← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

حالَ كونها تجري بهم أو مستأنفة ﴿كَالْجِبَالِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿مَوْجٍ﴾ ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة، ﴿وَكَانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على الابن ﴿فِي مَعْزِلٍ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب حال من ﴿ابْنَهُ﴾، ﴿يَا بُنَيَّ﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء ﴿بني﴾ منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياءِ المتكلم المنقلبة ألِفًا محذوفة اجتزاءً بالفتحة، وياء المتكلم المنقلبة ألِفًا محذوفة في محل الجر مضاف إليه، وجملة النداء في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: قائلًا: ﴿يا بنيّ اركب معنا﴾ ﴿ارْكَبْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على الابن ﴿مَعَنَا﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق به، والجملة جواب النداءِ ﴿وَلَا تَكُنْ﴾ جازم وفعل ناقص، واسمها ضمير يعود على الابن ﴿مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ خبرها، والجملة معطوفة على جملة ﴿ارْكَبْ﴾. ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الابن والجملة مستأنفة ﴿سَآوِي﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الابن، والجملة في محل النصب مقول (قال) ﴿إِلَى جَبَلٍ﴾ متعلق به ﴿يَعْصِمُنِي﴾ فعل مفعول ونون وقاية، وفاعله ضمير يعود على ﴿جَبَلٍ﴾، ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾ متعلق به، والجملة في محل الرفع خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو يعصمني، والجملة الاسمية في محل الجر صفة لـ ﴿جَبَلٍ﴾. ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة مستأنفة ﴿لاَ﴾ نافية تعمل عمل إنَّ ﴿عَاصِمَ﴾ في محل النصب اسمها ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿أَمْرِ اللَّهِ﴾، ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور خبر ﴿لَا﴾، والتقدير: لا عاصم كائن من أمر الله اليوم، كما ذكره أبو البقاء. وجملة ﴿لَا﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء ﴿مَن﴾ اسم موصول، في محل النصب على الاستثناء، والاستثناء متصل إن كان ﴿عَاصِمَ﴾ بمعنى معصوم، ومنقطع إن كان على معناه،

стр. 5602

﴿رَحِمَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ والجملة صلة من الموصولة، والعائد محذوف تقديره إلا من ﵀ ﴿وَحَالَ﴾ فعل ماض ﴿بَيْنَهُمَا﴾ متعلق به ﴿الْمَوْجُ﴾ فاعل، والجملة مستأنفة ﴿فَكَانَ﴾ (الفاء) عاطفة (كان) فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على الابن، ﴿مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ خبرها، والجملة معطوفة على جملة ﴿حال﴾. ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾. ﴿وَقِيلَ﴾ الواو: استئنافية ﴿قيل﴾ فعل ماض مغير الصيغة ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي﴾ إلى ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ نائب فاعل محكي، والجملة مستأنفة، وإن شئت قلت: ﴿يَا أَرْضُ﴾ منادى نكرة مقصودة، وجملة النداء في محل الرفع نائِبُ فاعل ﴿ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ فعل أمر، وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع نائب فاعل على كونها جوابَ النداء، ﴿وَيَا سَمَاءُ﴾ منادى نكرة مقصودة معطوف على قوله: ﴿يَا أَرْضُ﴾. ﴿أَقْلِعِي﴾ فعل وفاعل جواب لنداء ﴿يا سماء﴾، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿وَقِيلَ﴾، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿وَغِيضَ﴾، ﴿وَاسْتَوَتْ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْفُلْكَ﴾ بمعنى السفينة، والجملة معطوفة على جملة ﴿قضي﴾. ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ متعلق بـ ﴿استوت﴾. ﴿وَقِيلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ﴿بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ نائب فاعل محكي، والجملة معطوفة على وقيل الأول، وإن شئت قلت: ﴿بُعْدًا﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره أبعد بعدًا، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لِلْقَوْمِ﴾ متعلق بالفعل المحذوف ﴿الظَّالِمِينَ﴾ صفة ﴿لِلْقَوْمِ﴾. ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾. ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة ﴿فَقَالَ﴾ (الفاء) عاطفة ﴿قال﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة معطوفة على جملة ﴿نادى﴾، ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت:

стр. 5603

ناصب واسمه ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ خبر (إن) وجملة (إن) في محل النصب مقول (قال) على كونها جوابَ النداء ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ ناصب واسمه وخبره، والجملة معطوفة على (إن) الأولى ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب حال من كاف ﴿وَعْدَكَ﴾. ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّه﴾ والجملة مستأنفة ﴿يَا نُوحُ﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا نُوحُ﴾ منادى مفرد العلم ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿لَيْسَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على الابن ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ جار ومجرور خبر ﴿لَيْسَ﴾، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ في محل الرفع خبر (إنَّ)، وجملة (إن) في محل النصب مقول (قال) على كونها جَوَابَ النداء ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿عَمَلٌ﴾ خبره، ولكنه على حذف مضاف، تقديره: ذو عمل ﴿غَيْرُ﴾ صفة لـ ﴿عَمَلٌ﴾ ﴿صَالِحٍ﴾ مضاف إليه، وجملة (إن) في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها مُعلّلةً لما قبلها، ﴿فَلَا﴾ (الفاء) حرف عطف وتفريع (لا) ناهية جازمة ﴿تَسْأَلْنِ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ (لا) الناهية، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت و (النون) نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاءً عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول أول ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان لـ (سأل)، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة (إن) على كونها مفرعةً عليها ﴿لَيْسَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿مَا﴾، ﴿لك﴾ خبر مقدم لـ ﴿لَيْسَ﴾ ﴿به﴾ متعلق بـ ﴿عِلْمٌ﴾، ﴿عِلْمٌ﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ صلة لـ (ما) أو صفة لها ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه ﴿أَعِظُكَ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر (إن)، وجملة (إن) في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كَوْنِها مُعَلَّلَةً لما قبلها ﴿أَنْ تَكُونَ﴾ ناصب وفعل ناقص، واسمه ضمير يعود على نوح

стр. 5604

﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ خبر ﴿تَكُونَ﴾، وجملة ﴿تَكُونَ﴾ في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: إني أعظك من كونك من الجاهلين. ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة مستأنفة، ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول (قال)، ﴿إِنِّي﴾ ناصب، واسمه ﴿أَعُوذُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على نوح ﴿بِكَ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع، خبر (إن)، وجملة (إن) في محل النصب مقول (قال) على كونها جَوَاب النداء ﴿أَنْ أَسْأَلَكَ﴾ ناصب وفعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على نوح ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان لـ (سأل) ﴿لَيْسَ﴾ فعل ماض ناقص ﴿لِي﴾ خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿عِلْمٌ﴾، ﴿عِلْمٌ﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ صلة لـ (ما) أو صفة لها، وجملة ﴿سأل﴾ في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: إني أعوذ بك من سؤالي إياك ما ليس لي به علم، ﴿وإلا﴾ (الواو) عاطفة (إلا) (إن) حرف شرط جازم مبني بسكون على النون المدغمة في (لام) (لا)، (لا) نافية ﴿تَغْفِرْ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ (إن) الشرطية، وفاعله ضمير يعود على اللَّه ﴿لِي﴾ متعلق به، ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾ فعل ومفعول ونون وقاية معطوف على ﴿تَغْفِرْ﴾ وفاعله ضمير يعود على الله ﴿أَكُنْ﴾ فعل مضارع ناقص مجزوم بـ (إن) الشرطية على كونه جوابًا لها، واسمها ضمير يعود على نوح ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ خبرها، وجملة (إن) الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة (إن) على كونها مقول (قال). ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾. ﴿قِيلَ﴾ فعل ماض ﴿يَا نُوحُ﴾ إلى آخر الآية نائب فاعل محكي، والجملة

стр. 5605

مستأنفة، وإن شئت قلت: ﴿يَا نُوحُ﴾ منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل الرفع، نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾ ﴿اهْبِطْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على نوح ﴿بِسَلَامٍ﴾ جار ومجرور، حال من فاعل ﴿اهْبِطْ﴾؛ أي: متلبسًا بسلام، ﴿مِنَّا﴾ صفة لـ (سلام)، وجملة ﴿اهْبِطْ﴾ في محل الرفع، نائب فاعل، لـ (قيل) على كونها جَوَابَ النداء، ﴿وَبَرَكَاتٍ﴾ معطوف على (سلام)، ﴿عَلَيْكَ﴾ صفة لـ ﴿بركات﴾، ﴿وَعَلَى أُمَمٍ﴾ جار ومجرور، معطوف على الجار والمجرور قبله، ﴿مِمَّنْ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿أُمَمٌ﴾ تقديره: وعلى أمم متناسلين ممن معك، أو كائنينَ ممن معك ﴿مَعَكَ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف صلة (من) الموصولة ﴿وَأُمَمٌ﴾ مبتدأ سوغ الابتداء بالنكرة، وقوعه في معرض التقسيم، ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الرفع نائب فاعل لـ (قيل) ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ﴾ فعل ومفعول معطوف على سنمتعهم ﴿مِنَّا﴾ حال من ﴿عَذَابٌ﴾ لأنه صفة نكرةِ قُدَّمَت عليها ﴿عَذَابٌ﴾ فاعل ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة له. ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾. ﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة ﴿نُوحِيهَا﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب حال ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ والعامل فيه ما في الإشارة من معنى الفعل، ﴿مَا﴾ نافية ﴿كُنتَ﴾ فعل ناقص واسمه ﴿تَعْلَمُهَا﴾ فعل ومفعول به, لأن علم هنا: بمعنى عرف، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﴿أَنْتَ﴾ تأكيد للضمير المستتر في الفعل ليعطف عليه ﴿وَلَا قَوْمُكَ﴾ معطوف على ضمير الفاعل ﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ (تعلم) وجملة ﴿تعلم﴾ في محل النصب خبر (كان) وجملة (كان) مستأنفة ﴿فَاصْبِرْ﴾ (الفاء) فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما أوحينا إليك من قصة قوم نوح، وإذايتهم له، وأردت بيانَ ما هو الأصلحُ لك .. فأقول لك: اصبر إن العاقبة للمتقين ﴿اصبر﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد،

стр. 5606

والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ﴾ ناصب واسمه ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ خبره، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة على كونها مُعَلّلةً لما قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ الإجرام والجرم بمعنى، وهو اكتساب الذنب، وفي "المصباح" جرم جرمًا من باب: ضرب إذا أذنب، واكتسب الإثم، وبالمصدر سُمِّيَ الرجلُ، والاسم منه الجُرم بالضم، والجريمة مثله، وأجرمَ إجرامًا كذلك، اهـ. ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ يقال: ابتأس فلانُ إذا بَلَغَه ما يَكْرَه، اهـ "سمين"، وفي "المختار": فلا تبتئس؛ أي: لا تَحْزَن ولا تشتك، والمبتئسُ: الكَارِهُ الحزينُ، اهـ. ويقال: ابْتَأَس إذا اشتد بُؤْسُه وحُزْنُه ﴿الْفُلْكَ﴾ السفينةُ، ويطلق على الجمع كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ وعلى المفرد كما هنا، ويذكر بمعنى المركب، ويؤنَّث بمعنى السفينة ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾، والمرادُ بالأعين هنا شدة الحِفاظ والحراسة، وفي "الكرخي": قوله: ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾؛ أي: بمرأى منَّا، وحفِظَنا، فلا يمكن إجراؤُه على ظاهره، لوجوه: منها: أنَّه يقتضي أن يكونَ لله أعين كثيرة، وهذا يناقض قولَهُ تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. ومنها: أنه يقتضي أن يُصْنَعَ الفلك بتلك الأعين كقولك: قطعتُ بالسكين، وكتبت بالقلم، ومعلوم أنَّ ذلك باطلٌ إلى غير ذلك ﴿سَخِرُوا مِنْهُ﴾ يقال: سَخِرَ منه إذا استهزأ به، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾؛ أي: يذله ويفضحه، ويَحِلُّ التلاوةُ بكسر الحاء، ويجوزُ لغةً ضَمُّها. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾؛ أي: عذابُنا أو وقته، اهـ "زاده". فهو واحد الأمور، لا الأوامر، ويصح أن يُرادَ الثاني على معنى: جاء أمْرُنا بركوب السفينة، اهـ "شهاب". ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ الفور والفَوران: الارتفاع القويُّ يقال في الماء إذا نَبَعَ وجرى، وإذا غلا وارتفع، والمرادُ منه هنا اشتداد غضب الله على أولئك المشركين الظالمين لأنفسهم وللناس وحلول وقت انتقامه منهم، والتنور ما يُخْبَزُ

стр. 5607

فيه الخبز، اتَّفقَتْ فيه لغة العرب والعجم، كان من حجارة، وكانت حواء تَخْبِزُ فيه، وصار إلى نوح، وكان ذلك التنُّور في الكوفة على يمين الداخل مما يلي باب كندة، اهـ "خازن". وفي "السمين": والتنور قيل: وزنه تفعول فقلبت الواو الأولَى همزةً لانضمامها، ثمَّ حُذِفَت ثمَّ شُدِّدَت النون للعوض عن المحذوف، ويُعْزَى هذا لِثَعْلب، وقيل: وَزْنُه فعول، ويعزَى لأبي علي الفارسي، وقيل: هو أعجميُّ، وعلى هذا فلا اشتقاقَ له، والمشهور أنه مما اتفق فيه لغةُ العرب والعجم كالصابون ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ والزوجان: هما الاثنان اللذان لا يستغني أحدهما عن الآخر، ويطلق على كل واحد منهما زوجٌ، كما يقال للرجل: زوج، وللمرأة: زوجة، ويطلق الزوج على الاثنين، إذا استعمل مقابلًا للفرد، ويُطلق الزوج على الضرب والصنف، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ والمعنى: من كل صنف زوجين اثنين. ﴿وَأَهْلَكَ﴾؛ أي: واحمل أهلك، وأهلُ بيتِ الرجل: نساؤه وأولاده وأزواجَهم، ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾، والركوبُ: العلو على شيء متحرك، ويتعدَّى بنفسه، واستعماله هنا بكلمة (في) ليس لأجل أنَّ المأمورَ به كونهم في جوفها, لا فوقَها؛ كما ظنَّ فإنَّ أَظْهَرَ الروايات أنه ﵇ جَعَلَ الوُحُوشَ ونظائِرَها في البطن الأسفل، والأنعام في الأوسط, ورَكِبَ هو ومن معه في الأعلى، بل لرعاية جانب المحلية، والمكانية في الفلك، والسر فيه أنَّ معنى الركوب العلو على شيءٍ له حركة إمَّا إراديَّةٌ كالحيوان، أو قسرِيَّةٌ كالسفينةِ، والعَجَلَة ونحوهما، فإذا استعمل في الأول توفر له حظ الأصل، فيقال: ركبت الفرس، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾، وإن استعمل في الثاني يلوح بمحلية المفعول بكلمة (في) فيقال: ركبتُ في السفينة، وعليه الآية الكريمة وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾، وقوله: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ اهـ، "أبو السعود". ﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ بفتح الميم فيهما إما مصدران، الأول من جَرَتْ تَجْري جَرْيًا، والثاني: من رَسَتْ تَرْسُو رسُوًّا من باب سما أو رَسْوًا من باب عدا ومرسىً إذا ثبتَتْ؛ أي: جَرَيانُهَا ورسُوّها، أو اسمَا زمان؛ أي: زمان جَرْيها ورُسوها، أو مكان؛ أي: مكان جريها ورسوها.

стр. 5608

﴿يَا بُنَيَّ﴾ أصله بثلاث ياءات الأولى: ياء التصغير، والثانية: لاَمُ الكلمة، وأصلُها واو عند قوم، وياءٌ عند آخرين، والياءُ الثالثةِ ياء المتكلم، ولكنَّها حذفت لدلالة الكسرة عليها فرارًا من توالي الياءين، ولأنَّ النداءَ موضع تخفيف، وقيل: حذفت من اللفظ لالتقائها مع الراء في ﴿ارْكَبْ﴾ ويقرأ بالفتح، وفيه وجهان: أحدهما: أنه أبْدلَ الكسرةَ فتحةً فانقلبت ياءُ الإضافة ألِفًا، ثُمَّ حذفت الألِفُ كما حُذفت الياءُ مع الكسرة؛ لأنها أصلُها. والثاني: أنَّ الألِفَ حذفت من اللفظ لالتقاء الساكنين ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ والموج جمع موجة، وهي ما ارتفعَ عن جملة الماء الكثير عند اشتداد الريح، وشبهها بالجبال المرتفعة على الأرض ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي﴾ يقال: بَلَعَ الماءَ يبلعه مثل مَنَعَ يمنَع وبلع يَبلَع مثل حَمِدَ يَحْمَدَ لغتان؛ حكاهما الكسائِي، والفراء، والبَلَعُ الشرب، ومنه البَالُوعَةُ: وهي الموضع الذي يُشْرَب منه الماء، وبئر ضيِّقُ الرأس، يجري إليها مَاءُ الغُسَالة ﴿وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ الإقلاع الإمساك، يقال: أقلع المطر إذا انقطع، ومنه أقْلَعَت الحُمَّى، وقيل: أقلع عن الشيء إذا تركه، وهو قريب من الأوّل ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾؛ أي: نقص يقال: غاض الماء وغضته، وهو هنا مبنيٌّ للمجهول إذ يستعمل لازمًا ومتعديًا، وعبارة "السمين": الغَيْضُ: النقصانُ، وفعله لازمٌ ومتعد، فمن اللازم قوله تعالى: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾؛ أي: تَنْقُص، وقيل: بل هو هنا متعدٍ أيضًا؛ لأنه لا يبنى للمفعول من غير واسطة حرف جر إلا المتعدي بنفسه، اهـ "سمين". وفي "المختار": غاض الماء إذا قَلَّ ونَضَبَ؛ أي: ذَهَب في الأرض، وبابه بَاعَ وانغَاضَ مثله وغيضَ الماء: فعِل به ذلك، وغَاضَ الله يتعدَّى وَيلْزَمُ، وأغَاضَه الله أيضًا، وغيض الماء تَغْيِيضًا نَقَصه، وحبَسَه ويقال: غَاض الكرام؛ أي: قلوا، وفَاضَ اللئَامُ؛ أي: كَثُرُوا، اهـ. ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾؛ أي: أحكم، وفرغ منه يعني أهلك قومُ نوح علَى تَمَامِ، وإحكام اهـ "قرطبي" ﴿بُعْدًا﴾ يقال: بَعِدَ بكسر العين بُعْدًا بضم فسكون، وبَعَدًا بفتحتين: إذا بَعُدَ بُعْدًا بعيدًا بحيث لا يُرجى عوده، اهـ "بيضاوي". ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ﴾ يقرأ بتشديد النون مع فتح اللام قبلَها، فالنون المشددة للتوكيد،

стр. 5609

والفعل مبني على الفتح لاتصاله بها، وحينئذ فيقرأ بثبوت الياء، وحذفها وهذا عند كسر نون التوكيد، ويُقرَأ أيضًا بفتحها، وبلا ياءٍ أصلًا، فالقراءات السبعية في التشديد ثلاثة، ويقرأ بتخفيفها؛ أي: تخفيف النون مع سكون اللام قَبْلَها، وعليه فالنون للوقاية، ويقرأ بثبوت الياء، وحذفها في الوصل، فالقراءات السبعية في هذا المقام خمسة، وثبوت الياء في بعض هذه القراءات سواء مع التخفيف والتشديد؛ إنما هو عند الوصل، وأمَّا عند الوقف فلا تثبت في شيء من هذه القراءات كُلِّها، بل ولا تثبُتُ في الرسم؛ لأنها من ياءات الزوائد، وهي تثبتُ في الوصل دون الوقف، ودون الرسم اهـ "جمل" ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي﴾ هذه إن الشرطية، و (لا) النافية كما مَرَّ في بحث الإعراب أُدْغِمَتْ نونَ إن في لاَم (لا) ولا تُرْسَمُ النونُ كما ترى. ﴿وَبَرَكَاتٍ﴾ وهي عبارة عن بقاء النعمة ودَوامِها، وثَباتِها مشتق من بروك الجَمَل، وهو ثبوته، ومنه البُرْكَةُ لثبوت الماءِ فيها ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ والأنباءُ جمع نبأ وهو الخبر الذي له شَأن. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: مجاز بالحذف في قوله: ﴿فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾؛ أي: عقوبةُ إجرامي. ومنها: جناس الاشتقاق بين إجرامي، وتجرمون. ومنها: الإتيان، بـ (إن) الدالة على الشك في قوله: ﴿إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ لبيان أنه على سبيل الفرض بخلاف إجرامهم، فإنه محقق. ومنها: الجناسُ المماثل بين قوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾، وقوله: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾. ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ , لأنَّ حقَّ العبارة أنْ يقال: ويصنعها.

стр. 5610

ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾؛ لأنَّ المراد به بحراستنا، وحفظنا ففيه إطلاق السبب الذي هو الأعين، وإرادةُ المسبب الذي هو الحراسةُ والحفظ لأنَّ الأعين آلة للحراسة مبالغةً في الحفظ. ومنها: حكاية الحال الماضية لاستحضار الصورة في قوله: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ فالمضارع بمعنى الماضي، أي وصَنَعَها. ومنها: المشاكلة في قوله: ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ إذ السخرية لا تليق بمقام الأنبياء، وقيل: لجزائهم من جنس صنيعهم، فلا يَقْبُحُ كما في "الشهاب". ومنها: الطباق بين الأرض والسماء، والجناس الناقص بين ﴿ابْلَعِي﴾ و ﴿أَقْلِعِي﴾ في قوله: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ وكلاهما من المحسنات البديعية. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿ابْلَعِي﴾ شبَّهَ تغويرَ الماء وشُرْبَه في بطنها ببلع الحيوان؛ أي: إزدراده لطعامه وشرابه في جوفه بجامع الوصول إلى الجوف في كلٍّ، فاشتق منه ابلعي بمعنى غوري على طريق الاستعارة التصريحية التبعية، واستُعير البلع الذي هو من فعلِ الحيوانَ للنَّشَفِ دلالةً على أنَّ ذلك ليس كالنَّشَفِ المعتاد الكائن على سبيل التدريج. ومنها: التفخيم في قوله: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ عَبَّر عن الغرق بأمر الله تفخيمًا لشأنه وتهويلًا لأمره. ومنها: الإبهام ثُمَّ التفسيرُ في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾؛ أي: إلا الراحمَ، وهو الله تعالى تفخيمًا لشأنه الجليل بالإبهام ثمّ التفسير، وبالإجمال ثُمَّ التفصيل، وإشعارًا بعلية رحمته في ذلك بموجب سبقها على غضبه. ومنها: حكاية الحال الماضية استحضارًا لصورتها، في قوله: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾، وحقُّ العبارة أن يقال، وهي جَرَت بهم. ومنها: التشبيهُ في قوله: ﴿فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾ شبَّه كلَّ موجة من ذلك بالجبل في عِظَمِها وارْتِفاعِها على الماء وتراكمها.

стр. 5611

ومنها: الاستعارة التصريحيةُ الأصلية في قوله: ﴿بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ لأنَّ البُعْدَ هنا مستعارٌ للهلاك. ومنها: التعرُّض لوَصف الظلم في قوله: ﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ للإشعار بعِلِّيَّتِهِ للهلاك، ولتذكير ما سَبَق مِنْ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾. ومنها: الحذف والزيادة في عِدَّة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 5612

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ...﴾ الآيات، هذا القصصُ ذكِرَ في سورة الأعراف بأسلوب ونظم يخالف ما هنا، وفي كل منهما من العظة والعبرة ما

стр. 5613

ليسَ في الآخر، وسيأتي في السور التالية بسياق آخر، وقد جاء في بعض الروايات، أنَّ هودًا أوَّلَ مَنْ تكلم بالعربية، فهو أول رسول عربيٍ من ذرية نوح، وآخِرُ رسول هو محمدٌ ﷺ ، وهو عربي أيضًا. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ...﴾ الآية، مناسبتُها لما قبلها: لَمَّا ذَكَرَ تبليغَ هود ﵇ قومَه دعوةَ ربه .. ذَكَر هنا رَدَّ قومه لتلك الدعوة في جحودهم للبينة، ثم إنذاره لهم. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: لما ذكر إصرارَ قوم هود على العنادِ، والعتو وتكذيب هود فيما جاء به من الآيات ... ذكَرَ هنا عاقبةَ أمْرِه وأمْرِهِم، وأنه تعالى أصابَه برحمة مِن لدنه، وأنْزلَ بهم العذابَ الغليظَ كِفاءَ كفرِهم بآياتِه وعصيان رسله. قولُه تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ...﴾ الآيات، جاء هذا القصص في بيان دعوة صالح لقومه ثمود وردِّهم لها بعد احتجاجه عليهم، وصالحُ هو الرسول الثاني من العرب، ومساكن قبيلته - الحجر - وهي بين الحجاز والشام، وسيأتي ذِكْرُ قصصهم في سورة الشعراء، والنمل، والقمر، والحجر، وغيرها، وفي كل منها من الموعظة والعبرة ما لا يُغني عنه غيره. قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ ...﴾ الآيات، مناسبتُها لِمَا قبلها: أنه تعالى لَمَّا ذَكَر أن قومه قالوا له: إننا لفي شك مما تدعونَا إليه، وسألُوه الآية على ما دعاهم إليه .. ذَكر هنا أنه قال لهم: إنَّ آيتَه على رسالته هي الناقة، وأنَّ مَنْ يَمَسُّها بسوء يُصيبه عذابٌ أليم. التفسير وأوجه القراءة ٥٠ - قوله: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ معطوف على ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾؛ أي: وأرسلنا إلى عاد الأُولى أخاهم في النسب، والوَطنِ لا في الدين. هودًا أي واحدًا منهم يسمى هودًا، وقوم عاد كانوا عبدة أوثان، وقيل: هم عاد الأُولى وعاد الأخرى، فهؤلاء عاد الأولى، وعادُ الأخرى هم: شدادٌ ولقمانُ وقومُهما

стр. 5614

المذكورون في قوله: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ وأصل عادٍ اسم رجل ثُمَّ صار اسمًا للقبيلة، كتَمِيمِ وبكر ونحوهما، والمرادُ بعاد هنا: اسم قبيلة تُنسب إلى أبيها عاد من ذرية سام بن نوح، فعاد أبو القبيلة، وسمِّيت باسمه، وهودٌ من تلك القبيلة، فينتسب إلى عاد أيضًا، وبَيْنَ هود ونوح ثمان مئة سنة، وعاش أربع مئة سنة، وأربعًا وستينَ سنةً فـ ﴿قَالَ﴾ لهم هود ﵇، ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: أفردُوا الله بالعبادة ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾؛ أي: ليس لكم إلهٌ غيره تعالى، فلا تعبدوا من دونه وَثَنًا ولا صنمًا، وقرأ غيره بالجر على اللفظ، وبالرفع على محلِّ ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ وقرِىء بالنصب على الاستثناء ذكره الشوكاني ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾؛ أي: ما أنتم باتخاذ إله غير الله، إلا كاذبون على الله ؛ أي: فما أنتم في عبادتكم غَيْرَه تعالى من الأنداد والشركاء، إلا مختلقون الكذبَ عليه تعالى، بتسميتكم إياهم شُفَعَاءَ تتقرَّبون بهم أو بقبُورهم، أو بصورهم وتماثيلهم، وتَرْجُون النَّفْعَ وكَشْفَ الضر عنكم بجاههم عنده تعالى ٥١ - و ﴿يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على تبليغ ما أدْعوكم إليه من إخلاص العبادة لله وحده، والبراءة من الأوثان ﴿أَجْرًا﴾؛ أي: مالًا مَجْعولًا لي في مقابلة التبليغ، فتَتَّهموني بأني أريد المنفعةَ لنفسي، خاطب بهذا كل نبي قَوْمَه إزاحة للتهْمةِ، وتمحيضًا للنصيحة، فإنها لا تنجع ما دامَتْ مَشُوبةً بالمطامع، وقرأ ابن محيصن: (يا قوم) بضم الميم كقراءة حفص ﴿وقل رب احكُم﴾ بالضم، وهي لغةٌ في المنادى المضاف حكاها سيبويه وغيره، ذكره أبو حيان ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾؛ أي: ما ثوابي الذي أرْجُوهُ على تبليغي إياكم ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾؛ أي: إلا على الله الذي خلقني على الفطرة السليمة مبرأً من هذه البدَعِ الوثنيَّةِ التي ابتدعها قوم نوح حين صنعوا التماثيلَ لحفظِ ذِكرى الصالحين، فزَيَّن لهم الشيطانُ تعظيمَ هذه التماثيل، فَعَبَدُوها، وإنما جعل (١) الصلةَ فِعلَ الفطرة لكونه أقدمَ النعم الفائضة من جناب الله تعالى المستوجبة للشكر. وإنما قال (٢) فيما تقدم في قصة نوح: ﴿مَالًا﴾، وهنا قال: ﴿أَجْرًا﴾ لذكر

стр. 5615

الخزائن بَعْدَه في قصة نوح، ولفظُ المال بها ألْيَق، وفي "الجمل" قوله: ﴿أَجْرًا﴾ قال في نوح مالًا، وهنا أجرًا تَفنُّنًا، اهـ. و (الهمزة) في قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ للتوبيخ داخلة على محذوف، و (الفاء) عاطفةٌ على ذلك المحذوف، والتقدير: أي أتغفلون عن هذه القصة فلا تعقلونَها أو أفلا تعقلونَ أنّ أجْرَ الناصحين، إنما هو من رب العالمين، أو أفلا تعقلون ما يقال لكم: فتميزوا بين ما يضرُّ وما ينفع، وإني لكم ناصح أمين، فلا أغشكم فيما أدعوكم إليه. ٥٢ - ثمَّ أرشدهم إلى الاستغفار والتوبة فقال: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾؛ أي: سَلُوهُ أن يغفرَ لكم ما تقدَّم من شرككم ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ من بعد التوحيد بالندم على ما مضى، وبالعزم على أن لا تعودوا لمثله، وفي "الخازن": ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾؛ أي: آمنوا (١) به، فالاستغفار هنا بمعنى الإيمان؛ لأنه هو المطلوب أولًا ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ يعني من شرككم، وعبادتكم غيره، ومن سالف ذنوبِكم، انتهى. وفي "روح البيان" واللَّائِحُ (٢) للبال أن المعنى: اطْلُبُوا مغفرةَ الله تعالى لذنوبكم السالفةِ من الشرك، والمعاصي بأنْ تُؤمنوا به، فإنَّ الإيمانَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ أي يقطع، ثم ارْجِعُوا إليه بالطاعة؛ فإنَّ التحليةَ - بالمهملة - بعد التخلية - بالمعجمة -، فتكون ثُمَّ على بابها في التراخي، انتهى. ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: يُنْزِل المطرَ عليكم حالةَ كونه ﴿مِدْرَارًا﴾؛ أي: كثيرَ الدرور والنزول مُتَتابعًا مرة بعد مرة في أوقات الحاجة إليه، وذلك (٣) أنَّ بِلاَدَهم كانت مخصبةً كثيرة الخير والنعم، فأمسك الله عنهم المطر مُدَّةَ ثلاث سنين، فأجْدَبَتْ بلادهم وقحطت بسبب كفرهم، فأخبرهم هود ﵇ أنهم إنْ آمنوا باللهِ وصدقوا رسوله أَرْسَلَ اللَّه إليهم المطرَ فأحيا به بلادهم كما كانت أولَ مرَّةٍ.

стр. 5616

﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً﴾؛ أي: شِدَّة ﴿إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾؛ أي: مع شدتكم، ويضاعفها لكم، وقيل معناه: إنكم إن آمنتم .. يُقوِّكم بالأموال والأولاد، وقَصَدَ (١) هودُ بذلك استمالَتَهم إلى الإيمان بكثرة المطر، وزيادة القوة، وذلك أنَّ الله أعْقَمَ أرحامَ نسائهم، فلم تَلِدُ فقال لهم هود ﵇: إن آمنتم أرْسَل الله المطرَ فتزدادون مالًا ويعيد أرحام النساء إلى ما كانت عليه، فيَلِدْنَ فتزدادون قُوَّةً بالأموال، والأولاد، وقد كانوا يَهْتَمُّون بذلك، ويَفْخَرُون على الناس، وقيل معناه: تزدادُون قوةً في الدين إلى قوة الأبدان ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا﴾؛ أي: ولا تعرضوا عن قبول قولي ونصحي، حال كونكم ﴿مُجْرِمِينَ﴾؛ أي: مصرِّينَ على الإجرام والإشراك والآثام، والإجرامُ كَسْبُ الجُرْمِ كالإذناب بكسر (الهمزة) كَسْبُ الذنب. وعن الحسن (٢) بن علي ﵄ أنه وَفَد على معاويةَ فلَمَّا خَرَجَ قال لَهُ بَعضُ حُجّابه: إنّي رَجلٌ ذُو مال ولا يُولد لي، علِّمني شيئًا لَعَلَّ الله يرزقني ولدًا، فقال الحسنُ: عليك بالاستغفار، فكان يكثر الاستغفار حتى رَبَّما استغفر في يوم واحد سبع مئة مرة، فوُلد له عشر بنين فبلغ ذلك معاويةَ فقال: هلَّا سأَلْتَه مِمَّن قال ذلك، فوَفَدَ وَفْدةً أخرى فسأله الرجلُ فقال: ألَم تَسْمَعْ قولَ هود: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ وقول نوح: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾. ٥٣ - ثم أجابه قومه بما يَدُل على فَرْطِ جهالتهم، وعظيم غباوتهم، فـ ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾؛ أي: ببرهان وحجة واضحة على صحة ما تقول، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي﴾ عبادة ﴿آلِهَتِنَا﴾ وأصْنَامنا التي نَعْبُدُها، وأصله تاركينَ سقطت النونُ للإضافة، وقولُه: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حال مِنَ الضمير في ﴿تاركي﴾ (٣) كأنه قِيلَ: وما نَتْرُكُ آلهتنا صَادِرينَ عن قولك؛ أي: صادرًا تركنا عن قولك بإسناد حال الوصف إلى الموصوف، ومعناه: التعليل، على أَبْلِغ وَجْهٍ لدلالته على كونه عِلَّةً فاعليَّةً،

стр. 5617

ولا يفيده الباء واللام. قال السعديُّ: قد يقال: (عَنْ) للسببية فيتعلَّقُ بـ ﴿تاركي﴾؛ أي: بسبب قولك: المجرَّدِ عن حُجَّةٍ. ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: بمصدَقين فيما تَدعُونا إليه من التوحيد، وتركِ عبادةِ الآلهة وهو إقناطٌ له من الإجابة والتصديق. ٥٤ - ﴿إِنْ نَقُولُ﴾؛ أي: ما نقول في شأنك شيئًا ﴿إِلَّا﴾ قولَنا ﴿اعْتَرَاكَ﴾ وأصَابَك ﴿بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾؛ أي: بجُنون فقوله: ﴿اعْتَرَاكَ﴾ جملة (١) مفسِّرة لمصدر محذوف، تقديره: ما نقولُ في شأنك إلّا قَوْلَنا اعتراك؛ أي: أصَابَكَ، من عراه يعروه إذا أصابه ﴿بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾؛ أي: بجنون لسبك إياها، وصدِّك عنها، وعداوتك مكافأةً لك منها على سوء فعلك بسوء الجزاء، فمن ثم تتكلم بكلام المجانين، وتهذي بهذيان المرسمين. والخلاصة (٢): أنَّ ما تقولُه لا يصدر إلا عَمَّنْ أصيب بشيءٍ اقتضى خروجه عن قانون العقل، فلا يُعْتَدُّ به؛ لأنه مِنْ قبيل الخرافات، والهذيانات التي لا تصدر إلا عَن المجانين، فكيف نؤمن بك، فأجابهم بما يَدُلُّ على عدم مبالاته بهم، وعلى وثوقه بربه، وتوكله عليه، وأنَّهم لا يقدرون على شيءٍ مما يريده الكفار، بل الله هو الضار النافع، فـ ﴿قَالَ﴾ لهم هودٌ ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ على براءتي من إشراككم ﴿وَاشْهَدُوا﴾ أنتم؛ أي: وأقولُ اشْهَدُوا؛ لئلا يلزم عطف الإنشاء على الخبر ﴿أَنِّي بَرِيءٌ﴾ تنازع فيه أُشْهِدُ اللَّهَ واشهدوا؛ أي: واشهدوا أنتم على أنّي بريء ﴿مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾؛ أي: من إشراككم ٥٥ - ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أو ﴿مِمَّا﴾ تشركونه به من آلهة غير الله، فـ (ما) إما مصدرية أو موصولة وإشهادُ الله تعالى حقيقةٌ وإشهادهم استهزاءٌ بهم، واستهانةٌ؛ إذ لا يقولُ أحد لِمَنْ يعاديه أُشْهِدُكَ على أنِّي بريء منك إلّا وهو يريد عَدَم المبالاة ببراءته، والاستهانةَ بعداوته. واعلم: أنهم لمَّا سموا أصنامَهم آلِهةً وأثبتوا لها الضررَ .. نفى هود بقوله: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ الآيةَ كونَهم آلهةً رأسًا ثُمَّ نَفى

стр. 5618

الضررَ بقوله: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ أنتم وآلهتكم، واحتالوا في إضراري إن كانت كما تَزْعمون، أنها تقدر على الإضرار بي، وأنها اعترتني بسوء، ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾؛ أي: لا تمهلوني ولا تؤخِّرُوني حتى آتِيَ بشيءٍ يحفظني من قراة وسلام، بل عاجلوني واصنعوا ما بَدا لكم، وفي هذا من إظهار عدم المبالاة بهم وبأصنامهم التي يعبدونها ما يصك مسَامِعَهم، ويوضحُ عَجْزَهم وعدمَ قدرتهم على شيءٍ قوله: ﴿فَكِيدُونِي﴾ بثبوت الياء وصلًا، ووقفًا لكلهم، والتي في المرسلات بحَذْفها، كذلك لكلهم، وأمَّا التي في الأعراف فمِنْ ياءات الزوائد فتحذف وقفًا لا غيرُ وتثبت وتحذَفُ في الوصل. ذكره "الجمل". والكيد (١) إرادةُ مضرة الغير خفيةً، وهو من الخَلْقِ: الحِيلةُ السيئةُ، ومن الله التدبيرُ بالحقِّ، لمجازاة أعمال الخلق؛ أي: إن صحَّ ما تفوهتم به من كون آلهتكم مما تَقْدِر على إضرار من يَسُبُّها، ويَصُدُّ عن عبادتها، فإنِّي بَريءٌ منها، فكونوا أنتم وآلهتكم ﴿جَمِيعًا﴾ حال من ضمير ﴿كيدوني﴾ على قصد إهلاكي، بكل طريق ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾؛ أي: لا تمهلوني ولا تسامحوني في ذلك، (فالفاء) لتفريع الأمر على زعمهم في قدرة آلهتهم على ما قالوا، وعلى البراءة كليهما. قال الزمخشري (٢): فإن قلت: هلَّا قيل: إني أُشهدُ الله وأشهدكم؟ قلت: لأن إشهاد الله على البراءة من الشرك إشهادٌ صحيح، ثابت في معنى تثبيت التوحيد، وأما إشهادهم فما هو إلا تَهاونٌ بدِينهم، ودَلالة على قلة المبالاة بهم فحَسْبُ، فَعَدَلَ به عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما، وجيءَ به على لفظ الأمر بالشهادة، انتهى. وقولُه: ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ هذا من (٣) معجزاته الباهرة؛ لأنَّ الرَّجُلَ الواحدَ إذا أَقْبَل على القوم العظام، وقال لهم: بَالِغُوا في عداوتي، وفي إيذائي، ولا تؤجِّلوني، فإنه لا يقول هذا إلا إذا كان واثقًا من الله بأنه يحفظه، ويصونه عن كيد الأعداء، ٥٦ - وهذا هو المُرادُ بقوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ﴾، واعتمدتُ ﴿عَلَى

стр. 5619

اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾؛ أي: مالكي، ومالككم، يعني: أنكم وآلهتكم لا تقدرون على ضرري، فإني متوكل على الله القادر القوي، وهو مالكي ومالككم ومالك كل شيء إذ ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ ونسمة تَدبُّ وتتحرك على الأرض ﴿إِلَّا هُوَ﴾ ﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾؛ أي: إلا وهو مالك لها، قَادر عليها، يصرفها على ما يريد بها، والناصية عند العرب (١): مَنْبَتُ الشعر في مقدم الرأس، ويُسمّى الشَّعْرُ النابت هناك أيضًا ناصية، تسميةً له باسم منبته، والأَخذ بناصية الإنسان عبارةٌ عن قهره، والغلبة عليه، وكونه في قبضة الآخذ بحيثُ يَقْدِرُ على التصرف فيه كيف يشاء، والعربُ إذا وَصفوا إنسانًا بالذلة والخُضوع لرجل .. قالوا: ما ناصيته إلا بيدِ فلان؛ أي: إنه مُطيع له؛ لأنَّ كل من أخذْتَ بناصيته فقد قهَرْتَه، وأَخْذُ الله بناصية الخلائق استعارة تمثيليةٌ لنفاذ قدرته فيهم. والغرض من هذا الكلام: الدلالة على عظمته تعالى وجَلالة شأنه وكبرياء سلطانه، وباهر قدرته، وأنَّ كُلَّ مقدور، وإن عَظُم وجَلَّ في قوته وجثته، فهو مستصغرٌ إلى جنب قدرته، مقهور تحت قهره وسلطانه، منقاد لتكوينه فيه ما يشاء غَيْرُ ممتنع عليه ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: إنه ، وإن كان قادرًا على عباده، لكنَّه لا يظلمهم، ولا يفعلُ بهم إلا ما هو الحق والعدل في ملكه، لا يفوته ظالم، ولا يضيع عنده معتصم به. وقولُ هود ﵇: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يتضمَّن جملةَ أُمورٍ (٢): ١ - البراءة من إشراكهم الذي اقْتَرَفُوه، ولا حقيقةَ له. ٢ - إشهاد الله على ذلك ثِقَةً منه بأنه على بينةٍ من ربه. ٣ - إشهادهم أيضًا على ذلك إعلامًا منه بعدم مبالاته بهم وبما يزعمون من قدرة شركائهم على إيذائه وضرره. ٤ - طَلَبهُ منهم أن يجمعوا كُلُّهم على الكيد له، والإيقاع به بلا إمهال، ولا

стр. 5620

تأخير إن استطاعوا. وفي هذا دليل واضح على أنه لا يخافُهم، ولا يخافُ آلهتهم. ٥ - عدم الخوف منهم ومن آلهتهم إذ وكل أمْر حفظه وخِذْلانِهم إلى ربه وربهم، ومالك أمره وأمرهم المتصرف في كل ما دبَّ على وجه الأرض، والمسخِّر له، وهو مطلع على أمور العبادة، مجازٍ لهم بالثواب والعقاب، كافٍ لمَن اعتصَمَ به، وهو لا يسلط أهل الباطل من أعدائه على أهل الحق مِنْ رسله، ولا يفوته ظالم. ٥٧ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: فإن تتولَّوا، بحذف إحدى التائين؛ أي: وإن تستمروا على التولي، والإعراض عن الإيمان, والتوبة، فلا تفريطَ مِنّي في الإبلاغ ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾؛ أي: لأنَّي قد أدَّيْتُ ما عليَّ من الإبلاغ، وإلزام الحجة، وكنتم محجوجينَ، بأن بلغكم الحقُّ فأَبَيْتُم إلا التكذيب، والجحود، فالمذكور دليل الجواب المحذوف. وقال الزمخشري (١): فإن قلتَ: الإبلاع كان قبل التولي، فكيف وَقَعَ جزاءً للشرط؟ قلت: معناه: فإن تَولَّوا لم أُعاقَبْ على تفريط في الإبلاع، فإنَّ ما أرسلت به قد بَلَغَكُم فأبيتم إلا تكذيب الرسالة، وعداوة الرسول. وقرأ الجمهور فإن ﴿تَوَلَّوْا﴾؛ أي: تتولوا مضارع تولَّى، وقرأ الأعرج، وعيسى الثقفي، ﴿تَوَلَّوْا﴾ بضم التاء واللام مضارع ولَّى قوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ كلام مستأنف، أي: ويهلككم الله، ويجيء بقوم آخرين، يَخْلُفونكم في دياركم وأموالكم. وقرأ الجمهورُ: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ﴾ بضم الفاء على معنى الخبر المستأنف، وقرأ حفص في رواية هبيرة بجزمها عطفًا على موضع الجزاء، وقرأَ عبد الله كذلك، ويجزمُ ﴿ولا تضرُّوه﴾ وقرأ الجمهورُ ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ﴾ بتوليكم

стр. 5621

وإعراضكم ﴿شَيْئًا﴾ من الضرر، لأنه غني عنكم، وعن إيمانكم لا يجوز عليه المضارُّ والمنافِع، وإنما تضرون أنفسَكم. ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾؛ أي: رقيب مهيمن عليه، يحفظه من كل شيء، فلا يَخْفى عليه أعمالكم، ولا يَغْفَلُ عن مجازاتكم، قيل: (وعلى) بمعنى اللام فيكون المعنى: إنَّ ربي لكل شيء حفيظ فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء قرأ عبد الله: (ولا تنقصونه شيئًا). ٥٨ - ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾؛ أي: عذابنا، فيكون مصدرَ أمر ﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ من قومه، وكانوا أربعةَ آلاف ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ عظيمة كائنةٍ ﴿مِنَّا﴾ لهم؛ أي: نجَّيْنَاهم بمجرد رحمة وفضل لا بأعمالهم؛ لأنه لا يَنْجُو أحدٌ، وإن اجتهد في الأعمال، والعمل الصالح، إلا برحمة الله تعالى كما هو مذهبُ أهل السنة، وذلك أنَّ العذابَ إذا نزل قدْ يَعُمُّ المؤمنَ والكافرَ، فلما أَنْجَى الله المؤمنينَ مِنْ ذلك العذابِ كان برحمته وفضله وكرمه، وقيل: الرحمة هي الإيمان. ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ﴾؛ أي: ونجينا هودًا والذين آمنوا معه ﴿مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾؛ أي: شديد، وهو تكرير لبيان ما نجيناهم منه؛ أي: كانت تلك التنجية من عذاب غليظ، وهي السموم التي كانت تدخل أنوفَ الكفرة، وتخرج من أدبارهم، فتقطعهم إرَبًا إربًا، وفيه (١) إشارة إلى أنَّ العذاب نوعان: خفيف، وغليظ؛ فالخفيفُ هو: عذاب الشَّقَاوةِ المقدَّرة قبل خلق الخلق، والغليظ هو عذابُ الشقيّ بشقاوة معاملات الأشقياء، التي تَجْرِي عليه مع شقاوته المقدرة له قبل الوجود، وقيل (٢): المراد بالعذاب الغليظ هو عذابُ الآخرة, وهذا هو الصحيح ليحصل الفرقُ بين العذابين. رُوي (٣): أنَّ الله تعالى لما أهلك عادًا، ونجَّى هودًا، والمؤمنين معه، أتَوا مكة، وعبدوا الله تعالى فيها حتى ماتوا، قال في "إنْسان العيون"، كُلُّ نبيّ من

стр. 5622

الأنبياء كان إذا كَذَّبه قومه خَرجَ من بين أظهرهم، وأتى مكة يَعْبُدُ اللَّهَ تعالى حتى يموتَ وقد وَرَد "ما بين الركن اليماني، والركن الأسود رَوْضَةٌ مِنْ رياض الجنة، وإنَّ قَبْرَ هود وشعيبٌ وصالح وإسماعيل ﵈ في تلك البقعة". ٥٩ - ﴿وَتِلْكَ﴾ القَبِيلَة التي كذبت هودًا فأهلكْناهم، والخطابُ لقوم محمَّد ﷺ ﴿عاد﴾؛ أي: قبيلة تسمَّى عادًا بالصرف، قال الكسائي؛ إنَّ من العرب من لا يصرف عادًا، ويجعلُه اسمًا للقبيلة ﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: كفروا بها، وكذَّبوها، وأنكروا المعجزات ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ تعالى، هودًا وَحْدَه؛ لأنه لم يكن في عصره رسول سواه، وإنما جَمَع هنا؛ لأنَّ مَنْ كَذَّب رسولًا فقد كَذَّب جميعَ الرسل، لاتفاق كلمتهم على التوحيد، وأُصول الشرائع، وقيل: إنهم عصوا هودًا ومَنْ كان قَبْلَه من الرسل أو كانوا بحيثُ لو بَعَث الله إليهم رُسُلًا متعددين .. لكذَّبُوهم. وهذا الجحودُ والعصيانُ شامل لكل فرد منهم؛ أي: لرؤسائهم وأسافلتهم، ﴿وَاتَّبَعُوا﴾؛ أي: الأسافِلُ ﴿أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ﴾؛ أي: أمر كل شخص متعظم في نفسه، متكبر على العباد ﴿عَنِيدٍ﴾؛ أي: كثير العناد، والمعارضة للحق، أي: واتبع السفلة أمْرَ رؤسائهم الدُّعاةِ إلى الضلال، وإلى تكذيب الرسل، والمعنى: عَصَوْا مَنْ دعاهم إلى الإيمان, وما يُنْجِيهم، وأطاعُوا مَنْ دعاهم إلى الكفر، وما يُرْدِيهم، وقال في "التبيان": الجبار المتعظم في نفسه، المتكبر على العباد، والعنيد الذي لا يقول الحقَّ، ولا يقبَله ٦٠ - ﴿وَاتَّبَعُوا﴾؛ أي: أتبع الرؤساءُ والمرؤوسون منهم، وأرْدِفوا ﴿فِي هَذِهِ﴾ الدار ﴿الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ تَتْبَعُهم، وتلحقهم وتنصرف معهم؛ أي: أتبعوا كلهم في الدنيا إبعادًا، وطردًا عن الرحمة، وعن كل خير على لسان الأنبياء، فما جاء نَبِيٌّ بَعْدَهم إلَّا لعنهم؛ أي: جُعلت (١) اللعنة من الناس تابعةً لهم، ولازمة تكبهم في العذاب كَمَنْ يأتي خَلْفَ شخص فيدفعه من خلف، فيكبُّهَ، وإنما عبَّر عن لزوم اللعنة لهم بالتبعية للمَبَالغَةِ، فكأنها لا تفارقهم، وإن ذَهَبوا كلّ

стр. 5623

مذهب، بل تَدُورُ معهم حيث دَارُوا, ولوقوع صحبة أتباعهم رؤَسائهم، يعني: أنَّهم لما اتبعوا .. أتبعوا ذلك جزاءً لصنيعهم، جزاءً وفاقًا، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: وأتبعوا في يَوْم القيامة أيضًا لعنةً، وهي عذابُ النار المخلَّد، حذفت لدلالة الأولى عليها، يعني وفي يوم القيامة أيضًا تتبعهم اللعنة كما تتبعهم في الدنيا، ثمَّ ذَكَر السببَ الذي استحقُّوا به هذه اللعنة، فقال سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا﴾؛ أي: انْتَبَهوا! إنَّ عادًا ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾؛ أي: كفروا بربهم، وجحدوه كأنَّهم كانوا من الدهرية، وهم الذين يَرَوْنَ مَحْسُوسًا، ولا يرون معقولًا، وينسبون كل حادث إلى الدهر؛ أي: إنَّ عادًا كفروا نعمه عليهم، بجحودهم بآياته، وتكذيبهم لِرسُلِه كِبْرًا وعنادًا ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ﴾؛ أي: انتبهوا! إنَّ اللهَ أَبْعَدَ عادًا منْ رحمته فبَعُدوا عنها بعدًا، والمرادُ منه تحقيرهم، وقولُه: ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عطف بيان لعاد قُيِّدَ به, لأن عادًا عَادانَ: عادُ هود القديمةُ، وعادُ إرم الحديثةُ التي هي قوم صالح المسماة بثمود، فقومُ هود عادُ الأولى، وقومُ صالح عاد الثانية. وإنما كرَّر ألا ودعاءَه عليهم، وأعادَ ذِكرهم تهويلًا لأمرهم، وتفظيعًا له، وحثًّا على الاعتبار بهم، والحَذَرِ من مثل حالهم، وفي "الخازن" فإنَّ (١) قلت: اللعنة معناها الإبعادُ والهلاكُ، فما الفائدة في قوله: ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ﴾؛ لأنَّ الثانيَ هو الأولُ بعينه؟ قلتُ: الفائدةُ فيه: أنَّ التكرارَ بعبارتين مختلفتين، يدُلُّ على نهاية التأكيد، وأنَّهم كانوا مستحقّين له. ٦١ - وقولُه: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾ متعلق بمحذوف كما مَرَّ نظيره أي: وأرسلنا إلى ثمود، وهي قبيلةٌ من العرب، سُمُّوا باسم أبيهم الأكبر، ثمودَ بن عاد بن إرم بن سام، وقيل: إنما سُمُّوا بذلك لقلةِ مائهم من الثَّمد، وهو الماءُ القليلُ، وقرأ ابن وثاب، والأعمش (٢) ﴿وإلى ثمودٍ﴾ بالصرف على إرادة الحيّ، والجمهورُ على منع الصرف ذهابًا إلى القبيلة، وفي "تفسير أبي الليث": إنما لم ينصرفْ لأنه اسمُ قبيلة، وفي الموضع الذي ينصرف جعله اسمًا للقوم ﴿أَخَاهُمْ﴾؛ أي: واحدًا منهم

стр. 5624

في النسب ﴿صَالِحًا﴾ عطف بيان، لأخاهم، وهو صالح بن عبيد بن أسف بن ماسخ بن عبيد بن خاور بن ثمود، وعاش صالحٌ مئتي سنة وثمانين سنةً، وبينه وبين هود مئةُ سنة، وثمود هم سكَّانُ الحِجْر، مكانُ بين الشام والمدينة ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ كأنَّ قائِلًا قال: فما قال لهم صالحٌ حين أرسل إليهم؟ فقيل: قال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحده، أي: وَحَّدُوا الله وخُصّوه بالعبادةِ، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ يعني هو إلهكم المستحق للعبادة، لا هذه الأصنام، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلائِلُ الدالَّةَ على وحدانيته، وكمال قدرته، فقال: ﴿هو﴾ الإله الذي ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾، وابتدأ خَلْقَكُم ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾، وذلك أنهم من بني آدم، وآدم خُلق من الأرض، فمن لابتداء الغاية (١)؛ أي: ابتدأ إنشاءَكم منها؛ فإنَّه خَلَق آدمَ من التراب، وهو أنموذج منطو على جميع ذرياته التي ستوجد إلى يوم القيامة، انطواءً إجماليًّا؛ لأنَّ كل واحد منهم مخلوق من المني، ومن دم الطَّمثِ، والمنيُّ إنما يتولد من الدم، والدمُ إنما يتولد من الأغذية، وهي إما حيوانية أو نباتية، والنباتية، إنما تتولد من الأرض، والأغذية الحيوانية لا بُدَّ أن تَنتَهي إلى الأغذية النباتية المتولدة من الأرض، فثبَتَ أنه تعالى أنشأَ الكل من الأرض، ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾؛ أي: جَعَلَكم سُكَّانَ الأرض، وصيركم عامرين لها، أو جَعَلَكم معمِّرين ديارَكم تسكنونَها مدة أعماركم، ثمَّ تتركونها لغيركم، وقال الضحاك (٢): أطال أعمارَكم فيها، حتى كان الواحدُ منهم يعيشُ ثلاثَ مئة سنة إلى ألف سنة، وكذلك كان قوم عاد، وقال مجاهد: أعْمَركم من العمرى؛ أي: جَعَلَها لكم ما عشتم ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾؛ أي: فاطلبوا مغفرةَ الله بالإيمان, أي آمِنُوا بالله وحده ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾؛ أي: ارْجِعُوا إلى عبادته تعالى من عبادة غيره, لأنَّ التوبةَ لا تصح إلا بعد الإيمان ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ إلى عباده بالعلم، والسمع، والرحمة، ﴿مُجِيبٌ﴾ دعاءَ المحتاجين بفضله ورحمته، والذي (٣) يَلُوحُ للخاطر أنَّ قوله تعالى: ﴿قَرِيبٌ﴾ راجع لـ ﴿تُوبُوا﴾ و ﴿مُجِيبٌ﴾ لـ ﴿اسْتَغْفِرُوا﴾؛ أي: ارجعوا إلى الله، فإنه قريب ما هو

стр. 5625

ببعيد، واسألوا منه المغفرةَ، فإنه مجيبٌ لسائله ٦٢ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال قومُ صالح بعد دعوتهم إلى الله تعالى، وعبادته ﴿يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا﴾؛ أي: مأمولًا؛ أي: كُنَّا نرجوا أن تكونَ فِينَا سَيِّدًا مطاعًا ننتفع برأيك، ونَسْعَدُ بسيادتك ﴿قَبْلَ هَذَا﴾ الذي أظهرته لنا من ادعائك النُّبوَّةَ ودعوتك إلى التوحيد، أو قَبْلَ (١) هذا الوقت، وهو وقت الدعوة، كانَتْ تلوح فيك مخايل الخير، وأمارات الرشد والسداد، فإنَّكَ كنت تعطفُ على فقرائنا، وتعِينَ ضُعَفَاءنا، وتعود مَرْضَانَا فقَوِيَ رجاؤُنا فيك، فكنَّا نَرْجوك أنْ تكون لنا سَيِّدًا ننتفع بك ومستشارًا في الأمور، ومسترشدًا في التدابير، فلما سَمِعْنَا منك هذا القَول انقطع رجاؤُنا عنك، وعَلِمْنا أن لا خَيْرَ فيك. والخلاصة (٢): أي قَدْ كنت عِندنا موضعَ الرجاءِ لِمَهامِّ أمورِنا؛ لمَا لَكَ من رجاحة عقل، وأصالَة رأي، ولحسبك ونَسبِك قبل هذه الدعوة، التي تَطلُب بها إلينا أن نبدل ديننا، زَعْمًا منك أنه باطل، فالآن قد انقطع رجاؤنا منك، ثُمَّ ذَكَروا أسباب انْقِطَاع رَجائِهم بقولهم متعجِّبين تعجّبًا شديدًا ﴿أَتَنْهَانَا﴾، و (الهمزة) فيه للاستفهام الإنكاري التعجبي؛ أي: أتمنعنا من ﴿أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾؛ أي: ما عَبَدُوه من الأوثان، والعدول فيه إلى صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية. أي: عجيب منك أن تَنْهانا عن عبادة ما كان يعبدُ آباؤنا من قبلنا، وقد سِرْنا نحن على نهجهم، ولم ينكره أحدٌ علينا, ولم يستقبحه فكيف تُنْكِرُه؟ ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ من التوحيد، وترك عبادة الأوثان ﴿مُرِيبٍ﴾؛ أي: موقع في الريبة، أي: في اضطراب القلوب، وانتفاء الطمأنينة من أرابَه إذا أوقعه في الريبة، وإسنادُ الإرابة إلى الشك، وهو أن يبقى الإنسانُ متوقِّفًا بين النفي والإثبات مجازي لأنَّ الريبَ هو انتفاء ما يرجح أحد طرفي النسبة، أو تعارض الأدلة لا نفس الشك.

стр. 5626

والمعنى: أي وإنا لفي شك من دعوتك إلى عبادته تعالى وحده، دونَ أن نتوسَّل إليه بأحد من الشفعاء، المقربين عنده تعالى، ولا أن نُعَظِّم ما وضَعه آباؤنا لهم من صور وتماثيل، تذكّرُنا بهم، فكل هذا يوجب الريبَ والتهمةَ، وسوء الظن، وعدمَ الطمأنينة إلى دعوتك. والخلاصة: إننا لفي شك مِمَّا تدعونا إليه من عبادة الله وحده، وترك عبادة الأوثان موقع في الريب، و (إنا) و (إننا) (١) لغتان لقريش قال الفراء: مَنْ قال إنَّنا أَخْرج الحرفَ على أصله؛ لأنَّ كناية المتكلمين (نا) فاجتمعت ثلاث نونات، ومن قال: (إنا) استثقل اجتماعَها فأسقط الثالثةَ، وأبْقَى الأولتين، انتهى. والذي أختاره أنَّ (نا) ضمير المتكلمين، لا تكون المحذوفة؛ لأنَّ في حذفها حَذْف بَعْضِ اسم، وبقي منه حرف ساكن، وإنما المحذوفة النون الثانية من (إنَّ) فحذفت لاجتماع الأمْثال، وبقي من الحرف (الهمزة) والنون الساكنة، وهذا أولى من حذف ما بقي منه حرف، وأيضًا فقد عهد حذف هذه النون مع غير ضمير المتكلمينَ، ولم يُعْهَدْ حذف نون (نا) فكان حَذْفُها من إنَّ أوْلَى، ٦٣ - فأجابهم صالح فـ ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾؛ أي: أخْبِرُوني عن حالي معكم، ﴿إِن كُنْتُ﴾ في الحقيقة ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ﴾؛ أي: على بصيرة، وبرهان صادر ﴿مِنْ رَبِّي﴾ ومالك أمري ﴿وَآتَانِي﴾؛ أي: أعطاني ﴿مِنْهُ رَحْمَةً﴾ تعالى؛ أي: من قِبَله رِحمةً خاصةً من عنده، جَعَلني بها نبيًّا مرسلًا إليكم، وهذه الأُمورُ (٢)، وإن كانت متحققةَ الوقوع، لكنَّها صدرت بكلمة الشك، اعتبارًا بحال المخاطبين؛ لأنهم في شك من ذلك، كما وَصَفوه عن أنفسهم، والاستفهام في قوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ استفهام إنكار بمعنى النفي؛ أي: فمن يمنعني، ويُنْجِيني ويحفظني من عذاب الله ﴿إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ تعالى، وخالَفْتُه بالمساهلة في تبليغ الرسالة، وفي المَجاراة معكم؛ أي: فَمَنْ يَنصُرَني منجيًا من عذابه تعالى، أي لا ناصرَ لي يمنعني من عذاب الله ﴿إِنْ عَصَيْتُهُ﴾، وخالفته في تبليغ الرسالة، وراقبتكم، وفترت عما يجِبُ عليّ من البلاغ ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي﴾ بتثبيطكم إياي ﴿غَيْرَ

стр. 5627

تَخْسِيرٍ﴾؛ أي: غير إيقاعكم لي في الخسارة بأن تجعلوني خاسرًا بإبطال عملي، والتعرض لعقوبة الله تعالى، والمعنى: أخبروني إن كنتُ على بينة ونبوة من ربي، فلا أحد يمنعني من عذاب الله إن اتبعتكم، وعصيتُه، وحينئذ أكون خاسرًا مضيِّعًا لما أعطاني الله من الحق، وهَلْ رأيتم نبيًّا صار كافرًا؟ وكلُّ هذا منه لهم، اهـ "صاوي". قال الفراء: غَيْر تضليل، وإبعاد من الخير، أو فما تزيدونني بما تقولون غير بَصيرة في خسارتكم؛ أي: وما زادني قولُكم إلَّا قولي لكم: إنكم لخاسرون، أو المعنى: فما تفيدونني غير تَخسير إذْ لم يكن فيه أصلُ الخسران حتى يزيدوه، وحاصل المعنى: أي: فمن يمنعني من عذابه، إذا أنا كَتَمْتُ الرسالةَ أو كتمت ما يسوؤكم من بُطلان عبادةِ الأصنام، والأوثان تقليدًا لآباءكم؛ أي: لا أحَدَ يدفع ذلك عني في هذه الحال، فلا أُبالي إذا انقطع رجاؤكم فيَّ، ولا بما أنتم فيه من شك وريب في أمري، ثم ذكر مآل أمره إذا هو اتبعهم فقال: ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾؛ أي: فما تزيدونني باتقاء سوء ظنكم وارتيابكم غير إيقاعي في الخسران بإيثار ما عندكم على ما عند الله تعالى، واشتراءِ رضاكم بسخطه تعالى ٦٤ - ﴿وَيَا قَوْمِ﴾؛ أي: ويا قومي ﴿هَذِهِ﴾ البهيمةُ التي خَرَجَتْ من الصخرة ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ الإضافة فيه للتشريف، كبيت الله؛ لأنه أخرجها لهم من صخرة في جوف الجبل حاملًا من ذكر على تلك الصورة دفعة واحدة وقد حصل منها لبنٌ كثيرٌ يكفي الخلقَ العظيمَ؛ أي: هذه ناقة ممتازة عن سائر الإبل بما ترَوْن من أكْلِها وشربها، وجميع شؤونِها، قد جعلها الله ﴿لَكُمْ آيَةً﴾ بينة منه، ومعجزةً باهرةً تدل على صدقي، وعلى إهلاككم إن أنتم خالفتم أمره فيها ﴿فَذَرُوهَا﴾؛ أي: فاتركوها، وخلوها ﴿تَأْكُلْ﴾ وتَشْرَبُ فهو من باب الاكتفاء نظيرَ قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾؛ أي: والبردَ مِمَّا ﴿فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ ، من المراعِي والمياه، تَرْعَ نباتَها وتشرب ماءها، فليس عليكم كلفة في مؤونتها، وكانت هي تنفعهم، ولا تَضُرُّهم, لأنهم كانوا ينتفعون بلبنها، وقرأَتْ (١) فرقة (تأكُلُ) بالرفع على الاستئناف أو على الحال ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾؛

стр. 5628

أي: ولا يمسَّها, ولا يصبها أحدٌ منكم بأذى من ضرب وعقر وقتل ﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾؛ أي: فيهلككم ﴿عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ النزول والوقوع لا يَتَراخى عن مسكم لها بالسوء إلا بيسير، وهو ثلاثةُ أيام، وكانت تصيفُ بظَهْرِ الوادِي فتهربُ منها أنعامُهم إلى بطنه، وتشتو ببطنه فتَهْرُب مواشِيهم إلى ظهره، ٦٥ - فشَقَّ عليهم ذلك ﴿فَعَقَرُوهَا﴾؛ أي: عَقَرها، وقَتلَها قُدارُ بن سالف بأمرهم، ورضاهم فَضرَبها في رجليها، فأوقَعها، فذَبَحُوها، وقسَمُوا لَحْمَها على جميع القرية على ألْفٍ وخمس مئةٍ دارٍ ﴿فَقَالَ﴾ لهم صالح بعد قتلهم لها ﴿تَمَتَّعُوا﴾؛ أي: استمتعوا بحياتكم، وعِيشُوا ﴿فِي دَارِكُمْ﴾؛ أي: في بلادِكم ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ من العَقْر: الأربعاءَ، والخميسَ، والجمعةَ، ثم يأتيكم العذابُ في اليوم الرابع، يوم السبت، وإنما أقاموا ثلاثةَ أيام؛ لأنَّ الفَصِيلَ بَقِيَ يَنُوح على أمه ثلاثةَ أيام، وانفجَرتْ له الصخرة بعد تلك المدَّة فدَخَلها, ولما عقروا الناقَةَ .. أنذرهم صالح بنزول العذابِ، ورَغَّبَهم في الإيمان, فقالوا: يا صالحُ، وما علامةُ العذاب؟ فقال: تصبح وجوهكم في اليوم الأول مصفرة، وفي الثاني محمرةً، وفي الثالث مسودةً، وفي الرابع يأتيكم العذاب صَبِيحَتُه ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: نزولُ العذاب عقبَ ثلاثَةِ أيام ﴿وَعْدٌ﴾ من الله وَعَدكم حين انقضائِها بالهلاك ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ فهو لم يكذبكم فيه مَنْ أعلمكم ذلك، أو وعد غَيْرُ كذبٍ كالمجلود بمعنى الجلد الذي هو الصلابة، والمفتون بمعنى الفتنة. رُوي عن النبي ﷺ أنه قال (١): "إنَّ صَالِحًا لمَّا دعا قومَه إلى الله تعالى كذَّبوه، فضاق صدره، فسأل ربَّه أنْ يأذن له في الخروج من عندهم، فأذن له فَخَرَج، وانتهى إلى ساحل البحر، فإذا رجل يمشِي على الماء، فقال له صالح: ويْحَكَ من أنت؟ فقال: أنا من عباد الله، كنت في سفينة كانَ قومها كفَرة غيري، فأهلكهم الله تعالى، ونجاني منهم، فخَرَجْتُ إلى جزيرة أتعَبَّدُ هناكَ فأَخْرُجُ أحيانًا، وأطلب شيئًا من رزق الله، ثم أرجع إلى مكاني فمضى صالح، فانتهى إلى تل عظيمٍ، فرَأى رجلًا فانتهى إليه، وسَلَّم عليه، فردَّ ﵇، فقال له صالِحٌ: مَنْ أنتَ؟ قال: كانت ههنا قريةٌ، كان أهلها كفارًا غيري، فأهلكهم الله

стр. 5629

تعالى، ونجَّاني منها، فجعَلْتُ على نفسي أنْ أعبد الله تعالى ههنا إلى الموت، وقد أنْبَتَ اللَّهُ لي شجَرةُ رُمَّانٍ، وأَظْهَرَ عَيْنَ ماء، آكُل من الرمان وأشرب من ماء العَينِ، وأتوضَّأ منه، فذهب صالح، وانتهى إلى قريةٍ كان أهلها كفارًا كُلُّهم غَيْر أخَوين مُسْلِمَين، يعملان عملَ الخَوص - فضَرَبَ النبيّ ﷺ مثَلًا فقال: لو أن مؤمنًا دَخَلَ قريةً فيها ألف رجل، كلهم كفارٌ، وفيهم مؤمنٌ واحد، فلا يسكن قلبه مع أحدٍ حتى يجد المؤمنَ، ولو أنَّ منافقًا دَخَل قرية فيها ألفُ رجل كلهم مؤمنون، وفيهم منافق واحد .. فلا يسكُن قَلْبُ المنافق مع أحد ما لم يجد المنافقَ - فدَخَل صالح، وانتهى إلى الأَخوين، فَمَكَثَ عِندهما أيامًا، وسألَ عن حالهما فأخبرا أنهما يصبران على أذى المشركين، وأنهما يعملان عملَ الخوص، ويمسكان قُوتَهُما، ويتصدَّقان بالفَضْلِ، فقال صالح: الحمد لله الذي أرَاني في الأرض منْ عبادِهِ الصالحين، الذين صَبَرُوا على أذَى الكفار، فأنا أرْجِعُ إلى قومي، وأصبرُ على أذاهم، فرجع إليهم، وقد كانوا خرجوا إلى عيد لهم، فدَعَاهم إلى الإيمان, فسألوه آيةً، فقال: أَيَّة آية تريدون؟ فأشارَ سيِّدهم جندع بن عَمرو إلى صخرة منفردة، يقال لها: الكَاثِبةُ، وقال له: أخْرِجْ من هذه الصخرة ناقةً واسعةَ الجوف كثيرةَ الوبر عشراء؛ أي: أتت عليها من يوم أرْسَل الفحل عليها عشرة أشهر، فإن فَعَلْتَ صَدَّقْنَاكَ، فأخذ عليهم مواثقَهم لئنْ فعلت ذلك لتؤمِنُنَّ فقالوا: نَعَمْ فصَلَّى، ودَعا ربه، فتمخضت الصخرةُ تمخض النتوج بولدها، فانشقَّتْ عن ناقة عشراء جَوْفَاء، وبراء كما وصفوا فقال: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ فكانت تَرْعَى الشجرةَ، وتشرب الماءَ ثم تفرِّج بين رجليها، فيحلبون ما شاؤوا، حتى تَمْتَلِىءَ أوانيهم، فيشربون ويَدَّخِرُون، وهم تسع مئة أهل بيت، وقيل: ألْفٌ وخَمسُ مئة، ثُمَّ إنه ﵇ لمَّا خَافَ عليها منهم قال: ولا تمسُّوها بسوء، فيأخُذَكم عذاب قريب، فعقروها، أي: عقرها قُدَارُ - بوزن غراب - بن سالف فقال: تمتَّعُوا في داركم ثَلاثَةَ أيام ذلك وَعْدُ غيرُ مكذوب. ٦٦ - ثُمَّ ذَكَرَ وقوعَ ما أوعِدوا به، فقال: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾؛ أي: جَاءَ ثمودَ

стр. 5630

عذابنَا، ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ والظرف (١) متعلق بـ ﴿نَجَّيْنَا﴾ أو بـ ﴿آمَنُوا﴾، وهو الأظهر؛ إذ المراد ﴿آمَنُوا﴾ كما ﴿آمن﴾ صالحٌ، واتبعوه في ذلك، لا أنَّ أزمانَ إيمانهم مقارن لزمان إيمانه، فإن إيمان الرسول مقدَّم على إيمان من اتبعه من المؤمنين ﴿بِرَحْمَةٍ﴾؛ أي: متلبسينَ بمجرد رحمة عظيمة ﴿مِنَّا﴾، وفضل لا بأعمالهم، كما هو مذهبُ أهل السنة، وهِيَ بالنسبة إلى صالح: النبوة، وبالنسبة إلى المؤمنين الإيمان ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ عطف على ﴿نجينا﴾؛ أي: ونجيناهم من خزي يومئذ؛ أي: من ذلته ومَهَانته وفَضِيحَته، ولا خِزْيَ أعظم من خزي من كان هلاكه بغضب الله وانتقامه وكرر نَجَّيْنَا لبيان مَا نَجَّاهُم منه، وهو هلاكُهم يومئذ؛ أي: يَوْم، إذ جاء أمرنا فإنَّ إذ مضافة إلى جملة محذوفة، عوِّض عنها التنوين؛ أي: ونجيناهم من عذاب يوم إذ جاء أمرنا وعذابُنا. قيل (٢): الواوُ زائدة في ﴿وَمِنْ خِزْيِ﴾؛ أي: من خزي يومئذ فيتعلَّق من بِنَجَّيْنا، وهذا لا يجوز عند البصريين, لأن الواو لا تزاد عندهم، بل تتعلق (من) بمحذوف؛ أي: ونجيناهم من خِزْيِ؛ أي: وكانت التنجية من خزي يومئذ، ولكون الإخبار بتنجية الأولياء، لا سيما عند الإنباء بحُلول العذاب أهم ذَكَرَها أولًا، ثم أخْبَر بهلاك الأعداء، وقَرَأ طلحةُ وَأبانُ بن تغلب، ﴿ومن خزيٍ﴾ بالتنوين، ونصب (يومَئذ) على الظرف معمولًا لخزي، وقرأ الجمهور بالإضافة، وفَتَح المِيمَ الكسائي ونافع في رواية ورش وقالون هنا وفي المعارج، وهيَ فتحة بناءٍ لإضافته إلى إذ، وهو غيرُ متمكن، وقرأ باقي السبعة بكسر الميم فيهما، وهي حركة إعراب، والتنوين في إذ تنوين عوض من الجملة المحذوفة المتقدمة الذكر؛ أي: ومن فضيحة يوم إذ جاء الأمر، وحَلَّ بهم، فلما قطِعَ المضاف إليه عن إذْ نُوِّنَ؛ ليدلَّ التنوين على ذلك، ثم كسرت الذال لسكونها، وسكون التنوين، ولم يلزم من إضافة يوم إلى المبني، أن يكون مبنيًّا؛ لأنَّ هذه الإضافة غيرُ لازمة. ثم بين عظيم قدرته على التنكيل بأمثالهم من المشركين، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمَّد الذي فَعَلَ هذا بقوم صالح، ﴿هُوَ الْقَوِيُّ﴾؛ أي: القادر على أنْ

стр. 5631

يفعلَ مِثْلَ ذلك بقومك إن أصَرُّوا على الجحود وهو ﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب الذي لا يعجزه شيء، فإنه أوْصَلَ ذلك العذاب إلى الكفار، وصان أهلَ الإيمان عنه، وهذا التمييز لا يصح إلّا من القادر الذي يقدر على قهر طبائع الأشياء، فيجعل الشيءَ الواحد بالنسبة إلى إنسان بلاءً وعذابًا وبالنسبة إلى إنسان آخرَ راحةً ورَيْحانًا. ٦٧ - ثمَّ ذَكَر مآلَ أمرهم وشديدَ عقابه بهم فقال: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفُسَهم بالكفر والتكذيب؛ أي: أهلكتهم ﴿الصَّيْحَةُ﴾؛ أي: صيحةُ جبريل مع الزلزلة في اليوم الرابع من عَقر الناقة، وذكَّر الفعلَ لأنَّ الصيحة، والصياح، واحد مع كون التأنيث غير حقيقي، وللفصل بينهما بالمفعول، والصيحة فعلةٌ تدل على المرة من الصياح، وهو الصوت الشديد، يقال: صاح يَصِيح صياحًا؛ أي صوت بقوة قيل: هي صيحة جبريل، فقد صاح عليهم، وقيل: صيحة من السماء، فيها صوتُ كل صاعقة، وصوت كل شيء في الأرض، فتقطَّعَتْ قلوبهم في صدورهم، فماتوا جميعًا، وتقدَّم في الأعراف، فأخذَتْهم الرجفةُ قيل: ولعلَّها وقعت عَقِبَ الصيحة، ﴿فَأَصْبَحُوا﴾؛ أي: صاروا ﴿فِي دِيَارِهِمْ﴾ وبلادهم، وفي مساكنهم: ﴿جَاثِمِينَ﴾؛ أي: ساقطينَ على وجوههم ميتين، لا يتحركون، ولا يضطربون عند نزول العذاب، قد لَصِقُوا بالتراب كالطير، إذا جثمت حَالةَ كَوْنِهِم ٦٨ - ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾؛ أي: كأنهم لم يقيموا في بلادهم، فإنهم صاروا رمادًا، أي: أصْبَحُوا جاثمين، حالَ كونهم مماثلينَ لمن لم يوجد، ولم يقم في مكان قط، ولا يَخْفَى ما فيه من الدلالة على شدة الأخذ، وسرعته. اللهم إنَّا نعوذ بك من حلول غضبك. وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ فيه وضع الظاهر موضع المضمر، لزيادة البيان، وصرَّح بكفرهم مع كونه معلومًا تعليلًا للدعاء عليهم بقوله: ﴿أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾؛ أي: جَحَدُوا بوحدانية الله تعالى، فهذا تَنْبِيه وتخويفٌ لِمَنْ بَعْدَهم، وقوله: ﴿أَلَا بُعْدًا﴾ مَصْدَرُ (١) وُضعَ موضع فِعْلِه،

стр. 5632

فإِنَّ معناه بَعُدُوا؛ أي: هلكوا، واللام لبيان مَنْ دعي عليهم، وفائدة الدعاء عليهم: بعد هلاكهم: الدلالةُ على استحقاقهم عذابَ الاستئصال بسبب كفرهم، وتكذيبهم، وعقرهم، ناقةَ الله تعالى، والمعنى، أي كأنَّهم (١) لسرعة زوالهم، وعدم بقاء أحد منهم لم يقيموا في ديارهم ألبتةَ، وما سبب هذا إلا أنْ كفروا بآيات ربهم، فجحدوها ألا بُعْدًا، وهلاكًا لهم، ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودا﴾ مَنَع حمزة وحفصُ صَرْفَهُ وصَرفَه الباقون ﴿أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ صرفه الكسائي، ومَنْعه باقي السبعة، والصرفُ على إرادة معنى الحي، ومَنْعُه على إرادة معنى القبيلة، وعن جابر (٢) ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ لَمَا نَزَلَ الحجرَ في غزوة تبوك قَامَ فخَطَبَ النَّاسَ فقال: "يا أيها الناس لا تسألوا نبيكم الآيات، هؤلاء قومُ صالح، سَأَلُوا نَبِيَّهم أن يَبْعَثَ لهم الناقةَ فكانت تَرِدَ من هذا الفجِّ فَتَشْرَبُ ماءَهم يوم وردها، ويَحْلُبون مِنْ لبنها، مِثْلَ الذي كانوا يشربون من مائها يَوْمَ غبّها، فعتوا عن أمر ربهم، فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ وكان وعدًا من الله غير مكذوب، ثم جاءَتْهم الصيحة فأهلك الله مَنْ كان في مشارق الأرض ومغاربها منهم، إلَّا رجلًا كان في حرم الله، فَمَنَعه حَرم الله من عذابِ الله، يقال له: أبو رِغَال"، قيل له: يا رسول الله، مَنْ أبو رِغَال قال: "أبُو ثَقِيفٍ". الإعراب ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠)﴾. ﴿وَإِلَى عَادٍ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: وأرسلنا إلى عاد، والجملة المحذوفة معطوفةً على جملة قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ عطفَ قصة على قصة، ﴿أَخَاهُمْ﴾ مفعول به لـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ المحذوف ﴿هُودًا﴾ عطف بيان له، أو بدل منه، ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على هود، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كأنَّ سائلًا قال: ماذا قال لهم؟ فأجابه بقوله، قال: يا قوم اعبدوا اللَّه. ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إلى آخرِ الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت:

стр. 5633

﴿يَا قَوْمِ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب النداء على كَوْنِها مقول ﴿قال﴾ ﴿مَا﴾ نافية أو حجازية ﴿لَكُمْ﴾ خبر مقدم ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿إِلَهٍ﴾ مبتدأ مؤخر ﴿غَيْرُهُ﴾ صفة لـ ﴿إِلَهٍ﴾ والتقدير: ما إله غيره تعالى كائنٌ أو كائنًا لكم، والجملة الاسمية مسوقة لتعليل ما قبلها، على كونها مقول ﴿قال﴾ ﴿إن﴾ نافية ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿مُفْتَرُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول (قال). ﴿يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١)﴾. ﴿يَا قَوْمِ﴾ إلى قوله ﴿قَالُوا﴾ مقول محكي، وإنْ شئتَ قلتَ: ﴿يَا قَوْمِ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول (قال) ﴿لا﴾ نافية ﴿أَسْأَلُكُمْ﴾ فعل ومفعول أول ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق به ﴿أَجْرًا﴾ مفعول ثان، وفاعله ضمير يعود على هود، والجملة الفعلية في محل النصب مقول (قال) على كَوْنِهَا جوابَ النداء ﴿إِنْ﴾ نافية ﴿أَجْرِيَ﴾ مبتدأ، ومضاف إليه ﴿إِلَّا﴾، أداة استثناء مفرغ ﴿عَلَى الَّذِي﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿فَطَرَنِي﴾ فعل ومفعول ونون وقاية وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملةُ صلة الموصول ﴿أَفَلَا﴾ (الهمزة) للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف تقديره: أتغفلون عن هذه القصة و (الفاء) عاطفة على ذلك المحذوف ﴿لا﴾ نافية ﴿تَعْقِلُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملةُ معطوفة على ذلك المحذوف، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾. ﴿وَيَا قَوْمِ﴾ منادى مضاف معطوف على المنادى الأول ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كَوْنِها جَوابَ النداء، ﴿ثُمَّ تُوبُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿اسْتَغْفِرُوا﴾، ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق به ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾ فعل ومفعول مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على

стр. 5634

الله ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها جوابَ الطلب السابق ﴿مِدْرَارًا﴾ حال من ﴿السَّمَاءَ﴾ ولم يؤنثه مع كون صاحب الحال مؤنثًا لثلاثة أوجه (١): أحدها: أن المراد بـ ﴿السَّمَاءَ﴾ السحاب أو المطر، فذكَّر الحال على المعنى. والثاني: أنَّ مِفعالًا للمبالغة، فيستوي فيه المذكر والمؤنث، مثل فَعُولٍ كصبور، وشكور، وفعيل كجريح. والثالث: أنَّ الهاءَ حُذِفَتْ عن مفعال على طريق النسب قاله مكي، اهـ "سمين". ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً﴾ فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾، ﴿إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿قُوَّةً﴾ تقديره: قوة مضافة إلى قوتكم، ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية ﴿مُجْرِمِينَ﴾ حال من ﴿الواو﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ على كونها مقول القول. ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا هُودُ﴾ منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿مَا﴾ نافية ﴿جِئْتَنَا﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿بِبَيِّنَةٍ﴾ متعلق بـ ﴿جِئْتَنَا﴾ والجملة في محل النصب، مقول ﴿قال﴾ على كونها جوابَ النداء، ﴿وَمَا﴾ (الواو) عاطفة (ما) نافية أو حجازية، ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ أو في محل الرفع اسم (ما) ﴿بِتَارِكِي آلِهَتِنَا﴾ خبر المبتدأ، أو خبر (ما) ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ متعلق ﴿بِتَارِكِي﴾ فـ ﴿عَن﴾ للتعليل، وهذا هو الأولى، أو حال من الضمير في

стр. 5635

﴿تاركي﴾؛ أي: وما نترك آلهتنا تركًا صادرًا عن ﴿قَوْلِكَ﴾، ﴿وَمَا﴾ (الواو) عاطفة (ما) حجازية، أو تميمية ﴿نَحْنُ﴾ اسمها أو مبتدأ ﴿لَكَ﴾ متعلق ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ خبر (ما) أو خبر المبتدأ و (الباء) زائدة، والجملة في محل النصب معطوفة على ما قبلها على كونها مقولَ ﴿قَالُوا﴾. ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾. ﴿إن﴾ نافية ﴿نَقُولُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على قوم هود، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ، ﴿اعْتَرَاكَ﴾ فعل ماض، ومفعول ﴿بَعْضُ آلِهَتِنَا﴾ فاعل ومضاف إليه ﴿بِسُوءٍ﴾ متعلق بـ ﴿اعْتَرَاكَ﴾ وجملة ﴿اعْتَرَاكَ﴾ في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: ما نقول في شأنك إلا قولَنا اعتراك بعض آلهتنا بسوء. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على هود، والجملة مستأنفة ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على هود، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة إنَّ في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿وَاشْهَدُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على جملة (إن) على كونها مقول ﴿قال﴾، ﴿أَنِّي بَرِيءٌ﴾ ناصب واسمه وخبره ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿بريء﴾ وجملة (أن) في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تنازع فيه الفعلان قبله، ولكن أعمل فيه الثاني؛ أي: واشهدوا براءتي مما تشركون ﴿تُشْرِكُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلةُ لـ (ما) أو صفة لها، والعائدُ أو الرابط محذوف تقديره: مما تشركونه، ويحتمل كونُ (ما) مصدرية ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ جار ومجرور حال من الضمير المحذوف من ﴿تُشْرِكُونَ﴾ ﴿فَكِيدُونِي﴾. الفاء: رابطة لجواب شرط محذوف، تقديره: إن كانت آلهتكم كما قلتم من أنها تنفع، وتضر .. فكيدوني ﴿كيدوني﴾ فعل وفاعل ومفعول ونون وقاية ﴿جَمِيعًا﴾ حال من (واو) الفاعل، والجملة الفعلية في محل الجزم على كونها جوابًا للشرط المحذوف، والشرط المحذوف في محل النصب مقول القول، ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف ﴿لا﴾ ناهية

стр. 5636

جازمة ﴿تُنْظِرُونِ﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ (لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والنونُ المذكورة نونُ الوقاية لأنَّ أصْلَه، ولا تنظرونني وياء المتكلم المحذوفة في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل الجزم، معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾. ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ فعل وفاعل ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلق به ﴿رَبِّي﴾ بدل من الجلالة، ﴿وَرَبِّكُمْ﴾ معطوف على ﴿رَبِّي﴾، وجملة ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ في محل الرفع خبر، (إن)، وجملة (إن) في محل النصب مقولُ القول على كَوْنِها مَسُوقة لتعليل مَا قَبلها ﴿مَا﴾ نافية ﴿مِن﴾ زائدة ﴿دَابَّةٍ﴾ مبتدأ أول، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ثان ﴿آخِذٌ﴾ خبرٌ للمبتدأ الثاني ﴿بِنَاصِيَتِهَا﴾ متعلق بـ ﴿آخذ﴾ وجملة الثاني في محل الرفع خبر للأول، وجملة الأول مع خبره في محل النصب مقول القول على كونها مسوقةً لتعليل ما قبلها ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ناصب واسمه ﴿عَلَى صِرَاطٍ﴾ خبره ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ صفة ﴿صِرَاطٍ﴾ وجملة (إن) مستأنفة في محل النصب مقول القول. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾. ﴿فَإِنْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم، وأردتم بيانَ حُكم ما إذا توليتم .. فأقول لكم ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ (إن) حرف شرط جازم ﴿تَوَلَّوْا﴾ فعل مضارع وفاعل مجزوم وعلامة جزمه حذف النون، أصله (تتولوا) حذفت إحدى التاءين لتوالي الأمثال، وجواب الشرط محذوف تقديره: فلا أبالي بكم، ولا مؤاخذةَ عليّ، وجملة الشرط في محل النصب مقولٌ لجوَابِ إذا المقدَّرة ﴿فَقَدْ﴾ (الفاء) تعليلية (قد) حرف تحقيق ﴿أَبْلَغْتُكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها

стр. 5637

(بالفاء) التعليلية؛ لأنها تعليل للجواب المحذوف، تقديره: فلا أُبالي بكم لإبْلاغي إياكم ﴿ما أرسلت به﴾، ﴿أُرْسِلْتُ﴾ فعل ونائب فاعل ﴿بِهِ﴾ متعلق به، وكذلك ﴿إِلَيْكُمْ﴾ يتعلق به، والجملة صلة لـ (ما) أو صفة لها ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي﴾ فعل وفاعل ﴿قَوْمًا﴾ مفعول به ﴿غَيْرَكُمْ﴾ صفة له، والجملة مستأنفة على كونها مقولَ القول، أو معطوفةٌ على جملة الجواب، ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به ﴿شَيْئًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ﴾، ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ناصب واسمه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ متعلق بـ ﴿حَفِيظٌ﴾، ﴿حَفِيظٌ﴾ خبر (إن) وجملة (إن) مستأنفة على كونها مقولَ القول. ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨)﴾. ﴿وَلَمَّا﴾ (الواو): استئنافية (لما) حرف شرط غير جازم ﴿جَاءَ أَمْرُنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ (لمّا)، ﴿نَجَّيْنَا هُودًا﴾ فعل وفاعل ومفعول به، ﴿وَالَّذِينَ﴾ معطوف على ﴿هُودًا﴾ والجملة الفعلية جواب (لما)، وجملة (لمَّا)، مستأنفة ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿مَعَهُ﴾ ظرف، ومضاف إليه حال من فاعل ﴿آمَنُوا﴾ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ متعلق بـ ﴿نَجَّيْنَا﴾، ﴿مِنَّا﴾ صفة لـ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾، ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿مِنْ عَذَابٍ﴾ متعلق به ﴿غَلِيظٍ﴾ صفة لـ ﴿عَذَابٍ﴾ والجملة الفعلية مستأنفة لا معطوفة على ﴿نَجَّيْنَا﴾ الأول لأنَّ الأول مقيد بقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ إلخ، والثاني لا يتقيد به، اهـ "فتوحات". ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾. ﴿وَتِلْكَ عَادٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة ﴿جَحَدُوا﴾ فعل وفاعل ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ متعلق به، والجملة مستأنفة سيقت للإخبار عن حالهم، وليسَتْ حالًا ممَّا قبلها كما في "الجمل" ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿جَحَدُوا﴾، ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿جَحَدُوا﴾ ﴿أَمْرَ كُلِّ

стр. 5638

جَبَّارٍ﴾ مفعول به، ومضاف إليه ﴿عَنِيدٍ﴾ صفة ﴿جَبَّارٍ﴾، ﴿وَأُتْبِعُوا﴾ فعل ونائب فاعل ﴿فِي هَذِهِ﴾ في هذه متعلق به ﴿الدُّنْيَا﴾ بدلُ من اسم الإشارة أو عطف بيان ﴿لَعْنَةً﴾ مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة ﴿جَحَدُوا﴾، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بمحذوف معلوم مما قبله تقديره: وأتبعوا يوم القيامة لعنة على رؤوس الخلائق، ﴿ألا﴾ حرف تنبيه ﴿إِنَّ عَادًا﴾ ناصب واسمه ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع خبر (إن) وجملة (إن) مستأنفة ﴿ألا﴾ حرف تنبيه ﴿بُعْدًا﴾ مصدر نائب عن التلفظ بفعله تقديره بعدوا أي هلكوا ﴿لِعَادٍ﴾ اللام لبيان مَنْ دُعِي عليهم متعلقة بالمصدر كـ (لام) سقيًا لك ورعْيًا لك ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ بدل من ﴿عَادٍ﴾ أو عطف بيان له. ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. ﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾ متعلق بمحذوف معطوف على قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾، ﴿أَخَاهُمْ﴾ مفعول ﴿أَرْسَلْنَا﴾ المحذوف ﴿صَالِحًا﴾ عطف بيان له ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على صالح، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا ﴿يَا قَوْمِ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا قَوْمِ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول القول ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول, والجملة في محل النصب مقول القول على كَوْنِهَا جَوابَ النداء ﴿ما﴾ نافية، ﴿لَكُمْ﴾ خبر مقدم ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ مبتدأ مؤخر و ﴿من﴾ زائدة ﴿غَيْرُهُ﴾ صفة لـ ﴿إِلَهٍ﴾ والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾. ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾ فعل ومفعول ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ﴾ فعل ومفعول معطوف على ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾، ﴿فِيهَا﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ (الفاء) عاطفة تفريعية, ﴿استغفروه﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية معطوفةٌ مفرعة على الجملة الاسمية في قوله: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ﴾، ﴿ثُمَّ تُوبُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾؛ ﴿إِلَيْهِ﴾

стр. 5639

متعلق به، ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ناصب واسمه ﴿قَرِيبٌ﴾ خبره ﴿مُجِيبٌ﴾ خبر ثان، أو صفة له، وجملة (إن) مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿يَا صَالِحُ﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا صَالِحُ﴾ منادى مفرد العلم، وجملةُ النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾، ﴿قَدْ كُنْتَ﴾ فعل ناقص واسمه ﴿فِينَا﴾ متعلق بـ ﴿مَرْجُوًّا﴾، ﴿مَرْجُوًّا﴾ خبر كان ﴿قَبْلَ هَذَا﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ (كان)، وجملة ﴿كاَنَ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جوابَ النداء، ﴿أَتَنْهَانَا﴾ (الهمزة) للاستفهام الإنكاري ﴿تنهانا﴾، فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على صالح، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿أَنْ نَعْبُدَ﴾ ناصب وفعل منصوب، وفاعله ضمير يعود على قوم صالح، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره أتنهانا عن عبادة ما يعبد آباؤنا ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿نَعْبُدَ﴾، ﴿يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما يعبده آباؤنا ﴿وَإِنَّنَا﴾ ناصب واسمه ﴿لَفِي شَكٍّ﴾ جار ومجرور خبر (إن) و (اللام) حرف ابتداء، وجملة (إن) معطوفة على جملة ﴿كان﴾ على كونها جوابَ النداء، ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بـ (شك)، ﴿تَدْعُونَا﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على صالح ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق به، ﴿مُرِيبٍ﴾ صفة ﴿شَكٍّ﴾ والجملة الفعلية صلة لـ (ما)، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿إِلَيْهِ﴾. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على صالح، والجملة مستأنفة ﴿يَا قَوْمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ مقول محكي لـ ﴿قال﴾، وإن شئت قلت: ﴿يَا قَوْمِ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب، مقول ﴿قال﴾، ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فعل

стр. 5640

وفاعل ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿كُنْتُ﴾ فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ (إن) ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ خبر (كان)، ﴿مِنْ رَبِّي﴾ صفة لـ ﴿بَيِّنَةٍ﴾، ﴿وَآتَانِي﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الجزم، معطوفة على جملة (كان) ﴿مِنْهُ﴾ جار ومجرور حال من ﴿رَحْمَةً﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول ثان لـ ﴿آتى﴾ ﴿فَمَن﴾ (الفاء) رابطة لجواب (إن) الشرطية ﴿من﴾ اسم استفهام إنكاري في محل الرفع مبتدأ ﴿يَنْصُرُنِي﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ والجملة الاسمية في محل الجزم بـ (إن) على كونها جَواب (إن) الشرطية، وجملة (إن) الشرطية في محل النصب سادةً مسد مفعولي ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَنْصُرُنِي﴾. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط ﴿عَصَيْتُهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ (إن) الشرطية على كونه فِعْلَ شرط لها، وجواب (إن) معلوم مما قبلها، تقديره: إن عصيته .. فمَنْ ينصرني، وجملة (إن) الشرطية في محل النصب، مقولُ ﴿قال﴾. ﴿فَمَا﴾ (الفاء) عاطفة (ما) نافية ﴿تَزِيدُونَنِي﴾ فعل وفاعل، ومفعول أول ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ مفعول ثان، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قال﴾. ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤)﴾. ﴿وَيَا قَوْمِ﴾ منادى مضاف معطوف على ﴿يَا قَوْمِ﴾ الأول ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول (قال) على كونها جوابَ النداء، ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور حال من ﴿آيَةً﴾ لأنه نعت نكرة قدمت عليها ﴿آيَةً﴾ حال من ﴿نَاقَةُ﴾، ﴿فَذَرُوهَا﴾ (الفاء) فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم هذه ناقةَ الله، وأردتم بيانَ ما هو الأصلح لكم، فأقول لكم ﴿ذروها﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب، مقول ﴿قال﴾، ﴿تَأْكُلْ﴾ فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على الناقة ﴿فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَأْكُلْ﴾، ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا﴾
следующие страницы →