من الخلاف، وذلك تسلية للرسول، ﷺ ، وليتأسى بمن قبله من الأنبياء، فيخف عليه ما يلقى منهم من التكذيب، وقلة الأتباع، وليعلم المتلو عليهم هذا القصص عاقبة من كذب الأنبياء، وما منح الله تعالى، نبيه من العلم بهذا القصص، وهو لم يطالع كتابًا ولا صحب عالمًا، وإنها طبق ما أخبر به، فدل ذلك على أن الله أوحاه إليه وأعلمه به، وأنه نبي لا شك فيه.
وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (١) ذكر عناد المشركين لرسوله ﷺ ، وتكذيبهم له، بعد أن قامت البراهين على صدقه .. أردف ذلك بذكر أقوام الرسل قبله تسلية له، ﷺ ، وبيانًا بأن قومه لم يكونوا بدعًا في عنادهم وتكذيبهم له، بل سبقهم في مثل فعلهم كثير من سالفي الأمم، وكانت العاقبة فوز الرسل عليهم، وأمّ الله لهم النصر، فلعل أولئك القوم يتدبرون حالهم، فينزجروا بما فيه مزدجر لهم، ويعترفوا بصدقه، ﷺ ، ويؤمنوا به قبل أن تفوت الفرصة السانحة، فيندمون، ولات ساعة مندم.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (٢) ذكر قصص نوح مع قومه، وبين عاقبة أمرهم حين كذبوه ونصر الله له عليهم .. بين هنا عبرة أخرى من عبر مكذبي الرسل، وسنةً من سننه فيهم، عسى أن يعتبر بها أهل مكة، فيعلموا أن لله سننًا لا تبديل فيها، ولا تحويل، فيتقوا مثل تلك العاقبة التي حلت بمن قبلهم، من المكذبين من قوم نوح وغيرهم، واتقاؤه في مكنتهم، وهو بأيديهم يمكنهم أن يجتنبوه ويبتعدوا عن أسبابه كالكفر والاعتداء والظلم ونحوها.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ ...﴾ الآية، أفردت قصة موسى وهارون مع فرعون وملئه، وفصلت تفصيلًا وافيًا، لما لها من شديد الخطر وعظيم الأثر إذ فيها من العبرة أن قوة الحق تثل العروش وتهد أركان الباطل، وإن علا أصحابه فقد كان الفَلْج والظفر لموسى على ذلك الطاغية، الذي قال:
стр. 5394
أنا ربكم الأعلى، وانتهى أمره بالغرق وصار مثلًا للآخرين.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: لما كانت الآيات الماضية في ذكر الحوار بين موسى وفرعون .. ذكر هنا ما فعل فرعون في مقاومة دعوة موسى، لصد الناس عن اتباعه، باعتبار أنه ساحر، فأحضر السحرة ليقاوموا عمله، ويتغلبوا عليه فيبطلوا حجته.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآيات لما قبلها، لما ذكر الله ما فعله فرعون لمقاومة دعوة موسى .. أردف ذلك بذكر ما كان من بني إسرائيل مع موسى، توطئةً لإخراجهم من أرض مصر.
التفسير وأوجه القراءة
٧١ - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: واقرأ أيها الرسول على المشركين من أهل مكة وغيرهم، فيما أوعدتهم به من عقاب الله لهم، على مقتضى سننه في المكذبين لرسله من قبلك ﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾؛ أي: بعض خبر نوح وقصته مع قومه، الذين هم أشباه قومك في العناد، ليصير داعيًا إلى مفارقة الإنكار للتوحيد والنبوة ﴿إِذْ قَالَ﴾ نوح؛ أي: حين قال ﴿لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: شق عليكم وثقل ﴿مَقَامِي﴾ فيكم؛ أي: قيامي فيكم بالدعوة إلى عبادة ربكم، أو مكثي فيكم مدة طويلة ﴿وَتَذْكِيرِي﴾؛ أي: مع وعظي إياكم ﴿بِآيَاتِ﴾ التكوينية والتنزيلية الدالة على وحدانيته، ووجوب عبادته، فالواو بمعنى: مع، والمعنى: إن كان عظم عليكم مكثي بينكم مع تذكيري بآيات الله ﴿فَعَلَى اللَّهِ﴾ لا على غيره ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ واعتمدت ووثقت به وفوضت أمري إليه، وهذه الجملة جواب الشرط، والمعنى: إني لا أقابل ذلك منكم إلا بالتوكل على الله، فإن ذلك دأبي الذي أنا عليه قديمًا وحديثًا. ويجوز أن يكون جواب الشرط ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ وجملة ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعتراض كقولك: إن كنت أنكرت عليّ شيئًا فالله حسبي.
والمعنى عليه: يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي فيكم .. فإنني قد وكلت أمري إلى الله الذي أرسلني، واعتمدت عليه وحده، بعد أن أديت رسالته بقدر
стр. 5395
طاقتي ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾؛ أي: فأعدوا أمركم، واعزموا على ما تقدمون عليه في أمري وإهلاكي ﴿و﴾ ادعوا ﴿شركاءكم﴾ وأصنامكم الذين تعبدونهم من دون الله لنصرتكم، كما أنا أدعو ربي، وأتوكل عليه. وإنما (١) حثهم على الاستعانة بالأصنام بناءً على مذهبهم واعتقادهم أنها تضر وتنفع مع اعتقاده أنها جماد لا تضر ولا تنفع، فهو كالتبكيت والتوبيخ لهم. أو ادعوا من يشاركونكم في الدين والقول، ليساعدوكم فيما تريدون بي، من السعي في إهلاكي ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ﴾ الذي تعتزمونه في إهلاكي ﴿عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾؛ أي: غمًّا وهمًّا ومبهمًا، وخفيًّا عليكم فيه حيرة ولبس، بل كونوا على بصيرة كيلا تتحولوا عنه، والغم والغمة، كالكرب والكربة، والمعنى: ولا يكن قصدكم إلى هلاكي مستورًا عليكم، ولكن مكشوفًا مشهورًا تجاهرونني به ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾؛ أي: ثم أدوا إلى ذلك الأمر بعد إجماعه واعتزامه، وبعد استبانته التي لا غمة فيها ولا التباس بأن تنفذوه بالفعل بعد استيفاء مقدماته كلها ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾؛ أي: ولا تمهلوني بتأخير هذا القضاء عني بعد إعلامكم إياي ما اتفقتم عليه.
والخلاصة (٢): أن نوحًا طلب إلى قومه على كثرتهم وقوتهم أن يفعلوا ما استطاعوا من الإيقاع به، مطالبةً المدل الواثق ببأسه وقوته، المعتصم بإيمانه بوعد ربه وتوكله عليه، فأمرهم بإجماع أمرهم بصادق العزيمة، وقوة الإرادة، وأن يضموا إلى هذه القوة النفسية قوة الإيمان بشركائهم وآلهتهم، وأن لا يكون في أمرهم الذي أجمعوا عليه شيء من الغمة والخفاء، الذي قد يوجب الوهن والتردد في التنفيذ.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿مَقَامِي﴾ بفتح الميم؛ أي: قيامي بالتذكير والدعوة إلى التوحيد. وقرأ أبو مجلز وأبو رجاء وأبو الجوزاء ﴿مقامي﴾ بضمها؛ أي: إقامتي ومكثي بين أظهركم. وقرأ الجمهور: ﴿فأجمعوا﴾ بقطع الهمزة من أجمع الرجل
стр. 5396
الشيء إذا عزم عليه ونواه. قال الشاعر:
أَجْمَعُوْا أَمْرَهُمْ بِلَيْلٍ فَلَمَّا ... أَصْبَحُوْا أصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوْضَاءُ
وقال أبو فيد السدوسي أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه. وقال أبو الهيثم: أجمع أمره جعله مجموعًا بعد ما كان متفرقًا. وعلى هذه القراءة يكون ﴿وشركاءكم﴾ معطوفًا على أمركم على حذف مضاف؛ أي: وأمر شركائكم أو منصوبًا بإضمار فعل؛ أي: وادعوا ﴿وشركاءكم﴾. وقال أبو علي: وقد ينصب الشركاء بواو المعية. وقرأ الزهري والأعمش والجحدري وأبو رجاء والأعرج والأصمعي، عن نافع ويعقوب بخلاف عنه: ﴿فاجمعوا﴾ بوصل الألف وفتح الميم من جمع الثلاثي يجمع جمعًا، ﴿وشركاءكم﴾ عطف على أمركم؛ لأنه يقال: جمعت شركائي أو على أنه مفعول معه، أو على حذف مضاف أي: ذوي الأمر منكم فجرى على المضاف إليه ما جرى على المضاف لو ثبت، قاله أبو علي. وفي كتاب "اللوامح": أجمعت؛ أي: جعلته جميعًا وجعلت الأموال جميعًا، فكان الإجماع في الأحداث والجمع في الأعيان وقد يستعمل كل واحد مكان الآخر، وفي التنزيل فجمع كيده. انتهى.
وقرأ (١) أبو عبد الرحمن والحسن وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وسلام ويعقوب فيما روي عنه: ﴿وشركاؤكم﴾ بالرفع ووجه بأنه عطفه على الضمير في ﴿فأجمعوا﴾ وقد حصل الفصل بالمفعول فحسن، أو على أنه مبتدأ محذوف الخبر، لدلالة ما قبله عليه؛ أي: وشركاؤكم فليجمعوا أمرهم. وقرأت فرقة: وشركائكم بالخفض عطفًا على الضمير في أمركم؛ أي: وأمر شركائكم فحذف كقول الآخر:
أكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبِيْنَ امْرَأً ... وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارَا
أي: وكل نار فحذف كل لدلالة ما قبله عليه. وقرأ السري بن ينعم؛ ثم أفضوا بالفاء وقطع الهمزة؛ أي: انتهوا إليَّ بشركم من أفضى بكذا: انتهى إليه.
стр. 5397
وقيل معناه: أسرعوا، وقيل: من أفضى إذا خرج إلى الفضاء؛ أي: فأصحروا به إلي وأبرزوه.
وهذا الكلام (١) من نوح ﵇ على طريق التعجيز لهم، أخبر الله عن نوح ﵇: أنه كان قد بلغ الغاية في التوكل على الله، وأنه كان وائقًا بنصره إياه، غير خائف من كيدهم، علمًا منه بأنهم وآلهتهم ليس لهم نفع ولا ضر، وأن مكرهم لا يصل إليه.
٧٢ - ثم بين لهم أن كل ما أتى به إليهم، من الإعذار، والإنذار، وتبليغ الشريعة عن الله، ليس هو لطمع دنيوي، ولا لغرض خسيس، فقال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أي: فإن أعرضتم عن العمل بنصحي لكم، وتذكيري إياكم، أي: إن دمتم على إعراضكم بعد دعائي إياكم، وتبليغ رسالة ربي إليكم ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾؛ أي: فلن يضرني ذلك؛ لأني لم أسألكم على ما دعوتكم إليه أجرًا ولا جزاءً تؤدونه إليّ حتى تتهموني فيما جئت به، فجواب الشرط محذوف، كما في "الشهاب" والفاء في ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والفاء في ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ﴾ جزائية ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ ، أي: ما جزاء عملي وثواب دعوتي، إلا على ربي الذي أرسلني إليكم، فهو يوفيني إياه، آمنتم أو توليتم ﴿وَأُمِرْتُ﴾ من جهة ربي ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ بالفعل ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي: من المنقادين لما أدعوكم إليه، الذين يجعلون أعمالهم خالصة لله ، لا يأخذون عليها أجرًا، ولا يطمعون في عاجل، أو من (٢) المسلمين لكل ما يصعب من البلاء؛ أي: من المستسلمين لأمر الله، ولكل مكروه يصل إليّ منكم، لأجل هذه الدعوة. قرأ (٣) أل المدينة وأبو عمرو وابن عامر وحفص، بتحريك الياء من أجري. وقرأ الباقون، بالسكون.
٧٣ - ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾؛ أي: فكذب نوحًا قومه؛ أي: استمروا على تكذيبه وأصروا
стр. 5398
عليه، وليس المراد أنهم أحدثوا تكذيبه بعد أن لم يكن؛ أي: فأصروا على تكذيبه بعد أن أقام عليهم الحجة، بقوله وعمله على حقيقة دعوته ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾؛ أي: فنجينا نوحًا ومن آمن معه، وأجاب دعوته وصار على دينه في السفينة التي كان صنعها بأمرنا؛ أي: أعقبنا تكذيبه النجاة له ولمن معه، وكانوا أربعين رجلًا وأربعين امرأة. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾؛ أي وجعلنا الذين نجيناهم مع نوح في السفينة خلائف في الأرض، التي كانت للمهلكين بالغرق من قومه، الذين كذبوه بعد أن أنذرناهم فأغرقناهم، وحقت عليهم كلمة ربك يسكنونها. ويخلفونهم فيها. والخلائف، جمع خليفة، كصحائف جمع صحيفة. ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: بدلائل قدرتنا التكوينية والتنزيلية، من الكفار المعاندين لنوح ﵇، الذين لم يؤمنوا به، أغرقهم الله تعالى، بالطوفان، وإنما أخر ذكره وقدم الإنجاء، إشارةً إلى أن الرحمة سابقة على الغضب، لتعجيل المسرة لمن يمتثل الأمر ذكره "الصاوي". وفي هذا (١) الإخبار توعد للكفار بمحمد ﷺ وضرب مثال لهم، في أنهم بحال هؤلاء من التكذيب، فسيكون حالهم كحالهم في التعذيب ﴿فَانْظُرْ﴾ أيها الرسول، بعين بصيرتك وعقلك ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾؛ أي: على أي حالةٍ كانت عاقبة الذين أنذرهم رسولهم وقوع عذاب الله بهم، وأصروا على تكذيبه، وكيف صار آخر أمرهم، وهكذا عاقبة من يصرون على تكذيبك من قومك؛ وعاقبة المؤمنين المتقين لك.
وقيل: الخطاب في ﴿فَانْظُرْ﴾ للسامع لهذه القصة، وفي ذلك تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن أنذرهم الرسول، وتسلية له، ﷺ ، وتهديد للمشركين وتهويل عليهم
٧٤ - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: ثم أرسلنا من بعد نوح ﵇ ﴿رُسُلًا﴾ مثله كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾؛ أي: إلى أقوامهم الذين كانوا مثل قومه، في تكذيب رسلهم، فقد أرسل هود إلى عاد وصالح إلى ثمود، ولم يرسل رسول منهم إلى كل الأقوام، الذين كانوا في زمانه، إلا شعيبًا، فإنه أرسل إلى قومه، أهل مدين وإلى جيرانهم، أصحاب
стр. 5399
المؤتفكة، فقد كانوا متحدين معه لغةً ووطنًا ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: فجاء كل رسول منهم قومه بالحجج الدالة على صدقه في رسالته، بحسب ما يتسنى لهم فهمه، من الأدلة العقلية والحسية؛ أي: فجاء كل رسول منهم قومه المخصوصين به، بالمعجزات الدالة على صدق ما قاله، وبما أرسله الله به، من الشرائع التي شرعها الله لقوم كل نبي ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: فما (١) كانوا ليصدقوا بما كذبوا به، من أصول الشرائع التي أجمعت عليها الرسل قاطبةً، ودعوا أممهم إليها من قبل مجيء رسلهم؛ أي: كانت حالهم بعد مجيء الرسل كحالهم قبل ذلك، كأن لم يبعث إليهم أحد، أو المعنى؛ أي: فما استقام لقوم من أولئك الأقوام أن يؤمن المتأخر منهم بما كذب به المتقدم من قبل، ممن كان مثله في سبب كفره، وهو استكبار الرؤساء وتقليد الدهماء.
وعبارة "الشوكاني" هنا: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾؛ أي (٢): فما أحدثوا الإيمان بل استمروا على الكفر وأصروا عليه، والمعنى: أنه ما صح ولا استقام لقوم من أولئك الأقوام، الذين أرسل الله إليهم رسله؛ أن يؤمنوا في وقت من الأوقات ﴿بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل تكذيبهم الواقع منهم عند مجيء الرسل إليهم.
والمعنى: أن كل قوم من العالم لم يؤمنوا زمن أن أرسل الله إليهم الرسول المبعوث إليهم على الخصوص بما كانوا مكذبين به من قبل مجيئه إليهم؛ لأنهم كانوا غير مؤمنين بل مكذبين بالدين، ولو كانوا مؤمنين لم يبعث إليهم رسولًا وهذا مبني على أن الضمير في قوله: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ وفي قوله: ﴿بِمَا كَذَّبُوا﴾ راجع إلى القوم المذكورين في قوله: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ وقيل: ضمير ﴿كَذَّبُوا﴾ راجع إلى قوم نوح؛ أي: فما كان قوم الرسل ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح، من قبل أن يأتي هؤلاء الأقوام، الذين جاؤوا من بعدهم وجاءتهم رسلهم بالبينات. وقيل: إن الباء في ﴿بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ للسببية؛ أي: فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بسبب ما اعتادوه من تكذيب من قبل مجيئهم وفيه نظر. وقيل المعنى: بما كذبوا به من قبل؛ أي: في عالم الذر، فإن فيهم من كذب
стр. 5400
بقلبه وإن آمنوا ظاهرًا. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل: إنه لقوم بأعيانهم، انتهت. ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك الطبع العظيم الذي طبعناه على قوم نوح، ومن بعدهم من الأمم ﴿نَطْبَعُ﴾ ونختم ﴿عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ أي: على قلوب المتجاوزين الحد في الكفر والتكذيب والعناد، المتجافين عن قبول الحق وسلوك طريق الرشاد، وذلك بخذلانهم وتخليتهم وشأنهم، لانهماكهم في الغي والضلال، أمثالهم في كل قوم كقومك إذ كانوا مثلهم في اللجاج والعتو والاستكبار في الأرض ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ وقرأ الجمهور (١): ﴿نَطْبَعُ﴾ بالنون، والعباس بن الفضل، بالياء والكاف للتشبيه؛ أي: مثل ذلك الطبع المحكم الذي يمتنع زواله، نطبع على قلوب المعتدين المجاوزين طورهم والمبالغين في الكفر والتكذيب والعناد والعتو.
٧٥ - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ هذا عطف قصة على قصة، وخاص على عام، لمزيد الغرابة في وقائع موسى مع فرعون، كل هذا تسلية للنبي، ﷺ ؛ أي: ثم أرسلنا من بعد أولئك الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم، ﴿مُوسَى﴾ بن عمران ﴿و﴾ أخاه ﴿هارون﴾ معه ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾؛ أي: إلى فرعون مصر وأشراف قومه، وخصهم بالذكر؛ لأن قومهم القبط كانوا تبعًا لهم، يكفرون بكفرهم ويؤمنون بإيمانهم إن آمنوا، ويرجعون إليهم في إقامة المصالح والمهمات حالة كونهما مؤيدين ﴿بِآيَاتِنَا﴾ التسع المبينة في سورة الأعراف، وخص موسى وهارون بالذكر مع دخولهما تحت الرسل، لمزيد شرفهما وخطر شأن ما جرى بينهما وبين فرعون ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن قبولها ولم يتواضعوا لها؛ أي: أعرضوا عن الإيمان بها كبرًا وعلوًا، مع علمهم بأن ما جاءا به هو الحق لما كانوا عليه من العلم بصناعة السحر ﴿و﴾ لما ﴿كانوا قوما مجرمين﴾؛ أي: راسخين في الإجرام والظلم والفساد في الأرض، فبسبب ذلك اجترؤوا على ردها؛ لأن الذنوب تحول بين صاحبها وبين إدراك الحق وإبصار الصواب. قيل: وهذه الجملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها، والاستكبار (٢): ادعاء الكبر من غير استحقاق، والفاء فيه فاء
стр. 5401
الفصيحة؛ أي: فأتياهم فبلغاهم الرسالة، فاستكبروا عن اتباعها، اهـ "أبو السعود". وأعظم الكبر أن يتعاظم العبيد عن قبول رسالة ربهم بعد تبيينها واستيضاحها.
٧٦ - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾؛ أي: فلما جاء فرعون وقومه الحق، الذي جاء به موسى من عند الله تعالى، من الحجج والمعجزات الدالة على الربوبية والألوهية ﴿قَالُوا﴾ من فرط عتوهم وعنادهم ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي جاء به موسى ﴿لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ واضح لمن رآه وعاينه يعرفه كل أحد قالوا (١): - لحبهم الشهوات - إن هذا لسحر مبين، وهم يعلمون أن الحق أبعد شيء من السحر، الذي ليس إلا تمويهًا وباطلًا، ولم يقولوا: إن هذا لسحر مبين إلا عند معاينة العصا وانقلابها، واليد وخروجها بيضاء، ولم يتعاطوا إلا مقاومة العصا، وهي معجزة موسى التي وقع فيها عجز المعارض. وقرأ (٢) مجاهد وابن جبير والأعمش: ﴿لساحر مبين﴾ جعل خبر إن اسم فاعل، لا مصدرًا. لقراءة الجماعة.
٧٧ - ﴿قَالَ﴾ لهم موسى على وجه الإنكار والتوبيخ ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ﴾ الواضح الظاهر وهو أبعد الأشياء عن السحر، الذي هو باطل ﴿لَمَّا جَاءَكُمْ﴾؛ أي: حين جاءكم إنه سحر، من غير أن تترووا، وتتدبروا فيه، وما ترونه بأعينكم من آيات الله، وترجف له قلوبكم من عظمته، لا يمكن أن يكون سحرًا من جنس ما تعرفونه وتصنعونه بأيديكم، ومقولهم محذوف، كما قدرناه في الحل آنفًا، بقولنا: إنه سحر. والاستفهام هنا وفيما بعده للإنكار، كما أشرنا إليه. ثم استأنف إنكار ما قالوه فقال؛ ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ خبر ومبتدأ؛ أي: أسحر هذا الحق الذي جئت به الذي أمره واضح مكشوف وشأنه مشاهد معروف، لا يعني إنه ليس بسحر. وجملة قوله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ في محل نصب على الحال من واو أتقولون، والرابط هو الواو بلا ضمير، كما في قول من قال: جاء الشتاء ولست أملك عدة؛ أي: أتقولون للحق إنه سحر، والحال أنه؛ أي: أن الشأن والحال لا يفلح الساحرون، أي: لا يظفرون بمطلوب ولا يفوزون بخير ولا ينجون من مكروه، فكيف يقع في هذا من هو مرسل من عند رب العالمين؟ وقد أيده بالمعجزات
стр. 5402
والبراهين الواضحة، وقد مضت سنة الله، بأن السحرة لا يفوزون في الأمور الهامة، كالدعوة لدين، والتأسيس لملك، وذلك ما تتهمونني به على ضعفي وقوتكم، فإن السحر خيال وشعوذة، لا تلبث أن تفتضح وتزول.
٧٨ - وجملة قوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا﴾ مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، واقعًا في جواب سؤال مقدر تقديره: فماذا قالوا بعد أن قال لهم موسى ما قال؛ أي: قالوا لموسى منكرين ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾؛ أي: لتصرفنا ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ من عبادة الأصنام ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ﴾؛ أي: الملك والعز ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في أرض مصر ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: بمصدقين والهمزة في ﴿أَجِئْتَنَا﴾ للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي؛ أي (١): قالوا له منكرين: ما جئتنا إلا لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا من ديننا، لنتبع دينك وتكون لك ولأخيك كبرياء الرياسة الدينية وما يتبعها، من كبرياء الملك والعظمة الدنيوية التابعة لها في أرض مصر كلها، وما نحن بمتبعين لكما اتباع إيمان وإذعان، فيما يخرجنا من دين آبائنا، الذي تدين به عامتنا وتتمتع بكبريائه خاصتنا، وهم الملك وأشراف قومه.
والخلاصة: أنه لا غرض لك من تلك الدعوة إلا هذا، وإن لم تعترف به، وقد وجهوا الخطاب أولًا لموسى؛ لأنه هو الداعي لهم، وأشركوا معه أخاه في فائدة الدعوى، والغرض منها، وهي الكبرياء في الأرض؛ لأنهما سيشتركان فيها. وقرأ (٢) ابن مسعود وإسماعيل والحسن فيما زعم خارجة وأبو عمرو وعاصم، بخلاف عنهما ويكون بالياء التحتانية لمجاز تأنيث الكبرياء. وقرأ الجمهور: بالتاء الفوقانية لمراعاة تأنيث اللفظ.
٧٩ - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لملئه بعد أن يئس من إلزامه بالقول: اعملوا على دفع حجته بالفعل و ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ بفنون السحر حاذق ماهر فيه، قال: هكذا، لما رأى اليد البيضاء والعصا؛ لأنه اعتقد أنهما من السحر فأمر قومه بأن يأتوه بكل ساحر عليم. والمخاطب بقوله: ﴿ائْتُونِي﴾ خدمة فرعون، والمتصرفون بين يديه. وقرأ (٣) ابن مصرف وابن وثاب وعيسى وحمزة
стр. 5403
والكسائي: ﴿بكل سحار﴾ بصيغة المبالغة. وقرأ الباقون: ﴿سَاحِرٍ﴾ بصيغة اسم الفاعل. وقد تقدم الكلام على هذا في الأعراف.
٨٠ - قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾ معطوف على محذوف، تقديره: فأتوا بالسحرة، فلما جاء السحرة ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾؛ أي: اطرحوا على الأرض ما معكم من الحبال والعصي؛ أي: قال لهم هذه المقالة بعد أن خيروه بين أن يلقي ما عنده أولًا، أو يلقوا ما عندهم، كما جاء ذلك في سورتي الأعراف وطه، ليظهر الحق ويبطل الباطل
٨١ - ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾ حبالهم وعصيهم السحرية واسترهبوا الناس ﴿قَالَ﴾ لهم ﴿مُوسَى﴾ غير مبالٍ بهم، ولا بما صنعوا ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾؛ أي: إن هذا الذي فعلتم وألقيتموه أمام النظارة هو السحر؛ أي: التمويه الذي يظهر بطلانه، لا ما جئت به من الآيات البينات من عند الله، تعالى. وقد سماه فرعون وملؤه سحرًا. وقرأ أبو عمرو ومجاهد وأصحابه وابن القعقاع وأبو جعفر بهمزة الاستفهام في قوله: ﴿السحر﴾ بإبدال (١) الهمرة الثانية ألفًا، ومدها مدًّا لازمًا، أو بتسهيلها من غير قلب، وعلى كليهما تجب الإمالة في موسى والمعنى: والذي جئتم به، أهو السحر أم لا؟ وهو استفهام على وجه التحقير والتوبيخ. وقرأ باقي السبعة والجمهور، بهمزة الوصل، والتقدير على الاستفهام، أهو السحر أم لا؟ وتكون ما استفهامية منصوبة بـ ﴿جِئْتُمْ﴾ و ﴿السِّحْرُ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أي شيء جئتم به، أهو السحر أم لا؟ وعلى قراءة همزة الوصل، تكون ﴿مَا﴾ موصولة مبتدأة والخبر ﴿السِّحْرُ﴾. وقرأ عبد الله والأعمش ﴿ما جئتم به سحر﴾. وقرأ أبي ﴿ما أتيتم به سحر﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿سَيُبْطِلُهُ﴾؛ أي: سيظهر بطلان ما جئتم به ويمحقه به بما يظهره على يدي، من الآيات المعجزة حتى يظهر للناس أنه صناعة لا آية خارقة للعادة، وحجة واضحة على بطلان حجتي.
ثم علل ما قال، ببيان سنن الله في تنازع الحق والباطل والصلاح والفساد
стр. 5404
فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: إن الله تعالى لا يجعل عمل المفسدين صالحًا للبقاء فيقويه بالتأييد الإلهي ويديمه بل يزيله ويمحقه ويدخل فيه السحر والسحرة دخولًا أوليًّا
٨٢ - ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾؛ أي: ويثبت الله الحق الذي فيه صلاح الخلق، وينصره على ما يعارضه من الباطل ويبينه ويوضحه ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ التنزيلية التي أنزلها في كتبه على أنبيائه، لاشتمالها على الحجج والبراهين، وبكلماته التكوينية وقضاياه السابقة في وعده. وقال ابن سلام، بكلماته بقوله: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ وهي مقتضى إرادته التشريعية التي يوحيها إلى رسله، ومن ثم سينصر موسى على فرعون، وينقذ قومه من عبوديته، والواو في قوله: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ للعطف على سيبطله. وقرىء ﴿بكلمته﴾ على التوحيد؛ أي: بأمره ومشيئته ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ من آل فرعون، أو المجرمون على العموم، ويدخل تحتهم آل فرعون دخولًا أوليًّا. والإجرام: الآثام؛ أي: ويظهر الله الحق وينصره، ولو كره من اتصف بالإجرام والآثام، إظهاره كفرعون وملئه.
٨٣ - وقوله: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ لما ذكر الله ما أتى به موسى، ﵇، من المعجزات العظيمة الباهرة، أخبر الله ، أنه مع مشاهدة هذه المعجزات، ما آمن لموسى إلا ذرية من قومه، وإنما ذكر الله هذا تسلية لنبيه محمَّد، ﷺ ؛ لأنه كان كثير الاهتمام بإيمان قومه، وكان يغتم بسبب إعراضهم عن الإيمان به واستمرارهم على الكفر، والتكذيب، فبين الله ، أن له أسوة بالأنبياء، عليهم الصلاة والسلام؛ لأن الذي جاء به موسى، ﵇، كان أمرًا عظيمًا، ومع ذلك فما آمن معه إلا ذرية من قومه.
والفاء في قوله: ﴿فَمَا آمَنَ﴾ عاطفة على مقدر فصل في مواضع أخر؛ أي: فألقى عصاه. فإذا هي تلقف ما يأفكون، فمع ظهور تلك المعجزات الباهرة ما آمن لموسى؛ أي: فما انقاد واستسلم لموسى إلا ذرية قلائل من قومه؛ أي: فما آمن من قوم موسى إلا قليل منهم، وهم بنو إسرائيل، الذين كانوا بمصر من أولاد يعقوب، وذلك أن موسى دعا الآباء إلى دينه فلم يجيبوا خوفًا من فرعون، وأجابته طائفة من شبانهم مع الخوف ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾؛ أي: آمنوا
стр. 5405
مع خوف من فرعون؛ لأنه كان شديد البطش، ومع خوف من ملأ فرعون، وأشراف قومه، وهم رؤساء الذرية، فإن أشراف بني إسرائيل كانوا يمنعون أولادهم من إجابة موسى، خوفًا من فرعون عليهم، وعلى أنفسهم، وإنما جمع الضمير في ﴿ملإيهم﴾ مع أنه عائد إلى فرعون وهو واحد، تفخيمًا له على حسب اعتقادهم، أو الضمير عائد على الذرية؛ أي: ملأ الذرية، وقد عرفت أن آباء الذرية كانوا من جملة ملأ فرعون ورؤسائه وعرفائه عليهم ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾؛ أي: من أن يصرفهم ويصدهم عن الإيمان بتسليط أنواع العذاب عليهم، وإنما قال: أن يفتنهم، ولم يقل: أن يفتنوهم؛ لأن قوم فرعون كانوا على مراده وتابعين لأمره، وهو بدل اشتمال من فرعون؛ أي: على خوف من فتنة فرعون. والمعنى: إن إصرار فرعون وقومه على الكفر بموسى، بعد خيبة السحرة وظور حقه على باطلهم، ثم عزمه على قتله، كما جاء في قوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾. وقرأ الحسن وجراح ونبيح ﴿يفتنهم﴾ بضم الياء من أفتن الرباعي. كل هذا أوقع الرعب والخوف في قلوب بني إسرائيل، قوم موسى، ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ وهم الأحداث والشبان، وكانوا خائفين من فرعون وأشراف قومهم الجبناء المرائين، الذين هم عرفاؤهم عند فرعون فيما يطلب منهم أن يضطهدوهم ويعذبوهم، ليرتدوا عن دينهم. ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي؛ لشديد العتو قويّ القهر في أرض مصر، فهو جدير بأن يخاف منه، كما حكى الله عنه بقوله: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾.
﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾؛ أي: لمن المجاوزين الحد في الظلم والفساد، بكثرة القتل والتعذيب، لمن يخالفه في أمر من الأمور، وبالكبر وغمص الحق واحتقار الخلق، ومن ثم ادعى الربوبية واسترق أسباط الأنبياء،
٨٤ - ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لمن آمن من قومه وقد رأى خوفهم من الفتنة والاضطهاد ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ حق الإيمان ﴿فَعَلَيْهِ﴾ لا على غيره ﴿تَوَكَّلُوا﴾؛ أي: اعتمدوا وبوعده فثقوا ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾؛ أي: مذعنين مستسلمين منقادين لأمره تعالى، إذ لا
стр. 5406
يكون الإيمان يقينًا إلا إذا صدقه العمل وهو الإِسلام، وخطاب موسى لمن آمن بقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ دليل على أن المؤمنين من الذرية كانوا من قومه. وليس (١) في الآية دلالة على إيمان جميع قومه، إذ الإيمان باللهِ غير الإيمان لموسى، المتضمن معنى الإِسلام، والاتباع، الذي أشير إليه بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ فهم قد طلبوا منه بعد ما نجاهم من الغرق، أن يجعل لهم آلهة من الأصنام، ثم اتخذوا العجل المصنوع وعبدوه. وقيل: إنما أعيد قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ بعد قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ لإرادة إن كنتم موصوفين بالإيمان القلبي وبالإِسلام الظاهري، ودلت الآية على أن التوكل على الله والتفويض لأمره من كمال الإيمان، وإن من كان يؤمن باللهِ فلا يتوكل إلا على الله لا على غيره.
٨٥ - ﴿فَقَالُوا﴾؛ أي: فقال: قوم موسى مجيبين له ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ لا على غيره ﴿تَوَكَّلْنَا﴾؛ أي: اعتمدنا في أمورنا كلها ثم دعوا ربهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: لا تجعلنا موضع فتنة لهم؛ أي: مفتونين لهم؛ أي (٢): لا تمكنهم من أن يحملونا بالقهر على أن ننصرف عن هذا الدين الحق، الذي قبلناه أو المعنى (٣): لا تظهرهم علينا، ولا تهلكنا بذنوبهم فيظنوا أنا لم نكن على الحق فيزدادوا طغيانًا وكفرًا. وقال مجاهد لا تعذبنا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق لما عذبوا، ويظنوا أنهم خير منا فيفتتنوا بذلك. وقيل معناه: لا تسلطهم علينا فيعذبونا، حتى يفتنونا عن ديننا.
٨٦ - ولما قدموا التضرع إلى الله سبحانه في أن يصون دينهم عن الفساد .. أتبعوه بسؤال عصمة أنفسهم فقالوا: ﴿وَنَجِّنَا﴾؛ أي: خلصنا ﴿بِرَحْمَتِكَ﴾ وحفظك وغوثك وإحسانك وإنعامك ﴿مِنَ﴾ أيدي ﴿الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: من أيدي فرعون وقومه، ومن سوء جوارهم وشؤم مصاحبتهم؛ لأنهم كانوا يستعبدونهم ويستعملونهم في الأعمال الشاقة. وفي هذا دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم.
стр. 5407
وخلاصة (١) ما قالوا: ربنا لا تسلطهم علينا فيفتنونا، ولا تفتنا بهم فنتولى عن اتباع نبينا، أو نضعف فيه، فرارًا من شدة ظلمهم لنا، ولا تفتنهم بنا فيزدادوا كفرًا وعنادًا وظلمًا بظهورهم علينا، ويظنوا أنهم على الحق ونحن على الباطل، وقد دلت التجارب على أن سوء حال المؤمنين، من ضعف أو فقر تجعلهم موضعًا لافتتان الكفار بهم، باعتقاد أنهم خير منهم، كما جاء في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾.
٨٧ - وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ ...﴾ الآية، لما أرسل (٢) موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخربت كلها، ومنعوا من الصلاة فأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلون فيها خوفًا من فرعون، فذلك قوله: ﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا﴾؛ أي: وقلنا لموسى وأخيه هارون اتخذا واجعلا لقومكما ﴿بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾؛ أي: بيوتًا في مصر تكون مساكن وملاجىء، تعتصمون بها ومرجعًا ترجعون إليها للعبادة.
والمعنى: أن الله أوحى إلى موسى وأخيه أن يتخذا لقومهما مساكن، بأرض مصر، يتوطنون بها، ويعبدون الله فيها رغمًا عن أنف عدوهم فرعون، وهذا طمأنينة للقوم، فإنهم كانوا خائفين من فرعون. وقيل: مصر (٣) في هذه الآية هي الإسكندرية، وقيل: هى مصر المعروفة لا الإسكندرية، ومصر من البحر إلى أسوان والإسكندرية من أرض مصر. وقرأ حفص في رواية هبيرة ﴿تبويا﴾ بالياء وهذا تسهيل غير قياسي، ولو جرى على القياس، لكان بين الهمزة والألف، ذكره أبو حيان.
﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾؛ أي: اجعلوها مستقبلة للقبلة لتصلوا فيها سرًّا، لئلا يصيبكم من الكفار معرة بسبب الصلاة، كما كان المؤمنون في أول الإِسلام بمكة على هذه الحالة، والمراد بالقبلة جهة بيت المقدس؛ لأنها قبلة اليهود إلى اليوم. وقيل: جهة الكعبة، وأنها قبلة موسى ومن معه ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ التي
стр. 5408
أمركم الله بإقامتها في تلك البيوت، متجهين إلى جهة واحدة؛ لأن الاتحاد في الاتجاه يساعد على اتحاد القلوب؛ أي: أتموها بشروطها وأركانها المعلومة عندهم. ﴿وَبَشِّرِ﴾ يا موسى ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: بشر قومك الذين آمنوا بك بحفظ الله إياهم من فتنة فرعون وملئه الظالمين لهم، وتنجيتهم من ظلمهم أو بشرهم، بالنصر في الدنيا، وبالجنة في العقبى.
وإنما (١) جعل الخطاب في أول الكلام مع موسى وهارون، ثم جعله لهما ولقومهما في قوله: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ثم أفرد موسى بالخطاب بعد ذلك في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأن اختيار المكان مفوض إلى الأنبياء، ثم جعل عامًّا في استقبال القبلة وإقامة الصلاة؛ لأن ذلك واجب على الجميع لا يختص بالأنبياء، ثم جعل خاصًّا بموسى؛ لأنه الأصل في الرسالة، وهارون تابع له، فكان ذلك تعظيمًا للبشارة وللمبشر بها. وقيل: إن الخطاب في ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لنبينا محمَّد ﷺ على طريقة الالتفات والاعتراض والأول أولى.
وعبارة المراغي هنا: وإنما خص موسى بالتبشير؛ لأن بشارة الأمة وظيفة صاحب الشريعة وأشرك معه هارون في أمر قومهما بالتبوؤ؛ لأنه مما يتولاه الرؤساء بتشاور بينهم، فهو تدبير عملي يقوم به هو ووزيره المساعد على تنفيذه، انتهت.
الإعراب
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾.
﴿وَاتْلُ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿اتْلُ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿عَلَيْهِمْ﴾، متعلق به ﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾، مفعول به ومضاف إليه، والجملة مستأنفة ﴿إِذْ﴾؛ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بـ ﴿نَبَأَ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿نُوحٍ﴾ والجملة في محل الجر مضاف إليه
стр. 5409
لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿لِقَوْمِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَالَ﴾.
﴿يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾.
﴿يَا قَوْمِ﴾: إلى قوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت يا: حرف نداء ﴿قوم﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿كَانَ﴾ في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ على كونها شأنية واسمها ضمير مستتر فيها، تقديره: هو، يعود إلى الشأن، أو زائدة لزيادتها بين أداة الشرط وفعله. ﴿كَبُرَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق به ﴿مَقَامِي﴾ فاعل ﴿كَبُرَ﴾. ﴿وَتَذْكِيرِي﴾ معطوف عليه ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَذْكِيرِي﴾ ﴿فَعَلَى اللَّهِ﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿إنْ﴾ الشرطية ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ على كونه جواب الشرط، ويجوز أن تكون جملة ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ معترضة، فيكون الجواب جملة ﴿أجمعوا﴾ وهذا أولى؛ لأنه لا يصح أن يكون توكلت جوابًا؛ لأنه لا يحسن ترتبه على الشرط، إذ هو متوكل على الله دائمًا، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول: قال، على كونها جواب النداء ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ الفاء: رابطة أو عاطفة ﴿أجمعوا أمركم﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجزم معطوفة على الجواب، أو هي جواب الشرط ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾: منصوب على كونه مفعولًا معه ولا يصح كونه معطوفًا على ﴿أَمْرَكُمْ﴾؛ لأن الشركاء ذوات لا يتسلط عليه ﴿أجمعوا﴾ إلا بقلة ويصح نصبه بإضمار فعل لائق، نحو: واستعينوا شركاءكم أو ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ واجمعوا شركاءكم، بهمزة الوصل على حد علفتها تبنًا، وماءً باردًا، أو يقدر مضاف في المعطوف، والتقدير: فأجمعوا أمركم وأمر شركائكم ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿لَا﴾: ناهية ﴿يَكُنْ﴾: فعل مضارع ناقص معطوف على ﴿أجمعوا﴾: على كونه جواب الشرط ﴿أَمْرُكُمْ﴾: اسم ﴿يَكُنْ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿غُمَّةً﴾ ﴿غُمَّةً﴾ خبر يكن منصوب ﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾
стр. 5410
الشرطية معطوف على قوله ﴿لَا يَكُنْ﴾؛ لأن العطف كان هنا بحرف مرتب ﴿إِلَيَّ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿اقْضُوا﴾ ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لَا﴾: ناهية ﴿تُنْظِرُونِ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾: الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والنون نون الوقاية؛ لأنها تقي الكسرة عن الفعل، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية، في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ في محل الجزم معطوفة على جملة قوله: ﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾ على كونها جواب الشرط.
﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما قلته لكم، وأردتم بيان شأني فيما إذا توليتم .. فأقول لكم ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَمَا﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا، لكون الجواب مقرونًا بـ ﴿ما﴾ النافية ﴿ما﴾ نافية ﴿سَأَلْتُكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها. ﴿مِنْ أَجْر﴾: مفعول ثانٍ لـ ﴿سأل﴾ و ﴿مِن﴾: زائدة، أو يقال: جواب ﴿إنْ﴾ الشرطية محذوف، تقديره: فإن توليتم، فلا ضير عليّ؛ لأني ما سألتكم عليه من أجر، والفاء في ﴿سَأَلْتُكُمْ﴾ تعليل للجواب المحذوف وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب ﴿إذَا﴾ المقدرة وجملة ﴿إذَا﴾ المقدرة مستأنفة على كونها مقول، قال. ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ﴿إنْ﴾ نافية ﴿أجري﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول قال ﴿وَأُمِرْتُ﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول قال ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ﴿أَكُونَ﴾: منصوب بها واسمها ضمير يعود على ﴿نُوحٍ﴾. ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ جار ومجرور خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: وأمرت بكوني من المسلمين، والجار
стр. 5411
المحذوف متعلق بـ ﴿أَكُونَ﴾.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾.
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: الفاء: عاطفة ﴿كذبوه﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة على جملة ﴿قَالَ﴾ على كونها مضافًا لـ ﴿إذْ﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ الفاء، عاطفة ﴿نجيناه﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿كَذَّبُواْ﴾ ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ الواو: عاطفة ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب، معطوف على مفعول ﴿نجيناه﴾ ﴿مَعَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه صلة من الموصولة ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿نجيناه﴾ ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾ فعل وفاعل ومفعولان معطوف على ﴿نجيناه﴾ ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة أيضًا على جملة ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ ﴿كَذَّبوُاْ﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿بِآيَاتِنَا﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق به ﴿فَانْظُرْ﴾ الفاء عاطفة ﴿انظر﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَغْرَقْنَا﴾ ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم عليها، معلق للنظر عن العمل فيما بعده ﴿كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾: فعل ناقص واسمه، ومضاف إليه، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب سادة مسد مفعول انظر علقت عنها باسم الاستفهام.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف ﴿بَعَثْنَا﴾ فعل وفاعل معطوف على قوله: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَعَثْنَا ﴿رُسُلًا﴾ مفعول به ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿بَعَثْنَا﴾ ﴿فَجَاءُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿بَعَثْنَا﴾ ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿جَاءُ﴾ ﴿فَمَا كَانُوا﴾ الفاء: عاطفة ﴿ما﴾: نافية. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾ اللام: حرف جر وجحود ﴿يؤمنوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود.
стр. 5412
﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُوا﴾ ﴿كَذَّبُوا﴾ فعل وفاعل صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها. ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾ وهو العائد على ﴿مَا﴾ الموصولة ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾ أيضًا وجملة ﴿يُؤْمِنُوا﴾ صلة أن المضمرة أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، على مذهب البصريين، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿كَانَ﴾ تقديره: فما كانوا مريدين للإيمان بما كذبوا به من قبل، وجملة ﴿كَانَ﴾ معطوفة على جملة ﴿جاؤوا﴾ وأما على مذهب الكوفيين فلام الجحود زائدة، والتقدير: فما كانوا مؤمنين بما كذبوا به من قبل ﴿كَذَلِكَ﴾: جار وجرور صفة لمصدر محذوف. ﴿نَطْبَعُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله ﴿عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ متعلق به، والتقدير: نطبع على قلب كل معتد طبعًا مثل طبعنا على هؤلاء، والجملة الفعلية مستأنفة.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ جار ومجرور متعلق به ﴿مُوسَى وَهَارُونَ﴾ مفعول به ومعطوف عليه ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: متعلق به أيضًا. ﴿وَمَلَئِهِ﴾: معطوف على ﴿فِرْعَوْنَ﴾ ﴿بآياتنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال من ﴿مُوسَى وَهَارُونَ﴾؛ أي: حالة كونهما مؤيدين بآياتنا، وجملة ﴿بَعَثْنَا﴾: معطوفة على ﴿بَعَثْنَا﴾ الأول عطف قصة على قصة، وهذا من قبيل ذكر الخاص بعد العام، لما في الخاص من الغرابة، كما ذكره "أبو السعود" ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على محذوف مرتب عليه، تقديره: فأتياهم فبلغاهم الرسالة، فاستكبروا عن اتباعها، فالجملة المحذوفة معطوفة على جملة ﴿بَعَثْنَا﴾ ﴿وَكَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه معطوف على ﴿استكبروا﴾ ﴿قَوْمًا﴾: خبرها ﴿مُجْرِمِينَ﴾ صفة له.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنهم استكبروا عن آياتنا، وأردت بيان كيفية استكبارهم ..
стр. 5413
فأقول لك ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم ﴿جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾: فعل ومفعول وفاعل ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جاء﴾ أو حال من ﴿الْحَقِّ﴾ ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل جواب ﴿لما﴾ وجملة ﴿لما﴾ مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿إِنَّ هَذَا﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت، قلت ﴿إِنَّ هَذَا﴾ ناصب واسمه ﴿لَسِحْرٌ﴾؛ خبره. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة سحر وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مقول قالوا.
﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾.
﴿قَالَ مُوسَى﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة. ﴿أَتَقُولُونَ﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت. قلت ﴿أَتَقُولُونَ﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري ﴿تقولون﴾: فعل وفاعل ﴿لِلْحَقِّ﴾ جار ومجرور متعلق به؛ أي: في شأن الحق ولأجله ﴿لَمَّا﴾ ظرف بمعنى حين متعلق بـ ﴿تقولون﴾ ﴿جَاءَكُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعله، ضمير يعود على ﴿الْحَقِّ﴾ والجملة الفعلية في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿لَمَّا﴾ ومقول ﴿تقولون﴾ محذوف، تقديره أتقولون للحق لما جاءكم إنه سحر. وقوله: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾؛ من كلام موسى، والهمزة فيه للاستفهام الإنكاري. ﴿سحر﴾ خبر مقدم ﴿هَذَا﴾: مبتدأ مؤخر والجملة مستأنفة من جهة موسى، ﵇، تكذيبًا لقولهم وتوبيخًا إثر توبيخ، وتجهيلًا بعد تجهيل، كما ذكره "أبو السعود" ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قَالَ مُوسَى﴾.
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة ﴿أَجِئْتَنَا ...﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: الهمزة للاستفهام الإنكاري. ﴿جئتنا﴾: فعل وفاعل ومفعول والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ ﴿لِتَلْفِتَنَا﴾: اللام حرف جر وتعليل ﴿تلفت﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾. ﴿نَا﴾: ضمير المتكلمين في محل النصب مفعول به، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: للفتك وصرفك إيانا عن الحق
стр. 5414
الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جئتنا﴾.
﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تلفتنا﴾ ﴿وَجَدْنَا﴾ فعل وفاعل ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق به وهو في محل المفعول الثاني. ﴿آبَاءَنَا﴾ مفعول أول، أو وجد هنا بمعنى أصاب يتعدى لمفعول واحد ﴿وَتَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص معطوف على ﴿تلفت﴾ ﴿لَكُمَا﴾: جار ومجرور خبر ﴿تَكُونَ﴾ مقدم على اسمها. ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾ اسم تكون مؤخر. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾ أو بـ ﴿تَكُونَ﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿ما﴾ حجازية ﴿نَحْنُ﴾: في محل الرفع اسمها ﴿لَكُمَا﴾ متعلق ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿مؤمنين﴾ خبر ﴿ما﴾ الحجازية والباء: زائدة، والجملة في محل النصب معطوفة على ما قبلها على كونها مقولًا لـ ﴿قَالُوا﴾.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ فعل وفاعل والجملة مستأنفة ﴿ائْتُونِي ...﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿ائْتُونِي﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿بِكُلِّ سَاحِرٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به. ﴿عَلِيمٍ﴾: صفة ﴿سَاحِرٍ﴾ والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿قَالَ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ الفاء: عاطفة على محذوف، تقديره: فأتوا بالسحرة ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾ ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم ﴿جَاءَ السَّحَرَةُ﴾: فعل وفاعل فعل شرط لـ ﴿لما﴾ ﴿قَالَ﴾: فعل ماض. ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به ﴿مُوسَى﴾ فاعل، والجملة جواب ﴿لما﴾ وجملة ﴿لمّا﴾ من فعل شرطها وجوابها معطوفة على تلك الجملة المحذوفة ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿أَلْقُوا مَا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة صلة ﴿مَا﴾ الموصولة والعائد محذوف، تقديره: ما أنتم ملقونه.
стр. 5415
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: عاطفة على محذوف؛ تقديره: فألقى السحرة ما عندهم ﴿لما﴾: حرف شرط. ﴿أَلْقَوْا﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾ ﴿قَالَ مُوسَى﴾ فعل وفاعل والجملة جواب ﴿لما﴾ وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على تلك الجملة المحذوفة ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ إلى آخر الآيتين مقول محكي، وإن شئت، قلت: ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ ﴿جِئْتُمْ﴾: فعل وفاعل ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول ﴿السِّحْرُ﴾: خبر المبتدأ والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ وفي المقام أوجه أخر من الإعراب، تركناها خوف الإطالة ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾. ناصب واسمه ﴿سَيُبْطِلُهُ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾ والجملة في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه. ﴿لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها معطوفة على قوله ﴿سَيُبْطِلُهُ﴾ ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يحق﴾ ﴿وَلَوْ كَرِهَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة على محذوف، تقديره: ويحق الله الحق لو لم يكره المجرمون ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ﴿لو﴾: حرف شرط ﴿كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾: فعل وفاعل فعل شرط لـ ﴿لو﴾ وجوابها محذوف، تقديره: ولو كره المجرمون يحق الله الحق بكلماته، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية معطوفة على تلك الجملة المحذوفة.
﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾.
﴿فَمَا آمَنَ﴾ الفاء: عاطفة على محذوف، تقديره: فألقى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون، كما ذكره في "الفتوحات" ﴿ما﴾: نافية ﴿آمَنَ﴾: فعل ماض ﴿لِمُوسَى﴾: متعلق به ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿ذُرِّيَّةٌ﴾ فاعل ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾: جار
стр. 5416
ومجرور صفة لـ ﴿ذُرِّيَّةٌ﴾ والجملة مستأنفة ﴿عَلَى خَوْفٍ﴾: على حرف جر، بمعنى اللام التعليلية ﴿خَوْفٍ﴾ مجرور بها الجار والمجرور متعلق بـ ﴿آمَنَ﴾ ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ متعلق بخوف. ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾ معطوف على ﴿فِرْعَوْنَ﴾ ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾: ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على فرعون، والجملة في تأويل مصدر مجرور على كونه بدل اشتمال من فرعون؛ أي: من فتنتهم ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ﴾: ناصب واسمه ﴿لَعَالٍ﴾ اللام: حرف ابتداء ﴿عال﴾: خبر ﴿إنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة، للتخلص من التقاء الساكنين؛ لأن أصله لعالي، استثقلت الضمة على الياء ثم حذفت، فالتقى ساكنان، وهما الياء والتنوين، ثم حذفت الياء لبقاء دالها فصار لعال. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿عال﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾: معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمَا آمَنَ﴾ عطف علة على معلول ﴿وَإِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَمِنَ﴾ اللام: حرف ابتداء ﴿لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إِنَّ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ الأولى.
﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾.
﴿وَقالَ﴾: الواو: استئنافية ﴿قال موسى﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿يَا قَوْمِ ...﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا قَوْمِ﴾: منادى مضاف وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿إنْ﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه في محل الجزم على كونه فعل شرط لها. ﴿آمَنْتُمْ﴾ فعل وفاعل ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ ﴿فَعَلَيْهِ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إنْ﴾ الشرطية ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَوَكَّلُوا﴾ ﴿تَوَكَّلُوا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها جواب النداء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ ﴿إن﴾: حرف شرط ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾ على كونه فعل شرط لها ﴿مُسْلِمِينَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ وجواب ﴿إنْ﴾ الشرطية معلوم مما قبلها، تقديره: إن كنتم مسلمين، فعليه توكلوا، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قال﴾.
стр. 5417
﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥)﴾.
﴿فَقَالُوا﴾: الفاء: حرف عطف وتفريع ﴿قالوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ...﴾ إلى آخر الآيتين: مقول محكي، وإن شئت، قلت: على الله متعلق بـ ﴿تَوَكَّلْنَا﴾ ﴿تَوَكَّلْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾ ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء مقول ﴿قالوا﴾ ﴿لَا تَجْعَلْنَا﴾ فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ ﴿لِلْقَوْمِ﴾ متعلق بـ ﴿فِتْنَةً﴾ ﴿الظَّالِمِينَ﴾ صفة ﴿لِلْقَوْمِ﴾ وجملة ﴿تَجْعَلْنَا﴾ في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾ على كونها جواب النداء.
﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾.
﴿وَنَجِّنَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا تَجْعَلْنَا﴾ ﴿بِرَحْمَتِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نجنا﴾ وكذا يتعلق به الجار والمجرور في قوله: ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾ ﴿الْكَافِرِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمِ﴾.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿إِلَى مُوسَى﴾: متعلق به ﴿وَأَخِيهِ﴾ معطوف على موسى ﴿أَنْ﴾: إما مفسرة لوجود ضابطها، وهو أن يتقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه، وإما مصدرية ﴿تَبَوَّآ﴾: فعل أمر وفاعل مبني على حذف النون أمر من تفعل مثل قوله تعالى: ﴿أن اصنع الفلك﴾ أو فعل أمر في محل النصب بأن المصدرية مبني على حذف النون ﴿لِقَوْمِكُمَا﴾ متعلق بـ ﴿تبوءا﴾ وهو في محل المفعول الأول والأقرب كون اللام زائدة في المفعول ﴿بِمِصْرَ﴾: متعلق بـ ﴿تَبَوَّآ﴾ أو حال من ضمير ﴿تبوءا﴾ أو حال من ﴿بُيُوتًا﴾. ﴿بُيُوتًا﴾، مفعول ثانٍ لـ ﴿تبوءا﴾ وجملة ﴿تبوءا﴾ صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية ﴿لأوحينا﴾ تقديره: وأوحينا إلى موسى وأخيه التبوؤ لقومهما بمصر بيوتا ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾: فعل وفاعل ومفعولان
стр. 5418
والجملة معطوفة على جملة ﴿تبوءا﴾ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿تبوءا﴾. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿موسى﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿تبوءا﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾؛ أي: بعض نبأه مع قومه، إذ المذكور ليس جميع خبره، بل بعضه وتقدم أن اسمه عبد الغفار، وأن نوحًا لقبه. والنبأ: هو الخبر الذي له خطر وشأن. ﴿مَقَامِي﴾ والمقام: بفتح الميم، مكان القيام، وبضمها مكان الإقامة، أو الإقامة نفسها، والأول: من قام الثلاثي، والثاني: من أقام الرباعي، وفي "زاده"، والمقام إما اسم لمكان القيام، أو مصدر له، فعلى الأول يكون كناية عن النفس؛ لأن المكان من لوازمه، وعلى كونه مصدرًا، إما أن يراد به طول قيامه بينهم، أو قيامه على الدعوة والتذكير؛ لأنه مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، اهـ ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ أمر من الإجماع والإجماع: العزيمة على الأمر عزمًا لا تردد فيه، كما قال شاعرهم:
أَجْمَعُوْا أَمْرَهُمْ بِلَيْلٍ فَلَمَّا ... أَصْبَحُوْا أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوْضَاءُ
فأجمع الرباعي يتعدى بنفسه وبعلى، فيقال: أجمع أمره وأجمع عليه، والمعنى على كلا الوجهين: العزم والتصميم؛ أي: عزم أمره وصمم عليه. وفي "السمين" قرأ العامة: فأجمعوا أمرًا، من أجمع، بقطع الهمزة، يقال: أجمع في المعاني، وجمع في الأعيان، فيقال: أجمعت أمري، وجمعت الجيش هذا هو الأكثر ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾؛ أي: أدوا إليّ ذلك الأمر الذي تريدون بي، فالقضاء هنا، من قولهم: قضى دينه، إذا أداه. وقيل معناه: أسرعوا به إليّ، وأبرزوه، ولام القضاء واو؛ لأنه من قضا يقضو، اهـ "سمين".
﴿غُمَّةً﴾ والغمة: الستر واللبس، يقال: إنه لفي غمة من أمره إذا لم يهتد له، والإنظار: التأخير والإمهال. ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ تقدم أن الفلك يستعمل مفردًا وجمعًا، والمراد هنا المفرد ﴿خَلَائِفَ﴾ يخلفون الذين هلكوا بالغرق، جمع خليفة، كصحائف وصحيفة ﴿نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ الطبع على القلوب هو عدم
стр. 5419
قبولها شيئًا غير ما رسخ فيها، واستحوذ عليها. والمعتدين جمع معتد، والمعتدي: المتجاوز حدود الحق والعدل، اتباعًا لهوى النفس وشهواتها.
﴿فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ تقدم أن الملأ أشراف الناس الذين يملؤون العيون بالمهابة، والمجالس بأجرامهم والاقتصار عليهم؛ لأنهم المتبوعون، وغيرهم من بقية قوم فرعون تبع لهم، هكذا قرره بعض المفسرين، وقرر بعضهم أن المراد بالملأ هنا، مطلق القوم، من استعمال الخاص في العام. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ من باب استفعل والاستكبار ادعاء الكبر من غير استحقاق ﴿لِتَلْفِتَنَا﴾ اللفت والفتل أخوان، اهـ "أبو السعود"، وكلاهما من باب ضرب، ففي "المصباح" لفته لفتًا، من باب ضرب، صرفه إلى ذات اليمين أو الشمال، ومنه يقال: لفته عن رأيه إذا صرفته اهـ وفي "السمين" اللفت: اللي والصرف، لفته عن كذا؛ أي: صرفه ولواه عنه. وقال الأزهري: لفت الشيء وفتله: لواه، وهذا من المقلوب، قلت: ولا يدعى فيه قلب حتى يرجح أحد اللفظين في الاستعمال على الآخر. ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ﴾ والكبرياء، مصدر على وزن فعلياء، ومعناها: العظمة، وسمى الملك كبرياء؛ لأنه أكبر ما يطلب من أمور الدنيا، قاله الزجاج، وقيل: سمي بذلك؛ لأن الملك يتكبر.
﴿ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ وقرىء سحار، والسحار، صيغة مبالغة؛ أي: كثير السحر كثير العلم بعمله وأنواعه، ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ﴾ الذرية في اللغة، صغار الأولاد وتستعمل في الصغار والكبار عرفًا، والذرية اسم يقع على القليل من القوم. قال ابن عباس: الذرية القليل، وقيل، المراد به: التصغير وقلة العدد ﴿فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الفتنة والفتون: الابتلاء والاختبار الشديد، للحمل على الفعل أو الترك والمراد به هنا: الاضطهاد والتعذيب ﴿أن تبوءا﴾؛ أي: أن اتخذا لقومكما بيوتًا بمصر، يقال: تبوأ الدار، اتخذها مباءة ومسكنًا، يبوء ويرجع إليها كلما فارقها لحاجة، ويقال: بوأت زيدًا مكانًا، وبوأت لزيد مكانًا، والمبوأ: المنزل الملزوم ومثه بوأه الله منزلًا؛ أي ألزمه إياه وأسكنه فيه، ومنها الحديث "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". ومنه قول الراجز:
стр. 5420
نَحْنُ بَنُوْ عَدْنَانَ لَيْسَ شَكُّ ... تَبَوَّأ الْمَجْدُ بِنَا وَالْمُلْكُ
﴿قِبْلَةً﴾ والقبلة ما يقابل الإنسان ويكون تلقاء وجهه، ومنه قبلة الصلاة؛ لأن المصلي يقابلها، وهي تقابله.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾؛ لأن حق الإسناد أن يكون للذات نظير ثقل عليّ ظله، كما في "الصاوي".
ومنها: تقديم المعمول على عامله لإفادة الحصر في قوله: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾.
ومنها: الاعتراض بين الشرط وجوابه بقوله: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ إن قلنا الجواب جملة ﴿فأجمعوا﴾ كما قاله الأكثرون.
ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ إذا كان من قضى دينه إذا أداه، فالهلاك مشبه بالدين على طريقة الاستعارة المكنية والقضاء تخييل، أو فيه تضمين واستعارة مكنية إذا كان من قضى، بمعنى حكم، والتقدير: احكموا بما تؤدونه إليّ.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾؛ لأن الإنظار حقيقة في إمهال دين المعسر، مجاز في تأخير الإهلاك.
ومنها: تأخير الإغراق عن ذكر الإنجاء والاستخلاف في قوله: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ لإظهار كمال العناية بشأن المقدم، ولتعجيل المسرة للسامعين وللإيذان بسبق الرحمة، التي هي من مقتضيات الربوبية على الغضب، الذي هو من مستتبعات جرائم المجرمين، ذكره "أبو السعود".
стр. 5421
ومنها: ذكر الخاص بعد العام في قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ لما في الخاص من الغرابة.
ومنها: الإبهام في قوله: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ إفادةً لتحقيره وعدم المبالاة به.
ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ للتسجيل عليهم بالإفساد والإشعار بعلة الحكم وحق العبارة أن الله لا يصلح عملكم كما في "الكرخي".
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾.
ومنها: الطباق بين قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ وقوله: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ فكأنه قال إن الله يبطل الباطل ويحق الحق.
ومنها: إطلاق العام وإرادة الخاص في قوله: ﴿لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾؛ لأن المراد بها أرض مصر.
ومنها: الحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
وملئه وخوف بني إسرائيل من بطشهم، وأنهم امتنعوا لأجل ذلك عن الإيمان إلا قليلًا من شبانهم .. استجابوا لدعوة موسى بعد حث لهم وتحريض على الإيمان، وطلب موسى من بني إسرائيل أن يتخذوا بيوتًا لهم بمصر، يقيمون فيها مراسم دينهم، ثم بشرهم بالفوز والغلبة والنصر .. قفى على ذلك بدعوة موسى على فرعون وقومه مع ذكر السبب الذي دعاه إلى ذلك، وهو: الجحود والعناد لدعوته لما أوتوه، من بسطة النعمة التي أبطرتهم، فتركوا الدين وراءهم ظهريًّا.
وعبارة أبي حيان: مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لما بالغ (١) موسى ﵇ في إظهار المعجزات، وهم مصرون على العناد، واشتد أذاهم عليه، وعلى من آمن معه، وهم لا يزيدون على عرض الآيات إلا كفرًا وعلى الإنذار إلا استكبارًا، وعلم بالتجربة وطول الصحبة، أنه لا يجيء منهم إلا الغي والضلال، أو علم ذلك بوحي من الله تعالى .. دعا الله تعالى عليهم بما علم أنه لا يكون غيره، كما تقول: لعن الله إبليس وأخزى الكفرة، كما دعا نوح على قومه حين أوحى إليه، أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، وقدم بين يدي الدعاء ما آتاهم الله تعالى، من النعمة في الدنيا، وكان ذلك سببًا للإيمان به، ولشكر نعمه، فجعلوا ذلك سببًا لجحوده ولكفر نعمه انتهت.
قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (٢) ما دار من الحوار بين موسى وفرعون، وذكر ما أتى به موسى من الحجج والبينات الدالة على صدقه، وغلبه لسحرة فرعون، ولم يزده ذلك إلا كبرًا وعتوًا فدعا عليه بالطمس على الأموال، والشد على القلوب، وذكر استجابة الله دعوته .. قفى على ذلك بذكر خاتمة القصة: وهو ما كان من تأييد الله لموسى وأخيه، على ضعفهما وقوة فرعون وقومه، إذ كانت دولته أقوى دول العالم في عصره.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ...﴾
стр. 5424
الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) ما جرى لفرعون وأتباعه من الهلاك، ذكر ما أحسن به لبني إسرائيل، وما امتن به عليهم، إذ كان بنو إسرائيل قد أخرجوا من مساكنهم خائفين من فرعون، فذكر تعالى أنه اختار لهم من الأماكن أحسنها، والظاهر أن بني إسرائيل هم الذين كانوا آمنوا بموسى، ونجوا من الغرق، وسياق الآيات لشهد لهم.
وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر خاتمة فرعون (٢) وجنوده .. قفى على ذلك بذكر عاقبة بني إسرائيل، وفي هذا عبرة لمكذبي محمَّد، ﷺ ، والجاحدين من قومه المغترين بقوتهم وكثرتهم وثروتهم، فقد كان فرعون وقومه أكثر منهم عددًا، وأشد قوة، وأوفر ثروة، وقد جعل الله سننه في المكذبين واحدةً، ففكروا أيها المكذبون في عاقبة أمركم، وتدبروا مليًّا خوف أن يحل بكم مثل ما حل بهم، وها هو ذا أهلك أكثر زعمائهم، وجعل العاقبة لأتباعه المؤمنين، وأعطاهم أعظم ملك في العالمين.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما قص (٣) قصص الأنبياء السالفين، وما لا قوه من أقوامهم، من العناد والجحود والاستكبار والعتو، وفي كل حال كان النصر حليف المؤمنين، والخذلان نصيب الظالمين .. أردف ذلك بذكر صدقه فيما قال: ووعد وأوعد، وكون ذلك سنّة الله في المكذبين قبل، وسيكون ذلك فيهم من بعد، وليس في هذا سبيل للافتراء والشك، وقد ساق ذلك بطريق التلطف في الأسلوب، فوجه الكلام إلى الرسول، ﷺ ، والمراد قومه، فجاء على نحو قولهم: إياك أعني واسمعي يا جارة، وقد جاء مثل هذا في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾.
стр. 5425
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ...﴾ الآيات الثلاث، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما بين أن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم .. أتبعه بذكر هذه الآيات للدلالة على أن قوم يونس آمنوا بعد كفرهم، وانتفعوا بذلك الإيمان. وهذه الآيات الثلاث تكملة لما قبلها، وبيان لسنن الله تعالى في الأمم مع رسلهم، وفي خلق البشر مستعدين للإيمان والكفر والخير والشر، وفي تعلق مشيئة الله وحكمته بأفعاله، وأفعال عباده ووقوعها وفقهما.
قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما بين أن سننه في نوع الإنسان، أن خلقه مستعدًّا للإيمان والكفر، الخير والشر، ولم يشأ أن يجعله على طريقة واحدة، إما الكفر وحده وإما الإيمان وحده، وأنك أيها الرسول لا تقدر على جعله على غير ذلك .. بين هنا أن مدار سعادته على استعمال عقله، في التمييز بين الخير والشر، وما على الرسول إلا التبشير والإنذار، وبيان الطريق المستقيم الذي يوصل إلى السعادة، وما الدين إلا مساعد للعقل على حسن الاختيار، إذا أحسن النظر والتفكر اللذين أمر الله تعالى بهما. فليحذر أولئك القوم أن يحل بهم مثل ما حل بمن قبلهم من المكذبين فإن سنتنا لا تغيير فيها ولا تبديل فننجي رسلنا والذين آمنوا معهم، ونهلك من كذبهم وندخله سواء الجحيم.
وقال أبو حيان: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما تقدم قوله ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ...﴾ وكان ذلك مشعرًا بما حل بالأمم الماضية المكذبة ومصرحًا بهلاكهم في غير ما آية .. أخبر تعالى عن حكاية حالهم الماضية، فقال: ثم ننجي رسلنا، والمعنى: أن الذين خلوا أهلكناهم لما كذبوا الرسل، ثم نجينا الرسل والمؤمنين.
التفسير وأوجه القراءة
٨٨ - ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ بعد أن أعد قومه بني إسرائيل للخروج من مصر على قدر ما يستطيع من الإعداد الديني والدنيوي، وغرس في قلوبهم الإيمان وحب العزة
стр. 5426
والكرامة ونحو ذلك، وتوجه إلى الله أن يتم أمره ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا ﴿إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ﴾؛ أي: أعطيت فرعون وأشراف قومه وكبراءهم ﴿زِينَةً﴾؛ أي: ما يتزين به من حلي وحلل، وآنية وماعون، وأثاث ورياش ﴿وَأَمْوَالًا﴾ كثيرة من صامت وناطق، أي: من ذهب وفضة وزروع وأنعام، يتمتعون بها، وينفقون منها في حظوظهم وشهواتهم. فالمراد (١) بالزينة: ما يتزين به من ملبوس ومركوب وغلمان وحلية وفراش وسلاح، وأثاث البيت الفاخر والأشياء الجميلة، والمال ما زاد على هذه الأشياء، من الصامت ونحوه ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ثم كرر النداء تأكيدًا للدعاء والاستغاثة فقال: ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا، آتيت فرعون وملأه زينة وأموالًا ﴿لِيُضِلُّوا﴾ غيرهم ﴿عَن سَبِيلِكَ﴾؛ أي: لتكون عاقبة ذلك إضلال عبادك، عن السبيل الموصلة إلى مرضاتك، باتباع الحق والعدل وصالح العمل. والمعنى (٢): إنك آتيتهم النعم المذكورة ليشكروها، ويتبعوا سبيلك، فكان عاقبة أمرهم أنهم كفروها، وضلوا عن سبيلك، وأضلوا غيرهم. وقد جرت (٣) سنّة الله بأن كثرة الأموال تورث الكبرياء والخيلاء والبطر والطغيان، وتخضع رقاب الناس لأربابها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾. وقد أثبت البحث والتنقيب في نواويس قبور المصريين التي كشفت حديثًا، وفيما حفظ في دور الآثار المصرية، وغيرها من العواصم الأوروبية، ما يشهد بكثرة تلك الأموال، ووجود أنواع من الزينة والحلي، لم تكن لتخطر على البال، ويدل على أرقى أنواع المدنية والحضارة التي لا تضارعها مدنية العصر الحاضر، مع ما بلغه العلم والرقي العقلي في الإنسان.
قوله: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ وقد اختلف (٤) في هذه اللام الداخلة على الفعل، فقال: الخليل وسيبويه: إنها لام العاقبة والصيرورة، والمعنى: أنه لما كان عاقبة أمرهم الضلال صار كأنه سبحانه، أعطاهم ما أعطاهم من النعم، ليضلوا، فتكون اللام على هذا، متعلقة بـ ﴿ءَاتَيْتَ﴾. وقيل إنها لام كي؛ أي:
стр. 5427
أعطيتهم لكي يضلوا. وقال قوم: إن المعنى: أعطيتهم ذلك لئلا يضلوا، فحذفت لا، كما قال سبحانه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾. قال النحاس: ظاهر هذا الجواب حسن، إلا أن العرب لا تحذف لا إلا مع أن، فموه صاحب هذا التأويل بالاستدلال بقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ وقيل: اللام للدعاء عليهم، والمعنى: ابتلهم بالهلاك عن سبيلك، واستدل هذا القائل بقوله سبحانه بعد هذا: ﴿اطمس﴾ و ﴿اشدد﴾. وقد أطال صاحب "الكشاف" في تقرير هذا بما لا طائل تحته، والقول الأول هو الأولى، كما اقتصرنا عليه في حلّ الآية.
وقرأ (١) أبو الفضل الرقاشي ﴿إنك آتيت﴾ على الاستفهام. وقرأ الكوفيون وقتادة والأعمش وعيسى والحسن والأعرج بخلاف عنهما: ﴿ليضلوا﴾ بضم الياء من أضلّ الرباعي. وقرأ الحرميان، نافع وابن كثير والعربيان، أبو عمرو وابن عامر ومجاهد وأبو رجاء والأعرج وشيبة وأبو جعفر، وأهل مكة، بفتحها من ضل الثلاثي. وقرأ الشعبي: بكسرها والى بين الكسرات الثلاث.
ولما قدم ذكر الأموال، وهي أعز ما ادخر، دعا بالطموس عليها، فقال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾؛ أي: ربنا امحق أموالهم، وأهلكها بالآفات التي تستأصل زروعهم، والجوائح التي تهلك أنعامهم، وتنقص مكاسبهم، فيذوقوا ذل الحاجة. وقرأ الشعبي وفرقة ﴿اطمس﴾ بضم الميم، وهي لغة مشهورة. قال ابن (٢) عباس ومحمد بن كعب، صارت دراهمهم حجارة منقوشة صحاحًا وأثلاثًا وأنصافًا، ولم يبق لهم معدن، إلا طمس عليه، فلم ينتفع بها أحد بعد. وقال قتادة بلغنا أن أموالهم وزروعهم صارت حجارة. وقال مجاهد أهلكها حتى لا ترى ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: اجعلها قاسية ومربوطة حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ جواب (٣) للدعاء أو دعاء بلفظ النهي، أو عطف على ﴿لِيُضِلُّوا﴾ ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ وإنما دعا موسى عليهم بهذا الدعاء، لما علم
стр. 5428
أن سابق قضاء الله وقدره فيهم أنهم لا يؤمنون، فوافق دعاء موسى ما قدر وقضى عليهم؛ أي: واطبع (١) على قلوبهم وزدها قسوة على قسوتها، وإصرارًا وعنادًا فيستحقوا شديد عقابك، ولا يؤمنوا إلا إذا رأوا عذابك، ولا ينفعهم إيمانهم إذ ذاك.
وسبب غضبة موسى: أنه عرض عليهم آيات الله وبيناته عرضًا مكررًا، وردد عليهم المواعظ والنصائح، ردحًا من الزمن، وحذرهم عذاب الله وانتقامه، وأنذرهم عاقبة ما هم عليه من الكفر والضلال المبين، ثم لم يزدهم ذلك إلا كفرًا وعتوًا واستكبارًا في الأرض، ولم يبق له مطمع فيهم، وعلم بالاختبار أنه لا يكون منهم إلا الضلال، وأن إيمانهم كالمحال، فاشتد عليهم ومقتهم ودعا عليهم بما علم أنه لا يكون غيره، إذ لم يبق له فيهم حيلة، وأنهم لا يستأهلون إلا أن يخذلوا، ويخلى بينهم وبين ضلالهم يتسكعون فيه، ويسيرون قُدُمًا في طريق الغي والهلاك.
وخلاصة ذلك: كأنه قيل: فليثبتوا على ضلالهم، وليطبع الله على قلوبهم، فلا يؤمنوا وما عليّ منهم، هم أهل لذلك وأحق به، وما مثله إلا مثل قول الأب المشفق على ولده، الذي انحرف عن جادة الاستقامة، ولم يقبل منه نصيحة: فلتمض في غوايتك، ولتعث في الأرض فسادًا وهو لا يريد غوايته بل حردًا وغضبًا.
٨٩ - وقد روي أن موسى دعا بهذا الدعاء، وهارون، ﵇، كان يؤمّن على دعاء أخيه ومن ثم قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾؛ أي: قال (٢) الله لموسى وهارون: قد قبلت دعوتكما. في فرعون وملئه وأموالهم، فموسى كان يدعو وهارون كان يؤمن، والتأمين دعاء، وحصل المدعو به، بعد أربعين سنة؛ لأن فرعون لبث بعد هذا الدعاء أربعين سنة. وقرأ ابن السميقع: ﴿قد أجبت دعوتكما﴾ خبرًا عن الله تعالى، ونصب دعوة. وقرأ الربيع: ﴿قد
стр. 5429
أجبت دعوتيكما﴾ وهذا يؤكد قول من قال: إن هارون دعا مع موسى.
﴿فَاسْتَقِيمَا﴾؛ أي: فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة، وإلزام الحجة ولا تستعجلا؛ أي: فامضيا لأمري، واثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة إلى الحق، ومن إعداد شعبكما للكفاح والجلاد والخروج من مصر ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: ولا تسلكا سبيل الذين لا يعلمون سنّتي في خلقي، فيستعجلا الأمر قبل ميقاته، ويستبطئا وقوعه في حينه؛ أي: ولا تسلكا طريق الجاهلين الذين يظنون أنه متى كان الدعاء مجابًا كان المقصود حاصلًا في الحال، والاستعجال، وعدم الوثوق بوعد الله يصدران من الجهال.
وفي سفر الخروج (١) من التوراة ما يدل على استجابة دعاء موسى، فقد كانت تنزل النوازل على مصر وأهلها، فيلجأ فرعون إلى موسى حين كل نازلة منها ليدعو ربه فيكشفها عنهم، فيؤمنوا به حتى إذا كشفها قسى الرب تعالى قلب فرعون، فأصر على كفره. وقرأ الجمهور (٢): ﴿تتبعان﴾ بتشديد التاء والنون، وابن عباس وابن ذكوان، بتخفيف التاء والنون على النفي، لا على النهي. وابن ذكوان أيضًا بتشديد التاء وتخفيف النون. وفرقة: بتخفيف التاء وسكون النون. وروى ذلك الأخفش الدمشقي عن أصحابه عن ابن عامر، فأما شد النون فعلى أنها نون التوكيد الشديدة، لحقت فعل النهي المتصل به ضمير الاثنين، وأما تخفيفها مكسورةً فقيل: هي نون التوكيد الخفيفة وكسرت كما كسرت الشديدة، لكون الكسر الأصل ولكونهما أشبهتا نون التثنية.
٩٠ - ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْر﴾ أي: جعلناهم مجاوزين بحر السويس، وسمي بحر القلزم، بأن جعلناه يبسا، وحفظناهم حتى بلغوا الشط، أي: جاوز بنو إسرائيل البحر بمعونة الله، تعالى، وقدرته وحفظه، وكان آيةً من آياته لنبيه موسى، ﵇، بفرقه تعالى بهم البحر. وقرأ الحسن: ﴿وجوزنا﴾ وهما لغتان.
стр. 5430
قال أهل التفسير (١): اجتمع يعقوب وبنوه على يوسف، وهم اثنان وتسعون، وخرج بنوه مع موسى من مصر، وهم ست مئة ألف، وذلك لما أجاب الله تعالى، دعاء موسى وهارون .. أمرهما بالخروج ببني إسرائيل من مصر، فخرجوا وقد كان فرعون غافلًا عن ذلك، فلما سمع بخروجهم، خرج بجنوده في طلبهم، فلما أدركهم، قالوا لموسى: أين المخلص، والبحر أمامنا والعدو وراءنا، فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بعصاك البحر، فضربه، فانفلق، فقطعه موسى وبنو إسرائيل، فلحقهم فرعون وكان على حصان أدهم، وكان معه ثمانية آلاف حصان على لون حصانه، سوى سائر الألوان، وكان يقدمهم جبريل على فرس أنثى وميكائيل يسوقهم حتى لا يشذ منهم أحد فدنا جبريل بفرسه فلما وجد الحصان ريح الأنثى لم يتمالك فرعون من أمره شيئًا، فنزل البحر وتبعه جنوده، حتى إذا اكتملوا جميعًا في البحر، وهم أولهم بالخروج، انطبق البحر عليهم، ولا يخفى عليك ما في هذه القصة من الخيالات الإسرائيلية.
﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾؛ أي: فلحقهم وأدركهم في مجاوزة البحر ﴿فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾؛ أي: ظلمًا وعدوانًا، أو ظالمين عادين عليهم؛ أي: مفرطين في محبة قتلهم ومجاوزين الحد، ليفتكوا بهم، أو يعيدوهم إلى مصر، ليسوموهم سوء العذاب ويجعلوهم عبيدًا لهم. وقيل: إن البغي طلب الاستعلاء في القول بغير حق، والعدو في الفعل، وخاض البحر مع جنوده وراءهم ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾؛ أي: حتى إذا أشرف على الغرق وناله، ووصله وألجمه ﴿قَالَ آمَنْتُ﴾ وصدقت ﴿أَنَّهُ﴾؛ أي: بأن الشأن والحال ﴿لَا إِلَهَ﴾؛ أي: لا معبود بحق ﴿إلّا﴾ الرب ﴿الَّذِي آمَنَتْ بِهِ﴾؛ أي: صدقت بوحدانيته وانقادت لأمره ﴿بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: جماعة بني إسرائيل بدعوة موسى، ﵇، ﴿وَأَنَا﴾ الآن ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي: من المنقادين لأوامره، كما انقادوا، وأنا ممن أذعنوا لأمره بعد ما كان مني من جحود بآياته، وعنادٍ لرسوله موسى، ﵇، وقرأ الحسن (٢) وقتادة: ﴿فاتبعهم﴾ بتشديد التاء. وقرأ الجمهور. ﴿وجاوزنا فأتبعهم﴾