← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

والكرامة ونحو ذلك، وتوجه إلى الله أن يتم أمره ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا ﴿إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ﴾؛ أي: أعطيت فرعون وأشراف قومه وكبراءهم ﴿زِينَةً﴾؛ أي: ما يتزين به من حلي وحلل، وآنية وماعون، وأثاث ورياش ﴿وَأَمْوَالًا﴾ كثيرة من صامت وناطق، أي: من ذهب وفضة وزروع وأنعام، يتمتعون بها، وينفقون منها في حظوظهم وشهواتهم. فالمراد (١) بالزينة: ما يتزين به من ملبوس ومركوب وغلمان وحلية وفراش وسلاح، وأثاث البيت الفاخر والأشياء الجميلة، والمال ما زاد على هذه الأشياء، من الصامت ونحوه ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ثم كرر النداء تأكيدًا للدعاء والاستغاثة فقال: ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا، آتيت فرعون وملأه زينة وأموالًا ﴿لِيُضِلُّوا﴾ غيرهم ﴿عَن سَبِيلِكَ﴾؛ أي: لتكون عاقبة ذلك إضلال عبادك، عن السبيل الموصلة إلى مرضاتك، باتباع الحق والعدل وصالح العمل. والمعنى (٢): إنك آتيتهم النعم المذكورة ليشكروها، ويتبعوا سبيلك، فكان عاقبة أمرهم أنهم كفروها، وضلوا عن سبيلك، وأضلوا غيرهم. وقد جرت (٣) سنّة الله بأن كثرة الأموال تورث الكبرياء والخيلاء والبطر والطغيان، وتخضع رقاب الناس لأربابها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾. وقد أثبت البحث والتنقيب في نواويس قبور المصريين التي كشفت حديثًا، وفيما حفظ في دور الآثار المصرية، وغيرها من العواصم الأوروبية، ما يشهد بكثرة تلك الأموال، ووجود أنواع من الزينة والحلي، لم تكن لتخطر على البال، ويدل على أرقى أنواع المدنية والحضارة التي لا تضارعها مدنية العصر الحاضر، مع ما بلغه العلم والرقي العقلي في الإنسان. قوله: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ وقد اختلف (٤) في هذه اللام الداخلة على الفعل، فقال: الخليل وسيبويه: إنها لام العاقبة والصيرورة، والمعنى: أنه لما كان عاقبة أمرهم الضلال صار كأنه سبحانه، أعطاهم ما أعطاهم من النعم، ليضلوا، فتكون اللام على هذا، متعلقة بـ ﴿ءَاتَيْتَ﴾. وقيل إنها لام كي؛ أي:

стр. 5427

أعطيتهم لكي يضلوا. وقال قوم: إن المعنى: أعطيتهم ذلك لئلا يضلوا، فحذفت لا، كما قال سبحانه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾. قال النحاس: ظاهر هذا الجواب حسن، إلا أن العرب لا تحذف لا إلا مع أن، فموه صاحب هذا التأويل بالاستدلال بقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ وقيل: اللام للدعاء عليهم، والمعنى: ابتلهم بالهلاك عن سبيلك، واستدل هذا القائل بقوله سبحانه بعد هذا: ﴿اطمس﴾ و ﴿اشدد﴾. وقد أطال صاحب "الكشاف" في تقرير هذا بما لا طائل تحته، والقول الأول هو الأولى، كما اقتصرنا عليه في حلّ الآية. وقرأ (١) أبو الفضل الرقاشي ﴿إنك آتيت﴾ على الاستفهام. وقرأ الكوفيون وقتادة والأعمش وعيسى والحسن والأعرج بخلاف عنهما: ﴿ليضلوا﴾ بضم الياء من أضلّ الرباعي. وقرأ الحرميان، نافع وابن كثير والعربيان، أبو عمرو وابن عامر ومجاهد وأبو رجاء والأعرج وشيبة وأبو جعفر، وأهل مكة، بفتحها من ضل الثلاثي. وقرأ الشعبي: بكسرها والى بين الكسرات الثلاث. ولما قدم ذكر الأموال، وهي أعز ما ادخر، دعا بالطموس عليها، فقال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾؛ أي: ربنا امحق أموالهم، وأهلكها بالآفات التي تستأصل زروعهم، والجوائح التي تهلك أنعامهم، وتنقص مكاسبهم، فيذوقوا ذل الحاجة. وقرأ الشعبي وفرقة ﴿اطمس﴾ بضم الميم، وهي لغة مشهورة. قال ابن (٢) عباس ومحمد بن كعب، صارت دراهمهم حجارة منقوشة صحاحًا وأثلاثًا وأنصافًا، ولم يبق لهم معدن، إلا طمس عليه، فلم ينتفع بها أحد بعد. وقال قتادة بلغنا أن أموالهم وزروعهم صارت حجارة. وقال مجاهد أهلكها حتى لا ترى ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: اجعلها قاسية ومربوطة حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ جواب (٣) للدعاء أو دعاء بلفظ النهي، أو عطف على ﴿لِيُضِلُّوا﴾ ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ وإنما دعا موسى عليهم بهذا الدعاء، لما علم

стр. 5428

أن سابق قضاء الله وقدره فيهم أنهم لا يؤمنون، فوافق دعاء موسى ما قدر وقضى عليهم؛ أي: واطبع (١) على قلوبهم وزدها قسوة على قسوتها، وإصرارًا وعنادًا فيستحقوا شديد عقابك، ولا يؤمنوا إلا إذا رأوا عذابك، ولا ينفعهم إيمانهم إذ ذاك. وسبب غضبة موسى: أنه عرض عليهم آيات الله وبيناته عرضًا مكررًا، وردد عليهم المواعظ والنصائح، ردحًا من الزمن، وحذرهم عذاب الله وانتقامه، وأنذرهم عاقبة ما هم عليه من الكفر والضلال المبين، ثم لم يزدهم ذلك إلا كفرًا وعتوًا واستكبارًا في الأرض، ولم يبق له مطمع فيهم، وعلم بالاختبار أنه لا يكون منهم إلا الضلال، وأن إيمانهم كالمحال، فاشتد عليهم ومقتهم ودعا عليهم بما علم أنه لا يكون غيره، إذ لم يبق له فيهم حيلة، وأنهم لا يستأهلون إلا أن يخذلوا، ويخلى بينهم وبين ضلالهم يتسكعون فيه، ويسيرون قُدُمًا في طريق الغي والهلاك. وخلاصة ذلك: كأنه قيل: فليثبتوا على ضلالهم، وليطبع الله على قلوبهم، فلا يؤمنوا وما عليّ منهم، هم أهل لذلك وأحق به، وما مثله إلا مثل قول الأب المشفق على ولده، الذي انحرف عن جادة الاستقامة، ولم يقبل منه نصيحة: فلتمض في غوايتك، ولتعث في الأرض فسادًا وهو لا يريد غوايته بل حردًا وغضبًا. ٨٩ - وقد روي أن موسى دعا بهذا الدعاء، وهارون، ﵇، كان يؤمّن على دعاء أخيه ومن ثم قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾؛ أي: قال (٢) الله لموسى وهارون: قد قبلت دعوتكما. في فرعون وملئه وأموالهم، فموسى كان يدعو وهارون كان يؤمن، والتأمين دعاء، وحصل المدعو به، بعد أربعين سنة؛ لأن فرعون لبث بعد هذا الدعاء أربعين سنة. وقرأ ابن السميقع: ﴿قد أجبت دعوتكما﴾ خبرًا عن الله تعالى، ونصب دعوة. وقرأ الربيع: ﴿قد

стр. 5429

أجبت دعوتيكما﴾ وهذا يؤكد قول من قال: إن هارون دعا مع موسى. ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾؛ أي: فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة، وإلزام الحجة ولا تستعجلا؛ أي: فامضيا لأمري، واثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة إلى الحق، ومن إعداد شعبكما للكفاح والجلاد والخروج من مصر ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: ولا تسلكا سبيل الذين لا يعلمون سنّتي في خلقي، فيستعجلا الأمر قبل ميقاته، ويستبطئا وقوعه في حينه؛ أي: ولا تسلكا طريق الجاهلين الذين يظنون أنه متى كان الدعاء مجابًا كان المقصود حاصلًا في الحال، والاستعجال، وعدم الوثوق بوعد الله يصدران من الجهال. وفي سفر الخروج (١) من التوراة ما يدل على استجابة دعاء موسى، فقد كانت تنزل النوازل على مصر وأهلها، فيلجأ فرعون إلى موسى حين كل نازلة منها ليدعو ربه فيكشفها عنهم، فيؤمنوا به حتى إذا كشفها قسى الرب تعالى قلب فرعون، فأصر على كفره. وقرأ الجمهور (٢): ﴿تتبعان﴾ بتشديد التاء والنون، وابن عباس وابن ذكوان، بتخفيف التاء والنون على النفي، لا على النهي. وابن ذكوان أيضًا بتشديد التاء وتخفيف النون. وفرقة: بتخفيف التاء وسكون النون. وروى ذلك الأخفش الدمشقي عن أصحابه عن ابن عامر، فأما شد النون فعلى أنها نون التوكيد الشديدة، لحقت فعل النهي المتصل به ضمير الاثنين، وأما تخفيفها مكسورةً فقيل: هي نون التوكيد الخفيفة وكسرت كما كسرت الشديدة، لكون الكسر الأصل ولكونهما أشبهتا نون التثنية. ٩٠ - ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْر﴾ أي: جعلناهم مجاوزين بحر السويس، وسمي بحر القلزم، بأن جعلناه يبسا، وحفظناهم حتى بلغوا الشط، أي: جاوز بنو إسرائيل البحر بمعونة الله، تعالى، وقدرته وحفظه، وكان آيةً من آياته لنبيه موسى، ﵇، بفرقه تعالى بهم البحر. وقرأ الحسن: ﴿وجوزنا﴾ وهما لغتان.

стр. 5430

قال أهل التفسير (١): اجتمع يعقوب وبنوه على يوسف، وهم اثنان وتسعون، وخرج بنوه مع موسى من مصر، وهم ست مئة ألف، وذلك لما أجاب الله تعالى، دعاء موسى وهارون .. أمرهما بالخروج ببني إسرائيل من مصر، فخرجوا وقد كان فرعون غافلًا عن ذلك، فلما سمع بخروجهم، خرج بجنوده في طلبهم، فلما أدركهم، قالوا لموسى: أين المخلص، والبحر أمامنا والعدو وراءنا، فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بعصاك البحر، فضربه، فانفلق، فقطعه موسى وبنو إسرائيل، فلحقهم فرعون وكان على حصان أدهم، وكان معه ثمانية آلاف حصان على لون حصانه، سوى سائر الألوان، وكان يقدمهم جبريل على فرس أنثى وميكائيل يسوقهم حتى لا يشذ منهم أحد فدنا جبريل بفرسه فلما وجد الحصان ريح الأنثى لم يتمالك فرعون من أمره شيئًا، فنزل البحر وتبعه جنوده، حتى إذا اكتملوا جميعًا في البحر، وهم أولهم بالخروج، انطبق البحر عليهم، ولا يخفى عليك ما في هذه القصة من الخيالات الإسرائيلية. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾؛ أي: فلحقهم وأدركهم في مجاوزة البحر ﴿فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾؛ أي: ظلمًا وعدوانًا، أو ظالمين عادين عليهم؛ أي: مفرطين في محبة قتلهم ومجاوزين الحد، ليفتكوا بهم، أو يعيدوهم إلى مصر، ليسوموهم سوء العذاب ويجعلوهم عبيدًا لهم. وقيل: إن البغي طلب الاستعلاء في القول بغير حق، والعدو في الفعل، وخاض البحر مع جنوده وراءهم ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾؛ أي: حتى إذا أشرف على الغرق وناله، ووصله وألجمه ﴿قَالَ آمَنْتُ﴾ وصدقت ﴿أَنَّهُ﴾؛ أي: بأن الشأن والحال ﴿لَا إِلَهَ﴾؛ أي: لا معبود بحق ﴿إلّا﴾ الرب ﴿الَّذِي آمَنَتْ بِهِ﴾؛ أي: صدقت بوحدانيته وانقادت لأمره ﴿بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: جماعة بني إسرائيل بدعوة موسى، ﵇، ﴿وَأَنَا﴾ الآن ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي: من المنقادين لأوامره، كما انقادوا، وأنا ممن أذعنوا لأمره بعد ما كان مني من جحود بآياته، وعنادٍ لرسوله موسى، ﵇، وقرأ الحسن (٢) وقتادة: ﴿فاتبعهم﴾ بتشديد التاء. وقرأ الجمهور. ﴿وجاوزنا فأتبعهم﴾

стр. 5431

رباعيًّا. وقرأ الحسن: ﴿وعدوا﴾ بضم العين وتشديد الواو، بوزن علا يعلو علوًا، وتقدم في الأنعام، وعدوًا وعدوًا. من العدوان. وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر: ﴿أنه﴾ بفتح الألف، والمعنى آمنت بأنه على حذف الباء، فلما حذف حرف الجر وصل الفعل إلى أن ففتح. وقرأ حمزة والكسائي: ﴿إنه﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف ابتداء كلام، أو بدلًا من آمنت، أو على إضمار القول؛ أي: قائلًا إنه. ٩١ - ولما لحقه من الدهش ما لحقه كرر (١) المعنى الواحد بثلاث عبارات، حرصًا منه على القبول المفضي إلى النجاة، ولكن هيهات، فقد فات الوقت، وجاء الإيمان حين اليأس، وهو لا يجدي فتيلًا ولا قطميرًا، وهذا ما بينه سبحانه بقوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾؛ أي؛ وقيل له: أتسلم الآن حين يئست من الحياة، وأيقنت بالممات، وقد عصيت وخالفت أمر ربك قبل ذلك، وضيعت التوبة في وقتها، وآثرت دنياك الفانية على الآخرة الباقية، ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ في الأرض الظالمين للعباد، الغالين في الضلال والإضلال عن الإيمان, فدعواك الإِسلام الآن لا تقبل، فقد صار إسلامك اضطرارًا، لا اختيارًا، ولم (٢) يقبل ذلك من فرعون؛ لأنه إنما آمن عند نزول العذاب، وإنما أقر بعزة الربوبية ووحدانية الله تعالى، ولم يقر بنبوة موسى؛ ولأن ذلك الإقرار كان مبنيًّا على محض التقليد، وهو كان دهريًّا منكرًا لوجود الصانع، وإنما ذكر هذه الكلمة ليتوسل بها إلى دفع تلك البلية الحاضرة. وخلاصة المعنى (٣): آلآن تقر لله بالعبودية، وتستسلم له بالذلة، وتخلص له الألوهية، وقد عصيته قبل نزول نقمته بك، فأسخطته على نفسك، وكنت من المفسدين في الأرض الصادين عن سبيله، فهلا أقررت بما أقررت به الآن، وباب التوبة لك منفتح، والمقصود من الاستفهام في قوله: ﴿الآن﴾ التقريع والتوبيخ له.

стр. 5432

وقد اختلف (١) في من القائل لفرعون بهذه المقالة، فقيل: هي من قول الله سبحانه، وقيل: من قول جبريل، وقيل: من قول ميكائيل، وقيل: من قول فرعون، قال ذلك في نفسه لنفسه. والظاهر (٢) أن قوله: ﴿آلْآنَ﴾ إلى آخره من كلام الله تعالى، على لسان ملك، ويدل على هذا القول قوله : ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾. ٩٢ - ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾؛ أي: فاليوم نجعلك على نجوة من الأرض ببدنك؛ أي: على مكان مرتفع من الأرض، ينظر إليك من كذب بهلاكك ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾؛ أي: لتكون عبرة لمن بعدك من الناس، يعتبرون بك فينزجرون عن معصية الله، والكفر به، والسعي في الأرض بالفساد، وهذا آخر مقول جبريل. ووجه (٣) العبرة في ذلك أنه يكون شاهدًا على صدق وعد الله لرسله، ووعيده لأعدائهم، كطغاة مكة التي أنزلت هذه الآيات لإقامة حجج الله عليهم قبل غيرهم، والمعنى: ليعرفوا عبوديتك ويبطل دعوى ألوهيتك؛ لأن الإله لا يموت. قال أهل التفسير (٤): لما أغرق الله فرعون وقومه، وأخبر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه قالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون، وإنما قالوا ذلك لعظمته عندهم وما حصل في قلوبهم من الرعب لأجله، فأمر الله البحر فألقى فرعون على الساحل أحمر قصيرًا، كأنه ثور، فرآه بنو إسرائيل فعرفوه، فمن ذلك الوقت، لا يقبل الماء الميت أبدًا، ولكن تحديد هذه البداية لا أصل له. ومعنى قوله: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ يعني: نلقيك وأنت جسد لا روح فيه، وقيل: هذ الخطاب على سبيل التهكم والاستهزاء، كأنه قيل له: ننجيك، ولكن هذه النجاة، إنما تحصل لبدنك لا لروحك، وقيل: أراد بالبدن الدرع، وكان لفرعون درع من ذهب مرصع بالجواهر يعرف به، فلما رأوه في درعه ذلك عرفوه. قرأ الجمهور (٥): ﴿نُنَجِّيكَ﴾ بالتشديد من التنجية. وقرأ يعقوب: ﴿ننجيك﴾

стр. 5433

مخففًا مضارع أنجى. وقرأ أبي وابن السميقع ويزيد البربري: ﴿ننحيك﴾ بالحاء المهملة من التنحية، وحكاها علقمة عن ابن مسعود. ومعنى ﴿نُنَجِّيكَ﴾ بالجيم، نلقيك على نجوة من الأرض، وذلك أن بني إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون غرق، وقالوا هو أعظم شأنًا من ذاك، فألقاه الله على نجوة من الأرض؛ أي: مكان مرتفع من الأرض حتى شاهدوه. وقيل، المعنى: نخرجك مما وقع فيه قومك من الرسوب في قعر البحر، ونجعلك طافيًا ليشاهدوك ميتًا بالغرق. ومعنى: ﴿ننحيك﴾ بالحاء المهملة نطرحك على ناحية من الأرض مما يلي البحر. قال كعب: رماه البحر إلى الساحل كأنه ثور. وقرأ أبو حنيفة ﴿بأبدانك﴾. ورويت عن ابن مسعود أيضًا؛ أي: بدروعك، أو جعل كل جزء من البدن بدنًا كقولهم ثابت مفارقه. واختلف (١) المفسرون في معنى ﴿بِبَدَنِكَ﴾ فقيل معناه: بجسدك بعد سلب الروح، منه قاله مجاهد. وقيل معناه: بدرعك، قاله: صخر، والدرع يسمى بدنًا ومنه قول كعب: تَرَى الأبْدَانَ فِيْهَا مُسْبَغَاتٌ ... عَلَى الأَبْطَالِ وَالْيَلَبَ الْحَصِيْنَا أراد بالأبدان الدروع. وقد ذكرنا أنه كان له درع من ذهب فعرف بدرعه. وقيل: نلقيك عريانًا قاله: الزجاج. وقيل: ننجيك وحدك، قاله ابن قتيبة، ورجح القول بأن المراد بالبدن هنا، الجسد. وقرأ ابن مسعود (٢) وابن السميقع ﴿بندائك﴾ مكان ببدنك؛ أي: بدعائك بقولك: آمنت إلى آخره، لنجعلك آية مع ندائك الذي لا ينفع أو بما ناديت به في قومك كما حكاه عنه سبحانه ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. والمراد (٣) بالآية في قوله: ﴿لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ العلامة؛ أي: لتكون لمن خلفك، وبعدك من الناس، علامة يعرفون بها هلاكك، وأنك لست كما تدعي، ويندفع عنهم الشك

стр. 5434

في كونك قد صرت ميتًا بالغرق. وقيل: المراد ليكون طرحك على الساحل وحدك دون المغرقين من قومك آيةً من آيات الله يعتبر بها الناس أو يعتبر بها من سأل من الأمم إذا سمعوا ذلك حتى يحذروا من التكبر والتجبر، والتمرد على الله سبحانه، فإن هذا الذي بلغ إلى ما بلغ إليه من دعوى الإلهية، واستمر على ذلك دهرًا طويلًا، كانت له هذه العاقبة القبيحة. وقرىء (١): ﴿لمن خلفك﴾ على صيغة الفعل الماضي بفتح اللام؛ أي: من الجبابرة والفراعنة، ليتعظوا بذلك ويحذروا أن يصيبهم ما أصابك إذا فعلوا فعلك. وقرأ ابن السميقع وأبو المتوكل وأبو الجوزاء ﴿لمن خلقك﴾ بالقاف من الخلق وهو الله، ، أي: ليجعلك الله آية له في عباده. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا﴾ ودلائل قدرتنا التي توجب الاعتبار والتفكر في مصنوعاته، وتوقظ من سنة الغفلة ﴿لَغَافِلُونَ﴾؛ أي: لساهون عمّا توجبه الآيات من التيقظ وهذه الجملة تذييلية؛ أي: وإن كثيرًا من الناس لفي غفلة عن حججنا وأدلتنا، على أن العبادة له وحده خالصةً، فهم يمرون عليها وهم عنها معرضون، فلا يتفكرون في أسبابها ونتائجها وحكم الله فيها، وفي ذلك إيماءٌ إلى ذم الغفلة وعدم التفكر في أسباب الحوادث وعواقبها، واستبانة سنن الله فيها، للعظة والاعتبار ٩٣ - ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ هذا من جملة ما عدد الله من النعم التي أنعم بها على بني إسرائيل؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أنزلنا وأسكنا بني إسرائيل بعد ما أنجيناهم، وأهلكنا أعداءهم منزلًا صالحًا مرضيًّا، وهو منزلهم من بلاد الشام الجنوبية، وهي بلاد فلسطين والأردن. وقيل: أرض الشام ومصر، فالشام بلاد البركة والخصب، وأورثهم الله تعالى جميع ما كان تحت أيدي فرعون وقومه. وهذه الآية بمعنى قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. والمبوأ اسم مكان أو مصدر، كما سيأتي في مبحث التصريف، وإضافته إلى الصدق على ما

стр. 5435

جرت عليه عادة العرب، فإنهم كانوا إذا مدحوا شيئًا أضافوه إلى الصدق، كما مر في أول هذه السورة، والمراد به هنا المنزل المحمود المختار. ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾؛ أي: وأعطيناهم المستلذات من الرزق فيها وقد جاء وصفها في كتبهم، بأنها تفيض لبنًا وعسلًا، وفيها كثير من الغلات والثمرات والأنعام وصيد البر والبحر. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾ في أمر دينهم، وتشعبوا فيه شعبًا، بعد ما كانوا على طريقة واحدة غير مختلفة ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾؛ أي: لم يقع منهم الاختلاف في الدين إلا بعدما جاءهم العلم بقراءتهم التوراة وعلمهم بأحكامها، وما اشتملت عليه من الإخبار بنبوة محمَّد ﷺ . وقيل المعنى: إنهم لم يختلفوا حتى جاءهم العلم، وهو القرآن النازل على محمَّد، ﷺ ، فاختلفوا في نعته وصفته، وآمن به من آمن منهم، وكفر به من كفر، فيكون المراد بالمختلفين على القول الأول: هم اليهود، بعد أن أنزلت عليهم التوراة، وعلموا بها، وعلى القول الثاني: هم اليهود المعاصرون لمحمد، ﷺ ، وقيل (١) العلم، بمعنى: المعلوم، وهو محمَّد، ﷺ ؛ لأن رسالته كانت معلومة عندهم، مكتوبة في التوراة، وكانوا يستفتحون به؛ أي: يستنصرون به في الحروب، يقولون: اللهم بحرمة النبي المبعوث في آخر الزمان، انصرنا فينصرون. فلما جاء قالوا: النبي الموعود به من ولد يعقوب، وهذا من ولد إسماعيل، فليس هو ذاك، فآمن به بعضهم، كعبد لله بن سلام وأصحابه. وقيل: العلم القرآن، كما مر، واختلافهم فيه قول بعضهم: هو من كلام محمَّد، وقول بعضهم: من كلام الله، وليس لنا إنما هو للعرب، وصدق به قوم فآمنوا؛ أي: فما اختلف بنو إسرائيل إلا بعد أن علموا بقراءة التوراة والوقوف على أحكامها، ذلك أنهم كانوا قبل أن يبعث محمَّد، ﷺ ، مجمعين على نبوته والإقرار به وبمبعثه غير مختلفين فيه، بالنعت الذي كانوا يجدونه مكتوبًا عنده، فلما جاءهم ما عرفوا كفر به بعض وآمن به آخرون.

стр. 5436

﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿يَقْضِي﴾ ويحكم ﴿بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: بين بني إسرائيل المختلفين، أو بين سائر الناس على العموم ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، والمحق بعمله بالحق، والمبطل بعمله بالباطل؛ أي: إن هذا النوع من الاختلاف لا سبيل لإزالته في دار الدنيا، بل سيقضي الله بينهم في الآخرة، فيميز المحقين من المبطلين، ويدخل الأولين الجنة والآخرين النار، وبئس القرار ٩٤ - ﴿فَإِن كنُتَ﴾ يا محمَّد ﴿فِي شَكٍّ﴾ وارتياب ﴿مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾؛ أي: في حقيقة ما أنزلنا إليك، والشك في موضوع اللغة خلاف اليقين، والشك اعتدال النقيضين عند الإنسان لوجود أمارتين، أو لعدم الأمارة، والشك ضرب من الجهل، وهو أخص منه، فكل شك جهل، وليس كل جهل شكا. فإذا قيل: فلان شك في هذا الأمر، فمعناه: توقف فيه حتى يتبين له فيه الصواب أو خلافه. وظاهر هذا الخطاب في قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ أنه للنبي، ﷺ ، والمعنى: فإن كنت يا محمَّد، في شك مما أنزلنا إليك يعني من حقيقة ما أخبرناك به، وأنزلناه يعني القرآن، أو المعنى: فإن كنت أيها الرسول في شك مما قلناه في تلك الشواهد، من قصة هود ونوح وموسى وغيرهم فرضًا وتقديرًا ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ أي: الذين يقرؤون كتب الأنبياء من قبلك، كاليهود والنصارى، يخبروك أنك مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، وأنك نبي يعرفونك بصفتك عندهم، أو يعلمون أن ما أنزلناه إليك من القصص حق، لا يستطيعون إنكاره. وقرأ يحيى وإبراهيم: ﴿يقرؤون الكتب﴾ على الجمع. وقد توجه (١) ههنا سؤال واعتراض، وهو أن يقال: هل شك النبي، ﷺ ، فيما أنزل عليه، أو في نبوته حتى يسأل أهل الكتاب عن ذلك؟ وإذا كان شاكًّا في نبوة نفسه كان غيره أولى بالشك منه. قلت: الجواب عن هذا السؤال، والاعتراض، ما قاله القاضي عياض: في كتابه "الشفاء" فإنه أورد هذا السؤال، ثم قال: احذر ثبت الله قلبك، أن يخطر ببالك ما ذكره فيه بعض المفسرين، عن ابن عباس أو غيره من إثبات شك النبي، ﷺ ،

стр. 5437

فيما أوحى إليه فإنه من بشر. فمثل هذا لا يجوز عليه، ﷺ جملة، بل قد قال ابن عباس: لم يشك النبي، ﷺ ، ولم يسأل، ونحوه عن سعيد بن جبير، والحسن البصري، وحكي عن قتادة أنه قال: بلغنا أن النبي ﷺ قال: "ما أشك ولا أسأل" وعامة المفسرين على هذا، تم كلام القاضي عياض ﵀. ثم اختلفوا في معنى الآية، ومن المخاطب بهذا الخطاب، على قولين: أحدهما: أن الخطاب للنبي، ﷺ ، في الظاهر، والمراد به غيره، فهو كقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ومعلوم أن النبي، ﷺ ، لم يشرك، فثبت أن المراد به غيره، ومن أمثلة العرب إياك أعني واسمعي يا جارة. فعلى هذا يكون معنى الآية: قل يا محمَّد: يا أيها الإنسان الشاك، إن كنت في شك مما أنزلنا إليك على لسان رسولنا محمَّد، ﷺ ، فاسأل الذين يقرؤون الكتاب، يخبروك بصحته، ويدل على صحة هذا التأويل، قوله تعالى في آخر هذه السورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ الآية. فبين أنَّ المذكور في هذه الآية، على سبيل الرمز، هو المذكور في تلك الآية على سبيل التصريح، وأيضًا لو كان النبي ﷺ شاكًّا في نبوته .. لكان غيره أولى بالشك في نبوته، وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية، معاذ الله من ذلك. وقيل: إن الله علم أن النبي، ﷺ ، لم يشك قط، فيكون المراد بهذا التهييج، فإنه، ﷺ ، إذا سمع هذا الكلام يقول: لا أشك يا رب، ولا أسأل أهل الكتاب، بل أكتفي بما أنزلته عليّ من الدلائل الظاهرة. وقال الزجاج: إن الله ، خاطب الرسول، ﷺ ، في قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ وهو شامل للخلق فهو كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وهذا وجه حسن، لكن فيه بعد، وهو أن يقال: متى كان الرسول، ﷺ ، دخلًا في هذا الخطاب، كان الاعتراض موجودا، والسؤال واردًا. وقيل: إن لفظة ﴿إن﴾ في قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ للنفي، وما أنت في شك، مما أنزلنا إليك حتى تسأل، فلا تسأل، ولئن سألت لازددت يقينًا. والقول الثاني: أن هذا الخطاب ليس هو للنبي ﷺ ، ألبتة، ووجه هذا

стр. 5438

القول، أن الناس كانوا في زمنه على ثلاث فرق: فرقة له مصدقون وبه مؤمنون، وفرقة على الضد من ذلك، والفرقة الثالثة المتوقفون في أمره، الشاكون فيه، فخاطبهم الله ، بهذا الخطاب، فقال: ﵎، فإن كنت أيها الإنسان، في شك مما أنزلنا إليك، من الهدى، على لسان محمَّد، ﷺ ، فاسأل أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته، وإنما وحد الله الضمير في قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ﴾ وهو يريد الجمع؛ لأنه خطاب لجنس الإنسان، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦)﴾ لم يرد في الآية إنسانًا بعينه، بل أراد الجمع. واختلفوا في المسؤول عنه في قوله: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ من هم. فقال المحققون من أهل التفسير: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه؛ لأنهم هم الموثوق بأخبارهم. وقيل، المراد: كل أهل الكتاب، سواء مؤمنهم وكافرهم؛ لأن المقصود من هذا السؤال الإخبار بصحة نبوة محمَّد، ﷺ ، وإنه مكتوب، عندهم صفته ونعته فإذا أخبروا بذلك، فقد حصل المقصود، والأول أصح. وقال الضحاك يعني أهل التقوى، وأهل الإيمان, من أهل الكتاب، ممن أدرك النبي، ﷺ ، ذكره في "الخازن". وعزتي وجلالي ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ يا محمَّد ﴿الحقُّ﴾ واليقين من الخبر ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ بأنك رسول الله حقًّا، وإن أهل الكتاب يعلمون صحة ذلك ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾؛ أي: من الشاكين في صحة ما أنزلنا إليك بالتزلزل، عما أنت عليه، من الجزم واليقين، والامتراء: الشك والتردد؛ أي: لقد جاءك الحق الواضح، بأنك رسول الله، وأن هؤلاء اليهود والنصارى يعلمون صحة ذلك، ويجدون نعتك في كتبهم، فلا تكونن من الشاكين في صحة ذلك. وهذا النهي وما بعده، يدلان على أن فرض الشك والسؤال فيما قبلهما تعريض بالشاكين والمكذبين له من قومه، ممن لم تستنر بصيرتهم بنبوته ﷺ ، فأظهروا الإيمان بألسنتهم، ولم يثبت في قلوبهم، فهم في شك منه. ٩٥ - ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾ أيها الرسول ﴿مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: ممن كذب بآيات الله وحججه في الأكوان، مما يدل على وحدانيته وقدرته على إرسال

стр. 5439

الرسل، لهداية البشر ﴿فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ أي: فتكون ممن خسروا أنفسهم بالحرمان من الإيمان, وما يتبعه من سعادة الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. فالشك والامتراء فيما أنزل إليك، كالتكذيب بآيات الله جحودًا بها، وعنادًا، كلاهما سواء في الخسران لحرمان الجميع من الهداية بها والوصول إلى السعادة في الدارين ٩٦ - ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ﴾ وثبتت ووجبت ﴿عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾؛ أي: قضاؤه وحكمه الذي كتبه في اللوح المحفوظ، بأنهم يموتون على الكفر ويخلدون في النار، بفقدهم الاستعداد للاهتداء لرسوخهم في الكفر والطغيان، وإحاطة خطاياهم بهم وإعراضهم عن آيات الله، التي خلقها في الأكوان بما يرشد إلى وحدانيته، وكمال قدرته ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ إذ لا يكذب كلامه، ولا ينتقض قضاؤه ٩٧ - ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ من الآيات الكونية، كآيات موسى ﵇، التي اقترحوا مثلها عليك، والآيات المنزلة عليك، كآيات القرآن العقلية، الدالة بإعجازها على أنها من عند الله، وعلى حقية ما تدعوهم إليه وتنذرهم به ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ بأعينهم، ويذوقوه حين ينزل بهم، فيكون إيمانهم، اضطرارًا لا اختيارًا منهم، كدأب آل فرعون وأشباههم، فلا يترتب عليه عمل منهم يطهرهم ويزكيهم، وحينئذٍ لا ينفعهم إيمانهم كما لا ينفع فرعون، ويقال لهم إذ ذاك ﴿آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾. ٩٨ - ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ﴾؛ أي: فهلا كانت ووجدت قرية ﴿آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾؛ أي: فهلا كان أهل قرية من قرى أقوام أولئك الرسل، آمنوا بعد دعوتهم، وإقامة الحجة عليهم، فنفعهم إيمانهم قبل وقوع العذاب الذي أنذروا به. وخلاصة ذلك: أنه لم يؤمن قوم منهم، بحيث لم يشذ منهم أحد. قال أبو مالك (١) - صاحب ابن عباس -: كل ما في كتاب الله تعالى، من ذكر لولا، فمعناه: هلا إلا حرفين ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ فمعناه: فما كانت قرية آمنت، ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُم﴾ فمعناه: فما كان من القرون،

стр. 5440

وتقدير الآية: فما كان ووجد أهل قرية آمنوا، فنفعهم إيمانهم في الدنيا ﴿إلا قوم يونس﴾ ﵇ ﴿لَمَّا آمَنُوا﴾ أول ما رأوا أمارة العذاب ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾؛ أي: صرفنا عنهم عذاب الذل ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾ الدنيا ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ﴾ بمتاع الدنيا بعد صرف العذاب عنهم ﴿إِلَى حِينٍ﴾؛ أي: إلى وقت انقضاء آجالهم. وعبارة "الفتوحات" هنا قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ﴾ ﴿لَوْلَا﴾ (١) تحضيضية فيها معنى النفي والتوبيخ، والتحضيض أن يريد الإنسان فعل الشيء الذي يحض عليه. والحاصل: أن الآية تضمنت تحضيضًا وتوبيخًا ونفيًا، فالنفي راجع لمن مضى، والتوبيخ والتحضيض راجعان لمن يسمع، فوبخ الله أهل القرى المهلكة، قبل يونس، قبل نزول العذاب بهم، إلا قوم يونس فإنهم آمنوا قبل نزوله بهم، وذلك حين رؤية أماراته فالفارق بين قوم يونس ومن قبلهم، أن قوم يونس آمنوا قبل نزوله، وذلك عند حضور أماراته وغيرهم لم يؤمن قبل نزوله، أعم من أن يكون آمن وقت نزوله، أو لم يؤمن أصلًا، فبهذا الاعتبار صار بين قوم يونس وغيرهم التباين باعتبار الوصف المذكور، فلم يندرج قوم يونس في غيرهم. روي (٢) أن يونس ﵇، بعث إلى نينوى من أرض الموصل، وكانوا يعبدون الأصنام فكذبوه فذهب عنهم مغاضبًا، فلما فقدوه، خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح وعجّوا أربعين ليلة، وكان يونس قال لهم: إن أجلكم أربعون ليلة، فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك .. آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون ليلة، ظهر في السماء غيم أسود هائل، فظهر منه دخان شديد، وهبط ذلك الدخان حتى وقع في المدينة، وسوّد سطوحهم فخرجوا إلى الصحراء وفرقوا بين النساء والصبيان، وبين الدواب وأولادها، فحنّ بعضها إلى بعض وعلت الأصوات وكثرت التضرعات وأظهروا الإيمان والتوبة، وتضرعوا إلى الله تعالى، فرحمهم وكشف عنهم، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء، يوم الجمعة. وعن الفضل بن عباس، أنهم قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلَّت،

стр. 5441

وأنت أعظم وأجل، افعل بنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله، وخرج يونس ينتظر العذاب فلم ير شيئًا، هكذا ذكروا، والله أعلم بحقيقة الحال. والخلاصة (١): أن قوم يونس لما آمنوا قبل وقوع العذاب بهم بالفعل، وكانوا علموا بقربه من خروج نبيهم .. صرفنا عنهم عذاب الذل والهوان في الدنيا، بعد ما أظلهم، وكاد ينزل بهم، ومتعناهم بمتاعها إلى زمن معلوم، وهو الوقت الذي يعيش فيه كل منهم بحسب سنن الله في استعداد بنيته ومعيشته. وفي ذلك تعريض بأهل مكة وإنذار لهم، وحضّ على أن يكونوا كقوم يونس الذين استحقوا العذاب بعنادهم، حتى إذا أنذرهم نبيهم بقرب وقوعه وخرج من بينهم، اعتبروا وآمنوا قبل اليأس، وقبل أن ينزل بهم البأس. وقرأ أبي وعبد الله (٢): ﴿فهلا﴾، وكذا في مصحفهما، وقال الزمخشري: وقرىء ﴿إلا قوم يونس﴾ بالرفع على البدل من قرية عن الحرمي والكسائي وتقدم الخلاف في قراءة يونس بضم النون وكسرها، وذكر جواز فتحها. ٩٩ - ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾ يا محمَّد إيمان أهل الأرض جميعًا ﴿لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ﴾ بحيث لا يخرج منهم أحد، حال كونهم ﴿جَمِيعًا﴾؛ أي: مجتمعين على الإيمان لا يتفرقون فيه، ولا يختلفون بأن يلجئهم إلى الإيمان قسرًا، أو يخلقهم مؤمنين طائعين كالملائكة لا استعداد في فطرتهم، لغير الإيمان, ولكنه لم يشأ ذلك لكونه مخالفًا للمصلحة التي أرادها الله ، وجاء في معنى الآية قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. وخلاصة ذلك (٣): أنه لو شاء ربك أن لا يخلق الإنسان مستعدًّا بفطرته للخير والشر، والإيمان والكفر، ومرجحًا باختياره لأحد الأمور الممكنة، على ما يقابله بإرادته ومشيئته .. لفعل ذلك، ولكن اقتضت حكمته أن يخلقه هكذا، يوازن باختياره بين الإيمان والكفر، فيؤمن بعض ويكفر آخرون.

стр. 5442

ولما كان النبي ﷺ حريصًا على إيمان جميع الناس، أخبره الله ، بأن ذلك لا يكون؛ لأن مشيئته الجارية على الحكمة البالغة والمصالح الراجحة لا تقتضي ذلك، فقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾ والهمزة (١) فيه للاستفهام التأديبي للنبي، ﷺ ، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتحزن يا محمَّد، على عدم إيمانهم وتتأسف عليه، فأنت تكره الناس؛ أي: تريد أن تجبرهم على الإيمان ﴿حَتَّى يَكُونُوا﴾ كلهم ﴿مُؤْمِنِيَنَ﴾ طائعين لله ، فإن ذلك يا محمَّد ليس في وسعك ولا داخل تحت قدرتك. والمعنى: ليس عليك إلا البلاغ، لا خلق الإيمان في قلوبهم وإكراههم عليه، فإن الأمر كله لله لا خالق سواه؛ أي: إن هذا ليس بمستطاع لك، ولا من وظائف الرسالة التي بعثت بها أنت، وسائر الرسل الكرام. كما قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ وقال: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ وقال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. وفي هذا (٢) تسلية للنبي، ﷺ ، ودفع لما يضيق به صدره، من طلب صلاح الكل، الذي لو كان، لم يكن صلاحًا محققًا، بل يكون إلى الفساد أقرب، ولله الحكمة البالغة. ١٠٠ - ثم بين وعلل سبحانه ما تقدم فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: ما ثبت وما استقام وما صح لنفس من الأنفس أن تؤمن في حال من الأحوال، إلا في حال إرادة الله تعالى الإيمان لها، وتيسيره وتوفيقه ومشيئته لذلك، فلا يقع غير ما يشاؤه كائنًا ما كان؛ أي: وما كان لنفس بمقتضى ما أعطاها الله، من الاختيار والاستقلال في الأفعال، أن تؤمن إلا بإرادة الله ، ومقتضى سننه في الترجيح بين المتقابلين، فالنفس مختارة في دائرة الأسباب والمسببات، ولكنها غير مستقلة في اختيارها استقلالًا تامًّا بل مقيدة بنظام السنن والأقدار الإلهية. وقوله: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ معطوف (٣) على محذوف، تقديره: فيريد الله الإيمان للبعض، ويجعل الرجس؛ أي: العذاب أو الكفر أو الخذلان الذي هو سبب العذاب ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: على

стр. 5443

الكفار الذين لا يتعقلون حجج الله تعالى، ولا يتفكرون في آياته ولا يتدبرون فيما نصبه لهم من الأدلة؛ أي: وإذا (١) كان كل شيء بإذنه وتيسيره ومشيئته التي تجري بقدره، فهو يجعل الإذن وتيسير الإيمان للذين يعقلون آياته ويوازنون بين الأمور، فيختارون خير الأعمال، ويتقون شرها ويرجحون أنفعها على أضرها بإذنه وتيسيره، ويجعل الخذلان والخزي المرجح للكفر والفجور على الذين لا يعقلون ولا يتدبرون، إذ هم لخطل رأيهم وسلوك سبيل الهوى، يرجحون الكفر على الإيمان والفجور على التقوى. وقرأ (٢) الحسن وأبو بكر والمفضل وزيد بن علي: ﴿ونجعل﴾ بالنون. وقرأ الأعمش: ﴿ويجعل الله الرجز﴾ بالزاي وفي الرجس لغتان، ضم الراء، وكسرها، والرجز بمعناه. ١٠١ - ولما بين أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله تعالى .. أمر بالنظر والاستدلال بالدلائل السماوية والأرضية فقال: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: قل (٣) أيها الرسول لمن تحرص على هدايتهم، من كفار قومك، انظروا بأبصاركم وفكروا وتأملوا ببصائركم، ماذا في السموات والأرض؛ أي: في المخلوق الذي في السموات والأرض، من كواكب نيرات ثوابت وسيارات، وشمس وقمر، وليل ونهار، وسحاب ومطر، وهواء وماء، وليل ونهار. وإيلاج أحدهما في الآخر حتى يطول هذا ويقصر ذاك، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج فيها من أفانين الثمار والزروع، والأزاهير وصنوف النبات، وما ذرأ فيها من دواب مختلفة الأشكال والألوان والمنافع، وما فيها من جبال وسهول وقفار وعمران، وما في البحر من عجائب، وهو مسخر مذلل للسالكين، يحمل سفنهم ويجري بها برفق، بتسخير القدير العليم، الذي لا إله غيره ولا رب سواه ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ إنه يريكم كل هذه الآيات، ثم أنتم تشركون، وما أحسن قول الشاعر:

стр. 5444

وَفِيْ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ والخلاصة (١): قل يا محمَّد للكفار: تفكروا واعتبروا واتعظوا بما في السموات والأرض، من المصنوعات الدالة على الصانع ووحدته، وكمال قدرته و ﴿ماذَا﴾: مبتدأ وخبره ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أو المبتدأ ﴿ما﴾ فقط و ﴿ذا﴾ بمعنى الذي ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ صلته، والموصول وصلته خبر المبتدأ؛ أَيْ: أيُّ شيءٍ الذي في السموات والأرض؟ وعلى كلا التقديرين، فالجملة في محل نصب بالفعل الذي قبلها وقرأ (٢) الحرميان، نافع وابن كثير، والعربيان أبو عمرو وابن عامر والكسائي؛ ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ بضم اللام على نقل ضمة الهمزة إلى اللام. وقرأ باقي السبعة: بكسر اللام على أصل حركة التخلص من التقاء الساكنين. ثم ذكر سبحانه أن التفكر والتدبر في هذه الدلائل لا ينفع في حق من استحكمت شقاوته، فقال: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ﴾؛ أي: وما تنفع الدلائل السماوية والأرضية المذكورة في قوله: ﴿مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ﴿وَالنُّذُرُ﴾؛ أي: والرسل المنذرون ﴿عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ في علم لله تعالى وحكمه وقضائه. والمعنى: أن من كان هكذا .. لا يجدي فيه شيء ولا يدفعه عن الكفر دافع، و ﴿ما﴾: نافية؛ أي: ما تنفع، ويجوز أن تكون استفهامية؛ أي: أي شيء ينفع؟ وقرىء: ﴿وما تغني﴾ بالتاء وهي قراءة الجمهور، وبالياء. ﴿تغني﴾ تنفع (٣) وتفيد ﴿وَالنُّذُرُ﴾ واحدها نذير؛ أي: إن الآيات الكونية على ظهور دلالتها، والرسل على بلاغة حجتها, لا تجدي نفعًا لقوم لا يتوقع إيمانهم؛ لأنهم لم يوجهوا أنظارهم إلى الاعتبار بالآيات والاستدلال بها، على ما تدل عليه من وحدانية الله تعالى، وقدرته، والاعتبار بسننه في خلقه والاستفادة منها فيما يزكي النفس ويرفعها عن الأرجاس والأدناس. ١٠٢ - قوله: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ مرتب (٤) على قوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ﴾ إلخ

стр. 5445

والاستفهام فيه إنكاري بمعنى: النفي؛ أي: فهل ينتظر هؤلاء المشركون من قومك يا محمَّد ﴿إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: إلا يومًا يعاينون فيه العذاب، مثل أيام كفار الأمم الذين مضوا من قبلهم، التي عاينوا فيها العذاب حين كذبوا رسلهم، كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم؛ أي: ما ينتظرون بتكذيبك إلا عذابًا مثل عذاب الأمم الماضية المكذبة لرسلها أهلكناهم جميعًا، والعرب تسمّي العذاب أيامًا، والنعمَ أيامًا كقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. والمعنى: يقول (١) الله لنبيه، ﷺ ، محذرًا مشركي قومه، من حلول عاجل نقمة ربهم بهم، وقد حل بمن قبلهم من سائر الأمم الخالية التي سلكت في تكذيب رسله، وجحودهم مسلكهم هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون، بما جئتهم به من عند الله تعالى، إلا يومًا يعاينون فيه من عذاب الله مثل أيام أسلافهم، الذين كانوا على مثل ما هم عليه من الشرك والتكذيب. والخلاصة: أنهم ما ينتظرون إلا مثل وقائعهم مع رسلهم، ممَّا بلغهم مبدؤه وغايته، فإن كانوا ينتظرون ذلك العذاب فـ ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد؛ أي: لهؤلاء الكفار المعاصرين لك ﴿فَانْتَظِرُوا﴾؛ أي: تربصوا لوعد ربكم ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾؛ أي: من المتربصين لوعد ربي. وفي هذا تهديد شديد، ووعيد بالغ بأنه سينزل بهؤلاء، ما نزل بأولئك، من الإهلاك، إن لم يؤمنوا؛ أي: قل لهم منذرًا مهددًا انتظروا عقاب الله، ونزول سخطه بكم، إني من المنتظرين هلاككم بالعقوبة التي تحل بكم وإني على بينة بما وعد الله به وصدق وعده للمرسلين، وإن الذين يصرون على الجحود والعناد سيكونون من الهالكين. ١٠٣ - و ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا﴾ للعطف على مقدر يدل عليه ما قبله، كأنه قيل: أهلكنا الأمم، ثم نجينا رسلنا المرسلين إليهم. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معطوف على رسلنا؛ أي: نجيناهم ونجينا الذين آمنوا. والتعبير بلفظ المضارع لاستحضار صورة الحال الماضية، تهويلًا لأمرها؛ أي: إن سنتنا في رسلنا

стр. 5446

السابقين على محمَّد مع أقوامهم، الذين يبلغونهم الدعوة ويقيمون عليهم الحجة، وينذرونهم سوء عاقبة التكذيب، فيؤمن بعض، ويصرّ آخرون على الكفر، أن نهلك المكذبين وننجي رسلنا والذين آمنوا بهم. وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ صفة (١) لمصدر محذوف؛ أي: إنجاء مثل ذلك الإنجاء، فهو مفعول مطلق، والعامل فيه قوله: ﴿ننج المؤمنين﴾. وقوله: ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾ اعتراض؛ أي: وحق ذلك علينا حقًّا، أي: وجب وتحتم بمقتضى الفضل والكرم؛ أي: إنجاء مثل ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين معك أيها الرسول، ونهلك المصرين على تكذيبك وعدنا ذلك وعدًا حقًّا علينا لا نخلفه، كما قال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾. وقرأ (٢) يعقوب: ﴿ثم ننجي﴾ مخففًا وقرأ الباقون ﴿ثم ننجي﴾ بالتشديد وبثبوت الياء خطًّا ولفظًا. وقرأ حفص والكسائي ويعقوب: ﴿ننجي﴾ بالتخفيف والباقون بالتشديد، وتحذف منه الياء خطًّا إتباعًا لرسم المصحف. قاله "السمين" وفي اللفظ، إن وصل بما بعده، فحذفها ظاهر لأجل التقاء الساكنين، وإن وقف عليه وجب حذفها في النطق أيضًا، تبعًا لرسم المصحف اهـ "شيخنا". والتشديد والتخفيف في ﴿ننجي﴾ كلاهما لغتان فصيحتان أنجى ينجي إنجاءً، ونجى ينجي تنجيةً، بمعنى واحد. ومعنى الآية: أهلكنا (٣) المكذبين ثم نجينا رسلنا المرسلة إليهم والذين آمنوا بهم؛ لأن العذاب لا ينزل إلا على الكفار كذلك؛ أي: مثل ذلك الإنجاء الذي نجينا الرسل، ومن آمن بهم، ننج المؤمنين بك يا محمَّد، من كل شدة وعذاب، وجب ذلك علينا وجوبًا بحسب الوعد والحكم، لا بحسب الاستحقاق؛ لأن العبد لا يستحق على خالقه شيئًا. الإعراب ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا

стр. 5447

لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾. ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾: الواو: استئنافية. ﴿قال موسى﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبَّنَا﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿إنَّكَ﴾ ناصب واسمه ﴿آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول؛ لأن أتى هنا بمعنى: أعطى. ﴿وَمَلَأَهُ﴾ معطوف على فرعون ﴿زِينَةً﴾ مفعول ثانٍ ﴿وَأَمْوَالًا﴾: معطوف عليه ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ متعلق بـ ﴿آتَيْتَ﴾ وجملة ﴿آتَيْتَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾ وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب مقول القول على كونها جواب النداء. ﴿لِيُضِلُّوا﴾: اللام: حرف جر وعاقبة، ﴿يضلوا﴾: فعل مضارع منصوب ﴿بأن﴾ مضمرة جوازًا بعد لام العاقبة ﴿والواو﴾ فاعله. ﴿عَنْ سَبِيلِكَ﴾: متعلق به والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لإضلالهم عن سبيلك، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿آتَيْتَ﴾. ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف كرره للتأكيد، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿اطْمِس﴾ فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَلَى أَمْوَالِهِم﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها جواب النداء ﴿وَاشْدُدْ﴾: فعل أمر معطوف على ﴿اطْمِس﴾ ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: متعلق به ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ الفاء: عاطفة سببية ﴿لا﴾: نافية ﴿يُؤْمِنُوا﴾ فعل وفاعل منصوب ﴿بأن﴾ مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية، الواقعة في جواب الدعاء، سلوكًا مسلك الأدب مع الباري سبحانه، والجملة في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها، من غير سابك، لإصلاح المعنى، تقديره: وليكن شدك قلوبهم يا الله فعدم إيمانهم ويصح أن يكون قوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾: معطوفًا على ﴿لِيُضِلُّوا﴾ وما بينهما دعاء معترض، ذكره "أبو السعود". ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية ﴿يَرَوُا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى. ﴿الْعَذَابَ﴾: مفعول به ﴿الْأَلِيمَ﴾: صفة له والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المضمرة ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في

стр. 5448

تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى تقديره: إلى رؤيتهم العذاب الأليم الجار والمجرور متعلق بيؤمنوا. ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة ﴿قَدْ أُجِيبَتْ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي: وإن شئت قلت: ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ الفاء: عاطفة ﴿استقيما﴾: فعل أمر، وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أُجِيبَت﴾ ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ الواو: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة ﴿تَتَّبِعَانِّ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأمثلة الخمسة، والألف ضمير للمثنى المذكر المخاطب في حل الرفع فاعل، والنون المشددة نون التوكيد، حرف لا محل لها من الإعراب مبني على الكسر، وإنما كسرت مع أن الأصل في نون التوكيد البناء على الفتح تشبيهًا لا بنون المثنى، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ ﴿سَبِيلَ الَّذِينَ﴾: مفعول به ومضاف إليه. وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ صلة الموصول. ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾. ﴿وَجَاوَزْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿بِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جاوزنا﴾ ﴿الْبَحْر﴾: منصوب على الظرفية ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ﴾: فعل ومفعول وفاعل والفاء: عاطفة ﴿وَجُنُودُهُ﴾: معطوف على ﴿فِرْعَوْنُ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿جاوزنا﴾. ﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾: مفعولان لأجله؛ أي: لأجل البغي والعدو وشروط النصب متوفرة، ويجوز أن يكونا مصدرين في موضع الحال؛ أي: باغين وعادين. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الخفض

стр. 5449

بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على فرعون، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل الجر بـ ﴿حَتَّى﴾: تقديره ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ إلى قوله: آمنت وقت إدراك الغرق إياه الجار والمجرور متعلق ﴿بأتبع﴾. ﴿آمَنْتُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿آمَنْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَنَّهُ﴾: ناصب واسمه ﴿لَا﴾: نافية تعمل عمل ﴿إنَّ﴾. ﴿إِلَهَ﴾ في محل النصب اسمها وخبر ﴿لَا﴾ محذوف تقديره موجود. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الرفع بدل من الضمير المستكن في خبر ﴿لَا﴾ المحذوف، وجملة ﴿لَا﴾ في محل الرفع خبر ﴿أنّ﴾ وجملة ﴿أنّ﴾ المفتوحة في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: آمنت بعدم وجود إله، إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿آمَنَتْ﴾ وقراءة كسر همزة ﴿إنَّ﴾ على تقدير القول؛ أي: قائلًا. ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة صلة الموصول. ﴿وَأَنَا﴾: مبتدأ. ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: خبره والجملة الاسمية في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿آمَنَتْ﴾ على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. ﴿آلْآنَ﴾ في محل النصب على الظرفية الزمانية، متعلق بمحذوف تقديره: أتؤمن الآن، والهمزة فيه للاستفهام التوبيخي، والجملة المحذوفة في محل الرفع نائب فاعل لقول محذوف، تقديره: قيل له: الآن تؤمن، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ ﴿الواو﴾: حالية ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿عَصَيْتَ﴾: فعل وفاعل ﴿قَبْلُ﴾: في محل النصب على الظرفية الزمانية مبني على الضم، لقطعه عن الإضافة، والظرف متعلق بـ ﴿عَصَيْتَ﴾ والجملة الفعلية في محل النصب حال

стр. 5450

من فاعل تؤمن المحذوف، الذي تعلق به ﴿آلْآنَ﴾. ﴿وَكُنْتَ﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ خبره والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿عصيت﴾. ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾. ﴿فَالْيَوْمَ﴾: الفاء: عاطفة تفريعية ﴿اليوم﴾: منصوب على الظرفية متعلق بما بعده ﴿نُنَجِّيكَ﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿بِبَدَنِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال من الكاف؛ أي: ننجيك ملتبسًا ببدنك فقط، لا مع روحك، كما هو مطلوبك، فهو تخييب له وحسم لطمعه، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة أتؤمن الآن على كونها نائب فاعل للقول المحذوف، تقديره: قيل له أتؤمن الآن، فاليوم ننجيك ببدنك. ﴿لِتَكُونَ﴾ اللام: حرف جر وتعليل ﴿تكون﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد لام كي واسمها ضمير يعود على ﴿فِرعَوْنَ﴾. ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَكُونُ﴾ أو حال من آية لأنه صفة نكرة قدمت عليها ﴿خَلْفَكَ﴾: ظرف ومضاف إليه صلة من الموصولة ﴿آيَةً﴾: خبر ﴿تَكوُنُ﴾ وجملة ﴿أَنْ﴾ المضمرة مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لكونك آية لمن خلفك، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نُنَجِّيكَ﴾ ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا﴾ ناصب واسمه ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ صفة لـ ﴿كَثِيرًا﴾ ﴿عَنْ آيَاتِنَا﴾: متعلق بـ ﴿غافلون﴾ ﴿لَغَافِلُونَ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾ والجملة مستأنفة اعتراضية تذييلية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية. اللام: موطئة للقسم ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾: منصوب على الظرفية المكانية متعلق بـ ﴿بَوَّأْنَا﴾ وهو من إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: مبوأً

стр. 5451

صادقًا، ومنزلًا حسنًا، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، وجملة القسم مستأنفة ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول ﴿مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿رزقناهم﴾ وهو في محل المفعول الثاني، والجملة معطوفة على جملة ﴿بَوَّأْنَا﴾ ﴿فَمَا﴾ الفاء: عاطفة ﴿ما﴾ نافية ﴿اخْتَلَفُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿رزقناهم﴾ ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية ﴿جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: فعل ومفعول وفاعل في محل النصب بأن مضمرة بعد ﴿حَتَّى﴾ والجملة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى تقديره: إلى مجيء العلم إياهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿اخْتَلَفُوا﴾ ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه ﴿يَقْضِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الرب. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَقْضِي﴾. وكذا يتعلق به ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وجملة ﴿يَقْضِي﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿فِيمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَقْضِي﴾ أيضًا. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿فِيهِ﴾: متعلق بما بعده وجملة ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: استئنافية ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿فِي شَكٍّ﴾: جار ومجرور خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿شَكٍّ﴾ و ﴿مِن﴾ بمعنى في. ﴿أَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: مما أنزلناه إليك. ﴿فَاسْأَلِ﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿اسأل﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول أول لسأل والثاني محذوف، تقديره: عنه. ﴿يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: جار ومجرور حال من واو ﴿يقرؤون﴾، وجملة ﴿يقرؤون﴾: صلة الموصول، وجملة سأل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿لَقَدْ﴾

стр. 5452

اللام: موطئة للقسم ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿جَاءَكَ الْحَقُّ﴾: فعل ومفعول وفاعل ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: حال من ﴿الْحَقُّ﴾ أو متعلق بـ ﴿جاء﴾ والجملة الفعلية جواب للقسم المحذوف. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾ الفاء: عاطفة تفريعية ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَكُونَنَّ﴾ فعل مضارع ناقص في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واسمها ضمير يعود على محمَّد. ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: جار ومجرور خبرها، وجملة ﴿تَكُونَنَّ﴾: معطوفة مفرعة على جملة ﴿جاء﴾ على كونها جواب القسم المحذوف، فلا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَكُونَنَّ﴾: فعل مضارع ناقص في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية، واسمها ضمير يعود على محمَّد. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿تكون﴾ وجملة ﴿تكون﴾ معطوفة على جملة ﴿تَكُونَنَّ﴾ الأولى ﴿كَذَّبُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿بآيات الله﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿فَتَكُونَ﴾ الفاء: عاطفة سببية. ﴿تكون﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي، واسمها ضمير يعود على محمَّد. ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: خبرها وجملة ﴿تكون﴾ صلة أن المضمرة أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها، من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: لا يكن تكذيبك بآيات الله فكونك من الخاسرين. ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه ﴿حَقَّتْ﴾: فعل ماض ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول. وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَلَوْ﴾ الواو: اعتراضية. ﴿لو﴾: حرف شرط ﴿جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾: فعل وفاعل ومفعول،

стр. 5453

والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾ وجواب ﴿لو﴾ معلوم مما قبلها، تقديره: لا يؤمنون بها، وجملة ﴿لو﴾ معترضة لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين الجار ومتعلقه. ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية. ﴿يَرَوُا الْعَذَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن مضمرة بعد ﴿حَتَّى﴾. ﴿الْأَلِيمَ﴾ صفة للعذاب والجملة الفعلية مع أن المضمرة، في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى: إلى، تقديره: إلى رؤيتهم العذاب الأليم الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾. ﴿فَلَوْلَا﴾: الفاء: استئنافية، ﴿لولا﴾: تحضيضية مضمنة معنى النفي. ﴿كَانَتْ قَرْيَةٌ﴾ فعل وفاعل لأن ﴿كان﴾ هنا تامة. ﴿آمَنَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿قَرْيَةٌ﴾ والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿قَرْيَةٌ﴾ وجملة ﴿كان﴾ مستأنفة. ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿آمَنَتْ﴾ على كونها صفة لـ ﴿قَرْيَةٌ﴾ ولكنها صفة سببية. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء ﴿قَوْمَ يُونُسَ﴾: منصوب على الاستثناء. ﴿يُونُسَ﴾: ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط غير جازم ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿كَشَفْنَا﴾ فعل وفاعل. ﴿عَنْهُمْ﴾ متعلق به ﴿عَذَابَ الْخِزْيِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾ مستأنفة. ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾ متعلق بـ ﴿كَشَفْنَا﴾. ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة للحياة. ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿إِلَى حِينٍ﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿كَشَفْنَا﴾ على كونها جواب لما. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: استئنافية. ﴿لو﴾: حرف شرط ﴿شَاءَ رَبُّكَ﴾: فعل وفاعل والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾. ﴿لَآمَنَ﴾ اللام: رابطة لجواب ﴿لو﴾. ﴿آمن من﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لو﴾ الشرطية وجملة ﴿لو﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿فِي

стр. 5454

الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور صلة من الموصولة. ﴿كُلُّهُمْ﴾ توكيد لـ ﴿مَن﴾ الموصولة. ﴿جَمِيعًا﴾ حال منها. ﴿أَفَأَنْتَ﴾ الهمزة للاستفهام التأديبي داخلة على محذوف تقديره: أتحزن وتتأسف على عدم إيمانهم. الفاء: عاطفة ﴿أنت﴾ مبتدأ. ﴿تُكْرِهُ النَّاسَ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ذلك المحذوف. ﴿حَتَّى يَكُونُوا﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ خبره والجملة في تأويل مصدر مجرور بحتى بمعنى إلى تقديره: إلى كونهم مؤمنين الجار والمجرور متعلق بتكره. ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿لِنَفْسٍ﴾: جار ومجرور خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم. ﴿أَنْ تُؤْمِنَ﴾: ناصب وفعل وفاعله ضمير يعود على النفس. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُؤْمِنَ﴾ وجملة: ﴿تُؤْمِنَ﴾ في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿كَانَ﴾ تقديره: وما كان الإيمان إلا بإذن الله، كائنًا لنفس، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾ ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية معطوفة على محذوف، تقديره: فيأذن الله لبعضهم في الإيمان ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَجْعَلُ﴾. وجملة ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ صلة الموصول. ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد والجملة مستأنفة ﴿انْظُرُوا مَاذَا ...﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿انْظُرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول محكي. ﴿مَاذَا﴾ ﴿ما﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿ذا﴾: اسم موصول بمعنى الذي في محل الرفع خبر، والجملة الاسمية في محل النصب مفعول ﴿انْظُرُوا﴾ لتعليق العامل، وهو ﴿انْظُرُوا﴾ عنها

стр. 5455

بالاستفهام. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف عليه. ﴿وَمَا﴾: الواو حالية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿تُغْنِي الْآيَاتُ﴾: فعل وفاعل. ﴿وَالنُّذُرُ﴾: معطوف على الآيات. ﴿عَنْ قَوْمٍ﴾: متعلق بـ ﴿تغني﴾. وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ صفة لـ ﴿قَوْم﴾ والجملة الفعلية في محل النصب حال من واو ﴿انْظُرُوا﴾ والتقدير: انظروا، والحال أن النظر لا ينفعكم. ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. ﴿فَهَلْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن الآيات لا تغني فيهم شيئًا، وأردت بيان عاقبتهم. فأقول لك. ﴿هل ينتظرون﴾: ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام الإنكاري. ﴿يَنْتَظِرُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿إلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ﴾: مفعول به، ومضاف إليه. ﴿خَلَوْا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَوْا﴾ وجملة ﴿يَنْتَظِرُونَ﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد والجملة مستأنفة. ﴿فَانْتَظِرُوا ...﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ الفاء: فاء الفصيحة, لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا وأردت بيان ما تقول لهم فأقول لك. ﴿انتظروا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾ ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿مَعَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿الْمُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿نُنَجِّي رُسُلَنَا﴾ فعل ومفعول. ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف عليه

стр. 5456

وفاعله ضمير يعود على الله. وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول وجملة ﴿نُنَجِّي﴾ معطوفة على محذوف تقديره: نهلك الأمم المكذبة لرسلنا ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾ كذلك صفة لمصدر محذوف، والعامل فيه ننج؛ أي: إنجاء مثل ذلك الإنجاء ننج المؤمنين. ﴿حَقًّا﴾: مصدر مؤكد لفعله المحذوف، تقديره: حق ذلك الإنجاء علينا حقًّا، ووجب وجوبًا بمقتضى وعدنا ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق بالعامل المحذوف، وجملة الفعل المحذوف معترضة، لاعتراضها بين العامل والمعمول جيء بها للتأكيد. ﴿نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله والجملة مستأنفة. والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿زِينَةً وَأَمْوَالًا﴾ الزينة: الحلل والحلي والأثاث والرياش والماعون. والأموال ما وراء ذلك من الذهب والفضة والأنعام والزروع ونحو ذلك. قال ابن عباس: كان من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة، جبال فيها ذهب وفضة، وزبرجد وياقوت، اهـ كرخي. وفي "المصباح" الفسطاط بضم الفاء وكسرها: مدينة مصر قديمًا. ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ وفي "المختار" طمس الطريق، من باب دخل، وجلس، وطمسه إذا غيره، من باب ضرب، فهو متعد ولازم. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾؛ أي: غيرها كما قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ اهـ. والطمس: إزالة أثر الشيء بالمحو. ومعنى اطمس على أموالهم: أزل صورها وهيئاتها، وقال مجاهد: أهلكها. وقال أكثر المفسرين: امسخها وغيرها عن هيئاتها، ويقال: طمس الأثر وطمسته الريح، إذا زال. ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: اربط على قلوبهم واطبع عليها وقسّها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان. ومعنى الشد على القلوب: الاستيثاق منها حتى لا يدخلها الإيمان. وفي "المختار" شده يشده، من باب نصر ويشده - من باب ضرب - شدا فيهما إذا أوثقه اهـ. والشد على القلب: الطبع عليه، وقسوته حتى لا ينشرح للإيمان. ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ بتشديد التاء من اتبع الخماسي وتخفيفها من تبع الثلاثي، يقال: تبعه إذا مشى خلفه، واتبعه إذا أدركه ولحقه. ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ من جاوز

стр. 5457

المكان إذا تخطاه وخلفه وراءه، والباء للتعدية؛ أي: جعلناهم مجاوزين البحر، بأن جعلناه يبسًا وحفظناهم حتى بلغوا الشط، اهـ "أبو السعود". ويقال: جاز المكان، وجاوزه وتجاوزه، إذا قطعه حتى خلفه وراءه. وقوله: ﴿الْبَحْرَ﴾؛ أي: بحر القلزم، وهو بحر السويس. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ﴾ يقال: تبعته حتى أتبعته، إذا كان قد سبقك فلحقته. وفي "المختار" تبعه من باب طرب وسلم إذا مشى خلفه أو مر به، فمضى معه، وكذا اتبعه بوزن افتعل الخماسي، وأتبعه على وزن أفعل الرباعي، إذا كان قد سبقه فلحقه. وقال الأخفش: تبعه، وأتبعه بمعنًى مثل ردفه وأردفه اهـ. ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي: من المنقادين لأمره. ﴿وننجيك﴾؛ أي: نجعلك على نجوةٍ من الأرض، والنجوة: المكان المرتفع من الأرض، وقرىء بالتشديد من نجى المضعف ينجي تنجية، وبالتخفيف من أنجى الرباعي من باب أفعل ينجي إنجاءً. ﴿آية﴾ والآية: العبرة والعظة ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾؛ أي: منزلًا صالحًا مرضيًّا، وأصل الصدق: ضد الكذب، ولكن جرت عادة العرب أنهم إذا مدحوا شيئًا أضافوه إلى الصدق، فقالوا: مكان صدق إذا كان كاملًا في صفته، صالحًا للغرض المقصود منه، كأنهم أرادوا أن كل ما يظهر فيه من الخير فهو صادق. ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ والشك في أصل اللغة: ضم الشيء بعضه إلى بعض، ومنه شك الجوهر في العقد، والشاك كأنه يضم إلى ما يتوهمه شيئًا آخر خلافه، فيتردد ويتحير ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ﴾ لولا كلمة تفيد التحضيض والتوبيخ كهلّا، والمراد بالقرية أهلها، وهو كثير الاستعمال بهذا المعنى. ﴿عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ والخزي الذل والهوان. ﴿إِلَى حِينٍ﴾ والحين: مدة من الزمن، والمراد بها العمر الطبيعي الذي يعيشه كل شخص. ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ والإذن بالشيء: الإعلام بإجازته، والرخصة فيه، ورفع الحجر عنه. ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ والرجس لغة: الشيء القبيح المستقذر، والمراد به هنا العذاب. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:

стр. 5458

فمنها: التكرار في قوله: ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ تأكيدًا للأول، وتلذذًا بخطاب الله تعالى. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ لأن الشد حقيقة في ربط الأجرام بعضها إلى بعض كشد الحبال، شبه قسوة القلوب وتغليظها وعدم لينها للإيمان بشد الأجرام وربطها على طريقة الاستعارة التصريحية. ومنها: تكرار المعنى الواحد ثلاث مرات ليقبل إيمانه في قوله: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي﴾ إلخ، فإنه كرر إقراره بالإيمان ثلاث مرات في قوله: ﴿آمَنْتُ﴾ وفي قوله: ﴿أنه﴾ وفي قوله: ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾. ومنها: الاعتراض التذييلي في قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ إلخ, لأنه كلام معترض جيء به عقب الحكاية تقريرًا للكلام المحكي. ومنها: جناس الاشتقاق بين قوله: ﴿بوأنا﴾ و ﴿مبوأ﴾. ومنها: الكناية في قوله: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾؛ لأنه كناية عن القضاء والحكم الأزلي بالشقاوة عليهم. ومنها: التحضيض المضمن للتوبيخ والنفي في قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ﴾. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿قَرْيَةٌ﴾ من باب تسمية الحال باسم المحل لا مجاز بالحذف كما قيل. ومنها: إيلاء الاسم حرف الاستفهام في قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾ للإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، وإنما الشأن في المكره من هو، وما هو إلا هو وحده، لا يشارك فيه؛ لأنه هو القادر على أن يلقي في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان, وذلك غير مستطاع للبشر، اهـ "كرخي". ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ﴾؛

стр. 5459

أي: المذكورة في قوله: ﴿مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ومنها: حكاية الأحوال الماضية في قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا﴾، حيث عبر بالمضارع حكايةً عن الماضي لتهويل أمرها، باستحضار صورتها، وكذلك في قوله: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ حيث ذكر المضارع بمعنى الماضي. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في مواضع. والله أعلم * * *

стр. 5460

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر الأدلة على صدقه في رسالته وصحة الدين الذي جاء به وبسطها غاية البسط حتى لم يبق فيها مجال للشك .. أردف (١) ذلك بالأمر بإظهار دينه وبإظهار الفارق بينه وبين ما هم عليه من عبادة الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وبيان أن الذي بيده النفع والضر هو الله الذي خلقهم وبيده تصريف أمورهم. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله ، لما قرر دلائل التوحيد، والنبوة، والمعاد .. ختم السورة بهذا البلاغ للناس كافة بمقتضى البعثة العامة، وهو إجمال لما تقدم من التفصيل فيها. التفسير وأوجه القراءة ١٠٤ - ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد لهؤلاء الذين أرسلناك إليهم، فشكوا في أمرك ولم يؤمنوا

стр. 5461

بك ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ الذي أنا عليه، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، ولم تعلموا بحقيقته ولا عرفتم صحته وأنه الدين الحق، الذي لا دين غيره، فاعلموا أني بريء من أديانكم التي أنتم عليها. والتعبير عمّا هم فيه بالشك مع كونهم قاطعين بعدم الصحة، للإيذان بأن أقصى ما يمكن عروضه للعاقل في هذا الباب هو الشك في صحته، وأما القطع بعدمها فمما لا سبيل إليه، أو المعنى: إن كنتم في شك من ثباتي على ديني فاعلموا أني لا أتركه أبدًا، اهـ "أبو السعود". وإنما حصل (١) الشك لبعضهم في أمره، ﷺ ، لما رأى الآيات التي كانت تظهر على يد النبي، ﷺ ، فحصل له الاضطراب والشك، فقال: إن كنتم في شك من ديني الذي أدعوكم إليه فلا ينبغي لكم أن تشكوا فيه, لأنه دين إبراهيم ﵇ وأنتم من ذريته، وتعرفونه، ولا تشكون فيه، وإنما ينبغي لكم أن تشكوا في عبادتكم لهذه الأصنام التي لا أصل لها البتة، فإن أصررتم على ما أنتم عليه ﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: فلا أعبد معكم الأوثان التي تعبدونها من دون الله تعالى في حال من الأحوال، وجواب إن كنتم .. فلا أعبد، والتقدير: فأنا لا أعبد, لأن المنفي بلا، إذا وقع جوابًا، انجزم، فإذا دخلت عليه الفاء، علم أنه على إضمار المبتدأ، وكذلك لو ارتفع دون لا، كقوله: ومن عاد، فينتقم الله منه؛ أي: فهو ينتقم الله منه ذكره أبو حيان. وإنما وجب تقديم هذا النفي؛ لأن العبادة هي غاية التعظيم للمعبود، فلا تليق لأخس الأشياء، وهي الحجارة التي لا تنفع لمن عبدها ولا تضر لمن تركها, ولكن تليق العبادة لمن بيده النفع والضر وهو قادر على الإماتة والإحياء، كما قال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ ويقبض أرواحكم حين انتهاء آجالكم؛ أي: أخصه بالعبادة ولا أعبد غيره من معبوداتكم من الأصنام وغيرها. وخص (٢) صفة المتوفي من بين الصفات، لما في ذلك من التهديد لهم؛ أي: أعبد الله الذي يتوفاكم فيفعل بكم ما يفعل من العذاب الشديد، ولكونه يدل على الخلق أولًا وعلى الإعادة ثانيًا، ولكونه أشد الأحوال مهابةً في القلوب،

стр. 5462

ولكونه قد تقدم ذكر الإهلاك والوقائع النازلة بالكفار من الأمم السابقة، فكأنه قال: أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم. ولما ذكر أنه لا يعبد إلا الله، بين أنه مأمور بالإيمان, فقال: ﴿وَأُمِرْتُ﴾؛ أي: أمرني ربي ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من المصدقين بما جاء من عنده؛ أي: أمرني بأن أكون من جنس من آمن بالله وأخلص له الدين. ومعنى الآية: قل لهم أيها الرسول: إن كنتم في شك من ديني الذي أدعوكم إليه، ولم يتبين لكم أنه الحق، فاسمعوا وصفه واعرضوه على عقولكم، وانظروا فيه لتعلموا أنه لا مدخل فيه للشك، إني لا أعبد الحجارة التي تعبدونها من دون إلهكم وخالقكم، بل أعبد الله الذي يقبض الخلق فيميتهم إذا شاء، وينفعهم ويضرهم إذا أراد، ومثل هذا هو الحقيق بأن يعبد، وأن يخاف، وأن يتقى، دون من لا يقدر على شيء من ذلك، وفي ذلك تعريض لطيف وإيماء إلى أن مثل هذا الدين لا يشك فيه، وإنما ينبغي أن تشكوا فيما أنتم عليه، من عبادة الأصنام التي لا تعقل ولا تضر ولا تنفع، إذ عبادة الخالق لا يستنكرها ذو الفطرة السليمة، أما عبادة الأصنام فيستنكرها كل ذي لب وعقل سليم، وقد أمرت أن أكون من المؤمنين الذين وعدهم الله بالنجاة من عذابه، وبنصرهم على أعدائهم واستخلافهم في الأرض. ١٠٥ - وجملة قوله: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ معطوفة (١) على جملة قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولا يمنع من ذلك كون المعطوف بصيغة الأمر, لأن المقصود من أن الدلالة على المصدر وذلك لا يختلف بالخبرية والإنشائية؛ أي: وأمرت أن أكون من المؤمنين، وأمرت أن أقيم وجهي للدين القيم، الذي لا عوج فيه حالة كوني ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مائلًا من الأديان الباطلة إلى الدين الحق. فحنيفًا، حال من الوجه، أو من الدين، كما سيأتي، وذلك بالتوجه إلى الله وحده في الدعاء وغيره بدون التفات إلى شيء سواه، ونحو الآية قوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فمن توجه قلبه إلى غيره

стр. 5463

في عبادة من العبادات، ولا سيما مخ العبادة وروحها، وهو الدعاء، فهو عابد له مشرك بالله. والمعنى: إن الله أمره بالاستقامة في الدين، والثبات فيه، وعدم التزلزل عنه بحال من الأحوال، وخص الوجه, لأنه أشرف الأعضاء أو أمره باستقبال القبلة في الصلاة وعدم التحول عنها. ثم أكد (١) الأمر المتقدم بالنهي عن ضده فقال: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾ يا محمَّد ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: ممن يشرك في عبادة ربه الآلهة والأنداد، كأرباب الديانات الوثنية الباطلة الذين يجعلون بينهم وبين الله حجابًا من الوسطاء والأولياء والشفعاء، يوجهون قلوبهم إليهم عند الشدة تصيبهم، والحاجة تستعصي عليهم، ليقضوا لهم حاجتهم، إما بأنفسهم أو بشفاعتهم ووساطتهم عند ربهم، فإن فعلت ذلك كنت من الهالكين، وهذا من باب التعريض لغيره، ﷺ . ١٠٦ - وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ معطوف (٢) على ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ غير داخل تحت الأمر. وقيل: معطوف على ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾؛ أي: ولا تدع يا محمَّد من دون الله في حال من الأحوال ما لا ينفعك ولا يضرك بشيء من النفع والضر إن دعوته، ودعاء من كان هكذا لا يجلب نفعًا ولا يدفع ضرًّا ضائع لا يفعله عاقل، على تقدير أنه لا يوجد من يقدر على النفع والضر غيره، فكيف إذا كان موجودًا، فإن العدول عن دعاء القادر إلى دعاء غير القادر أقبح وأفحش، أي (٣): ولا تدع أيها الرسول غيره تعالى دعاء عبادة لا على سبيل الاشتراك، بوساطة الشفعاء ما لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يضرك إن تركت دعاءه ولا إن دعوت غيره. ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾؛ أي: فإن دعوت غيره تعالى ولكنه كنى عن القول بالفعل ﴿فَإِنَّكَ﴾ يا محمَّد ﴿إِذًا﴾؛ أي: إذا دعوت غير الله تعالى ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم بحرمانها من سعادة الدارين، وهذا جواب الشرط؛ أي: فإن دعوت من دون الله

стр. 5464

ما لا ينفعك ولا يضرك فإنك في عداد الظالمين لأنفسهم، والمقصود من هذا الخطاب التعريض بغيره، ﷺ ، والمعنى؛ أي: فإن فعلت هذا ودعوت غيره كنت في هذا الحال من الذين ظلموا أنفسهم، ولا ظلم لها أكبر من الشرك باللهِ تعالى، فدعاؤه وحده أعظم العبادات، ودعاء غيره شرك وظلم للنفس، لإضافة التصرف إلى ما لا يصدر منه، فهو وضع للشيء في غير موضعه. ١٠٧ - ثم أكد المعنى السالف ودحض شبهة الذين يدعون غير الله؛ لأنهم طالما استفادوا من دعائهم والاستغاثة بهم فشفيت أمراضهم وكشف الضر عنهم فقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ﴾؛ أي: وإن يصبك الله أيها الإنسان ﴿بِضُرٍّ﴾ كمرض يصيبك، بمخالفة سننه في حفظ الصحة أو نقص في الأموال والثمرات، بأسباب لك فيها عبرة، أو ظلم يقع عليك من غيرك .. ﴿فَلَا كَاشِفَ﴾ ولا رافع ﴿له﴾؛ أي: لذلك الضر ﴿إِلَّا هُوَ﴾ ، بل هو المختص بكشفه كما اختص بإنزاله، وقد جعل الله سبحانه للأشياء أسبابًا يعرفها خلقه بتجاربهم، ككشف الأمراض بمعرفة أسبابها. ومعرفة خواص العقاقير التي يتداوى بها، فعلينا أن نطلبها من الأسباب ونأتي البيوت من الأبواب، ونتوجه إلى الله وحده وندعوه مخلصين له متوكلين عليه. ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ﴾ ربك أيها الإنسان ﴿بِخَيْرٍ﴾؛ أي: برخاء ونعمة وعافية ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾؛ أي: فلا يقدر أحد أن يحول بينك وبين فضله الذي تعلقت به إرادته تعالى، فما شاء كان حتمًا، فلا يُرجى خير ولا نفع إلا من فضله، ولا يخاف رد ما يريده فهو ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾؛ أي: بفضله ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ بكسب أو بغير كسب، وبسبب ما قدره في السنن العامة، وبغير سبب ففضله تعالى على عباده عام بعموم رحمته، بخلاف الضر فإنه لا يقع إلا بسبب من الأسباب الخاصة بكسب العبد، أو العامة في نظام الخلق، كالأمراض التي تعرض بترك أسباب الصحة والوقاية، جهلًا أو تقصيرًا، وفساد العمران وسقوط الدول الذي يقع بترك العدل، وكثرة الظلم. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْغَفُورُ﴾ لذنوب من تاب، وأناب من عباده، من كفره وشركه إلى الإيمان به، وطاعته ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمن آمن به منهم، فلا يعذبه بعد التوبة، ولولا مغفرته الواسعة ورحمته العامة، لأهلك الناس جميعًا

стр. 5465

بذنوبهم في الدنيا قبل الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾. فإن قلت (١): لِمَ ذكر المس في أحدهما والإرادة في الثاني. قلت: كأنه أراد أن يذكر الأمرين جميعًا الإرادة والإصابة في كل واحد من الضر والخير، وأنه لا رادَّ لما يريد منهما, ولا مزيل لما يصيب به منهما، فأوجز الكلام، بأن ذكر المسَّ، وهو الإصابة في أحدهما، والإرادة في الآخر، ليدل بما ذكر على ما ترك على أنه قد كرر الإصابة في الخير في قوله: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. وجملة قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تذييلية، ثم ختم هذه السورة بما يستدل به على قضائه وقدره، ١٠٨ - فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم أيها الرسول مخاطبًا جميع الناس من حضر منهم فسمع هذه الدعوة منك ومن ستبلغه عنك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن العظيم المشتمل على محاسن الأحكام، المبين لحقيقة هذا الدين، وقد أوحى به إلى رجل منكم ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ بالإيمان به ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لا لغيره؛ أي: فمنفعة اهتدائه مختصة بها؛ أي: فمن (٢) سلك سبيل الحق وصدق بما جاء من عند الله في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإنما فائدة ذلك عائدة إليه؛ لأنه يفوز بالسعادة في دنياه ودينه، وذلك إنما يكون بعمله لا بعمل غيره، ولا بتأثيره بشفاعته أو وساطته. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ بالإعراض عنه ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾؛ أي: فوبال ضلاله مقصور على نفسه لا يتعداها, وليس لله حاجة في شيء من ذلك، ولا غرض يعود إليه؛ أي: ومن اعوج عن الحق الذي أتاه من عند الله وأعرض عن كتابه وعن آياته في الأنفس والآفاق، فإنما وبال ضلاله على نفسه، بما يفوته من فوائد الاهتداء في الدنيا وما يصيبه من العذاب على كفره وجرائمه في الآخرة.
следующие страницы →