الغيبَ، ﴿وَلَا أَقُولُ﴾ معطوف على ولا أقول الأول ﴿إِنِّي مَلَكٌ﴾ ناصب واسمه وخبره، والجملة في محل النصب مقول أقول، ﴿وَلَا أَقُولُ﴾ معطوف على ﴿وَلَا أَقُولُ﴾ الأول ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلق به ﴿تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعوله محذوف تقديره: تزدريهم وهو العائد على الموصول، والجملة الفعلية صلةُ الموصول ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ ناصب وفعل ومفعول أول وفاعل ومفعول ثان، والجملةُ في محل النصب مقول ﴿أَقُولُ﴾، ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿أَعْلَمُ﴾ خبره ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ والجملةُ الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل قوله: ﴿وَلَا أَقُولُ﴾ ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه ﴿إِذًا﴾ حرف جواب لا عمل لها لعدم دخولها على الفعل ﴿لَمِنَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف ابتداء ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل قوله ﴿وَلَا أَقُولُ﴾.
﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)﴾.
﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿يَا نُوحُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا نُوحُ﴾ منادى مفرد العلم، وجملة النداءِ في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿قَدْ جَادَلْتَنَا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محلِّ النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونهَا جوابَ النداء، ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿جَادَلْتَنَا﴾، ﴿فَأْتِنَا﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَأَكْثَرْتَ﴾، ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أتنا﴾، ﴿تَعِدُنَا﴾ فعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: تعدناه، وهو العائد على الموصول، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿كُنْتَ﴾ فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كَوْنِهِ فعلَ شرط لها ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ خبره، وجواب ﴿إِن﴾ معلوم مما قبلها تقديره: إن كنتَ من الصادقين .. فأتنا بما تعدنا، وجملةُ ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾.
﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣)﴾.
стр. 5567
﴿قَالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ مقول محكي، وإن شئتَ قلت: ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، ﴿يَأْتِيكُمْ﴾ فعل ومفعول ﴿بِهِ﴾ متعلق به ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِن﴾ حرف شرط ﴿شَاءَ﴾ فعل ماض في محل الجزم، بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فِعلَ شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ وجواب إن معلوم مما قبلها تقديره: إن شاء يأتيكم به، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية في محل النصب، مقولُ ﴿قَالَ﴾، ﴿وَمَا﴾ حجازية، أو تميمية لعدم ظهور الإعراب في الخبر، ﴿أَنْتُمْ﴾ اسمها أو مبتدأ ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ خبرها أو خبر المبتدأ، و (الباء) زائدة، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾.
﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ على كونها مقول ﴿قَالَ﴾: ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿أَرَدْتُ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم على كونه فعلَ شرطِ لها ﴿أَنْ أَنْصَحَ﴾ ناصب وفعل منصوب ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: إن أردت النصح لكم، وجوابُ ﴿إن﴾ معلوم مما قبلها تقديره: إن أردت النصحَ لكم لا ينفعكم نصحي، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط ﴿كَانَ اللَّهُ﴾ فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ (إنْ) على كونه فِعْلَ شرط لها، ﴿يُرِيدُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة في محل النصب خبرُ ﴿كَانَ﴾، ﴿أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، لـ ﴿يُرِيدُ﴾ تقديره: يريد إغواءه إياكم، وجواب هذا الشرط الثاني: هو الشرط الأول، وجوابه تقديره: إن كان الله يريد أن يُغْويكم .. فإن أردتُ أن أنْصَحَ لكم .. فلا ينفعكم نصحي، وذلك لأنه إذا اجتمع في الكلام شرطان وجواب، يُجعل الشرط الثاني
стр. 5568
شرطًا في الأول؛ لأنَّ الشرطَ مقدَّم على المشروط في الخارج، ذكَرَه في "الفتوحات" ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب، مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها تَعْلِيلًا لِما قبلها، ﴿وَإِلَيْهِ﴾ متعلق بما بعده ﴿تُرْجَعُونَ﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ على كونهَا تَعْلِيلًا لما قبلها، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ﴿أَظْلَمُ﴾ اسم تفضيل من ظلم يظلم، من باب: ضرب: ظلمًا، والظلم وضع الشيء في غير محله، وهو ضد العدل، والافتراءُ: اختلاق الشيء من عند نفسه، من غير أن يكون له أساس ﴿يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾؛ أي: للمحاكمة عرضًا تظهر به فضيحتهم على ربهم؛ أي: على من يحسن إليهم، ويَمْلِكُ نواصِيَهم وكانوا جَديرينَ أن لا يكذبوا عليه ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾، والأشهاد: جمع شاهد، كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف، والأشهادُ الملائكة الذين يحفظون عليهم أعمالَهم في الدنيا أو الأنبياءُ أو هما والمؤمنون، أو ما يشهد عليهم من أعضائهم، أقوالٌ، واللعنة الطرد من الرحمة، والصدُّ عن سبيل الله الصرف عن دينه، والمنع من الدخول فيه ﴿يبغونها عوجًا﴾؛ أي: يصفونها بالاعوجاج تنفيرًا للناس عنها، والعِوج: الالتِواءُ، وعدمُ الاستِواء يقال: بَغَيْتُك شرًّا؛ أي: طلبته لك.
وفي "المختار": عوج - من باب طرب - فهو أعوج، والاسمُ العِوَجُ بكسر العين، فما كان في حائط أو عُود أو نحوهما، مما ينتصب فهو عَوَج بفتح العين، وما كان في أرض أو دين أو معاش فهو عِوَجٌ بكسر العين، واعوجَّ الشيء اعوجاجًا، فهو معوَّج بوزن محمَّد، وعصا معوجة أيضًا؛ أي: غيرَ مستقيمة. اهـ.
﴿مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لا يمكنهم أنْ يهربوا مِنْ عذابه ﴿وَضَلَّ﴾؛ أي: غابَ ﴿لَا جَرَمَ﴾ قال الفراء: هي كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بُدَّ، ولا محالةَ
стр. 5569
فَجَرَتْ على ذلك، وكثُرَتْ حتى تحولت إلى معنى القسم، وصارت بمنزلة حقًّا، فلذلك يجاب عنها باللام، كما يجاب بها عن القسم، ألا تراهم يقولون: لا جرم لآتينك. اهـ "مختار". وقد مر البحث عن ﴿لَا جَرَمَ﴾ في مبحثِ التفسير، وفي مبحثِ الإعراب، فلا حاجةَ إلى إطالة المبحث عنه هنا.
﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ والإخبات في اللُّغة هو: الخشوعُ، والخضوع، وطمأنينة القلب، ولفظُ الإخبات يتعدَّى بإلى وباللام، فإذا قُلْتَ: أخْبَت فلان إلى كذا، فمعناه اطمأنَّ إليه، وإذا قلتَ: أخْبَتَ له فمعناه: خَشَعَ، وخضع له، ﴿وَأَخْبَتُوا﴾ بمعنى: خشعوا، وخضعوا، وأصْلُه من الخبت، وهو الأرضُ المطمئنة ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ﴾، و ﴿الأعمى﴾ هو من قام به العَمَى، والعَمى بفتحتين ذهابُ البصر، خِلْقةً أوْ لاَ يقال: عَمِيَ من باب صَدِي فهو أعمى، وقوم عُمْيٌ ﴿وَالْأَصَمِّ﴾ هو من قام به الصمم، والصمم ذَهابُ السمع خِلقة أَوْ لا، يقال: أصمّه الله فصم يصم بالفتح صممًا، وأصمَّ أيضًا بمعنى صَمَّ؛ أي: حَصَلَ له الصممُ، ورَجب شهر الله الأصمُّ، قال الخليل: إنما سمى بذلك؛ لأنه كان لا يسمع فيه صوت مستغيث، ولا حركة قتال، ولا قعقعةُ سِلاح, لأنه من الأشهر الحُرُم. اهـ "مختار".
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فيه إدغامُ التاء الثانية في الأصل، في الذال على قراءة التشديد، وقرىء في السبعة: تذكرون بتخفيف الذال وتشديد الكاف بحذف إحدى التائين على حدِّ قول ابن مالك - وما بتاءين ابتدى قَدْ يُقْتَصَرُ - إلخ.
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ﴾ الملأُ: الأشرافُ، والرؤساءُ، والزعماء ﴿هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾، وفي "السمين": الأراذل فيه وجهان:
أحدهما: أنه جمع الجمع، فهو جمع أرذل بضم الذال، جمع رذل، بسكونها مثل أكالب، وأكلب، وكلب.
ثانيهما: أنه جمع مفرد، فالأراذل جمع الأرذل، كأكابر وأكبر، وأساود وأسود، وأباطح وأبطح، وأبارق وأبرق، وجمع على هذه الزنة، وإن كان وصفًا؛ لأنه غلبت عليه الاسمية، فصارَ كالأسماء، ومعنى غَلَبَتِهِ أنّه لا يكاد يذكر الموصوف معه، وهو مثل الأبطَح، والأبرق. ذَكَره أبو البقاء، والأرذل: الخسيس
стр. 5570
الدنيء المرغوب عنه لدناءته والسفلة، قال النحاس: الأراذِلُ الفقراء الذينَ لا حسَبَ لهم، والحسَبُ الصِّناعاتُ. قال الزجاج: نسبوهم إلى الحياكة، ولم يعلموا أنَّ الصناعات لا أثرَ لها في الديانة، وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: السفلة هو الذي يُصْلِحُ الدنيا بدينه، قيل له: فمن سَفَلةُ السَّفلةِ قال: الذي يُصْلِحُ دنيا غيرهِ بفساد دينه، والظاهر من كلام أهل اللغة أنَّ السفلة هو الذي يدخل في الحِرَفِ الدنية. ذكره الشوكاني.
﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ يقرأ (١) بهمزة بعد الدال، وهو من بَدَأَ يبدأُ إذا فَعَلَ الشيءَ أولًا، ويقرأ بياءِ مفتوحة، وفيه وجهان:
أحدهما: أنَّ الهمزةَ أبدِلَتْ ياءً لانكسار ما قبلها.
والثاني: أنه من بدا يبدو إذا ظَهَرَ وبادِيَ هُنَا ظَرفُ، وجاء على فاعل كما جاءَ على فعيل نَحْو: قريب، وبعيد، وهو مصدرُ مِثْلُ العافية، والعاقبة، وفي العامل فيه أربعةُ أوجه:
أحدها: نراك أي فيما يظهر لنا من الرأي، أو في أول رأينا فإن قيل ما قبل إلّا إذا تمَّ لا يعمل فيما بعدها كقولك، ما أعطيتُ أحدًا إلا زيدًا دينارًا, لأنَّ إلّا تُعدِّي الفعلَ ولا تعديه إلا إلى واحد كالواو في باب المفعول معه قيل جاز ذلك هنا, لأنَّ بادِيَ ظرف أو كالظرف، مثل جَهْد رأيي إنك ذاهب؛ أي: في جهدِ رأيي، والظروف يتوسع فيها.
والوجه الثاني: إن العاملَ فيه: أتبعكَ؛ أي: اتبعوك في أول الرّأي، أو فيما ظهَر منه من غير أن يبحثوا.
والوجه الثالث: أنه من تمام أراذلنا؛ أي: الأراذل في رَأينا.
والرابعُ: أنَّ العاملَ فيه محذوف؛ أي: يقول ذاك في بادي الرأي به، والرأي مهموز، وغير مهموز، ﴿تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ والازدراء مأخوذٌ من أزرى عليه إذا عَابه،
стр. 5571
وزَرَى عليه إذا احتقره، وأنشَدَ الفراء:
يُبَاعِدُهُ الصَّدِيْقُ وَتَزْدَريهِ ... حَلِيْلَتُهُ وَيَنْهَرُهُ الصَّغِيْرُ
وقال الآخر:
تَرَى الرَّجُلَ النَّحِيْفَ فتَزْدَرِيهِ ... وَفِيْ أثْوَابِهِ أسَدٌ هَصُوْرُ
وقال أبو البقاء: ﴿تَزْدَرِي﴾ (١) الدال فيه بدل من تاء الإفعالِ، وأصْلُ تزدري تزتري بوزن تفتعِلُ من زَرَيت، وأبدِلت دالًا لتجانس الزاي في الجهر والتَّاء مهموسةٌ، فلم تجتمع مع الزاي. انتهى.
﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ يقال: عُمِّي عن كذا، وعمِّي عليه كذا بمعنى التبسَ عليه، ولم يَفْهَمْهُ، وخفيَ عليه أمرُهُ.
﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾ أصل الجدال، هو: الصراعُ، وإسقاطُ المرء صَاحِبَه على الجدالة، وهي الأرضُ الصلبة، ثم استُعمل في المخاصمة، والمنازعة بما يشغل عن ظهور الحق، ووضوح الصواب.
﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ والنصحُ بضم النون، وفتحها مع سكون الصاد فيهما، مصدر نَصَح من بابَ فَتَحَ، والنصحُ معناه: تحري الخير، والصلاح للمنصوح له، والإخلاص فيه قولًا وعملًا. ﴿أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ من أغوى الرباعي يُغْوِي إغواءً بمعنى أضله، والإغواء الإيقاع في الغي، وهو الفسادُ الحِسيُّ والمعنويُّ ثلاثيُّهُ غوى الرجل يَغْوِي إذا ضَلَّ وأَخطأ.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستفهامُ الإنكاريُّ في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى﴾.
ومنها: التحقيرُ في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ إشارةٌ إلى تحقيرهم، وإصْغَارِهم بسوء مرتكبهم، وفي قوله ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾؛ أي: على مَنْ
стр. 5572
يُحْسِنُ إليهم، ويَمْلِكُ نَوَاصِيَهم ذكره في "البحر".
ومنها: تكريرُ الضمير في قوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ لتأكيد كفرهم واختصاصهم به حتى كان كفر غيرهم غير معتد به بالنسبة إلى عظيم كفرهم.
ومنها: التشبيه المرسلُ المجمل في قوله: ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ﴾ لوجود أداة التشبيه، وحذف وَجْهِ الشبه؛ أي: مَثَلُ الفريق الكافر ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ﴾ في عدم البصر والسمع. ومثلُ الفريق المؤمن كالسميع والبصير، وهذا التشبيه تشبيه معقول بمحسوس فأعمى البصيرة أصمها، شبِّهَ بأَعْمى البصرِ أصم السَّمْعَ ذلك في ظلمات الضلالات متردد تَائِهٌ، وهذا في الطرقاتِ متحيِّرٌ لا يهتدي إليها.
ومنها: التنبيه بقوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ على أنه يُمْكِنُ زوالُ هذا العَمَى وهذا الصممُ المعقولُ فيجب على العاقل أن يتذكَّر ما هو فيه، ويَسْعَى في هداية نفسه، ويمكن أن يكونَ من باب تشبيه اثنين باثنين، فقُوبِل الأعمى بالبصير وهو طباق، وقوبل الأصمُّ بالسميع وهو طباق أيضًا، والعمى والصمم، آفتان تمنعان من البصر والسمع، ولَيْسَتَا بِضِدَّين لأنه لا تَعاقُبَ بينهما، ويحتمل أن يكون من تشبيه واحد بوصفيه بواحد بوصفيه، فيكون من عطف الصفات، كما قال الشاعر:
إِلى الْمَلِكِ الْقِرْمِ وَابْنِ الْهُمَامْ ... وَلَيْثِ الْكَرِيْهَةِ في الْمُزْدَحَمْ
ولم يجيء التركيب كالأعمى والبصير والأصم والسميع فيكون مقابلة في لفظ الأَعمى وضِدِّه، وفي لَفْظِهِ الأصَمِّ وضدهِ, لأنه تعالى لَمَّا ذكر انسدادَ العين أَتْبَعَه بانسداد السمع، ولَمَّا ذَكَرَ انفتاحَ البصر أتبعه بانفتاح السمع، وذلك هو الأُسلوب في المقابلةِ والأتَم في الإعجازِ، ذَكَرَه في "البحر".
ومنها: المجازُ العقليُّ في قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيم﴾ لأنَّ نسبة الإيلام إلى اليوم مجاز عقلي نظير قولهم: نَهَارُه صائم.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ شبه خَفَاءَ الدليل بالعَمى في أنَّ كُلًّا يمنع الوصولَ إلى المقاصد، فاشتقَّ من العمى بمعنى الخفاء، ﴿عميت﴾ بمعنى خفيت على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية، ويمكن أن يكون
стр. 5573
استعارةً تمثيليةً بأن شَبَّهَ الذي لا يهتدي بالحجة لخفائها عليه، بمَنْ سَلَكَ مفازة لا يعرف طُرُقَها، ومسلكها، واتبع دليلًا أعمى فيها على سبيل الاستعارة التمثيلية.
ومنها: الاستفهامُ التوبيخيٌّ المضمن للإنكار في قوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
ومنها: التهكمُ والاستهزاء في قوله: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾.
ومنها: الحذفُ والزيادة في عِدَّةِ مواضع.
والله أعلم
* * *
المشركين حينَ سماع ما تقدم من هذه القصة، أنها مفتراةٌ لاستغرابهم هذا السبك في الجدال والقُوَّةَ في الاحتجاج؛ فكان إيراد هذه الآية تجديدًا للردِّ عليهم، وتجديدًا لِنشاطِهم.
قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها؛ أن الله لَمَّا أخبر أنَّ نوحًا قد أكثرَ في حجاجهم وجدالهم، وأنه كلما ازدادَ في ذلكَ زَادُوا عتوًّا وطغيانًا حين تعجَّلوا منه العذابَ، وقالوا له: ائتنا بما تَعِدُنا إن كنتَ من الصادقين .. أرْدَفَ ذلك بذكر ما أَيْأسَه من إيمانهم، وأعلمه بأنَّ ذلك كالمحال الذي لا يكون، فالجدالُ والحجاجُ معهم عبث ضائع؛ فلن يؤمن إلا من قد حَصَلَ منه إيمان من قبل، فإِيَّاك أن تَغْتَمَّ على ما كان منهم من تكذيب في تلك الحقبة الطويلة، فقد حَانَ حِينُهُم، وأزِفَ وقت الانتقام منهم.
قولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ...﴾ الآيات، هذه الآيات غايةٌ لما ذكر قبلها من الاستعدادِ لهلاكهم، ومقابلةِ السخرية بغير ابتئاسٍ ولا ضجرٍ.
قوله تعالى ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ ...﴾ الآيات الثلاث الأُولى تبيِّنُ أنَّ حُكْمَ الله في خلقه العدل بلا محاباة لولي ولا نبيٍّ وأنَّ الأنبياء قد يجوز عليهم الخطأ في الاجتهاد، ويعد ذلك ذنبًا بالنظر إلى مقامهم الرفيع، ومعرفتهم بربهم، وذلك مَا عرض له نوحُ ﵇ من الاجتهاد في أمر ابنه الذي تخلَّف عن السفينة فَكَانَ من المغرقين، كما أنَّ في الآية الأخيرةِ استدلالًا على نبوة محمدِ ﷺ وطلب صبره على أذى قومه.
التفسير وأوجه القراءة
٣٥ - و ﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ منقطعة تقدر ببَلْ الإضرابية، وبهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي: بل أيقول مشركو مكة: إنَّ محمدًا ﷺ افتراه؛ أي: اختلق خبر قوم نوح ﵇، وجاءَ به من عند نفسه، أو اختلقَ القرآنَ، وافتراه من عندِ نفسه، فأمره الله أنْ يجيبهم بقوله: ﴿قُلْ﴾ لهم
стр. 5576
يا محمَّد في الجواب: ﴿إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾؛ أي: أنِ افتريت خبرَ قوم نوحٍ، أو افتريتُ هذا القرآنَ على الله من عند نفسي كما تزعمون ﴿فـ﴾ ـما عليكم بأس، ولا ضَرَرَ في ذلك إنما ﴿علي إجرامي﴾؛ أي: إنما عليَّ لا على غيري، ولا عليكم عقوبة إجرامي وذنبي ﴿و﴾ أنتم بريئون من إجرامي كما ﴿أنا بريء مما تجرمون﴾؛ أي: من عقوبة إجرامكم، وذنبكم، فحكم الله العدل: أن يجزى كل امرئ بعمله، كما قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ والإجرامُ والجرم اكتساب الذنب كما سيأتي في مبحث الصرف، وفي الآية حذف، والتقدير إن كنت افتريته فعليَّ عقاب جرمي، وإن كنتُ صَادِقًا وكذبتموني فعليكم عقابُ ذلك التكذيب، إلَّا أنه حذِفَت هذه البقية لدلالة الكَلام عليهَا.
فعلى هذا التفسير تكون هذه الآيةُ (١): دَخيلة في أثناء قصة نوح ومعترضة بين أجزائها؛ لأجل تنشيط السامع لسماع بقية القصة، وأكثر المفسرين على أن هذه الآية من جملة قصة نوح، كما هو ظاهرُ السِّياق والمعنى عليه ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾؛ أي (٢): بل أيقول قوم نوح ﴿افْتَرَاهُ﴾؛ أي: إن نوحًا افترى بما أتانا به من عند نفسه مسندًا إلى الله تعالى ﴿قُلْ﴾ لهم يا نوح ﴿إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾؛ أي: إن اختلقت الوحيَ الذي بلغته إليكم من تلقاء نفسي .. ﴿فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾؛ أي: فعليَّ عقاب اكتسابي للذنب، وإن كنتُ صادقًا، وكذبتموني .. فعليكم عقاب ذلك التكذيب ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾؛ أي: من عقاب كسبكم الذنبَ بإسناد الافتراء إليَّ، وقرأ الجمهور ﴿إجرامي﴾ بكسر الهمزة، وهو مصدر أجرم، وهو الفاشي في الاستعمال، ويجوز (جرم) ثلاثيًّا، وقرىء شاذًا: (أجرامي) بفتح (الهمزة) جمع جرم كأقفال جمع قفل، اهـ "سمين".
٣٦ - ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ﴾؛ أي: أوحى الله إلى نوح بعد أن استعجلَ قومه بالعذاب، ودعا عليهم دعوتَه التي حَكَاهَا الله عنه بقوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾؛ أي: أَوْحَى الله تعالى إليه
стр. 5577
﴿أَنَّهُ﴾؛ أي: أنَّ الشأنَ، والحال ﴿لَنْ يُؤْمِنَ﴾ أحدٌ ﴿مِنْ قَوْمِكَ﴾ المصرينَ على الكفر فيتبَعُك على ما تدعوه إليه من التوحيد ﴿إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ من قبل، فيَظلُّ على إيمانه، ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ ولا تحْزَنْ ﴿بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ أي: بما كانوا يتعاطونه من التكذيب والإيذاء في هذه المدة الطويلة، فقد انتهى أفعالهم، وحانَ وقت الانتقامِ منهم والبؤس والحزن، والابتئاس الحزن مع الاستكانة والتذلل.
والمعنى (١): فلا يشتدَّ عليكَ البؤس والحزن بعد اليوم بما كانوا يفعلون في السنين الطوال، من العناد والإيذاء، والتكذيب لك، ولمَنْ آمن مَعَكَ فَأَرِحْ نَفْسَكَ بعد الآن من جِدَالِهم، ومن إِعراضِهِم، واحْتِقارِهم فَقَد آنَ زَمَن الانتقام، وحَانَ حين العذاب.
قال ابن عباس (٢): إنَّ قومَ نوح كانوا يضربونَ نوحًا حتى يَسْقُطَ فيلفُّونَه في لبد، ويلقونه في بيت يظنون أنه قد مَاتَ، فيخرج في اليوم الثاني، ويدعوهم إلى الله، ويروى أنَّ شيخًا منهم جَاءَ متكئًا على عصاه، ومعه ابنه فقال: يا بنيَّ لا يَغُرنك هذا الشيخُ المجنون، فقال: يا أبت أمكنّي مِن العَصا فأَخَذَها من أبيه، وضرب بها نوحًا ﵇، حتى شجَّه شجَّةً منكرةً فأوحى الله إليه إنه لن يُؤْمِنَ مِن قومك إلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ.
وحكى محمَّد بن إسحاق عن عبد الله بن عُمير الليثي أنه بلغه أنهم كانوا يَبْسطون نُوحًا فيخنِقُونه حتى يغْشَى عليه، فإذا أفاق قال: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، حتى تمادَوا في المعصية، واشتدَّ عليه منهم البلاء، وهو ينتظر الجيلَ بعد الجيل، فلا يأتي قرن إلا كان أنحس مِنَ الذي قبله، ولقد يأتي القرنُ الآخِر منهم فيقول: قد كان هذا الشيخ مع آبائنا وأجْدادِنا هكذا مجنونًا، فلا يقبلون منه شيئًا فشكا نوحٌ إلى الله فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ الآيات حتى بلغ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾.
٣٧ - ثم إنَّ الله لما أخبره أَنهم لا يؤمنونَ ألبتة عرفه وجهَ
стр. 5578
إهلاكهم، وألهَمَهُ الأمرَ الذي يكون به خلاصُه وخلاص من آمن معه فقال: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾؛ أي: واعْمَلْ السفينة التي سننجيك ومن آمن معك فيها حالة كونك محفوظًا محروسًا ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾؛ أي: بحفظنا لك، وحراسَتنَا لك ﴿و﴾ معلمًا كيفيةَ صنعتها بـ ﴿وحينا﴾ وتعليمنَا لك؛ أي: إنَّنا حافظوك في كل آن، فلا يمنعك مِن حفظنا مانعٌ، وملهموك ومعلموك بوحينا كيف تصنعه، فلا يعرضَنَّ لك خَطَأٌ في صنعتها, ولا في وصفها، والظاهر: أنه أمر إيجاب لأنه لا سبيلَ إلى صون نفس وأرواح غيره من الهلاك إلا بهذَا الطريقِ، وصَوْنُ النفس من الهلاك واجبٌ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجبٌ, اهـ "كرخي".
والمراد بقوله (١): ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾؛ أي: بحِراسَتِنَا لك، وحفظِنَا لك، وعَبَّر عن ذلك بالأَعْيُن لأنها آلةُ الرؤية، والرؤية هي التي تكونُ بها الحراسةُ والحفظ في الغالب، وجَمَع الأعْيُنَ للتعظيم لا للتكثير، لئلا يناقض قولَه تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾، وقيل: المعنى: ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾؛ أي: بأعين ملائكتنا الذين جعَلْناهم عُيونًا على حفظك، وقيل: ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ بِعِلمنا، وقيل: بأمرنا، ومعنى بِوَحْيِنا؛ أي: بما أوْحَيْنا إليك من كيفية صنعتها.
﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾؛ أي: ولا تُراجعني ﴿فِي﴾ شيءٍ من أَمْر ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسَهم بالإشراك بدفع العذاب عنهم، وطلبِ الرحمة لهم، فقد حقَّتْ كلمة العذاب عليهم؛ أي: لا تطلب إمهالَهم فقد حان وَقْتُ الانتقام منهم، وجملةُ قوله: ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ بالطوفان للتعليل؛ أي: لا تطلب منَّا إمهالَهم، فإنه محكوم منا عليهم بالإغراق، وقد مضى به القضاء، فلا سبيلَ إلى دَفْعِهِ، ولا إلى تأخيره، وقيل: المعنى: ولا تخاطبني في تعجيل عقابهم، فإنَّهم مغرقون في الوقتِ المضروب، لذلك لا يتأخر إغراقُهم عنه، وقيل: المراد بالذين ظلموا: امرأتُهُ وابنُه.
والخلاصة: لا تأخذنَّك بهم رأفةٌ ولا شفقةٌ، وقرأ (٢) طلحة بن مصرف: (بأعيُنَّا) مدغمةً
٣٨ - ﴿و﴾ شَرَعَ نوح ﵇ ﴿يصنع﴾، ويعمل ﴿الْفُلْكَ﴾ والسفينةُ
стр. 5579
﴿و﴾ الحال أنه ﴿كلما مر﴾ وجاوز ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على نوح ﴿مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾؛ أي: جماعةٌ من كبراء قومه، ﴿سَخِرُوا مِنْهُ﴾؛ أي: سخر الملأ من نوح وعمله، واستهزؤوا به، وضَحِكُوا منه، وتنادَوْا عليه ظَنًّا منهم أنه أُصِيبَ بالهَوَسِ والجنون.
رُوي أنهم قالوا له: أتحولت نَجَّارًا بعد أنْ كُنْتَ نَبيًّا، وليس ذلك بالغريب منهم، فإنه ما من أحد يسبق أهل عصره بما فوق عقولهم من قول أو فعل إلا سخروا منه قبل أن يكْتبَ له النجاح.
وفي وجه سخريتهم منه قولان:
أحدُهما: أنهم كانوا يرونه يَعْمل السفينةَ، فيقولون: يا نوح صرت بعد النبوة نجارًا.
والثاني: أنهم لَمَّا شاهدوه يعمل السفينة، وكانوا لا يعرفونها قبل ذلك، قالوا: يا نوح ما تصنع بها؟ قال: أمشِي بها على الماء، فعجبوا من قوله، وسَخِرُوا به.
وقال ابن عباس (١): اتَّخذَ نُوحٌ السفينةَ في سنتين، فَكَانَ طولها ثلاث مئة ذراع، وعَرْضُها خمسينَ ذراعًا، وطُولُها في السماء ثلاثينَ ذراعًا، وكانت مِن خشب السَّاجِ وجَعَلَ لها ثلاثة بطون فَجَعَل في البطن الأسفل الوحوش، والسباع، والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب، والأنعام، ورَكبَ هو ومن معه في البطن الأعلى، وجعل معه ما يحتاج إليه من الزاد وغيره، قال قتادة: وكان بابها في عَرْضِها. انتهى.
وقال كعب الأحبار (٢): عمل نوح ﵇ السفينةَ في ثلاثين سنة، ورويَ أنها ثلاثة أطباق: الطبقة السفلى: للدواب والوحوش، والطبقة الوسطى: للإنس، والطبقة العليا: للطير، فلما كثرت أرواث الدواب: أوحى الله إلى نوح ﵇ أن اغمز ذنبَ الفيل، فغَمَزَه فوَقَع منه خنزيرٌ وخنزيرة، ومَسَح على الخنزير فوقع منه الفأر والفأرة، فأقبلوا على الروث، فأكلوه فلما أفسد الفأر في
стр. 5580
السفينة، فجعل يقرضها، ويقرض حِبَالَها، أَوْحى الله إليه أن اضرب بين عَيْنَي الأسدِ فضربَ فخَرَج من منخره سنَّور وسِنّوَرة، وهي القطة والقط، فَأَقْبَلا على الفأر، فأَكلاه. ثُمَّ أجاب عليهم نوح بما ذكره بقوله: ﴿قَالَ﴾ نوح مجيبًا لهم عن سخريتهم ﴿إِنْ تَسْخَرُوا﴾ وتستهزؤوا ﴿مِنَّا﴾ اليومَ وتستجهلونا لرؤيتكم ما لا تتصوَّرون له فائدةً ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ اليومَ لجهلكم باللهِ، وشرككم به وغدًا حين ينزلُ بكم العذاب لكفركم ﴿كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ مِنَّا جزاءً وفاقًا؛ أي: إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنعُ، فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر، والتعرض لسخط الله، وعذابه،
٣٩ - ثم هدَّدَهم بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وتَرَون ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾؛ أي: أينا يأتيه عذاب في الدنيا يهينه ويذله، وهو عذابُ الغرق، ومَنْ هو أحق بالسخرية، ومَنْ هو أَحْمَدُ عاقبةً ﴿و﴾ تعلمون من ﴿يحل﴾ وينزل ﴿عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾؛ أي: دائم؛ أي: وسوفَ تعلمون أينا ينزل عليه النار الدائم في الآخرة.
والمعنى (١): فإن كنتم لا تعلمون اليومَ فائدةَ ما نعمل، وما له من عاقبة محمودة، فسوف تعلمون بعد تمامه من يأتيه عذاب يفضحه، ويَجْلِب له العارَ، والخِزيَ في الدنيا، وهو عذاب الغرق، ويحل عليه عذاب دائم في الآخرة بعد ذلك، وكل ما في الدنيا فهو هيِّن ليِّنٌ بالنسبة إلى ما يكون في الآخرة لانقضائه وزواله، وبقاء ذَاكَ ودَوامِهِ.
فإن قُلتَ (٢): السخريةُ لا تَلِيقُ بمنصب النبوة، فكيف قال نوح ﵇: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾.
قلتُ: إنما سَمَّى هذا الفعلَ سخريةً على سبيل الازدواج في مشاكلة الكلام، كما في قوله ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ والمعنى: إنا نَرى غِبَّ سخريتكم بِنا إذا نزل بكم العذاب.
والتشبيه في قوله (٣): ﴿كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ لمجرد التحقق، والوقوع، أو التجدد
стр. 5581
والتكرر، والمعنى: إنَّا نَسْخَرُ منكم سخريةً متحققة واقعةً كما تسخرون منَّا كذلك، أو متجددة متكررة كما تسخرون منا كذلك.
٤٠ - وحكى الزهراويُّ أنه يقرأ (١): (وَيحُلُّ) بضم الحاء، ويَحِل بكسرها بمعنى ويَجِبُ، وحتى في قوله ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ ابتدائية، دخلَتْ على الجملة الشرطية، وجُعلت غايةً لقوله ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾؛ أي: وكان يَصْنَعُ الفلكَ حتى إذا جاء وَقْتُ أمْرِنا وقضائنا بهلاكهم، ووَقْتُ عذابنا الموعود به ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾؛ أي: نَبَعَ الماءُ من التنور؛ أي: من وَجْه الأرض أو من تنور الخُبْز، وارتفعَ بشدة، كما تَفُور القدر بغليانها، وكانَ ذلِكَ علامةً لنوح ﵇، رُوي (٢) أنه قيل لنوح ﵇: إذا رأيتَ الماء يفور من التنور، فَارْكَب ومن مَعَك في السفينة، فلما نَبَعَ الماء أخبرته امْرَأته .. فرَكِبَ، وقيل: كانَ التنور لآدم، وكانت حواء تقمر فيه الخبز، فصار إلى نوح، وكانَ من حجارةٍ وهو بالكوفة على يمين الداخل، مِمَّا يلي باب كندة في المسجد، والأقرب أن يكونَ المراد من التنور وجه الأرض، ويكون المعنى حتى إذا نَبَع الماء من وجه الأرض ﴿قلنا﴾ لنوح آنئذ: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾؛ أي: احمل في السفينة من كل نوع من أنواع الحيوان زوجين اثنين، ذكرًا وأنثى، لِيبقى ذلك النوع بعد غرق سائر الأحياء، فيتناسل وَيبْقَى على الأرض.
وقرأ حفص (٣): ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ بتنوين ﴿كلٍ﴾، ﴿زوجين﴾ مفعول به و ﴿اثنين﴾ نعت توكيد؛ أي: احمل من كل حيوان، زوجين اثنين كل منهما زوج للآخر، وقرأ باقي السبعة بالإضافة؛ أي: احمل من كل فردين متزاوجين اثنين، بأن تحمل من الطير ذكرًا وأنثى، ومن الغنم ذكرًا وأنثى، وهكذا، وتترك الباقي، والمرادُ من الحيوانات التي تنفعُ، والتي تلد وتبيض، فتخرج المضرات، والتي تَنْشَأ من العفونات والتراب كالدود، والقمل، والبق، والبعوض. قال البغوي: وروي عن بعضهم: أنَّ الحيَّة والعقربَ أَتيَا نوحًا ﵇، فَقَالتا: إحمِلنا معَك،
стр. 5582
فقال: إنكما سبب البلاء، فلا أحْمِلُكما، فقالتا: إحملنا معك، فنحن نَضْمَنُ لك أن لا نَضُرَّ أحدًا ذَكَرَك، فَمَنْ قرأ حين يخاف مضرَّتُهما ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾، لم تضرَّاهُ، ذكره في "الخازن".
وقوله: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ معطوف على زوجين على قراءة حفص، وعلى اثنين على قراءة غيره؛ أي: واحمل فيها أهلَ بيتك ذكرانًا وإناثًا ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾، والقضاءُ بأنهم من المغْرَقِين بسبب ظلمهم، كما قال: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ والمرادُ (١) به: ابنه كَنعَان، وأمه واعلة أم كنعان، فإنهما كَانَا كافرين، فحَمَل في السفينة زوجتَه المؤمِنةَ وأولادَها الثلاثةَ مع نسائهم: سامًا، وحامًا، ويافثًا، فسامُ أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك، وإفرادُ الأهلِ منهم لمزيد العناية بهم، أو للاستثناء منهم، وقوله: ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ معطوف على زوجين، أو على اثنين على اختلاف القراءة؛ أي: واحمِل معك مَنْ آمن، وصَدَّقَكَ واتبعك من غير أهلك.
﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ من قومه، قيل: إنهم كانوا ثمانية: نوحًا ﵇، وأبناءه الثلاثة، وأزواجهم. وعن ابن عباس (٢) قال: كان في سفينة نوح ثمانون إنسانًا، نصفهم رجال، ونصفُهم نساءٌ. وقال مقاتل: في ناحية الموصل قريةٌ يقال لها: قرية الثمانين، سميت بذلك؛ لأنَّ هؤلاء لَما خرجوا من السفينةِ بَنَوْها فسُمِّيَتْ بهذا الاسم.
ولكن لم يبين (٣) الله لَنَا ورَسولُه ﷺ عَدَدَهم فحصره في عدد معين من قبيل الحدس والتخمين، كما لَمْ يبيَّنِ لنا أنواعَ الحيوان التي حملها، ولا كيف حَمَلها، وأدْخلها السفينة، وقد فصل ذلك في سفر التكوين من التوراة.
٤١ - وقوله: ﴿وَقَالَ﴾ معطوف على محذوف تقديره، فحَمَلهم نوحٌ، وقال: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا﴾؛ أي: في جوف السفينة، والخطابُ فيه للإنس، وأما غيرهم من
стр. 5583
الحيوانات أخَذه بيده، وألقاه فيها ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾؛ أي: باسم الله جريانُ السفينة على الماء وإرساؤها؛ أي: وقوفها، فهو الذي يتولَّى ذلك بحوله وقوته، وحفظه وعنايته، وروي (١) أنه كان إذا أراد أنْ تجري قال: بسم الله، فَجَرَتْ، وإذا أراد أن تَرْسُو قَالَ: بسم الله، فرَسَتْ؛ أي: وقفت، ويجوز أن يكون الاسمُ مُقْحمًا كقوله:
إِلَى الْحَوَلِ ثُمَّ اسْم السَّلاَمِ عَلَيْكُمَا
وهذا تعليم من الله لعباده أنه ينبغي لهم أن يستعينوا بالله تعالى، وقد يكون المعنى أنَّ نوحًا أمرهم بأن يقولُوها كما يقولُها على تقدير اركبوا فيها قائلينَ باسم الله؛ أي: بتسخيره، وقدرته، مجْراها حين تَجْرِي ومرساها حين يرسيها, لا بحولنا ولا بقوتنا، ويحتمل أن يكونَ مجْريها ومُرْسَاهَا اسمي مكان أو زمان، أي: اركبوا فيها ذاكرينَ اسمَ الله، وقتَ جريانها أو إرسائِهَا، أو مكانهما.
وقرأ مجاهدٌ والحسنُ وأبو رجاء، والأعرج، وشيبة، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر (٢): ﴿مُجراها﴾ بضم الميم، وقَرأ حمزةُ والكسائِيّ وحَفْصٌ بفتحها، وكلهم ضمَّ ميم ﴿مُرساها﴾، وقرأ ابن مسعود، وعيسى الثقفيَّ وزيد بن علي والأعمش: ﴿مجراها ومرساها﴾ بفتح الميمين ظرفيْ زمان، أو مكان، أو مصدرين على التقارير السابقة، وقرأ الضَّحاك، والنخعيُّ، وابن وثاب، وأبو رجاء، ومجاهد، وابن جندب، والكلبيُّ، والجحدري: ﴿مجريها، ومرسيها﴾ سمي فاعل من أجرى وأَرْسى على البدل من اسم الله، ولا يكونان صفتين لكونهما نكرتَين.
﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ﴿لَغَفُورٌ﴾؛ أي: سَتُورٌ عليكم ذنوبَكم، بتوبتكم وإيمانكم ﴿رَحِيمٌ﴾ لكم إذ نَجَّاكم من الغرق، ولولا مغفرتُه تعالى ورحمته إياكم، لما نجَّاكم لأنكم لا تنفكون عن أنواع الزَّلَّات؛ أي: إنَّ ربِّي لواسع المغفرة لعباده حيثُ لم يهلكهم بذنوبهم، بل يهلك الكافرينَ الظالمينَ منهم، رحيم بهم إذ
стр. 5584
سخَّر لهم هذه السفينةَ لنجاة بقيَّةِ الإنسان والحيوان من هذا الطوفان الذي اقتضته مشيئته، ورُوي في الحديث: "أنَّ نوحًا رَكِبَ في السفينة، أوَّل يوم من رجب، وصام الشهر أجْمَعَ - وعن عكرمة لعشر خلون من رجب - ونَزَلَ عنها عَاشِرَ المحرم، فصَامَ ذلك اليوم، وأمَرَ مَنْ معه بصيامه شكرًا لله تعالى" وكانَتْ مدة مُكْثِه على السفينة سِتَّةَ أشهر تقريبًا.
وأخرج الطبرانيُّ (١) وغيره عن الحسن بن علي ﵁ أنَّه قَالَ: قال رسول الله ﷺ : "أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا الفلك أن يقولوا: باسم الله الملك الرحمن الرحيم بسم الله مجريها" الآية.
٤٢ - قوله: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ هذه الجملة (٢) متصلة بجملة محذوفة دلَّ عليها الأمر بالركوب، والتقدير فركبوا مُسَمِّينَ وهي تَجْري بهم، والموج جمع مَوْجَةٍ وهي ما ارتفعَ مِن جملةِ الماء الكثير عند اشتدادِ الريح، وشبَّهَها بالجبال المرتفعة على الأرض.
أي: فركبوها، والحال أنها تَجْرِي بهم في موج يشبه الجبالَ، في عُلُوهِ وارتفاعه وامتداده، ومَنْ كابد ما يحدث في البحار العظيمة من الأمواج حين ما تهيجها الرياحُ الشديدة .. عَرَفَ أنَّ المبالغةَ في هذا التشبيه غير بعيدة، فإنَّ السفينة لترى كأنها تهبط في غور عميق كَوادٍ سحيق يُرَى البحر من جانبيه كجبلين عظيمين يكادان يطبقان عليهَا، وبعد هنيهة يرى أنَّها قد اندفعت إلى أعلى الموج كأنَّها في شاهق جبلٍ تُريدُ أن تنقضَّ منه، والملَّاحُون يَرْبِطُون أنْفُسُهم بالحبال على ظهرها وجوانبها لئلا يجرفهم ما يفيضُ من الموج عليها.
وهذه الجملةُ تدُلُّ على وجود الرياح الشديدة في ذلك الوقت، قال علماءُ (٣) السير: أرسلَ الله تعالى المطَرَ أربعين يومًا وليلةً، وخرج الماء من الأرض، وارتفع الماء على أعلى جبل وأطوله أربعين ذراعًا، وقيل: خَمْسَةَ عَشَر ذِراعًا حتى أغرَق كل شيء.
стр. 5585
ورُوي (١) أنه لما كَثُر المَاءُ في السكك خَافَتَ أم صبيٍّ على ولدها من الغرق، وكانت تحبه حبًّا شديدًا، فخرجت به إلى الجبل حتى بَلغت ثلثه، فلَحِقَهَا الماء، فارتفعَتْ حتى بلغت ثلثَيه فلَمّا لَحِقَها الماء ذهبَتْ حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء إلى رقبتها رفعت الصبيَّ. بِيَدَيْها حتى ذَهَبَ بهِمَا الماءُ فأغرقهما، فلَوْ رحم الله منهم أحدًا .. لرَحِمَ أمُّ الصبِيّ ثم بَيَّنَ أنَّ نوحًا دَعَته الشفقة على ابنه، فناداه كما أشار إلى ذلك بقوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ هو كنعانُ (٢)، وقيل: يَام، قيل: وكان كَافِرًا، واستبعِدَ كون نوح ينادي مَنْ كان كافرًا مع قوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ وأُجيب بأنه كان منافقًا، فظنَّ نوح أنه مؤمن، وقيل: حملته شَفَقةُ الأُبُوَّة على ذلك، وقيل: إنه كان ابنَ امرأته، ولم يكن بابنه، ويؤيِّده ما روى أنّ علّيًا قرأ: ﴿ونادى نوح ابنها﴾، وقيل: إنَّه كان لغير رشدة، وولدَ على فراش نوح، ورُدَّ بأن قوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ يَدْفَعُ ذلك على ما فيه من عدم صيانةِ مَنْصِبِ النبوة.
أي: ونادى نوح ابنه كنعانَ قَبْلَ سَيْرِ السَّفينَةِ ﴿و﴾ الحال أنه ﴿كان في معزل﴾؛ أي: في مكان بعيد عزل وبعد وفصل فيه نفسه عن أبيه وإخوته وقرابته وقومه، بحيث لم يَبْلُغه الخطاب بارْكَبُوا؛ أي: قول نوح لمَنْ آمَن ﴿اركبوا﴾ وقيل: ﴿في معزل﴾ عن دين أبيه، وقيل: من السفينة، قيل: وكان هذا النداء قبل أنْ يَسْتَيْقِنَ الناسُ الغرَقَ بل كان في أوَّلِ فور التنور.
وقرأ الجمهورُ (٣): بكسر تنوين ﴿نوحٍ﴾، وقرأ وكيع بن الجراح بضمه أتبع حركتَه حركةَ الإعراب في الحاء، قال أبو حاتم: هي لغة سوء لا تُعْرَف، وقرأ الجمهور بوصل (هَاءِ) الكناية، بواو، وقرأ ابن عباس: ﴿ابنَهْ﴾ بسكون الهاء، قال ابن عطية وأبو الفضل، وأبو الفضل الرازي، وهذا على لغة الأزد الشراة يسكنون هاء الكناية من المذكر، ومنه قول الشاعر:
стр. 5586
وَنَضْوَايَ مُشْتَاقَانِ لَهْ أَرِقَانِ
وذكر غيره أنها لغة لبني كلاب، وعُقيل، وقرأ السدي: ﴿ابناهْ﴾ بألف وهاء السكت، قال أبو الفتح: ذلك على النداء، وذهبَتْ فرقة إلى أنه على الندبة والرثاءِ.
وقرأ علي وعروة وعلي بن الحسين وابنه أبو جعفر وابنُه جعفر (١): ﴿ابنه﴾ بفتح الهاء من غير ألف، أي: ابنها مضافًا لضمير امرأته، فاكتفي بالفتحة عن الألف، قال ابن عطية: وهي لغةٌ ومنه قول الشاعر:
إِمَّا تَقُوْدُ بِهَا شَاةً فَتَأْكُلُهَا ... أَوْ أنْ تَبِيْعَهَ فِيْ بَعْضِ الأَرَاكِيْبِ
يريد تَبِيعَها، وقرأ أيضًا علي وعروة: ﴿ابنها﴾ بفتح الهاء وألف.
وقرأ عاصم: ﴿يا بنيَّ اركب معنا﴾ بفتح الياء، ووجه على أنه اجتزأَ بالفتحة عن الألف، وأصله يا بُنيا، كيا غلامًا ثُمَّ حذفت، وبقيت الفتحة لِتَدُلَّ عليه، أو على أنَّ الألِفَ انحذفت لالتقائها مع راءِ اركب، وقرأ باقي السبعة بكسر الياء اجتزاءً بالكسرة عن ياء الإضافة، أو حذِفَت لالتقاء الساكنين.
وقرأ أبو عمرو والكسائي وحفص (٢): ﴿ارْكَبْ مَعَنَا﴾ بإدغام الباء في الميم لتقاربهما في المخرج، وقَرأَ الباقون بعدم الإدغام.
والمعنى: ونادَى نوحٌ ابنه حينَ الركوب في السفينة، وقبل أنْ تجرِيَ بهم، وكان في مكان منعزل بعيد عن أبيه وإخوته ومَنْ آمن من قومه يا بنيَّ اركب معنا الفلك، ولا تكن مع الكافرين الذين قضي عليهم بالهلاك، نَهَاه عن الكون مع الكافرين؛ أي: خَارجَ السفينةِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بالكون معهم الكونَ على دينهم.
٤٣ - ثمَّ حكى الله ما أجاب به ابن نوح على أبيه، فقال: ﴿قَالَ﴾ ابن نوح جوابًا لأبيه، ظانًّا أنَّ ذلك المطرَ والتَّفْجِيرَ على العادة ﴿سَآوِي﴾ وألتجىء من وصول الماء إليَّ ﴿إِلَى جَبَلٍ﴾ أتحصن به من الماء ﴿يَعْصِمُنِي﴾ أي
стр. 5587
فيحفظني ذلك الجبل ﴿مِن﴾ الغرق بـ ﴿الْمَاءِ﴾ وهذا يدل على عادته في الكفر، وعدم وثوقه بأبيه فيما أخبر به، قيل: والجبل الذي عَناه طُورُ زيتا، فلم يمنعه فَأجَابه نوح مبينًا له خطأَه بما ذكره الله ﴿قال﴾ نوح لابنه ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾؛ أي: لا شيء يعصِم أحدًا في هذا اليوم العصيب، زاد اليومَ تنبيهًا على أنه ليس كسائر الأيام التي تقع فيها الوقائع التي ربما يخلص منها بالالتجاء إلى بعض الأسباب، اهـ "روح البيان".
﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ؛ أي: مِن عذاب الله الذي قضاه على الكافرين، فليس الأمر أمر ماء يتقى بالأسباب العادية، وإنما هو انتقامٌ من أشرار العباد الذين أشركوا بالله، وظلموا أنْفُسَهم، وظلموا الناسَ بطغيانهم في البلاد. والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ منقطع بمعنى لكن؛ أي: لا عاصم اليومَ من أمر الله لكن من رحمه الله تعالى فهو المعصوم, لأنَّ المستثنى هو المعصوم، والمستثنى منه هو العاصم؛ أي: لكن مَنْ عصمه الله ورحمه، فهو المعصومُ المرحوم، وقد اختص بهذه الرحمة والعصمةِ مَنْ حَمَلَهُم في السفينة.
والمعنى: لا مانِعَ (١) من أمر الله وعذابه اليومَ فإنه يوم قد حق فيه العذاب، وجف القلم بما هو كائن فيه، نفى جنسَ العاصم، فيندرج تحته العاصم من الغرق في ذلك اليوم اندراجًا أوليًّا، وعبر عن الماء أو عن الغرق بأمر الله سبحانه تفخيمًا لشأنه، وتهويلًا لأمره، والاستثناء هنا قال الزجاج: هو منقطعٌ؛ أي: لكن مَنْ ﵀ فهو يعصمه فيكون ﴿مَنْ رَحِمَ﴾ في مَوْضع نصب، ويجوز أن يكونَ الاستثناء متصلًا على أن يكون عاصم بمعنى معصوم؛ أي: لا مَعْصُومَ اليومَ من أمر الله إلّا مَنْ ﵀ مثل: ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ بمعنى مدفوق و ﴿عيشة راضية﴾ بمعنى مَرْضِيَّةٍ، وقول الشاعر:
بَطِيْءُ الْقِيَامِ رَخِيْمُ الْكَلاَمْ ... أَمْسَى فُؤَادِيْ بِهِ فَاتِنَا
أي مفتونًا، واختارَ هذا الوجه ابن جرير، وقيل: العاصم بمعنى ذي
стр. 5588
العصمة كَلاَبِنٍ وتامر، والتقديرُ: لا عَاصمَ قط؛ أي: لا مكانَ ذا عصمةٍ إلا مكانَ مَنْ رحم الله، وهو السفينةَ.
وذكر صاحب "الانتصاف" (١): أنَّ الاحتمالات الممكنة هنا أربعةٌ: لا عَاصمَ إلّا راحم، لا معصومَ إلا مرحوم، لا عاصمَ إلا مرحوم، لا معصومَ إلا راحم. فالأولان استثناء من الجنس، والآخران استثناء من غير الجنس، فيكون منقطعًا؛ أي: لكنِ المرحومُ يُعْصمُ على الأول ولكن الراجح يَعْصِمُ مَنْ أراد على الثاني، اهـ "زاده" و"شهاب".
وقُرِىءَ (٢): ﴿إِلَّا مَنْ رُحِمَ﴾ بضم الراء، بالبناء للمفعول، وهذا يدل على أنَّ المراد بِمَنْ في قرَاءة الجمهور الذين فتحوا الراءَ هو المرحومُ لا الراحمُ.
﴿و﴾ كان الماء يتزايدَ ويرتفع أثناء المحادثةِ والمراجعة بينهما حتى ﴿حال بينهما﴾؛ أي: بين الولد ووالده ﴿الْمَوْجُ فَكَانَ﴾ الولدُ ﴿مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ بالفعل الهالكين بالطوفان، فتعذَّر خَلاصُه مِن الغرق، قيل كَانَا يتَراجَعَانِ الكلامَ فما استتمَّت المراجعةُ حتى جاءت موجة عظيمةٌ، وكان راكبًا على فرس قد بَطِرَ وأعجب بنفسه، فالتقمته وفرسه، وحيل بينه وبين نوح فغرق وقال الفراء (٣): بَيْنَهُما؛ أي: بين نوح والجبل الذي ظنَّ أنه يعصمه، والأول أولى لأن تَفَرُّعَ ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ عليه يدل على الأول لا على الثاني, لأنَّ الجبلَ ليس بعاصم.
٤٤ - ثُمَّ ذَكَر ما حدث بعد هلاكهم مبيِّنًا قُدْرَتَه تعالى فقال: ﴿وَقِيلَ﴾؛ أي: قال الله : ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾؛ أي: أنشفي ما على وَجْهك من ماء الطوفان، ﴿وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾؛ أي: أمسكي عن إرسال المطر، وقدَّم نداء الأرض على السماء لكون ابتداءِ الطوفان منها ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾؛ أي: ونقَصَ ما بين السماء والأرض من الماء، وفي "القرطبي"، وقيل: ميز الله بين الماءين فَمَا كَانَ من ماء
стр. 5589
الأرض أمرَهَا فبلعته، وصَارَ مَاء السماء بِحارًا، اهـ. ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾؛ أي: أتم الله الأمر من هلاك قوم نوح؛ أي: أحكم وأمضى وفرغ منه ﴿وَاسْتَوَتْ﴾ الفلك؛ أي: واستقرت السفينة رَاسِيةً واقفة ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾؛ أي: على جبل بالجزيرة، مدينة بالعراق قريب من الموصل، يقال له: الجوديُّ، وكان ذلك الجبل منخَفِضًا، ويقال: إنَّه مِن جبال الجنة، فلذا اسْتَوَتْ عليه.
وفي "القرطبي": رُوِيَ أنْ الله تعالى أُوحى إلى الجبال أنَّ السفينةَ تُرْسَى إلى واحد منها، فتطاولت وبقي الجودي لم يتطاول تواضعًا لله تعالى، فَاسْتَوَتْ السفينة عليه، وبقيت على أعوادها، وفي الحديث: أنَّ النبي ﷺ قال: "لقد بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة". اهـ.
رُوي (١) أنه ﵇ رَكِبَ في الفلك في عاشر رجب، ومرَّتْ بالبيت الحرام، فطافَتْ به سبعًا، ونَزَل عن الفلك عَاشِرَ المحرم، فصام ذَلِك اليومَ وأمر من معه بصيامه شكرًا لله تعالى، وبَنَوا قريةً بقُربِ ذلك الجبلِ فسمَّوها قريةَ الثَّمانِين، فهي أوَّل قرية عمِّرت على الأرض بعد الطوفان، وقَرأ الأعمش، وابن أبي عَبْلَةَ على ﴿الجوديْ﴾ بسكون الياء مخففةً، قال ابن عطية: وهما لغتان، وقال صاحب "اللَّوامح": هو تخفيفُ ياء النسب، وهذا التخفيفُ بابُهُ الشعرُ لشذوذه ذَكَرَه أبو حيان. ومعنى الآيةِ وجاء نداء (٢) من الملأ الأعلى خُوطِبَتْ به الأرضُ والسماء: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ الذي عليك، والذي تفجرَ من باطنِك، ويا سماء كُفِّي عن المطر، فلم يلبث أن غاض الماء امتثالًا للأمر، وقضي الأمر بإهلاك الظالمين، واستقرت السفينة راسية على جبل الجودي، ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: قال الله : بعدًا من رحمتي، وهَلاكًا بعذابِي قضيت وأثبت للقوم الظالمين بما كَانَ من ظلمهم، وفقدهم الاستعدادَ للتوبة والرجوع إلى الله ، والقائل هو كما فسَّرنا ليناسب صَدْرَ الآية، وقيل: هو نوحٌ وأصحابه.
стр. 5590
والمعنى: أي قال نوح وأصحابه: بَعِدُوا بُعْدًا من رحمة الله للقوم المشركين، بحيث لا يرجَى عودهم، وهذا الكلام جار مجرى الدعاء عليهم، لأنَّ الغالبَ ممن يسلم من الأمر الهائل بسبب اجتماع قوم من الظلمة إذا هلكوا ونجا منهم قالَ مثْلَ هذا الكلام، وهذا من الكلمات التي تختص بدعاء السوء، ووَصَفهم بالظلم، للإشعار بأنه علة الهلاك، وللإيماء إلى قوله: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
فإنْ قلتَ (١): كيف اقتضَتْ الحكمة الإلهية، والكرمُ العظيم إِغراقَ مَنْ لم يبلغوا الحلم من الأطفال، ولم يَدْخلوا تحت التكليف بذنوبِ غيرهم؟
قلت: الجواب الشافي عن هذا أنْ يقال: إنَّ الله متصرِّف في خَلْقِهِ، وهو المالك المطلقُ، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يُسْألُ عما يفعل، وهم يسألون، لا ما قيل: من أن الله أعْقَمَ أَرْحَامَ نسائهم أربعين سنة، فلَمْ يُولد لهم ولد في تلك المدَّة، لأنَّ هذا الجواب ليس بقويٍّ لأنه يَرِدُ عليه إغراقَ جميع الدواب والهوام والطير.
قال العلماء بالسير (٢): لمَّا استقرت السفينةُ بَعَثَ نوحٌ الغرابَ ليأتِيَه بخبر الأرض، فوقع على جيفة، فلم يرجع إليه، فبَعَثَ الحمامة فجاءت بورق زيتون في منقارها, ولطخت رجليها بالطين، فعلم نوحٌ أن الماءَ قد ذهَبَ، فدعا على الغراب بالخوفِ فلذلك لا يألف البيوتَ، وطوق الحمامة بالخضرة التي في عنقها، ودعا لها بالأمان فمن ثم تَأْلَفُ البيوت.
٤٥ - ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ إثر ندائه لابنه الذي تخلف عن السفينة، ودَعاهُ إليها فلم يستجب، ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي﴾ هذا ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ الذي وعدَتنِي بنجاتهم، إذ أمرتني بحَمْلهم في السفينة ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ الذي لا خلف فيه ﴿وَأَنْتَ﴾ يا إلهي ﴿أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾؛ أي: خير الحاكمينَ بالحق، وأفضلُهم كما قلتَ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فحكمك يصدر عن كمال العلم والحكمة، فلا يعرض له الخطأ، ولا الحَيف، ولا الظلم.
стр. 5591
والمعنى: وأنت أعلم الحكَّام وأَعْدَلُهم إذ لا فَضْلَ لحاكم على غيرِه إلَّا بالعلم، والعدل، ورُبَّ جاهل ظالم من متقلدي الحكومة في زمانك لقد لقِّبَ بأقضى القُضاة، وقال جَارُ الله:
قُضَاةُ زَمَانِنَا صَارُوْا لُصُوْصَا ... عُمُوْمًا فيْ الْقَضَايَا لاَ خُصُوْصَا
خَشِيْنَا مِنْهُمُ لَوْ صَافَحُوْنَا ... لَلَصُّوْا مِنْ خَواتِمِنَا فُصُوْصَا
اهـ "روح البيان".
وهذا الدعاء من نوح ﵇ في غاية التلطُّف، وهو مِثْلُ دعاءِ أيوب ﵇ ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
والخلاصة: أن نوحًا كانَ يريد أن ينجوَ ابنه الذي تخلَّفَ عن السفينة من الغرق، بعد أَن دعاهُ إليهَا، ومن البَيِّنِ أنَّ هذا الدّعاءَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ بعد المحاورة مَعَ ابنِه قبل أن يَحُولَ بينهما الموج، ومعنى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ﴾؛ أي: أراد أن يناديه، ولذلك أَدْخَلَ الفاء؛ إذ لو كان أراد حقيقةَ النداءِ والإخبار عن وقوعه منه لم تَدْخُل (الفاء) في ﴿فقال﴾ ولسقَطَتْ كما لم تَدْخُل في قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ﴾ و (الواو) في هذه الجملة لا ترتب أيْضًا، وذلك أنَّ هذه القِصَّةَ كانت أوَّلَ ما ركب نوحُ السفينةَ، ويظهر من كلام الطبري أنَّ ذلك مِنْ بعدِ غَرْق الابن
٤٦ - ﴿قال﴾ الله : ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ﴾؛ أي: إنَّ ابْنَكَ هَذَا ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ الذين أمرتك أنْ تحملهم في الفلك لإنجائهم، وقد بَيَّن سبحانه سبَبَ ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إنَّ ابْنك هذا ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾؛ أي: ذو عمل غير صالح؛ لأنه عَمِلَ عملًا غير مرضيٍّ، وهو الشركُ والفسادُ والتكذيب.
قال الزَّمخشري (١): فإنْ قُلْتَ: فَهَلَّا قيل: إنه عمل فاسد؟
قلتُ: لمَّا نفاه من أهله نَفَى عنه صِفَتَهم بكلمة النفي التي يُستنفى بها معها لفظ المنفي، وأذن بذلك أنه إنما أنجى من أنجى من أهله بصلاحهم لا لأنهم
стр. 5592
أهلك وأقاربك، وإنَّ هذا لمَّا انتفى عنه الصَّلاحُ لم تنفعه أُبُوَّتُكَ.
والظاهر (١): أن الضمير في أنه عائد على ابن نوح، لا على النداءِ المفهوم من قوله: ﴿وَنَادَى﴾ المتضمّن سؤالَ ربَّهِ، وجعَلَه نفس العمل مبالغة في ذمِّهِ هذا على قراءة جمهور السبعة عمل بلفظ المصدر، وقرأ الكسائي: ﴿عَمِلَ غَيْرَ صالحٍ﴾ على جعله فعلًا ناصبًا ﴿غير صالح﴾ وهي قراءة عليّ وأنس، وابن عباس، وعكرمة، ويعقوب، وعائشة، وروتها عائشة وأم سلمة عن النبي ﷺ وهذا يُرَجِّحُ أن الضميرَ يعود على ابن نوح، قيل: ويرجِّح كونَ الضمير في أنه عائدًا على نداءِ نوح المتضمن السؤالَ أنَّ في مصحف ابن مسعود: ﴿إنه عملٌ غيرُ صالح أن تسألني ما ليس لك به علم﴾ وقيل: يعودُ الضمير في هذه القراءةِ على ركوب ولد نوح معهم الذي تضمَّنه سؤالُ نوح.
المعنى: أن كونَه مع الكافرين، وتركَه الركوبَ مع المؤمنين، عمل غيرُ صالح، وكون الضمير في أنه عائدًا على غير ابن نوح ﵇ تكلفٌ وتعسفٌ لا يليق بالقرآن، ذكره أبو حيان.
﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: إذا وقَفْتَ على جَلِيَّةِ الحال، فلا تَطْلُب مني مطلبًا لا تَعْلَمُ يقينًا أن حصولَه صوابٌ وموافقٌ للحكمة، ولمَّا بيَّنَ له بطلان ما اعتقده من كونه من أهله، فرَّع على ذلك النهي عَنِ السؤال، وهو وإنْ كان نَهْيًا عامًّا بحيث يشمل كُلَّ سؤال لا يعلمُ صاحبه أنَّ حصولَ مطلوبه منه صواب، فهو يَدْخُلُ تحته سؤاله هذا دُخولًا أوليًّا.
أي: فلا تسألني يا نوح في شيء ليس لك به علم صحيح، وقد سمَّى دعاءَه سؤالًا لتضمنه معنى السؤال؛ لأنه تضمَّن ذكر الوعد بنجاة أهله، وما رتَّبه عليه من طلب نجاة ولده.
وفي الآية (٢): إيماء إلى أنه لا يجوز الدعاء بطلب ما هو مخالف لسنن الله في خلقه، بإرادة قلب نظام الكون لأجل الداعي، ولا بطلب ما هو محرَّمٌ شرعًا،
стр. 5593
وإنما يجوز الدعاء بتسخير الأسباب، والتوفيق فيها، والهداية إلى العلم بالمجهول، من السنن والنظام لنكثر من عمل الخير، ونزيدَ من عمل البر والإحسان ﴿إِنِّي أَعِظُكَ﴾؛ أي: أُخَوِّفكَ وأحذرك وأنهاك عن ﴿أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ بالسؤال، سَمَّى سؤالَه ﵇ جهلًا؛ لأنَّ حُبَّ الولد شَغَلَه عن تذكرِ استثناءِ مَنْ سبق عليه القول منهم بالإهلاك.
أي: إني أنهَاكَ أن تكون من زُمرةِ مَنْ يجهلون فيسألونَه تعالى أن يبطِلَ حكمتَه، وتقديرَه في خلقه إجابة لشهواتهم، وأهْوائِهم في أنفسهم، أو أهليهم، أو مُحِبِّيهم، وفي ذلك (١) دليلٌ على أنَّ منْ أكبر الجهالات أنْ تسأل بعضَ الصَّالحِينَ والأولياء ما نهى الله عنه نَبِيًّا من أولي العزم مِنْ رسله أن يَسْألَهُ إيَّاه، فإنَّ ذَلِك يقتضي بأن الله يعطيهم ما لم يعط مثله لرسله.
قال ابن العربي: وهذه زيادة من الله، وموعظة يرفع بها نوحًا عن مقام الجاهلين، ويُعْلِيه بها إلى مقام العلماء العاملين.
وقرأ الصاحبان (٢) - نافع وابن عامر -: ﴿تَسْألنِّ﴾ بتشديد النون مكسورةً، وقرَأ أبو جعفر، وشيبة، وزيد بن عليّ كذلكَ إلا أنهم أثبتوا (الياء) بعد (النون)، وابنُ كثير بتشديدها مفتوحةً، وهي قراءة ابن عباس، وقرأ الحسن، وابن أبي مليكة ﴿تسالنِي﴾ من غير همز من سال يسال، وهما يتساولان، وهي لغة سائرة، وقَرأ باقي السبعة بالهمز وإسكان اللام، وكسر النون، وتخفيفِها وأثْبتَ الياء في الوصل وَرْشٌ، وأبو عمرو، وحَذَفَها الباقون.
٤٧ - قال الزمخشري: المعنى فلا تلتمس ملتمسًا أو التماسًا لا تعلمُ أصَواب هو أم غير صواب؟ حتى تَقِفَ على كنهه، ثمَّ لمَا عَلِمَ نوح بأنَّ سؤاله لم يطابق الواقع، وأنَّ دعاءَه ناشيء عن وهم كانَ يتوهمه، بادَرَ إلى الاعتراف بالخَطَأ، وطلب المغفرة والرحمة فـ ﴿قال﴾ نوح ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ﴾ وألتجِىءُ إليكَ وأحتمي بك من ﴿أَنْ أَسْأَلَكَ﴾ بعد الآن ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: شَيئًا لا
стр. 5594
أعْلَمُ أنَّ حْصُولَهُ على مقتضى الحكمة ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي﴾؛ أي: وإن لم تغفر لي ذَنْبَ هذا السؤال الذي سولته لي الرحمة الأبوية، وطمعي في الرحمة الربانية ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾ بقبول توبتي، برحمتك التي وَسِعَت كُلَّ شيء ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ في أعمالي، فلا أربح فيها؛ أي: أكنْ من الخاسرين فيما حاولته من الربح بنجاة أولادي كلِّهم، وسعادتِهم بطاعتك، وأنت أعلم بها مني، وقد استدلّ بهذه الآيات من لا يرى عِصْمَة الأنبياءِ، والخاسرون هم المغبونون حُظُوظَهم من الخير، ونَسَب النَّقْصَ والذَّنْبَ إلى نفسه، تأدبًا مع ربه، فقال: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي﴾، أي: ما فرط من سؤالي، وترحمني بفضلك، وهذا كما قال آدم ﵇.
والعبرة في الآية من وُجوهٍ (١):
١ - أنَّ ما سأله نوح لابنه لم يكن معصيةً لله تعالى، خَالَفَ فيها أمْرَه أو نَهْيَهُ، وإنما كَانَ خَطأً في اجتهاد بنية صالحةٍ، وعَدَّ هذا ذَنْبًا لأنه ما كان ينبغي لِمِثْلِهِ من أرباب العلم الصحيح اللائق بمنزلته من ربه، ومِثلُ هذا الاجتهاد لم يُعْصَم منه الأنبياء، فهم يقعون فيه أحيانًا ليشعروا بحاجتهم إلى تأديب ربهم، وتكميله إياهم حينًا بعد حين.
٢ - أنه لا علاقةَ للصلاح بالوراثةِ والأنساب، بل يختلفُ ذلك باختلاف استعداد الأفراد، وما يحيط بهم من البيئة والآراء والمعتقدات، ولو كَانَ للوراثة تأثير كبيرٌ .. لكان جميع أولاد آدم سواء، ولكان سلائل أبناء نوح المؤمنين الذين نجوا معه في السفينة كلهم مؤمنين.
٣ - أنه تعالى يجزي الناسَ في الدنيا والآخرة بإيمانهم وأعمالهم لا بأنسابهم، ولا يحابِي أحدًا منهم لأجل الآباء والأجداد، وإن كانوا من الأنبياء والمرسلين.
٤ - أنه من يغتر بنسبه، ولا يعمل ما يرضي ربَّه، ويزعم أنه أفضلُ من العلماء العاملين، والأولياءِ الصالحين فهو جاهل بكتاب ربِّه الذي لا يأتيه الباطل
стр. 5595
من بين يديه ولا من خلفه
٤٨ - ﴿قِيلَ﴾؛ أي: قال الذي (١) بيده ملكوت كل شيء ومدبر أمر العالم كلّه لنوح بعد أن انتهى الطوفان، وأقلعت السماء عن المطر، وابْتَلَعَت الأرْضُ ماءَها، وصَارَت السكنى على الأرض، والعملُ عليها سَهْلًا مُمْكِنًا، ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ﴾ وانزل من الجودي الذي استوَتْ عليه السفينة، وقرىء ﴿اهبط﴾ بضم الباء ممتعًا ﴿بِسَلَامٍ﴾؛ أي: بسلامةٍ وتحية وأمن ﴿مِنَّا﴾ كما قال تعالى ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾، وذلك أنَّ الغَرَق لما كان عَامًّا في جميع الأرض، فعندما خَرَجَ نوح ﵇ من السفينة عَلِمَ أنه ليس في الأرض شيءٌ مما ينتفع به من النبات والحيوانات، وقيل: فكان كالخائف في أنه كيف يَعِيش، وكيف يدفع جهات الحاجات عن نفسه من المأكول والمشروب، فلَمَّا قَالَ الله له: اهبط بسلام مِنَّا زَالَ عَنْهُ الخَوْفُ؛ لأن ذلك يَدُلُّ على حصول السلامة، وأن لا يكون إلا مع الأمن وسعة الرزق ﴿وَبَرَكَاتٍ﴾ في المعايش والأرزاق، وقيل: أي: ونعم ثابتة، وفي هذا الخطاب له دليل على قبول توبته، ومغفرة زلته، وحَكَى عبد العزيز بن يحيى ﴿وبركة﴾ على التوحيد عن الكسائي؛ أي: وبركات فائضة ﴿عَلَيْكَ﴾ وعلى مَن مَعَكَ في السفينة، ﴿وَعَلَى أُمَمٍ﴾ مؤمنة ناشئة ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ في السفينة؛ أي: وعلى ذريات يتناسلون منهم، ويتفرقون في الأرض، فيكونون أُمَمًا مستقلًا بعضها من بعض، يعني بهؤلاء المؤمنين من ذرياتهم، ولم يُعْقِبْ أحدٌ منهم إلَّا أولادَ نوح الثلاثةَ، فانحصر النوع الإنسانيُّ بعد نوح في ذريته، ﴿وَأُمَمٌ﴾ كافرة متناسلة ممن معك ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الدنيا بالأرزاق، والبركات، ولا يصيبهم لطفٌ من ربهم ورحمة كما يصيب المؤمنين، فإنَّ الشَّيْطانَ سيغويهم، ويزين لهم الشرك، والظلمَ، والبغْيَ ﴿ثُمَّ﴾ بعد رجوعهم إلى ربهم ﴿يَمَسُّهُمْ مِنَّا﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: وَجيع، فيكون جزاؤُهم فيها دارَ البوار، وبئس القرار.
٤٩ - ثم ذكر الله لنبيه ﷺ أنَّ هذا قصَصٌ من عالم الغيب لا يعرفه هو، ولا قوْمُه من قبل، فقال: ﴿تِلْكَ﴾؛ أي: هذا القصص الذي قصصته عليك من خبر نوح وقومه ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾؛ أي: من أخبار الغيب التي لم تشهدها حتى
стр. 5596
تَعْلَمَها ﴿نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾؛ أي: نُخْبِرُها لك فنعرفكها تفصيلًا، و ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ الوحي الذي نَزَل مبينًا لها تفصيلًا، وربما كَانَ يعلمها هو، وقومه على سبيل الإجمال ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمَّد على أَذَى هؤلاء الكفار كما صبر نوح على أذى أولئك الكفار؛ أي: فاصبرْ على القيام بأمر الله، وتبليغ رسالته، وما تَلْقى مِنْ قومك من أذًى، كما صَبَرَ نوح على قومه، ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ﴾ المحمودة؛ أي: آخِرَ الأمر بالظفر في الدنيا، وبالفوز في الآخرة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ لله المؤمنين بما جاءَتْ به رسله؛ أي: فإنَّ سُنَّة الله في رسله، وأقوامهم أن تكونَ العاقبة بالفوز، والنجاة للمتقينَ الذين يتجنبون المعاصيَ، ويعملونَ الطاعاتِ، فأنتم الفائزون المفلحون، والمصرُّون على عُداونكم هم الخاسرون الهالكون، وفي هذا تسلِيةٌ لرسول الله ﷺ وتبشير له بأن الظفر للمتقين في عاقبة الأمر ولا اعتبار بمباديه. وفي مصحف ابن مسعود (١): ﴿مِنْ قبلِ هذا القرآن﴾.
الإعراب
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾.
﴿أَمْ﴾ منقطعة مقدرة ببل الإضرابية وهمزة الاستفهام الإنكاري، ﴿يَقُولُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿افْتَرَاهُ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، أو على نوح على الخلاف في معنى الآية، كما سبق، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، أو على نوح، والجملة مستأنفة ﴿إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم، بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿فَعَلَيَّ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة ﴿عليَّ﴾ خبر مقدم ﴿إِجْرَامِي﴾ مبتدأ مؤخر والجملة الإسمية في محل الجزم بـ (إن) على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية في محل النصب، مقول القول ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ﴾ مبتدأ وخبرٌ، والجملة
стр. 5597
الاسمية في محل النصب حال من الضمير المستكن في الخبر، ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَرِيءٌ﴾، ﴿تُجْرِمُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: مما تجرمونه.
﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾.
﴿وَأُوحِيَ﴾ الواو: استئنافية ﴿أوحي﴾ فعل ماض مغير الصيغة ﴿إِلَى نُوحٍ﴾ متعلق به، ﴿أَنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿لَنْ يُؤْمِنَ﴾ ناصب وفعل منصوب ﴿مِنْ قَوْمِكَ﴾ متعلق به ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل الرفع فاعل ﴿يُؤْمِنَ﴾، ﴿قَدْ آمَنَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ الموصولة، والجملة الفعلية صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، وجملة قوله: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ﴾ في محل الرفع خبر أنَّ وجملة أنَّ في تأويل مصدر مرفوع على كونه نائِبَ فاعل لأُوحي تقديره وأُوحي إلى نوح عدمُ إيمان قومه، وجملة أوحي مستأنفة ﴿فَلَا﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع، لا: ناهية جازمة ﴿تَبْتَئِسْ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ (لا) الناهية، وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة قوله: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ﴾، ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَبْتَئِسْ﴾، ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَفْعَلُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾ صلةٌ لما أو صفة لها.
﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)﴾.
﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ﴾ والتقدير: أوحي إلى نوح أن اصنع الفلك، ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ جار ومجرور حال من فاعل ﴿اصنع﴾ ﴿وَوَحْيِنَا﴾ معطوف عليه، والتقدير: واصنع الفلكَ حالةَ كونك محروسًا بأعيننا، ومعلمًا بوحينا ﴿وَلَا﴾ (الواو) عاطفة (لا) ناهية جازمة ﴿تُخَاطِبْنِي﴾ فعل ومفعول ونون وقاية مجزوم بـ (لا) الناهية، وفاعله ضمير يعود على نوح ﴿فِي الَّذِينَ﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿اصنع﴾ ﴿ظَلَمُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ ناصب واسمه، وخبره، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل النهي.
стр. 5598
﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾.
﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْك﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة مستأنفة ﴿وَكُلَّمَا﴾ (الواو) حالية ﴿كلما﴾ اسم شرط غير جازم في محل النصب على الظرفية الزمانية مبني على السكون، والظرف متعلق بـ ﴿سَخِرُوا﴾، ﴿مَرَّ﴾ فعل ماض ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق به ﴿مَلَأٌ﴾ فاعل ﴿مَرَّ﴾، ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ صفة لـ ﴿ملأ﴾ والجملة الفعلية فعلُ شرط لـ ﴿كلما﴾ لا محلَّ لها من الإعراب. ﴿سَخِرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿كلما﴾، ﴿مِنْهُ﴾ متعلق به وجملة ﴿كلما﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿يصنع﴾.
﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾.
﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة مستأنفة ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا﴾ جازم وفعل وفاعل ﴿مِنَّا﴾ متعلق به ﴿فَإِنَّا﴾ (الفاء) رابطة ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه ﴿نَسْخَرُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على نوح ومن معه ﴿مِنْكُمْ﴾ متعلق به، والجملة في محل الرفع خبر (إنَّ) وجملة (إنَّ) في محل الجزم بـ (إن) الشرطيةِ على كونها جوابًا لها، وجملة (إن) الشرطية في محل النصب مقول (قال) ﴿كَمَا﴾ و ﴿الكاف﴾ حرف جر وتشبيه (ما) مصدرية ﴿تَسْخَرُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة (ما) المصدرية (ما) مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف تقديره: كسخريتكم ﴿مِنَّا﴾ الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: نسخر منكم سخريةً كسخريتكم منا.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾.
﴿فَسَوْفَ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم، وأردتم بيانَ عاقبتِنا، وعاقبتكم .. فأقول لكم ﴿سوف تعلمون﴾ ﴿سوف﴾ حرفُ تنفيس للاستقبال البعيد، ﴿تَعْلَمُونَ﴾ فعل
стр. 5599
وفاعل ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به؛ لأنَّ (عَلِم) هنا بمعنى عرف يتعدَّى لمفعول واحد، أو (مَن) استفهامية في محل الرفع، وجملة ﴿يَأْتِيهِ﴾ خبر (مَن) الاستفهامية، وجملة (من) الاستفهامية سادة مسدَّ مفعول (علم)، وجملة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿يَأْتِيهِ﴾ فعل ومفعول ﴿عَذَابٌ﴾ فاعل، والجملة صلة (مَن) الموصولة ﴿يُخْزِيهِ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿عَذَابٌ﴾ والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾. ﴿وَيَحِلُّ﴾ فعل مضارع ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق به ﴿عَذَابٌ﴾ فاعل ﴿مُقِيمٌ﴾ صفة ﴿عَذَابٌ﴾ وجملة ﴿يحل﴾ معطوفة على جملة ﴿يَأْتِيهِ﴾ على كونها صلة (من) الموصولة.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾.
﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية، وابتداء ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿جَاءَ أَمْرُنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعلَ شرط لها، والظرف متعلق بالجواب، ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿جَاءَ﴾، ﴿قُلْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ لا مَحَلَّ لها منَ الإعراب ﴿احْمِلْ فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَقَالَ﴾ مقول محكي، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل الجر بـ ﴿حَتَّى﴾ الغائية، والتقدير: ويصنع الفلك إلى قولنا: احمل فيها وَقْتَ مجيء أمرنا وفوران التنور، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يصنع﴾ وسميت ﴿حَتَّى﴾ غائية لكونها غاية لما قبلها، أعني قوله: ﴿وَيَصْنَعُ﴾ وما بينهما اعتراض، وابتدائية، لدخولها على الجملة، وإن شئت قلت: ﴿احْمِلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْنَا﴾. ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿احْمِلْ﴾، ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ بالتنوين جار ومجرور حال من ﴿زَوْجَيْنِ﴾ لأنه صفة نكرة قُدمت عليها، ﴿زَوْجَيْنِ﴾ مفعول به لـ ﴿احْمِلْ﴾، ﴿اثْنَيْنِ﴾ صفة مؤكدة لـ ﴿زَوْجَيْنِ﴾؛ أي: احمل فيها زوجين اثنين حالةَ كونهما مِنْ كل حيوان، وعلى قراءة الإضافة الجار
стр. 5600
والمجرور حالٌ من ﴿اثْنَيْنِ﴾ و ﴿اثْنَيْنِ﴾ مفعول به لـ ﴿احْمِلْ﴾، ﴿وَأَهْلَكَ﴾ معطوف على المفعول على كلا القراءتين ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل النصب على الاستثناء ﴿سَبَقَ﴾ فعل ماض ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق به، ﴿الْقَوْلُ﴾ فاعل، والجملة صلة من الموصولة، ﴿وَمَنْ﴾ الواو: عاطفة ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل النصب معطوف على المفعول ﴿آمَنَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مِن﴾ والجملة صلة ﴿مَن﴾ الموصولة ﴿وَمَا﴾ (الواو) استئنافية (ما) نافية ﴿آمَنَ﴾ فعل ماض ﴿مَعَهُ﴾ متعلق به ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿قَلِيلٌ﴾ فاعل ﴿آمَنَ﴾، والجملةُ مستأنفةٌ.
﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾.
﴿وَقَالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة معطوفة على محذوف تقديره: فحمل غير الإنس، وقال للإنس: اركبوا. ﴿ارْكَبُوا فِيهَا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئتَ قلت: ﴿ارْكَبُوا﴾ فعل وفاعل ﴿فِيهَا﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب، مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور خبر مقدم ﴿مَجْرَاهَا﴾ مبتدأ مؤخر ﴿وَمُرْسَاهَا﴾ معطوف عليه، والجملة في محل النصب حال مقدرة من (الواو) في ﴿ارْكَبُوا﴾ تقديره: اركبوا فيها حالةَ كونكم مُسمين اللهَ أو قائلينَ بسم الله، وَقْتَ جَرَيَانِها وإرْسَائِها، أو حال مقدرة مِن (الهاء) في ﴿فِيهَا﴾ كما ذكره أبو البقاء، ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ناصب واسمه ﴿لَغَفُورٌ﴾ خبره ﴿رَحِيمٌ﴾ صفة ﴿غَفُورٌ﴾ أو خبر ثان، وجملة (إنَّ) في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها تعليلةً.
﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢)﴾.
﴿وَهِيَ﴾ الواو: حالية ﴿هِيَ﴾ مبتدأ ﴿تَجْرِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على السفينة ﴿بِهِمْ﴾ متعلق به، وكذا قوله: ﴿فِي مَوْجٍ﴾ يتعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من شيء محذوف، تضمنته جملة محذوفة، دلَّ عليها سياق الكلام، تقديره: فركبوا فيها
стр. 5601
حالَ كونها تجري بهم أو مستأنفة ﴿كَالْجِبَالِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿مَوْجٍ﴾ ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة، ﴿وَكَانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على الابن ﴿فِي مَعْزِلٍ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب حال من ﴿ابْنَهُ﴾، ﴿يَا بُنَيَّ﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء ﴿بني﴾ منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياءِ المتكلم المنقلبة ألِفًا محذوفة اجتزاءً بالفتحة، وياء المتكلم المنقلبة ألِفًا محذوفة في محل الجر مضاف إليه، وجملة النداء في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: قائلًا: ﴿يا بنيّ اركب معنا﴾ ﴿ارْكَبْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على الابن ﴿مَعَنَا﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق به، والجملة جواب النداءِ ﴿وَلَا تَكُنْ﴾ جازم وفعل ناقص، واسمها ضمير يعود على الابن ﴿مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ خبرها، والجملة معطوفة على جملة ﴿ارْكَبْ﴾.
﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾.
﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الابن والجملة مستأنفة ﴿سَآوِي﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الابن، والجملة في محل النصب مقول (قال) ﴿إِلَى جَبَلٍ﴾ متعلق به ﴿يَعْصِمُنِي﴾ فعل مفعول ونون وقاية، وفاعله ضمير يعود على ﴿جَبَلٍ﴾، ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾ متعلق به، والجملة في محل الرفع خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو يعصمني، والجملة الاسمية في محل الجر صفة لـ ﴿جَبَلٍ﴾.
﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.
﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة مستأنفة ﴿لاَ﴾ نافية تعمل عمل إنَّ ﴿عَاصِمَ﴾ في محل النصب اسمها ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿أَمْرِ اللَّهِ﴾، ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور خبر ﴿لَا﴾، والتقدير: لا عاصم كائن من أمر الله اليوم، كما ذكره أبو البقاء. وجملة ﴿لَا﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء ﴿مَن﴾ اسم موصول، في محل النصب على الاستثناء، والاستثناء متصل إن كان ﴿عَاصِمَ﴾ بمعنى معصوم، ومنقطع إن كان على معناه،
стр. 5602
﴿رَحِمَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ والجملة صلة من الموصولة، والعائد محذوف تقديره إلا من ﵀ ﴿وَحَالَ﴾ فعل ماض ﴿بَيْنَهُمَا﴾ متعلق به ﴿الْمَوْجُ﴾ فاعل، والجملة مستأنفة ﴿فَكَانَ﴾ (الفاء) عاطفة (كان) فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على الابن، ﴿مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ خبرها، والجملة معطوفة على جملة ﴿حال﴾.
﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾.
﴿وَقِيلَ﴾ الواو: استئنافية ﴿قيل﴾ فعل ماض مغير الصيغة ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي﴾ إلى ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ نائب فاعل محكي، والجملة مستأنفة، وإن شئت قلت: ﴿يَا أَرْضُ﴾ منادى نكرة مقصودة، وجملة النداء في محل الرفع نائِبُ فاعل ﴿ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ فعل أمر، وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع نائب فاعل على كونها جوابَ النداء، ﴿وَيَا سَمَاءُ﴾ منادى نكرة مقصودة معطوف على قوله: ﴿يَا أَرْضُ﴾. ﴿أَقْلِعِي﴾ فعل وفاعل جواب لنداء ﴿يا سماء﴾، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿وَقِيلَ﴾، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿وَغِيضَ﴾، ﴿وَاسْتَوَتْ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْفُلْكَ﴾ بمعنى السفينة، والجملة معطوفة على جملة ﴿قضي﴾. ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ متعلق بـ ﴿استوت﴾. ﴿وَقِيلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ﴿بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ نائب فاعل محكي، والجملة معطوفة على وقيل الأول، وإن شئت قلت: ﴿بُعْدًا﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره أبعد بعدًا، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لِلْقَوْمِ﴾ متعلق بالفعل المحذوف ﴿الظَّالِمِينَ﴾ صفة ﴿لِلْقَوْمِ﴾.
﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾.
﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة ﴿فَقَالَ﴾ (الفاء) عاطفة ﴿قال﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة معطوفة على جملة ﴿نادى﴾، ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت:
стр. 5603
ناصب واسمه ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ خبر (إن) وجملة (إن) في محل النصب مقول (قال) على كونها جوابَ النداء ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ ناصب واسمه وخبره، والجملة معطوفة على (إن) الأولى ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب حال من كاف ﴿وَعْدَكَ﴾.
﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّه﴾ والجملة مستأنفة ﴿يَا نُوحُ﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا نُوحُ﴾ منادى مفرد العلم ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿لَيْسَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على الابن ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ جار ومجرور خبر ﴿لَيْسَ﴾، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ في محل الرفع خبر (إنَّ)، وجملة (إن) في محل النصب مقول (قال) على كونها جَوَابَ النداء ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿عَمَلٌ﴾ خبره، ولكنه على حذف مضاف، تقديره: ذو عمل ﴿غَيْرُ﴾ صفة لـ ﴿عَمَلٌ﴾ ﴿صَالِحٍ﴾ مضاف إليه، وجملة (إن) في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها مُعلّلةً لما قبلها، ﴿فَلَا﴾ (الفاء) حرف عطف وتفريع (لا) ناهية جازمة ﴿تَسْأَلْنِ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ (لا) الناهية، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت و (النون) نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاءً عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول أول ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان لـ (سأل)، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة (إن) على كونها مفرعةً عليها ﴿لَيْسَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿مَا﴾، ﴿لك﴾ خبر مقدم لـ ﴿لَيْسَ﴾ ﴿به﴾ متعلق بـ ﴿عِلْمٌ﴾، ﴿عِلْمٌ﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ صلة لـ (ما) أو صفة لها ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه ﴿أَعِظُكَ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر (إن)، وجملة (إن) في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كَوْنِها مُعَلَّلَةً لما قبلها ﴿أَنْ تَكُونَ﴾ ناصب وفعل ناقص، واسمه ضمير يعود على نوح
стр. 5604
﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ خبر ﴿تَكُونَ﴾، وجملة ﴿تَكُونَ﴾ في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: إني أعظك من كونك من الجاهلين.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾.
﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة مستأنفة، ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول (قال)، ﴿إِنِّي﴾ ناصب، واسمه ﴿أَعُوذُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على نوح ﴿بِكَ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع، خبر (إن)، وجملة (إن) في محل النصب مقول (قال) على كونها جَوَاب النداء ﴿أَنْ أَسْأَلَكَ﴾ ناصب وفعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على نوح ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان لـ (سأل) ﴿لَيْسَ﴾ فعل ماض ناقص ﴿لِي﴾ خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿عِلْمٌ﴾، ﴿عِلْمٌ﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ صلة لـ (ما) أو صفة لها، وجملة ﴿سأل﴾ في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: إني أعوذ بك من سؤالي إياك ما ليس لي به علم، ﴿وإلا﴾ (الواو) عاطفة (إلا) (إن) حرف شرط جازم مبني بسكون على النون المدغمة في (لام) (لا)، (لا) نافية ﴿تَغْفِرْ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ (إن) الشرطية، وفاعله ضمير يعود على اللَّه ﴿لِي﴾ متعلق به، ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾ فعل ومفعول ونون وقاية معطوف على ﴿تَغْفِرْ﴾ وفاعله ضمير يعود على الله ﴿أَكُنْ﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم بـ (إن) الشرطية على كونه جوابًا لها، واسمها ضمير يعود على نوح ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ خبرها، وجملة (إن) الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة (إن) على كونها مقول (قال).
﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾.
﴿قِيلَ﴾ فعل ماض ﴿يَا نُوحُ﴾ إلى آخر الآية نائب فاعل محكي، والجملة
стр. 5605
مستأنفة، وإن شئت قلت: ﴿يَا نُوحُ﴾ منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل الرفع، نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾ ﴿اهْبِطْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على نوح ﴿بِسَلَامٍ﴾ جار ومجرور، حال من فاعل ﴿اهْبِطْ﴾؛ أي: متلبسًا بسلام، ﴿مِنَّا﴾ صفة لـ (سلام)، وجملة ﴿اهْبِطْ﴾ في محل الرفع، نائب فاعل، لـ (قيل) على كونها جَوَابَ النداء، ﴿وَبَرَكَاتٍ﴾ معطوف على (سلام)، ﴿عَلَيْكَ﴾ صفة لـ ﴿بركات﴾، ﴿وَعَلَى أُمَمٍ﴾ جار ومجرور، معطوف على الجار والمجرور قبله، ﴿مِمَّنْ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿أُمَمٌ﴾ تقديره: وعلى أمم متناسلين ممن معك، أو كائنينَ ممن معك ﴿مَعَكَ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف صلة (من) الموصولة ﴿وَأُمَمٌ﴾ مبتدأ سوغ الابتداء بالنكرة، وقوعه في معرض التقسيم، ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الرفع نائب فاعل لـ (قيل) ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ﴾ فعل ومفعول معطوف على سنمتعهم ﴿مِنَّا﴾ حال من ﴿عَذَابٌ﴾ لأنه صفة نكرةِ قُدَّمَت عليها ﴿عَذَابٌ﴾ فاعل ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة له.
﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾.
﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة ﴿نُوحِيهَا﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب حال ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ والعامل فيه ما في الإشارة من معنى الفعل، ﴿مَا﴾ نافية ﴿كُنتَ﴾ فعل ناقص واسمه ﴿تَعْلَمُهَا﴾ فعل ومفعول به, لأن علم هنا: بمعنى عرف، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﴿أَنْتَ﴾ تأكيد للضمير المستتر في الفعل ليعطف عليه ﴿وَلَا قَوْمُكَ﴾ معطوف على ضمير الفاعل ﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ (تعلم) وجملة ﴿تعلم﴾ في محل النصب خبر (كان) وجملة (كان) مستأنفة ﴿فَاصْبِرْ﴾ (الفاء) فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما أوحينا إليك من قصة قوم نوح، وإذايتهم له، وأردت بيانَ ما هو الأصلحُ لك .. فأقول لك: اصبر إن العاقبة للمتقين ﴿اصبر﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد،