← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

ومنها: التأكيد بقوله: ﴿أَنْتُمْ﴾؛ لأنه تأكيد للضمير المستتر في الفعل المحذوف. ومنها: الإضافة لأدنى ملابسة في قوله: ﴿وقال شركاؤهم﴾؛ لأنه جعل الأصنام شركاءهم، من حيث إنهم اتخذوها شركاء لله في استحقاق العبادة. ومنها: التفنن في قوله: ﴿مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ حيث عدى أولًا بإلى وثانيًا باللام. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 5322

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (١) قدم قولهم: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ

стр. 5323

هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ وكان من قولهم: إنه افتراء .. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى﴾؛ أي: ما صح ولا استقام، أن يكون هذا القرآن المعجز مفترى. وعبارة "المراغي": مناسبتها لما قبلها: أنه لما ذكر الله الأدلة على أن القرآن من عنده، وأن محمدًا ﷺ ، عاجز كغيره عن الإتيان بمثله، ثم أتى بالحجج على بطلان شركهم، واتباع أكثرهم لأدنى الظن، وأضعفه في عقائدهم .. عاد إلى الكلام في تفنيد رأيهم في الطعن علي القرآن، بمقتضى هذا الظن الضعيف، لدى الأكثرين منهم، والجحود والعناد من الأقلين كالزعماء والمستكبرين. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (١) بيّن في الآية السالفة، أنهم كذبوا بالقرآن قبل أن يأتيهم تأويله، وقبل أن يحيطوا بعلمه .. أردف ذلك بذكر حالهم بعد أن يأتيهم التأويل المتوقع، وبين أنهم حينئذٍ يكونون فريقين، فريق يؤمن به، وفريق يستمر على كفره وعناده. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما أنبأ رسوله ﷺ ، بأن من قومه من لا يؤمن به لا حالًا ولا استقبالًا، بل يصرون على التكذيب بعد ما جاءتهم البينات، وكان من شأنه ﷺ أن يطيل الحزن والأسف إن لم يؤمنوا بهذا الحديث .. ذكر سبب هذا، وهو أنهم قوم طبع الله على قلوبهم، وفقدوا الاستعداد للإيمان، فلا وسيلة له ﷺ في إصلاح حالهم، ولا قدرة له على هدايتهم. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما وصف هؤلاء المشركين بترك التدبر والإصغاء، وتكذيبهم للرسول، ﷺ ، والقرآن، قبل أن يأتيهم تأويله .. قفّى على ذلك بالوعيد، بما سيكون لهم من الجزاء على هذا يوم القيامة. قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ...﴾ الآية،

стр. 5324

مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما بين (١) الله في الآية السالفة، أن هؤلاء المشركين الذين كذبوا بلقاء الله تعالى، قد خسروا، وما كانوا مهتدين، وهذا يتضمن تهديدًا ووعيدًا بالعذاب الذي سيلقونه في الدنيا والآخرة .. أردف ذلك ببيان أن بعض هذا العذاب ستراه أيها الرسول الكريم، وتقر عينك برؤيته، وبعض آخر سيكون لهم يوم الجزاء، وهو عليم بما فعلوه، فيجازيهم به قدر ما يستحقون. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما بين (٢) الله حال الرسول ﷺ في قومه .. بين حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم، تسليةً له، وتطمينًا لقلبه، ودلت الآية على أنه تعالى ما أهمل أمة، بل بعث إليها رسولًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ...﴾ الآية، مناسبة (٣) هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر العذاب، وأقسم على حقيقته، وأنهم لا يفلتون منه .. ذكر بعض أحوال الظالمين في الآخرة. قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما سألوا عما وعدوا به من العذاب، أحق هو، وأجيبوا بأنه، حق لا محالة، وكان ذلك جوابًا كافيًا لمن وفقه الله تعالى للإيمان كما كان جوابًا للأعرابي، حين سأل الرسول ﷺ : الله أرسلك؟ وقوله ﵇ له: "اللهم نعم" فقنع بإخباره ﷺ ، إذ علم أنه لا يقول إلا الحق والصدق، كما قال هرقل: لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله .. انتقل من هذا الجواب إلى ذكر البرهان القاطع على حجته، وتقريره بأن القول بالنبوة والمعاد، يتفرعان على إثبات الإله القادر الحكيم، وأن ما سواه فهو مِلْكُهُ ومُلْكُهُ، فعبر عن هذا بهذه الآية، وكان قد استقصى الدلائل على ذلك في هذه

стр. 5325

السورة في قوله: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ...﴾ الآية، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ فاكتفى هنا عن ذكرها. وإذا كان جميع ما في العالم مِلْكُهُ ومُلْكُة كان قادرًا على كل الممكنات عالمًا بكل المعلومات غنيًّا عن جميع الحاجات منزهًا عن النقائص والآفات، وبكونه قادرًا على الممكنات، كان قادرًا على إنزال العذاب على الكفار في الدنيا والآخرة، وقادرًا على تأييد رسوله بالدلائل، وإعلاء دينه، فبطل الاستهزاء والتعجيز، وبتنزيهه عن النقائص كان منزهًا عن الخلف والكذب، فثبت أن قوله: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مقدمة توجب الجزم بصحة قوله: ﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ذكره "أبو حيان". أسباب النزول وأما أسباب النزول فليست في هذه الآيات ولم نر من ذكر شيئًا منها في هذه الآيات المذكورة. التفسير وأوجه القراءة ٣٧ - ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ﴾؛ أي: وما صح أن يكون هذا القرآن المشحون بفنون الحجج الناطقة، ببطلان الشرك وحقية التوحيد ﴿أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: مفترى من الخلق ﴿وَلَكِنْ﴾ كان القرآن ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، أي: مصدق الذي قبله وأمامه، من الكتب الإلهية المنزلة على الأنبياء قبله، كالتوراة والإنجيل؛ أي: مصدقًا لها وموافقًا لها، في العقائد وبعض الفروع. ووقعت (١) لكن هنا، أحسن موقع إذ هي بين نقيضين، وهما الكذب، والصدق المضمن للتصديق ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام والشرائع، في اللوح المحفوظ من قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ومبينًا لما كتبه الله تعالى على عباده حالة كونه ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك في كونه ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: منزلًا من مالك العالمين، ﷻ .

стр. 5326

أي: وما كان ينبغي لهذا القرآن، أن يختلق ويفتعل؛ لأن معنى الافتراء: الاختلاق، والمعنى ليس وصف القرآن: وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله؛ لأن المفترى هو الذي يأتي به البشر، وذلك أن كفار مكة، زعموا أن محمدًا، ﷺ ، أتى بهذا القرآن من عند نفسه، على سبيل الافتعال والاختلاق، فأخبر الله تعالى أن هذا القرآن وحي، أنزله الله عليه، وأنه مبرأ عن الافتراء والكذب، وأنه لا يقدر عليه أحد إلا الله، ثم ذكر ما يؤكد ذلك بقوله: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب المنزلة، ونفس هذا التصديق، معجزة مستقلة؛ لأن أقاصيصه موافقة لما في الكتب المتقدمة، مع أن النبي، ﷺ ، لم يطلع على ذلك ولا تعلمه ولا سأل عنه، ولا اتصل بمن له علم بذلك. وقيل (١) المعنى: ولكن القرآن ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب؛ أي: إنها قد بشرت به قبل نزوله، فجاء مصدقًا لها. وقيل المعنى: ولكن تصديق النبي الذي بين يدي القرآن، وهو محمَّد، ﷺ ؛ لأنهم شاهدوه قبل أن يسمعوا منه القرآن. والخلاصة (٢): أي لا يصح ولا يعقل أن يفتريه أحد على الله من دونه، وينسبه إليه، إذ لا يقدر على ذلك غيره ؛ فإن ما فيه من علوم عالية، وحكم سامية، وتشريع عادل، وآداب اجتماعية، وإنباء بالغيوب الماضية، والمستقبلة، ليس في طوق البشر، ولا هو داخل تحت قدرته، وفي حيّز مكنته، ولئن سلم أن بشرًا في مكنته ذلك، فلن يكون إلا أرقى الحكماء والأنبياء والملائكة، ومثل هذا لن يفترى على الله شيئًا. ولقد ثبت أن أشد أعداء النبي ﷺ ، وهو أبو جهل، قال: إن محمدًا لم يكذب على بشر قط، أفيكذب على الله؟! ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: ولكن كان تصديق الذي تقدمه من الوحي، لرسل الله تعالى بالإجمال، كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله عليهم وسلامه، بدعوته إلى أصول الدين الحق، من الإيمان بالله واليوم الآخر، وصالح الأعمال، بعد أن نسي بعض بقية

стр. 5327

أتباعهم، وضلوا عن بعض، ولم يكن محمَّد النبي الأمي، يعلم شيئًا من ذلك، لولا الوحي عن ربه. ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: وتفصيل ما كتب وأثبت من الشرائع والأحكام والعبر والمواعظ وشؤون الاجتماع ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ أي: لا ينبغي لعاقل أن يرتاب فيه، لوضوح برهانه؛ لأنه الحق والهدى ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: من وحيه، لا افتراء من عند غيره، ولا اختلاقًا كما قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. ٣٨ - وبعد أن أبان ، أنه أجل وأعظم من أن يفترى، لعجز الخلق عن الإتيان بمثله .. انتقل إلى حكاية زعم هؤلاء الجاهلين والمعاندين، الذين قالوا: إن محمدًا، ﷺ ، قد افتراه، وفنّد مزاعمهم، وتعجب من حالهم، وشنيع مقالهم، وتحداهم أن يأتوا بمثله، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ (١) وأم فيه إما منقطعة، تقدر، ببل، والهمزة التي للإنكار عند سيبويه وأتباعه، وعليه فهو انتقال عن الكلام الأول، وأخذ في إنكار قول آخر، والمعنى عليه: بل أيقولون افترى هذا القرآن واختلقه محمَّد، ﷺ ، من عند نفسه، وإما متصلة، ولا بد حينئذٍ من حذف جملة، ليصح التعادل، والتقدير: أيقرون بحقية القرآن، أم يقولون: افتراه؛ أي: بل يقول كفار مكة: اختلق محمَّد، ﷺ ، القرآن من تلقاء نفسه؛ أي: ما كان ينبغي أن تقولوا: إن محمدًا، ﷺ ، افتراه من عند نفسه، واختلقه. ﴿قُلْ﴾: لهم، يا محمَّد، إظهارًا لبطلان مقالتهم الفاسدة: إن كان الأمر كما تقولون من أني اختلقته وافتريته .. ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾؛ أي: بسورة واحدة مماثلة لهذا القرآن، في الفصاحة والبلاغة، وحسن تركيبه وأسلوبه، ورزانة معانيه وعلمه، مفتراة من عند أنفسكم، فإن لساني لسانكم، وكلامي كلامكم، وأنتم أشد مني تمرنًا وتمرسًا للنثر والنظم منه ﴿وَادْعُوا﴾ للمعاونة والمساعدة ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقدرتم دعاءه وطلبه ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ أي: من أصنامكم وآلهتكم

стр. 5328

التي تزعمون أنها ممدة لكم في المهمات والملمات، أو من سائر خلق الله تعالى وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿وَادْعُوا﴾ ودون جار مجرى أداة الاستثناء؛ أي: ادعوا سواه تعالى، ممن استطعتم من خلقه، ذكره: أبو السعود ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أني افتريته؛ أي: واطلبوا من يعينكم على ذلك من دون الله، ولن تستطيعوا أن تفعلوا شيئًا من ذلك، فإن جميع الخلق عاجزون عن هذا ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾. وإذ قد (١) عجزتم عن ذلك، مع شدة تمرسكم، ولم يوجد في كلام أولئك، الذين نصبت لهم المنابر في سوق عكاظ، وبهم دارت رحى النظم والنثر، وتقضت أعمارهم في الإنشاء والإنشاد، مثله فهو ليس من كلام البشر، بل هو من كلام خالق القوى والقدر. ومن البيّن أنه ما كان لعاقل مثله، ﷺ ، أن يتحداهم هذا التحدي، لو لم يكن موقنًا، أن الإنس والجن لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذا القرآن في جملته، ولا بسورة مثله، إذ لو كان هو الذي أنشأه وألفه لمصلحة الناس برأيه لكان عقله وذكاؤه، يمنعانه من الجزم بعجز عقلاء الخلق، من العوالم الظاهرة والباطنة عن الإتيان بسورة مثل ما أتى هو به. إذ العاقل الفطن يعلم أن ما يمكنه من الأمر، قد يمكن غيره، بل ربما وجد من هو أقدر منه عليه. والخلاصة: أن محمدًا ﷺ كان على يقين بأنه من عند ربه، وأنه ﷺ كغيره لا يقدر على الإتيان بمثله. وقرأ (٢) الجمهور ﴿تصديق﴾ ﴿وتفصيل﴾ بالنصب على أنه خبر لكان المحذوفة كما قدرناه في الحل. وقيل: انتصب على أنه مفعول لأجله، والعامل محذوف تقديره: ولكن أنزل للتصديق. وقرأ عيسى بن عمر ﴿تفصيل﴾ و ﴿تصديق﴾ بالرفع هنا، وفي يوسف على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: ولكن هو تصديق. وزعم الفراء ومن تابعه: أن العرب إذا قالت: ولكن بالواو، آثرت

стр. 5329

تشديد النون، وإذا لم تكن الواو، آثرت التخفيف. وقد جاء في السبعة مع الواو التشديد والتخفيف وقرأ عمرو بن فائد: ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ على الإضافة؛ أي: بسورة كتاب أو كلام مثله؛ أي: مثل القرآن. ٣٩ - ثم انتقل من إظهار بطلان ما قالوه في القرآن، بتحديه لهم، إلى إظهار بطلانه ببيان أن كلامهم ناشيء من عدم علمهم بحقيقة أمره، واختبار حاله، فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ وبل، فيه للإضراب الانتقالي أضرب بها عن الكلام الأول، وانتقل إلى بيان أنهم، سارعوا إلى تكذيب القرآن؛ أي: بل هم سارعوا إلى تكذيب القرآن، من غير أن يتدبروا ما فيه، ويقفوا على ما احتوى عليه من الأدلة والبراهين الدالة على حقيقته. وقيل (١) معناه: بل كذبوا بما في القرآن من ذكر الجنة والنار والحشر والقيامة والثواب والعقاب وغيرها، مما لم يحيطوا بعلمه؛ لأنهم كانوا ينكرون ذلك له. وقيل: إنهم لما سمعوا ما في القرآن من القصص، وأخبار الأمم الحالية، ولم يكونوا سمعوها قبل ذلك .. أنكروها لجهلهم، فرد الله عليهم بقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾؛ لأن القرآن العظيم مشتمل على علوم كثيرة، لا يقدر على استيعابها وتحصيلها ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ معطوف على ﴿لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾؛ أي: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وبما لم يأتهم تأويله، أو هذه الجملة في محل نصب على الحال؛ أي: كذبوا به، حال كونهم لم يفهموا تأويل ما كذبوا به، ولا بلغته عقولهم. والمعنى: أن التكذيب منهم وقع قبل الإحاطة بعلمه، وقيل: أن يعرفوا ما يؤول إليه من صدق ما اشتمل عليه، من حكاية ما سلف من أخبار الرسل المتقدمين، والأمم السابقين، ومن حكايات ما سيحدث، من الأمور المستقبلة التي أخبر عنها قبل كونها، أو قبل أن يفهموه حق الفهم. وخلاصة ذلك: أنهم على إعجاز القرآن من جهة اللفظ والمعنى والإخبار

стр. 5330

بالغيب، قد أسرعوا في تكذيبه قبل أن يتدبروا أمره، أو ينتظروا وقوع ما أخبر به، وفي تكذيب الشيء قبل علمه المتوقع حصوله، شناعة وقصر نظر، لا تخفى على عاقل، وفيه دليل على أنهم مقلدون. ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك التكذيب من غير تدبر ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ما كذبوا من المعجزات، التي ظهرت على أيدي أنبيائهم، عندما جاءتهم رسلهم بحجج الله وبراهينه، فإنهم كذبوا به قبل أن يحيطوا بعلمه، وقبل أن يأتيهم تأويله من عذاب الله، الذي أوعدهم به. ﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمَّد ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم بتكذيب رسلهم، من الأمم السالفة من سوء العاقبة، بالخسف والمسخ، ونحو ذلك من العقوبات، التي حلت بهم، لتعلم مصير من ظلموا أنفسهم من بعدهم، وهذه العاقبة هي التي بينها الله تعالى في قوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ . وقد أنذر الله قوم محمَّد، ﷺ ؛ بمثل ما نزل بالأمم قبلهم في الدنيا، بهذه الآية وغيرها، من هذه السورة، كما أنذرهم عذاب الآخرة؛ وكذبه المعاندون المقلدون في كل ذلك، ظنًّا منهم أنه لا يقع. ٤٠ - ﴿وَمِنْهُمْ﴾؛ أي: ومن هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ في نفسه، ويعلم أنه صدق وحق؛ ولكنه كذب به مكابرةً وعنادًا. وقيل المراد: ومنهم من يؤمن به في المستقبل، وإن كذب به في الحال؛ أي: ومن هؤلاء المكذبين من يؤمن به حين إتيان تأويله، وظهور حقيقته، بعد أن سعوا في معارضته، ورازوا قواهم فيها، فتضاءلت دونها ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ولا يصدقه في نفسه، بل كذب به جهلًا، أو ومنهم من لا يؤمن به في المستقبل، بل يبقى على جحوده وإصراره على الكفر. وقيل: الضمير في الموضعين للنبي، ﷺ ، وقد قيل: إن هذا التقسيم خاص بأهل مكة، وقيل عام في جميع الكفار ﴿وَرَبُّكَ﴾ يا محمَّد ﴿أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: بمن يفسدون في الأرض، بالشرك والظلم والبغي،

стр. 5331

لفقدهم الاستعداد للإيمان، وهؤلاء سيعذبهم في الدنيا، ويخزيهم وينصركم عليهم، ويجزيهم في الآخرة بأعمالهم، لفسادهم وسوء معتقداتهم. ٤١ - ثم أمر الله رسوله ﷺ بأن يقول لهم بالبراءة بينه وبينهم إن أصروا على تكذيبه واستمروا عليه فقال: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾؛ أي: وإن أصروا على تكذيبك يا محمَّد ﴿فَقُلْ﴾ لهم ﴿لِي عَمَلِي﴾؛ أي: جزاء عملي، وهو البلاغ والإنذار والتبشير، وما أنا بمسيطر ولا جبار ﴿وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾؛ أي: جزاء عملكم من الشرك والظلم والفساد، الذي تجزون به يوم الحساب، فقد أبلغت إليكم ما أمرت بإبلاغه، وليس عليَّ غير ذلك، والمعنى: وإن تمادوا على تكذيبك، فتبرأ منهم، فقد أعذرت وبلغت. ثم أكد هذا بقوله: ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ﴾؛ أي: لا تؤاخذوا بعملي ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: ولا أؤاخذ بعملكم، وهذا مثل قوله: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾. وقد قيل: إن هذا منسوخ بآية السيف، كما ذهب إليه جماعة من المفسرين. وقال المحققون منهم: ليست بمنسوخة ٤٢ - ﴿وَمِنْهُمْ﴾؛ أي: ومن هؤلاء المشركين المكذبين ﴿مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾؛ أي: ناس يصيخون إليك بأسماعهم الظاهرة إذا قرأت القرآن، أو بينت ما فيه من أصول الشرائع والأحكام، ولكنهم لا يسمعون في الحقيقة، إذ يستمعون لعدم حصول أثر السماع، وهو حصول القبول، والعمل بما يسمعونه، فهم لا يتدبرون القول، ولا يتفقهون ما يراد منه، بل جل همهم أن يتسمعوا غرابة نظمه وجرس صوته، بترتيله كمن يستمع إلى الطائر، يغرد على غصن الشجرة ليتلذذ بصوته، لا ليفهم ما يغرد به. وقد وصف الله حالهم في آي أخرى فقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. والآن نرى من المسلمين، من يستمع إلى قراءة القرآن، من قارئ حسن الصوت، أو من آلات اللهو العصرية، للتلذذ بترتيله، وتوقيع صوته، لا لينتفع بعظاته وعبره، ولا ليفهم عقائده وأحكامه، وجمع الضمير في ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ حملًا

стр. 5332

على معنى من وأفرده في ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ﴾ حملًا على لفظه. والهمزة في قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أأنت تطمع إسماع الصم، فأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون. وقيل التقدير: أيستمعون إليك فأنت تسمعهم كما في "الشوكاني". والمعنى: أنت لا تقدر أن تسمع من سلبه الله السمع. ومعنى قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: ولو كان مع الصمم عدم العقل، وجواب الشرط محذوف، دل عليه ما قبله، وجملة الشرط معطوفة على محذوف تقديره: أأنت تسمع الصم إن عقلوا، بل ولو كانوا لا يعقلون فأنت لا تسمعهم، فيكون المعنى أنت لا تسمع الصم، عقلوا أو لم يعقلوا، فهم كالأنعام، بل هم أضل؛ أي: إن السماع النافع للمستمع، هو الذي يعقل به ما يسمعه، ويفقهه، ويعمل به، ومن فقد هذا كان كالأصم، الذي لا يسمع، وإنك أيها الرسول الكريم، لم تؤت القدرة على إسماع الصم، الذين فقدوا حاسة السمع حقيقة، فكذلك لا تستطيع أن تسمع إسماعًا نافعًا من في حكمهم، وهم الذين لا يعقلون ما يسمعون، ولا يفقهون معناه، فيهتدوا به وينتفعوا بعظاته. ٤٣ - ﴿وَمِنْهُمْ﴾؛ أي: ومن هؤلاء المشركين ﴿مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾؛ أي: من يتجه نظره إليك، ويبصرك بعينه الظاهرة، حين تقرأ القرآن، ولكنه لا يبصر ما آتاك الله من نور الإيمان والخلق العظيم، وأمارات الهدى، والتزام الصدق، والهمزة في قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ للاستفهام الإنكاري أيضًا، داخله على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أأنت تطمع أنك تقدر على إبصار العمي، فأنت تهدي العمي. وقيل: التقدير: أينظرون إليك، فأنت تهديهم، كما في "الشوكاني". ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾؛ أي: أتحسب أنك تقدر على هداية العمى، ولو انضم إلى فقد البصر فقد البصيرة؛ لأن الأعمى الذي له في قلبه بصيرة، قد يحدس؛ وأما العمى مع الحمق فجهد النبلاء وقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾؛ أي: لا يتأملون ولا يفكرون بقلوبهم فيما جئت به من الدلائل العظيمة والشمائل الفخيمة، معطوف على محذوف، تقديره: أأنت تهدي العمي إن أبصروا، بل ولو كانوا لا يبصرون، والمعنى: أنت لا تهدي عمي القلوب،

стр. 5333

أبصروا أو لم يبصروا. وخلاصة ما تقدم: أن هداية الدين كهداية الحس، لا تكون إلا للمستعد بهداية العقل، وأن هداية العقل لا تحصل إلا بتوجيه النفس وصحة القصد، وهؤلاء قد انصرفت نفوسهم عن استعمال عقولهم استعمالًا نافعًا في الدلائل البصرية والسمعية، لإدراك، أي مطلب من المطالب الشريفة التي وراء شهواتهم وتقاليدهم. والمقصود من هذا الكلام، تسلية رسول الله، ﷺ ، فإن الطبيب إذا رأى مريضًا لا يقبل العلاج أصلًا، أعرض عنه واستراح من الاشتغال به ٤٤ - ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ بسلب حواسهم وعقولهم ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بإفساد الحواس والعقول، وتفويت منافعها عليها، فإن الفعل منسوب إليهم، بسبب الكسب وإن كان قد سبق قضاء الله وقدره فيهم، وتقدير الشقاوة عليهم لا يكون منه تعالى ظلمًا؛ لأنه يتصرف في ملكه كيف يشاء، والخلق كلهم عبيده، وكل من تصرف في ملكه لا يكون ظالمًا. والمعنى: أنه تعالى لم يكن في سننه في خلقه أن ينقصهم شيئًا من الأسباب، التي يهتدون باستعمالها إلى ما فيه خيرهم، من إدراكات وإرشادات إلى الحق بإرسال الرسل ونصب الأدلة التي توصلهم إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة، ولكن الناس يظلمون أنفهسم وحدها دون غيرها؛ لأن عقاب ظلمهم واقع عليها فهم يجنون عليها بكفرهم، بما أنعم الله عليهم من هدايات المشاعر والعقل والدين بعدم استعمالها فيما خلقت لأجله، من اتباع الحق في الاعتقاد والهدى في الأعمال، وذلك هو الصراط المستقيم الموصل لسعادة الدارين. وقال الشوكاني: ذكر هذا عقب ما تقدم من عدم الاهتداء بالأسماع والأبصار، لبيان أن ذلك لم يكن لأجل نقص فيما خلقه الله لهم، من السمع والعقل والبصر والبصيرة، بل لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق، والمجادلة بالباطل والإصرار على الكفر، فهم الذين ظلموا أنفسهم بذلك، ولم يظلمهم الله شيئًا من الأشياء، بل خلقهم وجعل لهم من المشاعر، ما يدركون به أكمل إدراك، وركب فيهم من الحواس ما يصلون به إلى ما يريدون، ووفر

стр. 5334

مصالحهم الدنيوية عليهم، وخلى بينهم وبين مصالحهم الدينية. وقرأ (١) حمزة والكسائي: ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ﴾ بتخفيف النون وكسرها، لالتقاء الساكنين ورفع الناس. وقرأ الباقون: بتشديدها ونصب الناس. ٤٥ - ﴿و﴾ اذكر، يا محمَّد، لهؤلاء المشركين المنكرين للبعث قصة ﴿يوم نحشرهم﴾؛ أي: يوم نحشر المشركين وسائر الخلائق، ونجمعهم لموقف الحساب. وأصل الحشر، إخراج الجماعة وإزعاجهم من مكانهم. وقرأ الأعمش وحفص: ﴿يحشرهم﴾ بالياء مسندًا إلى ضمير الغيبة العائد على الله. إذ تقدم أن الله لا يظلم الناس شيئًا حالة كونهم ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ ولم يمكثوا في الدنيا ﴿إلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾؛ أي: كأنهم لم يلبثوا في الدنيا، إلا قدر ساعة من النهار، لهول ما يرون من الشدائد، حالة كونهم ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: يعرف (٢) بعضهم بعضًا إذا خرجوا من قبورهم، كما كانوا يتعارفون في الدنيا، ثم تنقطع المعرفة بينهم إذا عاينوا أهوال يوم القيامة، يعني: يعرف بعضهم بعضًا في بعض المواطن، ويوبخ بعضهم بعضًا، فيقول، كل فريق للآخر: أنت أضللتني يوم كذا، وكذا، وأغويتني وزينت لي الفعل الفلاني، لا تعارف شفقة ورأفة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ ولا يعرف بعضهم بعضًا في بعض المواطن. ﴿قَدْ خَسِرَ﴾ وغبن ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ تعالى بالبعث ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى طريق النجاة؛ أي: قد هلكوا بتكذيبهم بالبعث بعد الموت، وضلوا عن طريق النجاة، وما كانوا عارفين لطريقه. وهذه شهادة من الله تعالى على خسرانهم وتعجيب منه. وخلاصة ذلك: أن هذه الدنيا التي غرتهم بمتاعها الحقير الزائل، قصيرة الأمد، ستزول بموتهم، وسيقدرون يوم القيامة قصرها بساعة من النهار، لا تسع لأكثر من التعارف. وإن هؤلاء آثروا الحياة القصيرة المُنَغَّصَة بالأقدار، السريعة الزوال على الحياة الأبدية، بما فيها من النعيم المقيم، فلم يستعدوا لها ويعملوا

стр. 5335

الأعمال الصالحة، التي تزكي نفوسهم وتهذب أرواحهم فخسروا السعادة فيها، وما كانوا مهتدين فيما اختاروه لأنفسهم، من إيثار الخسيس الزائل على النفيس الخالد. ٤٦ - ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾؛ أي: وإن أريناك، يا محمَّد ﴿بَعْضَ﴾ العذاب ﴿الذين نعدهم﴾ به في الدنيا، فذاك الذي يستحقونه، وهم له أهل، وقد أراه ما نزل بهم من القحط والمجاعة، بدعائه، ﷺ ، ونصره عليهم نصرًا مؤزرًا، في أول معركة هاجمه بها رؤساؤهم، وصناديدهم، وهي غزوة بدر، فقتلهم وشردهم شر تقتيل وتشريد. وكذلك فعل بهم، ﷺ ، في غيرها من الغزوات، حتى فتح عاصمتهم، أم القرى، ودخل الناس في الدين أفواجا. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن نريك ذلك فيهم ﴿فَإِلَيْنَا﴾ لا إلى غيرنا ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ ومصيرهم في الآخرة ﴿ثُمَّ﴾ بعد رجوعهم إلى الله ﴿اللَّهُ﴾ ﴿شَهِيدٌ﴾؛ أي: مشهد أعضاءهم وجوارحهم ﴿عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ في الدنيا من الشرك والمعاصي، فمجازيهم عليه، ففعيل هنا، بمعنى: مفعل، أو المعنى: ثم بعد رجوعهم إلى الله شهيد؛ أي معاقب لهم على ما يفعلون في الدنيا. وعبارة "الفتوحات" هنا قوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ ثم هنا (١)، ليست للترتيب الزماني، بل هي لترتيب الأخبار، لا لترتيب القصص في نفسها. قال أبو البقاء: كقولك: زيد عالم، ثم هو كريم. وقال الزمخشري (٢): فإن قلت الله شهيد على ما يفعلون في الدارين، فما معنى ثم؟ قلتُ: ذكرت الشهادة، والمراد مقتضاها، ونتيجتها وهو العقاب، كأنه قيل: ثم الله معاقب لهم على ما يفعلون، اهـ "سمين" وإلا فهو تعالى شهيد على أفعالهم في الدنيا والآخرة. وفي "البحر": ويجوز (٣) أن يكون المعنى: أن الله تعالى مؤدِّ شهادته على أفعالهم يوم القيامة، حتى تنطق جلودهم وألسنتهم وأيديهم

стр. 5336

وأرجلهم شاهدة عليهم، اهـ. وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿ثُمَّ اللَّهُ﴾ بفتحِ الثاء؛ أي: هنالك. وقد جاء، بمعنى هذه الآية، قوله ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾. ٤٧ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ من الأمم الماضية ﴿رَسُولٌ﴾ بعث إليهم بشريعة خاصة، مناسبة لأحوالهم، ليدعوهم إلى الحق والتوحيد ﴿فإذا جاء رسولهم﴾ فبلغهم ما أرسل به إليهم، فكذبه بعضهم وصدقه بعضهم، ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين الرسول وأمته ﴿بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بالعدل؛ أي: فصل بينهم وحكم بهلاك المكذبين له، وبنجاة الرسول ومن صدقه ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم لا يظلمون في ذلك القضاء بتعذيبهم؛ لأنه بجرمهم. وقيل (١)، معناه: لكل أمة يوم القيام رسول، تنسب إليه، فإذا جاء رسولهم الموقف، ليشهد عليهم بالكفر والإيمان، قُضي بينهم بإنجاء المؤمنين، وعقاب الكافرين لقوله: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾. وحاصل المعنى: أنه تعالى رحمةً بعباده، وإزالةً للحجة، جعل لكل أمة من الأمم الخالية رسولًا، بعثه فيها وقت الحاجة إليه، ليبين لهم ما يجب عليهم من الإيمان به، وباليوم الآخر، وما ينجيهم من العقاب في ذلك اليوم، وهو العمل الصالح، الذي يكون سببًا في سعادتهم في الدارين. وفي الآية (٢): دليل على أن الله قد أرسل إلى كل جماعة من الأمم السالفة رسولًا، وما أهمل أمةً قط، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. فإذا جاء رسولهم وبلغهم ما يجب عليهم معرفته من أمور دينه، لم يبق لهم حينئذٍ عذر في مخالفته، فهنالك في يوم الحساب يقضي الله تعالى بينهم بالعدل، ولا يظلمون في قضائه شيئًا مما سيحل بهم من عذاب، لا يكون ظلمًا لهم؛ لأنه

стр. 5337

من قبل أنفسهم، وهم الذين دنسوها بسيء الأعمال، فاستحقوا على ذلك شديد العقاب. ٤٨ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: ويقول كفار قريش للرسول، ﷺ ، ومن اتبعه من المؤمنين، مكذبين له فيما أخبرهم به، من نزول العذاب بالأعداء، والنصرة للأولياء ﴿مَتَى﴾ يقع ﴿هَذَا الْوَعْدُ﴾؛ أي: هذا العذاب الموعود الذي تعدوننا به ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم: إن الله تعالى سينتقم لكم منا، وينصركم علينا؛ أي: في نحو ما جاء في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾. ٤٩ - وقد لقن الله رسوله ﷺ في الجواب عن هذا السؤال بقوله: ﴿قُلْ﴾: أيها الرسول لمن يستعجل الوعيد، ويقول لك متى هذا الوعد، إني بشر رسول ﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ فضلًا عن غيري ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾؛ أي؛ شيئًا من التصرف في الضر، فأدفعه عنها، ولا شيئًا من النفع، فأجلبه لها، من غير طريق الأسباب، التي يقدر عليها غيري، وليس منها إنزال العذاب بالكفار المعاندين، ولا بذل النصر والمعونة للمؤمنين ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ؛ أي: لكن ما شاء الله تعالى من ذلك العذاب الموعود، يكون متى شاء، ولا شأن لي فيه؛ لأنه خاص بمقام الربوبية دون الرسالة، التي من وظيفتها التبليغ لا التكوين وقد جاء في معنى الآية، قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أو المعنى (١): قل لهم يا محمد؛ لا أملك ضرًّا؛ أي: دفع ضر عنها، من مرض وفقر، ولا نفعًا؛ أي: ولا جلب نفع لها، من صحة أو غنى، ولكن ما شاء الله من ذلك كائن، فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب؟. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ من الأمم الذين أصروا على تكذيب رسولهم ﴿أَجَلٌ﴾ مؤقت

стр. 5338

لعذابهم، يحل بهم عند حلوله، لا يتعداهم إلى أمة أخرى ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾؛ أي: وقت هلاكهم؛ أي: إذ جاء ذلك الأجل ﴿فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن ذلك الأجل ﴿سَاعَةً﴾؛ أي: شيئًا قليلًا من الزمان ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عليه؛ أي: فلا يملك رسولهم من دون الله تعالى، أن يقدمه ولا أن يؤخره ساعة عن الزمان المقدر له، وإن قَلَّت. وقرأ ابن سيرين: ﴿آجالهم﴾ على الجمع. ٥٠ - ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد، لهؤلاء الذين يستعجلون منك العذاب: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾؛ أي: أخبروني عن حالكم، وما يمكنكم أن تفعلوه ﴿إِنْ أَتَاكُمْ﴾ وجاءكم ﴿عَذَابُهُ﴾ ، الذي تستعجلون منه ﴿بَيَاتًا﴾؛ أي: وقت اشتغالكم بالنوم ليلًا ﴿أَوْ﴾ أتاكم ﴿نَهَارًا﴾؛ أي: وقت اشتغالكم بلهوكم ولعبكم، أو بأمور معاشكم نهارًا. وجواب الشرط جملة قوله: ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ولكن بتقدير: الفاء؛ لأن الجملة اسمية؛ أي إن أتاكم عذابه. فأيَّ نوع من العذاب يستعجل منه المجرمون الكذّابون، أعذاب الدنيا، أم عذاب الآخرة؟ وأيًّا ما استعجلوا فهو حماقة وجهالة والاستفهام (١) فيه للإنكار المضمن معنى النهي، ووجه الإنكار عليهم في استعجالهم أن العذاب مكروه، تنفر منه القلوب، وتأباه الطبائع، فما المقتضي لاستعجالهم له. وقيل: إن جواب الشرط محذوف، تقديره: إن أتاكم عذابه .. تندموا على الاستعجال، أو تعرفوا الخطأ منكم فيه. وقيل: إن الجواب جملة قوله: ٥١ - ﴿أثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾؛ أي: بعد ما وقع العذاب بكم حقيقةً، آمنتم به حين لا ينفعكم الإيمان، وتكون جملة ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ معترضة. والمعنى، على هذا القيل: إن أتاكم عذابه .. آمنتم به بعد وقوعه، حين لا ينفعكم الإيمان. ولكن الأول، أولى. وقرأ طلحة بن مصرف ﴿أثُمَّ﴾ بفتح الثاء، وهذا يناسبه تفسير الطبري، أهنالك. ودخول همزة الاستفهام الإنكاري على ثم في قوله: ﴿أثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ كدخولها على الواو والفاء، وهي: لإنكار إيمانهم، حيث لا ينفع الإيمان، وذلك بعد نزول العذاب، وهو يتضمن معنى التهويل عليهم، وتفظيع ما فعلوه في غير وقته، مع تركهم له في وقته الذي يحصل

стр. 5339

به النفع والدفع. والتقدير (١): أأخرتم الإيمان، ثم إذا ما وقع العذاب، آمنتم به؛ أي: أأخرتم الإيمان باللهِ، أو بالعذاب إلى حين وقوع العذاب؛ أي: لا ينبغي هذا التأخير ولا يصح ولا يليق؛ لأن الإيمان في هذه الحالة، غير نافع وغير مقبول. وهذه الجملة داخلة تحت القول المأمور به، الذي أمر الله رسوله، ﷺ ، أن يقوله لهم، وجيء بكلمة ﴿ثُمَّ﴾ التي للتراخي، دلالةً على الاستبعاد. وجيء: بـ ﴿إذا﴾ مع زيادة ﴿مَا﴾ للتأكيد، دلالةً على تحقق وقوع الإيمان منهم، في غير وقته، ليكون في ذلك زيادة استجهال لهم، والمعنى: أبعد ما وقع عذاب الله عليكم، وحل بكم سخطه وانتقامه، آمنتم حين لا ينفعكم هذا الإيمان شيئًا، ولا يدفع عنكم ضرًّا. والخلاصة: أي أيستعجل مجرموكم بالعذاب الذي هو أحق بالخوف منه، بدل الإيمان الذي يدفعه عنهم، ثم إذا وقع بالفعل، آمنتم به حين لا ينفع الإيمان إذ هو قد صار ضروريًّا بالمشاهدة والعيان، لا تصديقًا للرسول، ﵇. وقوله: ﴿الآن﴾؛ أي: هل بعد وقوع العذاب تؤمنون ﴿و﴾ الحال أنكم ﴿قد كنتم به﴾؛ أي: بوقوع العذاب ﴿تَسْتَعْجِلُونَ﴾ تكذيبًا به واستكبارًا، كلام مستأنف بتقدير: القول غير داخل تحت القول الذي أمر الله رسوله، ﷺ ، أن يقوله لهم. والاستفهام فيه للتوبيخ والتقريع، أي: وقيل لهم: الآن حين وقوع العذاب، تؤمنون به، وقد كنتم به تستعجلون تكذيبًا واستهزاءً. وقرأ طلحة والأعرج بهمزة الاستفهام، بغير مد. وقرأ الجمهور؛ ﴿الآن﴾ على الاستفهام بالمد وكذا ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾. ٥٢ - وقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ﴾ من جهة الله ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالكفر وعدم الإيمان: إن هذا الذي تطلبونه، ضرر محض، عار عن النفع من كل وجه، والعاقل لا يطلب ذلك، ويقال لهم على سبيل الإهانة لهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾؛ أي: العذاب الدائم الذي لا ينقطع، والقائل لهم هذه المقالة، والتي

стр. 5340

قبلها، قيل: هم الملائكة الذين هم خزنة جهنم، ولا يبعد أن يكون القائل لذلك هم الأنبياء على الخصوص، أو المؤمنون على العموم؛ أي: ثم قيل للذين ظلموا أنفسهم، بالكفر بالرسالة والوعد والوعيد، تجرعوا عذاب الله الدائم لكم أبدًا، بحيث لا فناءَ له ولا زوال. والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ في الدنيا من الكفر والمعاصي للإنكار، بمعنى: النفي؛ أي: لا تجزون إلا بما كنتم تكسبون، باختياركم من الظلم والكفر والفساد، في الأرض والعزم، على الثبات عليه، وعدم التحول عنه، وليس في هذا الجزاء شيء من الظلم؛ لأنه أثر لازم لما عملوا، فلم يعودوا أهلًا للكرامة وجوار المولى في جنة الخلد. وكأنه يقال لهم ذلك القول عند استغاثتهم عن العذاب، وحلول النقمة. ٥٣ - ثم حكى الله عنهم بعد هذه البيانات البالغة، والجوابات عن أقوالهم الباطلة، أنهم أستفهموا تارة أخرى عن تحقق العذاب، فقال؛ ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾؛ أي: ويستخبرونك يا محمَّد أحق ما تعدنا به من نزول العذاب وقيام الساعة ﴿قُلْ﴾ لم يا محمَّد ﴿إِي وَرَبِّي﴾؛ نعم، وأقسم لكم بربي ﴿إنه لحق﴾؛ أي: إن العذاب الذي أعدكم به حق، لا شك فيه ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾؛ أي؛ بفائتين من العذاب؛ لأن من عجز عن شيء فقد فاته، ويقال: أعجزه الأمر: إذا فاته. والمعني (١): أي ويسألونك أيها الرسول أن تنبئهم عن هذا العذاب الذي تعدهم به في الدنيا والآخرة، أحق أنه سيقع جزاء على ما كنا نكسبه من المعاصي في الدنيا، أم هو إرهاب وتخويف فحسب، قل لهم يا محمَّد: نعم أقسم لكم بربي، إنه لحق واقع ما له من دافع، وما أنتم بواجدي من يوقع العذاب بكم، عاجزًا عن إدراككم وإيقاعه بكم. وإي بكسر الهمزة وسكون الياء، كلمة يجاب بها عن كلام سبق بمعنى نعم، وإي تستعمل في القسم خاصة، كما تستعمل، هل بمعنى، قد فيه خاصة.

стр. 5341

وخلاصة ذلك: أنه إن ينزل بكم عذابه، لستم بفائتيه سبحانه بهرب أو امتناع، بل أنتم في قبضته وسلطانه إذا أراد فعل ذلك بكم، فاتقوه في أنفسكم أن يحل بكم غضبه. وقرأ (١) الأعمش: ﴿إنه الحق﴾. قال الزمخشري: وهو أدخل في الاستهزاء، لتضمنه معنى التعريض، بأنه باطل، وذلك أن اللام للجنس، فكأنه قيل: أهو الحق لا الباطل، أو أهو الذي سميتموه الحق، انتهى. ٥٤ - ثم ذكر ما في هذا اليوم من الأهوال فقال: ﴿وَلَوْ﴾ ثبت ﴿أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ وكفرت بالله ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: جميع ما في الأرض من أنواع الملك، وصنوف النعم، وأمكنها أن تجعله فداء لها من ذلك العذاب الأليم الذي تعانيه ﴿لَافْتَدَتْ بِهِ﴾؛ أي لعادت وأنقذت بما في الأرض نفسها، من عذاب الله تعالى، ولم تدخر منه شيئًا ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾؛ أي: وأسر أولئك الذين ظلموا غمهم وأسفهم على ما فعلوا من الظلم ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ بأبصارهم؛ أي: حين معاينة العذاب بأبصارهم إذا برزت لهم نار جهنم، وأيقنوا أنهم مواقعوها لا مصرف لهم عنها، فما مثلهم إلا مثل من يقدم للصلب، يثقله ما نزل به من الخطب الجلل، ويغلب عليه الحزن الفادح، فيخرسه، ولا يستطيع أن ينطق ببنت شفة، ويبقى جامدًا مبهوتًا لا حراك به. ثم بين أنه لا ظلم اليوم فقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم﴾؛ أي: بين الظالمين وغيرهم ﴿بالقسط﴾، أي: بالعدل ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: والحال أن الظالمين ﴿لَا يُظلَمُونَ﴾ فيما فعل بهم من العذاب؛ أي: وقضى الله ، وحكم بين الظالمين وبين خصومهم بالحق والعدل، وخصومهم هم، الرسل والمؤمنون بهم، وكذلك من أضلوهم وظلموهم، من المرؤوسين، والضعفاء الذين كانوا يغرونهم بالكفر، ويصدونهم عن الإيمان. وجاء في معنى هذه الآية قوله في سورة سبأ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾،

стр. 5342

وقوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨)﴾. ٥٥ - ثم أتبع ما تقدم بالدليل على قدرته، على إنفاذ حكمه وإنجاز وعده. وكون الظالمين لا يعجزونه ولا يستطيعون منه مهربًا، فقال: ﴿أَلَاَ﴾؛ أي: انتبهوا ﴿إِنَّ لِلَّهِ﴾ لا لغيره ﴿ما في السموات والأرض﴾؛ أي: جميع ما في السموات والأرض ملكًا وخلقًا وعبيدًا؛ أي: إنه تعالى مالك السموات والأرض وكل من فيهما من العقلاء وغيرهم فليس للكافرين به شيء يملكونه، فيفتدون به أنفسهم من ذلك العذاب، بل الأشياء كلها لله، الذي إليه عقابهم جزاء ما كسبت أيديهم. وفي تصدير الجملة بحرف التنبيه، تنبيه للغافلين وإيقاظ للذاهلين. والخلاصة: فليتذكر من نسي، وليتنبه من غفل، وليعلم من جهل، أن لله وحده جميع ما في العوالم العلوية والعوالم الأرضية، يتصرف فيها كيف يشاء، ولا يملك أحد من دونه شيئًا من التصرف والفداء في يوم البعث والجزاء. ثم أكد ما سلف بقوله ﴿أَلَاَ﴾؛ أي: انتبهوا ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: إن جميع ما وعد الله به ﴿حَقٌّ﴾؛ أي: ثابت لا بد أن يقع ووعده تعالى مطابق للواقع لا شك فيه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾؛ أي: أكثر الناس ﴿لَا يَعلَمُونَ﴾ إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا، فهم غافلون عن حقيقة ذلك؛ أي: لا يعلمون ما فيه صلاحهم فيعملون به، وما فيه فسادهم فيجتنبونه؛ أي: إن كل ما وعد به على ألسنة رسله حق لا ريب فيه؛ لأنه وعد المالك القادر على كل شيء، ولا يعجزه شيء، ولكن أكثر الكفار منكري البعث والجزاء، لا يعلمون أمر الآخرة، لغفلتهم عنها، وقصور أنظارهم عن الوصول إلى ما يكون فيها. ٥٦ - ثم أقام الدليل على قدرته على ذلك فقال: ﴿هُوَ﴾ ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ في الدنيا ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بعد الموت للجزاء، فترون ما وعد به؛ أي: إنه تعالى هو المحيي المميت، لا يتعذر عليه فعل ما أراد من الإحياء، والإماتة ثم إليه لا إلى غيره ترجعون؛ حين يحييكم بعد موتكم؛ ويحشركم إليه

стр. 5343

للحساب والجزاء بأعمالكم، فيجازي كلا بما يستحقه، ويتفضل على من يشاء من عباده. وقرأ (١) الحسن بخلاف عنه وعيسى بن عمر: ﴿يرجعون﴾ بالياء على الغيبة. وقرأ الجمهور: بالتاء على الخطاب. الإعراب ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧)﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾ نافية ﴿كَانَ هَذَا﴾: فعل ناقص واسمه ﴿الْقُرْآنُ﴾: بدل من هذا ﴿أَنْ يُفْتَرَى﴾: أن حرف نصب. ﴿يُفْتَرَى﴾: فعل مضارع، مغير الصيغة، منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿الْقُرْآنُ﴾ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة في تأويل مصدر منصوب على كونه خبرًا لـ ﴿كَانَ﴾ تقديره: وما كان هذا القرآن افتراءً من دون الله؛ أي: مفترى من دونه، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة. ﴿وَلَكِنْ﴾. ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿لكن﴾: حرف استدراك. ﴿تَصْدِيقَ﴾ معطوف على خبر ﴿كَانَ﴾ أو خبر لـ ﴿كَانَ﴾ المحذوفة، تقديره: ولكن كان تصديق الذي، وجملة كان المحذوفة معطوفة على جملة ﴿كَانَ﴾ الأولى، وهو مضاف ﴿الَّذِي﴾: مضاف إليه. ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ظرف ومضاف إليه، صلة الموصول ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾: معطوف على ﴿تَصْدِيقَ﴾ ﴿لَا رَيْبَ﴾ ﴿لَا﴾: نافية ﴿رَيْبَ﴾: في محل النصب اسمها ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بمحذوف خبر ﴿لَا﴾ وجملة ﴿لَا﴾ في محل النصب حال من الكتاب، تقديره: حالة كون الكتاب منتفيًا عنه الريب، وصح مجيء الحال من المضاف إليه؛ لأنه مفعول في المعنى، أو جملة ﴿لَا﴾ مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: جار ومجرور، حال ثانية من الكتاب، تقديره: حالة كون الكتاب، كائنًا من رب العالمين.

стр. 5344

﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾. ﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل الإضرابية وهمزة الإنكار ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿افْتَرَاهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿قل﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾: إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت، قلت: الفاء: رابطة الجواب بالشرط المحذوف، تقديره؛ إن كان الأمر كما تقولون .. ﴿فَأْتُوا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم على كونه جوابًا للشرط المحذوف ﴿بِسُورَةٍ﴾: متعلق به ﴿مِثْلِهِ﴾: صفة لـ ﴿سورة﴾ ولكنه في تأويل مشتق، تقديره: بسورة مماثلة إياه، ومثل من الأسماء المتوغلة فصح كونه صفة لنكرة ﴿وَادْعُوا مَنِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿فَأْتُوا﴾ ﴿اسْتَطَعْتُمْ﴾ فعل وفاعل ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، تقديره: من استطعتم دعاءه ﴿إنْ﴾: حرف شرط ﴿كُنْتُمْ﴾، فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بإن الشرطية ﴿صَادِقِينَ﴾ خبره، وجواب الشرط معلوم مما قبله، تقديره: إن كنتم صادقين في أني افتريته فأتوا بسورة مثله؛ لأنكم عربيون فصحاء مثلي، وجملة الشرط مستأنفة. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾. ﴿بَلْ﴾: حرف للإضراب الانتقالي ﴿كَذَّبُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور، متعلق به والجملة مستأنفة ﴿لَمْ يُحِيطُوا﴾ فعل وفاعل، مجزوم بلم ﴿بِعِلْمِهِ﴾ متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿مَّا﴾ أو صفة لها ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لما يأتهم﴾: فعل ومفعول ﴿تَأْوِيلُهُ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة الصلة. ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف، تقديره: تكذيبًا مثل تكذيب قومك إياك ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور

стр. 5345

صلة الموصول. ﴿فَانْظُرْ﴾ الفاء، عاطفة ﴿انظر﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة معطوفة على جملة ﴿كذب﴾؛ لأنها في قوة ﴿كذلك كذب الذين من قبلهم فأهلكناهم﴾ ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام، في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم عليها. ﴿كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾؛ فعل ناقص واسمه ومضاف إليه، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب مفعول لـ ﴿انظر﴾ معلق عنها باسم الاستفهام. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)﴾. ﴿وَمِنْهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة ﴿يُؤْمِنُ﴾: فعل مضارع ﴿بِهِ﴾؛ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ والجملة صلة ﴿مَن﴾ الموصولة ﴿وَمِنْهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى. ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر ﴿بِالْمُفْسِدِينَ﴾: متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ والجملة مستأنفة. ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿إن﴾: حرف شرط ﴿كَذَّبُوكَ﴾؛ فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿فَقُلْ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿قل﴾ فعل أمر في محل الجزم على كونه جواب شرط لها، وفاعله ضمير يعود على محمَّد وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة ﴿لِي عَمَلِي﴾، إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت، قلت: ﴿لِي﴾ خبر مقدم ﴿عَمَلِي﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول محكي ﴿وَلَكُمْ﴾، خبر مقدم. ﴿عَمَلُكُمْ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لِي عَمَلِي﴾ ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول القول لـ ﴿قل﴾. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بريئون﴾ ﴿أَعْمَلُ﴾؛ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: مما أعمله. ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ﴾: مبتدأ وخبر معطوف على ﴿أنتم بريئون﴾ ﴿مِمَّا﴾ متعلق بـ ﴿بَرِيءٌ﴾. وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾، صلة لـ ﴿ما﴾ أو

стр. 5346

صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: مما تعملونه. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢)﴾. ﴿وَمِنْهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به، والعائد ضمير الفاعل وجمعه نظرًا لمعنى من ﴿أَفَأَنْتَ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف. والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أيستمعون إليك ﴿أنت﴾: مبتدأ. ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة المحذوفة، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿وَلَوْ﴾ الواو: عاطفة ﴿لو﴾ حرف شرط. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾: خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ فعل شرط لـ ﴿لو﴾ وجوابها محذوف، تقديره: ولو كانوا لا يعقلون، فأنت لا تسمعهم، وجملة لو معطوفة على محذوف، تقديره: أأنت تسمع الصم إن عقلوا، بل ولو كانوا لا يعقلون، فأنت لا تسمعهم. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾. ﴿وَمِنْهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿مَنْ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿يَنْظُرُ﴾: صلته، وأفرد العائد هنا، نظرًا إلى لفظ ﴿مَن﴾ والجملة معطوفة على جملة، قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ﴾. ﴿أَفَأَنْتَ﴾ الهمزة: داخلة على محذوف. والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أينظرون إليك فأنت ﴿أنت﴾: مبتدأ. وجملة ﴿تَهْدِي الْعُمْيَ﴾: خبره والجملة الاسمية معطوفة على المحذوفة، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿وَلَوْ﴾: الواو: عاطفة ﴿لو﴾: حرف شرط ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾: خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ فعل شرط لـ ﴿لو﴾ وجواب ﴿لو﴾ معلوم مما قبله، تقديره: ولو كانوا لا يبصرون، فأنت تهدي العمى، وجملة ﴿لو﴾ معطوفة على محذوف، تقديره: أأنت تهدي العمي إن أبصروا، بل، ولو كانوا لا يبصرون.

стр. 5347

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾: فعل ومفعولان؛ أي: لا ينقص الناس شيئًا من أعمالهم، أو شيئًا منصوب على المصدرية؛ أي: شيئًا من الظلم قليلًا أو كثيرًا، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾ وجملة ﴿لَا يَظْلِمُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ﴾: ناصب واسمه ﴿أنفسهم﴾ مفعول مقدم لـ ﴿يَظلِمُونَ﴾ قدم عليه لرعاية الفاصلة. وجملة ﴿يَظْلِمُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لَكِنَّ﴾ وجملة ﴿لَكِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. ﴿وَيَوْمَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿يوم﴾، منصوب باذكر محذوفًا. والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يوم﴾. ﴿كَأَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوفًا، تقديره: كأنهم ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿سَاعَةً﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿يَلْبَثُوا﴾ ﴿مِنَ النَّهَارِ﴾: صفة لساعة وجملة ﴿كَأَنْ﴾ في محل النصب حال من مفعول ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ تقديره: واذكر يوم يحشرهم، حال كونهم مشبهين من لم يلبث إلا ساعة من النهار ﴿يَتَعَارَفُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿بَيْنَهُمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب، حال ثانية من ضمير ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ أو مستأنفة ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول ﴿بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿وَمَا كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه ﴿مُهْتَدِينَ﴾: خبره والجملة معطوفة على جملة خسر. ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾. ﴿وَإِمَّا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿إن﴾؛ حرف شرط ﴿ما﴾؛ زائدة ﴿نرين﴾ فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها فعل شرط لها، مبني

стр. 5348

على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. والكاف مفعول أول لأرى ﴿بَعْضَ الَّذِي﴾: مفعول ثانٍ، ومضاف إليه؛ لأن رأى هنا بصرية، تعدت بالهمزة إلى مفعولين ﴿نَعِدُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾ والجملة صلة الموصول. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾: فعل مضارع متصل بنون التوكيد في محل الجزم معطوف على ﴿نرين﴾. والكاف: مفعول به ﴿فَإِلَيْنَا﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿إلينا﴾: خبر مقدم ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الجزم ﴿بإن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾؛ مبتدأ وخبر. ﴿عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾: متعلق بـ ﴿شَهِيدٌ﴾ والجملة الاسمية في محل الجزم، معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه خبر قدم ﴿رَسُولٌ﴾: مبتدأ مؤخر والجملة مستأنفة ﴿فَإِذَا﴾ الفاء: عاطفة ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان متعلق بالجواب الآتي ﴿جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ فعل وفاعل في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونه فعل شرط لها ﴿قُضِيَ﴾، فعل ماض مغير الصيغة ﴿بَيْنَهُمْ﴾: نائب فاعل، والجملة جواب ﴿إذا﴾ وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها. ﴿بِالْقِسْطِ﴾: متعلق بـ ﴿قضي﴾ ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ضمير بينهم. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ ...﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿مَتَى﴾: اسم استفهام، في محل النصب على الظرفية الزمانية خبر مقدم. ﴿هَذَا الْوَعْدُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ ﴿إِنْ﴾ حرف شرط ﴿كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فعل

стр. 5349

ناقص واسمه وخبره في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجواب ﴿إن﴾ معلوم مما قبلها تقديره: إن كنتم صادقين متى هذا الوعد، والجملة الشرطية في محل النصب مقول القول. ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ...﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَا﴾: نافية ﴿أَمْلِكُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﴿لِنَفْسِي﴾: متعلق به. ﴿ضَرًّا﴾: مفعول به ﴿وَلَا نَفْعًا﴾: معطوف عليه، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول القول. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب على الاستثناء المنقطع ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: إلا ما شاء الله ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾: خبر مقدم ﴿أَجَلٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿إذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، متعلق بالجواب الآتي ﴿جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها ﴿فَلَا﴾ الفاء: رابطة ﴿لَا﴾: نافية ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿سَاعَةً﴾ ظرف متعلق به، والجملة جواب ﴿إذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذَا﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)﴾. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الآن﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل، بمعنى: أخبروني، تتعدى إلى مفعولين، الأول منهما: محذوف تقديره: عن عذاب الله، والمفعول الثاني: الجملة الاستفهامية الآتية، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿إنْ أتاكم﴾ ﴿إنْ﴾ حرف شرط ﴿أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾: فعل

стр. 5350

ومفعول وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿بَيَاتًا﴾: منصوب على الظرفية متعلق بأتى ﴿أَوْ نَهَارًا﴾ معطوف عليه ﴿مَاذَا﴾: اسم استفهام مركب في محل الرفع مبتدأ ﴿يَسْتَعْجِلُ﴾: فعل مضارع. ﴿مِنْهُ﴾، جار ومجرور حال من مفعول ﴿يَسْتَعْجِلُ﴾ المحذوف، تقديره أيَّ شيء يستعجله المجرمون حالة كونه كائنًا من عذاب الله ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: فاعل وجملة ﴿يَسْتَعْجِلُ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ والرابط الضمير المحذوف في ﴿يَسْتَعْجِلُ﴾ والجملة الاسمية في محل الجزم بإن الشرطية على كونها جوابًا لها، ولكنها على تقدير: الفاء الرابطة؛ لأن الجملة اسمية، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية في محل النصب، سادة مسد المفعول الثاني لـ ﴿أرأيتم﴾ وقيل: إن جواب الشرط محذوف، تقديره: إن أتاكم عذابه، تندموا، وجملة ﴿إنْ﴾ معترضة كما مر في مبحث التفسير. ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾. ﴿أَثُمَّ﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، تقديره: أأخرتم الإيمان، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿ثم﴾: حرف عطف وترتيب وتراخ ﴿إذَا﴾: ظرف لما يستقبل. ﴿مَا﴾ زائدة ﴿وَقَعَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على العذاب، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿آمَنْتُمْ﴾ فعل وفاعل جواب ﴿إذا﴾. ﴿به﴾ متعلق بـ ﴿آمَنْ﴾ وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على الجملة المحذوفة. ﴿آلْآنَ﴾ الهمزة: للاستفهام التوبيخي. ﴿الآن﴾ ظرف للزمان الحاضر في محل النصب على الظرفية، مبني على الفتح، والظرف متعلق بمحذوف، تقديره: الآن تؤمنون، والجملة المحذوفة مقول لقول محذوف، تقديره: وقيل لهم: الآن تؤمنون، والقول المحذوف مستأنف ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَسْتَعْجِلُونَ﴾ وجملة ﴿تَسْتَعْجِلُونَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب على الحال من فاعل ﴿تُؤمِنُونَ﴾ المحذوف. ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.

стр. 5351

﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلق به. وجملة ﴿ظَلَمُوا﴾ صلة الموصول ﴿ذُوقُوا ...﴾ إلى آخر الآية، نائب فاعل محكي لـ ﴿قِيلَ﴾ وجملة القول معطوفة على جملة القول المقدر عند قوله: الآن، وإن شئت قلت: ﴿ذُوقُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَذَابَ الْخُلْدِ﴾: مفعول به، والجملة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾. ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام الإنكاري ﴿تُجْزَوْنَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الرفع نائب فاعل ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُجْزَوْنَ﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿تَكْسِبُونَ﴾ خبره وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: تكسبونه. ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول؛ لأن استنبأ هنا، بمعنى: سأل، يتعدى إلى مفعولين ﴿أَحَقٌّ﴾ الهمزة للاستفهام التقريري. ﴿حق﴾ مبتدأ. ﴿هُوَ﴾: فاعل سد مسد الخبر، أو ﴿هُوَ﴾ مبتدأ مؤخر، و ﴿حق﴾: خبر مقدم، والجملة في محل النصب مفعول ثانٍ لاستنبأ معلق عنه بالاستفهام، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿إي﴾ حرف جواب بمعنى نعم، خاصة بالقسم ﴿وَرَبِّي﴾ الواو حرف جر وقسم ﴿رَبِّي﴾: مقسم به مجرور بواو القسم، الجار والمجرور، متعلق بفعل قسم محذوف، تقديره: أقسم بربي ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه ﴿لَحَقٌّ﴾: خبره، واللام: حرف ابتداء وجملة ﴿إِنَّ﴾ جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿وَمَا﴾ الواو: عاطفة. ﴿ما﴾ حجازية ﴿أَنْتُمْ﴾: في محل الرفع اسمها ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: خبرها وجملة ﴿ما﴾ الحجازية في محل النصب معطوفة على جملة القسم على كونها مقولا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤)﴾.

стр. 5352

﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿لو﴾ حرف شرط غير جازم ﴿أنّ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿لِكُلِّ نَفْسٍ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه خبر مقدم ﴿لأن﴾. وجملة ﴿ظَلَمَتْ﴾ صفة لـ ﴿نَفْسٍ﴾ ﴿مَا﴾ موصولة في محل النصب اسم ﴿أنّ﴾ مؤخر. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ جار ومجرور صلة الموصول، وجملة ﴿أنّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر مرفوع على كونه، فاعل فعل محذوف، تقديره: ولو ثبت كون ما في الأرض لكل نفس ظلمت ﴿لَافْتَدَتْ﴾ اللام: رابطة لجواب ﴿لو﴾ الشرطية ﴿افْتَدَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على النفس. ﴿به﴾ متعلق به، والجملة الفعلية جواب ﴿لو﴾ الشرطية لا محل لها من الإعراب وجملة لو الشرطية مستأنفة، ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول والجملة مستأنفة ﴿لَمَّا﴾: ظرف بمعنى حين في محل النصب على الظرفية، مبني على السكون، الظرف متعلق بـ ﴿أسروا﴾ ﴿رَأَوُا الْعَذَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به؛ لأن رأى هنا بصرية، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿وَقُضِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ظرف متعلق به ﴿بِالْقِسْطِ﴾: جار ومجرور نائب فاعل لـ ﴿قُضِيَ﴾ والجملة مستأنفة أو معطوفة على جملة ﴿رَأَوُا﴾. ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ. وجملة ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾: خبره والجملة الاسمية في محل النصب حال من ضمير ﴿بَيْنَهُمْ﴾. ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿أَلَا﴾: حرف استفتاح وتنبيه ﴿إنَّ﴾: حرف نصب. ﴿لِلَّهِ﴾ خبر مقدم لـ ﴿إنَّ﴾ ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ جار ومجرور صلة لـ ﴿مَا﴾ ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السموات﴾ والتقدير: ألا إن ما في السموات والأرض مملوك لله ، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة ﴿أَلَا﴾ حرف تنبيه ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾: ناصب واسمه ومضاف إليه. ﴿حَقٌّ﴾: خبره، والجملة مستأنفة ﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف نصب واستدراك ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ اسمها. وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: خبر ﴿لَكِنَّ﴾ وجملة ﴿لَكِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾.

стр. 5353

﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ﴿هُوَ﴾ مبتدأ. وجملة ﴿يُحْيِي﴾: خبره والجملة مستأنفة ﴿وَيُمِيتُ﴾: معطوف على ﴿يُحْيِي﴾ ﴿وَإِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُرْجَعُونَ﴾ ﴿تُرْجَعُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية معطوف على الجملة الاسمية أعني: جملة ﴿هُوَ يُحْيِي﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يُفترى: فعل مبني للمجهول من افترى الخماسي، من باب افتعل، والقائم مقام الفاعل ضمير عائد إلى القرآن، والافتراء، مصدره، وهو اختلاق الكذب من عند نفسه. ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾: جمع أصم، كالحمر جمع الأحمر، وهو من به صمم، وكذلك العمي جمع الأعمى. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾: حقيقة (١) الحشر، جمع الناس في الموقف، وحقيقة البعث إحياؤهم من القبور، والتعارف يقع في الحشر الذي هو الاجتماع؛ أي: في ابتدائه، وينقطع في أثنائه، لشدة الأهوال، ويشغل كل بنفسه، وأما البعث فلا تعارف فيه، لعدم الاجتماع الذي هو لازمه. ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي: متى هذا العذاب الموعود الذي تعدنا به يا محمَّد يقولون ذلك استعجالًا للعذاب. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ والأجل (٢): يطلق على مدة العمر، وعلى آخر جزء منه، والمراد هنا: الثاني، كما في التفاسير، اهـ شيخنا. وفي "أبي السعود": إن جعل الأجل عبارة عن حد معين من الزمان .. فمعنى مجيئه ظاهر، وإن أريد به ما امتد إليه من الزمان .. فمجيئه عبارة عن انقضائه، إذ هناك يتحقق مجيئه بتمامه، اهـ.

стр. 5354

﴿الآن﴾ بهمزتين الأولى: همزة الاستفهام، والثانية: همزة أل المعرفة، وإذا اجتمع هاتان الهمزتان .. وجب في الثانية أحد أمرين: تسهيلها من غير ألف بينها وبين الأولى، وإبدالها مدًّا بقدر ثلاث ألفات على حد قول ابن مالك: وَايْمُنُ هَمْزِ أَلْ كَذَا ويُبْدَلُ ... مَدًّا فِي الاسْتِفْهَامِ أَوْ يُسَهَّلُ وقد وقع في القرآن من هذا القبيل ستة مواضع، اثنان في الأنعام وهما ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ مرتين، وثلاثة في هذه السورة، لفظ ﴿ألْآنَ﴾ هنا، وفيما سيأتي، ولفظ ﴿أللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ وواحد في النمل ﴿أللَّهُ خَيْرٌ﴾، فلا يجوز في هذه المواضع الستة تحقيق الهمزتين، بل يجب أحد الأمرين اللذين قد عرفتهما، اهـ شيخنا. ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ وأصل يستنبئونك (١): أن يتعدى إلى واحد بنفسه، وإلى الآخر بحرف الجر، تقول: استنبأت زيدًا عن عمرو، أي: طلبت منه أن يخبرني عن عمرو، فاستفعل هنا للطلب، والمفعول الأول كاف الخطاب، والمفعول الثاني، الجملة من قوله: ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ على سبيل التعليق، كما مر في مبحث الإعراب. ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ و ﴿إي﴾ من حروف الجواب بمعنى: نعم، لكن لا يجاب بها إلا مع القسم خاصة، ذكره: أبو السعود. ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ وإسرار الحديث؛ خفض الصوت به، وإسرار الشيء: إخفاؤه وكتمانه. وفي "السمين": ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ قيل: أسر من الأضداد، يستعمل بمعنى أظهر، ويستعمل بمعنى: أخفى، وهو المشهور في اللغة كقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ وهو في الآية يحتمل الوجهين، وقيل: إنه ماض على بابه قد وقع، وقيل: بل هو بمعنى: المستقبل اهـ. والندم والندامة (٢): ما يجده الإنسان في نفسه من الألم والحسرة، عقب كل فعل يظهر له ضرره، وقد يجهر به بالكلام، كما قال تعالى: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾ أو يخفيه ويكتمه حين لا يجد فائدةً من إعلانه، أو اتقاءً للشماتة أو

стр. 5355

الإهانة. وقيل: معنى أسروا الندامة: وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم؛ لأن الندامة لا يمكن إظهارها، ومنه قول كثيّر: فَأَسْرَرْتُ النَّدَامَةَ يَوْمَ نَادَى ... برَدِّ جِمَالِ عَاصِرَةَ الْمُنَادِيْ ذكره "الشوكاني". ﴿بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا﴾ والبيات بمعنى: التبييت اسم مصدر، كالسلام بمعنى التسليم، وهو منتصب على الظرفية، وكذلك نهارًا؛ أي: وقت الاشتغال بطلب المعاش والكسب، اهـ منه ﴿بِالْقِسْطِ﴾ القسط العدل. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الاستعارة اللطيفة في قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ لأنه كناية عما سبقه من التوراة والإنجيل، فإنهما بشرتا به. ومنها: إطلاق المصدر بمعنى اسم الفاعل في قوله: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾. ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أفأنت تسمع اَلْصُّمَّ﴾ وقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية؛ لأنه شبه الكافرين بمن ليس له حاسة السمع، ولا حاسة البصر، بجامع عدم الاهتداء في كل إلى المقصود. ومنها: طباق السلب في قوله: ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ و ﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾. ومنها: المقابلة في قوله: ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وفيه أيضًا جناس الاشتقاق بين: ﴿عَمَلِي﴾ و ﴿أَعْمَلُ﴾، وكذا فيما بعده. ومنها: الطباق بين ﴿ضرًّا﴾ ﴿ونفعا﴾ في قوله: ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ وبين ﴿بَيَاتًا﴾ و ﴿نَهَارًا﴾ وبين ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وبين ﴿يَسْتَقْدِمُونَ﴾ و ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾.

стр. 5356

ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ والمقصود من (١) هذا التشبيه، كما قاله أبو السعود: بيان كمال سهولة الحشر بالنسبة إليه تعالى، ولو بعد دهر طويل، وإظهار بطلان استبعادهم وإنكارهم له بقولهم: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ونحو ذلك، أو بيان تمام الموافقة بين النشأتين في الأشكال والصور، فإن اللبث اليسير يلزمه عدم التبدل والتغير فيكون قوله: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ بيانًا وتقريرًا له؛ لأن التعارف يبعد مع طول العهد، والمراد بالساعة: الزمن القليل، فإنها مثل في غاية القلة وتخصيصها بالنهار؛ لأن ساعاته أعرف حالًا من ساعات الليل. ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾؛ لأن الاستعجال كناية عن التكذيب. قال الزمخشري: ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يعني: تكذبون؛ لأن استعجالهم كان على جهة التكذيب والإنكار. قلتُ: فجعله من باب الكناية؛ لأنها دلالة الشيء بلازمه، نحو هو طويل النجاد، كنى به عن طول قامته؛ لأن طول نجاده لازم لطول قامته، وهو باب بليغ، اهـ "سمين". ومنها: الإطناب في قوله: ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. ومنها: الحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 5357

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠) وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١) أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية (١) لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر الأدلة على الألوهية والوحدانية والقدرة .. ذكر الدلائل الدالة على صحة النبوة والطريق المؤدي إليها، وهو القرآن المتصف بهذه الأوصاف الشريفة.

стр. 5358

وعبارة المراغي هنا: لما ذكر الله الأدلة على أسس الدين الثلاثة، وهي الوحدانية والرسالة والبعث .. أردف ذلك بذكر التشريع العملي، وهو القرآن الكريم، وقد أجمل مقاصد هذا التشريع في أمور أربعة. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ ...﴾ الآية، مناسبة هذه (١) الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ...﴾ الآية، وكان المراد بذلك كتاب الله المشتمل على التحليل والتحريم .. بين فساد شرائعهم وأحكامهم من الحلال والحرام من غير مستند في ذلك إلى وحي. وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما أقام الأدلة العقلية على إثبات الوحي والرسالة .. أردف ذلك بذكر فعل من أفعالهم، لا ينكرونه ولا يجادلون في وجوده، وهو يثبت صحة وجودهما، ذاك أن التشريع بالتحليل والتحريم هو حق الله تعالى وحده، وأن الأصل في الأرزاق، وسائر الأشياء التي ينتفع بها الإباحة فتحريم بعض الأشياء وتحليل بعضها، إما بأمره تعالى بوساطة رسله، وأنتم تنكرونه وتزعمون أنه محال، وإما بالافتراء على الله تعالى، وهو يلزمكم بإنكار الأول، إذ لا واسطة بينهما. قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ ...﴾ الآية، مناسبة (٢) هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر جملة من أحوال الكفار ومذاهبهم والرد عليهم ومحاورة الرسول ﷺ لهم وذكر فضله تعالى على الناس، وأن أكثرهم لا يشكره على فضله .. ذكر تعالى اطلاعه على أحوالهم، وحال الرسول معهم في مجاهدته لهم، وتلاوة القرآن عليهم، وأنه تعالى عالم بجميع أعمالهم، واستطرد من ذلك إلى ذكر أولياء الله تعالى، ليظهر التفاوت بين الفريقين، فريق الشيطان، وفريق الرحمن. وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما

стр. 5359

بين في سابق الآيات، أن فضله على عباده كثير، وأن الواجب عليهم أن يشكروه بدوام طاعته وترك معصيته، وأن القليل منهم هم الشاكرون .. أردف ذلك بتذكيرهم بإحاطة علمه بشؤونهم وأعمالهم، ما دق منهم وما عظم، في جميع ملكوت السموات والأرض، حتى يحاسبوا أنفسهم على تقصيرهم في ذكره وشكره وعبادته. قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ...﴾ الآية، مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها: أن الله لما بين لعباده سعة علمه ومراقبته لعباده وإحصاء أعمالهم وجزاءهم عليها وذكرهم بما يجب عليهم، من شكره على تفضله عليهم .. ذكر هنا حال الشاكرين المتقين، الذين لهم حسن الجزاء يوم القيامة. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما بين لرسوله ﷺ صفة أوليائه، وما بشرهم به، ووعدهم في الدنيا والآخرة، وفي هذا إيماء إلى الوعد بنصره ونصر من آمن به، من أوليائه وأنصار دينه على ضعفهم وفقرهم، وكان أعداؤهم يغترون بقوتهم في مكة بكثرتهم، وكانوا لغرورهم بها يكذبون بوعد الله، وكان ذلك مما يحزنه كما قال: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ .. أردف ذلك بتسليته له ﷺ على ما يلقاه من أذى أعدائه، وتبشيره بالنصر والعزة والوعيد لأوليائه. قوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما حكى أن من المشركين من اتخذوا الأوثان والأصنام شفعاء عنده تعالى .. أردف ذلك بذكر ضرب آخر من أباطيلهم، وهو زعمهم أنه تعالى جده اتخذ ولدًا، وتلك مقالة اشترك فيها المشركون واليهود والنصارى على السواء.

стр. 5360

أسباب النزول ما رأيت أحدًا ذكر سببًا لنزول هذه الآيات، ولكن قال أبو حيان في "البحر": قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ...﴾ الآية، نزل في قريش الذين سألوا الرسول ﷺ : أحق هو؟ فالناس هم كفار قريش. التفسير وأوجه القراءة ٥٧ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قيل: أراد بالناس قريشًا، وقيل: هو على العموم، وهو الأصح، وهو اختيار الطبري؛ أي: قل يا محمَّد، لكفار قريش، أو لجميع الكفار: يا أيها الناس ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: قد جاءكم كتاب جامع لكل ما تحتاجون إليه من المواعظ الحسنة التي تصلح أخلاقكم وأعمالكم، كالطبيب الذي ينهى المريض عما يضره. ومن في قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ متعلقة بالفعل، أي: قد جاءتكم من ربكم موعظة فتكون ابتدائية أو متعلقة بمحذوف صفة لـ ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ والوعظ (١): الزجر المقترن بتخويف، وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب. وقيل: الموعظة: ما يدعو إلى الصلاح بطريق الرغبة والرهبة، والقرآن؛ داع إلى كل خير وصلاح بهذا الطريق ﴿و﴾ جاءكم ﴿شفاء﴾ ودواء ﴿لِمَا فِي الصُّدُور﴾؛ أي: وجاءكم كتاب شاف لما في القلوب، من أمراض الجهل؛ وذلك لأن داء الجهل أضر للقلب من داء المرض للبدن وأمراض القلب هي الأخلاق الذميمة والعقائد الفاسدة والجهالات المهلكة، فالقرآن مزيل لهذه الأمراض كلها؛ لأن فيه الوعظ والزجر والتخويف والترغيب والترهيب والتحذير والتذكير، فهو الدواء والشفاء لهذه الأمراض القلبية وإنما خص الصدر بالذكر؛ لأنه موضع القلب وغلافه وهو أعز موضع في بدن الإنسان لمكان القلب فيه، ذكره في "الخازن". ﴿و﴾ جاءكم كتاب ﴿هدى﴾؛ أي: هاد من الضلالة إلى الصراط المستقيم
следующие страницы →