﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله (١) لما بيَّنَ في الآيات السالفة شمولَ قدرته تعالى لكلِّ شيء، وإحاطةَ علمه بما يسرُّون وما يعلنون، وبما في الصدور .. أردفَ ذلك بذكر ما يهم الناسَ من آثار قدرته، ومتعلَّقاتِ علمه، وهوَ ما يتعلَّق بحياتهم، وشؤونهم المختلفة، ثمَّ بذِكْر خَلْقِهِ للعالَمِ كلِّه، ومكانِ عرشه قبلَ هذا من ملكه وبلاءِ البشر بذلك، لِيظهِرَ أيّهم أحسنُ عَمَلًا، ثم بعثه إيَّاهُم بعد الموت لينالوا جزاءَ أعمالهم مع إنكار الكفار لذلك، وطلب استعجال العذاب الذي أوعدهم به، مع بيانِ أنه واقع بهم لا محالةَ، إنْ أصرُّوا على كفرهم.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ...﴾ الآية، مناسبةُ هذه الآية لما قبلها: أنَّ الله لما ذكر (٢) ما يدل على كونه تعالى عالمًا .. ذَكَرَ ما يدل على كونه تَعالى قَادِرًا.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قَبلها: أنَّ الله لمَّا ذكر (٣) أنَّ عذابَ الكفار، وإن تأخَّرَ لا بدَّ أن يحيقَ بهم .. ذكَرَ ما يدلُّ على كفرهم، وكونهم مستحقينَ العذابَ، لِمَا جبلوا عليه من كفر نعماءِ الله وما يترتبُ على إحسانه تعالى إليهم مما لا يلِيقُ بهم من فخرِهم على عباد الله تعالى.
وعبارةُ المراغي: مناسبةُ هذه الآية لما قبلها: أنَّ الله : لَمَّا ذَكَرَ (٤) أنه خَلَق السمواتِ والأرضَ ليبلو الإنسانَ أيشكرُ أم يكفرُ .. قَفى على
стр. 5498
ذلك بذكر طبيعة الإنسان في ذلك، وهي: أنه إذا أصابته نعماء، ثم نزعت منه، قَنَطَ من روح الله, وكفر بها، وإذا أَذاقه نِعْمَةً بعد بؤس، بَطرَ وفَخَرَ، هكذا شأن الإنسان، إلا من صبرَ، وشكر، وعمِلَ صالحًا.
قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ...﴾ الآيات، مناسبةُ هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله لمَّا ذَكَرَ في بَدْءِ السورة قولهم في القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وأنهم ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ كي لا يسمعوه .. أردفَ ذلك بذكر تكذيبهم للرسول ﷺ والقرآن، وبيان أنَّ همه وحزنَه ﷺ مِنْ كلامهم، قد بلغ كل مبلَغ، ثمَّ أعقبَه بتحديه لهم بالقرآن، كي يأتوا بعشر سور مثله، حتَّى إذا ما عجزوا، عُلِمَ أنَّه وحيٌ من عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أنها لا تتعلق أطماعُهم بأن يَتْرُك بعضَ ما يوحي إليه، إلا لدَعْوَاهم أنه ليس من عند الله، وأنه الذي افتراه، وإنَّما تَحدَّاهم أولًا بعشر سور مفتريَاتٍ قبل تحديهم بسورة؛ إذْ كانَت هذه السورة مكيةً، والبقرة مدنيةً، وسورةُ يونسَ أيضًا مكيةً، ومقتضى التحدي بعشر: أن يكونَ قبل طلب المعارضَةِ بسورة، فلَمَّا نسبوه إلى الافتراء طلبَ منهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفترياتٍ إرخاء لعنانهم، وكأنه يقول: هبوا أنِّي اختلقته، ولم يوحَ إلَيَّ فأتوا أنتم بكلام مثلِهِ مختلَق من عند أنفسكم، فأنتم عَرَبٌ فصحاء مثلي، لا تَعجزُون عن مثلِ ما أقدِر عليه من الكلام.
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها؛ أنه تعالى لما ذكر شيئًا من أحوال المنافقينَ في القرآن .. ذَكَرَ شيئًا من أحوالهم الدنيوية، وما يؤولون إليه في الآخرة.
وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما
стр. 5499
أقام الحجة على حَقِّيَةِ دعوة الإِسلام، وعلى أنَّ القرآنَ من عند الله، وليس بالمفترَى من عند محمَّد ﷺ كما يدعيه المشركون .. أَرْدف ذَلِك ببيَانِ أنَّ البَاعِثَ لهم على المعارضة، والتكذيب، ليس إلا شهواتُهم، وحظوظُهم الدنيوية، والإِسلام يدعو إلى إيثار الآخرة على الأولى.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لِمَا قبلَها: أنَّ اللَّهَ لما ذكر (١) مآلَ مَنْ كانَ يريد الدنيا وزينتها, ولا يهتم بالآخرَةِ وأعمالِها .. أردَفَ ذلِكَ بذكر مَنْ كَانَ يريد الآخرةَ، ويعمل لها، وكان على بينة من ربه في كلِّ ما يعملُ، ومعه شاهِدٌ يدل على صدقه، وهو القرآن، ومآل من أنكر صِحَّتَه، وكفرَ بِه.
وعبارة أبي حيان: مناسبةُ هذه الآية لما قبلَها: أنه تعالى لما ذكر حال مَن يريد الحياةَ الدنيا .. ذَكَرَ حَالَ من يريد وجهَ الله تعالى بأعماله الصالحة.
التفسير وأوجه القراءة
٦ - ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: وما دابة، من أي نوع من أنواع الدوابِّ في الأرض ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ وغذاؤها الذي تحتاج إليه اللائق بها على اختلاف أنواعها، تفضلًا منه، وإحسانًا، وإنما جيء به على طريق الوجوب، كما تشعر به كلمة: ﴿عَلَى﴾ اعتبارًا بِسَبْقِ الوعد به منه، وتحقيقًا لوصوله، وحملًا على التوكل فيه، وقيل: ﴿عَلَى﴾ بمعنى: من؛ أي: من الله رزقُها, لا فرق (٢) في ذلك بَيْنَ الجِنَة - المكروبات - التي لا ترى بالأبصار، وبين ضِخَامِ الأجسام، والوسطى بَيْنَ هذه وتلكَ، وقد أعطى كلًّا خلقَهُ المناسبَ لمعيشته إلى تحصيل غِذَائِهِ بالغريزة، والفطرة، ولله تَعالى حِكَمٌ في خلق كل نوع منها، فإنْ خفيَ علينَا أمرُ خلق الحيات والسنانير ونحوها فلَنَا أن نَقولَ مثلًا: إنه لولاها لَضَاقَت الأَرض بكثرةِ أحيائها أو لأنتنت من كثرة أمواتها.
стр. 5500
ومعنى كفالته تعالى لرِزْقِها أنه سخَّره لها، وهدَاها إلى طلبه، وتحصيله كما قال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ وقد عُلِمَ بنصوص القرآن، وسُنَنِ الله في الخلقَ وأسبابِ الرزق، أنَّ مشيئته تعالى لا تكون إلا بمقتضَى سُنَنِهِ في ارتباط الأسباب بالمسببات مع الحكمةِ في ذلك، إلَّا أنه يأتيها بمحض قدرتهِ، سواء طلبته أمْ لا.
و ﴿مِن﴾ زائدة للتأكيد، والدابَّةُ كُلَّ حيوان يَدِبُّ في الأرض.
رُوي (١) أن موسى ﵇ تَعَلَّق قلبُه بأحوال أهله، فأمرَه الله تعالى أن يضرب بعصاه علَى صخرة، فانشقَّتْ وخرَجَت صخرةٌ ثمَّ ضَرَبَ بعصاه عليها، فانشقت وخرجَت صخرةٌ ثانية، ثُمَّ ضَرَبَ بعصاه عليهَا فانْشَقَّتْ وخرجت صخرةٌ ثالثةٌ ثُمَّ ضَرَبها بعصاه فانشقت فخَرَجَتْ منها دُودةٌ كالذَّرَّةِ، وفي فيها شيء يجري مجرى الغذاء لها, ورفع الله الحجابَ عن سمع موسى ﵇ فسَمِعَ الدودةَ تقولُ: سبحان من يراني، ويسمع كلامي، ويعرف مكاني، وَيذْكرُني ولا ينساني.
﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾؛ أي: محلَّ استقرارها في الأرض، أو محل قرَارِها في الأصلاب ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ أي: موضِعَها في الأرحام، وما يَجْرِي مَجْرَاها كالبيضة ونحوها، وقال الفراء: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ حيث تأوي إليه ليلًا ونهارًا، ﴿ومستودعها﴾ موضِعَها الذي تموت فيه.
ووجه تقدُّمِ المستقر على المستودع على قول الفراء ظاهرٌ (٢)؛ وأما على القول الأول، فلعلَّ وجهَ ذلك أنَّ المستقرَّ أنْسَبُ باعتبار ما هي عليه حالَ كونها دابةً.
والمعنى (٣): وما من دابة في الأرض إلا يَرْزقُها اللهُ حيث كَانت من أَماكنها بعد كونها دابةً، وقبل كونها دابةً، وذلك حيثُ تكون في الرحم، ونحوه، ثم خَتَمَ الآية بقوله: ﴿كُلٌّ﴾؛ أي: كُلٌّ من الدواب وأرزاقها، ومستقَرّها، ومستودعِها ثابتٌ
стр. 5501
مَرْقُومٌ ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: في لوح محفوظ، كَتَبَ الله تعالى فيه مقاديرَ الخَلْقِ كلِّها؛ أي: كلَّ ذلك مذكور في اللوح المحفوظ قبلَ خلقِها، وثابتٌ في عِلْم الله تعالى.
وكأنه أريد بهده الآية ببيان كونه عالمًا بالمعلومات كلها (١)، وبما بعدَها بيانُ كونه قادرًا على الممكنات بأسرها، تقريرًا للتوحيد، ولما سبَقَ من الوعد والوعيد،
٧ - ثُمَّ أكَّدَ دلائلَ قدرته بالتعرض لذِكْر خلق السموات والأرض، وكيف كان الحالُ قبلها، فقال: ﴿وَهُوَ﴾ الإلهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ وأوجد ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وأنشأهما على غير مثال سبق، أي: خلقهما وما فيهما ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ من أيام الله في الخلق والتكوين، وما شاء من الأطوار، لا مِنْ أيَّامِنا في هذه الدار التي وجدت بهذا الخلق، لا قَبْلَه، فلا يصح أنْ تُقدَّر أيامُ الله بأيامِنا المعروفَةِ، وهي المقابلة للَّيالي؛ لأنه لم يكُنْ حينئذ لا أرْضٌ ولا سماء، ويؤيِّد هذا قَوْلُه تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾.
وكانَ خَلْقُ السموات في يومين والأرضين في يومين، وما عليهما من أنواع الحيوان، والنبات، والجماد في يومين، كما سيأتي في ﴿حم (١)﴾ السجدة.
﴿وَكَانَ عَرْشُهُ﴾ ؛ أي: كَانَ عَرْشُه قبل خَلْقِهما ﴿عَلَى الْمَاءِ﴾ الذي تحت الأرضين السبع، لم يكن حائل بَيْنَهُما، لا أنه كان موضوعًا على مَتْن الماءِ، بَل هُو في مكانه الذي كان فيه الآن، وهو ما فوقَ السمواتِ السبع، والماءُ في المكان الذي هو فيه الآن، وهو ما تَحْتَ الأرضينَ السبع، وفيه بيانُ تقدم خَلْقِ العرش والماء على السموات والأرضين، وقال ﷺ : "كان الله، وما كان معه شيءٌ ثُمَّ كان عَرْشه على الماء"؛ أي: والعرش الذي هو أعظمُ المخلوقات قد أمْسَكَهُ الله تعالى فَوْقَ سبع سموات من غير دِعامةٍ تحته، ولا عِلاقة فوقه، وذلك يَدُلُّ على كمال قدرته تعالى.
стр. 5502
وقال سعيد بن جبير (١): سُئِلَ ابن عباس عن قوله : ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ على أيِّ شيءٍ كان الماء، قال: على مَتْن الريح، وقال وَهْبُ بنْ منبه: إنَّ العرْشَ كَانَ قبل أن يَخْلُق الله السموات والأرض، ثُم قَبَضَ اللَّهُ قَبْضةً من صفاءِ الماء، ثم فتح القبضة، فارتفع دخان، ثُمَّ قضاهن سبع سموات في يومين، ثم أَخَذَ طينة من الماء، فوضعها مكانَ البيت، ثُمَّ دَحَا الأَرْضَ منها، ثُمَّ خَلَقَ الأقواتَ في يومين، والسموات في يومين، والأرض في يومين، ثم فرغ آخر الخلق في اليوم السابع.
قال بعض العلماء: وفي خلق جميع الأشياء، وجعلها على الماء ما يدلُّ على كمالِ القدرة؛ لأنَّ البناءَ الضعيفَ إذا لم يكن له أساسٌ على أرض صُلبة .. لم يَثْبُتْ، فكيف بهذا الخلق العظيم، وهو العرش والسموات، والأرض على الماء! فهذا يدل على كمال قدرة الله .
وعن عمرانَ بن حصين ﵁، قال: دخلتُ على النبي ﷺ وعقلْتُ ناقتي بالباب، فأتى ناسٌ من بني تميم، فقال: "اقْبَلُوا البشرى يا بني تميم" فقالوا: بَشَّرْتَنا فأعطنا، مرتين، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، ثُمَّ دخل عليه ناس من أهل اليمن، فقال: "اقْبَلُوا البُشْرى يا أهلَ اليمن، إذْ لم يَقْبَلْهَا بنو تميم" قالوا: قَبِلْنَا يا رسول الله! ثم قالوا: جِئْنَا لِنَتَفَقَّه في الدين، ولنسأَلك عن أَوَّلِ هذا الأمر، ما كان؟ قال: "كان الله ، ولم يكن معه شيءٌ قَبْله، وكان عَرْشُه على الماء، ثُمَّ خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كُلَّ شيء"، ثم أتاني رجل فقال: يا عمران أَدْرِكْ نَاقَتَكَ؛ فقد ذهبَت، فانطَقَتُ أطْلبُها، فإذا السَّرَاب يقطع دُونها، وايْمُ الله لَوَدِدْت أنَّها ذهبَتْ، ولم أَقُمْ. أخرجه البخاري.
وعن أبي رُزَين العقيليِّ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أين كان ربنا قبلَ أن يَخْلُق خَلْقَه؟ قال: "كان في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء، وخَلَق عرشه على الماء" أخرجه الترمذي، وقال: قال أحمد: يريدُ بالعماء أنه
стр. 5503
ليسَ معه شيءٌ.
قال أبو بكر البيهقيُّ في كتاب "الأسماء والصفات" (١) له: قولُه ﷺ : "كانَ الله ولم يكن شيء قبله" يعني لا الماءَ ولا العرشَ، ولا غَيْرهُما، قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ يعني: وخَلَقَ الماء، وخلق العرشَ على الماء، ثم كتَبَ في الذكر كلَّ شيء، وقوله: "في عماء" العَماء بالمدِّ: السحابُ الرقيقُ، ويريدُ بقوله: "في عماء"؛ أي: فوقَ سحاب مدبِّرًا له، وعاليًا عليه، وقوله: "وما فوقه هواء"؛ أي: ما فوق السحاب هواءٌ، وكذلك قوله: "وما تحته هواء"؛ أي: ما تَحتَ السحابِ هواء، وقال الأزهري: قال أبو عبيد: إنما تأوَّلْنَا هذا الحديثَ على كلام العرب المعقولِ عَنْهُم وإلا فلا نَدْري كيف كان ذلك العماءُ؟ قال الأزهري: فنحنُ نُؤْمِنُ به ولا نكيِّفُ صِفَتَهُ.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "كتب الله مقاديرَ الخلق قَبْلَ أن يَخْلُق السموات والأرضَ بخمسين ألف سنةٍ، وكان عرشه على الماء"، وفي روايةٍ: "فَرَغَ الله من المقادير، وأمورِ الدنيا قبل أن يَخْلُقَ السموات والأرضَ، وكان عرشُه على الماء بخمسينَ ألْفَ سنة". أخرجه مسلم.
قوله: فَرغ: يريد إتْمامَ خَلْقِ المقادير، لا أنه كان مشغولًا، ففَرَغَ منه، لأنَّ الله تعالى لا يشغَلُه شأنٌ عن شأن، فإنما أمره إذا أرادَ شيئًا أن يقولَ له: كن فيكون.
وعرش الرحمن من عالم الغيب الذي لا ندركه بحواسِّنا, ولا نستطيع تصويرَهُ بأفكارنا، فلا نَعلمُ كُنْهَ استوائِه عليه، ولا صُدُورَ تدبيره، لأمر هذا الملك العظيم، ومِن ثمَّ رُوي عن أمِّ سلمة، ﵂، وعن مالك، وربيعةَ قولهم: الاستواءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ.
ومن الآية نَعْلَم أنَّ الذي كانَ دونَ العرش من مادَّةِ الخَلْقِ قبل تكوين السموات والأرض هو الماء الذي جَعَلَهُ الله أصْلًا لخلق جميع الأحياءِ، كما
стр. 5504
قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾.
ثم عَلَّلَ خَلْقَهُ بما ذكر ببعض حِكَمِهِ الخاصَّة بالمكلفين المخاطبين بالقرآن، فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ و (اللام) فيه متعلقة بـ ﴿خَلَقَ﴾ أي: خلق (١) السموات والأرض، وما فيهما، ورتب فيهما جميع ما تحتاجون إليه من مبادئ وجودكم، وأسباب معايشكم، وأودعَ فيهما ما تستدلون به على مطالِبكم الدينية، ليعامِلَكم معاملةَ من يختبركم، فيُظْهِر أيُّكُم أحسنُ عملًا؛ أي: عقلًا، وأورع عن محارم الله، وأسْرَع في طاعة الله، فإنَّ لكل من القلب والقالب عملًا مخصوصًا به.
أيْ (٢): خَلَقَ هذه المخلوقات ليبتليَ عِبَادَهُ بالاعتبار، والتفكر، والاستدلال على كمال قدرته, وعلى البعث، والجزاء أيهم أحسنُ عملًا، فيما أُمِر به، ونهي عنه، فيجازي المحسنَ بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، ويُوفِّر الجزاءَ لِمَنْ كان أَحْسن عملًا من غيره، وَيدْخُل في العمل الاعتقاد؛ لأنه من أعمال القلب، وقيل: المراد بالأحسن عملًا الأتمُّ عقلًا، وقيل: الأزْهَدُ في الدنيا، وقيل: الأكثر شكرًا، وقيل: الأتْقَى لله.
أي: ليجعلَ ذلك ابتلاءً واختبارًا لكم فيظهرَ أيكم أحسنُ إتقانًا لما يعمله لنفسه، وللناس، ذاك أنه تعالى سَخَّر لنا ما في الأرض، وجعلنا مستعدينَ لإبرازِ ما أَوْدَعَه فيها من منافعَ وفوائدَ ماديةٍ ومعنويةٍ، ومستعدِّين للإفساد، والضرر ليجزيَ كل عامل بما يعمل، ثمَّ لما كان الابتلاء يتضمَّن حديثَ البعث، أَتْبَعَ ذلك بذكره، فقال: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ﴾؛ أي: وعزتي وجَلالي، لئن قُلْتَ: يا محمَّد لهؤلاء الكفار من قومك على ما توجبه قضيَّة الابتلاء ﴿إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ للحساب، والجزاء، فيُجَازَى المحسنُ بإحسانه، والمسيءُ بإساءته، وقرأ (٣) عيسى
стр. 5505
الثقفي: ﴿ولئن قُلتُ﴾ بضم التاء إخبارًا عنه تعالى، والمعنى عليه: ولئن قلتُ مستدلًا على البعث من بعد الموت إذ في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ دلالةٌ على القدرة العظيمةِ فمَنْ أخْبَر بوقوع ممكنٍ وَقَعَ لا محالةَ، وقد أَخْبَرَ بالبعث، فوجب قبولُهُ وتيقُّنُ وقوعه.
وكسرت (١) إن مِنْ قوله: ﴿إِنَّكُمْ﴾ لأنها وقعت بعد القول، وحكى سيبويه الفتحَ على تضمينِ قُلْتَ بمعنى: ذكرتَ أو على أنَّ (إن) بمعنى لعلَّ؛ أي: ولئن قلت: لعلكم مبعوثون على أن الرَّجاء باعتبار حال المخاطبين؛ أي: توقَّعوا ذلك، ولا تَبتُّوا القولَ بإنكاره.
﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ منهم ﴿إِنْ هَذَا﴾؛ أي: ما هذا القرآنُ الذي تضمَّن البعث، والحسابَ، والجزاءَ ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: إلَّا سحر بَيِّنٌ ظاهر تُسْحَرُ به العقول وتُسَخَّرُ به الضمائر، والقلوب، أو المعنى: ما هذا القولُ الذي تقولونه لنا من البعث، والجزاء إلَّا خديعةٌ منكم، وضَعْتُمُوها لمنع الناس عن لذات الدنيا، وإحرازًا لهم إلى الانقياد لكم، والدخول تحت طاعَتِكم.
وقرأ الحسن والأعرج، وأبو جعفر، وشيبةُ، وفرقةٌ من السبعة (٢): ﴿سِحْرٌ﴾، وقَرَأ حمزة، والكسائي: ﴿إن هذا إلا ساحر﴾ فاسم الإشارة حينئذ، عائد على النبي ﷺ ؛ أي: ما هذا الرجل الذي يَدَّعي البعثَ، والجزاءَ إلا كاذبٌ مُبْطِلٌ، والمعنى؛ أي: ولئن أخبرت يا محمدُ هؤلاء المشركين أنَّ اللَّهَ سيبعثهم بعد مماتهم كما بَدَأهم ليجزِيَهم فيما بَلاَهم به كما قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ليُجِيبَنَّك الذين كذَّبوا بلقاء الله قائلينَ: ما هذا الذي جئتَنا به مِن هذا القرآن لتسخِّرَنَا لطاعتك، وتَمْنَعَنا عن لَذَّاتِ الدنيا إلَّا سحرٌ بَيِّنٌ ظاهرٌ تَسْحَرُ به العقولَ وتُسخِّرُ به الضمائر والقلوب.
٨ - وبعد أنْ ذَكَرَ سبحانَه ما يقوله المنكرونَ للبعث .. ذَكَرَ ما يقوله المنكرونَ لإنذار الرسول ﷺ إيَّاهم عذابَ الدنيا، والآخرةِ بتكذيبهم له فقال: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا
стр. 5506
عَنْهُمُ﴾؛ أي: عن هؤلاء المشركين مِنْ قومك ﴿الْعَذَابَ﴾ الذي تَقَدَّم ذِكْرُه في قوله: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾، وقيل: عذاب يومِ القيامة، وما بعده، وقيل: يوم بدر ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾؛ أي: إلى طائفة من الأيام قليلة, لأن ما يحصره العدُّ قليلٌ.
﴿لَيَقُولُنَّ﴾ بطريق الاستعجال استهزاءً ﴿مَا يَحْبِسُهُ﴾؛ أي: أيُّ شيء يَمْنَعُ العذابَ من المجيء إلينا، والنزولِ علينَا، والمعنى: وعزتي، وجلالي، لئن أخَّرْنَا عنهم عذابَنا الذي توعدهم به الرسول ﷺ إلى حين من الزمن مقدَّر في علمنا، وهو مقتضى سنتنا في خَلْقِنا وبَيَّناه في كتابنا بقولنا: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ ليقولُن استهزاءً، أيُّ شيء من الأشياء يمنع هذا العذاب، ويحبسهُ من الوقوع، إن كان حقًّا، والاستفهامُ فيه للإنكار، المضمَّنِ للاستهزاء، والسخرية، ثُمَّ توعَّدَهم بنزوله، وأجابَهم بقوله: ﴿ألا﴾؛ أي: أنتبهوا أيُّها المخاطبون ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾؛ أي: العذابُ ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا﴾، ولا مدفوعًا، ولا محبوسًا ﴿عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ﴾ عبر بلفظ الماضي تنبيهًا على تحقُّق وقوعه، فكأنَّه قد حاق بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أي: ويَحِيقُ ويُحيط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلُونه استهزاءً منهم، ووَضَع يستهزئون مكانَ يستعجلون؛ لأنَّ استعجالَهم كانَ استهزاءً منهم.
والمعنى: انتبهوا أنَّ له يومًا يأتيهم فيه حين تنتهي المدَّة المضروبةُ دُونَهُ، ويومئذ لا يصرِفه صارفٌ، ولا يحبسه حابسٌ، وسيحيط بهم يومَئذ مِن كل جانب ما كانوا يستهزئون به من العذاب قبل وقوعه، فلا هو يصرف عَنْهُم، ولا ينجَونَ مِنه.
٩ - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ و (اللام) فيه موطئة للقسم، والمراد: الجنسُ فشَمَلَ المؤمنَ والكافرَ بدليل الاستثناء بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي: لَئِن أذقنا الإنسان وأعطيناه ﴿مِنَّا رَحْمَةً﴾؛ أي: رحمةً كائنةً منا، ورحمةً صادرةً من جهَتِنا كغِنًى، وصِحَّةٍ ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾؛ أي: سلبناه إياها ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾؛ أي: لقاطع رجاءه من عود أمثالها لقِلَّةِ صبره وعدم ثقته بالله ﴿كَفُورٌ﴾؛ أي: عظيم الكفران لما سَلَفَ من النعم، وقيل: المرادُ بالإنسان جنس الكفار، ويؤيده أنَّ اليأسَ والكفرانَ، والفرحَ، والفخرَ، هي: أوصافُ أهل الكفر، لا أهل
стр. 5507
الإِسلام غالبًا، وقيل: المرادُ بالإنسان الوليدُ بن المغيرة، وقيل: عبد الله بن أبي أُميةَ المخزوميّ، والمرادُ بالرحمة هنا: النعمةُ من توفير الرِزق والصحة والسلامة من المِحَنِ.
والمعنى (١): والله لئن أعطينا الإنسانَ نوعًا من أنواع النِّعَم كرخَاءِ العيش وبَسْطةِ الرزق، وصحةٍ وأمن وولدٍ بارٍّ رحمةً مبتدأةً منا، أذقناهُ لَذَّتها، فكانَ شديدَ الاغتباط بِهَا ثم سلبنا ذلك بما يحدث من الأسباب التي قَدَّرها الله تعالى في الخليقة، كالمرض، والموت، والعسْر، إنّه لَيَظُلُّ في هذه الحال شديدَ اليأس من الرحمة، قاطعًا للرجاء من عود تلك النعمة، كثيرَ الكفران لغيرها من النِّعَمِ التي لا يزالُ يتمتَّع بها فضلًا عمَّا سَلَفَ مِنها.
١٠ - والخلاصةُ: أنَّهُ يجمع بَيْنَ اليأس بعودة ما نُزع منه، والكفر بما بقي له، لحرمانه من فضيلتي الصَّبْرِ والشكر ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾؛ أي: وعزتي، وجلالي: لئن أَعْطينَا الإنسَانَ ﴿نَعْمَاءَ﴾؛ أي: سعةَ رزق، وعافية، وفي التعبير (٢) بالذوق ما يدلُّ على أنه يكون منه ذلكَ عند سلب أدنى نعمةٍ ينعم الله بها عليه؛ لأن الإذاقَةَ والذوق أقل ما يُوجَد به الطعم ﴿بَعْدَ﴾ كشف ﴿ضَرَّاءَ﴾ وشدة ﴿مَسَّتْهُ﴾؛ أي: أصابته كصحَّةٍ بعد سقم، وفرَجٍ بعد شدَّةٍ ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ ذلك الإنسان ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ﴾؛ أي: المصائب التي أساءتني ﴿عَنِّي﴾ من الضرِّ والفقر.
والمعنى: أنه إن أذاق الله سبحانه العبدَ نعماءَه من الصحة، والسلامة، والغنى بعد أن كانَ في ضر من فقر، أو مرض، أو خوف، لم يقابِلْ ذلك بما يليقُ به من الشكر لله سبحانه، بل يقول: ذهبت السيئات؛ أي: المصائِبُ التي ساءَتْهُ من الضر والفقر، والخوف، والمرض عنه، وزال أثَرُهَا غَيْرَ شاكرٍ لله، ولا مثن عليه بنعمة ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إنَّ ذلك الإنسانَ ﴿لَفَرِحٌ﴾؛ أي: كثير الفرحِ، بَطَرًا وأَشرًا ﴿فَخُورٌ﴾؛ أي: كثيرُ الفخر على الناس، والتطاول عليهم بما يتفضل الله به عليه من النعم، وفي التعبير عن ملابسة الضر له بالمس مناسبةٌ للتعبير في جَانِب
стр. 5508
النعماء بالإذاقة، فإنَ كِلَيْهِمَا لأدنى ما يُطْلَقُ عليه اسمُ الملاقاة، وقرأ الجمهور: ﴿لَفَرِحٌ﴾ بكسرِ الراء، وهو قياسُ اسم الفاعل من فعل اللازم، وقرأتْ فرقةٌ: ﴿لَفَرُحَ﴾ بضم الراء وهي كما تقول: دنس وطمس ذكره أبو حيان.
وحاصل المعنى: ولئن (١) كشفنا عنه الضراء التي أصابَتهُ، وحَلَّ محلَّها نعماءُ كشِفاءٍ من مرض، وزيادة قوة، وخروج من عسر إلى يُسْرٍ ونَجَاةٍ من خوف، وذلٍّ إنه ليقولن ذَهَبَ ما كان يَسُوءُني من المصائب والضراء، ولن يعودَ، وما هي إلا سحابة صيف قد تقشَّعَتْ، وعليَّ أنْ أنسَاها وأتمتَّعَ بتلك اللذَّاتِ، وإنه حينئذ لشديدُ الفرح بما يهيِّجُهُ البَطَرُ بتلك النعمة، وإنَّه ليُغالِي في الفَخْرِ والتَّعَالِي على الناس، والاحتقارِ لِمَنْ دُونَهُ فِيهَا.
والخلاصة: أنَّا إذا مَنَحْنَا هذا الإنسانَ اليؤوسَ الكَفورَ، نَعْماءَ أذقْنَاه لَذَّتَها، بَعدَ ضرَّاء مسَّتْه باقترافه أسبابَها, لم يُقابِلْهَا بشكر الله عليها، بل يَبْطَرُ ويفخَرُ على الناس، ولا يقومُ بما يَجِبُ عليه من مُواساة البائِسينَ، الفقراءِ، وعملِ الخير لبني آدَمَ كفاء ما هو متمتع به من تلك النِّعَمِ،
١١ - ثمَّ استثنى سبحانه من جنس الإنسان فيما ذَكر من حالتَيْه السَّالِفَتَيْنِ قَبْلُ الصابرينَ الذينَ يعملون الصالحاتِ فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على ما أصابهم من الضراء إيمانًا بالله، واحتسابًا للأَجْرِ عنده ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ حينما يكشِفُها ويبدِّلُ النعماءَ بِهَا، ويشكرهُ باستعمالها فيما يرضيه من عمل البر، والخير لعباده ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذُكِر ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ من ربهم تَمْحُو ما عَلِقَ بأنفسهم من ذَنْبٍ أو تقصير ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾؛ أي: ثوابٌ جسيمٌ في الآخرة على ما وفِّقوا لعمله من برّ، وخير كثير.
والخلاصةُ (٢): أنَّ الإنسانَ وإن كانَ مؤمنًا حقَّ الإيمان, لا يسلم من ضيق صَدْر حينَ حُلُول الضراءِ والمصائب، وذلك مِمَّا ينافي كمالَ الرضا كما لا يسلم حين النعماء من شيءٍ من الزُّهْوِ والتقصيرِ في الشكر، فيُغْفَرُ له كلٌّ منهما بصبره وشكره، وإنابته إلى ربه، وقد جاءَ بمعنى الآية قولُه تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ
стр. 5509
الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ ووصفُ الأجر بالكبير لِمَا حَواهُ من نعيم سَرْمديٍّ وأمْن من العذاب، ورضىً من الله ، ونظَرٍ إلى وجهه الكريم ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، واختيارُهُ على العظيم لرعاية الفواصل كما ذكره الكرخي،
١٢ - ثم سلَّى اللَّهُ رسولَه ﷺ فقال: ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ يا محمَّد ﴿تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾؛ أي؛ فلعلك يا محمدٌ تاركٌ تبليغَ بعض ما يوحي إليك ربُّك، أنْ تبلغه إلى مَنْ أمَرَكَ أن تبلِّغ ذلك إليه، ﴿و﴾ لعلَّك ﴿ضائق به صدرك﴾؛ أي: ولعلك (١) يضِيق صَدْرُك بما يوحى إليك، فلا تبلغه إيَّاهم، وذلك أنَّ كفَّارَ مكةَ قالوا: إئت بقرآنٍ غير هذا، ليس فيه سَبُّ آلهتنا، فهَمَّ النبيُّ ﷺ أن يَترُكَ ذِكْر آلهتهم ظاهرًا، فأنزل الله ، ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ يعني مِنْ ذكر آلهتهم، هذا ما ذكره المفسرون في معنى الآية، قيل (٢): وهذا الكلام خارجٌ مَخْرَجَ الاستفهام، فلعلَّ هنا للاستفهام الإنكاري، كقوله ﷺ : "لَعَلَّنا أعْجلنَاك"؛ أي: هل أنت تاركٌ، وقيل: هو في معنى النفي مع الاستبعاد؛ أي: لا يكونُ منك ذلك بل تبلغهم جميعَ ما أنزلَ اللَّهُ عليك أحَبُّوا ذَلِك أم كرهوه، شاؤوا أم أَبَوا.
والمعنى على الاستفهام: أي أفتاركٌ (٣) أنت أيها الرسول بعضَ ما يوحى إليكَ مما يشُقُّ سماعه على المشركين من الأمر بالتوحيد، والنهي عن الشرك، والإنذارِ والوعيد لهم، والنَّعْيِ على معبوداتِهم وتَسْفِيهِ أحلامهم، وضائقٌ به صَدْرُك أن تبلغَهم إياه، كما أُنزل ذاك أنهم كانوا يَتَهَاوَنُون به، فيَضِيقُ صَدْرُه أنْ يلقي إليهم ما لا يَقْبَلُون، وما يضحكون منه، فاستحثه سبحانه على أداء الرسالة، وعدم المبالاة باستهزائهم، وطرح مقالاتهم الساخرة وراءَه ظهريًّا.
والخلاصة: تحمل أخف الضرَرَيْنِ، وهو تحمل سَفَاهَتِهم على ترك بعض الوحي، والوقوع في الخيانة فيه.
стр. 5510
وعبر بـ ﴿ضائق﴾ دونَ ضيق, لأن اسم الفاعل فيه معنى الحدوث، والعروض، والصفة المشبهة فيها معنى اللزوم؛ أي: لا تَتْرُك تبليغَ بَعْضَ ما يُوحى إليك من البينات الدالَّة على حقيقة نبوتك، ولا يَضِيْق صدرك بتلاوته عليهم في أثناء الدعوة، والمحاجةِ، مخافةَ ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ لك ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: هلَّا أُنْزِل على محمد ﴿كَنْزٌ﴾؛ أي: مالٌ كثير مكنوز مخزون ينتفع به، ويَسْتَغْنِي به، ويُنْفِقُه ﴿أَوْ﴾ هلَّا ﴿جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يشهدُ بصدقه، وقائل (١) هذه المقالةِ هو: عبدُ الله بن أبي أمية المخزومي.
والمعنى: أنهم قالوا لرسول الله ﷺ : إن كنتَ صادقًا في قولِك بأنَّكَ رسولُ الله، الذي تصفه بالقدرة على كل شيء، وأنت عزيزٌ عنده، مع أنك فقيرٌ، فهلَّا أنزلَ ما تستغني به، أنت وأصحابُك، وهلَّا أَنْزلَ عليك مَلَكًا يشهد لك بالرسالة، فتزولَ الشبهة في أمرك، فأخْبَرَ الله تعالى أنه ﷺ نذيرٌ بقوله : ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ يا محمَّد ﴿نَذِيرٌ﴾ تُنذِر الناسَ بالعقاب على أعمالهم التي عَمِلُوها لِطلبِ الدنيا، وذلك أنَّ اللهَ ، يوسِّع عليهم الرزق، ويدفع عنهم المكارهَ في الدنيا ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ وليسَ عليكَ من أعمالهم شيءٌ.
وحاصل المعنى: أنَّ عِنَادَهم وجحودَهم، وإعراضَهم عن الإيمان، وشدَّةَ اهتمامِك بأمرِهم، ممَّا شأنه أن يَقْتضِي ضَيْقَ الصدر بحسب الطباع البشرية، أو أن يخطرَ على البال، ترك بعضِ الوحي، ولولاَ عِصْمَتُنا إيَّاك، وتثبيتُنا لك، لاجْترَحت ذلك، واستَسْلَمْتَ لما لمثله جَرَت العادة، ولكنَّ الله تعالى حَفِظكَ حتى تؤدِّي رِسالتَه، وترحَمَ العالمين بنور نبوتك، كما قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾.
وقد جَاء بمعنى الآية قولُه تعالى؛ ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾، وقولُه: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا
стр. 5511
يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾، وقوله: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾؛ أي: ليس عليك إلا إنذارُهم بما أوحيَ إليك، غيرَ مبال بما يَصْدُر منهم، ويطلق ألسنتَهم، والله هو الرقيب على عباده، وليسَ عليكَ من أعمالهم شيء.
فصل
وأجمع المسلمون على أنه ﷺ فيما (١) كَانَ طريقه البلاغ فإنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منه، بخلافِ ما هو به، لا خطأً، ولا عمدًا، ولا سهوًا، ولا غلطًا، وأنه ﷺ بلغَ جميعَ ما أنزلَ الله عليه إلى أمَّته، ولم يكتم منه شيئًا، وأجمعوا على أنَّه لا يجوز على رسول الله ﷺ خيانةٌ في الوَحْي، والإنذار، ولا يترك بَعض ما أوحي إليه لقولِ أحدٍ؛ لأنَّ تجويزَ ذلك يؤدي إلى الشك في آداء الشرائع، والتكاليف؛ لأنَّ المقصودَ من إرسال الرسول التبليغ إلى من أرسل إليه، فإذا لم يحصل ذلك، فقد فاتَتْ فَائدة الرسالة، والنبيُّ ﷺ معصوم من ذلك كله، وإذا ثَبَتَ هذا وجب أن يكون المرادُ بقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ شيئًا آخرَ سوى ما ذكره المفسرون، وللعلماء في ذلك أجوبةٌ:
أحدُها: قال ابن الأنباري: قد علمَ الله أنَّ النبي ﷺ لا يترك شيئًا مِما يوحى إليه إشفاقًا من مَوْجِدَةِ أحد، وغَضَبِه، ولكنَّ اللَّهَ تعالَى أكَّدَ على رسوله ﷺ متابَعَة الإبلاغ من الله كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ...﴾ الآية.
الثاني: أنَّ هذا من حثه لنبيه ﷺ وتحريضه على أداءِ ما أنزله إليه، والله مِن وراء ذلك في عِصْمتِهِ مما يخافه ويَخْشاه.
الثالث: أنَّ الكفار كانوا يستهزئون بالقرآن، ويَضْحَكُون منه، ويتهاوَنون به، وكانَ رسولُ الله ﷺ يضيق صَدْرُهُ لذلك، وأن يُلْقِي إليهم ما لا يقبلونه، ويستهزئونَ به، فأمَرَهُ الله سبحانَه يتبليغ ما أوحِي إليه، وأن لا يَلْتَفِتَ إلى
стр. 5512
استهزائهم، وأنَّ تحمُّلَ هذا الضَّرَرَ أهون من كتم شيء من الوحي، والمقصود من هذا الكلام: التنبيهُ على هذه الدقيقة, لأن الإنسان إذا عَلم أنَّ كلَّ واحد من طَرَفَي الفعلِ والترك مشتملٌ على ضَرَرٍ عظيم، ثمَّ عَلِمَ أنَّ الضَّرَرَ في بابِ الترك أعْظَمُ، سَهُلَ عليه الإقدامُ على الفعل، وقيل: إن الله مع علمه بأن رسولَ الله ﷺ لا يتركُ شيئًا من الوحي، هَيَّجَه لأداء الرسالة، وطرح المبالاةِ باستهزائهم، ورَدِّهم إلى قبول قوله بقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾؛ أي: لعَلَّكَ تتركُ أن تلقِيَه إليهم مخافةَ رَدِّهِم، واستهزائهم به، وضائقٌ به صَدْرُكَ؛ أي: بأنْ تَتْلُوَهُ عليهم، والله أعلم.
١٣ - و ﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ...﴾ (١) هي: المنقطعة التي تقدَّرُ بمعنى بَلْ الإضرابية، وهمزة الاستفهام التوبيخي، والتقريعي، والضميرُ المستتر في ﴿افْتَرَاهُ﴾ للنبي ﷺ ، والبارزُ إلى ما يُوحى إليه.
أي: بل أيقول هؤلاء المشركون من أهل مكَّة: إنَّ محمدًا ﷺ قد افترَى هذا القرآن واختلقَه من عند نفسه، ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد في جواب مقَالَتِهم هذه، ورَدِّها إن كانَ الأَمْرُ كما تزعمون ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾؛ أي: مثل القرآن في البلاغة، وحُسْنِ النَّظْمِ، وجزالة اللفظ، وفَخامةِ المعاني، ووصَفَ السُّورَ بما يوصف به المفرد، فقال: ﴿مِثْلِهِ﴾ ولم يقل: أمثالِه؛ لأنَّ المرادَ: مماثَلَة كلِّ واحد من السور، أو لقصد الإيماء إلى وَجْه الشبه، ومدارةِ المماثلة في شيء واحد، وهو البلاغة البالغة إلى حد الإعجاز، وهذا: إنما هو على القول بأنَّ المطابقةَ في الجمع، والتثنية، والإفراد، شرطٌ، ذَكَرَه الشوكاني، أي: بعشر سور مماثلة للقرآن في ذلك ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾؛ أي: مختلفات من عند أنفسكم, لا تدَّعُون أنها من عند الله تعالى، فإنكم أهلُ اللَّسَنِ والبيان، والمران على المفاخرة بالفصاحة، والبلاغة، وفنون الشعر، والخَطابة، ولَم يسبِقْ لي مع العمر الطويل الذي عشته بينكم أنْ أُزاوِل شيئًا من ذلك، فإن كَانَ من كلام البشر، فأنتم على مثله أقْدَرُ، وإنكم لتعلمون أني لم أكذب على بشر قط، فكيف أَفْتَرِى على الله؟
стр. 5513
﴿و﴾ إنْ زعمتم أنَّ لي من يعينني على تأليفِهِ ووصْفِه، فـ ﴿ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ ممن تعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تعالى، ومِنْ سَائِرِ خلقه لِيُسَاعدوكم على الإتيان بهذه السور العشر، ولتكن مِثلَه مفترياتٍ تشملُ على مثل ما فيه من تشريع دينيٍّ، ومَدَنيٍّ، وحكم ومواعظ، وآداب، وأَنْباء غيبية إخبارًا عن ماض، وأنباء غيبية. إخبارًا عن مستقبل بمثل هذا النظام البديع، والأسلوب البالغ حَدَّ الإعجاز، والبلاغَةِ الساحِرَة للألباب، والسلطان الحَاكِم على الأنفس والأرواح ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في ادعاءِ كونِ القرآن مفترًى على الله تعالى.
والخلاصة (١): أنّ مشركي مكَّةَ المعانِدِينَ، لم يجدوا شبهةً في القرآن بعد شبهة السحر التي لم تَجِد أُذنًا صاغيةً عند العرب؛ لأنهم أربابُ الفصاحة، واللسن، فعرفوا فضله على سائر الكلام، إلا زَعْمَهُمْ أنَّ محمدًا قد افتراه جملةً، وليس بوحي من عند الله، فتحداهم بالإتيان بعشر سور مثله، في النظم والأسلوب محتويةٍ على التشريع القيم من دينيٍّ ومدَنيٍّ، وسياسيّ، وحكم، ومواعظ، وآداب، وكلَّفهم دعوةَ مَن استطاعوا من دون الله، لِيُظاهِرُوهم، ويُعَاوِنُوهم على ذلك، فعَجَزُوا, ولم يجدوا من فصحائهم من يستجيب لهم، فقامت الحُجَّةُ عليهم، وعلى غيرهم إلى يوم الدين، وهذا معنى قوله:
١٤ - ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾؛ أي: فإن لم يستجب لكم مَنْ تَدْعونهم من دونِ الله ليعاونوكم على الإتيان بالعشر السور المُمَاثلةِ للقرآن من فحول الكتَّاب، ومَصَاقِع الخطباء، وعلماء أهلِ الكتاب العارفين أخْبارَ الأنبياء ﴿فَاعْلَمُوا﴾ أيها المشركون ﴿أَنَّمَا أُنْزِلَ﴾ هذا القرآنُ على محمَّد ﷺ ﴿بِعِلْمِ اللَّهِ﴾؛ أي: بمقتضَى علم الله وإرادتِه أن يبلِّغَه لعباده على لسان رسوله، ولا يقدرُ عليه محمَّد ولا غيره ممن تدعونه زورًا أنهم أعانُوه, لأنه من علم الغيب الذي لا يَعْلَمُه إلا مَنْ أعلمه الله به.
﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾؛ أي: واعلموا أيها المشركونَ، أنه لا معبودَ بحق في
стр. 5514
الوجود إلا اللهُ ، إذ من خصائص الإلَه أن يَعْلَمَ ما لا يعلمه غيره، وأن يُعْجِزَ مَن عداه عن مثلِ ما يقدر عليه، والاستفهام، في قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ للتوبيخ المضَمَّنِ للأمر؛ أي: فهل أنتم أيها المشركون بعد أن قامت عليكم الحجة، داخلون في الإِسلام الذي أدعوكم إليه، بهذا القرآن، مؤمنون بما فيه من عقائدَ، ووعد، ووعيد، وأحكام، وحِكم وآداب؛ أي: أسْلِمُوا، وأخْلِصُوا لله العبادةَ.
والخلاصة: أنه لم يَبْقَ لكم بَعْدَ أنْ دُحِضَتْ شبهتَكم، وانقطعَتْ مَعَاذِيركُم إلَّا جُحودَ العناد، وإعراض الاستكبار، والعاقل المنصِفُ لا يرضَى لنفسه بمِثْل هذا.
والمعنى (١): فإن لم يستجِب لكم آلهتكم، وسائرُ مَنْ إليه تجأرُونَ في مُلِمَّاتِكم إلى المعاونة، فاعلموا أنَّ القرآنَ خارج عن دائرة قدرة البشر، وأنه منزل من خالق القِوَى والقُدَرِ، واعلموا أيضًا أنَّ آلِهَتَكُم بمعزل عن رتبة الشركة في الألوهية، فهل أنتم داخلون في الإِسلام بعد قيام هذه الحجة القاطعة؟.
وقرأ زيد بن علي (٢): ﴿أنَّما نَزَّل﴾ بفتح النون والزاي وتشديدها، ويحتملُ أن تكونَ ﴿ما﴾ مصدرية، أي: ﴿أنَّ﴾ التنزيلَ، ويحتمل أن تكونَ بمعنى الذي؛ أي: أن الذي نزَّله، وحذف الضمير المنصوب لوجود شرط جواز الحذف. فإن قلت: (٣) قد تحدَّاهم بأن يأتوا بسورة مثله، فلم يقدروا على ذلك، وعجزوا عنه، فكيف قال: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾، ومَنْ عجزَ عن سورة واحدة، فهُو عن العشرة أعْجَز؟
قلتُ: قد قال بعضهم: إن سورة هود نزلَتْ قبل سورة يونس، وأنه تحدَّاهم أوَّلًا بعشر سور، فلما عجزوا تحداهم بسورة يونس، وأنكر المُبرِّد هذا القول، وقال: إن سورةَ يُونُسَ نَزَلَتْ أوَّلًا. قالَ: ومعنى قولِه في سورة يونس: ﴿فَأْتُوا
стр. 5515
بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ يعني مثله في الإخبار عن الغيب، والأحكام، والوعد، والوعيد، وقولُه في سورة هود: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ يعني مجرَّدَ الفصاحة، والبلاغة من غير إخبارٍ عن غيبٍ، ولا ذِكرِ حكم، ولا وعد، ولا وعيد،
١٥ - ثم إنَّ اللَّهَ توعَّدَ مَنْ كَانَ مقصورَ الهمة على الدنيا، لا يطلُب غَيْرَها, ولا يريد سِوَاها فقال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾ بعمله الذي يَعْمَلَهُ من أعمال البر والخير من العبادات، وإيصال المنفعة إلى الحيوانات ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: التمتعَ بلذاتها من طعام وشراب ﴿وَزِينَتَهَا﴾؛ أي: ما يَتَزَيَّن به فيها من اللباس والأثاث، والرياش، والأموال، والأولاد دُونَ استعدادٍ للحياة الآخرة ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾؛ أي: نُؤدِّ إليهم جزاءَ أعمالهم، وثمراتها فيها، وافيةً تامَّةً بحسب إرادتنا، وسُنَّتِنَا في الأسباب؛ أي: نوصل إليهم ثمرات أعمالهم في الحياة الدنيا، كاملةً ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم في الحياة الدنيا: لا يُنْقَصون من جزاءِ أعمالهم نقصًا كليًّا، ولا يحرمون من ذلك حرمانًا كليًّا، لأجل كفرهم إذ مدار الأرزاق فيها على الأعمال، لا على النيات، والمقاصد، وإن كانَ لهداية الدينِ أثر في ذلكَ كالاستقامة، والصدقِ واجتنابِ الخيانةِ والزور، والغش، وغير ذلك، وذلكَ الجزاء هو: ما يرزقون فيها من الصّحَّةِ، والرياسة، وسعة الرّزق، وكثرة الأولاد ونحو ذلك.
والخلاصة: أَنَّ جزاءَ الأعمال في الدنيا مَنُوطٌ بأمرَين: كسب الإنسان، وقضاءِ الله، وقدره به، وأمَّا جزاءُ الآخرة فهو بفعلِ الله تعالى بلا وساطةِ أحد، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.
﴿وَهُمْ﴾؛ أي: هؤلاء المريدون بأعمالهم الدنيا هم ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الدنيا ﴿لَا يُبْخَسُونَ﴾؛ أي: لا ينقصون منْ جزائهم فيها بحسب أعمالهم لها، وذلك في الغالب، وليس بمطرد، بل إن قَضَتْ به مشيئتُهُ سبحانه ورجَّحَتْهُ حكمتُه البالغةُ، وقال (١) القاضي: معنى الآية مَنْ كانَ يريد بعمل الخيرِ الحياةَ الدنيا، وزينتَهَا نوف إليهم أعمالهم، وافيةً كاملةً من غير بخس في الدنيا، وهو ما ينالون فيها من
стр. 5516
الصحة، والكفاف، وسائر اللذات، والمنافع، فخص الجزاءَ بمثل ما ذكره، وهو حاصلٌ لكل عامل للدنيا, ولو كانَ قليلًا يسيرًا
١٦ - ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين لا هَمَّ لهم إلا الدنيا، وزينتَها الموفون فيها جزاءَ أعمالهم هم ﴿الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ بسبب هذه الأعمال الفاسدة المقرونةِ بالرياء؛ لأنَّ الجزاءَ فيها على الأعمالِ كالجزاءِ في الدنيا، وهم لم يعملوا للآخرة شيئًا، فإنَّ العمل لَهَا يكون بتزكية النفس بالإيمان، وعمل الفضائل، وبالتقوى باجتناب المعاصي، والرذائل، وما صَنَعُوه فيها مِمَّا ظاهِرُه البرُّ والإحسان كالصدقة، وصلة الرحم، ونحو ذلك، لم يكن تزكيةً لأنفسهم تُقربُهم إلى ربهم بَلْ كانَ لأغراض نفسية من شهواتهم كالرياء، والسمعة، والاعتزاز بذوي القرابة على الأعداء، ولو بالباطل فلا أجْرَ له فيها، وقد انقطع أثرهُ الدنيويُّ.
﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا﴾؛ أي: ظهر حُبوطُ ما صنعوه من الأعمال التي كانت صُورَتُها صورةَ الطاعات الموجبة للجزاء الأخروي، لولا أنهم أفسَدُوها بفساد مقاصدهم، وعدم الخلوص فيها، وعدم إرادة ما عند الله في دار الجزاء، بل قَصَرُوا ذَلك على الدنيا وزينتها؛ أي: ظَهَر حبوطُه وبُطْلانهُ ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الآخرة، إن قلنا: إن الجار والمجرور متعلق بـ ﴿حبط﴾ فالضميرُ عائد إلى ﴿الْآخِرَةِ﴾ وإن تعلق بـ ﴿صَنَعُوا﴾ فهو عائد إلى ﴿الدُّنْيَا﴾ ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: إنه كان عملهم في نفسه باطلًا غيرَ معتد به, لأنه لم يعمل لوجه صحيح يوجب الجزاءَ ويترتَّبَ عليه ما يترتَّبُ على العمل الصحيح.
فصل
ويندرج في عموم الآية (١) المُراؤون من أهل القبلة، كما ترى أحدَهم إذا صلّى إمامًا يتنغم بألفاظ القرآن، ويُرتِّلِهُ أحسنَ ترتيل، ويُطيل ركوعَه وسجُودَه، ويتباكَى في قراءته، وإذا صَلّى وَحْدَهُ اختلسها اختلاسًا، وإذا تصدَّقَ أظهَرَ صدقتَه أمَامَ مَنْ يثني عليه، ودَفَعها لمن لا يستحقها، حتى يُثْنِي عليه الناسُ، وأهلُ
стр. 5517
الرباط المتصدق عليهم، وأين هذا من رجل يتصدَّقُ خفيةً، وعلى مَنْ لا يعرفه، كما جاء في السبعة الذين يُظلهم الله في ظله يوم لا ظِلَّ إلّا ظِلُّه "ورجلٌ تصدَّق بصدقة، فأخفاها حتى لا تَعلم شماله ما تنفق يمينه"، وهذه مبالغة في إخفاء الصدقة جدًّا، وإذا تعلَّم علمًا راءى به، وتبجَّح، وطلَبَ بمعظمه يسيرَ حطام من عرض الدنيا، وقد فَشَا الرياء في هذه الأمة فشوًا كثيرًا، حتى لا تكادُ تَرَى مخلصًا لله لا في قول، ولا في فعل، فهؤلاء من أولِ من تسعَّر بهم النار يوم القيامة، والعياذُ بالله تعالى، والرياءُ هو أن يُظْهِرَ الإنسانُ الأعمالَ الصالحةَ ليحمده الناس عليها، أو ليَعْتَقِدُوا فيه الصلاحَ، أو ليقصدوه بالعطاءِ، فهذا العملُ هو الذي لغير الله تعالى، نعوذ بالله تعالى من الخذلان، اهـ من "الخازن".
وقرأ الجمهور (١): ﴿نُوَفِّ﴾ بنون العظمة، وقرأ طلحة بن ميمون: ﴿يُوفِّ﴾ بالياء على الغيبة، وقرأ زيد بن علي: ﴿يُوفِ﴾ مخففًا مضارعُ أوفى، وقرىء: ﴿تُوف﴾ بالتاء مبنيًّا للمفعول، و ﴿أعمالهم﴾ بالرفع، وهو على هذه القراءات مجزوم جوابَ الشرط كما انجزم في قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾.
وقرأ الحسن: ﴿نُوفي﴾ بالتخفيف وإثبات الياء، فاحتمل أن يكون مجزومًا بحذف الحركة المقدرة على لغة مَنْ قال:
أَلَمْ يَأتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِيْ
وهي لغةٌ لبعض العرب، واحتملَ أن يكونَ مرفوعًا.
وقرأ زيد بن علي: ﴿وَبَطَلَ﴾ جعلَه فعلًا ماضيًا، وقرأ أُبيٌّ وابن مسعود، و ﴿باطلًا﴾ بالنصب، وخرَّجه صاحب "اللوامح" على أنه مفعول لـ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ فهو معمولُ خبر ﴿كَانَ﴾ متقدمًا، و ﴿ما﴾ زائدة؛ أي: وكانوا يعملون باطلًا، وفي جواز هذا التركيب خلافٌ بَيْنَ النحويين، وهو أن يتقدَّم معمول الخبر على الجملة بأسرها مِنْ كَانَ واسمها وخبرها، ويشهد للجواز قوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا
стр. 5518
يَعْبُدُونَ﴾ ومَنْ مَنَعَ تأَوَّل، ذكره أبو حيان.
١٧ - ثُمَّ ذكر الله أنَّ بين مَنْ كان طالبًا للدنيا فقط، ومن كانَ طالبًا لِلآخرة تفاوتًا عظيمًا، وتباينًا بعيدًا فقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ و (الهمزة) فيه للاستفهام الإنكاري داخلةٌ على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أجَهِلتُم وتَعَامَيْتُم عن الحق فَمَنْ كان على بينة ومعجزة، وبيان وبرهان من ربه، والمراد بالبينة: القرآن، وهو النبي ﷺ والمؤمنون فـ ﴿مَن﴾ مبتدأ خبره محذوف تقديره؛ أي: أفمن كان على برهان من ربه، كمن هو في كفر وضلالة، وجواب الاستفهام محذوف أيضًا، تقديره: لا يستويان، وقد صرَّحَ بهذين المحذوفين في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ وقوله: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ معطوف على جملة الصلة، والضميرُ في ﴿يتلوه﴾ عائد على ﴿مَن﴾ وكذلك الضمير في قوله الآتي ﴿من قبله﴾ كما في "الصاوي"، أي أفمن كانَ على بيان وبرهان من ربه ويتلوه؛ أي: ويتبعه ويصدِّقه، ويقَوِّيه شاهد منه؛ أي: من الله تعالى، وهو جبريل كمن ليس كذلك وقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ حال من ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ وهو معطوف على ﴿شَاهِدٌ﴾ وقوله: ﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ حالانِ أيضًا من ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ والتقدير: أفمَن كانَ على بيان وبرهان وحجة من ربه، ويتلوه ويتبَعُه ويصدِّقُه، ويقويه شاهد منه تعالى, يشهدُ بصدقه، وهو جبريل، ويتلوه ويتبعه، ويُوافقه كتاب موسى، فيما يدَّعِيه من التوحيد حالَ كون كتاب موسَى كائنًا من قبله، وحالةَ كَوْن كتابه إمامًا يقتدَى به في الدين، وحالةَ كونه رحمةً لمن آمن به من بني إسرائيل؛ لأنه يهدي إلى الحق في الدين والدنيا، كمَنْ ليسَ كذلك لا يستويان فبينهما بون بائن وفرق فارق.
وقرأ محمَّد بن السائب الكلبيُّ وغيره (١): ﴿كتابَ موسى﴾ بالنصب عطفًا على مفعول ﴿يتلوه﴾ أو بإضمار فعل، فالضمير في ﴿يتلوه﴾ حينئذ عائدٌ على بينة، بمعنى القرآن؛ أي: ويتلو القرآن، وكتاب موسى شاهدٌ منه تعالى، وإنما خَصَّ كتاب موسى بالذكر دونَ كتاب عيسى؛ لأنَّ أهلَ الملتين اليهودَ،
стр. 5519
والنصارى، متوافقان على أنَّ التوراةَ مِن عند الله تعالى بخلاف الإنجيل؛ لأنَّ اليهودَ تُخالِفُ فيه، فكان الاستشهادُ بما تَقُومُ به الحجة على الفريقين أولى.
وأعرب البيضاوي ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾ مبتدأ والجار والمجرور خبرًا.
والمعنى (١): أفمن كان على نور، وبصيرة في دينهِ، ويؤيده نُورٌ غيبيٌّ يشهدُ بصحته، وهو القرآن المشرِق النور والهدي ويؤيده شاهدٌ آخرَ جاء مِنْ قبله، وهو الكتاب الذي أنزل على موسى ﵇، حالَ كونه إمامًا متَّبعًا في الهدى والتشريع، ورحمةً لِمَنْ آمن، وعَمِلَ به مِن بني إسرائيل وشهادةُ موسى لهذا النبي الكريم شهادةُ مقال بالبشارة بنبوته، وشهادة حال، وهي التشابه بين رسالتَيْهما؛ أي: أفمن كان على هذه الأوصاف كمَنْ يريد الحياة الدنيا الفانيةَ وزينتَها الموقوتة ويظل محرومًا من الحياة العقلية، والروحية التي تُوصِل إلى سعادة الآخرة الباقية ونحو الآية قوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾.
وإجمالُ المعنى (٢): أفمن كانَ كاملَ الفطرة، والعقل، وعَرَفَ حقيقةَ الوحي، وهو القرآن، وما فيه من نور وهداية وعرَف تأييدَه بالوحي السابق الذي اهتدى به بنو إسرائيل، فتظاهرت لدَيْه الحججُ الثلاثُ في الهداية كمال الفطرة، ونور القرآن، والوحي الذي أنزل على موسى كمَنْ حُرِم من ذلك، وكان هَمُّه مقصورًا على الحياة الفانية ولذاتِها.
والإشارةُ بقوله (٣): ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى المتصفينَ بتلكَ الصِّفَةِ الفاضلةِ، وهو الكون على البينة من الله، واسم الإشارة مبتدأ، وخبره ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي: يصدقون بالقرآن، أو بالنبي ﷺ ؛ أي (٤): أولئك الذين جمعوا بين البينة الوهبية، والبينة الكسبية النقلية، يؤمنون بهذا القرآن إيمان يقين، وإذعان على علم بما فيه من الهدى، والفرقان، فيجزمون بأنه ليس بالمفترى من دون الله، ولم يكن من شأنه أن يكون كذلك.
стр. 5520
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾؛ أي: ومن يكفر بهذا القرآن فيَجْحَدُ أنه من عند الله ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾؛ أي: ممن تحزّبوا، وتجمَّعوا من أهل مكة، وزُعماء قريش للصدِّ عنه، قال مقاتل: هم بَنُو أمية، وبنو المغيرة بن عبد الله المخزومي، وآلُ طلحة بن عُبيد الله، وقيل: من (١) جميع الكفار وأصحاب الأديان المختلفة، فتدخلُ فيه اليهودُ والنصارَى، والمجوس وعبدة الأوثان، وغيرهم، والأحزاب هم الفرق الذين تحزَّبوا، وتجمَّعوا، واتفقُوا على مخالفة الأنبياء ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾؛ أي: مكان وعده في الآخرة، ومصيرُهُ وموردُه يَرِدُها لا محالةَ، وهي التي فيها ما لا يوصف من أفانين العذاب، فإنه يصير إلى جهنم من جَرَّاء تكذيبه لوعيده الذي جاء في نحو قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾.
روى البغوي بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسُ محمَّد بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، ولا يهودي، ولا نصراني، ومات، ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار". قال سعيد بن جبير: ما بلغني حديث عن رسول الله ﷺ على وجهه إلَّا وجدت مصداقه في كتاب الله حتى بَلَغني هذا الحديث: "لا يسمع بي أحد من هذه الأمة" الحديثَ، قال سعيد: فقلت: أيْنَ هذا في كتاب الله؟ حتَّى أتيت على هذه الآية: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾ إلى قوله : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ قال: فالأحزاب أهلُ الملل كلها ﴿فَلَا تَكُ﴾ يا محمَّد ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾؛ أي: في شك ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من القرآن ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ نَزَل به جبريل إن قلنا: إنه متعلق بما قبله من قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ أو المعنى: فلا تكن في شك من أنَّ مصيرَ من كفر بالقرآن النار، إنَّ هذا الوعدَ هو الحق الثابتُ مِمَّن يربيك في دينك ودنياك، إن قلنا: إنه راجع إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ والخطاب في قوله: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ للنبي ﷺ ، والمراد به غيره؛ لأنَّ النبيّ ﷺ لم يشُك قط، وقيل: الخطابُ لكل مكلف؛ أي: فلا تكن (٢) أيها المكلف في شك من أمر هذا القرآن، إنه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين
стр. 5521
يديه، ولا من خلفه، آتيًا من ربك، وخالقِك الذي يربيك بما تكملُ به فطرتُك، ويُوصِلُك إلى سعادَتِك في دنياك، وآخرَتِك، وقرأ الجمهور (١): ﴿في مِرية﴾ بكسر الميم، وهي لغة الحجاز، وقرأ السلمي، وأبو رجاء، وأبو الخطاب السدوسي، والحسن بضمها، وهي: لغة أسد، وتميم.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بذلك مع وجوب الإيمان به، وظهور الدلائل الموجبة له، ولكنهم يعاندون مع علمهم بكونه حقًّا، أو قد طبع على قلوبهم، فلا يفهمون أنه الحقّ أصلًا.
أي: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هذا الإيمانَ الكامِل، أمَّا المشركون منهم، فلاستكبار زُعمائهم، ورؤسائهم وتقليد مرؤوسيهم، وعامتهم لهم وأما أهل الكتاب .. فلتحريفِهم دينَ أنبيائهم، وابتداعهم فيه.
الإعراب
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿مَا﴾ نافية ﴿مِن﴾ زائدة ﴿دَابَّةٍ﴾ مبتدأ أول ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿دَابَّةٍ﴾، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ جار ومجرور خبر مقدم ﴿رِزْقُهَا﴾ مبتدأ ثان مؤخر، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، والجملة من المبتدأ الأول، وخبره مستأنفة ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ فعل ومفعول ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ معطوف عليه وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة المبتدأ الثاني على كونَها خبرًا للأول، ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ، وسوَّغ الابتداء بالنكرة نِيَّةُ الإضافة فيه، والمضاف إليه محذوف، تقديره: كل ما ذكر من الدابة، ورزقها، ومستقرها، ومستودعها ﴿فِي كِتَابٍ﴾ خبر المبتدأ ﴿مُبِينٍ﴾ صفة لـ ﴿كِتَابٍ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة مقررة لما قبلها.
стр. 5522
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ فعل ومفعول ﴿وَالْأَرْضَ﴾ معطوف عليه وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾ ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ﴾ فعل ناقص واسمه ﴿عَلَى الْمَاءِ﴾ خبره، وجملة ﴿كَانَ﴾ معطوفة على جملة ﴿خَلَقَ﴾ على كونها صلةَ الموصول ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل ﴿يبلوكم﴾ فعل ومفعول منصوب بأن مضمرةً جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لبلائكم، واختباركم الجار والمجرور متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾ ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ﴾ مبتدأ، وخبر ﴿عَمَلًا﴾ تمييز محول عن المبتدأ منصوب باسم التفضيل، والجملة (١) الاسمية في محل النصب معمولة لـ ﴿يبلوكم﴾ علق عنها باسم الاستفهام. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز تعليق فعل البلوى؟ قلت: لما في الاختبار من معنى العلم, لأنه طريق إليه، فهو ملابس له، اهـ "سمين" ﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿قُلْتَ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعلَ شرط لها ﴿إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ ناصب واسمه وخبره والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿مَبْعُوثُونَ﴾. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ ﴿اللام﴾ موطئة للقسم مؤكدة للام القسم الأولى ﴿يقولن الذين﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب القسم لا محلَّ لها من الإعراب، وجواب الشرط محذوف دلَّ عليه جواب القسم تقديره، وإن قلت: إنكم مبعوثون يقول الذين كفروا، وجملة الشرط مع جوابه، وكذلك جملة القسم مع جوابه مستأنفة، ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل صلةُ الموصول ﴿إِنْ﴾ نافية لا عمل لها لانتقاض نفيها بـ ﴿إلا﴾. ﴿هَذَا﴾ مبتدأ ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿سِحْرٌ﴾ خبر المبتدأ
стр. 5523
﴿مُبِينٌ﴾ صفة لـ ﴿سِحْرٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول القول.
﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿أَخَّرْنَا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونِه فعلَ شرط لها ﴿عَنْهُمُ﴾ متعلق به ﴿الْعَذَابَ﴾ مفعول به ﴿إِلَى أُمَّةٍ﴾ متعلق بـ ﴿أَخَّرْنَا﴾ ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ صفة لـ ﴿أُمَّةٍ﴾ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ ﴿اللام﴾ موطئة للقسم، مؤكدة للأولى ﴿يقولن﴾ فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال؛ لأن أصلَه ليقولونن، وواو الجماعة المحذوفة، لالتقاء الساكنين في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية جوابُ القسم لا محلَّ لها من الإعراب، وجوابُ الشرط محذوف لِدلالةِ جواب القسم عليه، تقديره: وإن أخرنا عنهم العذاب .. يقولون ما يحبسه، وجملة الشرط مع جوابه، وكذلك جملة القسم معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ﴾ و ﴿يقولن﴾ بضم اللام هنا معرب بالنون المحذوفة لالتقاء الساكنين، وإنما أعرب مع نون التوكيد لانفصالها بالواو في التقدير، وإن بَاشَرَتْ في اللفظ، وشرط بناء الفعل معها مباشرتها فيهما، وهذا بخلاف ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ المتقدم فإنه مبني لمباشرة النون في اللفظ والتقدير كما سيأتي بيان إعلاله في مباحث الصرف، ﴿مَا﴾ استفهامية في محل الرفع مبتدأ ﴿يَحْبِسُهُ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ما الاستفهامية، والضمير المنصوب يعود على ﴿الْعَذَابَ﴾ والمعنى: أي شيء من الأشياء يحبس العذاب، ويمنعه من الوقوع؟ وهذا الاستفهام على سبيل الاستهزاء، والسخرية، وجملة ﴿يَحْبِسُهُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿مَا﴾ الاستفهامية، والجملة الاسمية في محل النصب مقول القول ﴿أَلَا﴾ حرف استفتاح داخلة على ﴿لَيْسَ﴾ في المعنى ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بـ ﴿مَصْرُوفًا﴾ ﴿يَأْتِيهِمْ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿الْعَذَابَ﴾، والجملة في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿لَيْسَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿الْعَذَابَ﴾. ﴿مَصْرُوفًا﴾ خبر ﴿لَيْسَ﴾ والتقدير:
стр. 5524
ألا ليس هو؛ أي: العذاب مصروفًا عنهم يوم يأتيهم العذاب، وجملة ﴿لَيْسَ﴾. مستأنفة ﴿عَنْهُمْ﴾ متعلقان بـ ﴿مصروفا﴾ ﴿وَحَاقَ﴾ فعل ماض ﴿بِهِم﴾ متعلق به ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿لَيْسَ﴾ ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص، واسمه ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وجملة ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط ضمير ﴿بِهِ﴾.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩)﴾.
﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية (اللام) موطئة للقسم (إن) حرف شرط ﴿أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول في محل الجزم بـ (إن) على كونه فعلَ شرط لها ﴿مِنَّا﴾ حال من ﴿رَحْمَةً﴾ لأنه صفة نكرة، قدمت عليها ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول ثان ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف ﴿نَزَعْنَاهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿مِنْهُ﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَذَقْنَا﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿لَيَئُوسٌ﴾ (اللام) حرف ابتداء ﴿يئوس﴾ خبره ﴿كَفُورٌ﴾ صفة ﴿يئوس﴾ أو خبر ثان لـ (إن) وجملة (إن) جواب القسم لا محلَّ لها من الإعراب، وجواب الشرط محذوف، دلّ عليه جواب القسم، تقديره: فهو يؤوس كفور، وجملة الشرط مع جوابه، وجملة القسم مع جوابه مستأنفة، لا محلَّ لها من الإعراب.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾.
﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة (اللام) موطئة للقسم (إن) حرف شرط ﴿أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ﴾ فعل وفاعل ومفعولان في محل الجزم بـ (إن) الشرطية ﴿بَعْدَ ضَرَّاءَ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَذَقْنَاهُ﴾. ﴿مَسَّتْهُ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿ضَرَّاءَ﴾، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿ضَرَّاءَ﴾ ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ (اللام) موطئة للقسم مؤكدة للأولى، ﴿يقولن﴾ فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله ضمير يعود على الإنسان، والجملة جوابُ
стр. 5525
القسم لا محلَّ لها من الإعراب، وجواب الشرط محذوف تقديره: وإن أذقناه نعماء .. يقول: وجملة الشرط مع جوابه، وكذا القسم مع جوابه معطوفة على جملة، قوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾، ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ﴾ فعل وفاعل ﴿عَنِّي﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه، ﴿لَفَرِحٌ﴾ خبره ﴿فَخُورٌ﴾ صفة ﴿فرح﴾ أو خبر ثان، وجملة (إنَّ) مستأنفة مسوقة لتعليل القول.
﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾.
﴿إِلَّا﴾ أداةُ استثناء ﴿الَّذِينَ﴾ مستثنًى (١) متصل في محل النصب، والمستثنى منه الإنسان، وقيل: الاستثناء منقطع، و ﴿إِلَّا﴾ بمعنى (لكن) الاستدراكية ﴿الَّذِينَ﴾ في محل الرفع مبتدأ أول، ﴿صَبَرُوا﴾ فعل وفاعل، صلة الموصول ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فعل وفاعل، ومفعول معطوف على ﴿صَبَرُوا﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ثان، ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ مبتدأ ثالث ﴿وَأَجْرٌ﴾ معطوف على ﴿مَغْفِرَةٌ﴾، ﴿كَبِيرٌ﴾ صفة ﴿أَجْرٌ﴾ والجملة من المبتدأ الثالث، وخبره خبر للمبتدأ الثاني، والجملة من الثاني وخبره خبر للأول، والجملة من الأول، وخبره جملة استدراكية لا محلَّ لها من الإعراب، وفي "السمين" قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه منصوب على الاستثناء المتصل، إذ المراد بالإنسان الجنس، لا واحد بعينه.
والثاني: أنه منقطع، إذ المراد بالإنسان شخص معين، وهو على هذين الوجهين، منصوب المحل.
والثالث: أنه مبتدأ، والخبر الجملة من قوله ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ وهو منقطع أيضًا اهـ.
стр. 5526
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾.
﴿فَلَعَلَّكَ﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿لعل﴾ حرف ترج ونصب ﴿والكاف﴾ في محل النصب اسمها ﴿تَارِكٌ﴾ خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة، و ﴿تَارِكٌ﴾ اسم فاعل يعمل عمل الفعل الصحيح، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على محمَّد، ﴿بَعْضَ مَا﴾ مفعول، ومضاف إليه ﴿يُوحَى﴾ فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق به، وجملة ﴿يُوحَى﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، ﴿وَضَائِقٌ﴾ معطوف على ﴿تَارِكٌ﴾، ﴿بِهِ﴾ متعلق به ﴿صَدْرُكَ﴾ فاعل ﴿ضائق﴾، ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ ناصب وفعل وفاعل، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة المصدر المقدر إليه، تقديره: مخافةَ قولهم، أو كراهيةَ قولهم، والمصدر المقدر معلل لـ ﴿تَارِكٌ﴾، و ﴿ضائق﴾، ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَوْلَا﴾ حرف تحضيض بمعنى هلا ﴿أُنْزِلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق به ﴿كَنْزٌ﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول القول، ﴿أَوْ﴾ حرف عطف ﴿جَاءَ﴾ فعل ماض ﴿مَعَهُ﴾ متعلق به ﴿مَلَكٌ﴾ فاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أُنزِلَ﴾، ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر ﴿أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ مبتدأ وخبر والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿وَكِيلٌ﴾، ﴿وَكِيلٌ﴾ خبر عن الجلالة، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾.
﴿أَمْ﴾ منقطعة مقدرة بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الإنكار ﴿يَقُولُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿افْتَرَاهُ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضير يعود على محمد، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على
стр. 5527
محمَّد، والجملة مستأنفة ﴿فَأْتُوا﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: (الفاء) رابطة لجواب شرط محذوف، تقديره: إن كان الأمر كذلك ﴿ائتوا﴾ فعل وفاعل ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجزم بالشرط المحذوف، وجملة الشرط المحذوف في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿مِثْلِهِ﴾ صفة أولى لـ ﴿عشر﴾ لأنه في تأويل مماثلة إياها ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾ صفة ثانية ﴿وَادْعُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿فَأْتُوا﴾، ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿وَادْعُوا﴾، ﴿اسْتَطَعْتُمْ﴾ فعل وفاعل والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: من استطعتموه ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه حال من ﴿من﴾ الموصولة ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ جازم وفعل ناقص واسمه ﴿صَادِقِينَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ في محل الجزم بـ (إن) الشرطية، وجوابها محذوف معلوم مما قبلها، تقديره: إن كنتم صادقين في دعواكم فادعوهم، وجملة إن الشرطية في محل النصب مقول القول.
﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾.
﴿فَإِلَّمْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم، ما قلت لكم من دعوة من يساعدكم، وأردتم بيان ما هو الأصلَح، إن لم يجيبوا لكم .. فأقول لكم: إن لم يستجيبوا لكم ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿لَّمْ﴾ حرف جزم ﴿يَسْتَجِيبُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَّمْ﴾، ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به، والجملة في محل الجزم بـ (إن) الشرطية على كونها فعل شرط لها ﴿فَاعْلَمُوا﴾ (الفاء) رابطة لجواب (إن) الشرطية وجوبًا ﴿اعلموا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجزم بـ (إن) الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة (إن) الشرطية في محل النصب مقول لجواب (إذا) المقدرة ﴿أَنَّمَا﴾ (أنَّ) حرف نصب ومصدر، ولكن بطل عملها لدخول (ما) الكافة عليها, ولذلك دخلت على الجملة الفعلية (ما) كافة لكفها ما قبلها عن العمل فيما بعدها، ﴿أُنْزِلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على القرآن ﴿بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه حال من
стр. 5528
الضمير المستتر في ﴿أُنْزِلَ﴾؛ أي: حالةَ كونه ملتبسًا بعلم الله وقضائه، والجملة الفعلية في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم؛ أي: فاعلموا إنزالَ الله إياه بعلمه، ﴿وَأَنْ لَا﴾ (الواو) عاطفة (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن أي وأنه (لا) نافية تعمل عمل (إنَّ)، ﴿إِلَهَ﴾ في محل النصب اسمها، وخبر (لا) محذوف تقديره: وأنه لا إله موجود ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿هُوَ﴾ ضمير للمفرد المنزه في محل الرفع بدل من الضمير المستكن في خبر (لا) وجملة (لا) في محل الرفع خبر لـ (أن) المخففة، وجملة (أن) المخففة في تأويل مصدر معطوف على مصدر منسبك من الجملة التي قبلها، تقديره: واعلموا عدمَ وجودِ إله إلا هو ﴿فَهَلْ﴾ (الفاء) حرف عطف وتفريع (هل) حرف للاستفهام الطلبي المضمن للأمر ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ ﴿مُسْلِمُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة مفرعة على جملة ﴿فَاعْلَمُوا﴾.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾.
﴿مَن﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما على الخلاف في محله ﴿كاَنَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونها فِعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على ﴿مَن﴾، ﴿يُرِيدُ الْحَيَاةَ﴾ فعل ومفعول ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة لـ ﴿الْحَيَاةَ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ وجملة ﴿يُرِيدُ﴾ في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾؛ أي: من كان مريدًا الحياةَ الدنيا ﴿وَزِينَتَهَا﴾ معطوف على ﴿الْحَيَاةَ﴾، ﴿نُوَفِّ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متعلق به ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ مفعول به ﴿فِيهَا﴾ متعلق به أيضًا، وجملة (من) الشرطية مستأنفة، ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ ﴿فِيهَا﴾ متعلق بما بعده، وجملة ﴿لَا يُبْخَسُونَ﴾ خبر المبتدأ والجملة الاسمية في محل النصب حال من ضمير ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، ﴿لَيْسَ﴾ فعل ماض ناقص ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم
стр. 5529
لـ ﴿لَيْسَ﴾، ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ متعلق بالاستقرار، الذي تعلق به الخبر ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿النَّارُ﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، والتقدير ﴿لَيْسَ﴾ كائنًا لهم في الآخرة إلا النار، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ صلة الموصول، ﴿وَحَبِطَ﴾ فعل ماض ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل الرفع فاعل لـ (حبط) والجملة معطوفة على جملة ﴿لَيْسَ﴾، ﴿صَنَعُوا﴾ فعل وفاعل ﴿فِيهَا﴾ متعلق به، والجملة صلة لـ (ما) أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف، تقديره: ما صنعوه فيها، ﴿وَبَاطِلٌ﴾ خبر مقدم ﴿مَا﴾ موصولة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَيْسَ﴾، ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص، واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة (ما) الموصولة، والعائد محذوف تقديره ما يعملونه.
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾.
﴿أَفَمَنْ﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و (الفاء) عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أجهلتم أيها المشركون حَقِيَّةَ ما عليه محمَّد وأصحابه، فمن كان على بينة من ربه، كمن ليس على ذلك (من) اسم موصول، في محل الرفع مبتدأ ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على (من) ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ جار ومجرور خبر ﴿كاَنَ﴾، ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ صفة لـ ﴿بَيِّنَةٍ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة الموصول، وخبر المبتدأ محذوف تقديره: كمن ليس على ذلك، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة المحذوفة، وجواب الاستفهام محذوف أيضًا، تقديره: لا يستويان كما مر في مبحث التفسير، ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ﴾ فعل ومفعول وفاعل معطوف على جملة ﴿كَانَ﴾، ﴿مِنْهُ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿شَاهِدٌ﴾، ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ جار ومجرور حال من ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾، ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ معطوف على ﴿شَاهِدٌ﴾، والتقدير: ويتلوه كتاب موسى حالةَ كونِه كائِنًا قبلَه ﴿إِمَامًا﴾ حال ثانية من ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾، ﴿وَرَحْمَةً﴾ معطوف على ﴿إِمَامًا﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ خبره، ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَمَن﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿مَن﴾ اسم شرط في
стр. 5530
محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب ﴿يَكْفُرْ﴾ فعل مضارع مجزوم على كونه فِعْلَ شرط لـ ﴿مَن﴾. ﴿بِهِ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿يَكْفُرْ﴾. ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب، والجملة الاسمية في محل الجزم جواب مَن الشرطية، وجملة مَن الشرطية مستأنفة.
﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿فَلَا﴾ (الفاء) فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما قلته وأردت بيان ما هو الأصلح اللازمُ لك .. فأقول لك ﴿لا تك في مرية منه﴾ ﴿لاَ﴾ ناهية جازمة ﴿تَكُ﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم بـ (لا) الناهية، واسمها ضمير يعود على محمَّد، أو على أيِّ مخاطب ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ جار ومجرور خبرها ﴿مِنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿مِرْيَةٍ﴾، وجملة تكون في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ﴾ ناصب، واسمه، وخبره، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ جار ومجرور، حال من ﴿الْحَقُّ﴾، ﴿وَلَكِنَّ﴾ (الواو) عاطفة ﴿لكنَّ﴾ حرف نصب واستدراك ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ اسم ﴿لكنَّ﴾ ومضاف إليه، وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبر ﴿لكنَّ﴾، وجملة ﴿لكنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إن﴾ على كونها مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ والدابة (١) اسم لكلِّ نسمة حية تدب على الأرض، زحفًا أو على قوائم اثنين فأكثر، وغلبَ عُرْفًا على ما يركب من الخيل، والبغال، والحمير، والدبُّ، والدبيب الانتقال الخفيف البطيء، كدبيب الطفل، والشيخ المسن، والعقرب. وفي "المصباح": دَبَّ الصغيرُ يدبُّ من باب: ضَرَب إذا مشى ودَبَّ الجيشُ دبيبًا أيضًا إذا سارُوا سيرًا لينًا، وكل حيوان في الأرض دابَّةً. اهـ ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ والمرادُ به ما يقوم به رَمقُها وتَعِيش به. "الكرخي".
стр. 5531
﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ والمستقر مكانُ الاستقرار من الأرض، والمستودع حيث كانَ مودَعًا قبل الاستقرار في صلب أو رَحم أو بيضة، ويجوز (١) أن يكونَا مصدرين؛ أي: استقرارَها واستيداعَها، ويجوز أن يكونَ مستودَعها اسم مفعول ليتَعدَّى فعله، ولا يجوز ذلك في مستقر لأنَّ فعله لازمٌ، اهـ "سمين". وفي "البيضاوي": ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ أي: أماكنها في الحياة، وفي الممات، أو الأصلاب والأرحام، أو مساكنها من الأرض، حيث وجدَت بالفعل، ومُودَعَها من الموادِّ، والمقار حيث كانَت بعد بالقوة، اهـ. وقوله: من المواد كالمني والعَلقَةِ، والمَقارُّ كالصلب، والرحم، وقولُه: بعد؛ أي: بعد أنْ لم تكن شيئًا، اهـ "زكريا".
﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ والعرش مركز نظام الملك، ومصدرُ التدبير، والبلاء: الاختبار، والامتحان من بلاه يَبْلوه بلوى كدَعَا يدعو دَعْوَى وهو ناقص وَاوِيٌّ.
﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ الأمَّةُ في الأصل الجماعة، والطائفة من الناس من نوع واحد، أو دين واحد، أو ملة واحد، والمراد بها هنا: الطائفة، أو المدة من الزمن، قال القرطبي: الأمة: اسم مشترك يطلق على ثمانية أوجه: الجماعة، والملة، والرجل الجامع للخير، والحين، والزمن، وأتباع الأنبياء ... الخ. ﴿مَعْدُودَةٍ﴾؛ أي: قليلة، إذ الحصر بالعد يشعر بالقلة ﴿مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾؛ أي: مدفوعًا ومحبوسًا ﴿وَحَاقَ﴾ نزَلَ وأحاطَ.
﴿لَيَقُولُنَّ﴾ وفي "السمين" قولُه ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ هذا الفعلُ معرب على المشهور لأنَّ النون مفصولة تقديرًا إذ الأصلُ ليقولونن (النون) الأولى للرفع وبعدها نون مشددة، فاستثقل توالي الأمثال، فحذفت نون الرفع, لأنها لا تدل من المعنى على ما تدل عليه نُونُ التوكيد، فالتقى ساكنان، فحذفت الواو التي هي ضمير الفعل، لالتقائها ساكنة مع النون، اهـ.
стр. 5532
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)﴾ الإذاقة هنا: الإعطاء القليل، والنزع، والسلب، والحرمان، واليؤوس: شديدُ اليأس من عود تلك النعمة، والكفور، كثيرُ الكفران، والجحود لما سلف عليه من النعم، والنعماء، والنعمةُ والنعمى الخير، والمنفعة، ويقابلها الضراء، والضر ﴿فرح﴾ بطر مغتر بهذه النعمة، ﴿فَخُورٌ﴾ أي: متعاظم على الناس بما أوتي من النعم، مشغولُ بذلك عن القيام بشكرها.
وفي "الشوكاني": والنعماء: إنعام يظهر أثَرَهُ على صاحبه، والضراءُ ظهورُ أثر الإضرار على من أصيب به، اهـ.
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ لعل هنا: للاستفهام الإنكاري الذي يفيد النهي مع الاستبعاد،؛ أي: لا تترك تبليغَ بعض ما أوحي إليك، ولا يَضِقْ به صدرُك، والتركُ، والضيقُ مستبعدان منك، وضيقُ الصدر يراد به الغم والحزن وعبر (١) بـ ﴿ضائق﴾ دون ضيِّق للمناسبة في اللفظ مع ﴿تَارِكٌ﴾ وإن كان ضيقٌ أكثرَ استعمالًا, لأنه وصف لازم، ﴿وَضَائِقٌ﴾ وصف عارض، وقال الزمخشري: فإن قلت: لِمَ عدَل عن ضيق إلى ﴿ضائق﴾؟
قلتُ: ليدل على أنه ضيقٌ عارض غيرُ ثابت, لأنه ﷺ كان أفسَحَ الناس صدرًا ومثله قولك: سيدٌ، وجوادُ تريد السيادةَ والجُود الثابتَين المستقرين، فإذا أردتَ الحدوثَ، قلت: سائدُ وجائدُ. انتهى ذكره أبو حيان. ﴿كَنْزٌ﴾ والكنزُ ما يدخر من المال في الأرض، وفي "زاده" ﴿كَنْزٌ﴾ أي: مال كثير من شأنه أن يكنز؛ أي: يدفن، اهـ. ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ نعت لـ ﴿سُوَرٍ﴾ و ﴿مثل﴾ وإن كانت بلفظ الإفراد فإنها يوصف بها المثنَّى، والجمع، والمؤنث كقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ وتجوز المطابقة قال تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ﴾، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾، و (الهاء) في ﴿مِثْلِهِ﴾ تعود لـ ﴿مَا يُوحَى﴾ و ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾ صفة لـ ﴿سُوَرٍ﴾ أيضًا، وهي جمع مفتراة كمصطفيات في
стр. 5533
جمع مصطفَاة، فانقلبت الألفُ ياءً كالتثنية، اهـ "سمين".
﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ والوكيل: الرقيب الحفيظ للأمور، الموكل بحراستها ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ والاستجابة للداعي إجابته إلى ما يريد، فالسين والتاء، فيه زائدتان ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ الإسلام، الإذعان، والخضوع، والانقياد ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا ..﴾؛ أي: نُوصل إليهم من وفَّى يوفي توفية ووفاء كزكى يزكي تزكيةً وزكاةً وهو من المضعف الناقص الذي قياس مصدره التفعلة، وهو مجزوم بحذف الياء ﴿لَا يُبْخَسُونَ﴾ لا ينقصون، وإنما (١) عبر عن عدم نقص أعمالهم، بنفي البخس الذي هو نقص الحق مع أنه ليس لهم شائبة حق فيما أوتوه كما عبر عن إعطائه بالتوفية، التي هي إعطاءَ الحقوق مع أن أعمالَهم بمعزل عن كَوْنِها مستوجبةً لذلك، بناءً للأمر على ظاهر الحال، مبالغة في نفي النقص؛ أي: إن كان ذلك ناقصًا لِحُقوقهم فلا يدخل تحت الوقوع، والصدور عن الكريم أصلًا، اهـ "أبو السعود".
﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا﴾؛ أي: فسد وبطل، ولم ينتفعوا به ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ والبينة (٢) ما يتبين به الحق كالبرهان في الأمور العقلية، والنصوص في الأمور النقلية، والتجارب في الأمور الحسية، والشهادة في القضاء ﴿وَيَتْلُوهُ﴾؛ أي: يتبعه ويصدقه ويقويه والشاهد جبريل أو القرآن ﴿إِمَامًا﴾ والإمامُ (٣) هو الذي يُؤتم به في الدين، ويُقتدى به ﴿وَرَحْمَةً﴾ والرحمة النعمة العظيمة التي أنعم الله بها على مَنْ أنزله عليهم، وعلى مَنْ بعدهم باعتبار ما اشتملَ عليه من الأحكام الشرعيةِ المُوافِقَة لحكم القرآن ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ والأحزاب قبائلُ الكفار الذين تحزبوا، واجتمعوا على معاداة النبي ﷺ ومعاندته ﴿مَوْعِدُهُ﴾ اسم مكان من وَعد يعد وعدًا وموعدًا؛ أي: مكان وعده الذي يَصِير إليه، ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ المِرية بكسر الميم، وضمها: الشكُّ، ففيها لغتان: أشهرُهما: الكسرُ، وهي: لغة الحجاز، وبها قرأ جماهيرُ الناس، الثانية: الضم لغةُ أسد وتميم، وبها قرأ
стр. 5534
السلميُّ وأبو رجاء وأبو الخطَّاب والسدوسيّ، اهـ "سمين".
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآياتُ ضروبًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الحصر في قوله ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾.
ومنها: إفادة العموم بحذف المضاف في قوله: ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: كل من الدابة ومستقرها، ومستودعها، ورزقها.
ومنها: الإضافةُ للتشريف في قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.
ومنها: تكريرُ القسم في قوله: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ﴾، ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا﴾، ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا﴾، ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾.
ومنها: الطباق بين: ﴿نَعْمَاءَ﴾ و ﴿ضَرَّاءَ﴾.
ومنها: صيغة المبالغة في قوله: ﴿لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: كالسحر، فالكلام من باب التشبيه البليغ، حيث شَبَّهوا نَفْسَ البعث أو القرآن المتضمن لذكره بالسحر في الخديعة، حيث زعموا أنه إنما ذكر ذلكَ لمنع الناس عن لذات الدنيا، وصَرفِهم إلى الانقياد له، ودخولهم تحت طاعته، أو في البطلان، فإنَّ السحرَ لا شكَّ أنه تمويه، وتخييلٌ بَاطِل، فشبهوا الأمورَ المذكورة من البعث، والحساب، والجزاء في البطلان بالسحر، اهـ "زاده".
ومنها: الاستعارة التصريحيةُ التبعيةُ في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾ لأنّ الذوقَ حقيقة في معرفة طَعْمِ المطعوم باللسان، فهو هنا كناية عن الإعطاء.
ومنها: وصف الأجر بالكبر في قوله: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ للتفخيم، والتعظيم لما احتوى عليه من النعيم السرمدي، ودفع التكاليف، والأمن من عذاب الله، والنظر إلى وجهه الكريم، وفيه أيضًا رعاية الفواصل حيث أتى به، ولم يَقُلْ أجر عظيم.
стр. 5535
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾.
ومنها: الكنايةُ في قوله: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾؛ لأن الضِّيقَ هنا كناية عن الهمِّ والحزن.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿صَدْرُكَ﴾؛ أي: قلبك حيث أطلق المحل، وأراد الحال.
تنبيه: التحدي بعشر سور، جاء بعد التحدي بالقرآن الكريم كله، فلما عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن تحدَّاهم بعشر سور، ثُمَّ لما عجزوا تحداهم بالإتيان بسورة مثله في البلاغة، والفصاحة، والاشتمال على المغيبات، والأحكام التشريعية، وأمثالها، وهي الأنواعُ التسعةُ، وقد نظَمَها بعضُهم بقوله:
أَلاَ إِنَّمْا الْقُرْآنُ تِسْعَةُ أَحْرُفٍ ... سَأُنْبِيْكَهَا فِيْ بَيْتِ شِعْرٍ بَلا مَلَلْ
حَلاَلٌ حَرَامٌ مُحْكمٌ مُتَشَابِهٌ ... بَشِيْرٌ نَذِيْرٌ قِصَّةٌ عِظَةٌ مَثَلْ
ومنها: الحذفُ والزيادة في عدّةِ مواضع.
والله أعلم
* * *