾ أو مستأنفة أو حال من مفعول ﴿يَهْدِيهِمْ﴾ كما في "أبي السعود" ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: جار ومجرور خبر ثالث لـ ﴿إن﴾ أو حال ثانية من مفعول ﴿يَهْدِيهِمْ﴾، أو حال من ﴿الْأَنْهَارُ﴾ أو متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾: كما في "الخازن".
﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾.
﴿دَعْوَاهُمْ﴾ مبتدأ ومضاف إليه ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور حال من ضمير ﴿دَعْوَاهُمْ﴾. ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾: خبر محكي؛ أي: دعواهم هذا اللفظ، والجملة مستأنفة ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ﴾ مبتدأ. ﴿فِيهَا﴾ هو حال من ضمير ﴿تحيتهم﴾ ﴿سَلَامٌ﴾: خبر والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾: مبتدأ، ومضاف إليه ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾:
стр. 5239
مبتدأ وخبر ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ صفة للجلالة، والجملة الابتدائية في محل الرفع خبر ﴿أَنْ﴾ المخففة وجملة ﴿أَن﴾ المخففة في محل الرفع خبر المبتدأ.
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾.
﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم ﴿يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل ﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق به ﴿الشَّرَّ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ﴾ منصوب على المصدر التشبيهي، تقديره: تعجيلًا مثل استعجالهم، ثم حذف الموصوف وهو تعجيل، وأقيمت صفته مقامه وهي مثل فبقي ولو يعجل الله للناس مثل استعجالهم، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه فصار استعجالهم. ﴿بِالْخَيْرِ﴾: متعلق به ﴿لَقُضِيَ﴾ اللام رابطة لجواب ﴿لو﴾ الشرطية. ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متلعق به ﴿أَجَلُهُمْ﴾ نائب فاعل ﴿لقضي﴾ وجملة ﴿لو﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
﴿فَنَذَرُ﴾: الفاء عاطفة على محذوف تقديره: ولكن نمهل، ولا نقضي إليهم أجلهم ﴿نذر الذين﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اَللهِ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المحذوفة ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية صلة الموصول. وجملة ﴿يَعْمَهُونَ﴾ في محل النصب، حال من ضمير طغيانهم.
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾.
﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿إذا﴾ ظرفية شرطية ﴿مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿دَعَانَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الإنسان، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة ﴿لِجَنْبِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿دَعَانَا﴾ تقديره: دعانا حالة كونه مضطجعًا على جنبه ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾: معطوفان على تلك الحال
стр. 5240
المحذوفة.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: عاطفة ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم ﴿كَشَفْنَا﴾ فعل وفاعل ﴿عَنْهُ﴾: متعلق به ﴿ضُرَّهُ﴾ مفعول به، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿مَرَّ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْإِنْسَانَ﴾ والجملة جواب ﴿لما﴾ وجملة ﴿لما﴾ من فعل شرطها وجوابها معطوفة على جملة ﴿إذا﴾ ﴿كَأَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، تقديره: كأنه ﴿لَمْ يَدْعُنَا﴾: جازم وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْإِنْسَانَ﴾ ﴿إِلَى ضُرٍّ﴾: متعلق به. وجملة ﴿مَسَّهُ﴾ صفة لضر، وجملة ﴿يَدْعُنَا﴾ في محل الرفع خبر، ﴿كَأَنْ﴾ وجملة ﴿كَأَنْ﴾ في محل النصب، حال من فاعل مر، تقديره: استمر هو على كفره حالة كونه مشبهًا بمن ﴿لَمْ يَدْعُنَا﴾ أصلًا؛ أي: رجع إلى حالته الأولى، وترك الالتجاء إلى ربه ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور، صفة لمصدر محذوف منصوب بـ ﴿ما﴾ بعده تقديره: تزيينًا مثل ذلك التزيين الذي حصل لمن مسه الضر ﴿زُيِّنَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾: متعلق به ﴿مَا كَانُوا﴾: ما موصولة أو موصوفة، في محل الرفع نائب فاعل، لـ ﴿زُيِّنَ﴾ أو مصدرية ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كَان﴾ صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ما كانوا يعملونه، أو صلة ما المصدرية تقديره، كذلك زين للمسرفين عملهم الخبيث وجملة زين مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ ﴿الْكِتَابِ﴾: هو القرآن العظيم و ﴿الْحَكِيمِ﴾: ذو الحكمة، لاشتمال الكتاب عليها ﴿عَجَبًا﴾: وفي "المختار"، والعجب: مصدر عجيب من باب طرب، وتعجب واستعجب بمعنى، وعجب غيره تعجيبًا، والعجب والعجاب: الشيء الذي يتعجب منه، وكذا العجاب بتشديد الجيم، وهو الأكثر وكذا الأعجوبة ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾: والوحي الإعلام الخفي لامرىء بما يخفى على
стр. 5241
غيره. ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ والإنذار: الإخبار بما فيه تخويف ﴿وَبَشِّرِ﴾ التبشير: الإعلام المقترن بالبشارة بحسن الجزاء ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ والصدق (١): يكون في الأقوال، ويستعمل في الأفعال، فيقال: صدق في القتال، إذا وفاه حقه، وكذب فيه إذا لم يفعل ذلك، ويطلق على الإيمان والوفاء وسائر الفضائل، وجاء في التنزيل ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ و ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ و ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ و ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ ويراد بالقدم هنا: السابقة والتقدم، والمنزلة الرفيعة. قال (٢) الليث وأبو الهيثم: القدم: السابقة. قال ذو الرمة:
وَأَنْتَ امْرُؤٌ مِنْ أَهْلِ بَيتِ دُؤَابَةٍ ... لَهُمْ قَدَمٌ مَعْرُوْفَةٌ وَمَفَاخِرُ
وقال أبو عبيدة والكسائي: كل سابق في خير أو شر، فهو قدم. وقال الأخفش: سابقة إخلاص، كما في قول حسان:
لَنَا الْقَدَمُ اَلْعُلْيَا إِلَيْكَ وَخَلْفَنَا ... لأوَّلِنَا في طَاعَةِ اللهِ تَابِعُ
وقال أحمد بن يحيى: كل ما قدمت من خير. وقال ابن الأنباري: العمل الذي يتقدم فيه، ولا يقع فيه تأخير ولا إبطاء. ﴿لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: يؤثر في القلوب، ويجذب النفوس فهو جار مجرى السحر. ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر واضح ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ العرش: مركز التدبير، ولا نعلم كنهه ولا صفته ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْر﴾ والتدبير: النظر في أدبار الأمور وعواقبها لتقع على الوجه المحمود، وتدبير الأمر أو القول هو التفكر فيما وراءه، وما يراد منه وينتهي إليه ﴿بِالْقِسْطِ﴾ والقسط: العدل ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ والحميم: الماء الشديد الحرارة.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ والشمس: كوكب نهاري يزيل ظهوره ظلمة الليل، ولها السلطنة على سائر الكواكب. والقمر: كوكب ليلي له السلطنة على سائر النجوم. والضوء: ما كان من ذاته. والنور: ما كان مكتسبًا من غيره كما مر. والضياء: يحتمل كونه مصدرًا، وكونه جمع ضوء، كسوط وسياط ﴿مَنَازِلَ﴾: جمع منزل، وهو اسم لمكان النزول ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾
стр. 5242
وقال (١) في "المصباح": رجوته أملته أو أردته، قال تعالى ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾؛ أي: لا يريدونه. ويستعمل بمعنى، الخوف؛ لأن الراجي يخاف أن لا يدرك ما يرجوه. وقيل: الرَّجاء مجرد التوقع الذي يشمل ما يسر وما يسوء. واللقاء: الاستقبال والمواجهة ﴿واطمأنوا﴾ والاطمئنان سكون النفس إلى الشيء وارتياحها به ﴿مَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ والمأوى: الملجأ الذي يأوي إليه المتعب، أو الخائف، أو المحتاج من مكان آمن، أو إنسان نافع. وقد أطلق على الجنة في ثلاث آيات، وعلى النار في بضع عشرة آية. ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ والدعوى، مصدر بمعنى الدعاء، وهو للناس النداء، والطلب المعتاد بينهم في دائرة الأسباب المسخرة لهم، ولله هو دعاؤه وسؤاله، والرغبة فيما عنده مع الشعور بالحاجة إليه، والضراعة له فيما لا يقدر عليه أحد من خلقه، من دفع ضر أو جلب نفع ﴿سُبْحَانَكَ﴾؛ أي: تنزيهًا لك وتقديسًا، وهو اسم مصدر، لسبح تسبيحًا.
﴿وَتَحِيَّتُهُمْ﴾ والتحية: التكرمة بقولهم: حياك الله؛ أي: أطال عمرك وحياتك. وفي "الفتوحات" التحية: التكرمة بالحالة الجليلة، أصلها: أحياك الله حياة طيبة؛ أي: ما يحيي به بعضهم بعضًا، فعلى هذا فهو مصدر مضاف لفاعله، أو تحية الملائكة إياهم كما في قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أو تحية الله لهم، كما في قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ وعلى هذين الأخيرين، فهو مصدر مضاف لمفعوله كما في "الشهاب" ﴿سَلَامٌ﴾؛ أي سلامة من كل مكروه ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ عجل يعجل تعجيلًا، من باب فعل الرباعي، والاستعجال: مصدر استعجل السداسي، وتعجيل الشيء تقديمه على أوانه المقدر له، أو الموعود به. والاستعجال به طلب التعجيل له. والعجلة من غرائز الإنسان، كما قال تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ فاستعجاله بالخير لشدة حرصه على منافعه وقلة صبره عنها، واستعجاله بالضر لا يكون من دأبه، بل بسبب عارض كالغضب والجهل والعناد والاستهزاء والتعجيز، أو للنجاة مما هو شر منه وقال الزمخشري (٢): أصله: ولو يعجل الله
стр. 5243
للناس الشر تعجيله لهم بالخير، فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله بالخير، إشعارًا بسرعة إجابته لهم، وإسعافه بطلبتهم، فإن استعجالهم بالخير تعجيل لهم. قال الشيخ (١): عجل مدلوله: غير مدلول استعجل؛ لأن عجل يدل على الوقوع، واستعجل يدل على طلب التعجيل، وذاك واقع من الله تعالى، وهذا مضاف إليهم، فلا يكون التقدير على ما قاله الزمخشري.
﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُم﴾ وقضاء الأجل: انتهاؤه، والأجل: المدة التي أجلها الله لعباده في دار الفناء. ﴿ونذر﴾: نترك، والطغيان: مجاوزة الحد في الشر من كفر وظلم وعدوان، والعمه: التردد والتحير في الأمر أو الشر ﴿مَرَّ﴾؛ أي: مضى في طريقته التي كان عليها من الكفر بربه.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا وضروبًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾.
ومنها: الطباق بين ﴿أَنْذِر﴾ و ﴿وَبَشِّرِ﴾.
ومنها: المبالغة في المدح في قوله: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ لأن الإضافة فيه من إضافة الموصوف إلى الصفة، كمسجد الجامع، ففائدة هذه الإضافة عندهم التنبيه على زيادة الفضل، ومدح القدم؛ لأن كل شيء أضيف إلى الصدق، فهو ممدوح، وفيه أيضًا المجاز المرسل؛ حيث أطلق القدم الذي هو سبب في السبق، وأراد به السابقة في الخير، والعلاقة السببية.
ومنها: إطلاق المضارع، بمعنى: الماضي في قوله: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ استحضارًا للصورة الغريبة، وفيه أيضًا إطلاق المصدر بمعنى: اسم المفعول؛ لأن الخلق هنا، بمعنى: المخلوق.
стр. 5244
ومنها: الطباق بين كلمتي البدء والإعادة في قوله: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.
ومنها: الإيجاز في قوله: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ حيث وحد الضمير، إن قلنا إن الضمير يرجع إلى الشمس والقمر كما في "الفتوحات".
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ على قراءة النون وفي قوله: ﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾؛ لأن مقتضى السياق لا يرجون لقاءه، أضافه إلى ضمير الجلالة، لتعظيم الأمر وتهويله.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾؛ أي: كاستعجالهم أو مثل استعجالهم، ففيه تشبيه مؤكد مجمل.
ومنها: الطباق بين كلمتي الشر والخير.
ومنها: تغير الأسلوب في قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ للمبالغة في استحقاقهم للعقاب والتنبيه على أن المقصود بالذات من الإبداء والإعادة، هو الإثابة، والعذاب إنما وقع بالعرض.
ومنها: الإشارة بالبعيد إلى القريب في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ تنزيلًا للبعد الرتبي منزلة البعد الحسي.
ومنها: الطباق بين الليل والنهار، وبين السموات والأرض في قوله: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْر﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
في هذا الطلب إذ لو نزل بهم الضرّ جاؤوا وتضرعوا إلى الله في كشفه وإزالته .. بين هنا ما يجري مجرى التهديد، وهو أنه تعالى، قد ينزّل بهم عذاب الاستئصال، كما حدث للأمم قبلهم، حتى يكون ذلك رادعًا لهم وزاجرًا عن هذا الطلب.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها؛ أن الله لما بدأ السورة بذكر الكتاب الحكيم، وإنكار المشركين الوحي على رجل منهم، ثم أقام الحجة على الوحي والتوحيد والبعث، بخلق العالم علويه وسفليه وبطبيعة الإنسان وتاريخه وغرائزه .. أعاد هنا الكلام في شأن الكتاب نفسه، وتفنيد ما اقترحه المشركون على الرسول، ﷺ ، بشأنه وحجته البالغة عليهم، في كونه وحيًا من عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ....﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها؛ أن الله ، لما بين في الآيات السالفة أنهم طلبوا منه أحد أمرين، إما الإتيان بقرآن غير هذا، أو تبديله؛ لأن فيه نبذًا لآلهتهم، وطعنًا فيها وتسفيهًا لآرائهم في عبادتها .. نعى عليهم هنا عبادة الأصنام، وبين لهم حقارة شأنها، إذ لا تستطيع نفعًا ولا ضرًّا، فكيف يليق بالعاقل أن يعبدها من دون الله تعالى؟ ويجعل لها الشفاعة عنده تعالى، وليس لديهم برهان على ما يدَّعون، سبحانه وتعالى عما يشركون.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما أقام الأدلة على فساد عبادة الأصنام، وبين سبب هذه العبادة .. ذكر هنا بيان ما كان عليه الناس من الوحدة في الدين، وما صاروا إليه من الاختلاف والفرقة فيه.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ ...﴾ الآية، مناسبة (١)
стр. 5247
هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ الآية، ثم ذكر قوله: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ وذلك على سبيل التعنت .. أخبر أن هؤلاء إنما يصيرون لهذه المقالات عند ما يكونون في رخاء من العيش وخلو بال، وأن إحسان الله تعالى قابلوه بما لا يجوز من ابتغاء المكر لآياته، وكان خليقًا بهم أن يكونوا أول من صدق بآياته، وإعراضهم عن الآيات نظير قوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر ...﴾ الآية، مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها: أن الله ، لما ذكر أن الناس إذا أصابهم الضر .. لجؤوا إلى الله، فإذا أذاقهم الرحمة عادوا إلى عادتهم، من إهمال جانب الله تعالى، والمكر في آياته، وكان قبل ذلك قد ذكر نحوًا من هذا في قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ ...﴾ الآية، وكان المذكور في الآيتين أمرًا كليًّا أوضح تعالى ذلك الأمر الكلي بمثال جلي كاشف عن حقيقة ذلك المعنى الكلي، ينقطع فيه رجاء الإنسان عن كل متعلق به، إلا الله تعالى، فيخلص له الدعاء وحده في كشف هذه النازلة التي لا يكشفها إلا هو تعالى، ويتبين بطلان عبادته ما لا يضر ولا ينفع ودعواه أنه شفيعه عند الله، ثم بعد كشف هذه النازلة عاد إلى عادته من بغيه في الأرض، فإنجاؤه تعالى إياهم، هو مثال من أذاقه الرحمة، وما كانوا فيه قبل من إشرافهم على الهلاك، هو مثال من الضر الذي مسهم.
وعبارة المراغي: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر (٢) أن القوم طلبوا من الرسول ﷺ آية أخرى سوى القرآن، وذكر جوابًا عن هذا، بأنه لا يملك ذلك؛ لأن هذا من الغيب الذي استأثر بعلمه .. أردف ذلك بجواب آخر، وهو أن أولئك المشركين لا يقنعون بالآيات إذا رأوها بأعينهم، بل يكابرون حسهم، ولا يؤمنون؛ إذ من عاداتهم اللجاج والعناد، فكثيرًا ما جاءتهم
стр. 5248
الآيات الكونية، الدالة على وحدانية الله تعالى في أفعاله، ثم هم يمكرون فيها، ولا تزيدهم إلا ضلالًا انتهت.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ...﴾ الآية، قال ابن عباس (١) والكلبي: نزلت في المستهزئين بالقرآن، من أهل مكة، قالوا: يا محمَّد ائت بقرآن غير هذا، فيه ما نسألك.
وقال مجاهد وقتادة: نزلت في جماعة من مشركي مكة، وقال مقاتل: نزلت في خمسة نفر، عبد بن أمية المخزومي، والوليد بن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري، والعاص بن وائل.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): أنه لما دعا رسول الله، ﷺ ، على أهل مكة بالجدب .. قحطوا سبع سنين، فأتاه أبو سفيان فقال: ادع لنا بالخصب فإن أخصبنا صدقنا، فسأل الله لهم، فسقوا ولم يؤمنوا.
التفسير وأوجه القراءة
١٣ - ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا﴾، أي: وعزتي وجلالي لقد أهلكنا واستأصلنا بالعذاب الشديد ﴿الْقُرُونَ﴾؛ أي: الأمم الماضية ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: من قبل زمانكم يا أهل مكة ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾؛ أي: حين ظلموا أنفسهم بالإشراك والتكذيب لرسلهم وباستعمال القوى والجوارح فيما لا ينبغي ﴿و﴾ الحال أنه قد ﴿جاءتهم رسلهم بالبينات﴾؛ أي: بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقهم فيما أخبروا به عن الله تعالى ﴿وَمَا كَانُوا﴾؛ أي: وما كان تلك الأمم الماضية ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾ برسلهم ويصدقوهم فيما جاؤوا به من عند الله تعالى، لو أبقيناهم وأمهلناهم ولم نهلكهم؛
стр. 5249
لأن الله ، علم منهم أنهم يصرون على كفرهم والواو (١) في قوله: ﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ للعطف على ظلموا، أو الجملة اعتراضية لاعتراضها بين أهلكنا وبين قوله الآتي:
١٤ - ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ﴾ واللام لتأكيد النفي يعني: أن السبب في إهلاكهم، تكذيبهم للرسل، وعلم الله أنه لا فائدة في إمهالهم، بعد أن ألزموا الحجة ببعثة الرسل؛ أي: ولقد أهلكنا كثيرًا من الأمم الماضية من قبل زمانكم، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط، حين ظلموا بالتكذيب لرسلهم، والحال أنه قد جاءتهم رسلهم بالبينات، الدالة على صدقهم، وما كانوا ليؤمنوا؛ أي: وما كان من شأنهم، ولا من مقتضى استعدادهم أن يؤمنوا؛ لأنهم قد مرنوا على الكفر، وصار ديدنهم حب الشهوات واللذات، من الجاه والرياسة والظلم والفسق والفجور.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: نجزي القوم المجرمين، بالإشراك والتكذيب لك يا محمَّد، جزاءً مثل الجزاء الذي جزيناه الأمم الماضية، وهو العذاب الشديد بالاستئصال إن لم يؤمنوا بك. وقرأت فرقة: ﴿يجزي﴾ بالياء؛ أي؛ يجزى الله، وهو التفات ذكره أبو حيان. وفي هذا وعيد شديد لأهل مكة، على تكذيبهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
وإهلاك الله تعالى للأمم، بالظلم ضربان:
١ - ضرب بعذاب الاستئصال، للأقوام الذين بعث الله تعالى فيهم رسلًا لهدايتهم، بالإيمان والعمل الصالح، كقوم نوح فعاندوا الرسل، فأنذروهم عاقبة الجحود والعناد بعد مجيئهم بالآيات الدالة على صدقهم.
٢ - ضرب بعذاب، هو مقتضى سنته تعالى، في نظم الاجتماع البشري، فالظلم مثلًا سبب لفساد العمران، وضعف الأمم، ولاستيلاء القوية على الضعيفة كما قال: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ وهو إما ظلم الأفراد لأنفسهم، بالفسوق والإسراف، في الشهوات المضعفة
стр. 5250
للأبدان، المفسدة للأخلاق، وإما ظلم الحكام، الذي يفسد بأس الأمة ويهن من قوتها.
﴿ثُمَّ﴾ بعد إهلاك تلك القرون التي تسمعون أخبارها وتنظرون آثارها ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ أيتها الأمة المحمدية ﴿خَلَائِفَ﴾ يخلفون عن تلك الأمم ﴿في﴾ سكنى الأرض، وإحيائها ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، أي: من بعد تلك القرون الماضية ﴿لِنَنْظُر﴾ أي: لكي ننظر ونعلم ﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: عمل تعملونه من خير أو شر، فنجازيكم بحسبه. والمعنى (١): استخلفناكم في الأرض بعد القرون المهلكة، لننظر أتعملون خيرًا أم شرًّا، فنعاملكم على حسب عملكم. ومعنى: لننظر، أي: لنظهر في الوجود ما علمناه أزلًا، أو ليظهر متعلق علمنا، فالنظر مجاز عن هذا، وقيل: الكلام على حذف مضاف، أي: لينظر رسلنا وأولياؤنا، وأسند النظر إلى الله مجازًا، وهو لغيره. وقرأ يحيى بن الحارث الزماري: ﴿لنظر﴾ بنون واحدة وتشديد الظاء، وقال: هكذا رأيته في مصحف عثمان. ووجهها أن (٢) النون الثانية قلبت ظاء وأدغمت في الظاء. والاستفهام في كيف لطلب تعيين أحد الأمرين؛ لأن المعنى، لنعلم جواب كيف تعملون؛ أي: أي عمل تعملونه أخير أم شر، وهي معمولة لتعملون، والجملة في موضع نصب لننظر؛ لأنها معلقة، وجاز التعليق في نظر إن لم يكن من أفعال القلوب؛ لأنها وصلة فعل القلب الذي هو العلم. ومعنى الآية: ثم (٣) جعلناكم خلائف في الأرض، من بعد أولئك الأقوام، بما آتيناكم في هذا الدين، من أسباب الملك والحكم، إذ في شريعتكم، ما به سعادة الأمة في دينها ودنياها.
وفي الآية: بشارة لهذه الأمة، بأنها ستخلفهم في الأرض، إذا آمنت به واتبعت النور الذي أنزل معه، كما قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وقد صدق الله وعده، فملكهم ملك الأكاسرة، والقياسرة، والفراعنة، وكثير من الأمم غيرها ﴿لِنَنْظُرَ
стр. 5251
كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: لنرى ماذا تعملون في خلافتكم، فنجازيكم به بمقتضى سنتنا فيمن قبلكم كما قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله، ﷺ ، قال: "إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واحذروا فتنة النساء". أخرجه مسلم، وقوله: فاتقوا الدنيا، معناه: احذروا فتنة الدنيا، واحذروا فتنة النساء.
وقال قتادة: صدق الله ربنا، ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا، فأروا الله من أعمالكم خيرًا بالليل، أو النهار. وفي هذا إيماء، إلى أن هذه الخلافة، منوطة بالأعمال، حتى لا يغتروا بما سينالونه، ويظنوا أنه باقٍ لهم، وأنهم يتفلتون من سننه تعالى في الظالمين.
١٥ - ثم حكى (١) الله سبحانه نوعًا ثالثًا من تعنتهم وتلاعبهم بآيات الله تعالى فقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، إعراضًا عنهم، والمراد بالآيات آيات القرآن الكريم؛ أي: وإذا تلا التالي عليهم آياتنا، الدالة على إثبات التوحيد، وإبطال الشرك، حالة كونها بينات؛ أي: واضحات الدلالة على المطلوب ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾ ولا يخافون ﴿لقاءنا﴾ يوم القيامة بالبعث، وهم المنكرون للمعاد؛ أي: قالوا: لمن يتلوه عليهم - وهو محمَّد، ﷺ ، حين سمعوا ما يغيظهم فيما تلاه عليهم، من القرآن، من ذم عبادة الأوثان، والوعيد الشديد لمن عبدها: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾؛ أي: بدل ما فيه مما نكره كسبِّ آلهتنا، وذكر البعث، وليس طلبهم تبديل جميعه؛ أي: طلبوا منه أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن، مع بقاء هذا القرآن على حاله، وإما تبديل هذا القرآن، بنسخ بعض آياته، أو كلها، ووضع أخرى مكانها، مما يطابق هواهم ويلائم غرضهم. والمعنى: ائت بقرآن غير هذا، مع بقاء هذا القرآن، أو بدله؛ أي: أزله بالكلية، وائت ببدله، فيكون المطلوب أحد أمرين، إما إزالته بالكلية وهو التبديل في الذات، أو الإتيان بغيره مع بقائه، فيحصل
стр. 5252
التغاير بين المطلوبين، ذكره أبو حيان.
وحاصل المعنى (١): وإذا تتلى على هؤلاء المشركين آيات الكتاب الذي أئزل إليك، حال كونها بارزات في أعلى أسلوب من البيان، دالَّات على الحق، ساطعات الحجة والبرهان، قالوا: لمن يتلوها عليهم - وهو الرسول ﷺ ائت بقرآن غير هذا، أو بدله؛ أي: ائت بكتاب آخر نقرؤه، ليس فيه ما لا نؤمن به، من البعث والجزاء على الأعمال، ولا ما نكرهه من ذم آلهتنا، والوعيد على عبادتها، أو بدله بأن تجعل بدل الآية المشتملة على الوعيد، آية أخرى، ولم يكن مقصدهم من هذا إلا أن يختبروا حاله، بمطالبته بالإتيان بقرآن غيره، في جملة ما بلغهم من سوره في أسلوبها، ونظمها، أو بالتصرف فيه، بالتغيير والتبديل لما يكرهونه، منه من تحقير آلهتهم وتكفير آبائهم حتى إذا فعل هذا أو ذاك، كانت دعواه أنه كلام الله، أوحاه إليه دعوى باطلة، لا يعول عليها، وكان قصارى أمره، أنه امتاز عنهم بنوع من البيان خفيت علهيم أسباب معرفته، ولم يكن بوحي من الله كما يزعمه. فأمره الله تعالى أن يقول لهم في جوابهم ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد ﴿مَا يَكُونُ لِي﴾؛ أي: ما ينبغي لي ولا يحل لي ﴿أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾؛ أي: من قبل نفسي. وقرىء ﴿تلقاء﴾ بفتح التاء؛ أي: قل لهم، أيها الرسول: إنه ليس من شأني، ولا مما تجيزه لي رسالتي، أن أبدله من تلقاء نفسي، ومحض رأيي، وخالص اجتهادي.
فنفى عن نفسه أحد القسمين، وهو التبديل؛ لأنه الذي يمكنه، لو كان ذلك جائزًا، بخلاف القسم الآخر، وهو الإتيان بقرآن آخر، فإن ذلك ليس في وسعه، ولا يقدر عليه. وقيل: إنه ﷺ نفى عن نفسه أسهل القسمين، ليكون دليلًا على نفي أصعبهما بالطريق الأولى.
وهذا منه (٢) ﷺ ، من باب مجاراة السفهاء، إذ لا يصدر مثل هذا الاقتراح عن العقلاء، بعد أن أمره الله سبحانه بذلك، وهو أعلم بمصالح عباده، وبما
стр. 5253
يدفع الكفار عن هذه الطلبات الساقطة، والسؤالات الباردة. قال الزجاج: سألوه إسقاط ما فيه، من ذكر البعث والنشور. وقيل: سألوه أن يسقط ما فيه من عيب آلهتهم، وتسفيه أحلامهم. وقيل: سألوه أن يحول الوعيد وعدًا والحرام حلالًا، والحلال حرامًا. ثم أمره أن يؤكد ما أجاب به عليهم، من أنه ما صح ولا استقام أن يبدله، من تلقاء نفسه بقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ﴾؛ أي: ما أتبع شيئًا من الأشياء ﴿إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ في القرآن، أو في غيره من عند الله ، من غير تبديل ولا تحريف ولا تصحيف، فقصر حاله ﷺ على اتباع ما يوحى إليه؛ أي: ما علي إلا البلاغ، فإن بدل الله سبحانه منه شيئًا بنسخه، بلغت عنه ما أراد وإلا فلا. ثم أمره الله تعالى أن يقول لهم تكميلًا للجواب عليهم، وتعليلًا للسابق منه: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾؛ أي: لأني أخاف ﴿إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ وخالفت ما أوحي إليّ بفعل ما تطلبون على تقدير إمكانه ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: شديد عذابه، وهو يوم القيامة؛ أي إني أخاف إن فعلت أي عصيان، عذاب يوم عظيم الشأن، ألا وهو يوم القيامة، فكيف بي إذا عصيته، بتبديل كلامه اتباعًا لأهوائكم. ثم أكد الله كون هذا القرآن من عند الله تعالى، وأنه ﷺ إنما يبلغ إليهم منه ما أمره الله بتبليغه، لا يقدر على غير ذلك فقال:
١٦ - ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد، لهؤلاء الذين طلبوا منك تبديل القرآن وتغييره، إن هذا القرآن المتلو عليكم، هو بمشيئة الله تعالى وإرادته و ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ عدم تلاوتي لهذا القرآن عليكم، بأن لم ينزله عليّ، ولم يأمرني بتلاوته عليكم ﴿مَا تَلَوْتُهُ﴾ وقرأته عليكم ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ﴾ الله ﴿بِهِ﴾؛ أي: بهذا القرآن؛ أي: لو شاء الله ما تلوته عليكم، وما أعلمكم الله به بواسطتي، فالأمر كله منوط بمشيئة الله، ليس لي في ذلك شيء. وقوله: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ﴾ معطوف على ما تلوته؛ أي: ولو شاء الله ما أدراكم بالقرآن؛ أي: ما أعلمكم به على لساني، يقال: دريت الشيء، وأدراني الله به؛ أي: علمته، وأعلمني الله به؛ أي: قل لهم (١) يا محمَّد: لو شاء الله أن لا أتلو عليكم هذا القرآن، ما تلوته عليكم، فإنما أتلوه عليكم بأمره، وتنفيذ
стр. 5254
مشيئته، ولو شاء الله أن لا يعلمكم به، بإرسالي إليكم، لما أرسلني، ولما أدراكم به، ولكنه شاء أن يمن عليكم بهذا العلم النافع، لتهتدوا به، وتكونوا بهدايته خلائف في الأرض، وهذا لن يكون بكتاب آخر كما قال: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. فهو قد أنزله عالمًا بأن فيه كل ما يحتاج إليه البشر، من الهداية وأسباب السعادة.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ فـ ﴿لا﴾ مؤكدة وموضحة، بأن الفعل منفي، لكونه معطوفًا على منفي من أدراه، يدريه، بمعنى: أعلمه يعلمه. وقرأ ابن كثير وقنبل والبزيّ ﴿ولأدراكم﴾ بلام دخلت على فعل مثبت، معطوف على منفي، والمعنى: ولأعلمكم به من غير طريقي، وعلى لسان غيري، ولكنه يمن على من يشاء من عباده، فخصني بهذه الكرامة، ورآني لها أهلًا دون الناس. وقرأ ابن عباس وابن سيرين والحسن وأبو رجاء وابن أبي عبلة وشيبة بن نصاح: ﴿ولا أدرأتكم﴾ بهمزة ساكنة، وتاء بعدها، ثم كاف؛ أي: ولا أجعلكم بتلاوته عليكم خصماء، تدرؤونني بالجدال، وتكذبونني، من الدرء، بمعنى: الدفع يقال: درأته دفعته، كما قال تعالى؛ ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ ودرأته، جعلته دارئًا؛ أي: خصمًا. وقرأ شهر بن حوشب والأعمش ﴿ولا أنذرتكم به﴾ بالنون، والذال من الإنذار، وكذا هي في مصحف ابن مسعود. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ﴿ولا أدريكم﴾ بالإمالة.
وقوله: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ تعليل لكون ذلك بمشيئة الله تعالى، ولم يكن من النبي، ﷺ إلا التبليغ، أي: فقد مكثت بين ظهرانيكم عمرًا طويلًا، وهو أربعون سنة، من قبل تلاوة هذا القرآن عليكم، لم أقل عليكم سورةً من مثله. ولا آية تشبه آياته، لا في العلم والهداية، ولا في البيان والبراعة، تعرفونني بالصدق والأمانة، ولست ممن يقرأ ولا ممن يكتب. والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ للتقريع (٢) والتوبيخ داخلة على محذوف، تقديره: أعميتم عن الحق
стр. 5255
فلا تعقلون؛ أي: فلا تجرون على ما يقتضيه العقل من عدم تكذيبي، لما عرفتم من العادة المستمرة إلى المدة الطويلة، بالصدق والأمانة مني، وعدم قراءتي للكتب المنزلة على الرسل، وتعلمي لما عند أهلها من العلم، ولا طلبي لشيء من هذا الشأن، ولا حرصي عليه، ثم جئت بهذا الكتاب، الذي عجزتم عن الإتيان بسورة منه، وقصرتم عن معارضته، وأنتم العرب المشهود لهم بكمال الفصاحة، المعترف لهم، بأنهم البالغون فيها إلى مبلغ لا يتعلق به غيركم؛ أي (١): أفلا تعقلون أن من عاش أربعين سنة، لم يقرأ كتابًا، ولم يلقن من أحد علمًا، ولم يتقلد دينًا ولم يمارس أساليب البيان، وأفانين الكلام، من شعر ونثر وخطابة وفخر وعلم وحكمة، لا يمكنه أن يأتي بمثل هذا القرآن المعجز لكم ولجميع الدارسين لكتب الأديان، فكيف تقترحون علي، أن آتي بقرآن غيره؟ وقد كان أكثر أنبياء بني إسرائيل، قبل نبوتهم على شيء من العلم، كما قال تعالى في موسى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وقال في يحيى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.
والخلاصة (٢): أن كفار مكة، شاهدوا رسول الله ﷺ قبل مبعثه، وعلموا أحواله، وأنه كان أميًّا لم يقرأ كتابا، ولا تعلم من أحد، وذلك مدة أربعين سنة، ثم بعدها جاءكم بكتاب عظيم الشأن، مشتمل على نفائس العلوم والأحكام والآداب ومكارم الأخلاق، فكل من له عقل عليم، وفهم ثابت، يعلم أن هذا القرآن من عند الله تعالى، لا من عند نفسه.
وقرأ الحسن والأعمش (٣): ﴿عمرا﴾ بضم العين وسكون الميم. قال أبو عبيدة وفي العمر ثلاث لغات، عمر، بضم فسكون، وعمر بضمتين، وعمر بفتح فسكون.