﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ والمستقر مكانُ الاستقرار من الأرض، والمستودع حيث كانَ مودَعًا قبل الاستقرار في صلب أو رَحم أو بيضة، ويجوز (١) أن يكونَا مصدرين؛ أي: استقرارَها واستيداعَها، ويجوز أن يكونَ مستودَعها اسم مفعول ليتَعدَّى فعله، ولا يجوز ذلك في مستقر لأنَّ فعله لازمٌ، اهـ "سمين". وفي "البيضاوي": ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ أي: أماكنها في الحياة، وفي الممات، أو الأصلاب والأرحام، أو مساكنها من الأرض، حيث وجدَت بالفعل، ومُودَعَها من الموادِّ، والمقار حيث كانَت بعد بالقوة، اهـ. وقوله: من المواد كالمني والعَلقَةِ، والمَقارُّ كالصلب، والرحم، وقولُه: بعد؛ أي: بعد أنْ لم تكن شيئًا، اهـ "زكريا".
﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ والعرش مركز نظام الملك، ومصدرُ التدبير، والبلاء: الاختبار، والامتحان من بلاه يَبْلوه بلوى كدَعَا يدعو دَعْوَى وهو ناقص وَاوِيٌّ.
﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ الأمَّةُ في الأصل الجماعة، والطائفة من الناس من نوع واحد، أو دين واحد، أو ملة واحد، والمراد بها هنا: الطائفة، أو المدة من الزمن، قال القرطبي: الأمة: اسم مشترك يطلق على ثمانية أوجه: الجماعة، والملة، والرجل الجامع للخير، والحين، والزمن، وأتباع الأنبياء ... الخ. ﴿مَعْدُودَةٍ﴾؛ أي: قليلة، إذ الحصر بالعد يشعر بالقلة ﴿مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾؛ أي: مدفوعًا ومحبوسًا ﴿وَحَاقَ﴾ نزَلَ وأحاطَ.
﴿لَيَقُولُنَّ﴾ وفي "السمين" قولُه ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ هذا الفعلُ معرب على المشهور لأنَّ النون مفصولة تقديرًا إذ الأصلُ ليقولونن (النون) الأولى للرفع وبعدها نون مشددة، فاستثقل توالي الأمثال، فحذفت نون الرفع, لأنها لا تدل من المعنى على ما تدل عليه نُونُ التوكيد، فالتقى ساكنان، فحذفت الواو التي هي ضمير الفعل، لالتقائها ساكنة مع النون، اهـ.
стр. 5532
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)﴾ الإذاقة هنا: الإعطاء القليل، والنزع، والسلب، والحرمان، واليؤوس: شديدُ اليأس من عود تلك النعمة، والكفور، كثيرُ الكفران، والجحود لما سلف عليه من النعم، والنعماء، والنعمةُ والنعمى الخير، والمنفعة، ويقابلها الضراء، والضر ﴿فرح﴾ بطر مغتر بهذه النعمة، ﴿فَخُورٌ﴾ أي: متعاظم على الناس بما أوتي من النعم، مشغولُ بذلك عن القيام بشكرها.
وفي "الشوكاني": والنعماء: إنعام يظهر أثَرَهُ على صاحبه، والضراءُ ظهورُ أثر الإضرار على من أصيب به، اهـ.
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ لعل هنا: للاستفهام الإنكاري الذي يفيد النهي مع الاستبعاد،؛ أي: لا تترك تبليغَ بعض ما أوحي إليك، ولا يَضِقْ به صدرُك، والتركُ، والضيقُ مستبعدان منك، وضيقُ الصدر يراد به الغم والحزن وعبر (١) بـ ﴿ضائق﴾ دون ضيِّق للمناسبة في اللفظ مع ﴿تَارِكٌ﴾ وإن كان ضيقٌ أكثرَ استعمالًا, لأنه وصف لازم، ﴿وَضَائِقٌ﴾ وصف عارض، وقال الزمخشري: فإن قلت: لِمَ عدَل عن ضيق إلى ﴿ضائق﴾؟
قلتُ: ليدل على أنه ضيقٌ عارض غيرُ ثابت, لأنه ﷺ كان أفسَحَ الناس صدرًا ومثله قولك: سيدٌ، وجوادُ تريد السيادةَ والجُود الثابتَين المستقرين، فإذا أردتَ الحدوثَ، قلت: سائدُ وجائدُ. انتهى ذكره أبو حيان. ﴿كَنْزٌ﴾ والكنزُ ما يدخر من المال في الأرض، وفي "زاده" ﴿كَنْزٌ﴾ أي: مال كثير من شأنه أن يكنز؛ أي: يدفن، اهـ. ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ نعت لـ ﴿سُوَرٍ﴾ و ﴿مثل﴾ وإن كانت بلفظ الإفراد فإنها يوصف بها المثنَّى، والجمع، والمؤنث كقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ وتجوز المطابقة قال تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ﴾، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾، و (الهاء) في ﴿مِثْلِهِ﴾ تعود لـ ﴿مَا يُوحَى﴾ و ﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾ صفة لـ ﴿سُوَرٍ﴾ أيضًا، وهي جمع مفتراة كمصطفيات في
стр. 5533
جمع مصطفَاة، فانقلبت الألفُ ياءً كالتثنية، اهـ "سمين".
﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ والوكيل: الرقيب الحفيظ للأمور، الموكل بحراستها ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ والاستجابة للداعي إجابته إلى ما يريد، فالسين والتاء، فيه زائدتان ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ الإسلام، الإذعان، والخضوع، والانقياد ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا ..﴾؛ أي: نُوصل إليهم من وفَّى يوفي توفية ووفاء كزكى يزكي تزكيةً وزكاةً وهو من المضعف الناقص الذي قياس مصدره التفعلة، وهو مجزوم بحذف الياء ﴿لَا يُبْخَسُونَ﴾ لا ينقصون، وإنما (١) عبر عن عدم نقص أعمالهم، بنفي البخس الذي هو نقص الحق مع أنه ليس لهم شائبة حق فيما أوتوه كما عبر عن إعطائه بالتوفية، التي هي إعطاءَ الحقوق مع أن أعمالَهم بمعزل عن كَوْنِها مستوجبةً لذلك، بناءً للأمر على ظاهر الحال، مبالغة في نفي النقص؛ أي: إن كان ذلك ناقصًا لِحُقوقهم فلا يدخل تحت الوقوع، والصدور عن الكريم أصلًا، اهـ "أبو السعود".
﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا﴾؛ أي: فسد وبطل، ولم ينتفعوا به ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ والبينة (٢) ما يتبين به الحق كالبرهان في الأمور العقلية، والنصوص في الأمور النقلية، والتجارب في الأمور الحسية، والشهادة في القضاء ﴿وَيَتْلُوهُ﴾؛ أي: يتبعه ويصدقه ويقويه والشاهد جبريل أو القرآن ﴿إِمَامًا﴾ والإمامُ (٣) هو الذي يُؤتم به في الدين، ويُقتدى به ﴿وَرَحْمَةً﴾ والرحمة النعمة العظيمة التي أنعم الله بها على مَنْ أنزله عليهم، وعلى مَنْ بعدهم باعتبار ما اشتملَ عليه من الأحكام الشرعيةِ المُوافِقَة لحكم القرآن ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ والأحزاب قبائلُ الكفار الذين تحزبوا، واجتمعوا على معاداة النبي ﷺ ومعاندته ﴿مَوْعِدُهُ﴾ اسم مكان من وَعد يعد وعدًا وموعدًا؛ أي: مكان وعده الذي يَصِير إليه، ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ المِرية بكسر الميم، وضمها: الشكُّ، ففيها لغتان: أشهرُهما: الكسرُ، وهي: لغة الحجاز، وبها قرأ جماهيرُ الناس، الثانية: الضم لغةُ أسد وتميم، وبها قرأ
стр. 5534
السلميُّ وأبو رجاء وأبو الخطَّاب والسدوسيّ، اهـ "سمين".
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآياتُ ضروبًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الحصر في قوله ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾.
ومنها: إفادة العموم بحذف المضاف في قوله: ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: كل من الدابة ومستقرها، ومستودعها، ورزقها.
ومنها: الإضافةُ للتشريف في قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.
ومنها: تكريرُ القسم في قوله: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ﴾، ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا﴾، ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا﴾، ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾.
ومنها: الطباق بين: ﴿نَعْمَاءَ﴾ و ﴿ضَرَّاءَ﴾.
ومنها: صيغة المبالغة في قوله: ﴿لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: كالسحر، فالكلام من باب التشبيه البليغ، حيث شَبَّهوا نَفْسَ البعث أو القرآن المتضمن لذكره بالسحر في الخديعة، حيث زعموا أنه إنما ذكر ذلكَ لمنع الناس عن لذات الدنيا، وصَرفِهم إلى الانقياد له، ودخولهم تحت طاعته، أو في البطلان، فإنَّ السحرَ لا شكَّ أنه تمويه، وتخييلٌ بَاطِل، فشبهوا الأمورَ المذكورة من البعث، والحساب، والجزاء في البطلان بالسحر، اهـ "زاده".
ومنها: الاستعارة التصريحيةُ التبعيةُ في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾ لأنّ الذوقَ حقيقة في معرفة طَعْمِ المطعوم باللسان، فهو هنا كناية عن الإعطاء.
ومنها: وصف الأجر بالكبر في قوله: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ للتفخيم، والتعظيم لما احتوى عليه من النعيم السرمدي، ودفع التكاليف، والأمن من عذاب الله، والنظر إلى وجهه الكريم، وفيه أيضًا رعاية الفواصل حيث أتى به، ولم يَقُلْ أجر عظيم.
стр. 5535
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾.
ومنها: الكنايةُ في قوله: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾؛ لأن الضِّيقَ هنا كناية عن الهمِّ والحزن.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿صَدْرُكَ﴾؛ أي: قلبك حيث أطلق المحل، وأراد الحال.
تنبيه: التحدي بعشر سور، جاء بعد التحدي بالقرآن الكريم كله، فلما عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن تحدَّاهم بعشر سور، ثُمَّ لما عجزوا تحداهم بالإتيان بسورة مثله في البلاغة، والفصاحة، والاشتمال على المغيبات، والأحكام التشريعية، وأمثالها، وهي الأنواعُ التسعةُ، وقد نظَمَها بعضُهم بقوله:
أَلاَ إِنَّمْا الْقُرْآنُ تِسْعَةُ أَحْرُفٍ ... سَأُنْبِيْكَهَا فِيْ بَيْتِ شِعْرٍ بَلا مَلَلْ
حَلاَلٌ حَرَامٌ مُحْكمٌ مُتَشَابِهٌ ... بَشِيْرٌ نَذِيْرٌ قِصَّةٌ عِظَةٌ مَثَلْ
ومنها: الحذفُ والزيادة في عدّةِ مواضع.
والله أعلم
* * *
أحدَ أظلمُ ممن افترى على الله كذبًا، وهم المفترون الذين نسبوا إلى الله الولدَ، واتخذوا معه آلهةً وحرَّموا وحلَّلوا من غير شرع الله تعالى.
قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ ...﴾ الآيات، مناسبتُها لِما قبلها: أنَّ الله لما ذكر ما يَؤُول إليه الكفار من النار .. ذَكَرَ ما يَؤُول إليه المؤمنون من الجنة، والفريقان هنا: المؤمنُ والكافرُ، ولمَّا كان قدَّم ذِكرَ الكفار، وأَعْقبَ بذكر المؤمنينَ جاء التمثيلُ هنا مبتدأً بالكافر، فقال: ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ﴾.
وعبارةُ المراغي هنا: مناسبتُها لما قبلها: أنَّ اللَّهَ لمَّا بيَّن فيما سبق أنَّ الناس فريقانِ: فريقٌ يريدُ الدنيا وزينتَها، وفريق على بَيِّنَةٍ من ربه .. أرْدفَ ذلك ببيانِ حالِ كلِّ من الفريقين في الدنيا، وما يكون عليه في الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ ...﴾ الآيات، مناسبتُها لِمَا قبلها: أنَّ اللَّهَ لَمَّا ذَكَرَ (١) بَعثة النبيّ الكريم، وأثْبتَ بالبرهان أنه رسول من رب العالمين، وأنَّ القرآنَ وَحْيٌ من الرحمن الرحيم .. أرْدفَ ذلك بقصص الأنبياء قبله ليبينَ لقومه: أنَّ محمدًا ﷺ ليس بدعًا من الرسل، وإنه إنما بُعِثَ بمثلِ ما بعث به مَن قبله من الدعوةِ إلى عبادة الله تعالى وحده، والإيمان بالبعث والجزاء، فحالُه معهم كحال مَنْ قبله من الرسل ﵈، مع أقوامهم جملةً وتفصيلًا، كما قال: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾.
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قَبْلَها: أن الله لَمَّا ذَكَر مقالتَهم وطَعْنَهم في نوح ﵇ بتلك الشُّبه السالفة .. قَفَّى على ذلك بدَحْضِ نوح ﵇ لها، وردِّ شبهات أخرى، قد تكون صَدَرَتْ منهم، ولم يَحْكِها لعِلْمِها من الرد عليها، ورُبَّما لم
стр. 5538
يقولوها، وإن كان كلامهم يستلزمُهَا، وهذا من خواص أسلوب الكتاب الكريم، وسرٌّ من أسرار بلاغته.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ...﴾ الآيات، مناسبتها لِمَا قَبْلَها: أنَّ الله لمَّا ذَكَرَ شُبهَاتِهم في رَفْضِ نبوة نوح ﵇، ورَد نوحٍ عليهم بما فيه مقنع لهم لو كانوا يعقلون .. ذَكَرَ هنا مقالتَهم التي تَدُلُّ على العجز والإفحام، وأنَّ الحِيَلَ قد ضَاقَتْ عليهم، فلم يَجِدُوا للردِّ سبيلًا في ذلك إيماءً إلى أنَّ الجدال في تقرير أدلة التوحيد، والنبوة والمعاد، وفي إزالة الشبهات عنها هيَ وظيفة الأنبياء، والتقليد، والجهلُ والإصرار على الباطل والإنكار والجحودُ هو دَيْدَنُ الكفار المعاندين.
التفسير وأوجه القراءة
١٨ - والاستفهام في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ للإنكار؛ أي: لا أحَدَ أشدُّ ظلمًا لنفسه ولغيره ممن افترى واخْتَلَق على الله كذبًا في أقواله، أو أفعاله، أو أحكامه، أو صفاته، أو في اتخاذ الشفعاء والأولياء له بدون إذنه، أو في زعم أنه اتخذ له ولدًا من الملائكة كالعرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله، والنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، أو في تكذيب ما جاء به رُسُلُه من دينه، لصد الناس عن سلوك سبيله.
واللفظ (١) وإن كان لا يقتضي إلا نفيَ وجود من هو أظلم منهم كما يفيده الاستفهام الإنكاري، فالمقامُ يفيدُ نَفْيَ المساوي لهم في الظلم، فالمعنى على هذا لا أحد مِثْلَهم في الظلم فَضْلًا عن أن يُوجَد من هو أظلم منهم، والإشارةُ بقوله ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى الموصوفين بالظلم المتبالغ؛ أي: أولئك المُفتَرُونَ على الله الكذبَ ﴿يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ يوم القيامة للمحاسبة عرضًا تظهرُ به فضيحَتُهم؛ أي: يساقون إلى الأماكن المعدَّة للحساب، والسؤال، أو المعنى تعْرَضُ أعمالُ هؤلاء، وأقوالُهم على ربهم لمحاسبتهم ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ الذين يقومون للشهادة
стр. 5539
عليهم الذين هم الملائكة الحَفَظَةُ، وقيل: المرسلون، وقيل: الملائكة والمرسلون والعلماء الذين بلغوا ما أمَرَهم الله تعالى بإبلاغه، وقيل: جميع الخلائق.
أي: يقولُ الأشهادُ عند العَرْضِ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ المُعرِضُون أو المعروضة أعمالُهم هم ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ بما نسبوه إليه، ولم يصرِّحوا بما كَذَبوا به كأنهُ كان أمرًا معلومًا عند أهلِ ذلك الموقف، وقولُهُ: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ هذا من تمام كلام الأشهاد، أي: يقولون هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ويقولون: ألا لعنة الله، وطرده على الظالمين الذين ظَلَمُوا أنفُسَهم بالافتراء على الله، وغيرهم بالصدِّ عن سبيل الله، يفضحونهم بهذه الشهادة المقرونة، باللعنة الدالَّة على خروجهم من مُحيط الرحمة؛ ويجوز أن يكونَ من كلام الله سبحانَه قَالَه بعد ما قال الأشهاد ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾.
وقد جاء في معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾.
وفي حديث ابن عُمر في "الصحيحين" وغيرهما، سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "إن الله يدنِي المؤمنَ حتى يضَعَ كَنَفَه عليه ويَسْترُهُ من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كذا؟ أتعرَف ذَنْبَ كذا؟ فيقول: رَبّ أعْرِفُ، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هَلَكَ؟ قال: فإني سَتَرْتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثُمَّ يُعْطيَ كتابَ حسناته، وأما الكافرُ، والمنافق فيقول: ﴿الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ".
١٩ - ثمَّ وصفَ هؤلاء الظالمينَ الذينَ لعنوا بأنهم هم ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾؛ أي: يمنعون مَن قَدَرُوا على مَنْعِه ويصرفونهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: عن دينه القيم وصراطه المستقيم، والدخول فيه ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾؛ أي: يصِفُونَها بالاعوجاج، والالتواءِ والميل عن الحق لينفروا منها أو يَبْغُون أَهلها أن يكونوا معَوَّجِينَ بالخروج عنها إلى الكفر ﴿و﴾ الحال أنَّ ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ لا يؤمنون ببعث، ولا جزاء؛ أي: يصفونها بالعِوَج، والحال أنهم بالآخرة غير مصدقين،
стр. 5540
فكيف يَصُدُّون الناس عن طريق الحق، وهم على الباطل البَحْتِ؟ وتكريرُ الضمير لتأكيد كفرهم، واختصاصهم به، حتى كان كفر غيرهم غيرَ مُعتدٍّ به، بالنسبة إلى عَظيم كفرهم
٢٠ - ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بتلك الصفات السابقة يعني المفترينَ على الله الصادينَ عن سبيل الله ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ الله ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: ما كانوا يعجزون اللَّهَ في الدنيا، إن أرادَ عقوبتهم؛ أي: إن هؤلاء الذين يصُدون عن سبيل اللَّهِ لم يكونوا بالذين يعجزون رَبهم، بهربهم منه في الأرض، إذا أراد عِقَابَهم بل هم في قبضته وملكه لا يمتنعون منه إذا أرادهم، ولا يفوتونه هربًا إذا طلبهم ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ يدفعون عنهم ما يريده الله سبحانه من عقوبتهم، وإنزالِ بأسِه بهم؛ أي: ولم يكن لهم أنصار ينصرونهم من دونه، وَيحُولُون بَيْنَهم وبَيْنَه إذا هو عذَّبهم، وجملة قوله: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ من أجل ضلالهم وإضلالهم، مستأنفة لبيان أنّ تأخير العذاب والتراخيَ عن تعجيله لهم، ليكون عذابًا مضاعفًا يعني الرؤساءَ الصَّادِّين عن سبيل الله، وذلك لإضلالهم أتباعَهم، واقتداء غيرهم بهم؛ أي: إنَّ عدمَ (١) نزول العذاب ليسَ لأجْلِ أنهم قَدَرُوا على منع الله من إنزال العذاب بالفرار وغيره، ولا لأجل أن لهم ناصرًا يمنع العذابَ عنهم، كما زعموا أنَّ الأصْنَامَ شفعاؤُهُم عند الله، بل لأنه تعالى أمهلَهم كي يتوبوا عن كفرهم، فإذا أبوا إلَّا الثباتَ عليه، فلا بد من مضاعفة العذاب في الآخرة كما قال تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: يُزَاد عذابهم بسبب صدِّهم عن سبيل الله، وإنكارهم البعثَ بعد الموت، فيعذبون في الآخرة على ضلالهم في أنفسهم، وعلى إضلالهم غيرَهم، وهذا غيرُ خارج عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾.
وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويزيد، ويعقوب (٢): ﴿يُضعَّف﴾ بلا ألف مع تشديد العين. ثمَّ بين علّةَ هذه المضاعفة بقوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾؛ أي: ما كانوا يستطيعون إلقاء أسماعهم إلى القرآن إصغاءً لدعوة الحق، لاسْتحواذ الباطل على أنفسِهم، ورَيْنِ الكفر، والظلم على قلوبهم، كما حَكى الله عنهم
стр. 5541
بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾، ﴿وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ما يدُلُّ على صِدقه في الأنفس والآفاق.
وإجمال المعنى (١): أنهم لشدة انهماكهم في الكفر، واتباع الهوى والشهوات، صاروا يكرهون الحقَّ والهدى فيثقل عليهم سماع ما يبيِّنه من الآيات السَّمعية، وما يثبته من الآيات البصرية، فهم قد خَتَم الله على سمعهم، وعلى أبصارهم، فلا يسمعون الحقَّ سماعَ منتفع، ولاَ يبصرون حُجَجَ الله إبصارَ مهتد.
والخلاصة: أنهم أفرطوا في إعراضهم عن الحق، وبغضهم له حَتّى كأنَّهم لا يقدرون على الاستماع، ولا يقدرون على الإبصار، لِفرط تَعَامِيهم عن الصواب والحق.
٢١ - ﴿أُولَئِكَ﴾ المتصفون بتلك الصفات هم ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بعبادة غير الله تعالى؛ أي: اشتَروا عبادةَ الآلهة بعبادة الله، فكان خسرانهم في تجارتهم، أعظم خسران ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: ذَهب وضاع ما كانوا يفترون من الآلهة التي يدعون أنها تشفع لهم، ولم يبقَ بأيديهم إلا الخسران. والمعنى: أي: أولئك الذين هذه صفتهم هم الذين غبَنُوا أنفسَهم حظوظَها من رحمة الله بافترائهم عليه، واشتراء الضلالة بالهدى، وبطل كذبهُم بادعاء أنَّ له شركَاءَ وشفعاء، يُقربونهم إليه زلفى ثم سلك بما كانوا يدعونه من دون الله غيرَ مسلكهم، إذ سلك بهم إلى جهنم، وصارت آلهتهم عَدَمًا؛ لأنها كانت في الدنيا أحجارًا أو خشبًا أو نحاسًا، وذلك هو ضلالهم وبعدُهم عنهم.
٢٢ - والخلاصة: وبَطَل كذبهم وإفكهم وفريتهم على الله، وادعاؤهم أنَّ الملائكةَ والأصنامَ تشفع لهم، وكلمة لا في قوله ﴿لَا جَرَمَ﴾ زائدة كما في "الإتقان"، وجَرَم فعل ماض بمعنى: حق، وثَبَتَ، وجملةُ قوله ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ في تأويل مصدر مرفوع على كونه فاعلًا لجرم؛ أي: حقَّ وثبَتَ كونهم في الآخرة أشدَّ الناس خسرانًا إذ هم قد اعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن، وعن شرب
стр. 5542
الرحيق المختوم بسموم وحميم، وظلٍّ من يحموم، وعن الحور العين بطعام من غسلين، وعن قربِ الرحمن بعقوبة الملك الديان.
وفي "الفتوحات": كلمةُ ﴿لَا جَرَمَ﴾ ورَدَتْ (١) في القرآن في خمسة مواضع متلوةً بأنَّ واسمها, ولم يجيء بعدها فعل، واختلف فيها، فقيل: ﴿لا﴾ نافية لما تقدمَ، وقيل: زائدةٌ، قاله في "الإتقان"، اهـ "كرخي".
وعبارة "أبي السعود" ﴿لَا جَرَمَ﴾ فيها ثلاثة أوجه:
الأول: أن (لا) نافية لما سبق، و (جرم) فعل ماض بمعنى حقَّ وثَبَتَ، و (أنَّ) وما في حيزها فاعله؛ أي: حقَّ وثبَتَ كونُهم في الآخرة هم الأخسرين، وهذا مذهب سيبويه.
والثاني: أنَّ ﴿جَرَمَ﴾ بمعنى كَسَبَ وما بعده مفعولُه، وفاعله ما دلَّ عليه الكلام؛ أي: كَسَب ذلكَ خسرانهم، والمعنى ما حَصَل من ذلك إلا ظهورُ خسرانهم.
والثالث: أنَّ (لا جرم) بمعنى لا بدَّ؛ أي: لا بدَّ أنهم في الآخرة هم الأخسرون، اهـ.
وفي "الخطيب" ما نصه: قال الفراء: إن ﴿لَا جَرَمَ﴾ بمنزلة قولنا: لا بُدَّ ولا محالةَ ثم كَثُرَ استعمالُها حتى صارت بمنزلة حقًّا، تقول العرب: لا جَرمَ أنك مُحْسِنُ، على معنى حقًّا أنك محسن، اهـ وسيأتي بقية مباحثها في مبحث الإعراب إن شاء الله تعالى.
٢٣ - وبعد أن بيَّنَ حالَ الكافرينَ وأعمالَهم ومآلهم .. بيَّنَ حالَ المؤمنين، وعاقبةَ أمرهم، فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا الله ورسوله ﴿وَعَمِلُوا﴾ في الدنيا ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ أي الأعمال الصالحة فأتوا بالطاعات وتركوا المنكرات ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾؛ أي: خشعت نفوسُهُم واطمأنت إلى ربهم؛ أي (٢): إنَّ الذين آمنوا بكل ما يجب الإيمانُ به، وأتَوا بالأعمال الصالحات، بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، واطمأنَّتْ قلوبُهُم عند أداء الأعمال إلى ذكر الله، فارغةً عن الالتفات
стр. 5543
إلى ما سوى الله تعالى، واطمأنت إلى صِدْقِ وعْدِ الله بالثواب على تلك الأعمال، وخافَتْ قُلوبُهم أنْ يكونوا أتَوا بتلك الأعمال مع وجود الإخلال، ومن أنْ لا تكون مقبولةً ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بتلك الصفات الجميلة هم ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾؛ أي: قُطَّان الجنة الذين لا يخرجون منها, ولا يموتون بل ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾؛ أي: ماكثون فيها مكثًا مؤبَّدًا دائمون فيها أبدًا.
والإخْبَاتُ (١) في اللغة هو: الخشوع، والخضوع، وطمأنينة القلب، ولفظ الإخبات يتعدى بإلَى، وباللام فإذا قُلتَ: أَخْبَتَ فلان إلى كذا، فمعناه: اطمأنَّ إليه، وإذا قلتَ: أخبت له، فمعناه: خَشَعَ وخَضَعَ له، فقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إشارة إلى جميع أعمال الجوارح، وقوله ﴿وَأَخْبَتُوا﴾ إشارة إلى أعمال القلوب، وهي الخضوع، والخشوع لله ، يعني: أنَّ هذه الأعمال الصالحة لا تنفعُ في الآخرة إلا بحصول أعمال القلب، وهي الخشوع، والخضوع، وإذا فسَّرْنَا الإخبات بالطمأنينة، كان معنى الكلام أنهم يأتون بالأعمال الصالحة، مطمئِنّين إلى صدق وعد الله بالثواب، والجزاء على تلك الأعمال، أو يكونون مطمئنين إلى ذكره ، وإذا فسَّرنا الإخباتَ بالخشوع، والخضوع .. كان معناه: أنهم يأتون بالأعمال الصالحة خائفينَ وَجِلينَ، أنْ لا تكونَ مقبولة، وهو الخشوع والخضوع،
٢٤ - وقولُه: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ ضَرَب (٢) به مثلًا للفريقين، وهو تشبيهُ فريق الكافرينَ بالأعمى، والأصم، وتشبيهُ فريق المؤمنين بالبصير والسميع، على أنَّ كلَّ فريق شُبِّه بشيئَين أو شبِّه بمَنْ جَمَع بين الشيئين، فالكافر شُبِّه بمنْ جمَعَ بين العَمَى والصمم، والمؤمن شبِّه بمَنْ جَمَعَ بين السمع والبصر، وعلى هذا تكونُ (الواو) في ﴿وَالْأَصَمِّ﴾ وفي ﴿وَالسَّمِيعِ﴾ لعطف الصفة على الصفة، كما في قول الشاعر:
إِلَى الْمَلِكِ الْقِرْمِ وَابْنِ اَلْهُمَامْ ... وَلَيْثِ الْكَرِيْهَةِ فيْ الْمُزْدَحَمْ
стр. 5544
أي (١): صفة الكافر كصفةِ شخصٍ متصفٍ بالعمى، والصمم، فلا يهتَدي لمقصوده، وصفَةُ المؤمن كصفة شخص متصف بالبصر والسمع فاهتدى لمطلوبه.
والمعنى: مَثَلُ (٢) فريقَيْ الكافرين والمؤمنين، وصفتهما الحِسيَّةُ التي تطابق حالَهما كمثل الأعمى الفاقدِ لحاسَّةِ البصر في خِلْقَتِهِ والأصم الفاقد لحاسةِ السمع الذي حُرِمَ وَسَائِلَ العلم والمعرفة الإنسانية والحيوانية، ومَنْ هو كاملُ حَاستَي السمع والبصر، فهو يستمد العِلْمَ من آيات الله في خَلقِهِ بما يسمعُ من القرآن، وبما يَرَى في الأكوان، وهما وسيلتا العلم والهدى لعقل الإنسان.
والاستفهام في قوله ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ للإنكار، وهذه الجملة مقررةُ لِمَا تقدم من قوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾؛ أي: هل يستوي الفريقان صفةً وحالًا ومآلًا؟ كلَّا، إنهما لا يَستويان، و (الهمزةُ) في قوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ للتوبيخ داخلةٌ على محذوف، و (الفاءُ) عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتَغْفُلُون عن ذلك المَثَلِ الجَليِّ الواضح وتَشكُّون في عدم الاستواء، فلا تَتَذكَّرون ما بينهما من التَّباين والاختلاف، فتعتبرُوا به؛ أي أفلا تذكرون في عدم استوائهما، وفيما بينهما من التفاوت الظاهر الذي لا يَخْفى على مَنْ له تذكُرٌ وعنده تأمُّلٌ، والهمزةُ لإنكارِ عدم التذكر، وابتعاد صدورِه من المخاطبين.
وإجمالُ المعنى: أنه شَبَّهَ الكافرين بالعُمْي الذين لا يستعملون أبْصَارهم فيما يفضلون به الحيوانَ الأعجم من فَهْمِ آيات الله التي تزيدُهم عِلْمًا وهُدًى وبالصم الذين لا يَسْمَعون داعِيَ الله إلى الرشاد والهدى فيجيبونه، ويهتدون به، وشبه المؤمنين الذين انْتَفَعُوا بأسماعهم وأبصارهم، واهتدوا إلى الجنة، وتركوا مَا كَانوا خابطينَ فيه من كفر وضلال، بحال مَنْ هو سميع بصير، فيهتدي بِسَمْعِهِ إلى ما يبعدُه من مواضع الهلاك، ويهتدي ببصرِه بواسطة النور حين السير في الظلام، وقرأ الجمهور: ﴿أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ﴾ بإدغام التاء الثانية في الأصل في الذال، وفي قراءة سبعية: ﴿تَذَكَّرُون﴾ بحذف إحدى التائَين تخفيفًا.
٢٥ - ولمّا أورد سبحانه على
стр. 5545
الكفار المعاصِرينَ لمحمد ﷺ أنواعَ الدلائل التي هي أوْضَحُ من الشمس .. أكَّد ذلك بذكر القصص طريقةِ التَّفَنُّنِ في الكلام، ونَقْلِه من أسلُوب إلى أسلوب لِتكونَ الموعظةُ أظْهَر، والحجةُ أبْينَ، والقبولُ أتمَّ، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾.
فصل فيما حوته قصص القرآن
إنَّ في قصص (١) القرآن لأَشِعَّةٌ من ضياء العلم والهدى، جاءَتْ على لسان رَجْلٍ أمّيّ لم يكن منشئًا، ولا راويةً، ولا حافظًا، ويمكن أن نَجْعَلَ أغراضَها فيما يلي:
١ - بيان أُصول الدين المشتركة بين جميع الأنبياء من الإيمان بالله، وتوحيده، وعلمه، وحكمته، وعدله، ورحمته، والإيمان بالبعث والجزاء.
٢ - بيانُ أنَّ وظيفة الرسل تَبْليغُ وَحْيِ الله تعالى لعباده فحَسْبُ، ولا يملكون وَراءَ ذلِكَ نَفْعًا، ولا ضَرًّا.
٣ - بيانُ سُنن الله في استعدادِ الإنسان النفسيّ والعقليّ لكلّ من الإيمان, والكفر، والخير، والشر.
٤ - بيان سُنَنِ الله في الاجتماع، وطباع البشر، وما في خلقه للعالم من الحكمة.
٥ - آياتُ الله وحججه على خلقه في تأييد رسله.
٦ - نصائح الأنبياء ومواعظُهم الخاصَّة بكل قوم بحسَبِ حَالِهم كَقَوْمِ نوح في غِوَايتهم، وغرورهم، وقوم فرعون، ومَلَئِهِ في ثَرْوَتِهم، وعُتوِّهم، وقوم عاد في قُوَّتِهم وبطشهم، وقوم لوط في فحشهم.
٧ - تسلية للنبي ﷺ حيث يَعْلَمُ ما وقع لغيره من الأنبياء.
стр. 5546
وجملة ما ذكره في هذه السورة من القصص سبعةٌ (١):
القصة الأولى: قصة نوح ﵇، المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ إلخ.
القصة الثانية: قصة هود ﵇، المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾.
القصة الثالثة: قصة صالح ﵇، المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ إلخ.
القصة الرابعة: قصة إبراهيم ﵇، مع الملائكة، المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾.
القصة الخامسة: قصة لوط ﵇، المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ إلخ.
القصة السادسة: قصة شعيب المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ إلخ.
القصة السابعة: قصة موسى المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ إلخ، وهي آخر القصص.
وتقدَّم أنَّ نوحًا اسمه عَبْدُ الغفار، ونوحُ لقبه، قال ابن عباس (٢): بُعث نوح بعد أربعينَ سنةً، ولبِثَ يدعو قومَه تسع مئة سنة وخمسين عامًا، وعاش بعد الطوفان ستين سنةً، فكان عُمْرُه ألف سنة وخمسين سنة، وقال مقاتل: بُعِثَ، وهو ابن مئة سَنَةٍ، وقيل: وهو ابن خمسين سنة، وقيل: وهو ابنُ مئتين وخمسين سنة، ومكَثَ يَدْعُو قَوْمَه تسع مئة سنةٍ وخمسين سنةً، وعاش بعد الطوفان مئتين وخمسين سنةً، فكان عمره ألفَ سنة وأربع مئة سنة وخمسين سنة، اهـ "خازن".
стр. 5547
أي: وعزتي وجلالي .. لقد أرسلنا وبعثنا نوحًا ﵇ إلى قومه قائلًا لهم: يا قوم ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: مخوف لكم من عذاب الله تعالى، وبأسه إن خالفتم أمر الله سبحانه وعبدتُم غَيرَه ﴿مبِينٌ﴾؛ أي: بَيّن الإنذار، أبيِّن لكم موجبات العذاب، ووجه الخلاص منه.
أي: ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه قائلًا لهم: إني لكم نذير من الله أنْذركم بأْسَه على كفركم به فآمنوا به، وأطيعوا أمْرَه.
وقرأ النحويان (١) أبو عَمرو، والكسائي، وابن كثير: (أَنَّي) بفتح (الهمزة)؛ أي: بأني وباقي السبعة بكسرها على إضمار القول
٢٦ - ثم فسَّر هذا الإنذار بقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ بدل (٢) من ﴿إني لكم ..﴾ إلخ. على قراءة الفتح ومجرور بالباء المقدرة التي للتعدية المتعلِّقة بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾؛ أي: ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه بأن لا تعبدوا إلا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وكانوا أولَ مَنْ أشْركَ بالله، واتخذوا الأندادَ، وكان هو أوَّل رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، ثم علل هذا بقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾؛ أي: إن لم تخصوه بالعبادة، وتفردوه بالتوحيد، وتخلعوا ما دونه من الأنداد، والأوثان .. أخَف عليكم من الله عذابَ يوم مؤلم عِقَابُه وعذابه، لمن عذب فيه، وهو يوم القيامة أو يوم الطوفان، ووصفَه بالأليم من باب الإسناد المجازي مبالغةً، وقد أجابوه عن مقالته بأربع حجج داحضةٍ ظنًّا منهم أنها تكفي في رد دعوته، وهذا الجواب يتضمَّن الطعنَ منهم في نبوته من ثلاثِ جهات:
٢٧ - الجهة الأولى: ما ذكره بقوله ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ﴾؛ أي: الأشراف، والرؤساء الذين كفروا من قومه؛ أي: من قوم نوح، ووصفهم بالكفر ذمًّا لهم، وفيه دليلٌ على أنَّ بعضَ أشرافِ قومه لم يكونوا كفرةً ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾؛ أي: ما نعلمك إلا آدمِيًّا مثلنا، ليس فيك مزية تخصك بوجوب الطاعة علينا؛ أي: نحن وأنت مشتركون في البشرية، فلم يكن لك علينا مزيةٌ تستحق بها النبوةَ دُوننا؟
стр. 5548
وهذه هي الجهة الأولى من جهات طعنهم.
والجهة الثانية: ما ذكره بقوله ﴿وَمَا نَرَاكَ﴾ يا نوح ﴿اتَّبَعَكَ﴾، وأطاعك في دعوتك ﴿إِلَّا﴾ الأقوام ﴿الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ وأخساؤنا كالحجَّامين والنساجين والأساكفة، ولم يَتْبَعْكَ أحد من الأشراف، فليس لك علينا مزية باتباع هؤلاء الأراذل لك، وانتصاب ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ على الظرفية، والعامل فيه اتبعك؛ أي: اتبعوك في ظاهر رأيهم، وابتداء فكرهم من غير تعمق، ولا تأمل فيه، ولو احتاطُوا في الكفر ما اتبعوك؛ أي: وإنَّا لم نَرَ متبعيك إلّا الأَخساء والفقراء كالزراع والصناع، ومن في حكمهم في المكَانَة الاجتماعية باديَ الرأي قبل التأمل في عواقبه، والنظر في مستنده، وترجيح العقل له، وهذا مما يرجِّح ردَّ الدَّعوة، والتولي عنها.
والجهة الثالثة من جهات طعنهم في نبوته: ما ذكره بقوله: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾؛ أي: لا نرى لك، ولمن اتَّبعك من الأراذل فضْلًا علينا لا في العقل، ولا في رعاية المصالح العاجلة، ولا في قوة الجَدَل تتميزون به عنا، وتستحقون به ما تدعونه، خاطبوه في الوجهَين الأولَين منفردًا، وفي هذا الوجه خاطبوه مع متبعيه.
والمعنى: وما نَرى لك، ولمن اتبعك أدْنَى امتياز عنا من قوة أو كثرة علم، أو أصالة رَأي يَحْمِلُنا على اتباعكم، ويَجْعَلُنا ننزِل عن جاهِنا ومالِنا، ونكون نحنُ وأنتم سواءَ، ثم أضرَبوا عن الثلاثةِ المَطَاعن، وانتقلوا إلى ظنهم المجرد عن البرهان، الذي لا مستندَ له إلا مجردَ العصبية، والحسد، واستبقاءَ ما هم فيه من الرياسة الدنيوية، وهذا هو الجوابُ الرابعُ فقالوا ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ فيما تدَّعُون؛ أي: بل إنَّا نُرَجِّحُ الحكم عليك، وعليهم بالكذب، فأنت كاذب في دعوى النبوة، وهم كاذبون في تَصْدِيقك؛ أي: بل نَظَنُّك يا نوح كاذبًا في دعوى النبوة، ونظن أصحابكَ كَاذِبينَ في تصديق نبوتك.
وقرأ أبو عمرو، وعيسى الثقفي (١): ﴿بادئ الرأي﴾ من بَدأ يبدأ، ومعناه:
стр. 5549
أولَ الرأي، وقرأ باقي السبعة ﴿بادِيَ﴾ بالياء من بَدا يَبْدُو، ومعناه ظاهرَ الرأي، وقيل: ﴿بادي﴾ (بالياء) معناه بادِىءَ بالهمز فسهِّلت الهمزة، بإبدالها ياءٌ لكسر ما قبلها، والعامل فيه نراك، أو اتبعك، أو أراذلنا؛ أي: وما نراك فيما يَظهرُ لنا من الرأي، أو في أول رأينا، أو وما نراك اتبعك أوَّل رأيهم، أو ظاهرَ رأيهم، واحتملَ هذا الوَجْهُ معنيين:
أحدُهما: أنْ يريد: اتبعوك في ظاهرِ أمرهم، وعسى أن تكونَ بواطنهم ليسَتْ معك.
والمعنى الثاني: أن يُريد: اتبعوكَ بأوَّلِ نظر، وبالرأي البادىء دون تثبت، ولو تثبتوا .. لم يتبعوك، وإذا كان العاملُ أراذلنا فمعناه الذين هم أراذِلنا بأدل نظر فيهم، وببادىء الرأي يُعْلَمُ ذلك منهم. ذكره أبو حيان.
٢٨ - ثمَّ ذَكَر سبحانه ما أجاب به نوحٌ عليهم فقال ﴿قَالَ﴾ نوحٌ ﴿يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾؛ أي؛ أَخْبِرُوني ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾؛ أي: على برهان من ربي في النبوة، يدل على صحتها، ويُوجب عليكم قبولَها مع كون ما جعلتموه قادحًا ليس بقادح في الحقيقة، فإنَّ المساواةَ في صفة البشرية لا تمنعُ المفارقةَ في صفة النبوة، واتباعُ الأراذل كما تزعمون ليس ما يمنع من النبوة، فإنهم مثلكم في البشرية، والعقل, والفهم، فاتباعهم لي حجةٌ عليكم لا لكم، ويجوز أنْ يُرِيدَ بالبينة المعجزةَ ﴿وَآتَانِي﴾؛ أي: أعطاني ﴿رَحْمَةً﴾؛ أي: نبوَّة ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾؛ أي: من فضله وقيَّدَ الرحمة بكونها من عنده تأكيدًا، وفائدتُهُ رَفْعُ الاشتراك، ولو بالاستعارةِ. ذكره أبو حيان. وقيل: الرحمةُ المعجزةُ، والبينةُ النبوةُ ﴿فَعُمِّيَتْ﴾؛ أي: خَفِيَتْ كُلُّ واحدة من البينة، والرحمة ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وصار ذلك البرهانُ مشكوكًا في عقولكم، والإفرادُ في ﴿عميت﴾ على إرادة كلّ واحدة منهما، أو على إرادة البينة, لأنَّها هي التي تَظْهَر لِمَنْ تَفَكَّر، وتَخْفى على مَنْ لم يَتَفَكَّرْ.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (١): ﴿فَعُمِّيَتْ﴾ بضم العين،
стр. 5550
وتشديد الميم، مبنيًّا للمفعول؛ أي: أبهمت عليكم، وأُخْفِيَت، وقرأ باقي السبعة ﴿فعميت﴾ بفتح العين، وتخفيف الميم مبنيًّا للفاعل، وقرأ أبيٌّ وعليٌّ السلميُّ، والحسَن، والأعمش، فعَمَّاهَا عليكم، وروى الأعمش عن أُبيٍّ ووَثَّاب ﴿وعميت﴾ بالواو خفيفةً.
والمعنى (١): أي قال نوحُ ﴿يَا قَوْمِ﴾ أخْبِرُوني ماذا تَرون، وماذا تقولون، إن كنتُ على حجة فيما جئتكم به من ربي يَتَبيَّن لي بها أنه الحق من عنده لا من عندي، ومن كسبي البشري الذي تُشاركُونني فيه، وآتاني رحمةً من عنده، وهي النبوةُ وتعاليمُ الوحي التي هي سبَبُ رحمةٍ خاصَّةٍ لِمن يَهتدِي بِهَا، فحَجَبَها عنكم جهلكم، وغروركم بالمال والجاه، فلم تتبينوا منها ما تَدُلُّ عليه من التفرقة بيني وبينكم، فمنعتم فَضْلَ الله عني بحرماني من النبوة، والاستفهامُ في قوله ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ للإنكار؛ أي: أنُكْرِهُكُم على قبولها، والاهتداء بها، والمرادُ إلزام الجبر بالقَتْلِ ونحوه لا إلزام الإيجاب، إذ هو حاصلٌ كما في "البيضاوي" ﴿وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾؛ أي: وأنتم عنها معرضون غير متدبرين لها، كلّا إنَّا لا نفعل ذلك بل نَكِلُ أمركم إلى الله، حتى يقْضي في أمركم ما يَرى ويشاء، وما عليَّ إلا البلاغُ وهذا أوّلُ نصٍّ في دين الله على أنه لا ينبغي أن يكون الإيمانُ بالإكراه.
والخلاصة: أخبروني إن كنتُ على حجة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي، إلّا أنها خَافِيةٌ عليكم أيُمْكِنُنَا أن نَضْطَرَّكم إلى العلم بها، والحال أنكم كارهون لها غير متدبرين فيها، فإنَّ ذلك لا يَقْدِرُ عليه إلا اللَّهُ ؛ أي: أخْبِروني بجواب هذا الاستفهام، وهو أني لا أقْدِر على إجْباركم.
وحَكى الكِسَائي (٢)، والفراء إسكان الميم الأولى في ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ تخفيفًا كما في قول امرئ القيس:
فَالْيَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ... إِثْمًا مِنَ اللَّهِ وَلاَ وَاغِلِ
فإنَّ إسكانَ الباء في أشْرَبْ للتخفيف، وقد قرأ أبو عمرو كذلك.
стр. 5551
قال ابن عطية (١): وفي قراءة أبيّ بن كعب ﴿أنلزمكموها من شطر أنفسنا﴾ ومعناه: مِن تلقاء أنفسنا، ورُوي عن ابن عباس: أنه قرأ ذلك ﴿من شطر قلوبنا﴾ انتهى، ومعنى شطر نحو، وهذا على جهة التفسير لا على أنه قرآن، لمخالفته سوادَ المصحف.
وفي هذه الآية (٢) إثباتٌ لنبوته ﵇، وردٌّ لإنكارهم لها، وتكذيبِه ومن معه فيها، وإبطالُ لشبهتهم في أنه بشرٌ مثلهم، وقد فاتهم أنَّ المساواة في البشرية لا تقتضي استواءَ أفرادِ الجنس في الكمالات، والفضائل، فالمشاهدَةُ والتجاربُ، تدل على التفاوت العظيم بين أفراد البشر في العقل والفكر والرَّأي، والأخلاق والأعمال حتى إنّ الواحِدَ منهم ليأتي بضروب من الإصلاح لقومه بالعلم والعمل، يَعْجزُ عن مثلها الأُلُوفُ من الناس في أَجْيالٍ كثيرة:
وَالنَّاسُ أَلْفٌ مِنْهُمُ كَوَاحِدِ ... وَوَاحِدٌ كَالأَلْفِ إِنْ أمْرٌ عَرَا
فما بَالُكَ بِمَنْ يَخْتَصُّهم الله تعالى من عباده بما شاء مما لا كسب لهم فيه، كالأنبياء والرسل الكرام،
٢٩ - وقال نُوحٌ أيضًا ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾؛ أي: لا أطْلُب مِنكم مالًا، وجُعْلًا على تبليغي دَعْوةَ الرِّسالةِ، وعلى نصيحتي لكم، ودعوتي إياكم إلى توحيد الله، وإلى إخلاص العبادة له، فأكُونُ مُتَّهَمًا فيه عندكم، لمكانة حبِّ المال من أنفسكم، واعتزازكم به عليَّ، وعلى الفقراء من أتباعي، وما أريد بذلك إلا خَيْرَكم، ومصلحتكم، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: فما أَجْرِي على ذلك إلَّا على الله، الذي أرْسَلَنِي، فهو الذي يجازيني، ويثيبُني عليه، وإن ظننتم أنّي إنما اشتغلت بهذا التبليغ لأجل أخذ أموالكم، فهذا الظنُّ منكم خَطأٌ، وإنما أسْعَى في طلب الدين، لا في طلب الدنيا، وهذا يوجب فضلي عليكم، فلا تحرموا أنفسكم من سعادة الدين بسبب هذا الظن الفاسد.
ومثْل هذه المقالة قد صدَرَتْ من جميع الأنبياء بعده، فجَاءت على لسان هُود، وصالح، وشعيب، ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، كما ترى ذلك في
стр. 5552
سورة الشعراء مَحْكِيًّا عنهم.
﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ وحده، وصدَّقوا برسالتي عن مجلسي بسبب قولكم اطْرُدهم عنك نتبعك؛ أي: ليس من شأني، ولا بالذي يكون مني أن أبعد من يؤمن بي، وأنحيه عني احتقارًا له على أيِّ حال كانَتْ صفتُه، وفي هذا إيماءٌ إلى الجواب عن قولهم: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ وقد روي أنهم قالوا له: يا نوح! إن أحبَبْتَ أن نتبعك، فاطردْ هؤلاء، فإنَّا لن نَرْضَى أن نكون نحن وهم في الأمر سواءً، وقرىء ﴿بطاردٍ﴾ بالتنوين، قال الزمخشري: على الأصل، يعني أن اسمَ الفاعل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال أصله: أن يَعْمَلَ، ولا يُضَافُ وهذا ظاهر كلام سيبويه، ذكره أبو حيان ثُمَّ علَّل الامتِناع من طردهم بقوله:
﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾؛ أي: إنَّ هؤلاء الذين تسألونَني طردَهم صائرون إلى ربهم، وهو سائلهم عمَّا كانوا يعملون في الدنيا, ولا يسألهم عن حَسَبهم وشَرَفهم؛ أي: إنهم فائِزون في الآخرة بلقاء الله تعالى، فإنْ طردتهم .. استَخْصَمُوني في الآخرة عنده، فأُعاقبُ على طَرْدِهِم.
والمعنى: لا أطردهم فإنَّهم ملاقونَ يومَ القيامة ربَّهم، فهو يجازيهم على إيمانهم, لأنهم طلبوا بإيمانهم ما عندَه سبحانه، وكأنَّه قال هذا على وَجْه الإعظام لَهم، ويحتمل أنَّه قاله خوفًا من مخاصمتهم له عند ربهم، بسببِ طرده لهم، ثمَّ بيَّنَ لهم ما هم عليه في هذه المطالب التي طَلَبُوها منه، والعلل التي اعتلُّوا بها عن إجابته، فقال ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ كل ما ينبغي أن يُعْلَمَ، ومن ذلك استرذالُهم للذين اتبعوه، وسؤالُهُم له أن يطردَهم، أي: تجهلون ما يَمْتَازُ به البشر بعضُهم عن بعض من اتباع الحقِّ، والتَحلِّي بالفضائل، وعملِ البر، والخير، وتظنون أنَّ الميزةَ إنما تكون بالمال والجاه.
وقد جاءَ هذا المعنى في قصته من سورة الشعراء: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)﴾.
٣٠ - ثم أكد عدمَ جوازِ طردِهم
стр. 5553
بقوله: ﴿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي﴾، ويمنعني ﴿مِن﴾ عذاب ﴿اللَّهِ﴾ ، وانتقامه ﴿إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾؛ أي: إن طرَدت الذينَ آمنوا عن حَضْرَتِي، وأبْعَدْتُهم عن مجلسي بسبب قَوْلِكُم، فإنَّ طردَهم بسبب سبقهم إلى الإيمان, والإجابة إلى الدعوة التي أرسَلَ الله رسولَه لأجلها .. ظلم عظيم، لا يَقَعُ من أنبياء الله المؤيدينَ بالعصمة، ولو وقَعَ ذلك منهم فرضًا وتقديرًا .. لكان فيه من الظلم ما لا يكون، لو فَعَلَه غَيْرُهم من سائر الناس، والاستفهام في قوله: ﴿مَنْ يَنْصُرُنِي﴾ للإنكار و (الهمزة) في قوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥)﴾ للتوبيخ داخلةٌ على محذوف، و (الفاء) عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتستمرون عَلى ما أنتم عليه مِنَ الجهل بما ذكر، فلا تذكرون من أحوالهم ما ينبغي تذكره، وتتفكرون فيه حتَّى تعرفوا ما أنتم عليه من الخطأ، فَتَنْتَهُوا عنه، وما هم عليه من الصواب، فإنَّ لهم ربًّا ينصرهم، وينتقم لهم.
٣١ - ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ بادّعائي للنبوة والرسالة ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ﴾ رزق ﴿اللَّهِ﴾ أي أنواع (١) رزقه التي يَحْتَاجُ إليها عبادُهُ للإنفاق منها، أتصرف فيها بغير وسائل الأسباب المسخَّرة لسائر الناس، فأنفق على نفسي، وعلى من تَبِعَني بالتصرف فيها بخوارق العادات، بل أنا وغيري في الكسب سواء، إذ ذلك ليس من موضوع الرسالة، ولا من خصائص النبيّ، ولو كَانَ كذلك لاتبع الناس الرُّسلَ لأجلها، بل الغاية من بعْثِ الرسل تزكية الأنْفُس بمعرفة الله وعبادته، وتأهيلها لِمَثُوبتِهِ في دَارِ كرامته، ورضاه عنها يومَ لا ينفعُ مالُ ولا بنون.
وقال ابن الأنباري (٢): أراد بالخزائن: عِلْمَ الغيب المَطْوِيِّ عن الخَلْق لأنهم قالوا له: إنما اتَّبَعَكَ هؤلاء في الظَّاهِر، وليسوا مَعَك فقال لهم: ليس عندي خزائن غيوب الله، فأعلمَ ما تَنْطوِي عليه الضمائر، وإنما قيل للغيوب خزائنُ لِغُموضها عن الناس، واستتارها عنهم. قال سفيان بن عيينة: إنما آيات القرآن خزائن، فإذا دَخَلْتَ خزانة .. فاجْتَهد أن لا تَخْرُجَ منها حتى تعرف ما فيها.
стр. 5554
﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾؛ أي: ولا أدَّعي أنِّي أعلَمُ بغيب الله، فلا أمْتَازُ عن سائر البشر، بعلم ما لا يصل إليه علمهم الكسبيُّ من مصالحهم، ومنافعهم، ومضارِّهم في معايشهم، وكسبهم، فأخْبَرُ بها أتباعي، لِيَفْضُلوا عليكم، ومن ثمَّ أمَرَ الله تعالى نبِيَّه أن يقول لقومه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾.
قيل: إنما قالَ لهم هذا, لأنَّ أرضَهم أجْدَبَتْ فسألوه متى يَجِىءُ المطر، وقيل: بل سألوه متى يجيء العذابُ، وقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ جوابُ لقولهم: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾؛ أي: ولا أقول لكم إني مَلَكُ من الملائكة، أُرْسِلْتَ إليكم، فَأكون كاذبًا فيما أدَّعِي، بل أنا بشر مثلكم، أمرتُ بدعائكم إلى الله، وقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم.
وفي هذا (١): دحض لشبهَتهم إذ زعموا أنَّ الرَّسولَ من الله إلى البشر، يجب أن يفضُلَهم، ويمتازَ عنهم، ولا سبيلَ إلى ذلك إلا بأن يكون مَلَكًا يَعلمُ ما لا يعلمه البشر، ويقدر على ما لا يقدر عليه البشر.
والحاصلُ: أنكم (٢) اتخذتم فقدانَ هذه الأمور الثلاثة ذريعةً إلى تكذِيبي، والحالُ أنِّي لا أدَّعي شيئًا من ذلك، والذي أدَّعِيه لا يتعلق بشيء منها، وإنما يتعلَّقُ بالفضائل النفسانية التي بها تتَفاوَتُ مقاديرُ البشرِ.
فصل في الاستدلال على تفضيل الملائكة على الأنبياء
استدلَّ بعضُهم بهذه الآية (٣) على تفضيل الملائكة على الأنبياء، قال: لأن نوحًا ﵇ قال: ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ لأنَّ الإنسان إذا قَالَ: أنا لا أدَّعِي كذا وكذا، لا يحسن إلا إذا كَانَ ذلك الشيء أشرف وأفضل من أحوال ذلك القائل، فلَمَّا قال نوح ﵇ هذه المقالة، وجب أن يكون ذلكَ المَلَكُ
стр. 5555
أفضَلَ منه، والجواب أن نوحًا ﵇ إنما قال هذه المقالةَ في مقابلة قولهم: ما نراك إلا بشرًا مثلَنا لِما كان في ظنِّهم أنَّ الرُّسُلَ لا يكونون من البشر، إنما يكونون من الملائكة، فأعلمهم أن هذا ظن باطل، وأن الرسل إلى البشر إنما يكونون من البشر، فلهذا قال : ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ولم يُرِدْ أنَّ دَرَجَةَ الملائكة أفضلُ من درجة الأنبياء، والله أعلم.
وقال الشوكاني: وقد استدلَّ بهذا مَنْ قال: إنَّ الملائكةَ أفضل من الأنبياء، والأدلَّة في هذه المسألة مختلفة، وليس لطالب الحق إلى تحقيقها حاجةً، فليست مما كلَّفنا الله بعلمه.
﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي﴾ ـهم وتحتقِرُهم ﴿أَعْيُنُكُمْ﴾ وتنظرهم نَظْرَةَ احتقار ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ ، ولن يعطِيَهم ﴿خَيْرًا﴾؛ أي: هدايةً وأجْرًا، بل آتاهم الخير العظيم، بالإيمان به، واتباع نبيه، فهو مجازيهم بالجزاء العظيم في الآخرة، ورافِعُهم في الدنيا إلى أعلى محل، ولا يضرهم احتقارُكم لهم شيئًا.
أي: ولا أقولُ للذين اتبعوني، وآمنوا باللهِ وحده، وأنتم تنظرون إليهم نَظْرةَ استصغارٍ، واحتقارٍ، فتزدريهم أعينُكم لفقرهم، ورَثَاثَةِ حالهم: لن يؤتيهم الله خيرًا، وهو ما وعدوه على الإيمان والهُدى من سعادة الدنيا والآخرة، ولا يُبْطِلُ احتقَارُكم إيَّاهُمْ أجْرَهم، وليس لي أن أطَّلِعَ على ما في نفوسهم فأقْطَعَ عليهم بشيء.
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من الإيمان به، والإخلاص له فَيُجازِيهم على ذلك، ليس لي ولا لكم من أمرهم شيء؛ أي: بل الله أعْلَمُ بما في قلوبهم، وبما آتاهم من الإيمان على بصيرة، ومن اتباع رسوله بإخلاصٍ وصدق سريرة، لا كَمَا زَعمتم من اتباعهم إيايَ باديَ الرأي، بلا بصيرة ولا علم.
﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لهم: إن فعلْتُ بهم ما تُريدونه أو من الظالمينَ لأنفسهم إن فعلتُ ذلك بهم؛ أي: إنّي إذا قَضَيْتُ على سرائرهم، بخلاف ما أبْدَتْه لي ألسنتهم على غير علم مني بما في نفوسهم، أكُونَ ظالمًا لهم بهضم
стр. 5556
حقوقهم.
٣٢ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال قومُ نوح له؛ أي: جاوبوه بغير ما تقدم مِنْ كلامهم وكلامِه عجزًا عن القيام بالحجة، وقصورًا عن رتبة المناظرة، وانْقِطاعًا عن المباراة بقولهم: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾؛ أي: خاصَمْتَنَا بأنواع الخصام، وحاجَجْتَنَا بضروب الحجج، ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾؛ أي: خصومَتَنا، ودفاعنا بكل حجة لها مدخل في المقام، واستقصيت فيه، فلم تدع حجة إلا ذكرتها حتى مللنا وسئمنا، ولم يَبْقَ لنا في هذا الباب شيءٌ من الجواب، فقد ضاقَتْ علينا المسالك، وانسدَّتْ أبوابُ الحِيَلِ، ولم يَبْقَ لدَيْنا شيء نَقُولُه كما قال في سورة نوح حكايةً عنه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦)﴾ قال أبو السعود: فَأكْثَرْتَ جِدَالنا؛ أي: شَرَعْتَ في الجدال، فأكثرت، أو جادلْتَنا؛ أي: أرَدتَ جِدالَنا فأكثرتَ جِدَالَنا، فلا بُدَّ من أحد هذين التأويلين لِيَصِحَّ العطف، انتهى. ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾؛ أي: بالذي تعدناه، وتُخْبِرَنا به من عذاب الله الدنيوي الذي تَخَافُه علينا، وهو الذي أراده بقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما تقولُه لنا؛ أي: إن كنتَ صادقًا في دَعْواكَ أنَّ اللَّهَ يعاقبنا على عصيانه في الدنيا قبلَ عقابِ الآخرة.
وإنَّما كثرت مُجَادَلتُهُ لهم؛ لأنه أقام فيهم ما أخبر الله به ألْفَ سنة إلا خمسينَ عامًا، وهو كل وقت يدعوهم إلى الله، وهم يجيبونه بعبادتهم أصنامهم، وقرأ (١) ابن عباس: ﴿فأكثرت جدلنا﴾ كقوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾. قال أبو البقاء: قوله تعالى: ﴿قَدْ جَادَلْتَنَا﴾ الجمهور على إثبات الألف، وكذلك: ﴿جدلتنا﴾ فأكثرتَ جدلنا بغير ألف فيهما، وهو بمعنى غلبتنا بالجَدَل، انتهى.
٣٣ - ﴿قال﴾ نوح لقومه حين استعجلُوه بإنزال العذاب يا قوم ﴿إِنَّمَا﴾ ذلكم العذاب بيد الله لا أملكه، وهو الذي ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ﴾؛ أي: إن تعلقت مشيئته به في الوقت الذي تَقتضيه حكمتُه، فإن قضَتْ مشيئته، وحكمته بتعجيله .. عَجَّلَهُ لكم،
стр. 5557
وإن قَضَتْ مشيئته، وحكمته بتأخِيرِه .. أخَّره ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾؛ أي: بفائتين عمَّا أراده الله بِكُم بهربٍ، أو مدافعة؛ أي: لستم بفائتيه هربًا منه إن أخَّره لحكمة يعلمها، وهو واقع لا محالةَ متى شاء, لأنكم في ملكه وسلطانه، وقدرتُه نافذة عليكم لا يمكن أن تفلِتوا منه، ولا أنْ تَمْتَنِعُوا.
٣٤ - ولمّا قالوا (١) قَدْ جَادَلْتَنَا، وطلبوا تعجيلَ العذابِ، وكانَ مجادلَتُهُ لهم، إنما هو على سبيل النصح، والإنقاذ من عذاب الله قال: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ وقرأ عيسى بن عُمَر الثقفي: (نَصْحِي) بفتح النون، وهو مصدر، وقرأه الجمهور بضمها، فاحتملَ أن يكونَ مصدرًا كالشكر، واحتمل أن يكونَ اسمًا.
أي: ولا ينفعكم، ولا يفيدكم إنذاري، وتحذيري إياكم عقوبتَه، ونزولَ العذاب بكم ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ وجوابُ هذا الشرط محذوف، دَلَّ عليه ما قبله، تقديره: إن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي الذي أبذُلُه لكم، وأستكثر منه قيامًا مني بحقِّ النصيحة لله، بإبلاغ رسالته، ولكم بإيضاح الحق، وبيان بطلان ما أنتم عليه ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ﴾ ﴿يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ويضلكم عن طريق الهدى والتوحيد، فلا ينفعكم نصحي بمجرد إرادتي له فيما أدْعُوكم إليه، بل يتوقف نَفْعُه على إرادة الله تعالى له، وقد مضت سنته كما دلَّت عليه التجارب، أنَّ النُّصْحَ إنما يقبله المستعد للرشاد، ويرفضه مَنْ غَلَبَ عليه الغيُّ والفسادُ باجتراحه أسْبَابَه من غُرور بِغنًى أو جاهٍ، أو باتباع هَوًى وحبِّ شهوات تمنع من طاعة الله تعالى.
فمعنى الآية (٢): لا ينفعكم نصحي، إن كان الله يريد أنْ يُضِلَّكُم عن سبيل الرشاد، ويَخْذلكم عن طريق الحق.
والخلاصة (٣): أنَّ معنى إرادة الله إغواءَهم: اقتضاءُ سننه فيهم أن يكونوا من
стр. 5558
الغاوينَ لا خَلْقه للغواية فيهم ابتداء من غير عمل منهم، ولا كسب لأسبابها، فإن الحَوادثَ مرتبطة بأسبابها، والنتائجَ متوقفة على مقدماتها ﴿هُوَ﴾ ﴿رَبُّكُمْ﴾؛ أي: مالك أمُوركم، ومُدبِّرُها بحسب سُنَنِه المطردة في الدنيا، فإليه الإغواء، وإليه الهدايةُ، ولكل شيء عنده قدر، ولكل قدر أَجَل ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الآخرة، فيجازيكم بما كنتم تعملون، إن خيرًا .. فخيرًا، وإن شرًّا .. فشر، ولا تظلمون نقيرًا.
الإعراب
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿مَن﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿أَظْلَمُ﴾ خبره، والجملة مستأنفة، ﴿مِمَّنِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَظْلَمُ﴾، ﴿افْتَرَى﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة صلة الموصول ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿افْتَرَى﴾، ﴿كَذِبًا﴾ مفعول به ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ﴿يُعْرَضُونَ﴾ فعل ونائب فاعل ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبرُ المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُعْرَضُونَ﴾، ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي وإن شئت: قلتَ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿يقول﴾، ﴿كَذَبُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ متعلق به ﴿أَلَا﴾ حرف تنبيه ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ مبتدأ ومضاف إليه ﴿عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ خبره، والجملة في محل النصب مقول القول.
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩)﴾.
﴿الَّذِينَ﴾ صفة لـ ﴿الظَّالِمِينَ﴾، ﴿يَصُدُّونَ﴾ فعل وفاعل صلةُ الموصول ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق به، ﴿وَيَبْغُونَهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يَصُدُّونَ﴾، ﴿عِوَجًا﴾ حال من (الهاء) في ﴿يبغونها﴾، ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ متعلق
стр. 5559
بـ ﴿كَافِرُونَ﴾، ﴿وَهُم﴾ توكيد لفظي ﴿كَافِرُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب حال من (واو) يصدون.
﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بـ ﴿مُعْجِزِينَ﴾ ﴿وَمَا﴾ الواو: عاطفة (ما) نافية ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم على اسمها ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، حال ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أو متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر ﴿مِن﴾ زائدة ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ اسم ﴿كاَنَ﴾ مؤخر؛ أي: وما كان أولياء كائِنينَ لهم من دون الله، وجملة ﴿كاَنَ﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿لَمْ يَكُونُوا﴾، ﴿يُضَاعَفُ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة ﴿لَهُمُ﴾ متعلق به ﴿الْعَذَابُ﴾ نائب فاعل، والجملة مستأنفة أو معطوفة بعاطف مقدر على جملة ﴿لَمْ يَكُونُوا﴾، ﴿ما﴾ نافية ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿كاَنَ﴾، والجملة مستأنفة مسوقةٌ لتعليل مضاعفة العذاب، ﴿وَمَا﴾ (الواو) عاطفة (ما) نافية ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص، واسمه، وجملة ﴿يُبْصِرُونَ﴾ خبره، وجملة (كان) معطوفة على جملة ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾: مبتدأ وخبر والجملة مستأنفة ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول. ﴿وَضَلَّ﴾: فعل ماض. ﴿عَنْهُمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿ضل﴾ ﴿ما﴾ موصولة أو موصوفة في محل رفع فاعل ﴿ضل﴾. ﴿كَانُوا﴾: فعل ماض ناقص، والواو: اسمها في محل رفع ﴿يَفْتَرُونَ﴾: فعل مضارع والجملة في محل نصب خبر كان، والجملة الاسمية صلة ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما يفترونه. ﴿لَا﴾: زائدة ﴿جَرَمَ﴾
стр. 5560
فعل ماض بمعنى حق، وثبت مبني على الفتح، ﴿أَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ متعلق بـ ﴿الْأَخْسَرُونَ﴾، ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل ﴿الْأَخْسَرُونَ﴾ خبر (أنّ)، وجملة (أنّ) المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لـ ﴿جَرَمَ﴾، والجملة مستأنفة، والمعنى حَقَّ، وثبت كَوْنُهم الأخْسرين.
فصل في لا جرم
وقد مر لك بعض المباحث في جرم في مبحث التفسير، وفي "السمين": وفي هذه اللفظة خلاف بين النحويين، وتلخَّص من ذلك وجوه.
أحدُها: وهو مذهب الخليل، وسيبويه، أنهما مركَّبتان من ﴿لا﴾ النافية و ﴿جَرَمَ﴾ وبُنِيَتا على تركيبهما تركيبَ خمسة عشر، وصار معناهما معنى فعل، وهو حقَّ، فعلى هذا يرتفع ما بعدهما بالفاعلية، فقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾؛ أي: حقَّ وثَبَت كون النار لهم، أو استقرارُها لهم.
الوجه الثاني: أنَّ ﴿لَا جَرَمَ﴾ بمعنى لا رَجُل في كون ﴿لا﴾ نافية للجنس، وجرمَ اسمها مبني معها على الفتح، وهي واسمها في محلّ رفع بالابتداءِ, وما بعدهما خبر ﴿لا﴾ النافية للجنس، وصار معناها, لا محالةَ في أنهم في الآخرة هم الأخسرون؛ أي: في خسرانهم.
الوجه الثالث: أنَّ ﴿لا﴾ نافية لكلام قد تقدم تكلم به الكفرةُ، فردَّ الله عليهم ذلك بقوله: ﴿لا﴾ كما ترد لا هذه قبلَ القسم في قوله لا أُقسِمُ وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقد تقدَّم تَحْقِيقُه، ثم أتى بعدها بجملة فعلية، وهي جرم أنَّ لهم كذا وجَرَم فعل ماض معناه كسب وفاعله مستتر يعود على فعلهم المدلول عليه بسياق الكلام، وأنَّ وما في حيزها في موضع المفعول به؛ لأنَّ ﴿جَرَمَ﴾ يتعدى إذا كان بمعنى كسَبَ، وعلى هذا فالوَقْف على قوله: ﴿لا﴾ ثم يبتدىءُ بـ ﴿جَرَمَ﴾ بخلاف ما تقدَّم.
الوجه الرابع: أنَّ معناه لا حَدَّ، ولا منعَ، ويكون ﴿جَرَمَ﴾ بمعنى القَطْعِ
стр. 5561
تقول: جرمت؛ أي: قطعت فيكون ﴿جَرَمَ﴾ اسمَ لا مبنيٌّ معها على الفتح كما تقدَّم، وخبرها ﴿أنَّ﴾ وما في حيزها على حذف حرف الجر، أي: لا منع من خسرانهم فيعود فيه الخلاف المشهور، وفي هذا اللفظ لغاتٌ: يقال: لا جِرْمَ، بكسر الجيم، ولا جُرْم بضمها, ولا جَر بحذف الميم، ولا ذا جَرم، ولا أنَّ ذا جَرم، ولا ذُو جرم، وغير ذلك انتهى.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣)﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿الَّذِينَ﴾ اسمها ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿وَأَخْبَتُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿آمَنُوا﴾ إلى ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ متعلق به ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿إِن﴾ وجملة ﴿إِن﴾ مستأنفة ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾، ﴿خَالِدُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة مؤكِّدة لما قَبْلَها.
﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾.
﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ مبتدأ ومضاف إليه، ﴿كَالْأَعْمَى﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة، ﴿وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ معطوفات على ﴿الأعمى﴾، ﴿هَلْ﴾ حرف للاستفهام الإنكاري ﴿يَسْتَوِيَانِ﴾ فعل وفاعل ﴿مَثَلًا﴾ تمييز محول عن الفاعل, والأصل هل يستوي مثَلُها، والجملة مستأنفة ﴿أَفَلَا﴾ (الهمزة) للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف، و (الفاء) عاطفة على ذلك المحذوف، (لا) نافية ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفةٌ على ذلك المحذوف، والتقدير: أتشكون في عدم الاستواء، فلا تذكَّرون ما بَيْنَهما من التباين.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ الواو: استئنافية واللام موطئة للقسم ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿أَرْسَلْنَا
стр. 5562
نُوحًا﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾: متعلق به، والجملة جواب للقسم المحذوف وجملة القسم المحذوف مستأنفة. ﴿إِنِّي﴾ بالكسر ناصب واسمه ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿نَذِيرٌ﴾، ﴿نَذِيرٌ﴾ خبر إن ﴿مُبِينٌ﴾ صفة نذير، وجملة إن المكسورة في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره قائلًا: إني لكم نذير مبين، وأما قراءة فتح همزة أنَّ فعلى تقدير حرف الجر.
﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾.
﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر ﴿لَا﴾ ناهية جازمة ﴿تَعْبُدُوا﴾ فعل وفاعل في محل نصب بـ ﴿أن﴾ المصدرية مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿اللَّهَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة أن المصدرية، أن مع صلتها في تأويل مصدر ومجرور بحرف جر محذوف تقديره: ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه بعدم عبادة غير الله تعالى، ويصح كونُ أنْ مخففة، وكونُها تفسيرية ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه ﴿أَخَافُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على نوح ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق به ﴿عَذَابَ يَوْمٍ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿أَلِيمٍ﴾ صفة ﴿يَوْمٍ﴾ على سبيل التجوز، أو صفة ﴿عَذَابَ﴾ مجرور بالجوار نظير هذا جحر ضب خرب، وجملة ﴿أَخَافُ﴾ في محل الرفع خبر إن، وجملة إن مستأنفة مسوقة لتعليل قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ ولقوله: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾ إلخ كما في "الجمل".
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾.
﴿فَقَالَ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾ فعل وفاعل معطوف على جملة ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ صفة ﴿الْمَلَأُ﴾، ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ جار ومجرور حال من فاعل ﴿كَفَرُوا﴾، ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ مقول محكي لـ ﴿قال﴾، وإن شئتَ قلت: ﴿ما﴾ نافية ﴿نَرَاكَ﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْمَلَأُ﴾، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿بَشَرًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿نَرَاكَ﴾ إن كانت علمية أو حال من الكاف إن كانت بصرية ﴿مِثْلَنَا﴾ صفة لـ ﴿بَشَرًا﴾ والجملة الفعلية في محل النصب مقول القول ﴿وَمَا﴾ الواو: عاطفة.
стр. 5563
ما نافية ﴿نَرَاكَ﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْمَلَأُ﴾، ﴿اتَّبَعَكَ﴾ فعل ومفعول به ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿الَّذِينَ﴾ فاعل ﴿اتبع﴾، وجملة ﴿اتَّبَعَكَ﴾ في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿نَرَاكَ﴾ إن كانت علمية، أو حال من الكاف إن كانت بصرية، والجملةُ الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿نَرَاكَ﴾ الأول ﴿هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول، ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿اتَّبَعَكَ﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، (ما): نافية ﴿نَرَى﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْمَلَأُ﴾، ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق به، وهو في محل المفعول الثاني، إن كانت علمية ﴿عَلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿فَضْلٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿فَضْلٍ﴾ مفعول أول لـ ﴿نَرَى﴾، والجملةُ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿مَا نَرَاكَ﴾، ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب ﴿نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْمَلَأُ﴾ والجملة في محل النصب معطوفة على الجمل التي قبلَها على كونِهَا مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾.
﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)﴾.
﴿قَالَ﴾ فعل وفاعله ضمير يعود على نوحٍ، والجملة مستأنفة ﴿يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلتَ: ﴿يَا قَوْمِ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول قال ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فعل وفاعل، وهو: يتعدى إلى مفعولين، والأول محذوف، لدلالة ما بعده عليه، تقديره: أرأيتم البَيِّنة من ربي إن كنتُ عليها أنلزمكموها، والمفعولُ الثاني: جملة الاستفهام الآتية ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿كُنْتُ﴾ فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعلَ شرط لها ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ جار ومجرور خبر ﴿كان﴾، ﴿مِنْ رَبِّي﴾ صفة لـ ﴿بَيِّنَةٍ﴾، ﴿وَآتَانِي﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول ثان لـ ﴿آتَانِي﴾ لأنه بمعنى أعْطَى ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿رَحْمَةً﴾، وجملة ﴿آتاني﴾ في محل الجزم معطوفة على جملة ﴿كان﴾، ﴿فَعُمِّيَتْ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿عميت﴾ فعل ماض مغير الصيغة في محل الجزم معطوف على ﴿آتاني﴾ ونائب
стр. 5564
فاعله ضمير يعود على كل من البينة والرحمة ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق به، وجواب الشرط محذوف، تقديره: إن كنت على بينة من ربي، أأقدر على إلزامكم إياها، وجملة الشرط معترضة بينَ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ وبين مفعولها الثاني في محل النصب، مقول لـ ﴿قَالَ﴾، ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الأنكاري ﴿نلزم﴾ فعل مضارع مرفوع، وقرىء بإسكان الميم الأول فرارًا من توالي الحركات، وهو متعد إلى مفعولين، وفاعله ضمير يعود على نوح ومَنْ معه، (الكاف) ضمير المخاطبين في محل النصب مفعول أول، و (الميمُ) حرفُ دال على الجمع، مبني بسكونٍ مقدر، مَنَعَ من ظهوره حركة إتباع الكاف، و ﴿الواو﴾ حرف متولد من إشباع ضمة الميم، و ﴿الهاء﴾ في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿ألزم﴾ والجملة الفعلية في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ كما مرَّ آنفًا، ﴿وَأَنْتُمْ﴾ مبتدأ ﴿لَهَا﴾ متعلق بما بعده ﴿كَارِهُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من كاف المخاطبين في ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾.
﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩)﴾.
﴿وَيَا قَوْمِ﴾ منادى مضاف معطوف على ﴿وَيَا قَوْمِ﴾ الأول ﴿لَا﴾ نافية ﴿أَسْأَلُكُمْ﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على نوح ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق به ﴿مَالًا﴾ مفعول ثان، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونه جوابَ النداء ﴿إن﴾ نافية ﴿أَجْرِيَ﴾ مبتدأ، ومضاف إليه ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿ما﴾ نافية ﴿أَنَا﴾ مبتدأ ﴿بِطَارِدِ الَّذِينَ﴾ خبر، ومضاف إليه و ﴿الباء﴾ زائدة، والجملة في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ خبره ومضاف إليه، وجملة إن في محل النصب مقول لـ ﴿قَالَ﴾ على كونها معلّلةً لما قبلها ﴿وَلَكِنِّي﴾ ناصب واسمه ﴿أَرَاكُمْ﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على نوح ﴿قَوْمًا﴾ مفعول ثان، وجملة ﴿تَجْهَلُونَ﴾ صفة ﴿قَوْمًا﴾ وجملة ﴿أَرَاكُمْ﴾
стр. 5565
في محل الرفع خبر ﴿لكنَّ﴾ وجملة الاستدراك معطوفة على ما قبلَها على كَوْنِها مقولَ القول.
﴿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾.
﴿وَيَا قَوْمِ﴾ منادى مضاف معطوف على ﴿وَيَا قَوْمِ﴾ الأول. ﴿مَن﴾ اسم للاستفهام الإنكاري في محل الرفع مبتدأ ﴿يَنْصُرُنِي﴾ فعل ومفعول ونون وقاية وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿من﴾ الاستفهامية، والجملة الاسمية جواب النداء على كَوْنِهَا مقول القول، ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿طَرَدْتُهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية معلوم مما قَبْلَهَا، والتقدير: إن طردتهم فمن ينصرني، وجملة إن الشرطية في محل النصب مقول لـ ﴿قال﴾ ﴿أَفَلَا﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام التوبيخي داخلةٌ على محذوف، و ﴿الفاء﴾ عاطفة على ذلك المحذوف ﴿لا﴾ نافية ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ فعل وفاعل ومفعوله محذوف تقديره: ما ينبغي تذكره من أحوالهم، والجملة الفعلية معطوفة على ذلك المحذوف، تقديره: أتستمرون على ما أنتم عليه من الجهل فلا تذكرون؟ والجملة المحذوفة مع ما عُطِفَ عليهَا مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لا﴾ نافية ﴿أَقُولُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ﴾ على كونهَا جوابَ النداءِ ﴿لَكُم﴾ متعلق بـ ﴿أَقُولُ﴾ ﴿عِنْدِي﴾ خبر مقدم ﴿خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ ﴿أقول﴾.
﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لا﴾ نافية ﴿أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ فعل ومفعولٌ به, لأنَّ عَلِم هنا بمعنى عَرَفَ، وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملةُ الفعلية معطوفة على جملة ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ على كَوْنِهَا مقولَ أقول؛ أي: ولا أقول لكم إني أعلم
стр. 5566
الغيبَ، ﴿وَلَا أَقُولُ﴾ معطوف على ولا أقول الأول ﴿إِنِّي مَلَكٌ﴾ ناصب واسمه وخبره، والجملة في محل النصب مقول أقول، ﴿وَلَا أَقُولُ﴾ معطوف على ﴿وَلَا أَقُولُ﴾ الأول ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلق به ﴿تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعوله محذوف تقديره: تزدريهم وهو العائد على الموصول، والجملة الفعلية صلةُ الموصول ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ ناصب وفعل ومفعول أول وفاعل ومفعول ثان، والجملةُ في محل النصب مقول ﴿أَقُولُ﴾، ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿أَعْلَمُ﴾ خبره ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ والجملةُ الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل قوله: ﴿وَلَا أَقُولُ﴾ ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه ﴿إِذًا﴾ حرف جواب لا عمل لها لعدم دخولها على الفعل ﴿لَمِنَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل قوله ﴿وَلَا أَقُولُ﴾.
﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)﴾.
﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿يَا نُوحُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا نُوحُ﴾ منادى مفرد العلم، وجملة النداءِ في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿قَدْ جَادَلْتَنَا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محلِّ النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونهَا جوابَ النداء، ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿جَادَلْتَنَا﴾، ﴿فَأْتِنَا﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَأَكْثَرْتَ﴾، ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أتنا﴾، ﴿تَعِدُنَا﴾ فعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: تعدناه، وهو العائد على الموصول، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿كُنْتَ﴾ فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كَوْنِهِ فعلَ شرط لها ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ خبره، وجواب ﴿إِن﴾ معلوم مما قبلها تقديره: إن كنتَ من الصادقين .. فأتنا بما تعدنا، وجملةُ ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾.
﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣)﴾.
стр. 5567
﴿قَالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ مقول محكي، وإن شئتَ قلت: ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، ﴿يَأْتِيكُمْ﴾ فعل ومفعول ﴿بِهِ﴾ متعلق به ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِن﴾ حرف شرط ﴿شَاءَ﴾ فعل ماض في محل الجزم، بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فِعلَ شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ وجواب إن معلوم مما قبلها تقديره: إن شاء يأتيكم به، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية في محل النصب، مقولُ ﴿قَالَ﴾، ﴿وَمَا﴾ حجازية، أو تميمية لعدم ظهور الإعراب في الخبر، ﴿أَنْتُمْ﴾ اسمها أو مبتدأ ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ خبرها أو خبر المبتدأ، و (الباء) زائدة، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾.
﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ على كونها مقول ﴿قَالَ﴾: ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿أَرَدْتُ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم على كونه فعلَ شرطِ لها ﴿أَنْ أَنْصَحَ﴾ ناصب وفعل منصوب ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: إن أردت النصح لكم، وجوابُ ﴿إن﴾ معلوم مما قبلها تقديره: إن أردت النصحَ لكم لا ينفعكم نصحي، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط ﴿كَانَ اللَّهُ﴾ فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ (إنْ) على كونه فِعْلَ شرط لها، ﴿يُرِيدُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة في محل النصب خبرُ ﴿كَانَ﴾، ﴿أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، لـ ﴿يُرِيدُ﴾ تقديره: يريد إغواءه إياكم، وجواب هذا الشرط الثاني: هو الشرط الأول، وجوابه تقديره: إن كان الله يريد أن يُغْويكم .. فإن أردتُ أن أنْصَحَ لكم .. فلا ينفعكم نصحي، وذلك لأنه إذا اجتمع في الكلام شرطان وجواب، يُجعل الشرط الثاني
стр. 5568
شرطًا في الأول؛ لأنَّ الشرطَ مقدَّم على المشروط في الخارج، ذكَرَه في "الفتوحات" ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب، مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها تَعْلِيلًا لِما قبلها، ﴿وَإِلَيْهِ﴾ متعلق بما بعده ﴿تُرْجَعُونَ﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ على كونهَا تَعْلِيلًا لما قبلها، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ﴿أَظْلَمُ﴾ اسم تفضيل من ظلم يظلم، من باب: ضرب: ظلمًا، والظلم وضع الشيء في غير محله، وهو ضد العدل، والافتراءُ: اختلاق الشيء من عند نفسه، من غير أن يكون له أساس ﴿يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾؛ أي: للمحاكمة عرضًا تظهر به فضيحتهم على ربهم؛ أي: على من يحسن إليهم، ويَمْلِكُ نواصِيَهم وكانوا جَديرينَ أن لا يكذبوا عليه ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾، والأشهاد: جمع شاهد، كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف، والأشهادُ الملائكة الذين يحفظون عليهم أعمالَهم في الدنيا أو الأنبياءُ أو هما والمؤمنون، أو ما يشهد عليهم من أعضائهم، أقوالٌ، واللعنة الطرد من الرحمة، والصدُّ عن سبيل الله الصرف عن دينه، والمنع من الدخول فيه ﴿يبغونها عوجًا﴾؛ أي: يصفونها بالاعوجاج تنفيرًا للناس عنها، والعِوج: الالتِواءُ، وعدمُ الاستِواء يقال: بَغَيْتُك شرًّا؛ أي: طلبته لك.
وفي "المختار": عوج - من باب طرب - فهو أعوج، والاسمُ العِوَجُ بكسر العين، فما كان في حائط أو عُود أو نحوهما، مما ينتصب فهو عَوَج بفتح العين، وما كان في أرض أو دين أو معاش فهو عِوَجٌ بكسر العين، واعوجَّ الشيء اعوجاجًا، فهو معوَّج بوزن محمَّد، وعصا معوجة أيضًا؛ أي: غيرَ مستقيمة. اهـ.
﴿مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لا يمكنهم أنْ يهربوا مِنْ عذابه ﴿وَضَلَّ﴾؛ أي: غابَ ﴿لَا جَرَمَ﴾ قال الفراء: هي كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بُدَّ، ولا محالةَ
стр. 5569
فَجَرَتْ على ذلك، وكثُرَتْ حتى تحولت إلى معنى القسم، وصارت بمنزلة حقًّا، فلذلك يجاب عنها باللام، كما يجاب بها عن القسم، ألا تراهم يقولون: لا جرم لآتينك. اهـ "مختار". وقد مر البحث عن ﴿لَا جَرَمَ﴾ في مبحثِ التفسير، وفي مبحثِ الإعراب، فلا حاجةَ إلى إطالة المبحث عنه هنا.
﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ والإخبات في اللُّغة هو: الخشوعُ، والخضوع، وطمأنينة القلب، ولفظُ الإخبات يتعدَّى بإلى وباللام، فإذا قُلْتَ: أخْبَت فلان إلى كذا، فمعناه اطمأنَّ إليه، وإذا قلتَ: أخْبَتَ له فمعناه: خَشَعَ، وخضع له، ﴿وَأَخْبَتُوا﴾ بمعنى: خشعوا، وخضعوا، وأصْلُه من الخبت، وهو الأرضُ المطمئنة ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ﴾، و ﴿الأعمى﴾ هو من قام به العَمَى، والعَمى بفتحتين ذهابُ البصر، خِلْقةً أوْ لاَ يقال: عَمِيَ من باب صَدِي فهو أعمى، وقوم عُمْيٌ ﴿وَالْأَصَمِّ﴾ هو من قام به الصمم، والصمم ذَهابُ السمع خِلقة أَوْ لا، يقال: أصمّه الله فصم يصم بالفتح صممًا، وأصمَّ أيضًا بمعنى صَمَّ؛ أي: حَصَلَ له الصممُ، ورَجب شهر الله الأصمُّ، قال الخليل: إنما سمى بذلك؛ لأنه كان لا يسمع فيه صوت مستغيث، ولا حركة قتال، ولا قعقعةُ سِلاح, لأنه من الأشهر الحُرُم. اهـ "مختار".
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فيه إدغامُ التاء الثانية في الأصل، في الذال على قراءة التشديد، وقرىء في السبعة: تذكرون بتخفيف الذال وتشديد الكاف بحذف إحدى التائين على حدِّ قول ابن مالك - وما بتاءين ابتدى قَدْ يُقْتَصَرُ - إلخ.
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ﴾ الملأُ: الأشرافُ، والرؤساءُ، والزعماء ﴿هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾، وفي "السمين": الأراذل فيه وجهان:
أحدهما: أنه جمع الجمع، فهو جمع أرذل بضم الذال، جمع رذل، بسكونها مثل أكالب، وأكلب، وكلب.
ثانيهما: أنه جمع مفرد، فالأراذل جمع الأرذل، كأكابر وأكبر، وأساود وأسود، وأباطح وأبطح، وأبارق وأبرق، وجمع على هذه الزنة، وإن كان وصفًا؛ لأنه غلبت عليه الاسمية، فصارَ كالأسماء، ومعنى غَلَبَتِهِ أنّه لا يكاد يذكر الموصوف معه، وهو مثل الأبطَح، والأبرق. ذَكَره أبو البقاء، والأرذل: الخسيس
стр. 5570
الدنيء المرغوب عنه لدناءته والسفلة، قال النحاس: الأراذِلُ الفقراء الذينَ لا حسَبَ لهم، والحسَبُ الصِّناعاتُ. قال الزجاج: نسبوهم إلى الحياكة، ولم يعلموا أنَّ الصناعات لا أثرَ لها في الديانة، وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: السفلة هو الذي يُصْلِحُ الدنيا بدينه، قيل له: فمن سَفَلةُ السَّفلةِ قال: الذي يُصْلِحُ دنيا غيرهِ بفساد دينه، والظاهر من كلام أهل اللغة أنَّ السفلة هو الذي يدخل في الحِرَفِ الدنية. ذكره الشوكاني.
﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ يقرأ (١) بهمزة بعد الدال، وهو من بَدَأَ يبدأُ إذا فَعَلَ الشيءَ أولًا، ويقرأ بياءِ مفتوحة، وفيه وجهان:
أحدهما: أنَّ الهمزةَ أبدِلَتْ ياءً لانكسار ما قبلها.
والثاني: أنه من بدا يبدو إذا ظَهَرَ وبادِيَ هُنَا ظَرفُ، وجاء على فاعل كما جاءَ على فعيل نَحْو: قريب، وبعيد، وهو مصدرُ مِثْلُ العافية، والعاقبة، وفي العامل فيه أربعةُ أوجه:
أحدها: نراك أي فيما يظهر لنا من الرأي، أو في أول رأينا فإن قيل ما قبل إلّا إذا تمَّ لا يعمل فيما بعدها كقولك، ما أعطيتُ أحدًا إلا زيدًا دينارًا, لأنَّ إلّا تُعدِّي الفعلَ ولا تعديه إلا إلى واحد كالواو في باب المفعول معه قيل جاز ذلك هنا, لأنَّ بادِيَ ظرف أو كالظرف، مثل جَهْد رأيي إنك ذاهب؛ أي: في جهدِ رأيي، والظروف يتوسع فيها.
والوجه الثاني: إن العاملَ فيه: أتبعكَ؛ أي: اتبعوك في أول الرّأي، أو فيما ظهَر منه من غير أن يبحثوا.
والوجه الثالث: أنه من تمام أراذلنا؛ أي: الأراذل في رَأينا.
والرابعُ: أنَّ العاملَ فيه محذوف؛ أي: يقول ذاك في بادي الرأي به، والرأي مهموز، وغير مهموز، ﴿تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ والازدراء مأخوذٌ من أزرى عليه إذا عَابه،