كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: لنرى ماذا تعملون في خلافتكم، فنجازيكم به بمقتضى سنتنا فيمن قبلكم كما قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله، ﷺ ، قال: "إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واحذروا فتنة النساء". أخرجه مسلم، وقوله: فاتقوا الدنيا، معناه: احذروا فتنة الدنيا، واحذروا فتنة النساء.
وقال قتادة: صدق الله ربنا، ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا، فأروا الله من أعمالكم خيرًا بالليل، أو النهار. وفي هذا إيماء، إلى أن هذه الخلافة، منوطة بالأعمال، حتى لا يغتروا بما سينالونه، ويظنوا أنه باقٍ لهم، وأنهم يتفلتون من سننه تعالى في الظالمين.
١٥ - ثم حكى (١) الله سبحانه نوعًا ثالثًا من تعنتهم وتلاعبهم بآيات الله تعالى فقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، إعراضًا عنهم، والمراد بالآيات آيات القرآن الكريم؛ أي: وإذا تلا التالي عليهم آياتنا، الدالة على إثبات التوحيد، وإبطال الشرك، حالة كونها بينات؛ أي: واضحات الدلالة على المطلوب ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾ ولا يخافون ﴿لقاءنا﴾ يوم القيامة بالبعث، وهم المنكرون للمعاد؛ أي: قالوا: لمن يتلوه عليهم - وهو محمَّد، ﷺ ، حين سمعوا ما يغيظهم فيما تلاه عليهم، من القرآن، من ذم عبادة الأوثان، والوعيد الشديد لمن عبدها: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾؛ أي: بدل ما فيه مما نكره كسبِّ آلهتنا، وذكر البعث، وليس طلبهم تبديل جميعه؛ أي: طلبوا منه أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن، مع بقاء هذا القرآن على حاله، وإما تبديل هذا القرآن، بنسخ بعض آياته، أو كلها، ووضع أخرى مكانها، مما يطابق هواهم ويلائم غرضهم. والمعنى: ائت بقرآن غير هذا، مع بقاء هذا القرآن، أو بدله؛ أي: أزله بالكلية، وائت ببدله، فيكون المطلوب أحد أمرين، إما إزالته بالكلية وهو التبديل في الذات، أو الإتيان بغيره مع بقائه، فيحصل
стр. 5252
التغاير بين المطلوبين، ذكره أبو حيان.
وحاصل المعنى (١): وإذا تتلى على هؤلاء المشركين آيات الكتاب الذي أئزل إليك، حال كونها بارزات في أعلى أسلوب من البيان، دالَّات على الحق، ساطعات الحجة والبرهان، قالوا: لمن يتلوها عليهم - وهو الرسول ﷺ ائت بقرآن غير هذا، أو بدله؛ أي: ائت بكتاب آخر نقرؤه، ليس فيه ما لا نؤمن به، من البعث والجزاء على الأعمال، ولا ما نكرهه من ذم آلهتنا، والوعيد على عبادتها، أو بدله بأن تجعل بدل الآية المشتملة على الوعيد، آية أخرى، ولم يكن مقصدهم من هذا إلا أن يختبروا حاله، بمطالبته بالإتيان بقرآن غيره، في جملة ما بلغهم من سوره في أسلوبها، ونظمها، أو بالتصرف فيه، بالتغيير والتبديل لما يكرهونه، منه من تحقير آلهتهم وتكفير آبائهم حتى إذا فعل هذا أو ذاك، كانت دعواه أنه كلام الله، أوحاه إليه دعوى باطلة، لا يعول عليها، وكان قصارى أمره، أنه امتاز عنهم بنوع من البيان خفيت علهيم أسباب معرفته، ولم يكن بوحي من الله كما يزعمه. فأمره الله تعالى أن يقول لهم في جوابهم ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد ﴿مَا يَكُونُ لِي﴾؛ أي: ما ينبغي لي ولا يحل لي ﴿أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾؛ أي: من قبل نفسي. وقرىء ﴿تلقاء﴾ بفتح التاء؛ أي: قل لهم، أيها الرسول: إنه ليس من شأني، ولا مما تجيزه لي رسالتي، أن أبدله من تلقاء نفسي، ومحض رأيي، وخالص اجتهادي.
فنفى عن نفسه أحد القسمين، وهو التبديل؛ لأنه الذي يمكنه، لو كان ذلك جائزًا، بخلاف القسم الآخر، وهو الإتيان بقرآن آخر، فإن ذلك ليس في وسعه، ولا يقدر عليه. وقيل: إنه ﷺ نفى عن نفسه أسهل القسمين، ليكون دليلًا على نفي أصعبهما بالطريق الأولى.
وهذا منه (٢) ﷺ ، من باب مجاراة السفهاء، إذ لا يصدر مثل هذا الاقتراح عن العقلاء، بعد أن أمره الله سبحانه بذلك، وهو أعلم بمصالح عباده، وبما
стр. 5253
يدفع الكفار عن هذه الطلبات الساقطة، والسؤالات الباردة. قال الزجاج: سألوه إسقاط ما فيه، من ذكر البعث والنشور. وقيل: سألوه أن يسقط ما فيه من عيب آلهتهم، وتسفيه أحلامهم. وقيل: سألوه أن يحول الوعيد وعدًا والحرام حلالًا، والحلال حرامًا. ثم أمره أن يؤكد ما أجاب به عليهم، من أنه ما صح ولا استقام أن يبدله، من تلقاء نفسه بقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ﴾؛ أي: ما أتبع شيئًا من الأشياء ﴿إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ في القرآن، أو في غيره من عند الله ، من غير تبديل ولا تحريف ولا تصحيف، فقصر حاله ﷺ على اتباع ما يوحى إليه؛ أي: ما علي إلا البلاغ، فإن بدل الله سبحانه منه شيئًا بنسخه، بلغت عنه ما أراد وإلا فلا. ثم أمره الله تعالى أن يقول لهم تكميلًا للجواب عليهم، وتعليلًا للسابق منه: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾؛ أي: لأني أخاف ﴿إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ وخالفت ما أوحي إليّ بفعل ما تطلبون على تقدير إمكانه ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: شديد عذابه، وهو يوم القيامة؛ أي إني أخاف إن فعلت أي عصيان، عذاب يوم عظيم الشأن، ألا وهو يوم القيامة، فكيف بي إذا عصيته، بتبديل كلامه اتباعًا لأهوائكم. ثم أكد الله كون هذا القرآن من عند الله تعالى، وأنه ﷺ إنما يبلغ إليهم منه ما أمره الله بتبليغه، لا يقدر على غير ذلك فقال:
١٦ - ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد، لهؤلاء الذين طلبوا منك تبديل القرآن وتغييره، إن هذا القرآن المتلو عليكم، هو بمشيئة الله تعالى وإرادته و ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ عدم تلاوتي لهذا القرآن عليكم، بأن لم ينزله عليّ، ولم يأمرني بتلاوته عليكم ﴿مَا تَلَوْتُهُ﴾ وقرأته عليكم ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ﴾ الله ﴿بِهِ﴾؛ أي: بهذا القرآن؛ أي: لو شاء الله ما تلوته عليكم، وما أعلمكم الله به بواسطتي، فالأمر كله منوط بمشيئة الله، ليس لي في ذلك شيء. وقوله: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ﴾ معطوف على ما تلوته؛ أي: ولو شاء الله ما أدراكم بالقرآن؛ أي: ما أعلمكم به على لساني، يقال: دريت الشيء، وأدراني الله به؛ أي: علمته، وأعلمني الله به؛ أي: قل لهم (١) يا محمَّد: لو شاء الله أن لا أتلو عليكم هذا القرآن، ما تلوته عليكم، فإنما أتلوه عليكم بأمره، وتنفيذ
стр. 5254
مشيئته، ولو شاء الله أن لا يعلمكم به، بإرسالي إليكم، لما أرسلني، ولما أدراكم به، ولكنه شاء أن يمن عليكم بهذا العلم النافع، لتهتدوا به، وتكونوا بهدايته خلائف في الأرض، وهذا لن يكون بكتاب آخر كما قال: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. فهو قد أنزله عالمًا بأن فيه كل ما يحتاج إليه البشر، من الهداية وأسباب السعادة.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ فـ ﴿لا﴾ مؤكدة وموضحة، بأن الفعل منفي، لكونه معطوفًا على منفي من أدراه، يدريه، بمعنى: أعلمه يعلمه. وقرأ ابن كثير وقنبل والبزيّ ﴿ولأدراكم﴾ بلام دخلت على فعل مثبت، معطوف على منفي، والمعنى: ولأعلمكم به من غير طريقي، وعلى لسان غيري، ولكنه يمن على من يشاء من عباده، فخصني بهذه الكرامة، ورآني لها أهلًا دون الناس. وقرأ ابن عباس وابن سيرين والحسن وأبو رجاء وابن أبي عبلة وشيبة بن نصاح: ﴿ولا أدرأتكم﴾ بهمزة ساكنة، وتاء بعدها، ثم كاف؛ أي: ولا أجعلكم بتلاوته عليكم خصماء، تدرؤونني بالجدال، وتكذبونني، من الدرء، بمعنى: الدفع يقال: درأته دفعته، كما قال تعالى؛ ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ ودرأته، جعلته دارئًا؛ أي: خصمًا. وقرأ شهر بن حوشب والأعمش ﴿ولا أنذرتكم به﴾ بالنون، والذال من الإنذار، وكذا هي في مصحف ابن مسعود. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ﴿ولا أدريكم﴾ بالإمالة.
وقوله: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ تعليل لكون ذلك بمشيئة الله تعالى، ولم يكن من النبي، ﷺ إلا التبليغ، أي: فقد مكثت بين ظهرانيكم عمرًا طويلًا، وهو أربعون سنة، من قبل تلاوة هذا القرآن عليكم، لم أقل عليكم سورةً من مثله. ولا آية تشبه آياته، لا في العلم والهداية، ولا في البيان والبراعة، تعرفونني بالصدق والأمانة، ولست ممن يقرأ ولا ممن يكتب. والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ للتقريع (٢) والتوبيخ داخلة على محذوف، تقديره: أعميتم عن الحق
стр. 5255
فلا تعقلون؛ أي: فلا تجرون على ما يقتضيه العقل من عدم تكذيبي، لما عرفتم من العادة المستمرة إلى المدة الطويلة، بالصدق والأمانة مني، وعدم قراءتي للكتب المنزلة على الرسل، وتعلمي لما عند أهلها من العلم، ولا طلبي لشيء من هذا الشأن، ولا حرصي عليه، ثم جئت بهذا الكتاب، الذي عجزتم عن الإتيان بسورة منه، وقصرتم عن معارضته، وأنتم العرب المشهود لهم بكمال الفصاحة، المعترف لهم، بأنهم البالغون فيها إلى مبلغ لا يتعلق به غيركم؛ أي (١): أفلا تعقلون أن من عاش أربعين سنة، لم يقرأ كتابًا، ولم يلقن من أحد علمًا، ولم يتقلد دينًا ولم يمارس أساليب البيان، وأفانين الكلام، من شعر ونثر وخطابة وفخر وعلم وحكمة، لا يمكنه أن يأتي بمثل هذا القرآن المعجز لكم ولجميع الدارسين لكتب الأديان، فكيف تقترحون علي، أن آتي بقرآن غيره؟ وقد كان أكثر أنبياء بني إسرائيل، قبل نبوتهم على شيء من العلم، كما قال تعالى في موسى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وقال في يحيى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.
والخلاصة (٢): أن كفار مكة، شاهدوا رسول الله ﷺ قبل مبعثه، وعلموا أحواله، وأنه كان أميًّا لم يقرأ كتابا، ولا تعلم من أحد، وذلك مدة أربعين سنة، ثم بعدها جاءكم بكتاب عظيم الشأن، مشتمل على نفائس العلوم والأحكام والآداب ومكارم الأخلاق، فكل من له عقل عليم، وفهم ثابت، يعلم أن هذا القرآن من عند الله تعالى، لا من عند نفسه.
وقرأ الحسن والأعمش (٣): ﴿عمرا﴾ بضم العين وسكون الميم. قال أبو عبيدة وفي العمر ثلاث لغات، عمر، بضم فسكون، وعمر بضمتين، وعمر بفتح فسكون.
стр. 5256
فصل في ذكر الأحاديث الواردة في عمر النبي ﷺ
وعن ابن عباس ﵁ قال: أنزل على رسول الله ﷺ ، وهو ابن أربعين سنة، فمكث ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، فمكث بها عشر سنين، ثم توفي، ﷺ . متفق عليه. وفي رواية، أن رسول الله، ﷺ ، أقام بمكة ثلاث عشرة سنة، يوحى إليه، وتوفي وهو وابن ثلاث وستين سنة. وفي رواية أن النبي ﷺ أقام بمكة خمس عشرة سنة، يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين، ولا يرى شيئًا، وثمان سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرًا وتوفي وهو ابن خمس وستين سنة. أخرجاه في "الصحيحين".
وعن عائشة ﵂ قالت: توفي رسول الله، ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة. متفق عليه. وعن أنس ﵁ قال: قبض رسول الله ﷺ ، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة، وعمر وهو ابن ثلاث وستين سنة. أخرجه مسلم. وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ﵁ قال: سمعت أنس بن مالك يصف رسول الله ﷺ يقول: كان ربعة من القوم، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، أزهر اللون، ليس بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، ليس بجعد قطط، ولا سبط رجل، أنزل عليه الوحي وهو ابن أربعين سنة، فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه الوحي، وبالمدينة عشرًا، وتوفاه الله على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. متفق عليه.
وقال النووي ﵀: ورد في عمره ﷺ ثلاث روايات:
أحدها: أنه ﷺ توفي وهو ابن ستين سنة.
والثانية: خمس وستون سنة.
والثالثة: ثلاث وستون سنة، وهي أصحها وأشهرها، رواها مسلم، من حديث أنس وعائشة وابن عباس، واتفق العلماء، على أن أصحها رواية، ثلاث وستين، وحملوا الباقي عليها، فرواية ستين سنة اقتصر فيها على العقود، وترك الكسر، ورواية الخمس متأولة أيضًا، بأنها حصل فيها اشتباه.
قوله: يسمع الصوت، أي: صوت الهاتف من الملائكة، ويرى الضوء؛
стр. 5257
أي: نور الملائكة، أو نور آيات الله، حتى رأى الملك بعينه، وشافهه بالوحي من الله . وقوله: ليس بالأمهق، المراد به: الشديد البياض، كلون الجص، وهو كريه المنظر، وربما توهم الناظر أنه برص، والمراد أنه كان أزهر اللون، بين البياض والحمرة.
١٧ - والاستفهام في قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ للإنكار (١)؛ أي: لا أحد أظلم ﴿مِمَّنِ افْتَرَى﴾ واختلق ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ ﴿كَذِبًا﴾ فزعم أن لله شريكًا وولدًا.
والمعنى (٢): أني لم أفتر على الله كذبًا، ولم أكذب عليه في قولي: إن هذا القرآن من عند الله تعالى، وأنتم قد افتريتم على الله الكذب، فزعمتم أن له شريكًا وولدًا، والله تعالى منزه عن الشريك والولد. وقيل معناه: إن هذا القرآن، لو لم يكن من عند الله، لما كان أحدًا في الدنيا أظلم على نفسه مني، من حيث إني افتريته على الله، ولما كان هذا القرآن من عند الله، أوحاه إليّ، وجب أن يقال: ليس أحد في الدنيا أجهل، ولا أظلم على نفسه منكم، من حيث إنكم أنكرتم أن يكون هذا القرآن من عند الله، فقد كذبتم بآياته وهو قوله: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ تعالى القرآنية أو الكونية؛ أي: جحد يكون القرآن من عند الله تعالى، وأنكر دلائل توحيده. ففيه (٣) بيان أن الكاذب على الله، والمكذب بآياته في الكفر سواء.
وإنما زاد كذبًا في قوله (٤): ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ مع أن الافتراء لا يكون إلا كذبًا لبيان أن هذا مع كونه افتراء على الله هو كذب في نفسه، فربما يكون الافتراء كذبًا في الإسناد فقط، كما إذا أسند ذنب زيد إلى عمرو، ذكر معنى هذا أبو السعود في تفسيره. وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ تعليل لكونه لا أظلم ممن افترى على الله كذبًا، أو كذب بآياته؛ أي: إن الشأن والحال لا ينجو المشركون من عذاب الله، ولا يظفرون الخير في الدنيا والآخرة، لافترائهم الكذب على الله بنسبة الشريك، ولتكذيبهم بآيات الله تعالى،
١٨ - ثم نعى الله سبحانه
стр. 5258
عليهم عبادة الأصنام، وبين أنها لا تنفع من عبدها، ولا تضر من لم يعبدها فقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾؛ أي: ويعبد هؤلاء المشركون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تعالى؛ أي متجاوزين الله إلى عبادة غيره، لا بمعنى ترك عبادته بالكلية؛ أي: ويعبدون معه تعالى ﴿مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾؛ أي: ما ليس من شأنه الضرر، ولا النفع، ومن حق المعبود أن يكون مثيبًا لمن أطاعه، معاقبًا لمن عصاه. والواو لعطف هذه الجملة على جملة قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾؛ أي: ويعبدون ما لا يملك لهم ضرًّا ولا نفعًا من الأصنام وغيرها. حال كونهم متجاوزين ما يجب من عبادته تعالى وحده، فهم يعبدونه ويعبدون معه غيره كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ ونفي التفسير والنفع هنا، باعتبار ذواتهم، وإثباتهما في قوله تعالى: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ باعتبار السبب، فلا يرد كيف نفى عن الأصنام هنا التفسير والنفع، وأثبتهما لها في الحج، اهـ "كرخي".
وفي الآية: إيماء إلى أن سبب عبادتها وضلالهم فيما يدعون، هو اعتقادهم فيها القدرة على الضر والنفع، فرد عليهم خطأهم بأنه هو القادر على نفع من يعبده، وضر من يشرك بعبادته غيره، في الدنيا والآخرة. وقد دل تاريخ البشر في كل طور من أطواره، على أن كل ما عبده البشر من دون الله تعالى، من صنم أو وثن، فإنما عبده لاعتقاده فيه القدرة على النفع والضر، بسلطان له فوق الأسباب المعروفة، كعبادته للأوثان المتخذة من الحجارة، أو الخشب والأصنام المصنوعة من المعادن والحجارة، أو غير المصنوعة، كاللات، وهي صخرة كانت بالطائف يلت عليها السويق، عظمت حتى عبدت، أو الأشجار، كالعزى، معبودة قريش.
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ في حقها وشأنها، معطوف على ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾؛ أي: ويقول هؤلاء المشركون في سبب عبادتهم لها، مع اعتقادهم أنها لا تملك الضر، ولا النفع بأنفسها إيمانهم: بأن الرب الخالق، هو الله تعالى و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ الأصنام ﴿شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فإنهم يزعمون أنها تشفع لهم في الدنيا، في إصلاح معايشهم، وكشف ما يهمهم، كالقحط؛ لأنهم كانوا لا يعتقدون بعثًا بعد
стр. 5259
الموت، أو تشفع لهم في الآخرة على تقدير أن يبعثوا؛ لأنهم كانوا شاكين في البعث؛ أي: ونحن إنما نعبدهم ونعظم هياكلهم ونطيبها بالعطر، ونقدم لها النذور ونهل لهم عند ذبح القرابين، بذكر أسمائهم، وبدعائهم والاستغاثة بهم؛ لأنهم يشفعون لنا عند الله تعالى، ويقربونا إليه زلفى، ويدفعون بجاههم عنا النبلاء ويعطوننا ما نطلب من النعماء، والإخبار بهذا عن الكفار هو على سبيل التجهيل والتحقير لهم ولمعبوداتهم، والتنبيه على أنهم عبدوا ما لا يستحق العبادة. وقال أهل المعاني: توهموا أن عبادتها أشد في تعظيم الله من عبادتهم إياه، وقالوا لسنا بأهلٍ أن نعبد الله، ولكن نشتغل بعبادة هذه الأصنام، فإنها تكون شافعة لنا عند الله، قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.
فأساس عقيدة الشرك، أن جميع ما يطلب من الله تعالى، لا بد أن يكون بوساطة المقربين عندهم، إذ هم لا يمكنهم التقرب من الله والحظوة عنده بأنفسهم؛ لأنها مدنسة بالمعاصي. أما الموحدون فيعتقدون أنه يجب على العاصي أن يتوجه إلى الله وحده، تائبًا إليه طالبًا مغفرته ورحمته. والاستفهام في قوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ﴾ للتوبيخ والتقريع والإنكار والتهكم. وقرأ أبو السمال العدوي ﴿أتنبئون﴾ بالتخفيف من أنبأ، ينبىء. وقرأ من عداه: بالتشديد من نبأ، ينبىء؛ أي: قل لهم يا محمَّد تبكيتًا لهم، ومبينًا لهم كذبهم ومنكرًا عليهم افتراءهم على ربهم، أتخبرون الله : ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: بالأمر الذي لم يعلم الله وجوده في السموات، وهو شفاعة الملائكة لهم، ولا وجوده في الأرض وهو شفاعة الأصنام، وإذا لم يعلم الله شيئًا من الأشياء، استحال وجود ذلك الشيء؛ لأنه تعالى لا يعزب عن علمه شيء. وقال الضحاك: أتخبرون الله أن له شريكًا، ولا يعلم الله لنفسه شريكًا في السموات ولا في الأرض، انتهى. ولو كان له شفعاء يشفعون لكم عنده، لكان أعلم بهم منكم، إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فإذًا هؤلاء لا وجود لهم عنده، وأنكم قد اتخذتم ذلك قياسًا على ما ترونه من الوساطة عند الملوك الجاهلين بأمور رعيتهم، والعاجزين عن تنفيذ مشيئتهم فيهم، بدون وساطة
стр. 5260
الوزراء وذوي المكانة فيهم. وبهذا ثبت بطلان الشرك في الألوهية، وهو عبادة غير الله تعالى مهما يكن المعبود.
﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ أي: تنزيهًا له تعالى عن كل ما لا يليق به ﴿وَتَعَالَى﴾؛ أي: ترفع وعلا ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: عن شركائهم، الذين يعتقدونهم شفعاءهم عند الله تعالى. والمعنى: تنزه ربنا، وعلا علوًا كبيرًا، عما يشركون به من الشفعاء. والوسطاء، وما يفترونه عليه، من أن لأحد من خلقه وساطة عنده، وشفاعة لديه تقرب إليه زلفى، ففي هذا تحقير لمقام الربوبية والألوهية، وتشبيه الرب بعبيده من الملوك الجاهلين. وفي هذا إيماء إلى أن شؤون الرب، وسائر ما في عالم الغيب لا يعلم إلا بخبر الوحي، ومن ذلك اتخاذ الشفعاء والوسطاء عنده فيكون كفرًا صراحًا.
وقرأ العربيان (١): أبو عمرو وابن عامر، والحرميان: نافع وابن كثير وعاصم: ﴿يشركون﴾ بالياء على الغيبة هنا، وفي حرفي النحل وحرف في الروم. وذكر أبو حاتم، أنه قرأها كذلك الحسن والأعرج، وابن القعقاع وشيبة وحميد وطلحة والأعمش، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: في النمل فقط، بالتاء على الخطاب. وعاصم وأبو عمرو بالياء على الغيبة. وقرأ حمزة والكسائي: الخمسة بالتاء على الخطاب. وأتى بالمضارع، ولم يقل عما أشركوا للدلالة على استمرار حالهم كما جاؤوا يعبدون، وأنهم على الشرك في المستقبل، كما كانوا عليه في الماضي
١٩ - ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ﴾ جميعًا ﴿إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ موحدة لله ، مؤمنة به متفقة على فطرة الإِسلام والتوحيد، من غير أن يختلفوا بينهم؛ لأن التوحيد والإِسلام ملة قديمة اجتمعت عليها الناس قاطبةً فطرةً وتشريعًا وأن الشرك وفروعه جهالات ابتدعها الغواة؛ أي: إنهم كانوا في أول الخلق على الفطرة السليمة الصحيحة ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾؛ أي؛ ثم اختلفوا في الأديان، وإلى ذلك الإشارة بقوله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". فبعث الله فيهم النبيين والمرسلين لهدايتهم، وإزالة الاختلاف بكتاب الله ووحيه،
стр. 5261
ثم اختلفوا في الكتاب أيضًا بغيًا بينهم، واتباعًا لأهوائهم، وقيل المعنى: وما كان الناس إلا على دين واحد، هو دين الإِسلام في عهد آدم ﵇، إلى أن قتل قابيل هابيل ثم اختلفوا. قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإِسلام، ثم وقع الاختلاف وعبدت الأصنام والأوثان، فبعث الله الرسل مبشرين ومنذرين.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ﴾ حق ﴿سَبَقَتْ﴾ من الله تعالى وقضاء وقع ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ أزلًا بتأخير الجزاء العام إلى يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، أي: لعجل لهم الجزاء في الدنيا، بالقضاء بينهم ﴿فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾؛ أي: في الدين الذي يختلفون بسببه، ففي سببية بإهلاك المبطلين، وتعجيل العقوبة للمكذبين، وكان ذلك فصلًا بينهم. وعبر بالمضارع عن الماضي حكايةً للحال الماضية. وفي الآية (١) وعيد شديد على اختلاف الناس المؤدي إلى العدوان، والشقاق، ولا سيما الاختلاف في الكتاب الذي أنزل لإزالة الشقاق. وقرأ (٢) عيسى بن عمر: ﴿لقضى﴾ بالبناء للفاعل. وقرأ من عداه: بالبناء للمفعول.
٢٠ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾ معطوف على ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾؛ أي: وقال أهل مكة: مرة بعد مرة وكرة بعد كرة. وعبر بالمضارع لاستحضار صورة ما قالوه؛ أي: وقالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: هلا أنزل على محمَّد ﷺ ﴿آيَةٌ﴾ أخرى كونية، سوى القرآن ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ دالة على صدق ما يقول، كما كان لصالح، من الناقة، ولموسى، من العصا. والقائلون (٣) ذلك هم أهل مكة، كأنهم لم يعتدوا بما قد نزل على رسول الله، ﷺ ، من الآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة، التي لو لم يكن منها إلا القرآن، لكفى به دليلًا بينًا، ومصدقًا قاطعًا؛ أي: هلا أنزلت عليه آية من الآيات، التي نقترحها عليه، ونطلبها منه، كإحياء الأموات وجعل الجبال ذهبًا وغير ذلك.
стр. 5262
ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد في الجواب: ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾؛ أي: إن نزول الآية غيب والله هو المختص بعلمه المستأثر به، لا علم لي ولا لكم، ولا لسائر مخلوقاته، فإن كان قدر إنزال آية عليّ .. فهو يعلم وقتها وينزلها فيه، ولا أعلم إلا ما أوحاه إليّ ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ نزول ما اقترحتموه من الآيات ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لنزولها. وقيل المعنى: انتظروا قضاء الله بيني وبينكم، بإظهار الحق على الباطل، أو انتظروا لما يفعل الله بكم، لاجترائكم على جحود الآيات القرآنية واقتراح غيرها. والآية بمعنى قوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾. وقد جاء تفسير ما ينتظر وينتظرونه في قوله في آخر هذه السورة: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)﴾. وفي الآية الإنذار بما سيحل بهم من العذاب، بخذلانهم ونصر الرسل عليهم في الدنيا، وما وراءها من عذاب الآخرة.
٢١ - ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾؛ أي: وإذا أعطينا ورزقنا كفار مكة ﴿رَحْمَةً﴾؛ أي: نعمة وخصبًا ورخاء وسعة العيش ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾؛ أي: من بعد فقر وقحط وشدة وبلاء، وضيق أصابهم، وذلك أن الله حبس عنهم المطر سبع سنين، حتى هلكوا من الجوع والقحط، ثم إن الله رحمهم، فأنزل عليهم المطر الكثير، حتى أخصبت البلاد، وعاش الناس بعد ذلك الضر، فلم يتعظوا بذلك، بل رجعوا إلى الفساد والكفر والمكر، وهو قوله : ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ﴾ وتدبير ﴿في﴾ إبطال ﴿آيَاتِنَا﴾ القرآنية والكونية واستهزاء وتكذيب لها، وإذا الأولى شرطية، وجوابها ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ﴾ وهي فجائية، يستفاد منها السرعة؛ لأن المعنى: أنهم فاجؤوا المكر وسارعوا فيه؛ أي: أوقعوه على جهة الفجاءة والسرعة.
والمعنى (١): وإذا رزقنا المشركين بالله فرجًا بعد كرب، ورخاء بعد شدة أصابتهم، بادروا إلى المكر وأسرعوا بالمفاجأة به في مقام الشكر، فإذا كانت
стр. 5263
الرحمة مطرًا أحيا الأرض، وأنبت الزرع، ودر به اللبن بعد جدب وقحط أهلك الحرث والنسل، نسبوا ذلك إلى الكواكب أو الأصنام، وإذا كانت نجاة من هلكة وأعوزهم معرفة عللها وأسبابها، عللوها بالمصادفات، وإذا كان سببها دعاء نبي أنكروا إكرام الله له وتأييده بها، كما فعل فرعون وقومه عقب آيات موسى، وكما فعل مشركو مكة إثر القحط الذي أصابهم بدعاء رسول الله ﷺ ، ثم رفع عنهم بدعائه، ﵊، فما زادهم ذلك إلا كفرًا وجحودًا.
روى البخاري ومسلم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن قريشًا، لما استعصوا على رسول الله ﷺ ، دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم قحط وجهد، حتى أكلوا العظام والميت، من الجهد، وحتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان، من الجوع، فأنزل الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ فجاء أبو سفيان، إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: يا محمَّد، إنك جئت تأمرنا بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، فدعا لهم، فكشف الله عنهم العذاب، ومطروا، فعادوا إلى حالهم ومكرهم الأول، يطعنون في آيات الله تعالى، ويعادون رسوله ﷺ ، ويكذبونه.
﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد ﴿الِلَّهِ﴾ ﴿أَسْرَعُ﴾ وأعجل منكم ﴿مَكْرًا﴾؛ أي: (١) عقوبة على مكركم، وأشد أخذًا، وأقدر على الجزاء، وأن عذابه في هلاككم أسرع إليكم مما يقع منكم في دفع الحق؛ أي: إن هؤلاء (٢) الكفار لما قابلوا نعمة الله بالمكر، فالله تعالى قابل مكرهم بمكر أشد من ذلك، وهو إهلاكهم يوم بدر، وحصول الفضيحة والخزي في الدنيا، وعذاب شديد يوم القيامة. ومعنى الوصف بالأسرعية: أنه تعالى، قضى بعقابهم قبل تدبيرهم مكايدهم، والمكر من الله، إما الاستدراج، أو الجزاء على المكر، أي: إخفاء
стр. 5264
الكيد. وتسمية (١) عقوبة الله مكرًا، من باب المشاكلة، كما قرر في مواطن من عبارات الكتاب العزيز.
والخلاصة: أي قل لهم: إنَّ الله أسرع منكم مكرًا، فهو قد دبر عقابكم، وهو موقعه بكم قبل أن تدبروا كيف تعملون، في إطفاء نور الإِسلام، وقد سبق في تدبيره لأمور العالم، وتقديره للجزاء على الأعمال قبل وقوعها أن يعاقبكم على مكركم في الدنيا قبل الآخرة، وهو عليم بما تفعلون، لا تخفى عليه خافية.
﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾ الحفظة الذين يحفظون أعمالكم، ووكلهم الله تعالى بإحصاء أعمال الناس، وكتبها للحساب والمجازاة عليها في الآخرة ﴿يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ به أو يكتبون مكركم، ويعرض عليكم يوم القيامة ما في بواطنكم الخبيثة. وفي ذلك تنبيه، إلى أن ما دبروا، ليس بخاف عليه تعالى، وإلى أن انتقامه حاصل واقع بهم لا محالة، وفيه وعيد لهم شديد، وهذه الجملة تعليلية للجملة التي قبلها، فإن مكرهم إذا كان ظاهرًا لا يخفى، فعقوبة الله كائنة لا محالة. والمعنى: إن رسل الله، وهم الملائكة، يكتبون مكر الكفار، لا يخفى ذلك على الملائكة الذين هم الحفظة، فكيف يخفى على العليم الخبير؟.
وقرأ الحسن (٢)، وابن أبي إسحاق وأبو عمرو ﴿رسلنا﴾ بالتخفيف. وقرأ الحسن وقتادة ومجاهد والأعرج، ورويت عن نافع ويعقوب في رواية، وأبو عمرو في رواية ﴿يمكرون﴾ بالتحتية على الغيبة، جريًا على ما سبق. وقرأ أبو رجاء وشيبة وأبو جعفر وابن أبي إسحاق وعيسى وطلحة والأعمش والجحدري وأيوب بن المتوكل وابن محيصن وشبل وأهل مكة والسبعة: ﴿تمكرون﴾ بالتاء الفوقية على الخطاب مبالغة لهم في الإعلام بحال مكرهم، والتفاتًا لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ أي: قل لهم، فناسب الخطاب. وفي قوله: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾ التفات أيضًا إذ لم يأت إن رسله. وقال أيوب بن المتوكل في مصحف أبي ﴿يا أيها الناس إن الله
стр. 5265
أسرع مكرا وإن رسله يكتبون ما تمكرون﴾. وينبغي أن يحمل هذا على التفسير؛ لأنه مخالف لما أجمع عليه المسلمون، من سواد المصحف، والمحفوظ عن أبي القراءة والإقراء بسواد المصحف.
وعلينا (١) أن نعتقد بأن الملائكة، تكتب الأعمال كتابة غيبية، لم يكلفنا الله تعالى بمعرفة صفتها، وإنما كلفنا أن نؤمن بأن له نظامًا حكيمًا في إحصاء أعمالنا؛ لأجل أن نراقبه فيها، فنلتزم الحق والعدل والخير، ونجتنب أضدادها.
٢٢ - وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ كلام مستأنف، مسوق لبيان جناية أخرى لهم، مبنية على ما مر آنفًا، من اختلاف حالهم حسب اختلاف ما يعتريهم، من السراء والضراء، اهـ "أبو السعود"؛ أي: هو الإله الذي يسيركم، وينقلكم في نواحي البر وأرجائه مشاةً وركبانًا، وفي أمواج البحر بالسفن والبواخر، وفي الجو بالطائرات. وقيل: يحملكم في البر على ظهور الدواب، وفي البحر على الفلك، أي: إنه تعالى هو الذي وهبكم القدرة على السير في البر، وسخر لكم الإبل والدواب، وفي البحر بما سخر لكم من السفن التي تجري في البحر، والقطر التجارية، والسيارات، وفي الهواء بالطائرات التي تسير في الجو.
وقرأ (٢) زيد بن ثابت والحسن وأبو العالية وزيد بن علي وأبو جعفر وعبد الله بن جبير وأبو عبد الرحمن وشيبة بن عامر: ينشركم من النشر والبث. وقرأ الحسن أيضًا: ﴿ينشركم﴾ من الإنشار وهو الإحياء، وهي قراءة عبد الله. وقرأ بعض الشاميين: ﴿ينشركم﴾ بالتشديد، للتكثير من النشر، الذي هو مطاوعة الانتشار. وقرأ باقي السبعة والجمهور: ﴿يُسَيِّرُكُمْ﴾ من التسيير. قال أبو علي، هو تضعيف مبالغة لا تضعيف تعدية؛ لأن العرب تقول سرت الرجل وسيرته. ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾؛ أي: في السفن.
стр. 5266
وقرأ أبو الدرداء وأم الدرداء (١): ﴿فِي الْفُلْكِيِّ﴾ بزيادة ياء النسب، وخرج ذلك على زيادتها، كما زادوها في الصفة، في نحو أحمري وزواري. وقيل: إنه صفة لموصوف محذوف، تقديره: في اللج الفلكي؛ أي: في اللج، الذي لا تجري السفن إلا فيه، واللج الماء الغمر العميق. وحتى غاية للتسيير في البحر.
قال صاحب (٢) "الكشاف": فإن قلت: كيف جعل الكون في الفلك غايةً للتسيير في البحر، والتسيير في البحر إنما هو بعد الكون في الفلك؟
قلت: لم يجعل الكون في الفلك غايةً للتسيير، ولكن الغاية مضمون الجملة الشرطية، الواقعة بعد حتى بما في حيزها، كأنه قيل: يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة، وكان كيت وكيت من مجيء الريح العاصف، وتراكم الأمواج، وظن الهلاك والدعاء بالإنجاء. اهـ. وجواب إذا هو جاءتها.
فعلم أن الغاية: هي مضمون (٣) الجملة الشرطية بكمالها، فالقيود المعتبرة في الشرط ثلاثة:
أولها: الكون في الفلك.
والثاني: جريها بهم بالريح الطيبة، التي ليست بعاصفة.
وثالثها: فرحهم.
والقيود المعتبرة في الجزاء ثلاثة أيضًا:
الأول: جاءتها.
والثاني: وجاءهم الموج.
والثالث: ظنوا.
وقوله: ﴿دَعَوُا اللهَ﴾، بدل من ظنوا بدل اشتمال، أو مستأنف مبني على سؤال، ينساق إليه الذهن، كأنه قيل: فماذا صنعوا؟ فقيل: دعوا الله إلخ.
стр. 5267
وفي قوله: ﴿فيَ الْبَحْرِ﴾ (١) دلالة على جواز ركوب البحر، ولما كان الخوف في البحر أغلب على الإنسان منه في البر، وقع به المثال لذلك المعنى الكلي به، من التجاء العبد لربه تعالى حالة الشدة، والإهمال لجانبه حالة الرخاء.
وفي قوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ التفات (٢) عن الخطاب في قوله، كنتم إلى الغيبة، وحكمة الالتفات هنا، هي أن قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ خطاب فيه امتنان، وإظهار نعمة المخاطبين، والمسيرون في البر والبحر مؤمنون وكفار، والخطاب شامل، فحسن خطابهم بذلك ليستديم الصالح الشكر، ولعل الطالح يتذكر هذه النعمة. ولما كان في آخر الآية ما يقتضي أنهم إذا نجوا بغوا في الأرض، عدل عن خطابهم بذلك إلى الغيبة، لئلا يخاطب المؤمنون بما لا يليق صدوره منهم، وهو البغي بغير الحق. اهـ.
﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ﴾ أيها المسيرون ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ والسفن ﴿وَجَرَيْنَ﴾؛ أي: السفن ملتبسة ﴿بِهِمْ﴾؛ أي: بالذين فيها، ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة كما مر ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾؛ أي: لينة الهبوب إلى جهة المقصد ﴿وَفَرِحُوا بِهَا﴾؛ أي: بتلك الريح اللينة فرحًا تامًّا وقوله: ﴿جَاءَتْهَا﴾ جواب إذا، كما مر؛ أي: جاءت تلك الريح اللينة الطيبة وتلقتها ﴿رِيحٌ عَاصِفٌ﴾؛ أي: شديدة الهبوب أزعجت سفينتهم، أو المعنى: جاءت الفلك ريح عاصف، والعصوف: شدة هبوب الريح ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ﴾ العظيم الذي أرجف قلوبهم، ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾؛ أي: من كل ناحية؛ أي: جاء الراكبين فيها الموج من جميع الجوانب للفلك. والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾؛ أي: أحاط بهم الهلاك؛ أي: ظنوا القرب من الهلاك؛ أي: غلب على ظنونهم الهلاك، وأصله من إحاطة العدو بقوم، أو ببلد، فجعل هذه الإحاطة مثلًا في الهلاك، وإن كان بغير العدو كما هنا. وقوله: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ ، بدل من ظنوا، كما مر لكون هذا الدعاء الواقع، إنما كان عند ظن الهلاك، وهو الباعث عليه، فكان بدلًا منه بدل
стр. 5268
اشتمال، لاشتماله عليه، ويمكن أن تكون جملة دعوا مستأنفة، كأنه قيل: ماذا صنعوا، فقيل: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ كما مر ذلك كله آنفًا، حالة كونهم ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ﴾ ﴿الدِّينَ﴾؛ أي: الدعاء من غير أن يشركوا معه تعالى شيئًا، من آلهتهم؛ أي (١): وهم مقرون بوحدانية الله تعالى وربوبيته، لأجل علمهم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله تعالى، فيكون إيمانهم جاريًا مجرى الإيمان الاضطراري، قائلين والله ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ وخلصتنا يا إلهنا ﴿مِنْ هَذِهِ﴾ الشدائد التي نحن فيها، وهي الريح العاصفة، والأمواج المتلاطمة والله ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ للنعم التي أنعمت بها علينا، التي من أجلها كشف هذه الشدائد عنا.
وحاصل المعنى: أي (٢) حتى إذا كنتم في الفلك التي سخرناها لكم، وجرت بمن فيها بسبب ريح مؤاتية لهم في جهة سيرهم، وفرحوا بما هم فيه، من راحة وانتعاش، وتمتع بمنظره الجميل، وهوائه العليل، جاءت ريح شديدة قوية، فاضطرب البحر وتموج سطحه كله، فتلقاهم من جميع الجوانب والنواحي، بتأثير الريح، واعتقدوا أنهم هالكون لا محالة، بإحاطة الموج بهم، فبينما يهبط الريح العاصف بهم في لجج البحر حتى كأنهم سقطوا في هاوية، إذا به يثب بهم إلى أعلى، كأنهم في قمة الجبل الشاهق. فإذا ما نزلت بهم نذر العذاب، وتقطعت بهم الأسباب .. دعوا الله مخلصين له الدين ليكشف عنهم ما حل بهم، ولا يتوجهون معه إلى وليّ، ولا شفيع ممن كانوا يتوسلون بهم إليه حال الرخاء، وقد صمموا العزيمة على طاعته، وقالوا: ربنا لئن أنجيتنا من هذه التهلكة، لنكون من جماعة الشاكرين، ولا نتوجه في تفريج كروبنا، وقضاء حوائجنا إلى وثن، ولا صنم.
٢٣ - ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ﴾؛ أي: فلما أنجى الله هؤلاء الذين ظنوا أنهم أحيط بهم، وواعدوا له بالشكر على الإنجاء، إذا أنجاهم من تلك الشدائد التي أحاطت بهم، وأخرجهم إلى البر ﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: فاجؤوا وأسرعوا البغي والفساد في الأرض، وزيادة في الأرض للدلالة على أن فسادهم
стр. 5269
هذا شامل لأقطار الأرض؛ أي: فلما نجاهم مما نزل بهم من الشدة والكربة، فاجؤوا الناس في الأرض التي يعيشون فيها، بالبغي والاستطالة عليهم، والظلم لهم مع الإمعان في ذلك. والإصرار عليه، أو المعنى: أنهم أخلفوا الله ما وعدوه، وبغوا في الأرض، فتجاوزوا فيها إلى غير ما أمر الله به من الكفر والعمل بالمعاصي على ظهرها.
وفي قوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ تأكيدًا للواقع، وتذكير بقبحه وسوء حال أهله، أو لبيان أنه بغير حق عندهم أيضًا، بأن يكون ظلمًا ظاهرًا، لا يخفى على أحد قبحه، كما جاء في قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. قال صاحب "الكشاف": فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ والبغي لا يكون بحق؟
قلتُ: بلى قد يكون بحق، كاستيلاء المسلمين على أرض الكفرة وهدم دورهم، وإحراق زروعهم وقلع أشجارهم، كما فعل رسول الله، ﷺ ، ببني قريظة. وبعد أن حكى المثل، خاطب البغاة في أي مكان كانوا، وفي أي زمان وجدوا، منبهًا واعظًا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ الغافلون عن أنفسكم، أما كفاكم بغيًا على المستضعفين منكم اغترارًا بقوتكم وكبريائكم ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ﴾ وظلمكم في الحقيقة ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾؛ لأن عاقبة وباله عائدة إليكم، وإنما تتمتعون ببغيكم ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الزائلة وهي تنقضي سريعًا، والعقاب باقٍ.
والبغي من (١) منكرات الذنوب العظام قال بعضهم: لو بغى جبل على جبل .. لاندك الباغي. وقد نظم بعضهم هذا المعنى شعرًا، وكان المأمون يتمثل به فقال:
يَا صَاحِبَ الْبَغْي إِنَّ الْبَغْيَ مَصْرَعَةٌ ... فَارْجِعْ فَخَيْرُ مَقَالِ الْمَرْءِ أَعْدَلُهُ
فَلَوْ بَغَى جَبَلٌ يَوْمًا عَلَى جَبَلٍ ... لاَنْدَكَّ مِنْهُ أَعَالِيْهِ وَأَسْفَلُهُ
وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ﴾ يوم القيامة ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: فنخبركم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من البغي والمعاصي فنجازيكم عليها، معطوف (٢) على ما
стр. 5270
مر من الجملة المستأنفة، المقدرة، فكأنه قيل: تتمتعون متاع الحياة الدنيا، ثم إنكم ترجعون إلينا بعد هذا التمتع القليل، فننبئكم بما كنتم تعملون من البغي والظلم، والتمتع بالباطل، ونجازيكم به، وإنما غير الأسلوب إلى الجملة الاسمية، مع تقديم الجار والمجرور، للدلالة على الثبات والقصر، اهـ "أبو السعود".
وفي (١) الآية إيماء، إلى أن البغي مجزيٌّ عليه في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا، فلقوله: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ولما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد والبخاري: "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخر له في الآخرة من البغي، وقطيعة الرحم"، والذي رواه أنس ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ ، "ثلاث، هن رواجع على أهلها: المكر، والنكث، والبغي"، ثم تلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾، ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾. وأما في الآخرة فكفى دلالة على ذلك ما أفادته الآية من التهديد والوعيد.
والخلاصة: أن البغي، وهو أشنع أنواع الظلم، يرجع على صاحبه لما يولد من العداوة والبغضاء بين الأفراد ولما يوقد من نيران الفتن والثورات في الشعوب. انظر إلى من يبغي على مثله، تجده قد خلق له عدوًا، أو أعداءً، ممن يبغي عليهم.
ولا شك أن وجود الأعداء، ضرب من العقوبة، فهم يقتصون لأنفسهم منه بكل الوسائل التي يقدرون عليها، وإن هم لم يفعلوا ذلك .. فإنه يرى في أعينهم من أنواع الحنق والغضب ما لا يخفى عليه، فيتأجج قلبه حسرةً وندامةً على ما فعل، ويود أن لو لم يكن خلق لنفسه هذه الحزازات والضغائن المتغلغلة في النفوس.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالرفع على أنه خبر مبتدأ
стр. 5271
محذوف، تقديره ذلك البغي متاع الحياة الدنيا. وقال النحاس: على قراءة الرفع، يكون بغيكم مرتفعًا بالابتداء، وخبره متاع الحياة الدنيا، وعلى أنفسكم مفعول البغي. ويجوز أن يكون خبره على أنفسكم، ويضمر مبتدأ؛ أي: ذلك متاع الحياة الدنيا، أو هو متاع الحياة الدنيا، انتهى. والمعنى على الأول: إن بغي هذا الجنس الإنساني، بعضه على بعض هو سريع الزوال، قريب الاضمحلال، كسائر أمتعة الحياة الدنيا فإنها ذاهبة عن قرب متلاشية بسرعة ليس لذلك كثير فائدة، ولا عظيم جدوى. وعلى الثاني، أن ما يقع من البغي على الغير، هو بغي على نفس الباغي، باعتبار ما يؤول إليه الأمر من الانتقام منه، مجازاة على بغيه. وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن. وحفص وأبان عن عاصم وزيد بن علي وابن أبي إسحاق وهارون عن ابن كثير: بنصب الـ ﴿متاع﴾ على أنه مصدر لفعل محذوف، تقديره: تمتعون متاع الحياة الدنيا كما مر. وقرأ أبو المتوكل واليزيدي في اختياره وهارون العتكي عن عاصم: ﴿متاع الحياة الدنيا﴾ بكسر العين على أنه صفة ﴿لأنفسكم﴾ ولكنه على تقدير مضاف، تقديره: ذوات متاع الحياة الدنيا، ذكره أبو البقاء. وقرأ ابن أبي إسحاق أيضًا ﴿متاعا الحياة الدنيا﴾. بنصب متاع، وتنوينه، ونصب الحياة. وقرأت فرقة ﴿فينبئكم﴾ بالياء على الغيبة والمراد الله تعالى.
الإعراب
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿اللام﴾: موطئة للقسم ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: جار ومجرور، متعلق (١) بـ ﴿أهلكنا﴾ وليس بحال من القرون؛ لأنه زمان، ذكره أبو البقاء ﴿لَمَّا﴾ ظرف بمعنى حين في محل
стр. 5272
النصب على الظرفية الزمانية، مبنية على السكون، والظرف متعلق بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿لَمَّا﴾ ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعل. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب، حال من واو ﴿ظَلَمُوا﴾ على تقدير: قد، أو في محل الجر، معطوف على ﴿ظَلَمُوا﴾ ﴿وَمَا كَانُوا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿ما﴾ نافية. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص، واسمه. ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾ ﴿اللام﴾، حرف جر وجحود ﴿يؤمنوا﴾: فعل وفاعل، منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود، والجملة في تأويل مصدر مجرور بلام الجحود، على مذهب البصريين، والجار والمجرور متعلق بخبر ﴿كَانُ﴾ المحذوف، والتقدير: وما كانوا مريدين لإيمانهم، والجملة معطوفة (١) على ﴿ظَلَمُوا﴾ كما ذكره السيوطي، فكأنه قيل: لما ظلموا وأصروا على الكفر، بحيث لم يبق فائدة في إمهالهم، أهلكناهم، فيكون السبب في إهلاكهم مجموع هذين الأمرين. ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف ﴿نَجْزِي الْقَوْمَ﴾: فعل ومفعول ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ صفة للقوم، وفاعله ضمير، يعود على الله، والتقدير: نجزي القوم المجرمين، جزاء مثل الجزاء المذكور في الأمم الماضية، والجملة الفعلية مستأنفة.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف ﴿جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ﴾ فعل وفاعل، ومفعولان ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: صفة لخلائف، أو متعلق بـ ﴿جعلنا﴾ والجملة معطوفة على ﴿أهلكنا﴾ ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بما تعلق به الجار والمجرور قبله ﴿لِنَنْظُرَ﴾ ﴿اللام﴾: لام كي ﴿ننظر﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في تأويل مصدر، مجرور بلام التعليل، المتعلقة بـ ﴿جعلنا﴾ والتقدير: جعلناكم خلائف لنظرنا ﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب، مفعول مقدم لـ ﴿تَعْمَلُونَ﴾ لا لننظر،
стр. 5273
لأن: لها صدر الكلام ﴿تَعْمَلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب، مفعول ﴿لِنَنْظُرَ﴾ معلق عنها باسم الاستفهام، والمعنى: لنعلم جواب كيف تعملون، كما مر.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
﴿وَإِذَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿تُتْلَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به. ﴿آيَاتُنَا﴾: نائب فاعل ومضاف إليه. ﴿بَيِّنَاتٍ﴾: حال من آياتنا، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿قَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إذا﴾ وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾: مقول محكي، لـ ﴿قَالَ﴾ وإن شئت قلت: ﴿ائْتِ﴾: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿بِقُرْآنٍ﴾: متعلق به. ﴿غير﴾ صفة لـ ﴿قرآن﴾ ﴿هَذَا﴾: مضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول: ﴿قَالَ﴾.
فائدة: ولفظ ﴿ائْتِ﴾ إن قرئ بالوصل بما قبله .. فالأمر ظاهر، وإن وقف على لقائنا .. قرئ ﴿ايت﴾ بهمزة، ثم ياء ساكنة، بعدها على حد قول ابن مالك:
وَمَدًّا ابْدِلْ ثَانِيَ الْهَمْزَيْنِ مِنْ ... كَلِمَةٍ ................... إلخ
﴿أَوْ﴾: حرف عطف ﴿بَدِّلْهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿ائْتِ﴾ ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿مَا يَكُونُ لِي ...﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿مَا﴾ نافية ﴿يَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص ﴿لِي﴾ جار ومجرور خبرها مقدم ﴿أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾: ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، ﴿مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق
стр. 5274
به، والجملة في تأويل مصدر مرفوع، على كونه اسم يكون، تقديره: قل ما يكون تبديلي إياه من تلقاء نفسي كائنًا لي ولائقًا بي وجملة ﴿يَكُونُ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُل﴾ ﴿إِنْ﴾: نافية ﴿أتَّبِعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة في محل النصب، مقول القول ﴿إلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿مَا﴾ في محل النصب، مفعول به ﴿يُوحَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾ ﴿إِلَيَّ﴾، متعلق به، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. وجملة ﴿أَخَافُ﴾ خبره، والجملة في محل النصب، مقول القول ﴿إِنْ عَصَيْتُ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم، بـ ﴿إن﴾ على كونه، فعل شرط لها ﴿رَبِّي﴾ مفعول ﴿عَصَيْتُ﴾ وجواب إن معلوم مما قبله، تقديره: إن عصيت ربي ... أخاف عذاب يوم عظيم، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية معترضة على كونها مقول القول، لاعتراضها بين المفعول وفعله. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ﴾: مفعول لـ ﴿أَخَافُ﴾ ومضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ﴾ صفة يوم.
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾: إلى آخر الآية، مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾ وإن شئت قلت: ﴿لَوْ﴾ حرف شرط ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ ومفعول المشيئة محذوف، تقديره: عدم تلاوتي إياه. ﴿مَا﴾ نافية ﴿تَلَوْتُه﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿لَوْ﴾ في محل النصب مقول القول ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لَا﴾: نافية مؤكدة لنفي ما قبلها ﴿أَدْرَاكُمْ﴾: فعل ومفعول ﴿بِهِ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة تلوته ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: تعليلية ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿لَبِثْتُ﴾: فعل وفاعل ﴿فِيكُمْ﴾: متعلق به ﴿عُمُرًا﴾: منصوب على التشبيه بظرف الزمان؛ أي: مدة متطاولة، متعلق بـ ﴿لَبِثْتُ﴾ والجملة الفعلية معللة لما قبلها، على كونها مقول القول ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق
стр. 5275
بـ ﴿لَبِثْتُ﴾ ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: الهمزة: للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، تقديره: أعميتم. والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف ﴿لَا﴾: نافية ﴿تَعْقِلُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ذلك المحذوف، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول القول.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم، وأردتم بيان حكم من افترى على الله .. فأقول لكم. ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام للاستفهام الإنكاري، في محل الرفع مبتدأ ﴿أَظْلَمُ﴾؛ خبره والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿مِمَّنِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَظْلَمُ﴾ ﴿افْتَرَى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير، يعود على ﴿مَنِ﴾ والجملة صلة الموصول ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق به ﴿كَذِبًا﴾: مفعول به ﴿أَوْ كَذَّبَ﴾: معطوف على ﴿افْتَرَى﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنِ﴾ ﴿بِآيَاتِهِ﴾: متعلق به ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. وجملة ﴿لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾.
﴿وَيَعْبُدُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ عطف قصة على قصة ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: متعلق به ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به ﴿لَا يَضُرُّهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾ والجملة صلة لما، أو صفة لها ﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾: معطوف على ﴿يَضُرُّهُمْ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾. ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: مقول محكي وإن شئت قلت: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا﴾ مبتدأ وخبر ﴿عندَ الله﴾: متعلق بـ ﴿شُفَعَاؤُنَا﴾: والجملة في محل النصب مقول القول.
﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
стр. 5276
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ ...﴾: إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: الهمزة: للاستفهام التوبيخي الإنكاري ﴿تنبئون الله﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿بِمَا﴾: متعلق به، وهو في محل المفعول الثاني ﴿لَا يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير على الله، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها. والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما لا يعلمه، وجملة ﴿تُنَبِّئُونَ﴾ في محل النصب مقول، ﴿قل﴾ ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ متعلق بـ ﴿يَعْلَمُ﴾ ﴿وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿في السموات﴾ ﴿سُبْحَانَهُ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، بعامل محذوف وجوبًا، تقديره، أسبحه سبحانًا، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول، لقل، أو مستأنفة. ﴿وَتَعَالَى﴾ معطوف على جملة سبحانه ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تعالى﴾ ﴿يُشْرِكُونَ﴾: فعل وفاعل والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: عما يشركونه به، أو صلة ما المصدرية؛ أي: عن إشراكهم.
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية ﴿ما﴾: نافية. ﴿كَانَ النَّاسُ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ. ﴿أُمَّةً﴾ خبر كان ﴿وَاحِدَةً﴾: صفة لـ ﴿أُمَّةً﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ الفاء: عاطفة ﴿اختلفوا﴾: فعل وفاعل معطوف على جملة ﴿كَانَ﴾ ﴿وَلَوْلَا﴾ الواو: استئنافية ﴿لَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود ﴿كَلِمَةٌ﴾: مبتدأ. وجملة ﴿سَبَقَتْ﴾ صفة لـ ﴿كَلِمَةٌ﴾ ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: متعلق بـ ﴿سَبَقَتْ﴾ وخبر المبتدأ محذوف، وجوبًا، تقديره: ولولا كلمة سبقت من ربك، موجودة، والجملة الاسمية شرط لـ ﴿لَوْلَا﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿لَقُضِيَ﴾: اللام: رابطة لجواب ﴿لولا﴾ ﴿قضي﴾ فعل ماض مغير الصيغة. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قضي﴾ ﴿فِيمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قضي﴾ والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْلَا﴾ لا محل لها عن الإعراب، وجملة ﴿لَوْلَا﴾ مستأنفة ﴿فِيهِ﴾ في حرف جر وسبب. والهاء في محل
стр. 5277
الجر بفي، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ وجملة ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير فيه.
﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَوْلَا﴾ حرف تحضيض بمعنى هلا ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به ﴿آيَةٌ﴾: نائب فاعل. ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: صفة لـ ﴿آيَةٌ﴾ والجملة الفعلية مقول ﴿يقولون﴾. ﴿فَقُلْ﴾ الفاء: عاطفة تفريعية ﴿قل﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة معطوفة مفرعة على ﴿يقولون﴾ ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿الْغَيْبُ﴾: مبتدأ ﴿لِلَّهِ﴾ خبر، والجملة في محل النصب مقول قل ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ الفاء: عاطفة تفريعية ﴿انتظروا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بما بعده ﴿مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إِنِّ﴾ وجملة ﴿إِنِّ﴾ في محل النصب مقول قل.
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)﴾.
﴿وَإِذَا﴾: الواو: استئنافية، (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿أذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾: فعل وفاعل ومفعولان. ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَذَقْنَا﴾ وجملة ﴿أَذَقْنَا﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذًا﴾ على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿مَسَّتْهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿ضَرَّاءَ﴾ والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿ضَرَّاءَ﴾ ﴿إذَا﴾: فجائية رابطة لجواب ﴿إذَا﴾ وجوبًا، لكون الجواب جملة اسمية، حرف لا محل لها من الإعراب ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿مَكْرٌ﴾: مبتدأ مؤخر والجملة جواب ﴿إذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذَا﴾ مستأنفة ﴿فِي آيَاتِنَا﴾: جار ومجرور متعلق
стр. 5278
بـ ﴿مَكْرًا﴾ ﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت ﴿اللَّهُ أَسْرَعُ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿مَكْرًا﴾؛ تمييز محول، عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل، والجملة الاسمية في محل النصب مقول قل ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾ ناصب واسمه ﴿يَكْتُبُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿يَكْتُبُونَ﴾ وجملة ﴿تَمْكُرُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: تمكرونه، أو صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، وجملة ﴿يَكْتُبُونَ﴾ في محل الرفع، خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب، مقول القول على كونها تعليلًا لما قبلها.
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة ﴿يُسَيِّرُكُمْ﴾، فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول ﴿فِي الْبَرّ﴾: متعلق بـ ﴿يسير﴾ ﴿وَالْبَحْرِ﴾: معطوف على ﴿الْبَرِّ﴾ ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية ﴿إذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل نافص واسمه ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ جار ومجرور خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الجر بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿وَجَرَيْنَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿كُنْتُمْ﴾ ﴿بِهِم﴾: متعلق به. وكذا يتعلق به قوله: ﴿بِرِيحٍ﴾، ﴿طَيِّبَةٍ﴾ صفة ﴿ريح﴾ فإن قلت: كيف يتعدى فعل واحد إلى معمولين، بحرفي جر متحدين لفظًا ومعنى؟
قلت: إن الباء الأولى للتعدية، كهي في مررت يزيد، والثانية للسببية، فاختلف المعنيان، فلذلك تعلقًا بعامل واحد، ويجوز أن تكون الثانية للحال، فتتعلق بمحذوف، تقديره: وجرين بهم ملتبسة بريح طيبة، فتكون الحال من ضمير الفلك اهـ "سمين" ﴿وَفَرِحُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿كُنْتُمْ﴾ ﴿بِهَا﴾ متعلق به ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل. ﴿عَاصِفٌ﴾: صفة ﴿ريح﴾ والجملة الفعلية جواب ﴿إذًا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذَا﴾ في محل الجر، بحتى
стр. 5279
الغائية، التي بمعنى: (إلى) تقديره: هو الذي يسيركم في البر والبحر إلى مجيء ريح عاصف، ومجيء الموج إياهم، وقت كونكم في الفلك وجريها بكم، وفرحكم بها، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يسير﴾.
﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ﴾ فعل ومفعول وفاعل معطوف على ﴿جَاءَتْهَا﴾، ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾: جار ومجرور مضاف إليه متعلق به ﴿وَظَنُّوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿جَاءَتْهَا﴾ ﴿أَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿أُحِيطَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ﴿بِهِمْ﴾؛ نائب فاعل له، وجملة ﴿أُحِيطَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنْ﴾ وجملة ﴿أَنْ﴾ في تأويل مصدر، ساد مسد مفعولي، ظن، تقديره: وظنوا إحاطة الهلاك بهم ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، بدل من ﴿ظَنُّوا﴾ بدل اشتمال. ﴿مُخْلِصِينَ﴾ حال من واو ﴿دَعَوُا﴾ ﴿له﴾ متعلق بـ ﴿مخلصين﴾ ﴿الدِّينَ﴾ مفعول مخلصين؛ لأنه اسم فاعل يعمل عمل الفعل الصحيح، وفاعله ضمير مستكن فيه؛ أي: هم ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾: اللام: موطئة للقسم ﴿إن﴾: حرف شرط ﴿أَنْجَيْتَنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم، بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجوابها محذوف دل عليه جواب القسم، تقديره. لئن أنجيتنا، نكن من الشاكرين. ﴿مِنْ هَذِهِ﴾ متعلق بأنجيتنا ﴿لَنَكُونَنَّ﴾: اللام موطئة للقسم، مؤكدة للأولى ﴿نكونن﴾: فعل مضارع ناقص في محل الرفع، لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واسمها ضمير يعود على المتكلمين ﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: خبرها، والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية جواب للقسم الأول، لا محل لها من الإعراب وجملة القسم في محل النصب، مقول لقول محذوف، حال من واو ﴿دَعَوُا﴾ تقديره: دعوا الله حالة كونهم قائلين في دعائهم: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين.
﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر،
стр. 5280
تقديره؛ إذا عرفت وعدهم المذكور في دعائهم، وأردت بيان عاقبتهم .. فأقول لك لما أنجاهم إلخ. ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط، غير جازم ﴿أَنْجَاهُمْ﴾ فعل ومفعول، وفاعله، ضمير يعود على الله، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿إذَا﴾: فجائية رابطة لجواب ﴿لَمَّا﴾ وجوبًا، حرف لا محل لها من الإعراب ﴿هُمْ﴾ مبتدأ. وجملة ﴿يَبْغُونَ﴾ خبره ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به ﴿بِغَيْرِ الْحَقّ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، حال من فاعل ﴿يَبْغُونَ﴾ والجملة الاسمية جواب ﴿لَمَّا﴾ وجملة ﴿لَمَّا﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾: يا: حرف نداء. أي: منادى نكرة مقصودة، ها: حرف تنبيه زائد ﴿النَّاسُ﴾: صفة لأي، وجملة النداء مستأنفة ﴿إنَّمَا﴾: أداة حصر ﴿بَغْيُكُمْ﴾: مبتدأ ومضاف إليه ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾؛ خبره والجملة الاسمية جواب النداء، لا محل لها من الإعراب ﴿مَتَاعَ﴾: منصوب على المصدرية، بفعل محذوف، تقديره: تمتعون متاع الحياة الدنيا، والجملة المحذوفة مستأنفة. أو مرفوع على كونه خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره: ذلك البغي متاع الحياة الدنيا، والجملة مستأنفة. أو مجرور على كونه صفة ﴿لأنفسكم﴾ ولكنه على تقدير مضاف، تقديره: ذوات متاع الحياة الدنيا، ويجوز أن يكون المصدر بمعنى اسم الفاعل، تقديره: ممتعات الحياة الدنيا، ذكره أبو البقاء ﴿الْحَيَاةِ﴾: مضاف إليه ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةِ﴾ ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف ﴿إِلَيْنَا﴾: خبر مقدم ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على الفعلية المحذوفة، أو على الاسمية المحذوفة ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ﴾ الفاء عاطفة ﴿ننبئكم﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة، قوله: ثم إلينا مرجعكم ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ننبئكم﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: خبره وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط
стр. 5281
محذوف، تقديره: بما كنتم تعملونه.
التصريف ومفردات اللغة
﴿الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: القرون: الأمم واحدها، قرن، وهم القوم المقترنون في زمن واحد، قيل: مئة سنة أو ثمانون سنة أو ما دونها، فيه أقوال أخر. وجاء في الحديث الشريف: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: جمع بينة: الحجة الواضحة والمعجزة الباهرة، كعصا موسى، وناقة صالح ﴿خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾: جمع خليفة، وهو من يخلف غيره في شيء. ﴿لِنَنْظُرَ﴾؛ أي: لننظر متعلق علمنا، ونشاهد ونرى ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ﴾: يقال؛ دريته ودريت به؛ أي: علمته ﴿عُمُرًا﴾؛ أي: مدة طويلة، أربعين سنة ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾: أصل الذوق إدراك الطعم بالفم، ويستعمل في إدارك الأشياء المعنوية، كالرحمة والنعمة والعذاب والنقمة. ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾، والمكر: التدبير الخفي الذي يفضي بالممكور به إلى ما لا يتوقعه، ومكره تعالى: تدبيره الذي يخفى على الناس، بإقامة سننه وإتمام حكمه في نظام العالم، وكله عدل وحق، فإن ساء الناس سموه شرًّا، وإن كان جزاءً عدلًا. ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾ والرسل هنا: الكرام الكاتبون من الملائكة.
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ سير من باب فعل، المضعف، وهو من الثلاثي المزيد، بحرف؛ لأنه من سار يسير سيرًا، من باب باع، والتسيير جعل الشيء، أو الشخص يسير بتسخيره تعالى، أو إعطائه ما يسير عليه من دابة أو سفينة. ﴿في الفلك﴾: والفلك يستعمل جمعًا ومفردًا، فحركته إذا كان جمعًا، كحركة بدن، جمع بدنة وإذا كان مفردًا كحركة قفل، ويفرق بينهم بنحو الصفة، وهنا مستعمل في الجمع بدليل، وجرين وفي آية ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ مستعمل مفردًا ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾؛ أي: لينة الهبوب، وفي " المصباح" الريح الهواء بين السماء والأرض، وأصلها الواو، لكن قلبت ياءً؛ لانكسار ما قبلها، والجمع، أرواح، ورياح، وبعضهم يقول: أرياح بالياء، على لفظ الواحد، وغَلّطه أبو حاتم، والريح مؤنثة على الأكثر، فيقال: هي الريح، وقد تذكر على معنى الهواء، فيقال: هو الريح،
стр. 5282
وهب الريح، نقله أبو زيد. وقال ابن الأنباري: الريح: مؤنثة لا علامة فيها، وكذلك سائر أسمائها إلا الإعصار، فإنه مذكر، وراح اليوم يروح روحًا من باب قال، وفي لغة من باب خاف إذا اشتدت ريحه، فهو رائح. والطيب من كل شيء ما يوافق الغرض والمنفعة، يقال: رزق طيب، ونفس طيبة، وشجرة طيبة ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ والعاصف: الذي يعصف الأشياء ويكسرها، يقال: ريح عاصف وعاصفة، وقال أبو حيان: العاصف الشديدة، يقال: عصفت الريح، إذا اشتد هبوبها. قال الشاعر:
حَتَّى إِذَا عَصَفَتْ رِيْحٌ مُزَعْزِعَةٌ ... فِيْهَا قِطَارٌ وَرَعْدٌ صَوْتُهُ زَجَلُ
وقال أبو تمام:
إِنَّ الرِّيَاحَ إِذَا مَا أَعْصَفَتْ قَصَفَتْ ... عِيْدَانَ نَجْدٍ وَلاَ يَعْبَأْنَ بِالرُّتَمِ
﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ﴾ والموج: ما ارتفع من الماء عند هبوب الهواء، سمي موجًا لاضطرابه ﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ يقال: أحيط، إذا هلك، كما يحيط العدو بعدوه، فيسد عليه سبيل النجاة ﴿يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ والبغي: ما زاد على القصد والاعتدال، من بغى الجرح إذا زاد، حتى ترامى إلى الفساد.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها (١): الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ حيث شبه حال العباد مع ربهم، بحال رعية مع سلطانها في إمهالهم، لينظر ماذا تعمل، واستعير الاسم الدال على المشبه به للمشبه، على سبيل التمثيل والتقريب، ولله المثل الأعلى.
ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبيخي في قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
стр. 5283
ومنها: الالتفات عن الخطاب في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى الغيبة في قوله ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾؛ لأن الضمير واقع على أهل مكة، وعن الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ والأصل وجرين بكم لما فيه من زيادة التقبيح والتشنيع على الكفار، لعدم شكرهم النعمة.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ وفي قوله: ﴿يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ﴾.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
ومنها: التعبير بالمضارع عن الماضي في قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وفي قوله: ﴿فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ حكايةً للحال الماضية، وإشعارًا باستمرار حالهم على ما كانوا عليه أولًا.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾؛ لأن الذوق حقيقة في إدراك الطعم بالفم، شبه الإذاقة بمعنى إعطاء الرحمة بالذوق، بمعنى إدراك الطعم بجامع إيصال النفع في كل، فاشتق منه أذقنا بمعنى، أعطينا الرحمة على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية وكذلك في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ فيه الاستعارة التصريحية التبعية؛ لأن المس حقيقة في لمس الأجسام، فاستعاره لإصابة الضراء، ونزولها بهم.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾ وكان مقتضى السياق أن يقول، إن رسله؛ لأنه قال قبله ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ شبه إتيان الموج من كل مكان الذي أشرف بهم إلى الهلاك، وسدّ عليهم مسالك الخلاص والنجاة، بإحاطة العدو، وأخذه بأطراف خصمه كما في "الشهاب".
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾؛ لأنه أطلق
стр. 5284
البغي الذي هو سبب الوبال، وأراد به الوبال، ففيه إطلاق السبب وإرادة المسبب، أو فيه (١) استعارة بتشبيه بغيه على غيره بإيقاعه على نفسه، بجامع ترتب الضرر فيهما كقوله: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ أو المراد بالأنفس أمثالهم استعارة أو أبناء جنسهم، كنفس واحدة، وهو استعارة أيضًا، اهـ "شهاب".
ومنها: تقديم الجار والمجرور في قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ﴾ للدلالة على الثبات والقصر، اهـ "أبو السعود".
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
يبغي فيها على سرعة زوالها وانقضائها، وأنها بحال ما تعز وتسر تضمحل، ويؤول أمرها إلى الفناء.
وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذ الآية لما قبلها: أنه لما (١) كان سبب بغي الناس في هذه الحياة الدنيا هو إفراطهم في حبها والتمتع بزينتها .. ضرب بذلك مثلًا يصرف العاقل عن الغرور بها ويرشده إلى الاعتدال في طلبها، والكف عن التوسل في الحصول على ذاتها بالبغي، والظلم والفساد في الأرض، فشبه حال الدنيا، وقد أقبلت بنعيمها وزينتها، وافتتن الناس بها بعد أن تمكنوا من الاستمتاع بها، ثم أسرع ذلك النعيم في التقضي وانصرم غب إقباله واغترار الناس به بحال ما على الأرض من أنواع النبات يسوق الله إليها المطر، فيلتف بعضها على بعض، وتصبح بهجة للناظرين، ثم لا تلبث أن تنزل بها فجأة جائحة، تستأصلها وتجعلها حطامًا، كأن لم تغن بالأمس.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما بين غرور المشركين الجاهلين بمتاع الدنيا، وضرب لهم الأمثال على ذلك .. أردف ذلك بالترغيب في الآخرة، ووصف حال المحسنين والمسيئين فيها.
وقال أبو حيان: مناسبتها لما قبلها: أنه لما ذكر (٢) مثل الحياة الدنيا وما يؤول إليه من الفناء والاضمحلال، وما تضمنه من الآفات والعاهات .. ذكر تعالى أنه داع إلى دار السلامة والصحة والأمن، وهي الجنة إذ أهلها سالمون من كل مكروه.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ ....﴾، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكر ما أعد للذين أحسنوا، وحالهم يوم القيامة، ومآلهم إلى الجنة .. ذكر ما أعد لأضدادهم وحالهم ومآلهم.
стр. 5287
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (١) بيّن جزاء الذين كسبوا السيئات، وما يكون لهم من الذلة والهوان .. قفى على ذلك بذكر اليوم الذي يحصل فيه هذا الجزاء.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما بين (٢) فضائح عبدة الأوثان .. أتبعها بذكر الدلائل على فساد مذهبهم، بما يوبخهم، ويحجهم بما لا يمكن إلا الاعتراف به من حال رزقهم وحواسهم، وإظهار القدرة الباهرة في الموت والحياة، فبدأ بما فيه قوام حياتهم، وهو الرزق الذي لا بد منه فمن السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات.
وعبارة المراغي هنا: مناسبتها لما قبلها: لما بين الله جنايات المشركين على أنفسهم، وبين فساد معتقداتهم، وما سيلقونه من الجزاء على ما فعلوا .. أردف ذلك بإقامة الحجج على المشركين في إثبات التوحيد والبعث، ثم أردفه بإثبات النبوة والرسالة والقرآن.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما استفهمهم (٣) عن أشياء من صفات الله تعالى، واعترفوا بها، ثم أنكر عليهم صرفهم عن الحق، وعبادة الله تعالى .. استفهم عن شيء هو سبب العبادة، وهو إبداء الخلق، وهم يسلمون ذلك كما قال في آية أخرى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ثم إعادة الخلق وهم منكرون ذلك، لكنه عطفه على ما يسلمونه، ليعلم أنهما سواء بالنسبة إلى قدرة الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ...﴾ الآية، مناسبة هذه
стр. 5288
الآية لما قبلها: أن الله لما بين (١) عجز أصنامهم عن الإبداء، والإعادة اللذين هما من أقوى أسباب القدرة، وأعظم دلائل الألوهية .. بين عجزهم عن هذا النوع من صفات الإله، وهو الهداية إلى الحق، وإلى مناهج الصواب.
وعبارة المراغي هنا: قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ....﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما أقام الحجة على المشركين بما تقدم .. ذكر هنا ضربًا آخر من الحجة، أقامه عليهم دليلًا على توحيده وبطلان الإشراك به، جاء فيه بطريق السؤال للتوبيخ، وإلزام الخصم، فإن الكلام إذا كان ظاهرًا جليًّا ثم ذكر على سبيل الاستفهام وفوض الجواب إلى المسؤول .. يكون أوقع في النفس، وأبلغ في الدلالة على الغرض، انتهت.
التفسير وأوجه القراءة
٢٤ - ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: إنما صفة الحياة الدنيا في سرعة انقضائها وفنائها وزوالها، و ﴿إِنَّمَا﴾: ليست هنا للحصر؛ لأنه تعالى ضرب للحياة الدنيا أمثالًا غير هذا ﴿كَمَاءٍ﴾ أي: كمثل نبات ماء ومطر ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ أي: أنزلنا ذلك الماء والمطر ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ والسحاب وإنما شبه الحياة الدنيا بماء السماء دون ماء الأرض؛ لأن ماء السماء وهو المطر لا تأثير لكسب العبد فيه، بزيادة أو نقص، بخلاف ماء الأرض، فكان تشبيه الحياة به أنسب ﴿فَاخْتَلَطَ﴾ واشتبك وتراكم لكثرته ﴿بِهِ﴾؛ أي: بسبب ذلك الماء ﴿نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ حالة كون ذلك النبات ﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾ من الثمار والحبوب والبقول والأبازير ﴿و﴾ مما يأكل ﴿الأنعام﴾ والبهائم، من الحشيش والكلأ والعشب؛ أي؛ ﴿إنَّمَا﴾: صفة الحياة الدنيا في صورتها ومآلها، كصفة نبات ماء نزل من السماء، فأنبتت به الأرض أزواجًا شتى، من النبات تشابكت وتراكمت والتفت واختلط بعضها، ببعض لكثرتها مع
стр. 5289
اختلاف ألوانها وأنواعها من أصناف شتى تكفي الناس في أقواتهم ومراعي أنعامهم. وحتى في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ غاية لمحذوفٍ تقديره: وما زال ذلك النبات ينمو ويزهو ويكبر، حتى إذا أخذت الأرض، واستوفت واستكملت إنباتها وأظهرت زخرفها وجمالها وبهجتها من النبات ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾؛ أي: تزينت بذلك الزخرف والنبات، كعروس أخذت حليها من الذهب والجواهر والحلل المختلفة الألوان، ذات البهاء والبهجة، وازينت بها في ليلة زفافها ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا﴾؛ أي: أهل تلك الأرض ﴿أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: قادرون على التمتع بثمراتها، متمكنون من جذاذها وحصدها، وتحصيل ثمارها وزروعها وبقولها. وجواب ﴿إذَا﴾ قوله: ﴿أَتَاهَا﴾؛ أي: أتى ثمار تلك الأرض وزروعها ﴿أَمْرُنَا﴾؛ أي: قضاؤنا بهلاكها، وجاءها عذابنا ﴿لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا﴾؛ أي: فجعلنا ثمار تلك الأرض وزروعها ﴿حَصِيدًا﴾؛ أي: كالمحصود بالمناجل المقطوع من أصله المعدوم، وصارت تلك الثمار والزروع ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ﴾؛ أي: كأنها لم توجد، ولم تنبت على تلك الأرض ﴿بِالْأَمْسِ﴾؛ أي: في الزمن الماضي أصلًا. والمراد بالأمس الزمن الماضي، لا خصوص اليوم الذي قبل يومك؛ أي: نزل بها في تلك الحال أمرنا المقدر لهلاكها، فجاءتها جائحة، وضرب زرعها بعاهة، كجراد أو صقيع، الذي يسقط بالليل من السماء شبيه بالثلج شديد أو ريح سموم ليلًا وهم نائمون أو نهارًا وهم غافلون، فجعلناها كالأرض المحصودة التي قطعت ثمارها، واستؤصل زرعها، ولم يبق منه شيء، أو كأنها لم تنبت، ولم تكن زروعها نضرة بالأمس. وجاء هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾.
والمعنى: إن هذه الحياة الدنيا التي ينتفع بها المرء، مثل النبات الذي لما عظم الرَّجاء في الانتفاع به .. وقع اليأس منه بالهلاك والمتمسك بالدنيا، إذا نال منها بغيته .. أتاه الموت بغتة، فسلبه ما هو فيه من نعيم الدنيا ولذاتها. وقيل: يحتمل أن يكون ضرب هذا المثل لمن ينكر المعاد، والبعث بعد الموت، وذلك؛ لأن الزرع إذا انتهى وتكامل في الحسن إلى الغاية القصوى .. أتته آفة، فتلف
стр. 5290
بالكلية، ثم إن الله قادر على إعادته كما كان أول مرّةٍ فضرب الله هذا المثل ليدل على أن من قدر على إعادة ذلك النبات بعد التلف كان قادرًا على إعادة الأموات أحياء في الآخرة، ليجازيهم على أعمالهم، فيثيب الطائع ويعاقب العاصي ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما فصلنا وبينا مثل الحياة الدنيا، وعرفناكم حكمها ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: نبين حججنا ودلائل قدرتنا ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ويتأملون فيها، ويعتبرون بها، ليكون ذلك سببًا موجبًا لزوال الشك، والشبهة عن القلوب.
والخلاصة: أي كهذا المثل الواضح الذي يمثل حال الدنيا وغرور الناس بها، مع سرعة زوالها وتعلق الآمال بها، نفصل الآيات الدالة على حقيقة التوحيد وأصول الشرائع والآداب والمواعظ وتهذيب الأخلاق، وكل ما فيه صلاح للناس، في معاشهم ومعادهم، لمن يستعمل عقله ويزن أعماله بموازين الحكمة، فليس هذا المثل قاصرًا على شخص دون شخص، بل هو عبرة لمن كان له بصيرة وتدبر، فينبغي للإنسان أن ينزل القرآن في خطاباته على نفسه، ويتأمل فيها ويتدبر، ليأتمر بأوامره وينتهي بنواهيه.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ وأصله: وتزينت فأدغمت التاء في الزاي، فاجتلبت همزة الوصل لضرورة تسكين الزاي عند الإدغام. وقرأ أبي، وعبد الله، وزيد بن علي، والأعمش: ﴿وتزينت﴾ على وزن تفعلت. وقرأ سعد بن أبي وقاص، وأبو عبد الرحمن، وابن يعمر والحسن والشعبي وأبو العالية وقتادة ونصر بن عاصم وابن هرمز وعيسى الثقفي: ﴿وأزينت﴾ على وزن أفعلت، كأحصد الزرع؛ أي: حضرت زينتها، وحانت وصحت الياء فيه على جهة الندور، كأعليت المرأة، والقياس: وأزانت، كقولك: وأبانت. وقرأ أبو عثمان النهدي: بهمزه مفتوحة. بوزن، أفعألت قاله: عنه صاحب "اللوامح"، قال: كأنه كانت في الوزن بوزن احمارت، لكنهم كرهوا الجمع بين ساكنين، فحركت الألف فانقلبت همزة مفتوحة، ونسب ابن عطية هذه القراءة لفرقة، فقال: وقرأت فرقة، وأزيأنت