← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

بك ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ الذي أنا عليه، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، ولم تعلموا بحقيقته ولا عرفتم صحته وأنه الدين الحق، الذي لا دين غيره، فاعلموا أني بريء من أديانكم التي أنتم عليها. والتعبير عمّا هم فيه بالشك مع كونهم قاطعين بعدم الصحة، للإيذان بأن أقصى ما يمكن عروضه للعاقل في هذا الباب هو الشك في صحته، وأما القطع بعدمها فمما لا سبيل إليه، أو المعنى: إن كنتم في شك من ثباتي على ديني فاعلموا أني لا أتركه أبدًا، اهـ "أبو السعود". وإنما حصل (١) الشك لبعضهم في أمره، ﷺ ، لما رأى الآيات التي كانت تظهر على يد النبي، ﷺ ، فحصل له الاضطراب والشك، فقال: إن كنتم في شك من ديني الذي أدعوكم إليه فلا ينبغي لكم أن تشكوا فيه, لأنه دين إبراهيم ﵇ وأنتم من ذريته، وتعرفونه، ولا تشكون فيه، وإنما ينبغي لكم أن تشكوا في عبادتكم لهذه الأصنام التي لا أصل لها البتة، فإن أصررتم على ما أنتم عليه ﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: فلا أعبد معكم الأوثان التي تعبدونها من دون الله تعالى في حال من الأحوال، وجواب إن كنتم .. فلا أعبد، والتقدير: فأنا لا أعبد, لأن المنفي بلا، إذا وقع جوابًا، انجزم، فإذا دخلت عليه الفاء، علم أنه على إضمار المبتدأ، وكذلك لو ارتفع دون لا، كقوله: ومن عاد، فينتقم الله منه؛ أي: فهو ينتقم الله منه ذكره أبو حيان. وإنما وجب تقديم هذا النفي؛ لأن العبادة هي غاية التعظيم للمعبود، فلا تليق لأخس الأشياء، وهي الحجارة التي لا تنفع لمن عبدها ولا تضر لمن تركها, ولكن تليق العبادة لمن بيده النفع والضر وهو قادر على الإماتة والإحياء، كما قال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ ويقبض أرواحكم حين انتهاء آجالكم؛ أي: أخصه بالعبادة ولا أعبد غيره من معبوداتكم من الأصنام وغيرها. وخص (٢) صفة المتوفي من بين الصفات، لما في ذلك من التهديد لهم؛ أي: أعبد الله الذي يتوفاكم فيفعل بكم ما يفعل من العذاب الشديد، ولكونه يدل على الخلق أولًا وعلى الإعادة ثانيًا، ولكونه أشد الأحوال مهابةً في القلوب،

стр. 5462

ولكونه قد تقدم ذكر الإهلاك والوقائع النازلة بالكفار من الأمم السابقة، فكأنه قال: أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم. ولما ذكر أنه لا يعبد إلا الله، بين أنه مأمور بالإيمان, فقال: ﴿وَأُمِرْتُ﴾؛ أي: أمرني ربي ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من المصدقين بما جاء من عنده؛ أي: أمرني بأن أكون من جنس من آمن بالله وأخلص له الدين. ومعنى الآية: قل لهم أيها الرسول: إن كنتم في شك من ديني الذي أدعوكم إليه، ولم يتبين لكم أنه الحق، فاسمعوا وصفه واعرضوه على عقولكم، وانظروا فيه لتعلموا أنه لا مدخل فيه للشك، إني لا أعبد الحجارة التي تعبدونها من دون إلهكم وخالقكم، بل أعبد الله الذي يقبض الخلق فيميتهم إذا شاء، وينفعهم ويضرهم إذا أراد، ومثل هذا هو الحقيق بأن يعبد، وأن يخاف، وأن يتقى، دون من لا يقدر على شيء من ذلك، وفي ذلك تعريض لطيف وإيماء إلى أن مثل هذا الدين لا يشك فيه، وإنما ينبغي أن تشكوا فيما أنتم عليه، من عبادة الأصنام التي لا تعقل ولا تضر ولا تنفع، إذ عبادة الخالق لا يستنكرها ذو الفطرة السليمة، أما عبادة الأصنام فيستنكرها كل ذي لب وعقل سليم، وقد أمرت أن أكون من المؤمنين الذين وعدهم الله بالنجاة من عذابه، وبنصرهم على أعدائهم واستخلافهم في الأرض. ١٠٥ - وجملة قوله: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ معطوفة (١) على جملة قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولا يمنع من ذلك كون المعطوف بصيغة الأمر, لأن المقصود من أن الدلالة على المصدر وذلك لا يختلف بالخبرية والإنشائية؛ أي: وأمرت أن أكون من المؤمنين، وأمرت أن أقيم وجهي للدين القيم، الذي لا عوج فيه حالة كوني ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مائلًا من الأديان الباطلة إلى الدين الحق. فحنيفًا، حال من الوجه، أو من الدين، كما سيأتي، وذلك بالتوجه إلى الله وحده في الدعاء وغيره بدون التفات إلى شيء سواه، ونحو الآية قوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فمن توجه قلبه إلى غيره

стр. 5463

في عبادة من العبادات، ولا سيما مخ العبادة وروحها، وهو الدعاء، فهو عابد له مشرك بالله. والمعنى: إن الله أمره بالاستقامة في الدين، والثبات فيه، وعدم التزلزل عنه بحال من الأحوال، وخص الوجه, لأنه أشرف الأعضاء أو أمره باستقبال القبلة في الصلاة وعدم التحول عنها. ثم أكد (١) الأمر المتقدم بالنهي عن ضده فقال: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾ يا محمَّد ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: ممن يشرك في عبادة ربه الآلهة والأنداد، كأرباب الديانات الوثنية الباطلة الذين يجعلون بينهم وبين الله حجابًا من الوسطاء والأولياء والشفعاء، يوجهون قلوبهم إليهم عند الشدة تصيبهم، والحاجة تستعصي عليهم، ليقضوا لهم حاجتهم، إما بأنفسهم أو بشفاعتهم ووساطتهم عند ربهم، فإن فعلت ذلك كنت من الهالكين، وهذا من باب التعريض لغيره، ﷺ . ١٠٦ - وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ معطوف (٢) على ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ غير داخل تحت الأمر. وقيل: معطوف على ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾؛ أي: ولا تدع يا محمَّد من دون الله في حال من الأحوال ما لا ينفعك ولا يضرك بشيء من النفع والضر إن دعوته، ودعاء من كان هكذا لا يجلب نفعًا ولا يدفع ضرًّا ضائع لا يفعله عاقل، على تقدير أنه لا يوجد من يقدر على النفع والضر غيره، فكيف إذا كان موجودًا، فإن العدول عن دعاء القادر إلى دعاء غير القادر أقبح وأفحش، أي (٣): ولا تدع أيها الرسول غيره تعالى دعاء عبادة لا على سبيل الاشتراك، بوساطة الشفعاء ما لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يضرك إن تركت دعاءه ولا إن دعوت غيره. ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾؛ أي: فإن دعوت غيره تعالى ولكنه كنى عن القول بالفعل ﴿فَإِنَّكَ﴾ يا محمَّد ﴿إِذًا﴾؛ أي: إذا دعوت غير الله تعالى ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم بحرمانها من سعادة الدارين، وهذا جواب الشرط؛ أي: فإن دعوت من دون الله

стр. 5464

ما لا ينفعك ولا يضرك فإنك في عداد الظالمين لأنفسهم، والمقصود من هذا الخطاب التعريض بغيره، ﷺ ، والمعنى؛ أي: فإن فعلت هذا ودعوت غيره كنت في هذا الحال من الذين ظلموا أنفسهم، ولا ظلم لها أكبر من الشرك باللهِ تعالى، فدعاؤه وحده أعظم العبادات، ودعاء غيره شرك وظلم للنفس، لإضافة التصرف إلى ما لا يصدر منه، فهو وضع للشيء في غير موضعه. ١٠٧ - ثم أكد المعنى السالف ودحض شبهة الذين يدعون غير الله؛ لأنهم طالما استفادوا من دعائهم والاستغاثة بهم فشفيت أمراضهم وكشف الضر عنهم فقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ﴾؛ أي: وإن يصبك الله أيها الإنسان ﴿بِضُرٍّ﴾ كمرض يصيبك، بمخالفة سننه في حفظ الصحة أو نقص في الأموال والثمرات، بأسباب لك فيها عبرة، أو ظلم يقع عليك من غيرك .. ﴿فَلَا كَاشِفَ﴾ ولا رافع ﴿له﴾؛ أي: لذلك الضر ﴿إِلَّا هُوَ﴾ ، بل هو المختص بكشفه كما اختص بإنزاله، وقد جعل الله سبحانه للأشياء أسبابًا يعرفها خلقه بتجاربهم، ككشف الأمراض بمعرفة أسبابها. ومعرفة خواص العقاقير التي يتداوى بها، فعلينا أن نطلبها من الأسباب ونأتي البيوت من الأبواب، ونتوجه إلى الله وحده وندعوه مخلصين له متوكلين عليه. ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ﴾ ربك أيها الإنسان ﴿بِخَيْرٍ﴾؛ أي: برخاء ونعمة وعافية ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾؛ أي: فلا يقدر أحد أن يحول بينك وبين فضله الذي تعلقت به إرادته تعالى، فما شاء كان حتمًا، فلا يُرجى خير ولا نفع إلا من فضله، ولا يخاف رد ما يريده فهو ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾؛ أي: بفضله ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ بكسب أو بغير كسب، وبسبب ما قدره في السنن العامة، وبغير سبب ففضله تعالى على عباده عام بعموم رحمته، بخلاف الضر فإنه لا يقع إلا بسبب من الأسباب الخاصة بكسب العبد، أو العامة في نظام الخلق، كالأمراض التي تعرض بترك أسباب الصحة والوقاية، جهلًا أو تقصيرًا، وفساد العمران وسقوط الدول الذي يقع بترك العدل، وكثرة الظلم. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْغَفُورُ﴾ لذنوب من تاب، وأناب من عباده، من كفره وشركه إلى الإيمان به، وطاعته ﴿الرَّحِيمُ﴾ بمن آمن به منهم، فلا يعذبه بعد التوبة، ولولا مغفرته الواسعة ورحمته العامة، لأهلك الناس جميعًا

стр. 5465

بذنوبهم في الدنيا قبل الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ وقال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾. فإن قلت (١): لِمَ ذكر المس في أحدهما والإرادة في الثاني. قلت: كأنه أراد أن يذكر الأمرين جميعًا الإرادة والإصابة في كل واحد من الضر والخير، وأنه لا رادَّ لما يريد منهما, ولا مزيل لما يصيب به منهما، فأوجز الكلام، بأن ذكر المسَّ، وهو الإصابة في أحدهما، والإرادة في الآخر، ليدل بما ذكر على ما ترك على أنه قد كرر الإصابة في الخير في قوله: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. وجملة قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تذييلية، ثم ختم هذه السورة بما يستدل به على قضائه وقدره، ١٠٨ - فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم أيها الرسول مخاطبًا جميع الناس من حضر منهم فسمع هذه الدعوة منك ومن ستبلغه عنك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن العظيم المشتمل على محاسن الأحكام، المبين لحقيقة هذا الدين، وقد أوحى به إلى رجل منكم ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ بالإيمان به ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لا لغيره؛ أي: فمنفعة اهتدائه مختصة بها؛ أي: فمن (٢) سلك سبيل الحق وصدق بما جاء من عند الله في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإنما فائدة ذلك عائدة إليه؛ لأنه يفوز بالسعادة في دنياه ودينه، وذلك إنما يكون بعمله لا بعمل غيره، ولا بتأثيره بشفاعته أو وساطته. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ بالإعراض عنه ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾؛ أي: فوبال ضلاله مقصور على نفسه لا يتعداها, وليس لله حاجة في شيء من ذلك، ولا غرض يعود إليه؛ أي: ومن اعوج عن الحق الذي أتاه من عند الله وأعرض عن كتابه وعن آياته في الأنفس والآفاق، فإنما وبال ضلاله على نفسه، بما يفوته من فوائد الاهتداء في الدنيا وما يصيبه من العذاب على كفره وجرائمه في الآخرة.

стр. 5466

﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾؛ أي: بحفيظ يحفظ أموركم، وتوكل إليه، وإنما أنا بشير ونذير، أي: وما أنا بموكل من عند الله بأموركم، ولا بمسيطر عليكم فأكرهكم على الإيمان, وأمنعكم بقوتي من الكفر والعصيان، ولا أملك لكم ضرًّا ولا نفعًا، وما أنا إلا رسول مبلغ إليكم أمر ربكم بشير لمن اهتدى، ونذير لمن ضل وغوى، وقد أعذر من أنذر، فلا يجب علي السعي في إيصالكم إلى الثواب. ١٠٩ - ثم أمر الله رسوله ﷺ أن يتبع ما أوحاه إليه من الأوامر والنواهي التي يشرعها الله تعالى له ولأمته، فقال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾؛ أي (١): واتبع أيها الرسول وحي الله الذي أنزله إليك في كتابه، واعمل به وعلمه أمتك. ثم أمره بالصبر على أذى الكفار، وما يلاقيه من مشاق التبليغ وما يعاينه من تلون أخلاق المشركين وتعجرفهم، وجعل ذلك الصبر ممتدًا إلى حكمه بينه وبينهم، فقال: ﴿وَاصْبِرْ﴾ يا محمَّد على ما يصيبك من الأذى والمكاره، وعلى ما ينالك من قومك ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾؛ أي: حتى يقضي الله بينك وبين المكذبين لك، وينجز لك ما وعدك؛ أي: حتى يحكم الله بينك وبينهم، في الدنيا بالنصر لك عليهم، وفي الآخرة بعذابهم بالنار، وهم يشاهدونه، ﷺ ، هو وأمته المتبعون له المؤمنون به، العاملون بما يأمرهم به، المنتهون عما ينهاهم عنه، يتقلبون في نعيم الجنة الذي لا ينفد ولا يمكن وصفه، ولا يوقف على أدنى مزاياه. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾؛ أي: خير القاضين وأعدل الفاصلين، فهو لا يحكم إلا بالحق، وغيره قد يحكم بالباطل، إما لجهله بالحق، أو مخالفته له باتباع الهوى، وقد امتثل رسوله أمر ربه وصبر حتى حكم الله بينه وبين قومه، وأنجز وعده له، ﷺ ولمن اتبعه من المؤمنين, فاستخلفهم في الأرض وجعلهم الأئمة الوارثين ما أقاموا الدين. ولا يخفى ما في هذه الآيات من التسلية لنبيه ووعده للمؤمنين ووعيده للكافرين. وأنشد (٢) بعضهم في الصبر شعرًا فقال:

стр. 5467

سَأَصْبِرُ حَتَّى يَعْجَزَ الصَّبْرُ عَنْ صَبْرِيْ ... وَأصْبِرُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ فِيْ أَمْرِيْ سَأصْبِرُ حَتَّى يَعْلَمَ الصَّبْرُ أنَّنِي ... صَبَرْتُ عَلَى شَيءٍ أَمَرَّ مِنَ الصَّبْرِ الإعراب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ...﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾: حرف تنبيه ﴿النَّاسُ﴾: صفة لأي وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿كُنْتُمْ﴾؛ فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿فِي شَكٍّ﴾: جار ومجرور خبر ﴿كاَنَ﴾. ﴿مِنْ دِينِي﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿شَكٍّ﴾ ﴿فَلَا﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية ﴿لا﴾ نافية ﴿أَعْبُدُ الَّذِينَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به. ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. لكن حرف استدراك. ﴿أَعْبُدُ اللَّهَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الشرطية على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾ ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول في محل النصب صفة الجلالة. ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول ﴿وَأُمِرْتُ﴾ فعل ونائب فاعل والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ ناصب وفعل ناقص واسمها ضمير يعود على محمَّد. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبر أكون صلة ﴿أَن﴾ المصدرية ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: وأمرت بكوني من المؤمنين. ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥)﴾.

стр. 5468

﴿وَأَنْ﴾: الواو: عاطفة ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿أَقِمْ﴾: فعل أمر في محل النصب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية مبني على السكون، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿وَجْهَكَ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على كونه نائب فاعل لفعل محذوف، تقديره، وأوحي إليّ قيام وجهي للدين، والجملة المحذوفة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أمرت﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾ ﴿لِلدِّينِ﴾؛ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَقِمْ﴾ ﴿حَنِيفًا﴾ حال من الفاعل المستتر في ﴿أَقِمْ﴾ ويجوز أن يكون حالًا من المفعول، أو من ﴿الدين﴾ ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لا﴾: ناهية جازمة ﴿تَكُونَنَّ﴾: فعل مضارع ناقص في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واسمها ضمير يعود على محمَّد. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ خبر ﴿تكون﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿أَقِمْ﴾ على كونه فاعلًا لفعل محذوف، والتقدير: وأوحي إليّ قيام وجهي للدين وعدم كوني من المشركين. ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾. ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَدْعُ﴾ فعل مضارع جزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ كما في "أبي السعود"، ويجوز أن تكون مستأنفة كما في "السمين" ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: متعلق به ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول ﴿تدع﴾ ﴿لَا يَنْفَعُكَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾. ﴿وَلَا يَضُرُّكَ﴾ معطوف عليه والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها. ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿فَإن﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت نهينا لك عن دعاء ما لا ينفع ولا يضر، وأردت بيان حكم ما إذا فعلت ذلك .. فأقول لك ﴿إِن﴾: حرف شرط. ﴿فَعَلْتَ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها فعل شرط لها ﴿فَإِنَّكَ﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿إنك﴾ ناصب واسمه ﴿إِذًا﴾ حرف جواب توسطت بين اسم ﴿إنَّ﴾

стр. 5469

وخبرها ورتبتها التأخر عن الخبر، وإنما توسطت رعايةً للفواصل، اهـ "كرخي" ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: خبر إن وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. ﴿وَإِنْ﴾: الواو: استئنافية. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿يَمْسَسْكَ اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها ﴿بِضُرٍّ﴾: متعلق به ﴿فَلَا﴾ الفاء رابطة. ﴿لَا﴾: نافية تعمل عمل إن ﴿كَاشِفَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور خبر ﴿لا﴾. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿هُوَ﴾ ضمير للمفرد المنزه عن الذكورة والأنوثة والغيبة، في محل الرفع بدل من الضمير المستكن في خبر لا المحذوف، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إن﴾: حرف شرط ﴿يُرِدْكَ﴾: فعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿بِخَيْرٍ﴾ متعلق به ﴿فَلَا رَادَّ﴾ الفاء رابطة. ﴿لا﴾: نافية ﴿راد﴾: في محل النصب اسمها ﴿لِفَضْلِهِ﴾. جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به، وخبر ﴿لا﴾ محذوف جوازًا تقديره: فلا راد لفضله موجود، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى. ﴿يُصِيبُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿بِهِ﴾ متعلق به ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به. ﴿يَشَاءُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ ومفعول المشيئة محذوف، تقديره يشاءه، وهو عائد على ﴿مَن﴾ الموصولة. ﴿مِنْ﴾ ﴿عِبَادِهِ﴾ حال من الضمير المحذوف من ﴿مَن﴾ الموصولة وجملة ﴿يشاء﴾ صلة من الموصولة وجملة ﴿يصيب﴾ في محل النصب حال من ضمير ﴿فضلِهِ﴾. ﴿وَهُوَ﴾. مبتدأ ﴿الْغَفُورُ﴾ خبر أول ﴿الرَّحِيمُ﴾ خبر ثانٍ. والجملة الاسمية

стр. 5470

معترضة تذييله. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ...﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾: حرف تنبيه ﴿النَّاسُ﴾ صفة لأي، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ﴾: فعل ومفعول وفاعل ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿جاء﴾ أو حال من ﴿الْحَقُّ﴾ والجملة الفعلية في محل النصب مقول القول على كونها جواب النداء. ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾. ﴿فَمَنِ﴾: الفاء: حرف عطف وتفصيل. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما ﴿اهْتَدَى﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿فَإِنَّمَا﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية. ﴿إنما﴾: أداة حصر ونفي. ﴿يَهْتَدِي﴾: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿لِنَفْسِهِ﴾: متعلق به، وجملة ﴿يَهْتَدِي﴾ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿وَمَن﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ. ﴿ضَلَّ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿فَإِنَّمَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية ﴿إنما﴾: أداة حصر. ﴿يَضِلُّ﴾: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿عَلَيْهَا﴾: متعلق به، والجملة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿ما﴾: حجازية أو تميمية. ﴿أَنَا﴾: في محل الرفع اسمها أو مبتدأ. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿بوكيل﴾.

стр. 5471

﴿بِوَكِيلٍ﴾ خبر ﴿ما﴾ الحجازية منصوب بفتحة مقدرة، أو خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة، وجملة ﴿ما﴾ الحجازية أو المبتدأ والخبر في محل النصب معطوفة على جملة ﴿من﴾ الشرطية على كونها مقول القول. ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾. ﴿وَاتَّبِعْ﴾: فعل أمر معطوف على ﴿قُلْ﴾ وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿يُوحَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾. ﴿إِلَيْكَ﴾؛ متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها ﴿وَاصْبِرْ﴾: فعل أمر معطوف على ﴿وَاتَّبِعْ﴾ وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية. ﴿يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى الجار والمجرور متعلق باصبر والتقدير واصبر إلى حكم الله تعالى بينك وبينهم. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: مبتدأ وخبر والجملة في محل النصب حال من الجلالة. التصريف ومفردات اللغة ﴿فِي شَكٍّ﴾ والشك: إدراك الطرفين على السواء، والظن: إدراك الطرف الراجح، والتوهم: إدراك الطرف المرجوح، وهو مصدر شك يشك، من باب شد، والتعبير عما هم فيه بالشك مع كونهم قاطعين بعدم الصحة للإيذان بأن أقصى ما يمكن عروضه للعاقل في هذا الباب، هو الشك في صحته، وأما القطع بعدمها فمما لا سبيل إليه، كما مر ذكره عن "أبي السعود". ﴿مِنْ دِينِي﴾ والدين لغةً: ما يتدين به الشخص، باطلًا كان، أو حقًّا، وشرعًا ما شرعه الله تعالى لعباده على لسان رسوله، ﷺ ، من العقائد والأحكام. ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾؛ أي: اصرف وَوَجِّهْ وجهك؛ أي: ذاتك بكليتها للدين؛ أي: إلى الدين. ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ لعله ذكر الإرادة مع الخير، والمس مع الضر، مع تلازم الأمرين، للتنبيه على أن الخير مراد بالذات، وأن الضر إنما مسهم لا بالقصد الأول. ﴿وَاصْبِرْ﴾ والصبر: حبس النفس على الشدائد والمشقات وتجرعها.

стр. 5472

البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. ومنها: إطلاق الجزء وإرادة الكل، في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾، أي: اصرف وَوَجِّهْ ذاتك. ومنها: الطباق بين ﴿ينفعك﴾ و ﴿يضرك﴾. ومنها: المقابلة اللطيفة بين قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾. ومنها: الطباق بين قوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾. ومنها: جناس الاشتقاق بين قوله: ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. ومنها: الجناس المماثل بين ﴿اهتدى﴾ و ﴿يهتدى﴾، وبين ﴿ضل﴾ و ﴿يضل﴾. ومنها: الكناية في قوله: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾؛ أي: دعوت ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ لأن الفعل هنا كناية عن القول والدعاء. والله أعلم * * *

стр. 5473

سورة هود ﵇ مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: هي مكية إلا آيةً، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ ...﴾ الآية. وقال مقاتل (١): هي مكية إلا قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾، وقوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. وهي: مئة وثلاث وعشرون آيةٌ، وألف وسبع مئة وخمس وعشرون كلمةً، وتسعة آلاف وخمس مئة وسبعة وستون حرفًا. وسميت السورة باسم هود لذكره فيها، وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وقيل: هو هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح بن عم أبي عاد، اهـ "بيضاوي". ومن فضائلها: ما أخرجه (٢) الدارمي وأبو داود في "مراسيله"، وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر والبيهقي في "الشعب" عن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ "اقرؤوا هود يوم الجمعة". وأخرج ابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر، من طريق مسروق عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، لقد أسرع إليك الشيب، فقال: "شيبني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتسألون، وإذا الشمس كورت". وأخرجه البزار وابن مردويه من طريق أنس عنه مرفوعًا بلفظ، قلت: يا رسول الله، عجل إليك الشيب قال: "شيبتني هود وأخواتها، والواقعة، والحاقة، وعم يتسألون، وهل أتاك حديث الغاشية". قال بعض العلماء (٣): سبب شيبة ﷺ من هذه السور المذكورة في

стр. 5474

الحديث، لما فيها من ذكر القيامة والبعث والحساب والجنة والنار، وما فعل بالأمم السابقة، والله أعلم بمراده ﷺ . الناسخ والمنسوخ: وقال (١) أبو عبد الله محمَّد بن حزم ﵀ في كتابه "الناسخ والمنسوخ": سورة هود فيها من المنسوخ ثلاث آيات: أولاهن: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية (١٥) نسخت بقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ الآية (١٨). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ الآية (١٢١) نسخت بآية السيف. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾ الآية (١٢٢) منسوخة بآية السيف أيضًا. المناسبة: مناسبة هذه السورة لما قبلها (٢): أنها تضمنت ما تضمنته سورة يونس، من أصول الإِسلام، وهي التوحيد والنبوة والبعث والحساب والجزاء. وفصل فيها ما أجمل في سابقتها، من قصص الرسل ﵈، وهي مناسبة لها في فاتحتها وخاتمتها وتفصيل الدعوة في أثنائها، فقد افتتحتا بذكر القرآن بعد ﴿الر﴾ وذكر رسالة النبي، المبلغ عن ربه، وبيان أنَّ وظيفة الرسول إنما هي التبشير والإنذار، وفي أثنائهما ذكر التحدِّي بالقرآن والرد على الذين زعموا، أن الرسول، ﷺ ، قد افتراه ومحاجة المشركين في أصول الدين، وختمتا بخطاب الناس بالدعوة إلى ما جاء به الرسول، ﷺ ، ثم أمر الرسول، ﷺ ، في الأولى بالصبر، حتى يحكم الله بينه وبين الكافرين، وفي الثانية بانتظار هذا الحكم منه تعالى، مع الاستقامة على عبادته والتوكل عليه. وعلى الجملة فقد أجمل في كل منهما، ما فصل في الأخرى، مع فوائد انفردت بها كل منهما، فقد

стр. 5475

اتفقتا موضوعًا في الأكثر واختلفتا نظمًا وأسلوبًا، مما لا مجال للشك في أنهما من كلام الرحمن، الذي علم الإنسان البيان. والله أعلم * * *

стр. 5476

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾. المناسبة قوله تعالى في سورة هود: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر أنهم إن أعرضوا، حاق بهم عذاب يوم كبير .. بين في هذه الآية حالهم وصفتهم العجيبة الدالة على إعراض الحيرة والعجز ومنتهى الجهل. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ...﴾ سبب نزولها ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: كان أناس يستحيون أن ينخلوا فيفضوا بفروجهم إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿الر﴾ قيل: إنها حروف مقطعة من أوائل الأسماء، فمعناها: أنا الله الرحمن، وقيل: إنها اسم للسورة، وقيل (١): إنها حرف تنبيه، كألا، وتقرأ (٢) كأسمائها ساكنةً فيقال: ﴿ألف لام راء﴾ وقيل معناه: أنا الله أرى. والراجح الأسلم من الأقوال الجارية في أمثال هذه، تفويض علمها إلى الله تعالى. هذا

стр. 5477

القرآن ﴿كِتَابٌ﴾ عظيم الشأن جليل القدر ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾؛ أي (١): صارت آياته محكمة متقنةً لا نقص فيها ولا نقض لها، كالبناء المحكم من الإحكام، أي: الإتقان ففعله متعد، والمعنى أتقنت آياته لفظًا ومعنى، فلا يحيط بمعنى آيات القرآن غيره تعالى ولم يوجد تركيب بديع الصنع، عديم النظير، نظير القرآن. وقيل معناه: إنها لم تنسخ، بخلاف التوراة والإنجيل، وعلى هذا فيكون هذا الوصف للكتاب باعتبار الغالب، وهو المحكم الذي لم ينسخ. وقيل معناه: أحكمت آياته بالأمر والنهي ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بالوعد والوعيد والثواب والعقاب. وقيل: أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها بالحلال والحرام. وقيل: أحكمت جملته ثم فصلت آياته. وقيل: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ وجمعت في اللوح المحفوظ ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بالوحي. وقيل: أحكمها الله تعالى، فليس فيها تناقض، ثم فصلها وبينها. وقيل: أحكمت آياته لفظًا ونظمت نظمًا رائقًا بليغًا، ثم فصلت معنى، وبينت وفسرت. فإن قلت (٢): كيف عم الآيات هنا بالإحكام، وخص بعضها بالإحكام في قوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾؟ قلتُ: إن الأحكام الذي عم به هنا، غير الذي خص به هناك، فمعنى الإحكام العام هنا أنه لا يتطرق إلى آياته التناقض والفساد، كإحكام البناء، فإن هذا الكتاب نسخ جميع الكتب المتقدمة عليه. والمراد بالإحكام الخاص المذكور في قوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ أن بعض آياته منسوخة؛ نسخها بآيات منه أيضًا لم ينسخها غيره. وقيل: أحكمت آياته؛ أي: معظم آياته محكمة، وإن كان قد دخل النسخ على البعض، فأجري الكل على البعض؛ لأن الحكم للغالب وإجراء الكل على البعض مستعمل في كلامه، تقول: أكلت طعام زيد، وإنما أكلت بعضه. والتراخي المستفاد من ﴿ثُمَّ﴾ إما زماني إن فسر التفصيل بالتنجيم بحسب النزول؛ لأنها أحكمت أولًا حين نزلت جملة واحدة، ثم فصلت ثانيًا على حسب المصالح والوقائع، وإما رتبي إن فسر بغيره مما تقدم.

стр. 5478

قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى ثُمَّ؟ قلتُ: ليس معناها التراخي في الوقت، ولكن معناها التراخي في الأخبار، كما تقول: هي محكمة أحسن الإحكام، ثم مفصلة أحسن التفصيل، وفلان كريم الأصل، ثم كريم الفعل، انتهى. يعني: إن ثم جاءت لترتيب الأخبار، لا لترتيب الوقوع في الزمان، والمعنى: أخبرنا الله بأن القرآن محكم أحسن الأحكام، مفصل أحسن التفصيل. وقرأ (١) عكرمة والضحاك والجحدري وزيد بن علي وابن كثير في رواية: ﴿ثم فصلت﴾ بفتحتين خفيفة على لزوم الفعل للآيات. قال صاحب "اللوامح": يعني انفصلت وصدرت. وقال ابن عطية فصلت بين المحق والمبطل من الناس. قال الزمخشري وقرىء ﴿أحكمت آياته ثم فصلت﴾، على بناء الفعل للمتكلم المعلوم؛ أي: أحكمتها أنا ثم فصلتها. وقوله: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ لف ونشر مرتب؛ أي: كتاب أحكمت آياته من عند حكيم في جميع أفعاله، ثم فصلت من عند خبير بأحوال عباده وما يصلحهم، عالم بمواقع الأمور، والمعنى: أحكمها حكيم وفصلها خبير؛ أي: شرحها وبينها. ومعنى الآية (٢): أي هذا كتاب عظيم الشأن، جليل القدر، جعلت آياته محكمة النظم والتأليف، واضحة المعاني، لا تقبل شكًّا ولا تأويلًا ولا تبديلًا، كأنها الحصن المنيع الذي لا يتطرق إليه خلل، وجعلت فصولا متفرقة في سورة تبين حقائق العقائد والأحكام والمواعظ، وجميع ما أنزل له الكتاب من الحكم والفوائد، فكأنها العقد المفصل بالفرائد، ولا عجب فقد أنزلت من لدن حكيم يقدر حاجة عباده، ويعطيهم ما فيه الخير لهم، خبير بعواقب ذلك ومصادره وموارده. ٢ - والأحسن (٣) في قوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾ أن تكون أن تفسيرية لوجود ضابطها، وهو تقدم جملة فيها معنى القول دون حروفه، وهو قوله: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ ويصح أن تكون مصدرية بتقدير الجار؛ أي: هذا كتاب أحكمت آياته وفصلت بأن

стр. 5479

لا تعبدوا إلا الله؛ أي: نزل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له. والمراد بالعبادة، التوحيد وخلع الأنداد والأصنام وما كانوا يعبدون والرجوع إلى الله تعالى وإلى عبادته، والدخول في دين الإِسلام وهذا كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾. وقل يا محمَّد للناس ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ﴾؛ أي: من جهة الحكيم الخبير ﴿نَذِيرٌ﴾؛ أي: بعذابه إن عبدتم غير الله تعالى ﴿وَبَشِيرٌ﴾ بثوابه إن تمحضتم في عبادته؛ أي: قل لهم إنني لكم نذير من جهة الله تعالى، أنذركم عقابه إن ثبتم على كفركم ولم ترجعوا عنه ﴿وَبَشِيرٌ﴾ منه أبشر بالثواب الجزيل لمن آمن بالله ورسوله وأطاع وأخلص العمل لله وحده، وهذا بيان لوظيفة الرسالة، ومبين لدعوة الرسول، ﷺ . ٣ - وقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ معطوف على ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾ والكلام في ﴿أَن﴾ هذه كالكلام في التي قبلها. وقوله: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ معطوف على ﴿اسْتَغْفِرُوا﴾ وقدم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة، لكونه وسيلة إليها؛ أي: اطلبوا من ربكم ستر ما سلف منكم من الشرك، ثم أقبلوا إليه بالطاعة والإخلاص: لأن الاستغفار هو طلب الغفر، وهو الستر، والتوبة: الرجوع عما كان فيه من شرك أو معصية إلى خلاف ذلك، فلهذا السبب قدم الاستغفار على التوبة. وقيل معناه: استغفروا لسالف ذنوبكم ثم توبوا إليه في المستقبل. وقيل: استغفروا في الصغائر ثم توبوا إليه في الكبائر. وقال الفراء: ثم هنا بمعنى الواو؛ لأن الاستغفار والتوبة بمعنى واحد فذكرهما للتأكيد. والمعنى (١): واسألوه أن يغفر لكم ما كان منكم من أعمال الشرك والكفر والإجرام، ثم ارجعوا إليه بإخلاص العبادة له دون غيره، مما تعبدون من دونه من الأصنام والأوثان. فإن فعلتم ذلك، واستغفرتم من كل ذنب، وتبتم من الإعراض عن هدايته، وتنكب سننه .. ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾ في دنياكم ﴿مَتَاعًا حَسَنًا﴾؛ أي: يطول نفعكم في الدنيا

стр. 5480

بمنافع حسنة مرضية من سعة الرزق وسعة العيش، فيرزقكم من زينة الدنيا، وينسأ لكم في آجالكم ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: إلى الوقت الذي قضى عليكم فيه الموت، وهو العمر المقدر لكم في علمه المكتوب في نظام الخليقة، وسنن الاجتماع البشري في عباده، ولا يقطعه بعذاب الاستئصال، ولا بفساد العمران ولا ينقصه ما ينقص من أدمن على الشرك والمعاصي. وهذه (١) سنة مطردة في ذنوب الأمم، وهي فيها أظهر من ذنوب الأفراد، فالمشاهد أن الأمم التي تصر على الظلم والفسوق والعصيان يهلكها الله تعالى في الدنيا بالضعف والشقاق وخراب العمران، حتى تزول منعتها وتتمزق وحدتها. ومعنى ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾؛ أي: يعشكم (٢) عيشًا مرضيًّا إلى وقت مقدر عند الله تعالى، وهو آخر أعماركم، فمن أخلص لله في القول والعمل .. عاش في أمنٍ من العذاب وراحةٍ مما يخشاه، ومن اشتغل بمحبة الله .. كان انقطاعه عن الخلق أكمل، وسروره أتم؛ لأنه أمن من زوال محبوبه، ومن كان مشتغلًا بحب غير الله .. كان أبدًا في ألم الخوف من فوات المحبوب. وقرأ الحسن وابن هرمز وزيد بن علي وابن محيصن ﴿يمتعكم﴾ بالتخفيف من أمتع. ﴿وَيُؤْتِ﴾؛ أي: يعط في الدنيا والآخرة ﴿كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ في الإِسلام والطاعة ﴿فَضْلَهُ﴾؛ أي: ثواب فضله وجزاءه؛ أي: وإن (٣) تجتنبوا الشرك، وتؤمنوا بالله وتستغفروه .. يمتعكم متاعًا حسنًا، تكونون به خير الأمم نعمة وقوة وعزة، ويعط كل ذي فضل من علم وعمل جزاء فضله، أما في الآخرة فهو مطرد دائمًا، وأما في الدنيا فقد يكون ناقصًا مشوبًا بأكدارٍ، ولا يكون مطردًا لقصر أعمار الأفراد. فإن قلت (٤): قد ورد في الحديث، أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، وقد يضيق على الرجل في بعض أوقاته حتى لا يجد ما ينفقه على نفسه وعياله، فكيف الجمع بين هذا وبين قوله : ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ

стр. 5481

مُسَمًّى﴾. قلتُ: أما قوله ﷺ : "الدنيا سجن المؤمن" فهو بالنسبة إلى ما أعد الله له في الآخرة من الثواب الجزيل والنعيم المقيم، فإنه في سجن في الدنيا، حتى يفضي إلى ذلك المعد له، وأما كون الدنيا جنة الكافر فهو بالنسبة إلى ما أعد الله له في الآخرة من العذاب الأليم الدائم، الذي لا ينقطع، فهو في الدنيا في جنة حتى يفضي إلى ما أعد الله له في الآخرة. وأما ما يضيق على الرجل المؤمن في بعض الأوقات، فإنما ذلك لرفع الدرجات وتكفير السيئات وبيان الصبر عند المصيبات، فعلى هذا يكون المؤمن في جميع أحواله في عيشةٍ حسنة, لأنه راضٍ عن الله في جميع أحواله. ثم توعدهم سبحانه على مخالفة الأمر فقال: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: وإن تتولوا وتعرضوا عن الإخلاص في العبادة والاستغفار والتوبة ﴿فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ بموجب الشفقة ﴿عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾؛ أي: شديد عذابه، وهو يوم القيامة، ووصفه بالكبر لما فيه من الأهوال. وقيل: اليوم الكبير يوم بدر. والمعنى: وإن توليتم وأعرضتم عما دعوتكم إليه، من عبادة الله وحده، وعدم عبادة غيره فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير الهول شديد البأس، فيصيبكم مثل ما أصاب أقوام الرسل الذين عاندوهم، وأصروا على تكذيبهم وعصيانهم، أو قريب منه بعد الرسول والمؤمنين. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو مجلز وأبو رجاء ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ بضم التاء واللام وفتح الواو مضارع ولّى. والقراءة الأولى مضارع تولّى. وفي كتاب "اللوامح": وقرأ اليماني وعيسى البصري: ﴿وإن تولوا﴾ بثلاث ضمات مبنيًّا للمفعول. وقرأ الأعرج: ﴿تولوا﴾ بضم التاء واللام وسكون الواو مضارع أولى. ٤ - ثم بين سبحانه عذاب اليوم الكبير بقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ لا إلى غيره ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أي: رجوعكم بالموت ثم البعث ثم الجزاء ﴿وَهُوَ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ شاءه ﴿قَدِيرٌ﴾، ومن جملة ذلك تعذيبكم على عدم الامتثال؛ أي (١): إليه تعالى رجوعكم بعد موتكم

стр. 5482

جميعًا أممًا وأفرادًا، لا يتخلف منكم أحد، وحينئذٍ تلقون جزاءكم بالعدل والقسطاس، وهو سبحانه قدير على كل شيء، من إيصال الرزق إليكم في الدنيا، وثوابكم وعقابكم في الآخرة، وهذه الجملة مقررة لما قبلها. ٥ - ثم أخبر (١) الله سبحانه بأن هذا الإنذار والتحذير والتوعد لم ينجح فيهم، ولا لانت له قلوبهم، بل هم مصرون على العناد مصممون على الكفر، فقال مصدرًا لهذا الإخبار بكلمة التنبيه الدالة على التعجب من حالهم، وأنه ينبغي أن يتنبه له العقلاء ويفهموه: ﴿أَلاَ﴾؛ أي: انتبه يا محمَّد ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إن هؤلاء الكفار الكارهين لدعوة التوحيد ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾؛ أي: يعطفون صدورهم على ما فيها من الكفر والإعراض عن الحق، فيكون في الكلام كناية عن الإخفاء لما يعتقدونه من الكفر، كما هو دأب المنافقين ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾؛ أي: ليختفوا من الله فلا يطلع عليه رسوله ولا المؤمنين، أو ليستخفوا من رسول الله، ﷺ ، ثم كرر كلمة التنبيه مبينًا للوقت الذي يثنون فيه صدورهم فقال: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾؛ أي: انتبه يا محمَّد إنهم يستخفون منه في وقت استغشاء الثياب والتغطية بها، وقد كانوا يقولون: إذا أغلقنا أبوابنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمَّد .. فمن يعلم بنا. وقيل معنى: حين يستغشون: حين يأوون إلى فراشهم ويتدثرون ثيابهم. وقيل: إنه حقيقة، وذلك إن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله، ﷺ ، ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه، لئلا يسمع كلام رسول الله، ﷺ . والعامل في قوله: ﴿حِينَ يَسْتَغْشُونَ﴾ مقدر وهو يستخفون، ويجوز أن يكون ظرفًا ليعلم؛ أي: ألا يعلم سرهم وعلنهم حين يفعلون كذا، وهذا معنى واضح ذكره في "الفتوحات"؛ أي: تنبه (٢) يا محمَّد إن الكفار يضمرون خلاف ما يظهرون ليستخفوا من الله تعالى حين يغطون رؤوسهم بثيابهم للاستخفاء. عن ابن عباس إن هذه الآية نزلت في الأخنس بن شريق وأصحابه، من منافقي مكة، وكان رجلًا حلو المنطق، حسن المنظر، يظهر لرسول الله، ﷺ ، المحبة، ويضمر في قلبه العداوة.

стр. 5483

ومعنى الآية (١): أي إن هؤلاء الكافرين الكارهين لدعوة التوحيد يحنون ظهورهم وينكسون رؤوسهم، كأنهم يحاولون طي صدورهم على بطونهم حين سماع القرآن، ليستخفوا منه، ﷺ ، حين تلاوته فلا يراهم حين نزول هذه القوارع على رؤوسهم. روى ابن جرير وغيره أن ابن شداد، قال: كان أحدهم إذا مر بالنبي، ﷺ ، ثنى صدره كيلا يراه أحد. وجملة ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ مستأنفة لبيان أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء؛ لأن الله تعالى يعلم ما يسرونه في قلوبهم، أو في ذات بينهم وما يظهرونه بأفواههم، فالظاهر والباطن عنده سواء، والسر والجهر سيان. وجملة ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ تعليل لما قبلها وذات الصدور هي الضمائر التي تشتمل عليها الصدور. وقيل: هي القلوب، والمعنى: إنه عليم بجميع الضمائر، أو عليم بالقلوب وأحوالها في الإظهار والإسرار، فلا يخفى عليه شيء من ذلك. والأوضح كما مر، أن يكون الظرف متعلقًا بـ ﴿يَعْلَمُ﴾؛ أي (٢): إن ثني صدورهم وتنكيس رؤوسهم، ليستخفوا من الداعي لهم إلى توحيد ربهم، لا يغني عنهم شيئًا، فإن ربهم يعلم ما يسرون ليلًا، حين يستغشون ثيابهم فيغطون بها جميع أبدانهم، ثم ما يلعنون نهارًا، إنه عليم بأسرار الصدور وخواطر القلوب، فاحذروا أن يطلع عليكم ربكم وأنتم مضمرون في صدوركم الشك في شيء من توحيده أو أمره أو نهيه. وقرأ الجمهور (٣): ﴿يَثْنوُنَ﴾ بفتح الياء وضم النون، من ثنى يثني من باب رمى. وقرأ سعيد بن جبير: ﴿يثنون﴾ بضم الياء، مضارع أثنى الرباعي ﴿صُدُورَهُم﴾ بالنصب ولا يعرف في اللغة إلا أن يقال معناه: عرضوها للإثناء، كما تقول: أبعت الفرس إذا عرضته للبيع. وقرأ ابن عباس وعلي بن الحسين وابناه، زيد ومحمد، وابنه جعفر ومجاهد وابن يعمر ونصر بن عاصم وعبد الرحمن بن أبزى والجحدري وابن أبي إسحاق وأبو الأسود الدؤلي وأبو رزين والضحاك؛

стр. 5484

﴿تثنوني﴾ بالتاء، مضارع اثنوني، على وزن افعوعل نحو: اعشوشب المكان صدورهم، بالرفع بمعنى: تنطوي صدورهم. وقرأ أيضًا ابن عباس ومجاهد وابن يعمر وابن أبي إسحاق: ﴿يثنوني﴾ بالياء، ﴿صدورهم﴾ بالرفع ذكر على معنى الجمع دون الجماعة. وقرأ ابن عباس أيضًا: ﴿ليثنون﴾ بلام التأكيد في خبر إن وحذف الياء تخفيفًا لطول الكلمة، ﴿وصدورهم﴾ بالرفع. وقرأ ابن عباس أيضًا وعروة وابن أبي أبزى والأعشى ﴿يثنون﴾ بياء مفتوحة وسكون الثاء ونون مفتوحة، بوزن يفعوعل من أأثن بني منه افعوعل، وهو ماهش وضعف من الكلأ، وأصله يثنونن، يريد: مطاوعة نفوسهم للشيء كما ينثني الهش من النبات، أو أراد ضعف إيمانهم ومرض قلوبهم، ﴿صدورهم﴾ بالرفع. وقرأ عروة ومجاهد أيضًا كذلك إلا أنه همز فقرأ: ﴿يثنئن﴾ بوزن يطمئن، ﴿وصدورهم﴾ بالرفع. وقرأ الأعشى؛ ﴿يثنؤن﴾ بوزن يفعلون مهموز اللام، ﴿صدورهم﴾ بالنصب. قال صاحب "اللوامح": ولا أعرف له وجهًا؛ لأنه يقال: ثنيت، ولم أسمع ثنأت، ويجوز أنه قلب الياء ألفًا، على لغة من يقول أعطأت في أعطيت، ثم همز على لغة من يقول ولا الضألين. وقرأ ابن عباس: ﴿يثنوي﴾ بتقديم الثاء على النون وبغير نون بعد الواو على وزن ترعوى. قال أبو حاتم: وهذه القراءة غلط لا تتجه، انتهى. وقرأ نصر بن عاصم وابن يعمر وابن أبي إسحاق: ﴿ينثون﴾ بتقديم النون على الثاء، فهذه عشر قراءات في هذه الكلمة. وقرأ ابن عباس: ﴿على حين يستغشون﴾. قال ابن عطية: ومن هذا الاستعمال قول النابغة: عَلَى حِيْنَ عَاتَبْتُ اَلْمَشِيْبَ عَلَى الصِّبَا ... وَقُلْتُ أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازعُ؟! الإعراب ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. ﴿الر﴾: إن كان مسرودًا على سبيل التعديد كما في سائر فواتح السور .. فلا محل له، وإن كان اسمًا للسورة فهو في محل رفع على أنه مبتدأ، خبره ما بعده، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا الآتي سورة الر، وعلة بنائه شبهه بالحرف شبهًا وضعيًّا و ﴿كِتَابٌ﴾ يكون على هذا الوجه خبرًا لمبتدأ محذوف،

стр. 5485

أي: هذا كتاب وكذا على تقدير أن ﴿الر﴾ لا محل له. ويجوز أن يكون ﴿الر﴾ في محل نصب بتقدير فعل يناسب المقام، نحو: اذكر أو اقرأ فيكون ﴿كِتَابٌ﴾ على هذا الوجه خبر مبتدإِ محذوف، تقديره: هذا كتاب والإشارة في المبتدأ المقدر، إما إلى بعض القرآن، أو إلى مجموع القرآن، والجملة من المبتدأ المقدر وخبره مستأنفة. ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿كِتَابٌ﴾. ﴿ثم﴾ حرف عطف. ﴿فُصِّلَتْ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿آيَاتُهُ﴾ والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿أُحْكِمَتْ﴾ على كونها صفة لـ ﴿كِتَابٌ﴾. ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿فُصِّلَتْ﴾ أو هو من باب التنازع، أو صفة ثانية لـ ﴿كِتَابٌ﴾ أو خبر ثان للمبتدأ المحذوف. ﴿خَبِيرٍ﴾ صفة ﴿حَكِيمٍ﴾. ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾. ﴿أَن﴾: مصدرية. ﴿لَّا﴾ ناهية ﴿تَعْبُدُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَّا﴾ الناهية. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿اللَّهَ﴾: مفعول به منصوب، والجملة الفعلية في محل النصب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية وجملة ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: فصلت آياته لترك عبادة غير الله تعالى، أو فصلت بترك عبادة غير الله، ويجوز أن تكون ﴿أَن﴾ تفسيرية؛ لأن في تفصيل الكتاب معنى القول، فكأنه قيل: قال لا تعبدوا إلا الله، أو أمركم أن لا تعبدوا، إلخ وهذا أظهر الأوجه الجارية فيها؛ لأنه لا يحتاج إلى إضمار ذكره في "الفتوحات" ﴿إِنَّنِي﴾ ﴿إنَّ﴾ حرف نصب والنون نون الوقاية؛ لأنها تقي حركة بناء الحرف والياء ضمير المتكلم اسمها. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بكل من ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور حال منهما؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿نَذِيرٌ﴾ خبر ﴿إنَّ﴾. ﴿وَبَشِيرٌ﴾ معطوف عليه وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)﴾.

стр. 5486

﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾: ناصب وفعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾ عطف علة على أخرى. ﴿ثُمَّ تُوبُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿اسْتَغْفِرُوا﴾ فهو علة ثالثة. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق به ﴿ثُمَّ﴾ هنا على بابها من التراخي؛ لأنه يستغفر أولًا، ثم يتوب ويرجع إلى طاعته، ويتجرد من ذلك الذنب المستغفر منه ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾: فعل ومفعول مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿مَتَاعًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة. ﴿حَسَنًا﴾: صفة له وهذا مرتب على قوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ والجملة الفعلية جواب الطلب، لا محل لها من الإعراب. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: جار ومجرور وصفة متعلق بـ ﴿يمتع﴾ ﴿وَيُؤْتِ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يمتع﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾ وهذا مرتب على قوله: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ كما في "الجمل". ﴿كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾: مفعول أول، ومضاف إليه. ﴿فَضْلَهُ﴾: مفعول ثانٍ, لأن آتى هنا بمعنى: أعطى. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿تَوَلَّوْا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية؛ لأن أصله تتولوا بتاءين، والواو فاعله. ﴿فَإِنِّي﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه ﴿أَخَافُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ﴾: مفعول به، ومضاف إليه. ﴿كبَير﴾ صفة لـ ﴿يَوْمٍ﴾ وقيل: صفة لـ ﴿عَذَابَ﴾ فهو منصوب، وإنما خفض على الجوار، كقولهم: هذا جحر ضب خرب، بجر خرب، وهو صفة لجحر، اهـ "سمين". وجملة ﴿أَخَافُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر والجملة مستأنفة. ﴿وَهُوَ﴾ مبتدأ. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾ ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر المبتدأ والجملة في محل النصب حال من الجلالة، والعامل فيه الاستقرار الذي تعلق به الخبر. ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ

стр. 5487

وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾. ﴿أَلَاَ﴾: حرف تنبيه ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه. ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول، وجملة ﴿يَثْنُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة ﴿لِيَسْتَخْفُوا﴾ اللام: حرف جر وتعليل ﴿يستخفوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَن﴾ مضمرة جوازًا بعد لام كي. ﴿مِنْهُ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لاستخفائهم منه الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَثْنُونَ﴾. ﴿ألاَ﴾: حرف تنبيه كررت للتأكيد. ﴿حِينَ﴾ منصوب على الظرفية، والظرف متعلق بـ ﴿يستخفوا﴾ أو متعلق بـ ﴿يَعْلَمُ﴾ الآتي، وهو أوضح كما مر ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّه﴾ والجملة مستأنفة. ﴿يُسِرُّونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: يعلم ما يسرونه. ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: معطوف على ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿عَلِيمٌ﴾ خبره ﴿بِذَاتِ﴾ ﴿الصُّدُور﴾ متعلق بعليم وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ ماض مبني للمجهول، من أحكم الرباعي يحكم إحكامًا، إذا أتقنه، وإحكام البناء كالقصر والحصن: إتقانه حتى لا يقع فيه خلل. ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ مبني للمجهول أيضًا، من فصّل المضعف، يفصل تفصيلًا، وتفصيل العقد بالفرائد: جعل خرزة أو مرجانة بلون بين كل خرزتين من لون آخر، وفي "السمين" قوله: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ الهمزة فيه يجوز أن تكون للنقل من حكم بضم الكاف؛ أي: صار حكيمًا بمعنى: جعلت حكيمة كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ ويجوز أن يكون من قولهم: أحكمت الدابة: إذا وضعت عليها الحكمة لمنعها من الجماح، فالمعنى: إنها منعت من الفساد، ويجوز أن تكون لغير النقل من الإحكام، وهو الإتقان، كالبناء المحكم المرصف والمعنى: إنها نظمت نظمًا رصيفًا متقنًا، اهـ.

стр. 5488

﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ ﴿أَلَّا﴾ هذه (١) تكتب موصولة: أي: لا يفصل بين الألف ولا النافية بالنون، كما ذكره ابن الجزري، فصنيع الشارح السيوطي معترض حيث أنه أثبت نونًا حمراء، حيث قال: أن فأثبت الألف والنون بالحمرة، فيقتضي أن النون من رسم القرآن، فكان عليه أن يقول: ﴿ألا﴾ بقلم الحمرة ثم يقول؛ أي: بأن لا بإثبات النون في التفسير. وعبارة ابن الجزري مع شرحها لشيخ الإِسلام: فاقطع بعشر كلمات يعني فاقطع كلمة ﴿أَن﴾ الناصبة للاسم أو للفعل، بأن ترسمها مقطوعة عن لا النافية في عشرة مواضع وهي: ﴿أَن لَّا﴾ مع ملجأ في سورة التوبة و ﴿أن لا إله إلا هو﴾ في سورة هود و ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ في الموضع الثاني من سورة هود، بخلافه في أولها وهو ما هنا فإنه موصول، اهـ. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ والظاهر أن ﴿تَوَلَّوْا﴾ مضارع حذف منه التاء أي: وإن تتولوا؛ لأنه من باب، تفعل الخماسي. ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ مضارع، متع المضعف يمتع تمتيعًا إذا أنعم، والمتاع اسم مصدر لمتع، والمتاع كل ما ينتفع به في المعيشة، وحاجة البيوت ومواعينه، والإمتاع أصله: الإطالة ومنه: أمتع الله بك؛ أي: يعيشكم معيشة طيبة ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ والأجل المسمى: هو العمر المقدر ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ من آتى الرباعي يؤتي إئتاءً، إذا أعطى، فهو يتعدى إلى مفعولين. ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ والمرجع مصدر ميمي؛ من رجع فهو بمعنى الرجوع ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ ثنى الشيء: عطف بعضه على بعض، فطواه وإثناء الثوب إطواؤه، وثناه عنه: لواه وحوله؛ وثناه عليه: أطبقه وطواه، ليخفيه فيه، وثنى عنانه عنّي: تحول وأعرض، وأصل ﴿يَثْنُونَ﴾ يثنيون (٢)؛ لأنه من ثنى يثني ثنيًا من باب رمى يرمي رميًا، فالمصدر الثني نقلت ضمة الياء إلى النون قبلها، ثم حذفت الياء لالتقاء الساكنين، فوزنه يفعون كيرمون؛ لأن الياء المحذوفة هي لام الكلمة. ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ والاستخفاء محاولة الخفاء، والمعنى: أنهم يفعلون ثني الصدر لهذه العلة، اهـ "سمين". ﴿حِينَ يَسْتَغْشُونَ

стр. 5489

ثِيَابَهُمْ﴾ واستغشى الثوب: إذا تغطى به، كما قال حكايةً عن نوح، ﵇: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ والمعنى: يتغطون بها للاستخفاء. وفي "القاموس": واستغشى ثوبه: تغطى به كي لا يسمع ولا يرى. البلاغة تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة: منها: جناس الاشتقاق بين قوله: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ وقوله: ﴿حَكِيمٍ﴾. ومنها: اللف والنشر المرتب في قوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾؛ لأن المعنى أحكمها وفصلها خبير، كما في "الشوكاني". ومنها: الكناية في قوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾؛ لأن ثني الصدور كناية عن الإعراض. ومنها: إضافة العذاب إلى اليوم الكبير للتهويل والتفظيع. ومنها: الطباق بين ﴿مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١). والله أعلم * * *

стр. 5490

شعر العَبْدُ ذُو ضجَرٍ والربُّ ذُو قدَرٍ ... والدَّهْرُ ذُو دُوَلٍ والعِلْمُ مَقْسُوم والخَيْرُ أجْمعُ فيما اخْتار خالِقُنَا ... وفي اختيار سواه اللُّومُ والشُّوم آخر فَلَيْتَكَ تَحْلُو والحياةُ مَرِيْرَةٌ ... وَلَيْتَكَ تَرْضَى والأنامُ غِضَابُ ولَيْتَ الذي بَيْنِي وبَيْنَكَ عَامِرٌ ... وبَيْني وبَيْنَ العَالَمِين خَرَابُ آخر فَزادِي قَلِيلٌ ما أُراه مُبلِّغي ... على الزادِ أبكي أم لِبُعْدِ مَسافَتي أتَيْتُ بأعمالٍ قِبَاحٍ رَدِيئَةٍ ... وَمَا في الوَرى خَلْقٌ جَنَى كَجِنَايتي

стр. 5491

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن تأليف الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة إشراف ومراجعة الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة «المجلد الثالث عشر»

стр. 5492

حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م دار طوق النجاة بيروت - لبنان

стр. 5493

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن [١٣]

стр. 5494

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5495

شعرٌ جَزَى اللَّة خَيْرًا مَنْ تَأَمَّلَ صَنْعَتِيْ ... وَقَابَلَ مَا فِيْهَا مِنَ السَّهْوِ بِالْعَفْوِ وَأصْلَحَ مَا أَخْطَأْتُ فِيْهِ بِفَضْلِهِ ... وَفِطْنَتِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ سَهْوِيْ آخرُ الصَّبْرُ مِفْتَاحُ مَا يُرَجَّى ... وَكُلُّ خَيْرٍ بِهِ يَكُوْنُ وَرُبَّمَا نِيْلَ بِاصْطِبَارٍ ... مَا قِيْلَ هَيْهَاتَ لاَ يَكُوْنُ وَإِنْ تَجِدْ عَيْبًا فَسُدَّ الْخَلَلاَ ... وَجَلَّ مَنْ لاَ عَيْبَ فِيْهِ وَعَلاَ آخرُ وَالنَّاسُ أَلْفٌ مِنْهُمُ كَوَاحِدِ ... وَوَاحِدٌ كَالأَلْفِ إِنْ أَمْرٌ عَرَا يَا مَنْ مَلَكُوْتُ كُلِّ شَيْءٍ بِيَدِهْ ... طُوْبَى لمَنِ ارْتَضَاكَ ذُخْرًا لِغَدِهْ أُطْلُبُوْا الأرْزَاقَ مِنْ أَسْبَابِهَا ... أُدْخُلُوْا الأَبْيَاتَ مِنْ أَبْوَابِهَا

стр. 5496

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله على نواله، والصلاة والسلام على نبيه وآله، ما سطرت الأقلام وتعاقبت الأيام والليالي. أمَّا بعد: فلما فرغنا من تفسير الجزء الحادي عشر .. أخذنا في تفسير الجزء الثاني عشر مستمدًا منه الهداية وكل التوفيق في تفسير كتابه لأقوم الطريق، وها أنا أقول: وقولي هذا: قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ

стр. 5497

﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله (١) لما بيَّنَ في الآيات السالفة شمولَ قدرته تعالى لكلِّ شيء، وإحاطةَ علمه بما يسرُّون وما يعلنون، وبما في الصدور .. أردفَ ذلك بذكر ما يهم الناسَ من آثار قدرته، ومتعلَّقاتِ علمه، وهوَ ما يتعلَّق بحياتهم، وشؤونهم المختلفة، ثمَّ بذِكْر خَلْقِهِ للعالَمِ كلِّه، ومكانِ عرشه قبلَ هذا من ملكه وبلاءِ البشر بذلك، لِيظهِرَ أيّهم أحسنُ عَمَلًا، ثم بعثه إيَّاهُم بعد الموت لينالوا جزاءَ أعمالهم مع إنكار الكفار لذلك، وطلب استعجال العذاب الذي أوعدهم به، مع بيانِ أنه واقع بهم لا محالةَ، إنْ أصرُّوا على كفرهم. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ...﴾ الآية، مناسبةُ هذه الآية لما قبلها: أنَّ الله لما ذكر (٢) ما يدل على كونه تعالى عالمًا .. ذَكَرَ ما يدل على كونه تَعالى قَادِرًا. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قَبلها: أنَّ الله لمَّا ذكر (٣) أنَّ عذابَ الكفار، وإن تأخَّرَ لا بدَّ أن يحيقَ بهم .. ذكَرَ ما يدلُّ على كفرهم، وكونهم مستحقينَ العذابَ، لِمَا جبلوا عليه من كفر نعماءِ الله وما يترتبُ على إحسانه تعالى إليهم مما لا يلِيقُ بهم من فخرِهم على عباد الله تعالى. وعبارةُ المراغي: مناسبةُ هذه الآية لما قبلها: أنَّ الله : لَمَّا ذَكَرَ (٤) أنه خَلَق السمواتِ والأرضَ ليبلو الإنسانَ أيشكرُ أم يكفرُ .. قَفى على

стр. 5498

ذلك بذكر طبيعة الإنسان في ذلك، وهي: أنه إذا أصابته نعماء، ثم نزعت منه، قَنَطَ من روح الله, وكفر بها، وإذا أَذاقه نِعْمَةً بعد بؤس، بَطرَ وفَخَرَ، هكذا شأن الإنسان، إلا من صبرَ، وشكر، وعمِلَ صالحًا. قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ...﴾ الآيات، مناسبةُ هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله لمَّا ذَكَرَ في بَدْءِ السورة قولهم في القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وأنهم ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ كي لا يسمعوه .. أردفَ ذلك بذكر تكذيبهم للرسول ﷺ والقرآن، وبيان أنَّ همه وحزنَه ﷺ مِنْ كلامهم، قد بلغ كل مبلَغ، ثمَّ أعقبَه بتحديه لهم بالقرآن، كي يأتوا بعشر سور مثله، حتَّى إذا ما عجزوا، عُلِمَ أنَّه وحيٌ من عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أنها لا تتعلق أطماعُهم بأن يَتْرُك بعضَ ما يوحي إليه، إلا لدَعْوَاهم أنه ليس من عند الله، وأنه الذي افتراه، وإنَّما تَحدَّاهم أولًا بعشر سور مفتريَاتٍ قبل تحديهم بسورة؛ إذْ كانَت هذه السورة مكيةً، والبقرة مدنيةً، وسورةُ يونسَ أيضًا مكيةً، ومقتضى التحدي بعشر: أن يكونَ قبل طلب المعارضَةِ بسورة، فلَمَّا نسبوه إلى الافتراء طلبَ منهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفترياتٍ إرخاء لعنانهم، وكأنه يقول: هبوا أنِّي اختلقته، ولم يوحَ إلَيَّ فأتوا أنتم بكلام مثلِهِ مختلَق من عند أنفسكم، فأنتم عَرَبٌ فصحاء مثلي، لا تَعجزُون عن مثلِ ما أقدِر عليه من الكلام. قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها؛ أنه تعالى لما ذكر شيئًا من أحوال المنافقينَ في القرآن .. ذَكَرَ شيئًا من أحوالهم الدنيوية، وما يؤولون إليه في الآخرة. وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما

стр. 5499

أقام الحجة على حَقِّيَةِ دعوة الإِسلام، وعلى أنَّ القرآنَ من عند الله، وليس بالمفترَى من عند محمَّد ﷺ كما يدعيه المشركون .. أَرْدف ذَلِك ببيَانِ أنَّ البَاعِثَ لهم على المعارضة، والتكذيب، ليس إلا شهواتُهم، وحظوظُهم الدنيوية، والإِسلام يدعو إلى إيثار الآخرة على الأولى. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لِمَا قبلَها: أنَّ اللَّهَ لما ذكر (١) مآلَ مَنْ كانَ يريد الدنيا وزينتها, ولا يهتم بالآخرَةِ وأعمالِها .. أردَفَ ذلِكَ بذكر مَنْ كَانَ يريد الآخرةَ، ويعمل لها، وكان على بينة من ربه في كلِّ ما يعملُ، ومعه شاهِدٌ يدل على صدقه، وهو القرآن، ومآل من أنكر صِحَّتَه، وكفرَ بِه. وعبارة أبي حيان: مناسبةُ هذه الآية لما قبلَها: أنه تعالى لما ذكر حال مَن يريد الحياةَ الدنيا .. ذَكَرَ حَالَ من يريد وجهَ الله تعالى بأعماله الصالحة. التفسير وأوجه القراءة ٦ - ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: وما دابة، من أي نوع من أنواع الدوابِّ في الأرض ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ وغذاؤها الذي تحتاج إليه اللائق بها على اختلاف أنواعها، تفضلًا منه، وإحسانًا، وإنما جيء به على طريق الوجوب، كما تشعر به كلمة: ﴿عَلَى﴾ اعتبارًا بِسَبْقِ الوعد به منه، وتحقيقًا لوصوله، وحملًا على التوكل فيه، وقيل: ﴿عَلَى﴾ بمعنى: من؛ أي: من الله رزقُها, لا فرق (٢) في ذلك بَيْنَ الجِنَة - المكروبات - التي لا ترى بالأبصار، وبين ضِخَامِ الأجسام، والوسطى بَيْنَ هذه وتلكَ، وقد أعطى كلًّا خلقَهُ المناسبَ لمعيشته إلى تحصيل غِذَائِهِ بالغريزة، والفطرة، ولله تَعالى حِكَمٌ في خلق كل نوع منها، فإنْ خفيَ علينَا أمرُ خلق الحيات والسنانير ونحوها فلَنَا أن نَقولَ مثلًا: إنه لولاها لَضَاقَت الأَرض بكثرةِ أحيائها أو لأنتنت من كثرة أمواتها.

стр. 5500

ومعنى كفالته تعالى لرِزْقِها أنه سخَّره لها، وهدَاها إلى طلبه، وتحصيله كما قال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ وقد عُلِمَ بنصوص القرآن، وسُنَنِ الله في الخلقَ وأسبابِ الرزق، أنَّ مشيئته تعالى لا تكون إلا بمقتضَى سُنَنِهِ في ارتباط الأسباب بالمسببات مع الحكمةِ في ذلك، إلَّا أنه يأتيها بمحض قدرتهِ، سواء طلبته أمْ لا. و ﴿مِن﴾ زائدة للتأكيد، والدابَّةُ كُلَّ حيوان يَدِبُّ في الأرض. رُوي (١) أن موسى ﵇ تَعَلَّق قلبُه بأحوال أهله، فأمرَه الله تعالى أن يضرب بعصاه علَى صخرة، فانشقَّتْ وخرَجَت صخرةٌ ثمَّ ضَرَبَ بعصاه عليها، فانشقت وخرجَت صخرةٌ ثانية، ثُمَّ ضَرَبَ بعصاه عليهَا فانْشَقَّتْ وخرجت صخرةٌ ثالثةٌ ثُمَّ ضَرَبها بعصاه فانشقت فخَرَجَتْ منها دُودةٌ كالذَّرَّةِ، وفي فيها شيء يجري مجرى الغذاء لها, ورفع الله الحجابَ عن سمع موسى ﵇ فسَمِعَ الدودةَ تقولُ: سبحان من يراني، ويسمع كلامي، ويعرف مكاني، وَيذْكرُني ولا ينساني. ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾؛ أي: محلَّ استقرارها في الأرض، أو محل قرَارِها في الأصلاب ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ أي: موضِعَها في الأرحام، وما يَجْرِي مَجْرَاها كالبيضة ونحوها، وقال الفراء: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ حيث تأوي إليه ليلًا ونهارًا، ﴿ومستودعها﴾ موضِعَها الذي تموت فيه. ووجه تقدُّمِ المستقر على المستودع على قول الفراء ظاهرٌ (٢)؛ وأما على القول الأول، فلعلَّ وجهَ ذلك أنَّ المستقرَّ أنْسَبُ باعتبار ما هي عليه حالَ كونها دابةً. والمعنى (٣): وما من دابة في الأرض إلا يَرْزقُها اللهُ حيث كَانت من أَماكنها بعد كونها دابةً، وقبل كونها دابةً، وذلك حيثُ تكون في الرحم، ونحوه، ثم خَتَمَ الآية بقوله: ﴿كُلٌّ﴾؛ أي: كُلٌّ من الدواب وأرزاقها، ومستقَرّها، ومستودعِها ثابتٌ
следующие страницы →