ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ والمقصود من (١) هذا التشبيه، كما قاله أبو السعود: بيان كمال سهولة الحشر بالنسبة إليه تعالى، ولو بعد دهر طويل، وإظهار بطلان استبعادهم وإنكارهم له بقولهم: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ونحو ذلك، أو بيان تمام الموافقة بين النشأتين في الأشكال والصور، فإن اللبث اليسير يلزمه عدم التبدل والتغير فيكون قوله: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ بيانًا وتقريرًا له؛ لأن التعارف يبعد مع طول العهد، والمراد بالساعة: الزمن القليل، فإنها مثل في غاية القلة وتخصيصها بالنهار؛ لأن ساعاته أعرف حالًا من ساعات الليل.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾؛ لأن الاستعجال كناية عن التكذيب. قال الزمخشري: ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ يعني: تكذبون؛ لأن استعجالهم كان على جهة التكذيب والإنكار.
قلتُ: فجعله من باب الكناية؛ لأنها دلالة الشيء بلازمه، نحو هو طويل النجاد، كنى به عن طول قامته؛ لأن طول نجاده لازم لطول قامته، وهو باب بليغ، اهـ "سمين".
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
ومنها: الحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
وعبارة المراغي هنا: لما ذكر الله الأدلة على أسس الدين الثلاثة، وهي الوحدانية والرسالة والبعث .. أردف ذلك بذكر التشريع العملي، وهو القرآن الكريم، وقد أجمل مقاصد هذا التشريع في أمور أربعة.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ ...﴾ الآية، مناسبة هذه (١) الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ...﴾ الآية، وكان المراد بذلك كتاب الله المشتمل على التحليل والتحريم .. بين فساد شرائعهم وأحكامهم من الحلال والحرام من غير مستند في ذلك إلى وحي.
وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما أقام الأدلة العقلية على إثبات الوحي والرسالة .. أردف ذلك بذكر فعل من أفعالهم، لا ينكرونه ولا يجادلون في وجوده، وهو يثبت صحة وجودهما، ذاك أن التشريع بالتحليل والتحريم هو حق الله تعالى وحده، وأن الأصل في الأرزاق، وسائر الأشياء التي ينتفع بها الإباحة فتحريم بعض الأشياء وتحليل بعضها، إما بأمره تعالى بوساطة رسله، وأنتم تنكرونه وتزعمون أنه محال، وإما بالافتراء على الله تعالى، وهو يلزمكم بإنكار الأول، إذ لا واسطة بينهما.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ ...﴾ الآية، مناسبة (٢) هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر جملة من أحوال الكفار ومذاهبهم والرد عليهم ومحاورة الرسول ﷺ لهم وذكر فضله تعالى على الناس، وأن أكثرهم لا يشكره على فضله .. ذكر تعالى اطلاعه على أحوالهم، وحال الرسول معهم في مجاهدته لهم، وتلاوة القرآن عليهم، وأنه تعالى عالم بجميع أعمالهم، واستطرد من ذلك إلى ذكر أولياء الله تعالى، ليظهر التفاوت بين الفريقين، فريق الشيطان، وفريق الرحمن.
وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما
стр. 5359
بين في سابق الآيات، أن فضله على عباده كثير، وأن الواجب عليهم أن يشكروه بدوام طاعته وترك معصيته، وأن القليل منهم هم الشاكرون .. أردف ذلك بتذكيرهم بإحاطة علمه بشؤونهم وأعمالهم، ما دق منهم وما عظم، في جميع ملكوت السموات والأرض، حتى يحاسبوا أنفسهم على تقصيرهم في ذكره وشكره وعبادته.
قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ...﴾ الآية، مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها: أن الله لما بين لعباده سعة علمه ومراقبته لعباده وإحصاء أعمالهم وجزاءهم عليها وذكرهم بما يجب عليهم، من شكره على تفضله عليهم .. ذكر هنا حال الشاكرين المتقين، الذين لهم حسن الجزاء يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما بين لرسوله ﷺ صفة أوليائه، وما بشرهم به، ووعدهم في الدنيا والآخرة، وفي هذا إيماء إلى الوعد بنصره ونصر من آمن به، من أوليائه وأنصار دينه على ضعفهم وفقرهم، وكان أعداؤهم يغترون بقوتهم في مكة بكثرتهم، وكانوا لغرورهم بها يكذبون بوعد الله، وكان ذلك مما يحزنه كما قال: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ .. أردف ذلك بتسليته له ﷺ على ما يلقاه من أذى أعدائه، وتبشيره بالنصر والعزة والوعيد لأوليائه.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما حكى أن من المشركين من اتخذوا الأوثان والأصنام شفعاء عنده تعالى .. أردف ذلك بذكر ضرب آخر من أباطيلهم، وهو زعمهم أنه تعالى جده اتخذ ولدًا، وتلك مقالة اشترك فيها المشركون واليهود والنصارى على السواء.
стр. 5360
أسباب النزول
ما رأيت أحدًا ذكر سببًا لنزول هذه الآيات، ولكن قال أبو حيان في "البحر": قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ...﴾ الآية، نزل في قريش الذين سألوا الرسول ﷺ : أحق هو؟ فالناس هم كفار قريش.
التفسير وأوجه القراءة
٥٧ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قيل: أراد بالناس قريشًا، وقيل: هو على العموم، وهو الأصح، وهو اختيار الطبري؛ أي: قل يا محمَّد، لكفار قريش، أو لجميع الكفار: يا أيها الناس ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: قد جاءكم كتاب جامع لكل ما تحتاجون إليه من المواعظ الحسنة التي تصلح أخلاقكم وأعمالكم، كالطبيب الذي ينهى المريض عما يضره. ومن في قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ متعلقة بالفعل، أي: قد جاءتكم من ربكم موعظة فتكون ابتدائية أو متعلقة بمحذوف صفة لـ ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ والوعظ (١): الزجر المقترن بتخويف، وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب. وقيل: الموعظة: ما يدعو إلى الصلاح بطريق الرغبة والرهبة، والقرآن؛ داع إلى كل خير وصلاح بهذا الطريق ﴿و﴾ جاءكم ﴿شفاء﴾ ودواء ﴿لِمَا فِي الصُّدُور﴾؛ أي: وجاءكم كتاب شاف لما في القلوب، من أمراض الجهل؛ وذلك لأن داء الجهل أضر للقلب من داء المرض للبدن وأمراض القلب هي الأخلاق الذميمة والعقائد الفاسدة والجهالات المهلكة، فالقرآن مزيل لهذه الأمراض كلها؛ لأن فيه الوعظ والزجر والتخويف والترغيب والترهيب والتحذير والتذكير، فهو الدواء والشفاء لهذه الأمراض القلبية وإنما خص الصدر بالذكر؛ لأنه موضع القلب وغلافه وهو أعز موضع في بدن الإنسان لمكان القلب فيه، ذكره في "الخازن".
﴿و﴾ جاءكم كتاب ﴿هدى﴾؛ أي: هاد من الضلالة إلى الصراط المستقيم
стр. 5361
﴿و﴾ كتاب هو ﴿رحمة للمؤمنين﴾ به؛ أي: نعمة من الله على المؤمنين خصوا بالذكر؛ لأنهم المنتفعون به دون غيرهم.
والمعنى: قد (١) جاءكم كتاب جامع للحكمة العملية، الكاشفة عن محاسن الأعمال ومقابحها، والمرغبة في المحاسن، والزاجرة عن المقابح، والحكمة النظرية التي هي شفاء لما في الصدور من الشكوك، وسوء الاعتقاد، وهدى إلى الحق واليقين، ورحمة للمؤمنين، حيث أنزل عليهم، فنجوا به من ظلمة الضلال إلى نور الإيمان، وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران بمصاعد من درجات الجنان، والتنكير فيها للتعظيم.
والخلاصة (٢): أن الآية الكريمة، أجملت إصلاح القرآن الكريم لأنفس البشر في أربعة أمور:
الأول: الموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب بذكر ما يرق له القلب فيبعثه على الفعل أو الترك وقد جاء في معنى الآية قوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ وقوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
الثاني: الشفاء لما في القلوب، من أدواء الشرك والنفاق، وسائر الأمراض التي يشعر من أحبها بضيق الصدر، كالشك في الإيمان، والبغي والعدوان وحب الظلم وبغض الحق والخير.
الثالث: الهدى إلى طريق الحق واليقين، والبعد من الضلال في الاعتقاد والعمل.
الرابع: الرحمة للمؤمنين، وهي ما تثمر لهم هداية القرآن وتفيضه على قلوبهم، ومن آثارها بذل المعروف، وإغاثة الملهوف، وكف الظلم ومنع التعدي والبغي.
وحاصل ذلك: أن موعظة القرآن وشفاءه لما في الصدور، من أمراض
стр. 5362
الكفر والنفاق، وجميع الرذائل، وهداه إلى الحق والفضائل .. موجهات إلى أمة الدعوة، وهم جميع الناس، والمؤمنون قد اختصوا بما تثمره هذه الصفات الثلاث، من الرحمة؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بها،
٥٨ - ثم أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يبلغ المؤمنين، بأنه يحق لهم أن يفرحوا بفضل الله عليهم بنعمة الإيمان، وبالرحمة الخاصة بهم، الجامعة لكل ما ذكر قبلها من مقاصد الشريعة فقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ والباء (١) في ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ متعلقة بمحذوف، استغنى عن ذكره، لدلالة ما تقدم عليه وهو قوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، والفضل هنا بمعنى: الإفضال، ويكون معنى الآية على هذا: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم، وشفاء لما في الصدور، وهو القرآن، بإفضال الله عليكم وإحسانه لكم، ورحمته بكم وإرادته الخير لكم ﴿فَبِذَلِكَ﴾ الفضل والرحمة ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ لا بما جمعوا من حطام الدنيا، وقيل: الباء في ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ متعلقة بفعل يفسره قوله: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ والتقدير: بفضل الله وبرحمته فليفرحوا فبذلك فليفرحوا، والتكرير للتأكيد والتقرير وإيجاب اختصاص الفضل، والرحمة بالفرح دونما عداهما من فوائد الدنيا.
قال الواحدي: الفاء في قوله تعالى: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ زائدة، كقول الشاعر:
فَإِذا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ فَاجْزَعِيْ
فالفاء في قوله: فاجزعي زائدة. وقيل: الفاء داخلة لمعنى الشرط، كأنه قيل: إن فرحوا بشيء .. فليخصوهما بالفرح، فإنه لا مفروح به أحق منهما. والفرح: لذة في القلب بإدراك المحبوب والمشتهي، يقال: فرحت بكذا، إذا أدركت المأمول، ولذلك أكثر ما يستعمل الفرح في اللذات البدنية الدنيوية، واستعمل هنا، فيما يرغب فيه من الخيرات.
ومعنى الآية: ليفرح المؤمنون بفضل الله وبرحمته؛ أي: بما آتاهم الله من المواعظ وشفاء الصدور وثلج اليقين بالإيمان وسكون النفس إليه، ذكره الخازن.
أي: قل (٢) لهم ليفرحوا بفضل الله وبرحمته؛ أي: إن كان شيء في الدنيا
стр. 5363
يستحق أن يفرح به .. فهو فضل الله ورحمته. روى ابن مردويه وأبو الشيخ، عن أنس مرفوعًا: "فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله". وعن الحسن والضحاك وقتادة ومجاهد: فضل الله الإيمان ورحمته القرآن.
﴿هُوَ﴾؛ أي: المذكور من فضل الله ورحمته ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من الدنيا؛ لأن الآخرة أبقى؛ أي: أن الفرح بهما أفضل وأنفع من الفرح بما يجمعونه من الذهب والفضة والأنعام والحرث والخيل المسومة وسائر خيرات الدنيا؛ لأنه هو سبب السعادة في الدارين، وتلك سبب السعادة في الدنيا الزائلة فحسب، فقد نال المسلمون في العصور الأولى بسببه الملك الواسع، والمال الكثير، مع الصلاح والإصلاح مما لم يتسن لغيرهم من قبل، ولا من بعد. وبعد أن جعلوا ديدنهم جمع المال ومتاع الدنيا، ووجهوا همتهم إليه وتركوا هداية القرآن في إنفاقه والشكر عليه، ذهبت دنياهم من أيديهم إلى أيدي أعدائهم.
فإن قلت: الأمر بالفرح في قوله: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ ينافي النهي عنه في قوله: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.
قلت: لا منافاة بينهما، لاختلاف المتعلق، فالمأمور به هنا الفرح بفضل الله وبرحمته، والمنهي هناك، الفرح بجمع الأموال لرئاسة الدنيا وإرادة العلو بها والفساد والأشر، ولذلك جاء بعده ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ وقبله ﴿إنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾.
وقرأ (١) السبعة والجمهور: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ بالياء التحتية أمرًا للغائب. وقرأ يعقوب من العشرة، وأبي ويزيد بن القعقاع والأعمش وعمرو بن فائد وكثير من السلف: ﴿فلتفرحوا﴾ بالتاء الفوقية خطابًا لأصحاب محمَّد، والمعنى على هذا فلتفرحوا بذلك يا أصحاب محمَّد، هو خير مما يجمع الكفار. وفي مصحف أبي ﴿فبذلك فافرحوا﴾ وهذه هي اللغة الكثيرة الشهيرة في أمر المخاطب، وأما فليفرحوا بالياء، هي لغة قليلة. وقرأ أبو التياح والحسن. ﴿فليفرحوا﴾ بكسر
стр. 5364
اللام، وقد تقرر في العربية أن لام الأمر تحذف مع الخطاب إلا في لغة قليلة جاءت هذه القراءة عليها. وقرأ الجمهور بالمثناة التحتية في ﴿يَجْمَعُونَ﴾ كما قرؤوا في ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ بالياء. وروي عن ابن عامر أنه قرأ: بالفوقية في ﴿يجمعون﴾ وبالتحتية في ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾
٥٩ - ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد لهؤلاء المشركين: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾؛ أي: أخبروني أيها الجاحدون للوحي والرسالة ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: أهذا الذي أفاضه الله عليكم من فضله وإحسانه ﴿مِنْ رِزْقٍ﴾ تعيشون به من نبات وحيوان ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ﴾؛ أي: من ذلك الرزق ﴿حَرَامًا وَحَلَالًا﴾؛ أي: فجعلتم بعضه حرامًا، وبعضه حلالًا، وقد تقدم تفصيل ذلك في سورة الأنعام بقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ إلخ، وبقوله في سورة المائدة: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. ويحتمل كون ما في ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف؛ أي: ما أنزله الله، وهي في محل نصب مفعول أول، لـ ﴿أرأيتم﴾؛ لأنه بمعنى أخبروني، والثاني: هو الجملة من قوله: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ والرابط لهذه الجملة بالمفعول الأول محذوف، تقديره: آلله أذن لكم فيه، واعترض على هذا، بأن قوله: قل، يمنع من وقوع الجملة بعده مفعولًا ثانيًا وأجيب بأنه كرر توكيدًا للأمر بالاستخبار. وقيل: إن ﴿مَا﴾ استفهامية في محل الرفع بالابتداء وخبرها ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾. وقيل في قوله: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ تكرير للتوكيد، والرابط محذوف ومجموع المبتدأ والخبر في محل النصب بـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ والمعنى: أخبروني، أهذا الذي أنزل الله إليكم من رزق، فجعلتم منه حرامًا كالبحيرة، وحلالًا كالميتة، آلله أذن لكم في تحليله وتحريمه ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ وتكذبون في نسبة ذلك إليه؛ أي: أخبروني آلله أمركم بذلك الحكم، فأنتم ممتثلون بأمره تعالى، أم لم يأذن لكم في ذلك، بل أنتم كاذبون على الله في ادعائكم أن الله أمرنا بذلك الحكم.
ومعنى (١) إنزال الرزق: كون المطر ينزل من جهة العلو، وكذلك يقضي
стр. 5365
الأمر في أرزاق العباد في السماء على ما قد ثبت في اللوح المحفوظ، من ذكره لكل شيء فيه.
والظاهر (١): أن أم هنا متصلة، كما قال السفاقسيّ، أي: آلله أذن لكم، أم تكذبون عليه في نسبة الإذن إليه، ويجوز أن تكون منقطعة بمعنى، بل وهمزة التقرير لافترائهم بمعنى، بل أتفترون على الله ذلك، وإظهار الاسم الشريف وتقديمه على الفعل للدلالة على كمال الافتراء.
وفي هذه الآية الشريفة (٢): ما يصك مسامع المتصدرين للإفتاء لعباد الله في شريعته، بالتحليل والتحريم، والجواز وعدمه، مع كونهم من المقلدين الذين لا يعقلون حجج الله تعالى، ولا يفهمونها، ولا يدرون ما هي. ومبلغهم من العلم الحكاية لقول قائل من هذه الأمة قد قلدوه في دينهم، وجعلوه شارعًا مستقلًا ما عمل به من الكتاب والسنة، فهو المعمول به عندهم، وما لم يبلغه ولم يفهمه حق فهمه أو فهمه وأخطأ الصواب في اجتهاده وترجيحه، فهو في حكم المنسوخ عندهم، المرفوع حكمه عن العباد، مع كون من قلدوه متعبدًا بهذه الشريعة، كما هم متعبدون بها ومحكومًا عليه بأحكامها، كما هم محكوم عليهم بها، وقد اجتهد رأيه، وأدى ما عليه، وفاز بأجرين مع الإصابة وأجرًا واحدًا مع الخطأ. إنما الشأن في جعلهم لرأيه، الذي أخطأ فيه شريعةً مستقلة ودليلًا معمولًا به، وقد أخطؤوا في هذا خطأً بينًا، وغلطوا غلطًا فاحشًا فإن الترخيص للمجتهد في اجتهاد رأيه يخصه وحده، ولا قائل من أهل الإِسلام المعتد بأقوالهم إنه يجوز لغيره أن يعمل به تقليدًا له واقتداءً به، وما جاء به المقلدة في تقوم هذا الباطل فهو من الجهل العاطل، اللهم ارزقنا من العلم ما نميز به بين الحق والباطل، وارزقنا من الإنصاف ما نظفر به بما هو الحق عندك، يا واهب الخير والعطايا، ومانح التوفيق والهدايا.
стр. 5366
وحاصل المعنى: أي (١) قل لهم: إن حق التحريم والتحليل لا يكون إلا لله؛ فهل الله هو الذي أذن لكم بذلك، بوحي من عنده؟ أم أنتم على الله تفترون بزعمكم أنه حرم ما حرمتم وحلل ما حللتم.
والخلاصة: أنه لا مندوحة لكم من الاعتراف بأحد الأمرين:
إما دعوى الإذن من الله لكم بالتحريم والتحليل، وذلك اعتراف بالوحي، وأنتم تنكرونه وتزعمون أنه محال.
وإما الافتراء على الله، وهو الذي يلزمكم إذا أنكرتم الأول.
٦٠ - وبعد أن سجل عليهم جريمة افتراء الكذب على الله .. قفى عليه بالوعيد مع الإيماء إلى ما يكون من سوء حالهم وشدة عقابهم يوم القيامة، فقال: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾ ويختلقون ﴿عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ عند لقائهم ربهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الذي تجزى فيه كل نفس ما عملت؛ أي (٢): أي شيء ظنهم في ذلك اليوم، أيظنون أنهم يتركون بلا عقاب على جريمة افتراء الكذب على الله، وتعمده فيما هو خاص بربوبيته، وعلى نزاع له فيها وشرك به، كما قال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾.
أي: أيُّ (٣) شيءٍ ظنُّهم يومَ عرضِ الأفعال والأقوال، أيحسبون أنهم لا يسألون عن افترائهم، أو لا يجازون عليه، ولأجل ذلك يفعلون ما يفعلون، كلا إنهم لفي أشد العذاب؛ لأن معصيتهم أشد المعاصي، والاستفهام فيه للتوبيخ والتقريع المضمن بمعنى الإنكار؛ أي: لا ينبغي هذا الحسبان ولا صحة له بوجه من الوجوه. وقرأ عيسى بن عمر: ﴿وما ظن﴾ جعله فعلًا ماضيًا؛ أي: أي ظن ظن الذين يفترون، فـ ﴿مَا﴾: في موضع نصب على المصدر و ﴿ما﴾ الاستفهامية، قد تنوب عن المصدر، تقول: ما تضرب زيدًا، تريد: أيَّ ضربٍ
стр. 5367
تضرب زيدًا، ذكره في "البحر". ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ ومنّ ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ بإعطاء العقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب وإمهالهم على سوء أفعالهم.
أو المعنى (١): أن الله لذو فضل على الناس، في كل ما خلقه لهم من الرزق، وفي كل ما شرع لهم من الدين، ومن ذلك أن جعل الأصل فيما أنزله إليهم من الرزق الإباحة، وأن جعل حق التحريم والتحليل له وحده، كيلا يتحكم فيهم أمثالهم من عباده، كمن اتخذوه من أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، تعالى، وهو سبحانه لم يحرم عليهم إلا ما كان ضارًّا بهم، وحصر محرمات الطعام في أمور معينة. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾؛ أي: أكثر الناس ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾ تلك النعم كما يجب، فلا يستعملون العقل في التأمل في دلائل الله تعالى، ولا يقبلون دعوة أنبياء الله تعالى، ولا ينتفعون باستماع كتب الله تعالى.
كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ومن ثم تراهم يحرمون ما لم يحرمه الله تعالى، ويكفرون نعمه فيغالون في الزهد، وترك الزينة والطيبات من الرزق، أو يسرفون في الأكل والشرب والزينة، ابتغاء الشهرة والتكبر على الناس، مع أن الإِسلام يأمر بالاعتدال، كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾.
أخرج أحمد، عن أبي الأحوص، عن أبيه قال: أتيت رسول الله، ﷺ ، وأنا رثّ الهيئة، فقال: "هل لك مال"؟ قلت: نعم، قال: "من أي المال"؟ قلت: من كل المال، من الإبل والرقيق والخيل والغنم، فقال: "إذا آتاك الله مالًا .. فلير أثر نعمته عليك وكرامته".
وأخرج البخاري والطبراني عن زهير بن أبي علقمة مرفوعًا: "إذا آتاك الله مالًا فلير عليك فإن الله يحب أن يرى أثره على عبده حسنًا، ولا يحب البؤس ولا التباؤس".
стр. 5368
٦١ - ﴿وَمَا تَكُونُ﴾ أيها الرسول الكريم ﴿فِي شَأْنٍ﴾ أي في أمر من أمورك الهامة، خاصة كانت أو عامة مما تعالج بها شؤون الأمة بدعوتها إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، إنذارًا لها وتبشيرًا وتعليمًا وعملًا ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ﴾؛ أي: من أجل ذلك الشأن ﴿مِنْ قُرْآنٍ﴾؛ أي: قرآنا أنزل عليك تعبدًا به، أو تبليغًا له. فالضمير (١) في ﴿مِنْهُ﴾ إما عائد إلى الشأن، وعلى هذا فمن تعليلية؛ أي: وما تتلو قرآنًا من أجل الشأن الذي نزل بك وحدث لكون الذي تقرؤه نزل في شأنه، أو عائد إلى الله وعلى على هذا فمن ابتدائية؛ أي: وما تتلو قرآنًا مبتدأً من الله، تعالى، ونازلًا من عنده و ﴿من﴾ في قوله: ﴿مِنْ قُرْآنٍ﴾ زائدة عل كلا الوجهين، فالحاصل أن الثانية زائدة ولا بد، والأولى إما تعليلية، أو ابتدائية على حسب الوجهين اللذين ذكرنا. وفي التعبير (٢) بالشأن وهو الأمر ذو البال، دلالة على أن جميع أموره، ﷺ ، كانت عظيمة، حتى ما كان منها من مجرى العادات لأنه، ﷺ ، كان فيها قدوةً صالحةً.
وبعد أن خاطب رسوله ﷺ ، انتقل إلى خطاب الأمة كلها في شوونها وأعمالها، فقال: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ﴾ أيها الرسول وأيتها الأمة ﴿مِنْ عَمَلٍ﴾؛ أي: أي عمل خيرًا كان أو شرًّا، شكرًا كان أو كفرًا، وإن كان كمثقال ذرة. والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة أعني: تكون تتلو تعملون؛ أي: ما تتلبسون بشيء من الأفعال الثلاثة في حال من الأحوال إلا في حال كوننا شهودًا عليكم، أي: رقباء مطلعين عليه حافظين له ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: تشرعون في ذلك المذكور من الأفعال الثلاثة السابقة وتخوضون فيه فنحفظه عليكم ونجازيكم به فإذ ظرف لشهودا. وفي التعبير بالأمكنة دليل على أن ما يفيض الإنسان مهتمًا به مندفعًا فيه جدير بأن لا يغفل عن مراقبة ربه فيه واطلاعه عليه ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ يا محمَّد أي وما يبعد عن علم ربك ولا يخفى عليه ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ أي: وزن نملة صغيرة ﴿فِي الْأَرْضِ
стр. 5369
وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ فـ ﴿مِن﴾ زائدة؛ أي: ولا يغيب عن علم ربك ما يساوي في الثقل نملة صغيرة، أو هباء في دائرة الوجود والإمكان السفلي والعلوي.
وقرأ الكسائي وابن وثاب والأعمش وابن مصرف (١): ﴿يعزب﴾ بكسر الزاي وكذا في سبأ. وقرأ باقي السبعة: بالضم، وهما لغتان فصيحتان.
وفي التعبير (٢) بيعزب الدال على الخفاء والبعد، دليل على أن ما شأنه أن يغيب ويبعد عنا من أعالنا، لا يغيب عن علمه تعالى، وقدم ذكر الأرض؛ لأن الكلام مع أهلها.
ثم أكد سبحانه ما سبق وبين إحاطة علمه بكل شيء فقال: ﴿وَلَا﴾ يعزب عن علمه من ﴿أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾؛ أي: شيء أصغر من الذرة مما لا تبصرونه من دقاثق الكون وخفاياه ﴿وَلَا أَكْبَرَ﴾ من ذلك وإن عظم مقداره كعرشه تعالى. فأصغر وأكبر معطوفان على لفظ مثقال، وانتصبا لكونهما ممنوعين من الصرف، وسيأتي في مبحث الإعراب إيضاح ما في المقام من أوجه الإعراب وبيان الراجح منها، فانظره ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: في لوح محفوظ؛ أي: إلا وهو معلوم له تعالى، ومحصى عنده في كتاب عظيم الشأن، فكيف يغيب عن علمه وهو الكتاب الذي كتب فيه مقادير الموجودات كلها، إكمالًا للنظام، وبيانًا لضبط جميع الأعمال وفي معنى الآية قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾.
وفي ذلك (٣): إشارة إلى أن في الوجود أشياء لا تدركها الأبصار، وقد أثبت العلم الحديث بوساطة الآلات التي تكبر الأشياء أضعافًا مضاعفة أن هناك أشياء لا يمكن رؤيتها، إلا إذا كبرت عن حقيقتها آلاف المرات كالجراثيم - المكروبات - ولم تكن تخطر على البال في عصر التنزيل وقد ظهرت للناس الآن، فهي من روائع الإعجاز العظيمة الدالة على أنه من كلام العليم الخبير.
стр. 5370
وقرأ (١) الجمهور: ﴿وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ﴾ بفتح الراء فيهما، ووجه على أنه عطف على ذرة أو على مثقال على اللفظ. وقرأ حمزة ويعقوب من العشرة برفع الراء فيهما ووجه على أنه عطف على موضع مثقال لأن من زائدة فهو مرفوع بيعزب.
٦٢ - ثم لما بين سبحانه إحاطته بجميع الأشياء وكان في ذلك تقوية لقلوب المطيعين وكرّ لقلوب العاصين ذكر حال المطيعين فقال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ ...﴾ إلخ، وكلمة ألا في قوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ حرف تنبيه؛ أي: انتبهوا أيها المخاطبون إن أولياء الله الذين يتولونه بإخلاص العبادة له وحده، والتوكل عليه، ولا يتخذون له أندادًا يحبونهم كحبه، ولا يتخذون من دونه وليًّا ولا شفيعًا يقربهم إليه زلفى ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في الدارين من لحوق مكروه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ من فوات مطلوب. والمراد (٢) بـ ﴿أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ خلص المؤمنين، كأنهم قربوا من الله سبحانه بطاعته واجتناب معاصيه؛ أي: لا خوف عليهم في الآخرة: مما يخاف منه الكفار والفساق والظالمون، من أهوال الموقف، وعذاب الآخرة، كما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ ولا هم يحزنون من لحوق مكروه أو ذهاب محبوب، ولا يعتريهم ذلك فيها؛ لأن مقصدهم نيل رضوان الله المستتبع للكرامة والزلفى، ولا ريب في حصول ذلك ولا خوف من فواته بموجب الوعد الإلهي. وكذلك في الدنيا لا يخافون مما يخاف منه غيرهم من الكفار، وضعفاء الإيمان، وعبيد الدنيا، من مكروه يتوقع، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إن كُنْتُم مُؤمِنينَ﴾.
٦٣ - وقد فسر سبحانه هؤلاء الأولياء بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بكل ما جاء من عند الله تعالى ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ الله، ، بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات.
стр. 5371
التقوى (١): هي اتقاء كل ما لا يرضي الله، من ترك واجب وفعل محرم، واتقاء مخالفة سنن الله، تعالى، في خلقه، من أسباب الصحة والقوة والنصر والعزة وسيادة الأمة.
أي: أولياء الله تعالى هم الذين جمعوا بين الإيمان الصحيح باللهِ وملائكته وكتبه وملكة التقوى له، ، وما تقتضيه من عمل. والمراد (٢)، بنفي الخوف عنهم: أنهم لا يخافون أبدًا كما يخاف غيرهم؛ لأنهم قد قاموا بما أوجب الله عليهم، وانتهوا عن المعاصي التي نهاهم عنها، فهم على ثقة من أنفسهم وحسن ظن بربهم، وكذلك لا يحزنون على فوت مطلب من المطالب؛ لأنهم يعلمون أن ذلك بقضاء الله تعالى وقدره، فيسلمون للقضاء والقدر، ويريحون قلوبهم عن الهم والكدر، فصدورهم منشرحة، وجوارحهم نشطة، وقلوبهم مسرورة.
٦٤ - وقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ تفسير لمعنى، كونهم أولياء الله تعالى؛ أي: لهم البشارة والمسرة من الله تعالى، ما داموا في الحياة الدنيا بالنصر، وحسن العاقبة في كل أمر، وباستخلافهم في الأرض، ما أقاموا شرع الله وسننه، ونصروا دينه وأعلوا كلمته، وبما يوحيه إلى أنبيائه وينزله في كتبه من كون حال المؤمنين عنده، هو إدخالهم الجنة ورضوانه عنهم، كما وقع كثير من البشارات للمؤمنين في القرآن الكريم، وكذلك ما يحصل لهم من الرؤى الصالحة، وما يتفصل الله به عليهم، من إجابة دعائهم، وما يشاهدونه من التبشير لهم عند حضور آجالهم، بتنزل الملائكة عليهم قائلين لهم: ﴿لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة﴾.
ولهم البشرى في الآخرة، بتلقي الملائكة لهم مبشرين بالفوز بالنعم، والسلامة من العذاب، كما أشارت إليه الآية الكريمة ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ
стр. 5372
﴿تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾.
وعبارة المراح هنا: فالبشرى (١) في الدنيا محبة الناس لهم، وذكرهم إياهم بالثناء الحسي والرؤى الصالحة، وبشرى الملائكة لهم عند الموت، وفي الآخرة تلقي الملائكة إياهم مبشرين بالفوز، والكرامة، وبياض الوجوه وإعطاء الصحف بأيمانهم، وما يقرؤون منها وغير ذلك من البشارات، انتهت.
فصل في الأحاديث المناسبة للآية
عن عبادة بن الصامت، قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: "هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له". أخرجه الترمذي.
وله: عن رجل من أهل مصر، قال: سألت أبا الدرداء عن هذه الآية ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: ما سألني عنها أحدٌ منذ سألت رسول الله ﷺ عنها، وقال: "ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو تُرى له". قال الترمذي: حديث حسن.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لم يبق بعدي من النبوة إلا المبشرات"، قالوا: وما المبشرات؟ قال: "الرؤيا الصالحة". أخرجه البخاري.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا اقترب الزمان، لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جؤء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة". متفق عليه.
وهذا لفظ البخاري، ولمسلم: "إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة".
стр. 5373
والرؤيا (١) ثلاثة: الرؤيا الصالحة: بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان. ورؤيا مما يحدث المرء نفسه. قال بعض العلماء: ووجه هذا القول أنا إذا حملنا قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ على الرؤيا الصالحة الصادقة فظاهر هذا النص يقتضي أن لا تحمل هذه الحالة إلا لهم، وذلك؛ لأن ولي الله تعالى هو الذي يكون مستغرق القلب والروح بذكر الله ، ومن كان كذلك .. فإنه عند النوم لا يبقى في قلبه غير ذكر الله ومعرفته، ومن المعلوم، أن معرفة الله في القلب لا تفيد إلا الحق والصدق، فإذا رأى الولي رؤيا أو رُؤيت له كانت تلك الرؤيا بشرى من الله لهذا الولي. قال الخطابي: وفي هذه الأحاديث، توكيد لأمر الرؤيا وتحقيق منزلتها.
﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ ؛ أي: لا تغيير لأقواله على العموم، ولا إخلاف لمواعيده التي وعد بها أولياءه وأهل طاعته في كتابه وعلى ألسنة رسله ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من البشرى بسعادة الدارين ﴿هُوَ الْفَوْزُ﴾ والظفر ﴿الْعَظِيمُ﴾ الذي لا فوز وراءه، ولا يقادر قدره ولا يماثله غيره؛ لأنه ثمرة الإيمان الحق، والتقوى في حقوق الله وحقوق الخلق، والجملتان (٢)، أعني ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ و ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ اعتراض في آخر الكلام عند من يجوزه، وفائدتهما تحقيق المبشر به وتعظيم شأنه، أو الأولى اعتراضية، والثانية تذييلية.
٦٥ - ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ يا محمَّد ﴿قَوْلُهُمْ﴾؛ أي: قول هؤلاء المشركين، أي: إشراكهم وتكذيبهم وتهديدهم إياك، ولا يغمك تخويفهم لك؛ أي: لا تحزن لقولهم ولا تبال بما يتفوهون به في شأنك مما لا خير فيه، ولا بتكذيبهم وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك. وقرأ (٣) نافع بضم الياء وكسر الزاي، من: أحزنه يحزنه، وكلاهما بمعنى. وهذا نهي للنبي ﷺ ، عن الحزن من قول
стр. 5374
الكفار، المتضمن للطعن عليه، وتكذيبه والقدح في دينه، والمقصود: التسلية له والتبشير.
ثم استأنف سبحانه الكلام مع الرسول، ﷺ ، معللًا لما ذكره من النهي لرسول الله، ﷺ وكأن قائلًا، قال: لم لا يحزنه قولهم وهو مما يحزن؟ فقال: ﴿إن العزة لله جميعًا﴾ ليس لهم منها شيء؛ أي وإنما نهيتك عن الحزن لقولهم؛ لأن العزة والغلبة والقدرة والقهر جميعًا لله، ، هو المنفرد بها دون غيره، لا يملك أحد من دونه شيئًا منها، فهو يهبها لمن يشاء، ويحرمها من يشاء، وهو ناصرك عليهم والمنتقم لك منهم، ولا منافاة (١) بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأن عزة الرسول، ﷺ ، وعزة المؤمنين بإعزاز الله إياهم، فثبت بذلك أن العزة لله جميعًا وهو الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء. وقيل: إن المشركين كانوا يتعززون بكثرة أموالهم وأولادهم وعبيدهم، فأخبر الله أن جميع ذلك لله تعالى وفي ملكه، فهو قادر على أن يسلبهم جميع ذلك، ويذلهم بعد العزة. وقرأ (٢) أبو حيوة: ﴿أن العزة﴾ بفتح الهمزة، وليس معمولًا لقولهم؛ لأن ذلك لا يحزن الرسول، ﷺ ، إذ هو قول حق، وخرجت هذه القراءة على التعليل؛ أي: لا يقع منك حزن لما يقولون؛ لأجل أن العزة لله جميعًا. وقال القاضي فتحها شاذ يقارب الكفر، وإذا كسرت كان استئنافًا، وهذا يدل على فضيلة علم الإعراب.
﴿هُوَ﴾ ﴿السَّمِيعُ﴾ يسمع ما يقولون في حقك وفي تكذيبهم بالحق، وادعائهم للشرك فيكافؤهم على ذلك وهو ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يفعلون من إيذاء وكيد لا تخفى عليه خافية، فهو مذلهم ومحبط أعمالهم.
٦٦ - ثم أقام الدليل على كون العزة لله جميعًا وكون الجزاء بيده فقال: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ﴾؛ أي: انتبهوا أيها المخاطبون، واعلموا أن لله لا لغيره ﴿من في السموات ومن في الأرض﴾؛ أي: جميع من فيهما له لا لغيره، ومن جملتهم هؤلاء
стр. 5375
المشركون المعاصرون للنبي، ﷺ ، وإذا كانوا ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء، فكيف يستطيعون أن يؤذوا رسول الله، ﷺ ، بما لم يأذن به الله تعالى؟ والمعنى (١): ألا إن لله كل من في السموات ومن في الأرض عبيدًا مملوكين له، لا مالك لشيء من ذلك سواه، فكيف يكون إلهًا معبودًا ما يعبده هؤلاء المشركون من الأوثان والأصنام، والعبادة للمالك دون المملوك، وللرب دون المربوب.
فإن قلت (٢): قد قال تعالى في الآية التي قبل هذه ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ بلفظة ﴿مَا﴾ وقال في هذه الآية بلفظة ﴿مَن﴾ فما فائدة ذلك؟
قلتُ: إن لفظة ﴿ما﴾ تدل على ما لا يعقل ولفظة ﴿من﴾ تدل على من يعقل، فمجموع الآيتين يدل على أن الله يملك جميع من في السموات ومن الأرض من العقلاء وغيرهم، وهم عبيده وفي ملكه. وقيل: إن لفظة ﴿مَن﴾ لمن يعقل، فيكون المراد بـ ﴿مَن﴾ في السموات الملائكة العقلاء وبـ ﴿مَن﴾ في الأرض الإنس والجن، وهم العقلاء أيضًا، وإنما خصهم بالذكر لشرفهم، وإذا كان هؤلاء العقلاء المميزون في ملكه وتحت قدرته .. فغير العقلاء من الحيوانات والجمادات بطريق الأولى، أن يكونوا في ملكه، إذا ثبت هذا فتكون الأصنام التي يعبدها المشركون أيضًا في ملكه وتحت قبضته وقدرته، ويكون ذلك قدحًا في جعل الأصنام شركاء لله معبودة دونه. وفي الآية: نعي على عباد البشر والملائكة والجمادات؛ لأنهم عبدوا المملوك وتركوا المالك، وذلك مخالف لما يوجبه العقل، ولهذا أردفه بقوله: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ﴾ المشركون ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ ويعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تعالى آلهة ﴿شُرَكَاءَ﴾ له تعالى حقيقة؛ لأن ذلك محال، انما هي أسماء لا مسميات لها، و ﴿مَا﴾ نافية؛ أي: إن هؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله تعالى بدعائهم في الشدائد واستغاثتهم في النوازل والتقريب إليهم بالقرابين والنذور، لا يتبعون شركاء له في الحقيقة يدبرون أمور العباد، ويكشفون الضر عنهم، إذ لا شريك له
стр. 5376
تعالى. وقرأ السلمي: ﴿تدعون﴾ بالتاء على الخطاب. قال ابن عطية: وهي قراءة غير متجهة. وقال الزمخشري: وقرأ علي بن أبي طالب ﵁ ﴿تدعون﴾ بالتاء. ووجهه أن يحمل ﴿وَمَا يَتَّبِعُ﴾ على الاستفهام؛ أي: وأي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين، يعني إنهم يتبعون الله تعالى ويطيعونه، فما لكم لا تفعلون مثل فعلهم، كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ انتهى. ومن قرأ: ﴿تدعون﴾ بالتاء كان قوله: ﴿إن يتبعون﴾ التفاتًا إذ هو خروج من خطاب إلى غيبة، ذكره أبو حيان.
ثم أكد ما سلف وزاده بيانًا، فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾؛ أي: ما يتبعون في الحقيقة فيما يقولون ﴿إلَّا الظَّنَّ﴾ والحدس في دعواهم أنهم أولياء لله وشفعاء عنده، فهم يقيسونه على ملوكهم الظالمين، المتكبرين، الذين لا يصل إليهم أحد من رعاياهم إلا بوسائل حجابه ووزرائه ووسائطه.
ثم زاد ذلك توكيدًا بقوله: ﴿وَإِنْ هُمْ﴾؛ أي: وما هم في اتباع هذا الظن الذي لا يغني من الحق شيئًا ﴿إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ ويكذبون؛ أي: إلا متخرصون قائلون بغير علم بما يقولون؛ أي: ما يتبعون يقينًا إنما يتبعون ظنًّا والظن لا يغني من الحق شيئًا ﴿إن هم إلا يخرصون﴾؛ أي: يقدرون أنهم شركاء تقديرًا باطلًا وكذبًا بحتًا.
والخلاصة (١): أنهم إنما اتبعوا ظنونهم الفاسدة، وأوهامهم الباطلة، فقاسوا الرب في تدبير أمور عباده على الملوك، وجهلوا أن أفعاله تعالى إنما تجري بمقتضى مشيئته تعالى الأزلية، وفق علمه الذاتي وحكمته البالغة، العادلة، وأن جميع أوليائه وأنبيائه وملائكته عبيد مملوكون له ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾؛ أي: إن أقرب أولئك الذين يدعونهم ويتوسلون إليهم بهم، كالمسيح والملائكة ومن دونهم يتوسلون إليه راجين خائفين، لا كأعوان الملوك
стр. 5377
الذين لا ينتظم أمر ملكهم إلا بهم،
٦٧ - ثم أقام البرهان على مضمون ما قبله، من نفي الشركاء له في الخلق والتقدير والشفعاء عنده حين التصرف والتدبير، فقال: ﴿هُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ الوقت قسمين بمقتضى علمه ومشيئته بدون مساعد ولا شفيع فجعل ﴿اللَّيْلَ﴾ مظلمًا ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾؛ أي: لأجل أن تسكنوا فيه، وتستريحوا بعد طول التعب والنصب والحركة للمعاش ﴿و﴾ جعل ﴿النهار مبصرا﴾؛ أي: مضيئًا ذا إبصار، لتنتشروا في الأرض، وتقوموا بجميع أعمال العمران والكسب والشكر للرب، وقد جاء بمعنى الآية قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الجعل ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ أي: لعبرات ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ مواعظ القرآن، فيعلمون بذلك أن الذي خلق هذه الأشياء كلها هو الله المنفرد بالوحدانية في الوجود؛ أي: إن في اختلاف الليل والنهار وحال أهلهما فيهما، لدلائل وآيات على أن المعبود بحق هو الذي خلق الليل والنهار، وخالف بينهما لقوم يسمعون ما يتلى عليهم من التذكير بحكمته تعالى، ووجه النعمة في ذلك سماع تدبر وعظة لما يسمع وقد جاء بمعنى الآية، قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾.
وذكر (١) علة خلق الليل، وهي قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ وحذفها من النهار، وذكر وصف النهار وحذفه من الليل، وكل من المحذوف يدل عليه مقابله، والتقدير: جعل الليل مظلمًا لتسكنوا فيه والنهار مبصرًا لتتحركوا فيه في مكاسبكم وما تحتاجون إليه بالحركة، ففيه شبه احتباك.
стр. 5378
٦٨ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال المشركون كفار مكة وغيرهم ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ حيث قالوا: الملائكة بنات الله ﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ أي: تنزيهًا له تعالى عما لا يليق به، قال تعالى ذلك تنزيهًا لنفسه عما نسبوه إليه وتعجيبًا من كلمتهم الحمقاء. ويصح أن يكون المعنى على العموم؛ أي: وقال المشركون: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله ﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ أي: تنزه ربنا عما لا يليق بربوبيته وألوهيته، ويمكن أن يكون المعنى: عجيب أن تصدر منهم تلك المقالة الحمقاء. ثم أكد هذا التنزيه بقوله: ﴿هُوَ﴾ ﴿الغني﴾ غنىً مطلقًا عن جميع خلقه، فإن كل ما في الوجود من العالم العلوي والسفلي ملك له تعالى، ولا حاجة له إلى شيء منه، وجميعه في حاجة إليه، ولا يجانسه شيء منه، فالإنسان يحتاج إلى الولد، إما للنصرة والمعونة، وإما للاعتزاز به لدى الأهل والعشيرة، وإما لأنه زينة يلهو به في صغره، ويفخر به في كبره، وإما للحاجة إليه في قضاء مصالحه، أو لانتظار رفده وبره حين عجزه، وإما لبقاء ذكره بعد موته، والله غني عن كل ذلك، ولا حاجة له إلى شيء من هذه المنافع فهو مستغن أزلًا، وأبدًا، ثم بالغ في الرد عليهم بما هو كالبرهان، فقال: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ملكًا وخلقًا وعبيدًا من ناطق وصامت، يعني: أنه مالك ما في السموات وما في الأرض، وكلهم عبيده، وفي قبضته وتصرفه، وهو محدثهم وخالقهم، وإذا كان الكل له وفي ملكه، فلا يصح أن يكون شيء مما فيهما ولدًا له؛ للمنافاة بين الملك والبنوة والأبوة. ثم زيف دعواهم الباطلة، وبين أنها بلا دليل، فقال: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ﴾؛ أي: ما عندكم ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾؛ أي: من حجة وبرهان ﴿بِهَذَا﴾ القول الذي تقولونه بلا علم ولا وحي إلهي، و ﴿مِن﴾ زائدة والباء في ﴿بِهَذَا﴾ إما متعلقة بـ ﴿سُلْطَانٍ﴾؛ لأنه بمعنى الحجة والبرهان، أو متعلقة بالاستقرار الذي تعلق به الظرف.
ثم وبخهم على هذا القول العاطل عن الدليل الباطل عند العقلاء، فقال: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: أتقولون على الله قولًا لا تعلمون حقيقته، وتنسبون إليه تعالى ما لا يجوز نسبته إليه تعالى جهلًا منكم، ولا سيما بعد مجيء ما ينقضه من الأدلة العقلية، والوحي الإلهي، والهمزة فيه للاستفهام الإنكاري
стр. 5379
التوبيخي؛ أي: لا تقولوا على الله ذلك. وفي الآية دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة، وإن العقائد الدينية لا بد فيها من دليل قاطع، وأن التقليد فيه غير سائغ.
٦٩ - ثم أمر الله رسوله ﷺ ، أن يقول لهم قولًا يدل على أنَّ ما قالوه كذب، وأن من كذب على الله لا يفلح، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد ليتبين لهم سوء عاقبتهم ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾ ويختلقون ﴿عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بنسبة الشركاء إليه أو باتخاذه ولدًا لنفسه، أو بدعوى أن الأولياء يطلعون على أسرار خلقه، ويتصرفون في ملكه ﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾؛ أي: لا يفوزون بالتمتع بالنعيم بشفاعة الولد، أو الشركاء الذين اتخذوهم له تعالى ولا ينجون من عذاب الآخرة. والمعنى: إن هؤلاء الذين يكذبون على ربهم، لا يفوزون بمطلب من المطالب، ولا يسعدون، وإن اغتروا بطول السلامة، والبقاء من النعمة، والمعنى: إن قائل هذا القول لا ينجح في سعيه، ولا يفوز بمطلوبه، بل خاب وخسر.
٧٠ - ثم بين سبحانه: أن هذا الافتراء وإن فاز صاحبه بشيء من المطالب العاجلة، فهو متاع قليل في الدنيا، ثم يتعقبه الموت والرجوع إلى الله، فيعذب المفتري عذابًا مؤبَّدًا، فقال: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾؛ أي: حياتهم متاع قليل في الدنيا، ثم لا بد من الموت ﴿ثُمَّ﴾ بعد الموت ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾؛ أي: رجوعهم إلينا بالبعث لا إلى غيرنا ﴿ثُمَّ﴾ بعد الرجوع إلينا ﴿نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾؛ أي: بسبب كونهم كافرين فأين هم من الفلاح.
والمعنى: أي هؤلاء لهم متاع في الدنيا حقير يتلهون به في حياة قصيرة هي: الحياة الدنيا إذ مهما يبلغ هذا المتاع من العظمة ككثرة مال أو عظم جاء فهو قليل بالنسبة إلى ما أعد الله تعالى في الآخرة للصادقين المتقين، ثم يرجعون إلى ربهم بالبعث بعد الموت وما فيه من أهوال الحشر والحساب، فيذيقهم العذاب الشديد، بسبب كفرهم بآياته، وبالافتراء عليه وتكذيب رسله، بعد أن قامت عليهم الحجة. وفي الآية إيماء إلى أن ما يظن أنه فلاح بالحصول على
стр. 5380
منافع الدنيا المادية والمعنوية، فهو لا يعتد به بالنسبة إلى ما عند الله من حظ عظيم، ونعيم مقيم.
الإعراب
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾: يا: حرف نداء ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد ﴿النَّاسُ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾ تابع للفظه وجملة النداء مستأنفة. ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية جواب النداء. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جَاء﴾ أو صفة لـ ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ ﴿وَشِفَاءٌ﴾ معطوف على ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ ﴿لِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿شفاء﴾ أو صفة ﴿فِي الصُّدُورِ﴾ جار ومجرور صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾: معطوفان على ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: جار ومجرور صفة.
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ ...﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف دل عليه المذكور بعده ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ معطوف عليه، تقديره: بفضل الله وبرحمته ليفرحوا، والجملة المحذوفة مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿فَبِذَلِكَ﴾ الفاء: عاطفة لفعل محذوف على المحذوف السابق، تقديره: فليعجبوا ﴿بذلك﴾ جار ومجرور متعلق بهذا الفعل المقدر، أعني: يعجبوا ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ الفاء: عاطفة ما بعدها على يعجبوا المحذوف. واللام: لام الأمر ﴿يفرحوا﴾: مجزوم بها، والجملة معطوفة على يعجبوا ﴿هُوَ خَيْرٌ﴾ مبتدأ وخبر ﴿مِمَّا﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾ وجملة ﴿يَجْمَعُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره يجمعونه.
стр. 5381
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ... إلى قوله: ﴿قُلْ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فعل وفاعل بمعنى أخبروني. ﴿مَا﴾ اسم موصول في حل النصب مفعول أول لـ ﴿أرأيتم﴾. ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة والعائد محذوف، تقديره: ما أنزله الله لكم ﴿مِنْ رِزْقٍ﴾: جار ومجرور حال من ﴿مَا﴾ أو من الضمير المحذوف. ﴿فَجَعَلْتُمْ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿أَنْزَلَ﴾ ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الأول لـ ﴿جعل﴾ ﴿حَرَامًا﴾ مفعول ثانٍ لـ ﴿جَعَلْ﴾ ﴿حَلَالًا﴾ معطوف عليه؛ لأن المعنى: فجعلتم بعضه حرامًا، وبعضه حلالًا. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة الفعلية مؤكدة لجملة ﴿قُلْ﴾ الأولى معترضة بين الفعل ومفعوله، أعني: أرأيتم ومفعوله الثاني ﴿آللَّهُ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، بمعنى: النفي ﴿الله﴾ مبتدأ. ﴿أَذِنَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿أرأيتم﴾ ﴿أَمْ﴾: متصلة معادلة للهمزة ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَفْتَرُونَ﴾ وجملة ﴿تَفْتَرُونَ﴾ معطوفة على جملة ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ والمعنى: أخبروني أحصل إذن من الله لكم أم ذلك افتراء منكم وكذب، وهو استفهام لطلب التعيين، وهو الأول،
﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿ما﴾: اسم استفهام إنكاري في محل الرفع مبتدأ. ﴿ظَنُّ﴾ خبره ﴿الَّذِينَ﴾ مضاف إليه، والجملة مستأنفة ﴿يَفْتَرُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق به ﴿الْكَذِبَ﴾: مفعول به، والجملة صلة الموصول ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿ظَنُّ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه
стр. 5382
﴿لَذُو فَضْلٍ﴾: خبره واللام حرف ابتداء. ﴿عَلَى النَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿فَضْلٍ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة ﴿وَلَكِنَّ﴾ الواو: عاطفة ﴿لكن أكثرهم﴾: ناصب واسمه. وجملة ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾ خبره، وجملة الاستدراك معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾.
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾.
﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية. ﴿مَا﴾: نافية ﴿تَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص، واسمها ضمير يعود على محمَّد ﴿فِي شَأْنٍ﴾: جار ومجرور خبر تكون والجملة مستأنفة. ﴿وَمَا تَتْلُو﴾ الواو: عاطفة ﴿ما﴾ نافية ﴿تَتْلُو﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَتْلُو﴾ فـ ﴿مِن﴾ تعليلية والضمير يعود على الشأن ﴿مِنْ قُرْآنٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿قُرْآنٍ﴾: مفعول ﴿تَتْلُو﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿تَكُونُ﴾ ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿مِنْ عَمَلٍ﴾ ﴿مِن﴾ زائدة. ﴿عَمَلٍ﴾: مفعول ﴿تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة ﴿كنا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿عليكم﴾ متعلق بـ ﴿شُهُودًا﴾ ﴿شُهُودًا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب على الاستثناء من أعم الأحوال والتقدير وما تتلبسون بشيء من الأفعال المذكورة في حال من الأحوال إلا في حال كوننا رقباء مطلعين عليه.
﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ ﴿شُهُودًا﴾ ﴿تُفِيضُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿فِيهِ﴾: متعلق به، والجملة في محل الجر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها ﴿وَمَا يَعْزُبُ﴾ الواو: استئنافية. ﴿ما﴾ نافية ﴿يَعْزُبُ﴾: فعل مضارع ﴿عَنْ رَبِّكَ﴾، متعلق به ﴿مِن﴾: زائدة ﴿مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور حال من ذرة، أو صفة لها أو حال من ﴿مِثْقَالِ﴾ ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: معطوف على الأرض وزيدت ﴿لا﴾ لتأكيد نفي ما قبلها. وقوله: ﴿وَلَاَ
стр. 5383
أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾: كلام مستقل برأسه مقرر لما قبله، الواو استئنافية. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل إن ﴿أَصْغَرَ﴾: بالنصب اسمها منصوب؛ لأنه شبيه بالمضاف لعمله في الجار والمجرور بعده ﴿مِنْ ذَلِكَ﴾ متعلق به. وبالرفع إما على الابتداء، أو على أن ﴿لا﴾ عاملة عمل ليس ﴿وَلَا أَكْبَرَ﴾: معطوف على ﴿أَصْغَرَ﴾ والخبر على كلا القراءتين النصب والرفع بوجهيه. قوله: ﴿إلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ فـ ﴿إلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿فِي كِتَابٍ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾ أو خبر المبتدأ ﴿مبينٍ﴾: صفة له، وجملة ﴿لا﴾ النافية أو جملة المبتدأ مستأنفة، منقطعة عما قبلها. وإنما (١) جاز إعراب ﴿أَصْغَرَ﴾ و ﴿أَكْبَرَ﴾ بالنصب على أن ﴿لا﴾ عاملة عمل إن؛ لأن ﴿أَصْغَرَ﴾ و ﴿أَكْبَرَ﴾ شبيهان بالمضاف تعلق بهما شيء من تمام معناهما، وهو العمل في الجار والمجرور، وهاتان القراءتان هنا فقط، وأما في سبأ فبالرفع، باتفاق السبعة. وقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: الاستثناء منقطع، والمعنى (٢) لكن جميع الأشياء في كتاب مبين، فهو استدراك على ما يتوهم نفيه؛ لأن قوله: ﴿لا يعزب عن ربك ...﴾ إلخ، ربما يتوهم أنه لم يحط بها غير علم الله، فدفع ذلك بقوله: إلا في كتاب مبين؛ أي: لكن جميع الأشياء مثبتة في كتاب مبين أيضًا. ولا يصح أن يكون متصلًا؛ لأنه يصير المعنى: لا يغيب عن علمه شيء في حال من الأحوال، إلا في حال كونه مثبتًا في كتاب مبين فيغيب، فيفيد أن ما في الكتاب غائب عن علم الله، وذلك باطل، وهذا الإشكال لا يرد إلا على جعل قوله: ﴿وَلَا أَصْغَرَ﴾ ﴿وَلَا أَكْبَرَ﴾ معطوفًا على ﴿مِثْقَالِ﴾ وأما إن جعل مستأنفًا - كما تقرر - فلا يرد الإشكال فتأمل.
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
﴿أَلَاَ﴾: حرف تنبيه واستفتاح ﴿إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾: ناصب واسمه ومضاف إليه ﴿لَا خَوْفٌ﴾ ﴿لَا﴾: نافية تعمل عمل ليس ﴿خَوْفٌ﴾ اسمها. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ خبرها، وجملة ﴿لَا﴾ في محل الرفع خبر إن، وجملة إن مستأنفة ﴿وَلَا هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَحْزَنُونَ﴾ خبره، وجملة الابتداء في محل الرفع معطوفة على
стр. 5384
جملة ﴿لَا﴾ على كونها خبرا لـ ﴿إن﴾.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هم الذين، والجملة الاسمية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كأنه قيل: من أولئك الأولياء؟ فأجاب: هم الذين، إلخ ﴿آمَنُوا﴾: فعل، وفاعل صلة الموصول ﴿وَكَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿يَتَّقُونَ﴾: خبره وجملة ﴿كَانَ﴾ معطوفة على جملة الصلة ﴿لهُمْ﴾: خبر مقدم ﴿الْبُشْرَى﴾: مبتدأ مؤخر ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾ متعلق به؛ أي: البشرى تقع في الدنيا، وفسرت بالرؤيا الصالحة؛ أو حال من ﴿الْبُشْرَى﴾؛ متعلق بمحذوف، والعامل في الحال الاستقرار في ﴿لَهُمُ﴾ لوقوعه خبرًا، اهـ "سمين". ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةِ﴾ والجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كأنه قيل: ماذا أعد لهم في الدارين.
﴿وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿لَا تَبْدِيلَ﴾ ﴿لَا﴾: نافية تعمل عمل إن ﴿تَبْدِيلَ﴾ اسمها. ﴿لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور خبر ﴿لَا﴾ والجملة معترضة في آخر الكلام، لا محل لها من الإعراب، كما سيأتي في مبحث البلاغة بيان وجه اعتراضها. ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل ﴿الْفَوْزُ﴾ خبر ﴿الْعَظِيمُ﴾: صفة له، والجملة معترضة أيضًا، لا محل لها من الإعراب.
﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾.
﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿لا يحزنك قولهم﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ﴾: ناصب واسمه ﴿لِلَّهِ﴾ خبره ﴿جَمِيعًا﴾ حال من ﴿الْعِزَّةَ﴾ أو توكيد لها، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾: مبتدأ وخبر ﴿الْعَلِيمُ﴾ خبر ثانٍ؛ أو صفة لـ ﴿السَّمِيعُ﴾ والجملة مستأنفة.
стр. 5385
﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦)﴾.
﴿أَلَا﴾: حرف تنبيه ﴿إنَّ﴾ حرف نصب ﴿لِلَّهِ﴾: خبر مقدم لها ﴿مَن﴾: اسم موصول اسمها مؤخر وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة الموصول ﴿وَمَن﴾ معطوف على ﴿مَن﴾ الأولى. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: صلتها. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿ما﴾ نافية ﴿يَتَّبِعُ الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل والجملة مستأنفة ﴿يَدْعُونَ﴾؛ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: متعلق به ومفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ محذوف تقديره: آلهة ﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعول ﴿يَتَّبِعُ﴾ أي: وما يتبعون شركاء حقيقة وإن كانوا يسمونها شركاء؛ لأن شركة الله في الربوبية محالة. ﴿إنْ﴾: نافية ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿إلا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿الظَّنَّ﴾؛ مفعول به والجملة مستأنفة ﴿وَإِنْ هُمْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿إن﴾: نافية ﴿هُمْ﴾ مبتدأ. ﴿إلا﴾: أداة استثناء مفرغ. وجملة ﴿يَخْرُصُونَ﴾ خبره والجملة معطوفة على جملة النفي قبلها.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾.
﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر والجملة مستأنفة ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الموصول ﴿لَكُمُ﴾ متعلق به ﴿اللَّيْلَ﴾: مفعول أول، والثاني محذوف، تقديره: مظلمًا، والجملة صلة الموصول. ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي ﴿فِيهِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر، مجرور باللام: الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ ﴿وَالنَّهَارَ﴾ معطوف على ﴿اللَّيْلَ﴾ ﴿مُبْصِرًا﴾: مفعول ثان ﴿إنّ﴾: حرف نصب ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبر مقدم لـ ﴿إنّ﴾ ﴿لَآيَاتٍ﴾: اسمها مؤخر ﴿لِقَوْمٍ﴾؛ جار ومجرور صفة ﴿لَآيَاتٍ﴾ وجملة ﴿يَسْمَعُونَ﴾ صفة ﴿لِقَوْمٍ﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة: مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
стр. 5386
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ فعل وفاعل ومفعول به؛ لأن ﴿اتَّخَذَ﴾ هنا بمعنى تبنى، والجملة في محل النصب مقول، ﴿قَالُوا﴾ ﴿سُبْحَانَهُ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، بفعل محذوف، والجملة مستأنفة من كلامه تعالى. ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل جملة التنزيه ﴿لَهُ﴾ خبر مقدم ﴿مَا﴾: اسم موصول مبتدأ مؤخر ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ صلة الموصول ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿ما في السموات﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، مسوقة لتعليل جملة ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾.
﴿إنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿إنْ﴾ نافية ﴿عِنْدَكُمْ﴾ خبر مقدم ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿مِن﴾ زائدة، والجملة مستأنفة ﴿بِهَذَا﴾: متعلق بـ ﴿سُلْطَانٍ﴾ ﴿أَتَقُولُونَ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري. ﴿تقولون﴾: فعل وفاعل ﴿عَلَى اللَّهِ﴾، متعلق به ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿تقولون﴾ ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾، فعل وفاعل صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ما لا تعلمونه، وجملة ﴿تقولون﴾ مستأنفة.
﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩)﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿الَّذِينَ﴾ اسمها. ﴿يَفْتَرُونَ﴾؛ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق به ﴿الْكَذِبَ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، مؤكد لعامله.
وجملة ﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول القول.
﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾.
стр. 5387
﴿مَتَاعٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: حياتهم متاع ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان أن ما يتراءى فيهم بحسب الظاهر من نيل المطالب، والحظوظ الدنيوية بمعزل من أن يكون من جنس الفلاح، كأنه قيل: كيف لا يفلحون وهم في نعيم، فقيل: هو متاع قليل في الدنيا، وليس بنافع في الآخرة، اهـ "أبو السعود". ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف ﴿إِلَيْنَا﴾: خبر مقدم ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿مَتَاعٌ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف. ﴿نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ﴾: فعل ومفعولان ﴿الشَّدِيدَ﴾ صفة للعذاب، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها ﴿بِمَا﴾ الباء حرف جر ﴿ما﴾ مصدرية ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه وجملة ﴿يَكْفُرُونَ﴾: خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة ﴿مَا﴾ المصدرية ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر، مجرور بالباء، تقديره: بسبب كونهم كافرين، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نذيق﴾ والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ﴾ الموعظة: هي التذكير بالعواقب، سواء كان بالزجر والترهيب، أو بالاستمالة و"الترغيب" وفي "زاده" الموعظة: مصدر بمعنى: الوعظ، وهو إرشاد المكلف ببيان ما ينفعه من محاسن الأعمال، وما يضره من القبائح والترغيب في المحاسن، والزجر عن القبائح اهـ.
﴿وَشِفَاءٌ﴾ والشفاء: الدواء، وهو في الأصل مصدر، جعل وصفًا، مبالغة، أو اسم لما يشفى به أو يتداوى به، فهو كالدواء، اسم لما يتداوى به ﴿والهدى﴾: بيان الحق المنقذ من الضلال، ويكون في الاعتقاد بالحجة والبرهان، وفي العمل ببيان المصالح والحكم ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ والرحمة: الإحسان ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ وفضل لله: هو توفيقهم لتزكية أنفسهم، بالموعظة والهدى ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ والرحمة هي: الثمرة التي نتجت من ذلك، وبها فضلوا جميع الناس ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ والفرح: لذة في القلب، بإدراك المحبوب والمشتهى، يقال: فرحت بكذا إذا أدركت المأمول، ولذلك أكثر ما يستعمل الفرح، في اللذات البدنية الدنيوية،
стр. 5388
واستعمل هنا فيما يرغب فيه من الخيرات ﴿فِي شَأْنٍ﴾ والشأن: الخطب، والحال، والأمر الذي يتفق ويصلح، ولا يقال إلا فيما يعظم من الأحوال والأمور يجمع على شؤون، تقول العرب: ما شأن فلان؛ أي: ما حاله والشأن: اسم إذا كان بمعنى الخطب، ويكون مصدرًا إذا كان بمعنى القصد، يقال: شأنت شأنه؛ أي: قصدت قصده، فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، اهـ "أبو السعود". وشأن من باب نفع، كما في "القاموس"، والشأن أصله الهمز، وقد تبدل ألفًا: اهـ "شهاب". والذي في هذه الآية، يجوز أن يكون المراد به الاسم، ويجوز أن يكون المراد منه المصدر، يعني: قصد الشيء ﴿شُهُودًا﴾ وفي "المصباح": وشهدت على الشيء: اطلعت عليه، فأنا شاهد وشهيد، والجمع أشهاد وشهود، مثل شريف وأشراف، وقاعد وقعود.
﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ يقال: أفاض في الشيء، أو من المكان إذا اندفع فيه بقوة أو بكثرة ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ بضم الزاي وكسرها، قراءتان سبعيتان، وفي "المصباح" عزب الشيء، من باب قتل وضرب، إذا غاب وخفي، فهو عازب، ومنه قولهم: عزبت النية؛ أي: غاب عنه ذكرها، اهـ. وفي "المختار" أنه من باب دخل، وعزب الرجل بإبله يعزب؛ أي: بعد وغاب في طلب الكلأ ﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾؛ أي: موازن نملة صغيرة أو هباء، والمثقال: الوزن، والذرة: النملة الصغيرة الحمراء، وهي خفيفة الوزن جدًّا، وبها يضرب المثل في الصغر والخفة، وتطلق على الدقيقة من الغبار، الذي يرى في ضوء الشمس الداخل من الكوى إلى البيوت ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ والكتاب: هو اللوح المحفوظ ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ الأولياء: جمع ولي، من الولي، وهو القرب، يقال: تباعد بعد ولي، أي: بعد قرب. وفي "البيضاوي": أولياء الله: هم الذين يتولونه بالطاعة، ويتولاهم بالكرامة، اهـ. والولي: ضد العدو، فهو المحب، ومحبة العباد لله: طاعتهم له، ومحبته لهم إكرامه إياهم، كما في "شرح الكشاف"، وعلى الأول: يكون فعيل: بمعنى فاعل: وعلى الثاني: بمعنى مفعول، فهو مشترك بينهما، اهـ "شهاب". واعلم أن تركيب الواو واللام والياء، يدل على معنى القرب، فولي كل شيء، هو الذي يكون قريبًا منه، والقرب من الله بالمكان والجهة محال،
стр. 5389
فالقرب منه إنما يكون إذا كان القلب مستغرقًا في نور معرفة الله. وفي "الخازن": وأصل الولي، من الولاء، وهو القرب والنصرة، فولي الله، هو الذي يتقرب إلى الله بكل ما افترض الله عليه، ويكون مشتغلًا بالله، مستغرق القلب في نور معرفة جلال الله تعالى ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ البشرى: مصدر كالرجعى، الخبر السار الذي تنبسط به بشرة الوجه، فتتهلل وتبرق أساريره، وأريد به هنا المبشر به، ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ العزة: الغلبة والقوة والقدرة، فعزة الله هي العزة الكاملة التي تندرج فيها عزة الإلهية والإحياء والإماتة، وعزة البقاء الدائم، ونحو ذلك.
﴿جَمِيعًا﴾ توكيد للعزة، ولم يؤنث بالتاء: لأن فعيلًا يستوى فيه المذكر والمؤنث، لشبهه بالمصادر. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ والخرص: الحزر بتقديم الزاي على الراء، والتقدير والتخمين للشيء: الذي لا يجري على قياس من وزن أو كيل، أو ذرع، كخرص الثمر على الشجر، والحب في الزرع، ويستعمل بمعنى الكذب أيضًا؛ لأنه يغلب فيه الحزر والتخمين. وفي "المصباح": خرصت النخل خرصًا - من باب قتل - حزرت ثمره، والاسم الخرص بالكسر، وخرص الكافر خرصًا فهو خارص إذا كذب اهـ. ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ الولد، يستعمل فردًا وجمعًا، وقد يجمع على أولاد وولدة وإلدة، بالكسر فيهما. ﴿وسبحان﴾ كلمة تنزيه وتقديس، وتستعمل للتعجب. ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ والسلطان: الحجة والبرهان.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ المراد بها القلوب، من باب تسمية الحال ﴿القلوب﴾ باسم المحل ﴿الصُّدُورِ﴾ أي: شفاء لما في القلوب من الحقد والحسد والبغض والعقائد الفاسدة.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ عطفت الجملة الثانية على
стр. 5390
الأولى، للتقرير والتأكيد.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ وفي قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ وفي قوله: ﴿وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ﴾ وفي قوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ وبين الليل والنهار في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ إلخ.
ومنها: عطف ما للشيء الواحد من الصفات بعضها على بعض في قوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ تنزيلًا لتغاير الصفات منزلة تغاير الذات.
ومنها: القصر في قوله: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ لأن تقديم الجار والمجرور على الفعل يفيد الحصر.
ومنها: إظهار الاسم الجليل وتقديمه على الفعل في قوله: ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ دلالة على كمال قبح افترائهم وتأكيدًا للتبكيت.
ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ حيث أتى بحرف التنبيه، وبـ ﴿إِنَّ﴾ المؤكدة، وبالجملة الاسمية لزيادة تقرير مضمونها.
ومنها: الاعتراض في قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ فهاتان الجملتان اعتراض لتحقيق البشارة وتعظيم شأنها، وليس من شأن الاعتراض أن يقع في أثناء الكلام، اهـ "أبو السعود". وعبارة "التلخيص": ومنه الاعتراض، وهو أن يؤتى في أثناء كلام، أو بين كلامين متصلين معنى، بجملة أو أكثر، لا محل لها من الإعراب، لنكتة، سوى دفع الإيهام، انتهت.
ومنها: الاحتباك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ حيث حذف من كل نظير ما أثبته في الآخر، فحذف من الأول وصف الليل وهو مظلمًا، وذكر حكمته وحذف من الثاني لحكمه وذكر وصفه مبصرًا، والأصل هو الذي جعل لكم الليل مظلمًا، لتسكنوا فيه، والنهار مبصرًا لتبتغوا وتتحركوا فيه.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ فإن إسناد الإبصار إلى
стр. 5391
النهار مجاز عقلي؛ لأنه يبصر فيه، فهو من الإسناد إلى الظرف.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
من الخلاف، وذلك تسلية للرسول، ﷺ ، وليتأسى بمن قبله من الأنبياء، فيخف عليه ما يلقى منهم من التكذيب، وقلة الأتباع، وليعلم المتلو عليهم هذا القصص عاقبة من كذب الأنبياء، وما منح الله تعالى، نبيه من العلم بهذا القصص، وهو لم يطالع كتابًا ولا صحب عالمًا، وإنها طبق ما أخبر به، فدل ذلك على أن الله أوحاه إليه وأعلمه به، وأنه نبي لا شك فيه.
وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (١) ذكر عناد المشركين لرسوله ﷺ ، وتكذيبهم له، بعد أن قامت البراهين على صدقه .. أردف ذلك بذكر أقوام الرسل قبله تسلية له، ﷺ ، وبيانًا بأن قومه لم يكونوا بدعًا في عنادهم وتكذيبهم له، بل سبقهم في مثل فعلهم كثير من سالفي الأمم، وكانت العاقبة فوز الرسل عليهم، وأمّ الله لهم النصر، فلعل أولئك القوم يتدبرون حالهم، فينزجروا بما فيه مزدجر لهم، ويعترفوا بصدقه، ﷺ ، ويؤمنوا به قبل أن تفوت الفرصة السانحة، فيندمون، ولات ساعة مندم.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (٢) ذكر قصص نوح مع قومه، وبين عاقبة أمرهم حين كذبوه ونصر الله له عليهم .. بين هنا عبرة أخرى من عبر مكذبي الرسل، وسنةً من سننه فيهم، عسى أن يعتبر بها أهل مكة، فيعلموا أن لله سننًا لا تبديل فيها، ولا تحويل، فيتقوا مثل تلك العاقبة التي حلت بمن قبلهم، من المكذبين من قوم نوح وغيرهم، واتقاؤه في مكنتهم، وهو بأيديهم يمكنهم أن يجتنبوه ويبتعدوا عن أسبابه كالكفر والاعتداء والظلم ونحوها.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ ...﴾ الآية، أفردت قصة موسى وهارون مع فرعون وملئه، وفصلت تفصيلًا وافيًا، لما لها من شديد الخطر وعظيم الأثر إذ فيها من العبرة أن قوة الحق تثل العروش وتهد أركان الباطل، وإن علا أصحابه فقد كان الفَلْج والظفر لموسى على ذلك الطاغية، الذي قال:
стр. 5394
أنا ربكم الأعلى، وانتهى أمره بالغرق وصار مثلًا للآخرين.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: لما كانت الآيات الماضية في ذكر الحوار بين موسى وفرعون .. ذكر هنا ما فعل فرعون في مقاومة دعوة موسى، لصد الناس عن اتباعه، باعتبار أنه ساحر، فأحضر السحرة ليقاوموا عمله، ويتغلبوا عليه فيبطلوا حجته.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآيات لما قبلها، لما ذكر الله ما فعله فرعون لمقاومة دعوة موسى .. أردف ذلك بذكر ما كان من بني إسرائيل مع موسى، توطئةً لإخراجهم من أرض مصر.
التفسير وأوجه القراءة
٧١ - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: واقرأ أيها الرسول على المشركين من أهل مكة وغيرهم، فيما أوعدتهم به من عقاب الله لهم، على مقتضى سننه في المكذبين لرسله من قبلك ﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾؛ أي: بعض خبر نوح وقصته مع قومه، الذين هم أشباه قومك في العناد، ليصير داعيًا إلى مفارقة الإنكار للتوحيد والنبوة ﴿إِذْ قَالَ﴾ نوح؛ أي: حين قال ﴿لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: شق عليكم وثقل ﴿مَقَامِي﴾ فيكم؛ أي: قيامي فيكم بالدعوة إلى عبادة ربكم، أو مكثي فيكم مدة طويلة ﴿وَتَذْكِيرِي﴾؛ أي: مع وعظي إياكم ﴿بِآيَاتِ﴾ التكوينية والتنزيلية الدالة على وحدانيته، ووجوب عبادته، فالواو بمعنى: مع، والمعنى: إن كان عظم عليكم مكثي بينكم مع تذكيري بآيات الله ﴿فَعَلَى اللَّهِ﴾ لا على غيره ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ واعتمدت ووثقت به وفوضت أمري إليه، وهذه الجملة جواب الشرط، والمعنى: إني لا أقابل ذلك منكم إلا بالتوكل على الله، فإن ذلك دأبي الذي أنا عليه قديمًا وحديثًا. ويجوز أن يكون جواب الشرط ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ وجملة ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعتراض كقولك: إن كنت أنكرت عليّ شيئًا فالله حسبي.
والمعنى عليه: يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي فيكم .. فإنني قد وكلت أمري إلى الله الذي أرسلني، واعتمدت عليه وحده، بعد أن أديت رسالته بقدر
стр. 5395
طاقتي ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾؛ أي: فأعدوا أمركم، واعزموا على ما تقدمون عليه في أمري وإهلاكي ﴿و﴾ ادعوا ﴿شركاءكم﴾ وأصنامكم الذين تعبدونهم من دون الله لنصرتكم، كما أنا أدعو ربي، وأتوكل عليه. وإنما (١) حثهم على الاستعانة بالأصنام بناءً على مذهبهم واعتقادهم أنها تضر وتنفع مع اعتقاده أنها جماد لا تضر ولا تنفع، فهو كالتبكيت والتوبيخ لهم. أو ادعوا من يشاركونكم في الدين والقول، ليساعدوكم فيما تريدون بي، من السعي في إهلاكي ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ﴾ الذي تعتزمونه في إهلاكي ﴿عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾؛ أي: غمًّا وهمًّا ومبهمًا، وخفيًّا عليكم فيه حيرة ولبس، بل كونوا على بصيرة كيلا تتحولوا عنه، والغم والغمة، كالكرب والكربة، والمعنى: ولا يكن قصدكم إلى هلاكي مستورًا عليكم، ولكن مكشوفًا مشهورًا تجاهرونني به ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾؛ أي: ثم أدوا إلى ذلك الأمر بعد إجماعه واعتزامه، وبعد استبانته التي لا غمة فيها ولا التباس بأن تنفذوه بالفعل بعد استيفاء مقدماته كلها ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾؛ أي: ولا تمهلوني بتأخير هذا القضاء عني بعد إعلامكم إياي ما اتفقتم عليه.
والخلاصة (٢): أن نوحًا طلب إلى قومه على كثرتهم وقوتهم أن يفعلوا ما استطاعوا من الإيقاع به، مطالبةً المدل الواثق ببأسه وقوته، المعتصم بإيمانه بوعد ربه وتوكله عليه، فأمرهم بإجماع أمرهم بصادق العزيمة، وقوة الإرادة، وأن يضموا إلى هذه القوة النفسية قوة الإيمان بشركائهم وآلهتهم، وأن لا يكون في أمرهم الذي أجمعوا عليه شيء من الغمة والخفاء، الذي قد يوجب الوهن والتردد في التنفيذ.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿مَقَامِي﴾ بفتح الميم؛ أي: قيامي بالتذكير والدعوة إلى التوحيد. وقرأ أبو مجلز وأبو رجاء وأبو الجوزاء ﴿مقامي﴾ بضمها؛ أي: إقامتي ومكثي بين أظهركم. وقرأ الجمهور: ﴿فأجمعوا﴾ بقطع الهمزة من أجمع الرجل