يبغي فيها على سرعة زوالها وانقضائها، وأنها بحال ما تعز وتسر تضمحل، ويؤول أمرها إلى الفناء.
وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذ الآية لما قبلها: أنه لما (١) كان سبب بغي الناس في هذه الحياة الدنيا هو إفراطهم في حبها والتمتع بزينتها .. ضرب بذلك مثلًا يصرف العاقل عن الغرور بها ويرشده إلى الاعتدال في طلبها، والكف عن التوسل في الحصول على ذاتها بالبغي، والظلم والفساد في الأرض، فشبه حال الدنيا، وقد أقبلت بنعيمها وزينتها، وافتتن الناس بها بعد أن تمكنوا من الاستمتاع بها، ثم أسرع ذلك النعيم في التقضي وانصرم غب إقباله واغترار الناس به بحال ما على الأرض من أنواع النبات يسوق الله إليها المطر، فيلتف بعضها على بعض، وتصبح بهجة للناظرين، ثم لا تلبث أن تنزل بها فجأة جائحة، تستأصلها وتجعلها حطامًا، كأن لم تغن بالأمس.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما بين غرور المشركين الجاهلين بمتاع الدنيا، وضرب لهم الأمثال على ذلك .. أردف ذلك بالترغيب في الآخرة، ووصف حال المحسنين والمسيئين فيها.
وقال أبو حيان: مناسبتها لما قبلها: أنه لما ذكر (٢) مثل الحياة الدنيا وما يؤول إليه من الفناء والاضمحلال، وما تضمنه من الآفات والعاهات .. ذكر تعالى أنه داع إلى دار السلامة والصحة والأمن، وهي الجنة إذ أهلها سالمون من كل مكروه.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ ....﴾، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكر ما أعد للذين أحسنوا، وحالهم يوم القيامة، ومآلهم إلى الجنة .. ذكر ما أعد لأضدادهم وحالهم ومآلهم.
стр. 5287
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (١) بيّن جزاء الذين كسبوا السيئات، وما يكون لهم من الذلة والهوان .. قفى على ذلك بذكر اليوم الذي يحصل فيه هذا الجزاء.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما بين (٢) فضائح عبدة الأوثان .. أتبعها بذكر الدلائل على فساد مذهبهم، بما يوبخهم، ويحجهم بما لا يمكن إلا الاعتراف به من حال رزقهم وحواسهم، وإظهار القدرة الباهرة في الموت والحياة، فبدأ بما فيه قوام حياتهم، وهو الرزق الذي لا بد منه فمن السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات.
وعبارة المراغي هنا: مناسبتها لما قبلها: لما بين الله جنايات المشركين على أنفسهم، وبين فساد معتقداتهم، وما سيلقونه من الجزاء على ما فعلوا .. أردف ذلك بإقامة الحجج على المشركين في إثبات التوحيد والبعث، ثم أردفه بإثبات النبوة والرسالة والقرآن.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما استفهمهم (٣) عن أشياء من صفات الله تعالى، واعترفوا بها، ثم أنكر عليهم صرفهم عن الحق، وعبادة الله تعالى .. استفهم عن شيء هو سبب العبادة، وهو إبداء الخلق، وهم يسلمون ذلك كما قال في آية أخرى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ثم إعادة الخلق وهم منكرون ذلك، لكنه عطفه على ما يسلمونه، ليعلم أنهما سواء بالنسبة إلى قدرة الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ...﴾ الآية، مناسبة هذه
стр. 5288
الآية لما قبلها: أن الله لما بين (١) عجز أصنامهم عن الإبداء، والإعادة اللذين هما من أقوى أسباب القدرة، وأعظم دلائل الألوهية .. بين عجزهم عن هذا النوع من صفات الإله، وهو الهداية إلى الحق، وإلى مناهج الصواب.
وعبارة المراغي هنا: قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ....﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما أقام الحجة على المشركين بما تقدم .. ذكر هنا ضربًا آخر من الحجة، أقامه عليهم دليلًا على توحيده وبطلان الإشراك به، جاء فيه بطريق السؤال للتوبيخ، وإلزام الخصم، فإن الكلام إذا كان ظاهرًا جليًّا ثم ذكر على سبيل الاستفهام وفوض الجواب إلى المسؤول .. يكون أوقع في النفس، وأبلغ في الدلالة على الغرض، انتهت.
التفسير وأوجه القراءة
٢٤ - ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: إنما صفة الحياة الدنيا في سرعة انقضائها وفنائها وزوالها، و ﴿إِنَّمَا﴾: ليست هنا للحصر؛ لأنه تعالى ضرب للحياة الدنيا أمثالًا غير هذا ﴿كَمَاءٍ﴾ أي: كمثل نبات ماء ومطر ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ أي: أنزلنا ذلك الماء والمطر ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ والسحاب وإنما شبه الحياة الدنيا بماء السماء دون ماء الأرض؛ لأن ماء السماء وهو المطر لا تأثير لكسب العبد فيه، بزيادة أو نقص، بخلاف ماء الأرض، فكان تشبيه الحياة به أنسب ﴿فَاخْتَلَطَ﴾ واشتبك وتراكم لكثرته ﴿بِهِ﴾؛ أي: بسبب ذلك الماء ﴿نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ حالة كون ذلك النبات ﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾ من الثمار والحبوب والبقول والأبازير ﴿و﴾ مما يأكل ﴿الأنعام﴾ والبهائم، من الحشيش والكلأ والعشب؛ أي؛ ﴿إنَّمَا﴾: صفة الحياة الدنيا في صورتها ومآلها، كصفة نبات ماء نزل من السماء، فأنبتت به الأرض أزواجًا شتى، من النبات تشابكت وتراكمت والتفت واختلط بعضها، ببعض لكثرتها مع
стр. 5289
اختلاف ألوانها وأنواعها من أصناف شتى تكفي الناس في أقواتهم ومراعي أنعامهم. وحتى في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ غاية لمحذوفٍ تقديره: وما زال ذلك النبات ينمو ويزهو ويكبر، حتى إذا أخذت الأرض، واستوفت واستكملت إنباتها وأظهرت زخرفها وجمالها وبهجتها من النبات ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾؛ أي: تزينت بذلك الزخرف والنبات، كعروس أخذت حليها من الذهب والجواهر والحلل المختلفة الألوان، ذات البهاء والبهجة، وازينت بها في ليلة زفافها ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا﴾؛ أي: أهل تلك الأرض ﴿أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: قادرون على التمتع بثمراتها، متمكنون من جذاذها وحصدها، وتحصيل ثمارها وزروعها وبقولها. وجواب ﴿إذَا﴾ قوله: ﴿أَتَاهَا﴾؛ أي: أتى ثمار تلك الأرض وزروعها ﴿أَمْرُنَا﴾؛ أي: قضاؤنا بهلاكها، وجاءها عذابنا ﴿لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا﴾؛ أي: فجعلنا ثمار تلك الأرض وزروعها ﴿حَصِيدًا﴾؛ أي: كالمحصود بالمناجل المقطوع من أصله المعدوم، وصارت تلك الثمار والزروع ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ﴾؛ أي: كأنها لم توجد، ولم تنبت على تلك الأرض ﴿بِالْأَمْسِ﴾؛ أي: في الزمن الماضي أصلًا. والمراد بالأمس الزمن الماضي، لا خصوص اليوم الذي قبل يومك؛ أي: نزل بها في تلك الحال أمرنا المقدر لهلاكها، فجاءتها جائحة، وضرب زرعها بعاهة، كجراد أو صقيع، الذي يسقط بالليل من السماء شبيه بالثلج شديد أو ريح سموم ليلًا وهم نائمون أو نهارًا وهم غافلون، فجعلناها كالأرض المحصودة التي قطعت ثمارها، واستؤصل زرعها، ولم يبق منه شيء، أو كأنها لم تنبت، ولم تكن زروعها نضرة بالأمس. وجاء هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾.
والمعنى: إن هذه الحياة الدنيا التي ينتفع بها المرء، مثل النبات الذي لما عظم الرَّجاء في الانتفاع به .. وقع اليأس منه بالهلاك والمتمسك بالدنيا، إذا نال منها بغيته .. أتاه الموت بغتة، فسلبه ما هو فيه من نعيم الدنيا ولذاتها. وقيل: يحتمل أن يكون ضرب هذا المثل لمن ينكر المعاد، والبعث بعد الموت، وذلك؛ لأن الزرع إذا انتهى وتكامل في الحسن إلى الغاية القصوى .. أتته آفة، فتلف
стр. 5290
بالكلية، ثم إن الله قادر على إعادته كما كان أول مرّةٍ فضرب الله هذا المثل ليدل على أن من قدر على إعادة ذلك النبات بعد التلف كان قادرًا على إعادة الأموات أحياء في الآخرة، ليجازيهم على أعمالهم، فيثيب الطائع ويعاقب العاصي ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما فصلنا وبينا مثل الحياة الدنيا، وعرفناكم حكمها ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: نبين حججنا ودلائل قدرتنا ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ويتأملون فيها، ويعتبرون بها، ليكون ذلك سببًا موجبًا لزوال الشك، والشبهة عن القلوب.
والخلاصة: أي كهذا المثل الواضح الذي يمثل حال الدنيا وغرور الناس بها، مع سرعة زوالها وتعلق الآمال بها، نفصل الآيات الدالة على حقيقة التوحيد وأصول الشرائع والآداب والمواعظ وتهذيب الأخلاق، وكل ما فيه صلاح للناس، في معاشهم ومعادهم، لمن يستعمل عقله ويزن أعماله بموازين الحكمة، فليس هذا المثل قاصرًا على شخص دون شخص، بل هو عبرة لمن كان له بصيرة وتدبر، فينبغي للإنسان أن ينزل القرآن في خطاباته على نفسه، ويتأمل فيها ويتدبر، ليأتمر بأوامره وينتهي بنواهيه.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ وأصله: وتزينت فأدغمت التاء في الزاي، فاجتلبت همزة الوصل لضرورة تسكين الزاي عند الإدغام. وقرأ أبي، وعبد الله، وزيد بن علي، والأعمش: ﴿وتزينت﴾ على وزن تفعلت. وقرأ سعد بن أبي وقاص، وأبو عبد الرحمن، وابن يعمر والحسن والشعبي وأبو العالية وقتادة ونصر بن عاصم وابن هرمز وعيسى الثقفي: ﴿وأزينت﴾ على وزن أفعلت، كأحصد الزرع؛ أي: حضرت زينتها، وحانت وصحت الياء فيه على جهة الندور، كأعليت المرأة، والقياس: وأزانت، كقولك: وأبانت. وقرأ أبو عثمان النهدي: بهمزه مفتوحة. بوزن، أفعألت قاله: عنه صاحب "اللوامح"، قال: كأنه كانت في الوزن بوزن احمارت، لكنهم كرهوا الجمع بين ساكنين، فحركت الألف فانقلبت همزة مفتوحة، ونسب ابن عطية هذه القراءة لفرقة، فقال: وقرأت فرقة، وأزيأنت
стр. 5291
وهي لغة منها، قال الشاعر:
إِذا مَا الْهَوَادِيْ بِالْعَبِيْطِ احْمَأَرَّتِ
وقرأ أشياخ عوف بن أبي جميلة ﴿وازيانت﴾ بنون مشددة، وألف ساكنة قبلها. قال ابن عطية وهي قراءة أبي عثمان النهدي. وقرأت فرق ﴿وازاينت﴾ والأصل وتزاينت فأدغم. وقرأ الحسن وقتادة ﴿كأن لم يغن﴾ بالياء على التذكير، فقيل: عائد على المضاف المحذوف، الذي هو الزرع، حذف وقامت هاء التأنيث مقامه في قوله: ﴿قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ وفي قوله: ﴿أتاها فجعلناها﴾. وقيل: عائد على الزخرف، والأولى عوده على الحصيد؛ أي: كأن لم يغن الحصيد. وكان مروان بن الحكم يقرأ على المنبر ﴿كأن لم تتغن﴾ بتائين مثل تتفعل. وفي مصحف أبي ﴿كأن لم تغن بالأمس وما كنا لنهلكها إلا بذنوب أهلها﴾ وفي "التحرير" نفصل الآيات، رواها عنه ابن عباس. وقيل: في مصحفه ﴿وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها﴾ وفي "التحرير". وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن يقرأ في قراءة أبي ﴿كأن لم تغن بالأمس وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها﴾ ولا يحسن أن يقرأ أحد بهذه القراءة؛ لأنها مخالفة لخط المصحف، الذي أجمع عليه الصحابة والتابعون، انتهى. ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي: مثل هذا التفصيل الذي فصلناه في الماضي نفصل في المستقبل. وقرأ أبو الدرداء ﴿لقوم يتذكرون﴾ بالذال بدل الفاء.
٢٥ - ولما ذكر الله صفة الدنيا، ورغب في الزهد فيها والتجنب لزخارفها .. رغب في الآخرة ونعيمها حيث قال: ﴿اللَّهُ﴾ ﴿يَدْعُوا﴾ عباده ﴿إِلَى﴾ الجنة ﴿دَارِ السَّلَامِ﴾ بدعائه إلى التوحيد والإيمان؛ أي: دار السلامة يسلم من دخلها من جميع الآفات الدنيوية كالموت والمرض والمصائب والحزن والغم والتعب والنكد، أو دار يسلم الله فيها على أهلها، أو دار تسلم الملائكة فيها على أهلها أو دار الله السلام؛ أي: دار الله الذي سلم من كل النقائص والعيوب، والإضافة فيه للتشريف أو إلى الجنة التي تسمى دار السلام؛ لأن دار السلام، اسم لإحدى الجنان السبع أحدها: دار
стр. 5292
السلام والثانية: دار الجلال والثالثة: جنة عدن والرابعة: جنة المأوى والخامسة: جنة الخلد والسادسة: جنة الفردوس والسابعة: جنة النعيم. وقيل: المراد دار السلام الواقع من المؤمنين بعضهم على بعض في الجنة. وهذه الجملة كأنها معطوفة على مقدر، تقديره: ذلك (١) الإِيثار لمتاع الدنيا والغرور بها: هو ما يدعو إليه الشيطان فيوقع متبعيه في جهنم، دار النكال والوبال، والله يدعوا عباده إلى دار السلام؛ إذ يأمرهم إلى ما يوصل إليها ﴿وَيَهْدِي﴾ الله ويوفق ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من خلقه ويختاره للهداية ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: إلى الطريق الموصل إليه، القويم الذي لا اعوجاج فيه، وهو طريق دين الإِسلام، عقائده وفضائله وأحكامه.
عم (٢) بالدعوة أولًا، إظهارًا للحجة، وخص بالهداية ثانيًا، استغناءً عن الخلق، وإظهارًا للقدرة، فحصلت المغايرة بين الدعوتين، فالدعوة (٣) عامة على لسان رسول الله، ﷺ ، بالدلالة والهداية، خاصة من لطف المرسل بالتوفيق والعناية، والمعنى: يدعو العباد كلهم إلى دار السلام، ولا يدخلها إلا المهديون.
وعن جابر ﵁ قال: جاءت الملائكة إلى النبي، ﷺ ، وهو نائم، فقال؛ بعضهم إنه نائم وقال بعضهم: العين نائمة، والقلب يقظان، فقالوا: إن لصاحبكم مثلًا، فاضربوا له مثلًا، فقالوا: مثله، كمثل رجل بنى دارًا وجعل فيها مأدبة، وبعث داعيًا، فمن أجاب الداعي .. دخل لدار، وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي، لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أولوها بفقهها، فإن العين نائمة، والقلب يقظان، فقال بعضهم: الدار الجنة، والداعي محمَّد، ﷺ ، فمن أطاع محمدًا .. فقد أطاع الله، ومن عصى محمدًا .. فقد عصى الله، ومحمد فرق بين الناس. وفي رواية، خرج علينا رسول الله، ﷺ ، فقال: "إني رأيت في المنام كأن جبريل ﵇ عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلًا" رواه البخاري.
стр. 5293
٢٦ - ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ أعمالهم في الدنيا بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات المثوبة ﴿الْحُسْنَى﴾؛ أي: البالغة أعلى درجات الحسن، وهي الجنة ﴿و﴾ لهم أيضًا ﴿زيادة﴾ عظيمة ما وراءها فوق، وهي النظر إلى وجه الله الكريم . وقد ورد من طرق عدة أن هذه الزيادة، هي النظر إلى وجه الله الكريم، وذلك هو أعلى مراتب الكمال الروحي، الذي لا يصل إليه إلا المحسنون العارفون في الآخرة.
وهذا قول جماعة من الصحابة: منهم: أبو بكر الصديق، وحذيفة، وأبو موسى الأشعري، وعبادة بن الصامت ﵃، وهو قول الحسن وعكرمة والضحاك ومقاتل والسدي، ويدل على صحة هذا القول المنقول والمعقول. أما المنقول (١): فما روي عن صهيب، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله ﵎: أتريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﵎" زاد في رواية: ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ أخرجه مسلم.
وروى الطبري بسنده عن كعب بن عجرة، عن النبي، ﷺ ، في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم" وعن أبي بن كعب، أنه سأل رسول الله، ﷺ ، عن قول الله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم"، إلى غير ذلك مما لا يحصى. وأما المعقول: فنقول: إن الحسنى، لفظة مفردة، دخل عليها حرف التعريف، فانصرفت إلى المعهود السابق، وهو الجنة في قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ فثبت بهذا، أن المراد من لفظة: الحسنى، هو الجنة وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من الزيادة أمرًا مغايرًا لكل ما في الجنة من النعيم، وإلا لزم التكرار، وإذ كان كذلك وجب حمل هذه الزيادة على
стр. 5294
رؤية الله ﵎.
القول الثاني: في معنى هذه الزيادة، ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة، لها أربعة أبواب.
والقول الثالث: إن الحسنى واحدة الحسنات، والزيادة التضعيف إلى تمام العشرة، وإلى سبع مئة. قال ابن عباس: هو مثل قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ يقول: يجزيهم بعملهم، ويزيدهم من فضله. قال قتادة: كان الحسن. يقول: الزيادة: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف.
القول الرابع: إن الحسنى، حسنة مثل حسنة، والزيادة مغفرة من الله ورضوان، قاله مجاهد.
القول الخامس: قول ابن زيد: إن الحسنى هي الجنة، والزيادة ما أعطاهم في الدنيا، لا يحاسبهم به يوم القيامة، اهـ من "الخازن".
﴿وَلَا يَرْهَقُ﴾: ولا يغشى ولا يغطي ﴿وُجُوهَهُمْ﴾؛ أي: وجوه أهل الجنة ﴿قَتَرٌ﴾؛ أي: سواد ﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾؛ أي: كآبة وحزن. قال ابن أبي ليلى: هذا بعد نظرهم إلى ربهم ﵎؛ أي: ولا يغشى وجوههم شيء مما يغشى الكفرة، من الغبرة التي فيها سواد، ولا أثر هوان ولا انكسار بال. ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين هذه صفتهم هم ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ وسكانها وملازموها و ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾؛ أي: ماكثون فيها مكثًا مؤبدًا، لا نهاية له، فهي لا تبيد فيخافوا زوال نعيمهم، ولا هم بمخرجين منها، فتنغص عليهم لذاتهم. والمعنى: أن هؤلاء الذين وصفت صفتهم هم أصحاب الجنة لا غيرهم، وهم فيها مقيمون لا يخرجون منها أبدًا.
وقرأ (١) الحسن وأبو رجاء وعيسى بن عمر والأعمش: ﴿قتر﴾ بسكون التاء، وهي لغة كالقدر والقدر.
٢٧ - ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا﴾ وعملوا في الدنيا ﴿السَّيِّئَاتِ﴾؛
стр. 5295
أي: الشرك والمعاصي، فعصوا الله فيها، وكفروا به وبرسوله، ﷺ ، ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾؛ أي (١): جزاء سيئاتهم أن تجازى سيئة واحدة بسيئة مثلها، لا يزاد عليها كما يزاد في الحسنة؛ أي: جزاء سيئة واحدة من عملهم السيء الذي عملوه في الدنيا، بمثلها من عقاب الله في الآخرة، جزاءً وفاقًا، ولا يزادون على ما يستحقونه من العذاب شيئًا ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾؛ أي: تغشى وتعلو أنفسهم ذلة عظيمة؛ أي: يصيبهم ذل وخزي وهوان، بما يظهره حسابهم من شرك وظلم وزور وفجور ﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: من عذاب الله وسخطه ﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾؛ أي: مانع يمنعه، ويحفظه إذا هو عاقبهم، أو يحول بينه وبينهم كالذين اتخذوهم في الدنيا شركاء وزعموهم شفعاء، فذلك هو اليوم الذي تتقطع فيه الأسباب التي كانت تفيد في الدنيا ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾.
فائدة: وجاءت (٢) صلة المؤمنين أحسنوا وصلة الكافرين كسبوا السيئات، تنبيهًا على أن المؤمن، لما خلق على الفطرة، وأصلها بالإحسان، وعلى أن الكافر لما خلق على الفطرة، انتقل عنها وكسب السيئات، فعل ذلك محسنًا، وهذا كاسبًا للسيئات، ليدل على أن المؤمن سلك ما ينبغي وهذا سلك ما لا ينبغي. ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ﴾ وغطيت وألبست ﴿وُجُوهُهُمْ قِطَعًا﴾ وجزءًا جمع قطع ﴿مِنَ﴾ أديم ﴿اللَّيْلِ﴾ حال كونه حالكًا ﴿مُظْلِمًا﴾ لا بصيص - لمعة - فيه من نور القمر الطالع، ولا النجم الثاقب، فتشقها قطعةً بعد قطعة، فصارت ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض؛ أي: كأن وجوه أهل النار، لفرط سوادها، ألبست طائفة من سواد الليل المظلم.
﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالصفات المذكورة الذميمة ﴿أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ﴾؛ أي: ساكنوها وملازموها و ﴿هُمْ فِيهَا﴾؛ أي: في النار ﴿خَالِدُونَ﴾؛ أي: ماكثون مكثًا مؤبدًا، لا انقضاء لها، لا يبرحونها؛ لأنه ليس لهم مأوى سواها. وقد جاء في معنى هذه الآيات، في وصف الفريقين، قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨)
стр. 5296
ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾.
وقرىء ﴿ويرهقهم﴾ بالياء؛ لأن تأنيث الذلة مجاز. وقرأ الجمهور؛ ﴿قِطَعًا﴾ بكسر القاف وفتح الطاء، جمع قطعة، كقربة، وقرب. وقرأ ابن كثير، والكسائي: ﴿قطعا﴾ بسكون الطاء، وهو مفرد اسم للشيء المقطوع. وقرأ ابن أبي عبلة كذلك، إلا أنه فتح الطاء. وقرأ أبي ﴿كأنما تغشى وجوههم قط من الليل مظلم﴾.
٢٨ - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾؛ أي: واذكر، يا محمَّد، لكلا الفريقين الذين أحسنوا، والذين كسبوا السيئات، قصة يوم نحشر الخلائق ونجمعهم في صعيد واحد، وهو يوم القيامة. والحشر: الجمع من كل جانب وناحية إلى موضع واحد. حالة كونهم ﴿جَمِيعًا﴾؛ أي: متجمعين لا يتخلف منهم أحد، أو نحشر العابدين والمعبودين ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾؛ أي: للمشركين منهم بعد طول مكث، لا يكلمون بشيء قبل ذلك ﴿مَكَانَكُمْ﴾؛ أي: الزموا مكانكم وموقفكم واثبتوا فيه ﴿أَنْتُمْ﴾ أيها المشركون ﴿وشركاؤكم﴾؛ أي: معبوداتكم التي كنتم تعبدونها من دون الله تعالى، حتى تسألوا وتنظروا ما يفعل بكم. وقرأ الحسن وشيبة والقراء السبعة ﴿نحشرهم﴾ بالنون. وقرأت فرقة بالياء. وقرىء ﴿وشركاءكم﴾ بالنصب على أن الواو بمعنى: مع، والمعنى: أن الله يحشر العابد والمعبود، لسؤالهم، ثم يقول للذين أشركوا في حالة الحشر ووقت الجمع، تقريعًا لهم على رؤوس الأشهاد، وتوبيخًا لهم مع حضور من يشاركهم في العبادة، وحضور معبوداتهم: مكانكم؛ أي: الزموا مكانكم واثبتوا فيه، وقفوا في موضعكم أنتم ومعبوداتكم، حتى تسألوا وتنظروا ما يفعل بكم ويفصل بينكم، فيما كان من سبب عبادتكم إياهم، والحجة التي يحتج بها كل فريق منكم. وفي هذا وعيد شديد، وتوبيخ لهم على رؤوس الأشهاد، وتقريع يكون هذا عظم سيئاتكم ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: ففرقنا بين المشركين وشركائهم، وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا، وباعدنا بينهم بعد الجمع في الموقف. والمعنى: ففرقنا بين العابدين والمعبودين، وميزنا بعضهم من بعض، كما يميز بين الخصوم
стр. 5297
عند الحساب، ويراد بهذا التفريق تقطيع ما كان بينهم في الدنيا من صلات وروابط، وبيان خيبة ما كان للمشركين في الشركاء من آمال وتبرُّؤ المعبودين من العابدين وعبادتهم، كما قال: ﴿وقال شركاؤهم﴾ الذين عبدوهم، وجعلوهم شركاء لله ، أي: قال المعبودون للعابدين ﴿مَا كُنْتُمْ﴾ أيها المدعون لعبادتنا ﴿إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: ما كنتم تخصوننا بالعبادة، وإنما كنتم تعبدون أهواءكم وشياطينكم التي أغوتكم، فإنها الآمرة لكم بالإشراك، وتتخذون تماثيلنا هياكل لمنافعكم وأغراضكم، والمعبود الحق: هو الذي يعبد وحده؛ لأنه صاحب السلطان الأعلى على الخلق، وبيده الضر والنفع. وقدم المفعول هنا للفاصلة لا للحصر، إذ ليس الغرض أن المنفي عبادة الأصنام المقصورة عليها فقط، بل مطلق عبادتها، سواء كانت مقصورة عليها أم لا، اهـ "فتوحات".
٢٩ - ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾؛ أي: فكفى الله شهيدًا وحكمًا بيننا، وبينكم، فهو العليم بحالنا وحالكم ﴿إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ﴾؛ أي: إنا كنا عن عبادتكم إيانا ﴿لَغَافِلِينَ﴾؛ أي: لجاهلين لا نعلمها ولا نرضى بها؛ لأن العبادة لا تليق بنا، بل لله وحده.
والمعنى: وقد قال شركاؤهم الذين عبدوهم وجعلوهم شركاء لله سبحانه: ما كنتم إيانا تعبدون، وإنما عبدتم هواكم وضلالكم وشياطينكم، الذين أغووكم وإنما أضاف الشركاء إليهم، مع أنهم جعلوهم شركاء لله سبحانه، لكونهم جعلوا لهم نصيبًا من أموالهم، فهم شركاؤهم في أموالهم من هذه الحيثية. وقيل: لكونهم شركاءهم في هذا الخطاب، وهذا الجحد من الشركاء، وإن كان مخالفًا لما قد وقع من المشركين من عبادتهم، فمعناه إنكار عبادتهم إياهم عن أمرهم لهم بالعبادة.
٣٠ - ﴿هُنَالِكَ﴾؛ أي: في ذلك الموقف، أو في ذلك الوقت على (١) معنى استعارة إطلاق اسم المكان على الزمان؛ أي: في ذلك المقام، والموقف الذي
стр. 5298
يقتضى الحيرة والدهش ﴿تبلو﴾ بالتاء (١)، فالباء على القراءة المشهورة؛ أي: تذوق ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ سعيدة أو شقية ﴿مَا أَسْلَفَتْ﴾؛ أي: جزاء ما قدمت من عمل، فتعلم نفعه، أو ضره.
وقرأ حمزة والكسائي وزيد بن علي: ﴿تتلو﴾ بتاءين؛ أي: تقرأ كل نفس في صحيفة أعمالها ما قدمت من خير أو شر، أو تتبع ما أسلفت؛ لأن عملها هو الذي يهديها إلى طريق الجنة، أو إلى طريق النار. وقرأ عاصم: ﴿نبلو كل نفس﴾ بالنون فالباء ونصب كل؛ أي: نختبر كل نفس بسبب اختبار ما أسلفت من العمل السيء؛ أي: نفعل بها فعل المختبر، أو المعنى: نصيب بالبلاء الذي هو العذاب كل نفس عاصية، بسبب ما أسلفت من الشر. وقوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ معطوف على فزيلنا بينهم، والضمير فيه عائد إلى الذين أشركوا؛ أي: أعرض الذين أشركوا عن المولى الباطل، ورجعوا إلى المولى الحق؛ أي: الصادق الربوبية دون ما اتخذوه من المعبودات الباطلة، وأقروا بألوهيته ووحدانيته بعد أن كانوا في الدنيا يعبدون غيره، وردوا إلى حكمه؛ أي: ردوا إلى جزائه وما أعدَّ لهم من عقابه، ومولاهم ربهم والحق صفة له؛ أي: الصادق الربوبية دون ما اتخذوه من المعبودات الباطلة.
وقرأ يحيى بن وثاب (٢): ﴿وردوا﴾ بكسر الراء، لما سكن للإدغام .. نقل حركة الدال إلى الراء بعد سلب حركتها. وقرىء ﴿الحق﴾ بالنصب على المدح. نحو: الحمد لله أهل الحمد. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾؛ أي: ضاع وغاب عنهم في الموقف، فلا ينافي قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: ما كانوا يدعون من أن معبوداتهم آلهة، وأنها تشفع لهم.
وحاصل معنى الآية (٣): أي في موقف الحساب تختبر كل نفس من عابدة
стр. 5299
ومعبودة ومؤمنة وجاحدة، ما قدمت في حياتها الدنيا من عمل وما كان لكسبها في صفاتها من أثر، خير أو شر، بما ترى من الجزاء عليه، فهو ثمرة طبيعة له، لا شأن فيه لولي ولا شفيع ولا معبود ولا شريك. ﴿رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾؛ أي: وأرجعوا إلى الله الذي هو مولاهم الحق، دون ما اتخذوا من دونه بالباطل من الأولياء والشفعاء والأنداد والشركاء. وقد جاء هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾؛ أي: وضاع عنهم وغاب؛ أي: في الموقف ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ عليه من الشفعاء والأولياء، فلم يجدوا أحدًا ينصرهم لا ينقذهم من هول ذلك الموقف، كما قال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾. وقد تكرر هذا المعنى في آيات كثيرة منها: ما جاء مجملًا، ومنها: ما جاء مفصلًا:
فمنها: ما يسأل الله فيه العابدين.
ومنها: ما يسأل فيه المعبودين.
ومنها: ما عين فيه اسم الملائكة والجن والشياطين.
والحاصل: أن هؤلاء المشركين يرجعون في ذلك المقام إلى الحق ويعترفون به ويقرون ببطلان ما كانوا يعبدونه ويجعلونه إلهًا، ولكن حين لا ينفعهم ذلك.
٣١ - ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد، لهؤلاء المعاندين من أهل مكة ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ بما ينزله عليكم من الأمطار ﴿و﴾ يرزقكم من ﴿الأرض﴾ بما ينبته من نباتات شتَّى، من نجم وشجر تأكلون منه؛ أو تأكل أنعامكم، والاستفهام فيه للتقرير، وكذا فيما بعده؛ أي: من الذي يرزقكم منهما جميعًا، فإن الأرزاق تحصل بأسباب سماوية ومواد أرضية، أو من كل واحدة منهما، والمقصود من هذا القول، الاستدلال على حقية التوحيد، وبطلان ما هم عليه من الشرك، اهـ "أبو السعود". وهذه أسئلة ثمانية، جواب الخمسة الأولى منها: منهم، وجواب
стр. 5300
الاثنين بعدها منه ﷺ بتعليم الله إياه، لعدم قدرتهم عليه، وجواب الأخيرة، لم يذكر لشهرته والعلم به.
وأم في قوله: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ هي (١) المنقطعة؛ لأنها لم يتقدمها همزة استفهام ولا تسوية، ولكن إنما تقدر هنا ببل وحدها دون الهمزة، وقد تقرر عند الجمهور أن المنقطعة تقدر بهما، وإنما لم تقدر هنا ببل، والهمزة؛ لأنها وقع بعدها هنا اسم استفهام صريح، وهو: من والإضراب هنا على القاعدة المقررة في القرآن أنه إضراب انتقال، لا إضراب إبطال اهـ "سمين"؛ أي: وقيل لهم (٢) يا محمَّد، بل من يملك ما تتمتعون به من حاستي السمع والبصر، وأنتم بدونهما لا تدرون شيئًا من أمور العالم، وتكون الأنعام والهوام، بل والشجر خيرًا منكم؛ باستغنائها عمن يقوم بضرورات معاشها؛ أي: أم من يستطيع خلقهما وتسويتهما، أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالهما، من أدنى شيء، وخص هاتين الحاستين بالذكر؛ لأن عليهما مدار الحياة الحيوانية، وكمال الحياة الإنسانية، إذ بهما تحصيل العلوم الأولية.
وخلاصة ذلك: بل من خلق هذه الحواس، ووهبها للناس، وحفظها مما يعتريها من الآفات، ولا شك أن الجواب عن ذلك السؤال لا حاجة فيه إلى الفكر، فإن هم تأملوا في ذلك .. ازدادوا علمًا وإعجابًا بإنعام الله بهما، وإيمانًا بأنه لا يقدر غيره على إيجادهما. وعن علي ﵁ كان يقول: سبحان من بصَّر بشحم، وأسمع بعظم، وأنطق بلحم.
﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾؛ أي: ومن يقدر أن يخرج الإنسان من النطفة والطائر من البيضة، والمؤمن من الكافر ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾؛ أي: وأن يخرج النطفة من الإنسان والبيضة من الطائر والكافر من المؤمن؛ أي: وقيل لهم: بل من ذا الذي بيده أمر الموت والحياة، فيخرج الحي من الميت، والميت من الحي، فيما تعرفون من المخلوقات وما لا تعرفون، فالله هو الذي يخرج النبات
стр. 5301
من الأرض الميتة، بعد إحيائه إياها، بماء المطر النازل عليها من السماء، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾.
﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾؛ أي: ومن يتولى تدبير أمر الخليقة جميعًا، بما أودعه في كل منها من السنن، وقدره من النظام، وهذا السؤال الخامس أعم من كل من الأربعة قبله، فهو من ذكر العام بعد الخاص. ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ في جواب هذه الأسئلة الخمسة بلا تباطؤ ولا تجاحد هو ﴿اللَّهُ﴾ ؛ أي: فسيجيبون عن هذه الأسئلة الخمسة، بأن فاعل ذلك كله هو الله رب العالم كله ومليكه، إذ لا جواب غيره، وهم لا يجحدون ذلك ولا ينكرونه. والهمزة في قوله: ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي، المضمن للإنكار، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره؛ فقل: لهم يا محمَّد، عند ذلك تبكيتًا لهم ووعظًا وتذكيرًا لهم، أتعلمون ذلك فلا تتقون سخطه وعقابه لكم، بشرككم وعبادتكم لغيره، ممن لا يملك لكم ضرًّا ولا نفعًا
٣٢ - ﴿فَذَلِكُمُ﴾ المتصف بكل تلك الصفات السالفة هو ﴿اللَّهُ﴾؛ أي: المعبود بحق ﴿رَبُّكُمُ﴾؛ أي: المربي لكم بنعمه والمدبر لأموركم ﴿الْحَقُّ﴾؛ أي: الثابت بذاته الحي المحيي لغيره المستحق للعبادة دون سواه. والاستفهام في قوله: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ للإنكار التوبيخي، بدليل ذكر إلا الإيجابية بعده؛ أي: فماذا بعد الرب الحق، الثابتة ربوبيته إلا الضلال؛ أي: الباطل الضائع المضمحل، فالذي يفعل تلك الأمور هو الرب الحق، وعبادته وحده هي الهدى، وما سواها من عبادة الشركاء والوسائط ضلال، وكل من يعبد غيره معه فهو مشرك مبطل ضال؛ أي: فإذا ثبت أن عبادة الله حق، ثبت أن عبادة غيره من الأصنام ضلالٌ محض، إِذ لا واسطة بينهما. ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾؛ أي: فكيف تتحولون عن الحق إلى الباطل، وعن الهدى إلى الضلال، مع علمكم بما كان الله به هو الرب الحق، فما بالكم تقرون بتوحيد الربوبية دون توحيد الألوهية، فتتخذون مع الله آلهة أخرى؛ أي: فكيف تمالون من التوحيد إلى الإشراك، وعبادة الأصنام مع علمكم ذلك؟ فالاستفهام فيه، للتعجيب والابتعاد والإنكار.
стр. 5302
٣٣ - ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما حق وثبت أن الحق ليس بعده إلا الضلال، أو كما حق أنهم مصروفون من الحق ﴿حَقَّتْ﴾ وثبتت ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾؛ أي: وجب حكمه ونفذ قضاؤه ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾؛ أي: خرجوا من الحق إلى الباطل، وتمردوا في كفرهم عنادًا ومكابرةً، وتلك الكلمة هي قوله جل ثنائه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ ...﴾ الآية. أو هي جملة قوله: ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فتكون هذه الجملة بدلًا من كلمة ربك، بدل كل من كل؛ أي: حقت كلمة ربك التي هي عدم إيمانهم. وعلى المعنى الأول: تكون الجملة تعليلية لما قبلها، بتقدير اللام؛ أي: حقت عليهم كلمة ربك، التي هي دخول جهنم؛ لأنهم لا يؤمنون. والمعنى: كما حقت كلمة ربك بوحدة الربوبية والألوهية، وكون الحق ليس بعده إلا الضلال، حقت كلمة ربك؛ أي: وعيده على الذين خرجوا من حظيرة الحق، وهو توحيد الألوهية والربوبية، وهداية الدين الحق.
﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: هي أنهم لا يؤمنون بما يدعوهم إليه رسلنا، من التوحيد والهدى مهما تكن الآية بينة، والحجة ظاهرة قوية؛ أي: وجب وثبت قضاء ربك، بأنهم لا يؤمنون لرسوخهم وتمردهم في الإشراك.
وليس المراد (١): أنه يمنعهم من الإيمان بالقهر، بل هم يمتنعون منه باختيارهم، لفقدهم نور البصيرة واستقلال العقل، فلا يتوجهون إلى التمييز بين الحق والباطل والهدى والضلال، لرسوخهم في الكفر واطمئنانهم به بالتقليد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾. وقرأ (٢) أبو جعفر وشيبة ونافع وابن عامر: ﴿كلمات ربك﴾ بالجمع هنا، وفي آخر السورة. وقرأ باقي السبعة بالإفراد.
٣٤ - والاستفهام في قوله: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ للتقرير، كالاستفهامات السابقة والآتية، أي: قل لهم أيها الرسول: هل أحد من شركائكم الذين عبدتموهم مع الله تعالى، أو من دون الله، من الأصنام أو الأرواح الحالة فيها، كما تزعمون،
стр. 5303
أو الكواكب السيارة، أو غيرها من الأحياء كالملائكة والجن ﴿مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾؛ أي: من ينشىء المخلوقات من العدم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ في القيامة للجزاء؛ أي: من له التصرف في هذا الكون ببدء الخلق في طور، ثم إعادته في طور آخر. وفي هذا سؤالان: سؤال عن البدء، وسؤال عن الإعادة.
ولما كانوا لا يجيبون عن هذا السؤال، كما أجابوا عن الأسئلة الأولى، لإنكارهم للبعث والمعاد، لقن الله رسوله الجواب، فقال: ﴿قُلِ﴾ لهم، يا محمَّد، في الجواب ﴿اللَّهُ﴾ هو الذي ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾؛ أي: ينشىء المخلوقات من العدم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يوم القيامة للمجازاة، لا جواب غيره، إذ القادر على بدء الخلق يكون قادرًا على إعادته بالأولى، وهم ينكرون إعادة الأحياء الحيوانية، دون الأحياء النباتية، إذ هم يشاهدون بدء خلق النبات في الأرض حين ما يصيبها ماء المطر في فصل الشتاء وموته بجفافه في فصل الصيف والخريف، ثم إعادته بمثل ما بدأه مرة بعد أخرى، ويقرون بأن الله تعالى هو الذي يفعل البدء والإعادة؛ لأنهم يشاهدون كلًّا منهما، وهم لا يسلمون إلا بما يرون بأعينهم، أو يلمسونه بأيديهم. وقد أمر الله رسوله، ﷺ ، أن يرشدهم إلى جهلهم وينبههم للتفكير في أمرهم فقال: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ والاستفهام فيه تعجبي؛ أي: فكيف تصرفون من الحق، الذي لا محيد عنه، وهو التوحيد إلى الضلال البين، وهو الإشرك وعبادة الأصنام، وذلك من دواعي الفطرة، وخاصة العقل حين تفكيره في المصير،
٣٥ - ثم جاء باحتجاج آخر على ما ذكره، إلزامًا لهم عقب الإلزام الأول، فسألهم عن شأن من شؤون الربوبية المقتضى لاستحقاق الألوهية، وتوحيد العبادة الاعتقادية والعملية فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم، يا محمَّد، ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾؛ أي: هل من هؤلاء الشركاء الذين عبدتموهم من دون الله من يهدي ويرشد غيره إلى الحق والصواب، مما فيه صلاحكم في الدين والدنيا، بوجه من وجوه الهداية، التي بها تتم حكمة الخلق، كما يدل على ذلك قوله: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ إذ أدنى مراتب المعبودية، هداية المعبود لعابديه إلى الحق.
والهداية لها أنواع:
١ - هداية الغريزة والفطرة التي أودعها الله في الإنسان والحيوان.
стр. 5304
٢ - هداية الحواس، من سمع وبصر ونحو ذلك.
٣ - هداية التفكير والاستدلال بوساطة هذه الوسائل.
٤ - هداية الدين، وهو للنوع البشري في جملته بمثابة العقل للأفراد.
٥ - هداية التوفيق الموصل بالفعل إلى الغاية بتوجيه النفس إلى طلب الحق، وتسهيل سبله، ومنع الصوارف عنه.
ولما كانوا لا يستطيعون أن يدعوا أن أحدًا من أولئك الشركاء يهدي إلى الحق، لا من ناحية الخلق، ولا من ناحية التشريع .. لقن الله رسوله الجواب، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم، أيها الرسول، في الجواب، لا جواب غيره: ﴿اللَّهُ﴾ هو الذي ﴿يَهْدِي﴾ ويرشد من يشاء ﴿لِلْحَقِّ﴾؛ أي: إلى الحق دون غيره من شركائكم، بما نصب من الأدلة والحجج، وأرسل من الرسل، وأنزل من الكتب، وهدى إلى النظر والتدبر وأعطى من الحواس.
وفي "السمين": ﴿هدى﴾ يتعدى إلى اثنين، ثانيهما، إما باللام، أو بإلى، وقد يحذف الحرف تخفيفًا، وقد جمع بين التعديتين هنا بحرف الجر، فعدى الأول والثالث بإلى، والثاني باللام، وحذف المفعول الأول من الأفعال الثلاثة، والتقدير: هل من شركائكم من يهدي غيره إلى الحق، قال: الله يهدي من يشاء للحق، أفمن يهدي غيره إلى الحق، وقد تقدم أن التعدية بإلى وباللام من باب التفنن في البلاغة، ولذلك قال الزمخشري: يقال: هداه للحق وإلى الحق، فجمع بين اللغتين اهـ. والمراد بالحق في المواضع الثلاثة ضد الباطل. وعبارة الخطيب قل هل من شركائكم من يهدي غيره إلى الحق بنصب الحجج وخلق الاهتداء وإرسال الرسل، ولما كانوا جاهلين بالحق في ذلك أو معاندين .. أمرَ الله تعالى رسولَه، ﷺ ، أن يجيب بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ الذي له الإحاطة الكاملة، يهدي للحق من يشاء، لا أحد ممن زعمتموه شركاء. فالاشتغال بشيء منها بعبادة أو غيرها، جهل محض. اهـ. يعني أن الله هو الذي يهدي للحق، فهو أحق بالاتباع لا هذه الأصنام التي لا تهتدي إلا أن تهدى، اهـ "خازن". والمعنى: قل لهم يا محمَّد: هل من شركائكم من يرشد إلى دين الإِسلام، ويدعو الناس
стр. 5305
إلى الحق، فإذا قالوا: لا، فقل لهم: الله يهدي للحق دون غيره. وقوله: ﴿أفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ...﴾ الخ، سؤال ثامن، لم يذكر جوابه لوضوحه، والاستفهام للتقرير والتوبيخ، كما أشرنا إليه أولًا، والفاء لترتيب الاستفهام على ما سبق، من تحقيق هدايته تعالى صريحًا، وعدم هداية شركائهم المفهوم من القصر، والهمزة متأخرة في الاعتبار وإنما تقديمها في الذكر لإظهار عراقتها في الاستفهام، واقتضاء الصدارة كما هو رأي الجمهور، اهـ "أبو السعود".
فالهمزة في قوله: ﴿أفمن يهدي﴾ داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أعميتم عن إبصار الحق، أم عاندتم، فمن يهدي ويرشد من يشاء إلى الحق والصلاح .. ﴿أحق﴾ وأولى من غيره بـ ﴿أَن﴾ يطاع و ﴿يُتَّبَعَ﴾ فيما شرعه ويعبد دون غيره ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾ غيره ولا يهتدي بنفسه، فضلًا عن هداية غيره إلا أن يهدى؛ أي لا يهتدي في حال من الأحوال إلا في حال هدايته تعالى له، إذ لا هادي غيره، وهذا حال أشراف شركائهم من الملائكة والمسيح، وعزير ﵈، أو من لا ينتقل من مكان إلى مكان، إلا أن ينقل إليه؛ لأن الأصنام خالية عن الحياة والقدرة؛ أي: أهذا الأخير أحق، أن يتبع، أم الأول فالجواب الأول أحق أن يتبع، وترك ذكر الجواب لوضوحه كما مر.
والاستفهامان في قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ للتعجيب من حالهم وسوء صنيعهم وقبيح فعلهم، وللتقريع والتوبيخ ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ أي: فأي شيء ثبت لكم في اتخاذكم هؤلاء شركاء لله تعالى، فإنهم عاجزون عن هداية أنفسهم، فكيف يمكن أن يهدوا غيرهم، أو أي شيء أصابكم، وماذا حل بكم حتى اتخذتم هؤلاء شركاء وجعلتموهم وسطاء بينكم وبين ربكم، الذي لا خالق ولا رازق ولا هادي لكم سواه ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بالباطل وتجعلون لله شركاء، أو كيف تحكمون بجواز عبادتهم وشفاعتهم عنده تعالى بدون إذنه.
وهاتان (١) جملتان، أنكر في الأولى، وتعجب من اتباعهم من لا يهدي ولا
стр. 5306
يهتدى، وأنكر في الثانية حكمهم بالباطل، وتسوية الأصنام برب العالمين.
وقد اختلف (١) القراء في ﴿لا يهدى﴾ فقرأ أهل المدينة إلا ورشًا، أم لا يهدي، بفتح الياء، وسكون الهاء وتشديد الدال، فجمعوا بين ساكنين. قال النحاس: لا يقدر أحد أن ينطق به. وقال المبرد: من رام هذا لا بد أن يحرك حركة خفيفة. وسيبويه: يسميه اختلاس الحركة. وقرأ أبو عمرو وقالون: في رواية كذلك، إلا أنه اختلس الحركة؛ أي: بين الفتح والإسكان. وقرأ ابن عامر وابن كثير وورش وابن محيصن: كذلك إلا أنهم فتحوا الهاء؛ أي: قرءوا بفتح الياء والهاء وتشديد الدال. قال النحاس: هذه القراءة بينة في العربية، والأصل فيها يهتدي فنقلت حركة التاء إلى الهاء، وأدغمت التاء في الدال. وقرأ حفص ويعقوب والأعمش عن أبي بكر مثل قراءة ابن كثير، إلا أنهم كسروا الهاء، قالوا؛ لأن الكسر هو الأصل عند التقاء الساكنين. قال أبو حاتم: هي لغة سفلى مضر. وقرأ أبو بكر عن عاصم في رواية يحيى بن آدم ﴿يهدى﴾ بكسر الياء والهاء وتشديد الدال للاتباع، ونقل عن سيبويه أنه لا يجيز ﴿يهدى﴾ ويجيز تِهدى ونِهدى وإِهدى قال: لأن الكسرة في الياء تثقل. وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى بن وثاب: ﴿يهدى﴾ بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال، من هدى يهدي. قال النحاس، وهذه القراءة لها وجهان في العربية، وإن كانت بعيدة:
الأول: أن الكسائي والفراء، قالا: إن يهدي بمعنى يهتدي.
الثاني: أن أبا العباس قال: إن التقدير: أم لا يهدي غيره ثم تم الكلام.
وقال بعد ذلك: ﴿إلا أن يهدى﴾؛ أي: لكنه يحتاج أن يهدي فهو استثناء منقطع، كما تقول: فلان لا يسمع غيره إلا أن يسمع، أي: لكنه يحتاج أن يسمع.
والمعنى على القراءات المتقدمة (٢): أفمن يهدي الناس إلى الحق، وهو الله سبحانه، أحق أن يتبع ويقتدى به، أم الأحق بأن يتبع ويقتدى به من لا يهتدي بنفسه إلا أن يهديه غيره، فضلًا عن أن يهدي غيره، والاستثناء على هذا استثناء
стр. 5307
مفرغ من أعم الأحوال.
٣٦ - وبعد أن أقام الحجج على توحيد الربوبية والألوهية، بين حال المشركين الاعتقادية، فقال: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾؛ أي: وما يتبع أكثر المشركين في معتقداتهم إلا ظنًّا واهيًا، أما بعضهم فقد يتبعون العلم، فيقفون على بطلان الشرك، لكن لا يقبلون العلم عنادًا، وفي ذلك دليل على أن تحصيل العلم في الأصول واجب، والاكتفاء بالتقليد والظن غير جائز.
والمعنى (١): أي إن أكثرهم لا يتبعون في شركهم وعبادتهم لغير الله، ولا في إنكارهم للبعث وتكذيبهم للرسول، ﷺ ، إلا ضربًا من ضروب الظن، قد يكون ضعيفًا، كأن يقيسوا غائبًا على شاهد، ومجهولًا على معروف، ويقلدون الآباء، اعتقادًا منهم أنهم لا يكونون على باطل في اعتقادهم ولا ضلال في أعمالهم، وقليل منهم كان يعلم أن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق والهدى، وأن أصنامهم وسائر معبوداتهم لا تضر ولا تنفع، ولكنهم يجحدون بآيات الله تعالى، ويكذبون رسوله، ﷺ ، عنادًا واستكبارًا، وخوفًا على زعامتهم أن تضيع سدى فيصبحون تابعين بعد أن كانوا متبوعين.
ثم بين حكم الله في الظن، فقال: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ﴾؛ أي: عن العلم ﴿شَيْئًا﴾ من الإغناء في العقائد، والحق هو الثابت الذي لا ريب في ثبوته وتحققه؛ أي: إن الشك لا يقوم مقام اليقين في شيء، ولا ينتفع به حيث يحتاج إلى اليقين.
وخلاصة ذلك: أن الظن لا يجعل صاحبه غنيًّا بعلم اليقين فيما يطلب فيه ذلك، كالعقائد الدينية، وبهذ تعلم أن إيمان المقلد غير صحيح، أي: إن مجرد الظن لا يغني في معرفة الحق شيئًا؛ لأن أمر الدين، إنما يبنى على العلم، وبه يتضح الحق من الباطل، والظن لا يقوم مقام العلم، ولا يدرك به الحق، ولا يغني من العلم والاعتقاد الحق شيئًا.
стр. 5308
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ من الاتباع للظنون الفاسدة، والإعراض عن البراهين القاطعة؛ أي: إن الله عليم بما كانوا يعملون بمقتضى اعتقاداتهم الظنية والقطعية، فهو يحاسبهم ويجازيهم على كل عمل منها، كتكذيبهم للرسول، ﷺ ، مع قيام الأدلة القطعية على صدقه، واتباعهم للظن، كالتقليد باتباع الآباء والأجداد.
وفي الآية إيماءٌ، إلى أن أصول الإيمان تبنى على اليقين دون الظن، فالعلم المفيد للحق ما كان قطعيًّا من كتاب أو سنة، وهو الدين الذي لا يجوز للمسلمين التفرق، والاختلاف فيه، وما دونه مما لا يفيد إلا الظن، فلا يؤخذ به في الاعتقاد، وهو متروك للاجتهاد في الأعمال، اجتهاد الأفراد في الأعمال الشخصية، واجتهاد أولي الأمر في القضاء، مع سلوك طريق الشورى، حتى يتحقق العدل والمساواة في المصالح العامة. وفي هذه الجملة تهديد لهم، على ما وقع منهم، من الأفعال الشنيعة والأحوال القبيحة. وقرأ عبد الله ﴿تفعلون﴾ بالتاء على الخطاب التفاتًا.
الإعراب
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ﴾.
﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ولكنها مجردة هنا عن معنى الحصر؛ لأنه تعالى ضرب للحياة الدنيا أمثالًا غير هذا، كما مر في مبحث التفسير ﴿مَثَلُ الْحَيَاةِ﴾: مبتدأ، ومضاف إليه ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة للحياة ﴿كَمَاءٍ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجر، صفة لـ ﴿أمَاءٍ﴾ ﴿فَاخْتَلَطَ﴾: الفاء: عاطفة ﴿اختلط﴾ فعل ماض. ﴿بِهِ﴾ متعلق به ﴿نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾: فاعل، ومضاف إليه، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ ولكنها صفة سببية هِنَا: جار ومجرور حال من نبات الأرض ﴿يَأْكُلُ النَّاسُ﴾: فعل وفاعل ﴿وَالْأَنْعَامُ﴾: معطوف على ﴿النَّاسُ﴾ والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط
стр. 5309
محذوف، تقديره: مما يأكله الناس والأنعام.
﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾.
﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية ﴿إذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْأَرْضُ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿أَخَذَتِ﴾. ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أَخَذَتِ﴾. ﴿أَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿قَادِرُونَ﴾: خبره. ﴿عَلَيْهَا﴾ متعلق بـ ﴿قَادِرُونَ﴾ وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ظنّ، تقديره: وظن أهلها قدرتهم عليها ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾: فعل ومفعول وفاعل. ﴿لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾: منصوبان على الظرفية الزمانية، متعلقان بـ ﴿أَتَاهَا﴾ وجملة ﴿أتى﴾ جواب ﴿إذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذَا﴾ من فعل شرطها وجوابها مجرور بحتى، بمعنى إلى و ﴿حَتَّى﴾ متعلقة بـ ﴿اختلط﴾ تقديره: فاختلط به نبات الأرض، إلى إتيان أمرنا إياها، وقت أخذها زخرفها، وتزينها به.
﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾ فعل وفاعل ومفعولان، معطوف على جملة ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ ﴿كَأَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، تقديره: كأنها؛ أي: كأن ثمار تلك الأرض وزروعها ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم ﴿تَغْنَ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهي الألف؛ لأنه من غني يغنى، كرضي يرضى، وفاعله ضمير يعود على الأرض، أي: على ثمارها وزروعها. ﴿بِالْأَمْسِ﴾: متعلق به والجملة الفعلية في محل الرفع خبر كأن، تقديره: كأنها عادمة الغنى والوجود بالأمس، وجملة ﴿كَأَنْ﴾ في محل النصب، حال من هاء ﴿جعلناها﴾ تقديره فجعلناها حصيدًا، حالة كونها مشبهة بعدم الغناء بالأمس؛ أي: مشبهًا حالها بحال الشيء الذي لم يوجد بالأمس.
стр. 5310
﴿كَذَلِكَ﴾ صفة لمصدر محذوف، تقديره: تفصيلًا مثل التفصيل السابق ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلق بنفصل. وجملة ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: صفة ﴿لِقَوْمٍ﴾.
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. وجملة ﴿يَدْعُو﴾: خبره والجملة الاسمية مستأنفة ﴿إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ جار ومجرور ومضاف متعلق بـ ﴿يَدْعُو﴾ ﴿وَيَهْدِي مَنْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿يَدْعُو﴾ ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: جار ومجرور، وصفة متعلق بـ ﴿أيَهْدِي﴾ وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: صلة من الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: من يشاءه.
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور، خبر مقدم ﴿أَحْسَنُوا﴾ فعل وفاعل، صلة الموصول ﴿الْحُسْنَى﴾: مبتدأ مؤخر ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: معطوف عليه والجملة مستأنفة ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾؛ معطوف على ﴿قَتَرٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾. ﴿خَالِدُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب حال من ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ أول. ﴿كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، صلة الموصول ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ﴾ مبتدأ ثانٍ، ومضاف إليه ﴿بِمِثْلِهَا﴾ خبر للمبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، والرابط محذوف تقديره؛ جزاء سيئة منهم بمثلها، والجملة من الأول وخبره معطوفة على جملة قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ وفي المقام أوجه كثيرة من الإعراب، أعرضنا عنها صفحًا خوف الإطالة
стр. 5311
﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل والجملة مستأنفة ﴿مَا﴾: نافية ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿عَاصِمٍ﴾ ﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾: مبتدأ مؤخر و ﴿مِنْ﴾: زائدة، والجملة مستأنفة.
﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿كَأَنَّمَا﴾: ﴿كَأَنّ﴾: حرف تشبيه ونصب، ما: كافة لكفها ما قبلها عن العمل فيما بعدها ﴿أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة مستأنفة ﴿قِطَعًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿أُغْشِيَتْ﴾ ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ صفة لـ ﴿قِطَعًا﴾ ﴿مُظْلِمًا﴾: حال من الليل ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾ ﴿خَالِدُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب حال من ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾.
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿يوم﴾ منصوب على الظرفية الزمانية، والظرف متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يوم نحشرهم، والجملة مستأنفة ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾: فعل ومفعول ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ضمير المفعول، وفاعله ضمير، يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يوم﴾ ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف ﴿نَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير، يعود على الله، والجملة في محل الجر، معطوفة على جملة ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿نَقُولُ﴾ ﴿أَشْرَكُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول ﴿مكانكم أنتم وشركاؤكم﴾: مقول محكي لـ ﴿نَقُولُ﴾ وإن شئت قلت: ﴿مَكَانَكُمْ﴾: مفعول لفعل محذوف، تقديره: الزموا مكانكم ﴿أَنْتُمْ﴾ تأكيد لضمير الفاعل، في الفعل المحذوف ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ بالرفع، معطوف على ضمير الفاعل، في الفعل المحذوف، وبالنصب، منصوب على كونه مفعولًا معه، والجملة الفعلية المحذوفة في محل النصب، مقول لـ ﴿نَقُولُ﴾ ﴿فَزَيَّلْنَا﴾ الفاء عاطفة ﴿زيلنا﴾ فعل وفاعل ﴿بَيْنَهُمْ﴾: متعلق به،
стр. 5312
والجملة معطوفة على جملة ﴿نَقُولُ﴾؛ لأنه في تأويل، فنزايل بينهم ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة نقول؛ لأنه في تأويل فنزايل بينهم، ويقول شركاؤهم: ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿مَا﴾ نافية ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿إِيَّانَا﴾: مفعول مقدم ﴿تَعْبُدُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب مقول القول.
﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾.
﴿فَكَفَى﴾: الفاء: عاطفة، ﴿كفى باللهِ﴾: فعل وفاعل. ﴿شَهِيدَا﴾: تمييز لفاعل ﴿كفى﴾ والجملة في محل النصب، معطوف على جملة قوله: ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿بَيْنَنَا﴾ ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿شَهِيدًا﴾ ﴿وَبَيْنَكُمْ﴾: معطوف على ﴿بَيْنَنَا﴾ ﴿إن﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. ﴿كُنَّا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿عَنْ عِبَادَتِكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿غافلين﴾ ﴿لَغَافِلِينَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنْ﴾ المخففة وجملة ﴿إنْ﴾ المخففة في محل النصب مقول على كونها معللة لما قبلها.
﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
﴿هُنَالِكَ﴾: هنا: اسم إشارة للمكان البعيد، في محل النصب على الظرفية المكانية، أو هو مستعار للزمان، اللام: لبعد المشار إليه. والكاف: حرف دال على الخطاب، والظرف متعلق بـ ﴿تَبْلُو﴾ ﴿تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة، في محل النصب على المفعولية ﴿أَسْلَفَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ما أسلفته. ﴿وَرُدُّوا﴾: فعل ونائب فاعل، معطوف على ﴿زيلنا﴾، كما في "الشوكاني" ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿ردوا﴾ ﴿مَوْلَاهُمُ﴾: بدل أول من الجلالة ﴿الْحَقِّ﴾ صفة لـ ﴿مَوْلَاهُمُ﴾، أو بدل ثان من الجلالة ﴿وَضَلَّ﴾ فعل ماض ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به
стр. 5313
﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿رُدُّوا﴾ ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه ﴿يَفْتَرُونَ﴾: فعل وفاعل خبر ﴿كَان﴾ وجملة ﴿كَان﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ما كانوا يفترونه.
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ مقول محكي، وإن شئت، قلت ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام، في محل الرفع ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة في محل الرفع، خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول القول ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاءِ﴾. ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ﴾ أم: عاطفة منقطعة؛ لأنها لم يتقدمها همزة استفهام ولا تسوية، ولكن إنما تقدر هنا، ببل وحدها، دون الهمزة؛ لأنها وقع بعدها اسم استفهام صريح ﴿من﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿يَمْلِكُ السَّمْعَ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿وَالْأَبْصَار﴾: معطوف على السمع، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿مَن﴾ الأولى. ﴿وَمَن﴾ الواو عاطفة من: اسم استفهام مبتدأ. ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿مَن﴾ الاستفهامية، والجملة معطوفة على جملة ﴿مَن﴾ الأولى ﴿مِنَ الْمَيِّتِ﴾: متعلق بـ ﴿يُخْرِجُ﴾ ﴿يُخْرِجُ الْمَيِّتَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿مِنَ الْحَيِّ﴾: متعلق بـ ﴿يُخْرِجُ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿يُخْرِجُ﴾ الأول ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: الواو: عاطفة ﴿مَن﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة في محل الرفع خبر ﴿مَنْ﴾ الاستفهامية، والجملة معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾: الفاء: حرف عطف
стр. 5314
وتفريع ﴿سَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿قُلْ﴾ مفرعة عليها ﴿اللَّهُ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: ذلك الرازق المالك المخرج، المدبر .. الله، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿فَقُلْ﴾: الفاء: حرف عطف وتفريع ﴿قل﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة معطوفة على جملة ﴿سيقولون﴾ ﴿أَفَلَا تَتَّقُون﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: الهمزة: للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، تقديره: أتعلمون ذلك. الفاء: عاطفة على ذلك المحذوف ﴿لَا﴾: نافية ﴿تَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل، ومفعوله محذوف، تقديره: أفلا تتقون عقابه وسخطه، والجملة معطوفة على ذلك المحذوف، على كونها مقول القول.
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.
﴿فَذَلِكُمُ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم، وأردتم بيان ما هو الحق الواجب فأقول لكم ذلكم الله ﴿ذَلِكُمُ﴾: مبتدأ ﴿اللَّهُ﴾ خبر أول ﴿رَبُّكُمُ﴾ خبر ثان. ﴿الْحَقُّ﴾: صفة للرب، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿فَمَاذَا﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم، فذلكم الله ربكم، وأردتم بيان حقيقة الأمر، فأقول لكم: ماذا بعد الحق ﴿ماذا﴾: اسم استفهام، مركب في محل الرفع مبتدأ ﴿بَعْدَ الْحَقِّ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر المبتدأ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿الضَّلَالُ﴾: بدل من الضمير المستكن في الخبر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وإن شئت قلت: ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿ذا﴾: اسم موصول، بمعنى: الذي، في محل الرفع خبر ﴿بَعْدَ الْحَقِّ﴾: ظرف ومضاف إليه، صلة الموصول، تقديره: فما الذي استقر بعد الحق ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿الضَّلَالُ﴾: بدل من الضمير المستكن في الصلة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿فَأَنَّى﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أنه ليس بعد الحق إلا الضلال، وأردتم بيان ما يقال: لكم في التعجب من حالكم .. فأقول لكم: ﴿أنى تصرفون﴾. ﴿أنى﴾: اسم استفهام.
стр. 5315
بمعنى: كيف، في محل النصب على التشبيه بالمفعول به لما بعده ﴿تُصْرَفُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة.
﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف، تقديره: حقًّا مثل حق صرفهم عن الحق ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: إلخ؛ أي: ثبوتًا مثل ثبوت صرفهم عن الحق، ثبتت كلمة ربك على الذين فسقوا، والإشارة راجعة إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ كما ذكره الزمخشري ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حَقَّتْ﴾ ﴿فَسَقُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول ﴿أَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه. وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: خبره وجملة ﴿أَنّ﴾ في تأويل مصدر مرفوع على كونه بدلًا من ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ بدل كل من كل، تقديره: حقت عليهم كلمة ربك، عدم إيمانهم، أو مجرور بلام التعليل المقدرة، أي: حقّت عليهم كلمة ربك، لأملأن جهنم لعدم إيمانهم.
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿قُلْ﴾ مقول محكي، وإن شئت، قلت: ﴿هَل﴾: حرف استفهام ﴿مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير في عود على ﴿مَنْ﴾ والجملة صلة الموصول ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿يَبْدَأُ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ﴾: إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ والجملة خبر عن الجلالة، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لـ ﴿قُلِ﴾ وجملة ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ معطوفة على ﴿يَبْدَؤُا﴾ ﴿فَأَنَّى﴾ الفاء: عاطفة ﴿أنى﴾: اسم استفهام، بمعنى: كيف في محل
стр. 5316
النصب على التشبيه بالمفعول به، والعامل فيه ما بعده. ﴿تُؤْفَكُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾.
﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿قُلْ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿هَلْ﴾ حرف استفهام ﴿مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿يَهْدِي﴾: فعل مضارع ﴿إِلَى الْحَقِّ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿مِنْ﴾ والجملة صلة الموصول ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾؛ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. وجملة ﴿يَهْدِي﴾ خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿لِلْحَقِّ﴾: متعلق بـ ﴿يَهْدِي﴾. ﴿أَفَمَنْ﴾ الهمزة: للاستفهام، التقريري، مقدمة على الفاء العاطفة، لعراقتها في التصدير. ﴿الفاء﴾: حرف عطف وترتيب ﴿من﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ. وجملة ﴿يَهْدِي﴾ صلته ﴿إلَى الْحَقِّ﴾: متعلق به ﴿أَحَقُّ﴾: خبر لـ ﴿مِنْ﴾ الموصولة والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿اللَّهُ يَهْدِي﴾ على كونها مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿أَنْ﴾: مصدرية ﴿يُتَّبَعَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ وجملة ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بالباء المحذوفة، تقديره: أحق بالاتباع ﴿أَمَّنْ﴾ ﴿أَمْ﴾: متصلة لسبقها بهمزة، يطلب بها وبأم التعيين ﴿مَن﴾ اسم موصول مبتدأ. وجملة ﴿لَا يَهِدِّي﴾؛ صلته والخبر محذوف، تقديره: أمن لا يهدي أحق بالاتباع، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿أَفَمَنْ﴾ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ من أعم الأحوال ﴿أنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يُهْدَى﴾ فعل مضارع منصوب بأن، ونائب فاعله ضمير، يعود على ﴿مَن﴾ الموصولة، والجملة الفعلية
стр. 5317
في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء، تقديره: أم لا يهدى إلا إهداءه، أي: إلا إهداء الغير إياه؛ أي: لا يهتدي في حال من الأحوال، إلا في حال إهدائه؛ أي: إهداء الغير إياه، والجواب الأول أحق بالاتباع. ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أن الأول أحق بالاتباع، وأردتم بيان ما يقال: لكم في التعجب من حالكم .. فأقول: ما لكم ﴿مَا﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور خبره، أي فأي شيء ثابت لكم في اتباعكم الباطل، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾ ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿تَحْكُمُونَ﴾ ﴿تَحْكُمُونَ﴾: فعل وفاعل، ومعموله محذوف، تقديره: كيف تحكمون بالباطل، وتجعلون لله أندادًا وشركاء، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾.
﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية. ﴿ما﴾: نافية ﴿يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ﴾؛ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿ظَنًّا﴾: مفعول به ﴿إنَّ الظَّنَّ﴾: ناصب واسمه ﴿لَا يُغْنِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الظَّنَّ﴾ ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾: متعلق به ﴿شَيْئًا﴾: مفعول ﴿يغني﴾ وجملة ﴿لا يغني﴾ في محل الرفع خبر إن، وجملة إن مستأنفة ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿عَلِيمٌ﴾: خبره وجملة إن مستأنفة ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾ ﴿يَفْعَلُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: بما يفعلونه.
التصريف ومفردات اللغة
﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ قال في "الصحاح" الزخرف: الذهب، ثم يشبه به كل مموه مزور، انتهى. والمعنى: أن الأرض أخذت لونها الحسن، المشابه بعضه للون الذهب، وبعضه للون الفضة، وبعضه للون الياقوت، وبعضه للون الزمرد.
стр. 5318
﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ وأصل ازينت تزينت، أدغمت التاء في الزاي، وجيء بألف الوصل؛ لأن الحرف المدغم فيه قائم مقام حرفين، أولهما ساكن، والساكن لا يمكن الابتداء به، ثم حذفت همزة الوصل لما دخل العاطف عليه. ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾؛ أي: كأن لم يكن زرعها موجودًا فيه بالأمس، مخضرًا طريًّا من غني بالمكان بالكسر يغنى بالفتح، من باب رضي إذا أقام به، والمراد بالأمس الوقت القريب. والمغاني في اللغة: المنازل.
﴿يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ دار السلام: هي الجنة. والسلام: السلامة من جميع الشوائب والنقائص والأكدار. وقال الزجاج: والمعنى: والله يدعو إلى دار السلامة. ومعنى السلام والسلامة واحد، كالرضاع والرضاعة، ومنه قول الشاعر:
تُحَيَّى بِالسَّلاَمَةِ أُمُّ بَكْرٍ ... وَهَلْ لَكَ بَعْدَ قَوْمِكَ مِنْ سَلاَمِ
وقد مر في تفسيره أقوال.
﴿الْحُسْنَى﴾ الحسنى: مؤنث الأحسن. قال ابن الأنباري: العرب توقع هذه اللفظة على الخصلة المحبوبة المرغوب فيها، ولذلك ترك موصوفها. والمراد بها هنا، الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم كما مر ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾؛ معنى يرهق، يلحق، ومنه قيل: غلام مراهق إذا لحق بالرجال. والرهق: الغشيان، يقال: رهقه يرهقه رهقًا، من باب طرب إذا غشيه بسرعة ومنه ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾؛ أي: لا تكلفني ما يشق عليّ ويعسر. ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ يقال: رهقته وأرهقته، مثل ردفته وأردفته، ففعل وأفعل بمعنى. ومنه أرهقت الصلاة إذا أخرتها حتى غشي وقت الأخرى؛ أي: دخل. وقال بعضهم: أصل الرهق: المقاربة، ومنه غلام مراهق، أي: قارب الحلم. ﴿والقتر﴾ والقترة؛ الغبار معه سواد، يقال: قتر، كفرح ونصر وضرب. وقيل: القتر: الدخان الساطع من الشواء والحطب، ومنه غبار القدر. وقيل: القتر: التقليل، ومنه ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ ويقال: قترت الشيء وأقترته وقترته؛ أي: قللته: ومنه ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ اهـ "سمين". والذلة: ما يظهر على الوجه من الخضوع والانكسار والهوان، والعاصم: المانع.
стр. 5319
﴿قِطَعًا﴾ جمع قطعة، كسدرة وسدر وكسرة وكسر، والقطعة الجزء من الشيء ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ الحشر: الجمع من كل جانب إلى موقف واحد، كما مر. ﴿مَكَانَكُمْ﴾ ومكانكم: كلمة يراد بها التهديد والوعيد؛ أي: الزموا مكانكم. ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: فرقنا وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا، يقال: زيلته فتزيل؛ أي: فرقته فتفرق، والمزايلة المفارقة، يقال: زايله زيالًا،، إذا فارقه، والتزايل التباين. واختلف في زيل، هل وزنه فعل، أو فيعل، والظاهر الأول، والتضعيف فيه للتكثير لا للتعدية؛ لأن ثلاثيه متعد بنفسه. حكى الفراء: زلت الضأن من المعز، ويقال: زلت الشيء عن مكانه، أزيله، وهو على هذا من ذوات الياء، والثاني أنه فيعل، كبيطر وهو من زال يزول، والأصل زيولنا فاجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون فأعلت الإعلال المشهور، وهو قلب الواو ياء وإدغام الياء فيها، كميت وسيد، في ميوت وسيود، وعلى هذا، فهو من مادة الواو، وإلى هذا ذهب ابن قتيبة وتبعه أبو البقاء، اهـ "سمين".
﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ﴾ وفي "المختار" البلية والبلاء والبلوى واحد، والجمع البلايا، اهـ. ومعنى الكل: الاختبار وفي "السمين": وفي هنالك وجهان: الظاهر منهما بقاؤه على أصله، من دلالته على ظرف المكان، أي: في ذلك الموقف الدحض والمكان الدهش. وقيل: هو هنا ظرف زمان على سبيل الاستعارة، ومثله ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: في ذلك الوقت.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التشبيه (١) المركب في قوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ حيث شبهت حال الدنيا في سرعة زوالها، وانقراض نعيمها بعد الإقبال، بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطامًا، بعد ما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه، قاله الزمخشري.
стр. 5320
ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ حيث جعلت الأرض في زينتها، بما عليها من أصناف النبات، كالعروس التي أخذت من أنواع الثياب والزينة، فتزينت بها، ذكره أبو السعود.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿حَصِيدًا﴾؛ أي: كالمحصود وهو ما حذف فيه الأداة، ووجه الشبه.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿أتَاهَا أَمْرُنَا﴾؛ لأن الأمر هنا كناية عن العذاب والدمار.
ومنها: إطلاق الخاص بمعنى العام في قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾؛ لأن المراد بالأمس الزمن الماضي، لا خصوص اليوم الذي قبل يومك.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾، وفي قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
ومنها: الطباق بين كلمتي الحي والميت في قوله: ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾، وبين كلمتي يبدأ ويعيد في قوله: ﴿مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، وبين كلمتي الحق والضلال في قوله: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، وفي قوله: ﴿مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿دَارِ السَّلَامِ﴾ إن قلنا: إن السلام من أسماء الله تعالى.
ومنها: الوعيد والتهديد في قوله: ﴿مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾؛ لأن المراد من هذا الأمر وعيدهم وتهديدهم وإهانتهم، وإلا فالمؤمنون يلزمون بالوقوف أيضًا حتى يسألوا ويحاسبوا.
стр. 5321
ومنها: التأكيد بقوله: ﴿أَنْتُمْ﴾؛ لأنه تأكيد للضمير المستتر في الفعل المحذوف.
ومنها: الإضافة لأدنى ملابسة في قوله: ﴿وقال شركاؤهم﴾؛ لأنه جعل الأصنام شركاءهم، من حيث إنهم اتخذوها شركاء لله في استحقاق العبادة.
ومنها: التفنن في قوله: ﴿مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ حيث عدى أولًا بإلى وثانيًا باللام.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ وكان من قولهم: إنه افتراء .. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى﴾؛ أي: ما صح ولا استقام، أن يكون هذا القرآن المعجز مفترى.
وعبارة "المراغي": مناسبتها لما قبلها: أنه لما ذكر الله الأدلة على أن القرآن من عنده، وأن محمدًا ﷺ ، عاجز كغيره عن الإتيان بمثله، ثم أتى بالحجج على بطلان شركهم، واتباع أكثرهم لأدنى الظن، وأضعفه في عقائدهم .. عاد إلى الكلام في تفنيد رأيهم في الطعن علي القرآن، بمقتضى هذا الظن الضعيف، لدى الأكثرين منهم، والجحود والعناد من الأقلين كالزعماء والمستكبرين.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (١) بيّن في الآية السالفة، أنهم كذبوا بالقرآن قبل أن يأتيهم تأويله، وقبل أن يحيطوا بعلمه .. أردف ذلك بذكر حالهم بعد أن يأتيهم التأويل المتوقع، وبين أنهم حينئذٍ يكونون فريقين، فريق يؤمن به، وفريق يستمر على كفره وعناده.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما أنبأ رسوله ﷺ ، بأن من قومه من لا يؤمن به لا حالًا ولا استقبالًا، بل يصرون على التكذيب بعد ما جاءتهم البينات، وكان من شأنه ﷺ أن يطيل الحزن والأسف إن لم يؤمنوا بهذا الحديث .. ذكر سبب هذا، وهو أنهم قوم طبع الله على قلوبهم، وفقدوا الاستعداد للإيمان، فلا وسيلة له ﷺ في إصلاح حالهم، ولا قدرة له على هدايتهم.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما وصف هؤلاء المشركين بترك التدبر والإصغاء، وتكذيبهم للرسول، ﷺ ، والقرآن، قبل أن يأتيهم تأويله .. قفّى على ذلك بالوعيد، بما سيكون لهم من الجزاء على هذا يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ...﴾ الآية،
стр. 5324
مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما بين (١) الله في الآية السالفة، أن هؤلاء المشركين الذين كذبوا بلقاء الله تعالى، قد خسروا، وما كانوا مهتدين، وهذا يتضمن تهديدًا ووعيدًا بالعذاب الذي سيلقونه في الدنيا والآخرة .. أردف ذلك ببيان أن بعض هذا العذاب ستراه أيها الرسول الكريم، وتقر عينك برؤيته، وبعض آخر سيكون لهم يوم الجزاء، وهو عليم بما فعلوه، فيجازيهم به قدر ما يستحقون.
قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما بين (٢) الله حال الرسول ﷺ في قومه .. بين حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم، تسليةً له، وتطمينًا لقلبه، ودلت الآية على أنه تعالى ما أهمل أمة، بل بعث إليها رسولًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ...﴾ الآية، مناسبة (٣) هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر العذاب، وأقسم على حقيقته، وأنهم لا يفلتون منه .. ذكر بعض أحوال الظالمين في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما سألوا عما وعدوا به من العذاب، أحق هو، وأجيبوا بأنه، حق لا محالة، وكان ذلك جوابًا كافيًا لمن وفقه الله تعالى للإيمان كما كان جوابًا للأعرابي، حين سأل الرسول ﷺ : الله أرسلك؟ وقوله ﵇ له: "اللهم نعم" فقنع بإخباره ﷺ ، إذ علم أنه لا يقول إلا الحق والصدق، كما قال هرقل: لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله .. انتقل من هذا الجواب إلى ذكر البرهان القاطع على حجته، وتقريره بأن القول بالنبوة والمعاد، يتفرعان على إثبات الإله القادر الحكيم، وأن ما سواه فهو مِلْكُهُ ومُلْكُهُ، فعبر عن هذا بهذه الآية، وكان قد استقصى الدلائل على ذلك في هذه
стр. 5325
السورة في قوله: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ...﴾ الآية، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ فاكتفى هنا عن ذكرها. وإذا كان جميع ما في العالم مِلْكُهُ ومُلْكُة كان قادرًا على كل الممكنات عالمًا بكل المعلومات غنيًّا عن جميع الحاجات منزهًا عن النقائص والآفات، وبكونه قادرًا على الممكنات، كان قادرًا على إنزال العذاب على الكفار في الدنيا والآخرة، وقادرًا على تأييد رسوله بالدلائل، وإعلاء دينه، فبطل الاستهزاء والتعجيز، وبتنزيهه عن النقائص كان منزهًا عن الخلف والكذب، فثبت أن قوله: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مقدمة توجب الجزم بصحة قوله: ﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ذكره "أبو حيان".
أسباب النزول
وأما أسباب النزول فليست في هذه الآيات ولم نر من ذكر شيئًا منها في هذه الآيات المذكورة.
التفسير وأوجه القراءة
٣٧ - ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ﴾؛ أي: وما صح أن يكون هذا القرآن المشحون بفنون الحجج الناطقة، ببطلان الشرك وحقية التوحيد ﴿أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: مفترى من الخلق ﴿وَلَكِنْ﴾ كان القرآن ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، أي: مصدق الذي قبله وأمامه، من الكتب الإلهية المنزلة على الأنبياء قبله، كالتوراة والإنجيل؛ أي: مصدقًا لها وموافقًا لها، في العقائد وبعض الفروع.
ووقعت (١) لكن هنا، أحسن موقع إذ هي بين نقيضين، وهما الكذب، والصدق المضمن للتصديق ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع، في اللوح المحفوظ من قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ومبينًا لما كتبه الله تعالى على عباده حالة كونه ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك في كونه ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: منزلًا من مالك العالمين، ﷻ .