المعين، كخاصية جذب الحديد في حجر المغناطيس ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ الفاء عاطفة على محذوف، والانفجار (١): الانكباب. والانبجاس: الترشّح والرشّ، فالرشّ أوّل، ثم الانكباب. عبّر بدل ما هنا في الأعراف بقوله: ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ والأول أبلغ؛ لأنه انصباب الماء بكثرة، والانبجاس ظهور الماء، فناسب ذكر الانفجار هنا، الجمع قبله بين الأكل، والشرب الذي هو أبلغ من الاقتصار على أحدهما؛ أي: فضربه فانفجرت؛ أي: جرت وسالت ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من ذلك الحجر ﴿اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ ماء عذبا؛ أي اثنا عشر نهرا بعدد قبائل بني إسرائيل، لكلّ سبط عين، وكان يضربه بعصاه إذا نزل، فيتفجّر، ويضربه إذا ارتحل، فييبس. وفي هذا الانفجار من الإعجاز، ظهور نفس الماء من حجر لا اتصال له بالأرض، فتكون مادته منها، وخروجه كثيرا من حجر صغير، وخروجه بقدر حاجتهم، وخروجه عند الضرب بالعصا، وانقطاعه عند الاستغناء عنه. والتاء في اثنتا للتأنيث، وفي ثنتا للالحاق، وهذه نظير ابنة وبنت.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾؛ أي: كل سبط من الأسباط الاثني عشر مَشْرَبَهُمْ؛ أي: موضع شربهم، ونهرهم من تلك الأنهار التي جرت من الحجر، فكان كل سبط يأتي عينهم الخاصة بهم، لا يدخل سبط على غيره في شربه. والمشرب: إما مصر، أو اسم مكان. والحكمة في ذلك: أن الأسباط كانت بينهم عصبية، ومباهاة، وكل سبط منهم لا يتزوج من سبط آخر، وكل سبط يريد تكثير نفسه، فجعل الله لكل سبط منهم نهرا على حدة، ليستقوا منها، ويسقوا دوابهم؛ لكيلا يقع بينهم جدال، ومخاصمة. وكان ينبع من كل وجه من الحجر، ثلاث أعين تسيل كل عين في جدول إلى سبط، وكانوا ستمائة ألف، وسعة المعسكر اثني عشر ميلا. ثم إن الله تعالى، قد كان قادرا على تفجير الماء، وفلق البحر من غير ضرب، لكن أراد أن يربط المسببات بالأسباب، حكمة منه للعباد، في وصولهم إلى المراد، ويترتب على ذلك ثوابهم، وعقابهم في المعاد. ومن أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله، وقلة تدبره في عجائب صنعه، فإنه
стр. 597
لمّا أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشعر، ويمقّر الخلّ، ويجذب الحديد، لم يمتنع أن يخلق الله حجرا يسخّره لجذب الماء من تحت الأرض، أو لجذب الهواء من الجوانب، ويصيّره ماء بقوة التبريد، ونحو ذلك. قال القرطبي في تفسيره: ما ورد من انفجار الماء، ونبعه من يد نبينا محمد ﷺ ، وبين أصابعه، أعظم في المعجزة، فإنا نشاهد الماء يتفجّر من الأحجار آناء الليل، وأطراف النهار، ومعجزة نبينا ﷺ لم تكن لنبيّ قبل، إذ لم يخرج الماء من لحم ودم.
واعلم (١): أنّ المعجزات كلها من صنع الله تعالى، وهي سنّة جديدة غير ما نشاهد كل يوم، فحركة الشمس، وطلوعها من المشرق مع عظمها، لا تحدث دهشة؛ لتعودنا إياها، ولكن إذا طلعت من المغرب دون المشرق كان معجزة، وأحدث غرابة، ودهشة، مع أن الحركتين من صنع الله تعالى، لا فارق بينهما.
ولئلا تحدث الصدمة حين حصول المعجزة، يهيّىء الله الظروف لتحمّلها، ويهيّىء النبيّ لقبولها، ويهيّىء الحاضرين لمشاهدتها، وقبولها. فأمر الله موسى بإدخال يده جيبه، وإخراجها بيضاء، تهيئة لمعجزاته الأخرى. وليس للعقل أن يحكم أيّ المعجزات أعظم من الأخرى؛ لأنه يتكلم عن مجهول هو من صنع الله لا يعرفه، فلا يمكن الإنسان مهما ارتقى عقله، أن يصل إلى صنعها، بل هي فوق قدرته.
أمّا (٢) المخترعات العلمية، فهي مبنيّة على السّنن العلمية مهما ظهرت مدهشة، كالكهرباء، والمسرّة - التليفون - وغاية ما هناك: أن العلماء سخروها لأغراضهم، فالذي يتكلم في أوروبا، ويسمع صوته في مكة المكرمة، أو في مصر مثلا بوساطة الراديو، إنما استطاع ذلك؛ لأنه استخدم الهواء الذي يحمل أمواج الصوت إلى العالم كلّه، وهكذا حال سائر المخترعات، إنما هي كشف لناموس إلهي، يتكرّر دائما على يد كل إنسان، لكن المعجزات تجري على طراز آخر، فهي خلق سنة جديدة في الكون، ولا تتكرر إلا بإذن الله، ولا يعرف الإنسان لها قاعدة، ولا يدرك طريقا لصنعها. وقوله: ﴿كُلُوا﴾ على تقدير القول؛ أي:
стр. 598
قلنا (١) لهم، أو قيل لهم: كلوا ﴿وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾ الذي يأتيكم من غير كدّ منكم، ولا تعب، بل هو من محض فضل الله تعالى، وإنعامه؛ أي: وقلنا لهم: كلوا من المن والسلوى، واشربوا من الأنهار الاثني عشر كلّها، فالأكل يتعلّق بالأولين، والشرب بالثالث. وإنما لم يقل من رزقنا، كما يقتضيه قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا﴾ إيذانا بأن الأمر بالأكل، والشرب لم يكن بطريق الخطاب، بل بواسطة موسى ﵇. ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لا تعتدوا في الأرض حال كونكم ﴿مُفْسِدِينَ﴾؛ أي: متمادين ومبالغين في الإفساد، والطغيان بمخالفة موسى ﵇. وقال البيضاوي: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٢)؛ أي: لا تعتدوا حال إفسادكم، وإنما قيّده به؛ لأن العثيّ وإن غلب في الفساد؛ فإنه قد يكون منه ما ليس بفساد، كمقابلة الظالم المعتدي بفعله، ومنه ما يتضمن صلاحا راجحا، كقتل الخضر ﵇ الغلام، وخرقه السفينة. انتهى. والأصل في العثيّ: مطلق التعدّي، وإن غلب في الفساد، فيكون التقييد بالحال تقييدا للعامل بالخاص. وقوله: ﴿اثْنَتا عَشْرَةَ﴾ قرأ الجمهور ﴿عَشْرَةَ﴾ بسكون الشين. وقرأ مجاهد، وطلحة، وعيسى، ويحيى بن وثاب، وابن أبي ليلى، ويزيد بكسر الشين. وروى ذلك، نعيم السعيديّ، عن أبي عمرو، والمشهور عنه: الإسكان. وتقدم أنها لغة تميم، وكسرهم لها نادر في قياسهم؛ لأنهم يخفّفون فعلا، يقولون في نمر: نمر.
وقرأ ابن الفضل الأنصاري (٣)، والأعمش بفتح الشين. وروي عن الأعمش الإسكان، والكسر أيضا. قال الزمخشري: الفتح لغة. وقال ابن عطية: هي لغة ضعيفة. وقال المهدويّ: فتح الشين غير معروف، وإضافة المشرب إليهم في قوله: ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾؛ لأنه لمّا تخصص كلّ مشرب بمن تخصّص به، صار كأنه ملك لهم، وأعاد الضمير في مشربهم على معنى كل، لا على لفظها، ولا يجوز أن
يعود على لفظها، فيقال: مشربه؛ لأن مراعاة المعنى هنا لازمة؛ لأن كل قد
стр. 599
أضيفت إلى نكرة، ومتى أضيفت إلى نكرة وجب مراعاة المعنى، فتطابق ما أضيفت إليه في عود ضمير، وغيره. قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ وقال الشاعر:
وكلّ أناس قاربوا قيد فحلهم ... ونحن حللنا قيده فهو سارب
وقال:
وكلّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل
وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وتقول: كل رجلين يقولان ذلك، ولا يجوز في شيء من هذا مراعاة لفظ كل، وثمّ محذوف، تقديره: مشربهم منها؛ أي: من الاثنتي عشرة عينا، ونصّ على المشروب؛ تنبيها على المنفعة العظيمة التي هي سبب الحياة.
والحكمة في قوله: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أنهم (١) لما أمروا بالأكل، والشرب من رزق الله، ولم يقيّد ذلك عليهم بزمان، ولا مكان، ولا مقدار من مأكول، أو مشروب، كان ذلك إنعاما، وإحسانا جزيلا إليهم، واستدعى ذلك التبسط في المآكل، والمشارب، وأنه ينشأ عن ذلك القوة الغضبية، والقوة الاستعلائية تنهاهم عمّا يمكن أن ينشأ عن ذلك، وهو الفساد، حتى لا يقابلوا تلك النعم بما يكفرها، وهو الفساد في الأرض. وقال ابن عباس، وأبو العالية معناه: ولا تسعوا. وقال قتادة: ولا تسيروا. وقيل: لا تتظالموا الشرب فيما بينكم؛ لأن كل سبط منكم قد جعل له شرب معلوم. وقيل معناه: لا تتمادوا في فسادكم. وقال ابن زيد: لا تطغوا. وهذه الأقوال كلها متقاربة. وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ الجمهور على أنها أرض التيه، ويجوز أن يريدها، وغيرها، ممّا قدّر أن يصلوا إليها، فينالها فسادهم، ويجوز أن يريد الأرضين كلّها. وأل لاستغراق الجنس، ويكون فسادهم فيها، من جهة أن كثرة العصيان والإصرار على المخالفات، والبطر يؤذن بانقطاع الغيث، وقحط البلاد،
стр. 600
ونزع البركات، وذلك انتقام يعمّ الأرض بالفساد.
وحاصل المعنى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ﴾. أي وقلنا لهم (١): كلوا مما رزقناكم من المن والسلوى، واشربوا ممّا فجرنا لكم من الماء من الحجر الصّلد. وقد عبّر عن الحال الماضية بالأمر؛ ليستحضر السامع صورة أولئك القوم في ذهنه مرة أخرى، حتى كأنّهم حاضرون الآن، والخطاب موجّه إليهم ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾؛ أي: ولا تنشروا فسادكم في الأرض، وتكونوا قدوة لغيركم فيه، وقد جاء هذا النهي عقب الإنعام عليهم بطيب المأكل، والمشرب؛ خيفة أن ينشأ الفساد بزيادة التبسط فيهما؛ ولئلا يقابل النعم بالكفران، وقد أراد موسى ﵇ أن يجتث أصول الشرك التي تغلغلت جذورها في نفوس قومه، ويربأ بهم عن الذّلّ الذي ألفته نفوسهم، بتقادم العهد، واستعباد المصريين إياهم، ويعودهم العزة، والشّمم، والإباء بعبادة الله وحده. وكانوا لا يخطون خطوة إلا اجترحوا خطيئة، وكلّما عرض لهم شيء من مشاق السفر، برموا بموسى، وتحسّروا على فراق مصر، وتمنّوا الرجوع إليها، واستبطئوا وعد الله، فطلبوا منه أن يجعل لهم إلها غير الله، وصنعوا عجلا وعبدوه، وحينما أمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة التي وعدوا بها، اعتذروا بالخوف من أهلها الجبارين، كما قصه الله : ﴿قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها﴾ فضرب الله سبحانه عليهم التيه أربعين سنة، حتى ينقرض ذلك الجيل الذي تأصلت فيه جذور الوثنية، ويخرج جيل جديد يتربّى على العقائد الحقّة، وفضائل الأخلاق، فتاهوا هذه المدة، وقضى الله أمرا كان مفعولا.
الإعراب
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾.
стр. 601
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب، معطوف على نعمتي ﴿قالَ مُوسى﴾ فعل وفاعل ﴿لِقَوْمِهِ﴾ متعلق بقال، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لإذ، تقديره: واذكروا وقت قول موسى لقومه ﴿يا قَوْمِ﴾ منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، اجتزاء عنها بالكسرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة في محل الجر مضاف إليه، مبنية على السكون، وجملة النداء في محل النصب مقول قال ﴿إِنَّكُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إن، تقديره: إنكم ظالمون أنفسكم، وجملة إن في محل النصب مقول قال، على كونها جواب النداء ﴿بِاتِّخاذِكُمُ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بظلمتم، والباء سببية، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، وهو من اتخذ المتعدي إلى مفعولين ﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول أول للمصدر، والثاني محذوف، تقديره: إلها ﴿فَتُوبُوا﴾ الفاء عاطفة تفريعية (توبوا) فعل وفاعل ﴿إِلى بارِئِكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتوبوا، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة إن، على كونها مقولا لقال ﴿فَاقْتُلُوا﴾ الفاء حرف عطف وتفصيل ﴿اقتلوا﴾ فعل وفاعل ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة توبوا، عطف تفصيل على مجمل، على كونها مقولا لقال ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الإسمية في محل النصب مقول قال لَكُمْ متعلق بخير ﴿عِنْدَ بارِئِكُمْ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بخير أيضا ﴿فَتابَ﴾ الفاء عاطفة سببية على محذوف، تقديره: ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم ﴿تاب﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على البارىء ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بتاب، والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة، والجملة المحذوفة في محل الجر معطوفة على جملة قوله: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ على كونها مضافا إليه لإذ ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل ﴿التَّوَّابُ﴾ خبر أول، لأن الرحيم خبر ثان لها، أو صفة للتواب، ويجوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ﴿التَّوَّابُ﴾ خبره و ﴿الرَّحِيمُ﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر إن، وجملة إن مستأنفة مسوقة؛ لتعليل ما قبلها.
стр. 602
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب معطوف على نعمتي، على كونها مفعولا به لاذكروا، كما مرّ مرارا، تقديره: وقت قولكم يا موسى ﴿قُلْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿يا مُوسى﴾ منادى مفرد العلم في محل النصب على المفعولية، مبني بضم مقدر منع من ظهوره التعذر؛ لأنه اسم مقصور، وجملة النداء في محل النصب مقول لقلتم ﴿لَنْ﴾ حرف نفي ونصب ﴿نُؤْمِنَ﴾ فعل مضارع منصوب بلن، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: نحن يعود على قوم موسى ﴿لَكَ﴾ متعلق بنؤمن، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لقلتم ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية ﴿نَرَى﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد حتى الجارة، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف المحذوفة؛ للتخلص من التقاء الساكنين، منع من ظهورها التعذر؛ لأنه فعل معتل بالألف، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: نحن يعود على قوم موسى، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهَ﴾ مفعول به؛ لأن رأى هنا بصرية ﴿جَهْرَةً﴾ منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه صفة لمصدر محذوف، تقديره: حتى نرى الله رؤية جهرة، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحتى بمعنى إلى، تقديره: إلى رؤيتنا الله جهرة، الجار والمجرور متعلق بنؤمن؛ لأنه فعل مضارع ﴿فَأَخَذَتْكُمُ﴾ الفاء حرف عطف وتفريع ﴿أخذتكم﴾ فعل ومفعول به، والتاء علامة تأنيث الفاعل ﴿الصَّاعِقَةُ﴾ فاعل، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة قلتم، على كونها مضافا لإذ ﴿وَأَنْتُمْ﴾ الواو حالية ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿تَنْظُرُونَ﴾ خبره، ومتعلق النظر محذوف، تقديره: وأنتم تنظرون ما حل بكم، والجملة الإسمية في محل النصب حال من ضمير المخاطبين، تقديره: حال كونكم ناظرين ما حل بكم.
﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ﴾.
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب مع تراخ ﴿بَعَثْناكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به،
стр. 603
والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة على جملة قوله ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾.
﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق ببعثناكم ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لعل حرف نصب وتعليل بمعنى كي، والكاف في محل النصب اسمها، وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ خبرها، تقديره: لعلكم شاكرون، وجملة لعل في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المدلول عليها بلعل التعليلية المتعلقة ببعثناكم، تقديره: ثم بعثناكم لشكركم إيانا على نعمة بعثكم. ﴿وَظَلَّلْنا﴾ فعل وفاعل ﴿عَلَيْكُمُ﴾ متعلق بظللنا ﴿الْغَمامَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الجر، معطوفة على جملة بعثنا.
﴿وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
﴿وَأَنْزَلْنا﴾ فعل وفاعل معطوف على بعثناكم ﴿عَلَيْكُمُ﴾ متعلق بأنزلنا ﴿الْمَنَّ﴾ مفعول به ﴿وَالسَّلْوى﴾ معطوف عليه ﴿كُلُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية مقول لقول محذوف معطوف على أنزلنا، تقديره: وقلنا لكم كلوا مِنْ ﴿طَيِّباتِ﴾ جار ومجرور متعلق بكلوا ﴿طَيِّباتِ﴾ مضاف ﴿ما﴾ اسم موصول في محل الجر مضاف إليه ﴿رَزَقْناكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: ما رزقناكموه، وهو العائد على الموصول، والجملة الفعلية صلة الموصول، ورزق هنا بمعنى أعطى يتعدى إلى مفعولين.
﴿وَما﴾ الواو عاطفة ﴿ما﴾ نافية ﴿ظَلَمُونا﴾ فعل ماض وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على مقدر، تقديره: فظلموا أنفسهم بكفران النعم، وما ظلمونا على كونها مقولا لمحذوف، تقديره: قال الله تعالى: فظلموا أنفسهم. إلخ. ﴿وَلكِنْ﴾ الواو عاطفة ﴿لكِنْ﴾ حرف استدراك مهمل؛ لتخفيف النون ﴿كانُوا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول مقدم ليظلمون، وجملة ﴿يَظْلِمُونَ﴾ في محل النصب خبر كان، تقديره: ولكن كانوا ظالمين أنفسهم، وجملة كان معطوفة على جملة قوله: ﴿وَما ظَلَمُونا﴾.
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا
стр. 604
وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب معطوف على نعمتي، كما مرّ مرارا، تقديره: يا بني إسرائيل! اذكروا نعمتي، ووقت قولنا لكم ... إلخ. ﴿قُلْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر بإضافة إذ إليها ﴿ادْخُلُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لقلنا ﴿هذِهِ﴾ ها حرف تنبيه، ذه: اسم إشارة في محل النصب على الظرفية عند سيبويه، وعلى المفعول به عند الأخفش، كما في «الفتوحات» ﴿الْقَرْيَةَ﴾ نعت لهذه، أو عطف بيان منه، أو بدل عنه. ﴿فَكُلُوا﴾ الفاء عاطفة ﴿كلوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ادخلوا ﴿مِنْها﴾ متعلق بكلوا ﴿حَيْثُ﴾ ظرف مكان في محل النصب، مبني على الضم ﴿شِئْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لحيث، والظرف متعلق بمحذوف حال من فاعل كلوا؛ أي كلوا منها حال كونكم متنقلين في أي مكان شئتم ﴿رَغَدًا﴾ مفعول مطلق منصوب بكلوا، لأنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: أكلا رغدا ﴿وَادْخُلُوا﴾ فعل وفاعل ﴿الْبابَ﴾ مفعول به على السعة، والجملة معطوفة على كلوا ﴿سُجَّدًا﴾ حال من فاعل كلوا؛ أي: متواضعين متطامين، كحال الساجد ﴿وَقُولُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ادخلوا ﴿حِطَّةٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: مسألتنا حطة، أو أمرنا حطة، والجملة الإسمية في محل النصب مقول قولوا، والأصل فيها النصب؛ لأن معناها حط عنا ذنوبنا، ولكنه عدل إلى الرفع؛ للدلالة على ديمومية الحط، والثبات عليه ﴿نَغْفِرْ﴾ فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير مستتر فيه؛ تقديره: نحن يعود على الله، والجملة الفعلية جواب الطلب لا محل لها من الإعراب ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بنغفر ﴿خَطاياكُمْ﴾ مفعول به ﴿وَسَنَزِيدُ﴾ الواو عاطفة، والسين حرف استقبال ﴿نزيد﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ مفعول به منصوب بالياء، والجملة معطوفة على جملة نغفر، على كونها جواب الطلب لا محل لها من الإعراب، وإنما لم يجزم؛ لأن الطلب عامل ضعيف فلا يقوى على العمل في المعطوف، أو الجملة مستأنفة.
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا
стр. 605
مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾.
﴿فَبَدَّلَ﴾ الفاء استئنافية، أو فصيحية؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنهم أمروا بقول حطة، وأردت بيان ما قالوا، فأقول لك: بدّل الذين ظلموا ﴿بدل﴾ فعل ماض ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، أو في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿ظَلَمُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿قَوْلًا﴾ مفعول به منصوب ﴿غَيْرَ﴾ صفة لـ ﴿قَوْلًا﴾ منصوب وهو مضاف ﴿الَّذِي﴾ مضاف إليه ﴿قِيلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على الموصول ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بقيل، والجملة صلة الموصول ﴿فَأَنْزَلْنا﴾ الفاء عاطفة ﴿أنزلنا﴾ فعل وفاعل معطوف على جملة بدّل، على كونها مقولا لجواب إذا المقدرة ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾ متعلق بأنزلنا ﴿ظَلَمُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿رِجْزًا﴾ مفعول به لأنزلنا ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ صفة لرجزا ﴿بِما﴾ الباء حرف جر وسبب ﴿ما﴾ مصدرية ﴿كانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَفْسُقُونَ﴾ خبره، وجملة كان من اسمها وخبرها، صلة ﴿ما﴾ المصدرية، وما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: بكونهم فاسقين، أو بفسقهم الجار والمجرور متعلق بأنزلنا.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ﴾ أصل قال: قول بوزن فعل، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، وهو أجوف واويّ. يا قوم! أصله: يا قومي، حذفت ياء المتكلم، وبقيت الكسرة دالّة عليها، وهكذا حيثما ورد في القرآن. والقوم: اسم جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده امرؤ، وقياسه: أن لا يجمع، وشذّ جمعه حيث قالوا: أقوام، وجمع جمعه قالوا: أقاويم. قيل: يختصّ بالرجال.
قال تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ ولذلك قابله بقوله: ﴿وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ﴾ وقال زهير:
وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
стр. 606
وقال آخر:
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
وقال آخر:
لا يبعدنّ قومي الذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر
وقيل: لا يختصّ بالرجال، بل يطلق على الرجال والنساء، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ﴾ وقال: ﴿وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ﴾.
والمرسل إليهم يشمل النساء والرجال، وصاحب هذا القيل يقول: أمّا إذا قامت قرينة على التخصيص، فيبطل العموم، ويكون المراد ذلك الشيء المخصّص. والقول الأول أصوب، ويكون اندراج النساء في القوم على سبيل الاستتباع، وتغليب الرجال على النساء، والمجاز خير من الاشتراك. وسمّي الرجال قوما؛ لأنهم يقومون بالأمور اه. من «البحر».
﴿إِلى بارِئِكُمْ﴾ البارىء: هو الخالق. يقال: برأ الله الخلق يبرأ، إذا خلقهم.
وفي الجمع بينهما في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ ما يدلّ على التباين، إلا أن يحمل على التوكيد. وقد فرّق بعض الناس بينهما، فقال: البارىء: هو المبدع المحدث. والخالق: هو المقدّر الناقل من حال إلى حال. وقال بعض العلماء: برأ، وأنشأ، وأبدع نظائر. وأصل مادة برأ يدلّ على انفصال شيء من شيء، وتميّزه عنه. يقال: برأ المريض من مرضه، إذا زال عنه المرض وانفصل، وبرىء المدين من دينه، إذا زال عنه الدين وسقط. ومنه البارىء في أوصاف الله تعالى؛ لأنه الذي أخرج من العدم، (وفصلهم عنه إلى الوجود). وفي «المختار»: أنّ برىء المريض، من بابي سلم، وقطع، وأنّ برأ الله الخلق، من باب قطع لا غير. اه.
﴿فَتُوبُوا﴾ أمر من تاب يتوب، والأمر قطعة من المضارع، وأصل مضارعه يتوبون بوزن يفعلون، نقلت حركة الواو إلى التاء، فسكنت الواو إثر ضمة، فصارت حرف مد، فلما بني منه الأمر، حذفت نون الرفع، وحرف المضارعة،
стр. 607
ودخل عليه الفاء العاطفة ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ القتل: إزهاق الروح بفعل أحد، من طعن، أو ضرب، أو ذبح، أو خنق، أو ما شابه ذلك، وأمّا إذا كان من غير فعل، فهو موت هلاك ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ﴾ أصله: أخير صيغة تفضيل، ولمّا كثر استعمال هذه اللفظة على لسان العرب، حذفوا همزها تخفيفا، وسكّنوا الياء، ونقلوا حركتها إلى الخاء، وكذلك فعلوا في شر أصله: أشرر بوزن أفعل، خففوه لما كثر استعماله، بنقل حركة الراء الأولى إلى الشين، وإدغامها في الراء الثانية، وحذفوا الهمزة، فقالوا: شرّ وفي «البحر» ﴿خَيْرٌ﴾ هي أفعل التفضيل، حذفت همزتها شذوذا في الكلام، فنقص بناؤها، فانصرفت. وقد نطقوا بالهمزة في الشعر، كما في قوله: بلال خير الناس وابن الأخير. وتأتي خير أيضا لا بمعنى التفضيل، تقول: زيد خير، تريد بذلك فيه خصلة جميلة، ومخفّفا من خير، تقول: رجل خير؛ أي: فيه خير، ويمكن أن يكون من ذلك ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾.
﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ أصله؛ توب بوزن فعل، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها بعد فتح ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ قلتم بوزن فلتم، وذلك أنّ أصله: قول بوزن فعل، قلبت الواو ألفا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم لمّا أسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك؛ سكن آخره لبنائه على السكون، فالتقى ساكنان الألف ولام الفعل، فحذفت الألف عين الفعل، فصار اللفظ هكذا. قلت: فاحتيج للتنبيه على نوع عين الفعل المحذوفة، هل هي واو؟ أو ياء؟ فحذفت حركة فاء الفعل، وعوض عنها حركة مجانسة للعين المحذوفة التي هي الواو، فضم أول الفعل، فقيل: قلت: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ﴾ أصله: نرأي بوزن نفعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، ثم نقلت حركة الهمزة عين الفعل إلى الراء فاء الفعل، ثم حذفت الهمزة؛ تخفيفا، فقيل: نرى، وهذا الحذف لعين هذا الفعل، مطرد في الماضي من الرباعي، والمضارع منه، والأمر، كما تحذف من الثلاثي في المضارع، والأمر، وهذا الحذف الذي ذكرناه، هو إذا كان مدلول رأى الإبصار في يقظة، أو منام، أو الاعتقاد، وأمّا إذا كانت رأى بمعنى أصاب رئته، فلا تحذف الهمزة، بل تقول: رآه يراه؛ أي: أصاب رئته. نقله صاحب كتاب الأمر ﴿جَهْرَةً﴾ الجهرة العلانية، ومنه الجهر ضدّ السر، وفتح عين هذا النحو مسموع
стр. 608
عند البصريين، مقيس عند الكوفيين، يقال: جهر الرجل الأمر، إذا كشفه، وجهرت الركيّة، إذا أخرجت ما فيها من الحمأة، وأظهرت الماء. قال الشاعر:
إذا وردنا آجنا جهرنا ... أو خاليا من أهله غمرنا
والجهوريّ: العالي الصوت، وصوت جهير عال، ووجه جهير ظاهر الوضاءة والأجهر: الأعمى. سمّي على الضد ﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ﴾ البعث: الإحياء، وأصله: الإثارة. قال الشاعر:
أنيخها ما بدا لي ثمّ أبعثها ... كأنّها كاسر في الجوّ فتخاء
وقال آخر:
وفتيان صدق قد بعثت بسحرة ... فقاموا جميعا بين عان ونشوان
وقيل أصله: الإرسال، ومنه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ وتأتي بمعنى الإفاقة من الغشي، أو النوم، ومنه ﴿وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ﴾ ظلّل بوزن فعل المضعف، مشتق من الظل، والظلّ أصله: المنفعة. والسحابة: ظلّة لما يحصل تحتها من الظل، ومنه قيل: السلطان ظلّ الله في الأرض. قال الشاعر:
فلو كنت مولى الظلّ أو في ظلاله ... ظلمت ولكن لا يدي لك بالظّلم
والغمام: اسم جنس يفرق بينه وبين مفرده هاء التأنيث، تقول: غمامة، وغمام، نحو: حمامة وحمام، وهو السّحاب. وقيل: ما ابيض من السحاب، وسمّي غماما؛ لأنه يغمّ وجه السماء؛ أي: يستره، ومنه: الغمّ، والغمم الأغمّ، والغمّة، والغمّى، والغمّاء. وغمّ الهلال، والنبت الغميم: هو الذي يستر ما يسامته من وجه الأرض ﴿وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ والمنّ مصدر مننت؛ أي: قطعت. والمنّ: الإحسان. والمنّ: صمغة تنزل على الشجر حلوة، وفي المراد به في الآية أقوال: مرّت في مبحث التفسير ﴿وَالسَّلْوى﴾ اسم جنس واحدها سلواة، قاله الخليل، والألف فيه للإلحاق لا للتأنيث، نحو: علقى وعلقاة، إذ لو كانت للتأنيث لما أنّث بالهاء. قال الشاعر:
стр. 609
وإنّي لتعروني لذكراك سلوة ... كما انتقض السّلواة من بلل القطر
وقال الكسائي: السلوى واحدة، وجمعها سلاوى. وقال الأخفش: جمعه وواحده بلفظ واحد. وقيل: جمع لا واحد له من لفظه ﴿كُلُوا﴾ هذا أمر من مادة أكل يأكل، كخرج يخرج، والقياس في بناء الأمر منه حذف حرف المضارعة، وتسكين فائه، واستجلاب همزة الوصل؛ للتوصل إلى النطق بالساكن فاء الكلمة، لكن هذا اللّفظ، ولفظ الأمر من أمر يأمر، ولفظ الأمر من أخذ يأخذ، نطقت بها العرب هكذا شذوذا عن القياس، فسمعت عنهم هكذا، والسماع مانع القياس، كما هو معروف، فوزن الكلمات الثلاث عل. قال ابن مالك في لاميّة الأفعال:
وشذّ بالحذف مر وخذ وكل وفشا ... وأمر ومستندر تميم خذ وكلا
﴿مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ جمع طيب، والطيب فيعل، من طاب يطيب، وهو اللذيذ من كل شيء ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ والدخول معروف، وفعله دخل يدخل، وهو مما جاء على يفعل بضم العين، وكان القياس فيه أن يفتح؛ لأنّ وسطه حرف حلق، كما جاء الكسر في ينزع، وقياسه أيضا الفتح. ﴿الْقَرْيَةَ﴾ المدينة من قريت؛ أي: جمعت، سميت بذلك؛ لأنها مجتمع الناس على طريق المساكنة. وقيل: إن قلّوا قيل لها قرية، وإن كثروا قيل لها مدينة. وقيل: أقل العدد الذي تسمّى به قرية ثلاثة فما فوقها، ومنه: قريت الماء في الحوض إذا جمعته فيه. والمقراة الحوض، ومنه القرى، وهو الضيافة. ولغة أهل اليمن القرية بكسر القاف، ويجمعونها على قرى بكسر القاف، نحو: رشوة ورشا، وأما قرية بالفتح، فجمعت على قرى بضم القاف، وهو جمع على غير قياس (من حيث شئتم) أصله: شيىء بوزن فعل بكسر العين، يفعل بفتحها، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فصار شاء، فأسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك فبني على السكون، فصار اللفظ شاءت، فالتقى ساكنان فحذفت الألف، فصار اللفظ شأت، فاحتيج إلى معرفة عين الفعل المحذوفة، فحذفت حركة فاء الفعل، ونقلت إليها حركة العين المحذوفة، وهي هنا الكسرة؛ لأن العين المحذوفة ياء، فقيل:
شئت بوزن فلت ﴿وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا﴾ والباب معروف وهو المكان الذي
стр. 610
يدخل منه، وجمعه أبواب، وهو قياس مطرد، وسمع جمعه على أبوبة ﴿سُجَّدًا﴾ جمع ساجد، وهو قياس مطرد في فاعل، وفاعلة، الوصفين الصحيحي اللام ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أمر من قال يقول، والأصل: يقولون بوزن يفعلون، نقلت حركة الواو إلى القاف، فسكنت إثر ضمة، فصارت حرف مد، ولمّا بني الأمر من المضارع، حذفت حرف المضارعة، ونون الرفع، فقيل: قولوا بوزن فعلوا. وقال أبو حيان: كل أمر من ثلاثي، اعتلت عينه فانقلبت ألفا في الماضي، تسقط تلك العين منه إذا أسند لمفرد مذكر، نحو: قل، وبع، أو لضمير إناث، نحو: قلن وبعن، فإن اتصل به ضمير الواحدة، نحو: قولي، أو ضمير الاثنين، نحو: قولا، أو ضمير الذكور، نحو: قولوا، ثبتت تلك العين، وعلة الحذف والإثبات مذكورة في كتب النحو، والصرف ﴿حِطَّةٌ﴾ بوزن فعلة من حط، وهو مصدر كالحط، وقيل: هو هيئة وحال، كالجلسة، والقعدة، والحطّ: الإزالة، يقال: حططت عنه الخراج أزلته عنه ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الغفر، والغفران الستر، وفعله غفر يغفر بفتح العين في الماضي، وكسرها في المضارع، ومنه المغفر لستره الرأس، والجمّ الغفير؛ أي: يستر بعضهم بعضا من الكثرة ﴿خَطاياكُمْ﴾ جمع خطيئة بوزن فعيلة، والياء فيه زائدة في المفرد، فلما جمعت جمع تكسير، أبدلت الياء الزائدة في المفرد مزة، فصارت خطائىء بهمزتين، الأولى مبدلة من ياء فعيلة الواقعة حرف مد ثالثا زائدا، كما في صحيفة، وكتيبة، فالقياس إبدال هذه الياء همزة، على حدّ قول ابن مالك في «الخلاصة» في باب التصريف:
المدّ زيد ثالثا في الواحد ... همزا يرى في مثل كالقلائد
ثم أبدلت الهمزة الثانية ياء؛ لتطرفها، وانكسار ما قبلها، فصارت خطائي، ثم قلبت كسرة الهمزة فتحة؛ للتخفيف، فصارت خطاءي فأبدلت الياء ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فصارت خطاءا، ثم أبدلت الهمزة ياء، فقيل: خطايا بعد خمس عمليات تصريفية. وقال أبو حيان: الخطيئة فعيلة من الخطأ، والخطأ: العدول عن القصد، يقال: خطىء الشيء أصابه بغير قصد، وأخطأ إذا تعمّد، وأما خطايا فجمع خطيّة مشددة عند الفراء، كهدية، وهدايا، وجمع خطيئة المهموز عند سيبويه والخليل، وعند سيبويه أصله: خطائي، مثل: صحائف وزنه
стр. 611
فعائل، ثم أعلت الهمزة الثانية بقلبها ياء، ثم فتحت الأولى التي كان أصلها ياء المد في خطيئة، فصار خطأي، فتحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فصار خطاءا فوقعت همزة بين ألفين، والهمزة شبيهة بالألف، فصار كأنه اجتمع ثلاثة أمثال، فأبدلوا منها ياء، فصار خطايا، كهدايا، ومطايا. وعند الخليل أصله: خطايىء، ثم قلب، فصار خطائي على وزن فعالى المقلوب من فعائل، ثم عمل فيه العمل السابق في قول سيبويه. انتهى.
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ التبديل: تغيير الشيء بآخر.
تقول: هذا بدل هذا؛ أي: عوضه، ويتعدى لاثنين، الثاني أصله حرف جر.
تقول: بدّلت دينارا بدرهم؛ أي: جعلت دينارا عوض درهم، وقد يتعدّى لثلاثة، فتقول: بدّلت زيدا دينارا بدرهم؛ أي: حصلت له دينارا عوضا من درهم ﴿قِيلَ﴾ أصله: قول بضم أوله وكسر ثانيه، استثقل الانتقال من ضمة إلى كسرة، فحذفت حركة فاء الفعل، ونقلت إليه حركة العين، فسكنت الواو إثر كسرة، فقلبت ياء حرف مد، وهكذا كلّ من شاكل هذا النوع من معتل العين، إلا أن الياء تسلم فيما عينه ياء، كجيىء، وبيع، وتقلب الواو ياء فيما عينه واو، كقيل. ﴿رِجْزًا﴾ الرجز: العذاب، وتكسر راؤه وتضم، والضم لغة بني الصّعدات.
﴿وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ والاستسقاء: طلب سقيا الماء، والطلب أحد المعاني التي سبق ذكرها في الاستفعال في قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وأصله: استسقي بوزن استفعل، قلبت الياء ألفا؛ لتحركها بعد فتح ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ﴾ أصل قلنا: قولنا، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فلما أسند الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك، وبني آخره على السكون، التقى ساكنان الألف واللام، فحذفت الألف، وحذفت أيضا حركة فاء الفعل، وعوض عنها حركة مجانسة للعين المحذوفة، فصار قلنا، كما مر ﴿بِعَصاكَ﴾ العصا الألف فيها منقلبة عن واو، لتثنيته على عصوين، وقولهم: عصوته؛ أي: ضربته بالعصا، ويجمع على أفعل شذوذا، فقالوا: أعص أصله: أعصو، وعلى فعول قياسا.
قالوا: عصيّ أصله: عصوو، يتبع حركة العين حركة الصاد و ﴿الْحَجَرَ﴾ الجسم الصلب المعروف عند الناس، ويجمع على أحجار وحجار، وهما جمعان مقيسان
стр. 612
فيه، وقالوا فيه: حجارة بالتاء ﴿فَانْفَجَرَتْ﴾ والانفجار: انصداع شيء عن شيء، ومنه الفجر، والفجور، وهو الانبعاث في المعصية، كالماء، وهو مطاوع فعل. يقال: فجر فانفجر، والمطاوعة أحد المعاني التي جاء لها انفعل ﴿اثْنَتا عَشْرَةَ﴾ اثنتان تأنيث اثنين، وكلاهما له إعراب المثنى، وليس بمثنى حقيقة؛ لأنه لا يفرد، فلا يقال: إثن ولا إثنة، ولامه ما محذوفة وهي ياء؛ لأنه من ثنيت العشرة بإسكان الشين لغة الحجاز، وبكسرها لغة تميم، والفتح فيها شاذ غير معروف، وهو أول العقود ﴿عَيْنًا﴾ والعين لفظ مشترك بين منبع الماء، والعضو الباصر، والسحابة تقبل من جهة القبلة، والمطر يمطر خمسا، أو ستا ﴿كُلُّ أُناسٍ﴾ والأناس اسم جمع لا واحد له من لفظه، كما مر ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ والمشرب مفعل من الشراب، يكون للمصدر، والزمان، والمكان، ويطّرد من كلّ ثلاثي متصرف مجرد لم تكسر عين مضارعه، سواء صحت لامه، ك: سرق، ودخل، أو أعلّت، كرمى، وغزا، وشذّ من ذلك ألفاظ ذكرها الصرفيون في باب المفعل، كما بسطنا الكلام عليها في شرحنا «مناهل الرجال على لامية الأفعال».
﴿وَلا تَعْثَوْا﴾ قيل أصل هذه الكلمة: عثى يعثي، كرمى يرمي. وقيل أصلها: عثى يعثى، كسعى يسعى. وقيل أصلها: عثى يعثى، كرضى يرضى. وقيل أصلها: عثا يعثو، كسما يسمو، والموجود في القرآن يوافق الثانية والثالثة من اللغات، وعليه يكون التغيير الذي وقع فيها، أنّ واو الجماعة اتصل بلام الفعل، سواء أكانت من باب سعى، أم من باب رضي، تحركت الياء وفتح ما قبلها فقلبت ألفا، فالتقى ساكنان، فحذفت الألف. أمّا التي من باب رمى وسما، فلا داعي للكلام عليهما، لعدم ورودهما في القرآن، والعثو والعثيّ أشدّ الفساد.
يقال: عثا يعثو عثوا، وعثيا، وعثى يعثى عثيا، وعثى يعثى عثيا لغة شاذّة.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة، وأنواعا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإضافة في قوله: ﴿يا قَوْمِ﴾ للشفقة عليهم.
стр. 613
ومنها: التعرض لعنوان البارئية في قوله: ﴿فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ﴾؛ للإشعار بأنهم بلغوا من الجهالة أقصاها، ومن الغباوة منتهاها، حيث تركوا عبادة العليم الحكيم الذي خلقهم بلطيف حكمته، إلى عبادة البقر الذي هو مثل في الغباوة. اه. «أبو السعود».
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ علاقته اعتبار ما يؤول إليه؛ أي: أسلموها للقتل تطهيرا لها.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ والالتفات هنا من التكلم الذي يقتضيه سياق الكلام إلى الغيبة، إذ كان مقتضى المقام أن يقول: فوفقتكم فتبت عليكم، وفيه أيضا مجاز بالحذف، تقديره: ففعلتم ما أمرتم به، فتاب عليكم بارئكم.
ومنها: العدول من ضمير الغائبين العائد إلى القوم، إلى ضمير المخاطبين في قوله: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ حيث لم يقل: فتاب عليهم العائد إلى الأسلاف؛ إشعارا بأنها نعمة، أريد التذكير بها للمخاطبين لا لأسلافهم.
ومنها: تقييد البعث بكونه من بعد الموت، مع أن البعث لا يكون إلا بعد الموت؛ لزيادة التأكيد على أنه موت حقيقي؛ ولدفع ما عساه يتوهم أنّ بعثهم كان بعد إغماء، أو بعد نوم.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾؛ أي: قلنا لهم كلوا، وفي قوله: ﴿وَما ظَلَمُونا﴾، تقديره: فظلموا أنفسهم بكفرهم تلك النعمة، وما ظلمونا بذلك دل على هذا المحذوف قوله: ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
ومنها: الجمع بين صيغتي الماضي والمضارع في قوله: ﴿ظَلَمُونا﴾ وقوله: ﴿يَظْلِمُونَ﴾؛ للدلالة على تماديهم في الظلم، واستمرارهم على الكفر.
ومنها: تقديم المفعول على عامله في قوله: ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾؛ للدلالة على القصر الذي يقتضيه النفي السابق، وفيه أيضا ضرب تهكم بهم.
стр. 614
ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولم يقل: فأنزلنا عليهم؛ لزيادة التقبيح، والمبالغة في الذم، والتقريع.
ومنها: تنكير ﴿رِجْزًا﴾؛ لإفادة التهويل والتفخيم.
ومنها: الإضافة في قوله: ﴿كلوا من رزق الله﴾؛ تعظيما للمنّة والإنعام، وإيماء إلى أنه رزق حاصل من غير تعب، ولا مشقة.
ومنها: ذكر ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في قوله: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ مبالغة في تقبيح الفساد.
ومنها: الإتيان بالحال؛ لتأكيد معنى عامله في قوله: ﴿مُفْسِدِينَ﴾؛ لأنّ معناها قد فهم من عاملها، وحسن ذلك اختلاف اللفظين.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 615
قال الله سبحانه جل وعلا:
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥)
فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾.
المناسبة
قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة؛ لأنها في تعداد قبائحهم، كسوابقها. والحاصل منها: أنهم لما (١) سئموا من الإقامة في التيه، والمواظبة على مأكول واحد لبعدهم عن الأرض التي ألفوها، وعن العوائد التي عهدوها، أخبروا عما وجدوه من عدم الصبر على ذلك، وتشوفهم إلى ما كانوا يألفون، وسألوا موسى أن يسأل الله لهم، وأكثر أهل الظاهر من المفسرين، على أن هذا السؤال كان معصية، قالوا: لأنهم كرهوا إنزال المن والسلوى، وتلك الكراهة معصية؛ ولأن موسى وصف ما سألوه بأنه أدنى، وما كانوا عليه بأنه خير، وبأن قوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ هو على سبيل الإنكار. ذكره في «البحر».
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما
стр. 616
قبلها (١): أن الله ، لما ذكر الكفرة من أهل الكتاب، وما حل بهم من العقوبة، أخبر بما للمؤمنين من الأجر العظيم، دالا على أنه يجزي كلا بفعله.
وعبارة المراغي هنا مناسبتها لما قبلها: أنه لما ذكر (٢) باللائمة على اليهود في الآيات السالفة، وبين ما حاق بهم من الذل والمسكنة، وما نالهم من غضب الله جزاء ما اجترحوه من السيئات، من كفر بآيات الله تعالى، وقتل للنبيين، وعصيان لأوامر الدين، وترك لحدوده، ومخالفة لشرائعه. ذكر هنا حال المستمسكين بحبل الله - الدين المتين - من كل أمة، وكل شعب، ممن اهتدى بهدي نبي سابق، وانتسب إلى شريعة من الشرائع الماضية، وصدق في الإيمان بالله واليوم الآخر، وسطع على قلبه نور اليقين، وأرشد إلى أنهم الفائزون بخيري الدنيا والآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ...﴾ الآيتين، ذكر (٣) سبحانه في هاتين الآيتين، جناية أخرى حدثت من أسلاف المخاطبين وقت التنزيل، ذاك أنه بعد أن أخذ الله عليهم المواثيق التي ذكرها بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾. إلخ. فقبلوها، وأراهم من الآيات ما فيه مقنع لهم؛ رفع الجبل فوقهم كالظلة حتى ظنوا أنه واقع بهم، وطلب إليهم التمسك بالكتاب، والعمل بما فيه بالجد والنشاط كي يعدّوا أنفسهم لتقوى الله ورضوانه، ثم كان منهم أن أعرضوا عن ذلك، وانصرفوا عن طاعته، ولولا لطف الله بهم لاستحقوا العقاب في الدنيا، وخسروا سعادة الآخرة، وهي خير ثوابا، وخير أملا، لكن وفقهم الله تعالى بعد ذلك فتابوا، ورحمهم فقبل توبتهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ...﴾ الآيتين، وفي هاتين الآيتين وما يتلوهما بعد تعداد لنكث العهود، والمواثيق التي أخذت على بني إسرائيل، الذين كانوا في عهد موسى ﵇، وحل بهم جزاء ما عملوا، من
стр. 617
مسخهم قردة وخنازير، فأجدر بسلائلهم - الذين كانوا في عصر التنزيل تتخلّل دورهم دور الأنصار - أن لا يجحدوا نبوة محمد ﷺ ، وأن لا يصرّوا على كفرهم، وعدم التصديق بما جاء به خوفا من أن يحل بهم ما حلّ بأسلافهم، مما لا قبل لهم به من غضب الله تعالى، فمن عهودهم التي نكثوها: أنهم اعتدوا يوم السبت. ذاك أنّ موسى ﵇ حظّر عليهم العمل في هذا اليوم، وفرض عليهم فيه طاعة ربهم، والاجتهاد في الأعمال الدينية، إحياء لسلطان الدين في نفوسهم؛ وإضعافا لشرههم في التكالب على جمع حطام الدنيا وادخاره، وأباح لهم العمل في ستة الأيام الأخرى، لكنهم عصوا أمره، وتجاوزوا حدود الدين، واعتدوا في السبت فجازاهم الله تعالى بأشد أنواع الجزاء، فخرج بهم من محيط النوع الإنساني، وأنزلهم أسفل الدركات، فجعلهم
يرتعون في مراتع البهائم، وليتهم كانوا في خيارها، بل جعلهم في أخسّ أنواعها، فهم كالقردة في نزواتها، والخنازير في شهواتها، مبعدين من الفضائل الإنسانية بأنواع المنكرات جهارا عيانا بلا خجل، ولا حياء، حتى احتقرهم كرام الناس ولم يروهم أهلا لمعاشرة ولا معاملة.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن أبي حاتم، والعدني في مسنده من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قال سلمان: سألت النبي ﷺ عن أهل دين كنت معهم؟ فذكرت من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا ...﴾ الآية إلى قوله: ﴿يَحْزَنُونَ﴾.
التفسير وأوجه القراءة
٦١ - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ﴾؛ أي: واذكروا يا بني إسرائيل! حين كنتم في التيه تأكلون من المن والسلوى، فمللتم منه، وذكرتم عيشا كان لكم بمصر، وقلتم لنبيكم ﵇ ﴿يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾؛ أي: على نوع واحد من الطعام الذي هو المن والسلوى، ولن نكتفي به. وهذا (١) تذكير لجناية أخرى لأسلاف بني
стр. 618
إسرائيل، وكفرانهم لنعمة الله . خاطبهم تنزيلا لهم مكان آبائهم؛ لما بينهم من الاتحاد، وكان هذا القول منهم في التيه حين سئموا من أكل المن والسلوى؛ لكونهما غير مبدلين، والإنسان إذا داوم شيئا واحدا سئمه، وتذكروا عيشهم الأول بمصر؛ لأنهم كانوا أهل فلاحة، فنزعوا إلى عكرهم عكر السوء، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم، فقالوا: يا موسى! لن نصبر على طعام واحد غير مبدّل بنوع آخر، والطعام ما يتغذى به. وكنوا عن المن والسلوى بطعام واحد وهما اثنان؛ لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر فيصيران طعاما واحدا، أو أريد بالواحد نفي التبدل والاختلاف، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدّة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها. قيل: لا يأكل فلان إلا طعاما واحدا.
وفي «تفسير البغوي» والعرب تعبر عن الواحد بلفظ الاثنين؛ لقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ وإنما يخرج من الملح دون العذب. وقيل: المعنى لن نصبر على الغنى فيكون جميعنا أغنياء، فلا يقدر بعضنا على الاستعانة ببعض، لاستغناء كل واحد بنفسه، وكان فيهم أوّل من اتخذ العبيد والخدم ﴿فَادْعُ لَنا﴾؛ أي: فاسأل لأجلنا ﴿رَبَّكَ﴾ أن يخرج لنا من نبات الأرض. ولغة بني عامر بكسر العين، جعلوا دعا من ذوات الياء، كرمى يرمي؛ والفاء لسببية عدم الصبر للدعاء؛ أي: إن دعوته ﴿يُخْرِجْ لَنَا﴾ أي يظهر لنا ويوجد شيئا ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ ومفعول يخرج محذوف، كما قدّرنا والجزم في جواب الطلب، فإنّ دعوته سبب الإجابة؛ أي: إن تدع لنا ربك يخرج لنا شيئا مما تنبته الأرض من الحبوب والبقول، فقد سئمنا المن والسلوى وكرهناه، ونريد ما تخرجه الأرض كعادتنا في مصر. وفي قوله: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ (١) إسناد مجازي بإقامة القابل وهو الأرض، مقام الفاعل وهو الله ، ومن تبعيضية، وما موصولة، ومن في قوله: ﴿مِنْ بَقْلِها﴾ بيانية واقعة موقع الحال من الضمير العائد إلى ما المحذوف؛ أي: مما تنبته الأرض، أو من ما الموصولة؛ أي: حال كون ذلك النابت من
стр. 619
بقول الأرض وحبوبها؛ أي: من أطايب بقولها. ويجوز أن تكون بدلا من (ما) الأولى بإعادة الجار، فمن على هذا تبعيضية، كهي في مما تنبت. والبقل: كل ما تنبته الأرض من الخضر، أو كل نبات لا يبقى له ساق، والمراد أصناف البقول التي يأكلها الناس، كالكراث، والسلق، والخص، والملوخية، والنعناع، والفجل، وشبهها ﴿وَقِثَّائِها﴾ وقرأ (١) يحيى بن وثاب، وطلحة بن مصرف، وغيرهما ﴿وَقِثَّائِها﴾ بضم القاف وهي لغة فيه. وقرأ الجمهور بكسرها وهي المشهورة، والقثاء: شيء يشبه الخيار معروف، ولكن المراد به هنا: كلّ شيء من خضرواتها، كالبطيخ، والخيار، والدباء، والقرع. فالمراد بالبقول؛ ما يؤكل ورقه من البقول، وبالقثاء؛ ما يؤكل ثمره منها، أو هو من عطف الخاص على العام، والبقل: ما ليس له ساق ضدّ الشجر ﴿وَفُومِها﴾؛ أي: حنطتها وهو الأقرب؛ لأن ذكر العدس يدلّ على أنه المراد؛ لأنه من جنسه. وقيل: هو الثوم، كما هو مرويّ عن ابن عباس، ومجاهد، وهو اختيار الكسائي لقراءة ابن مسعود ﴿وثومها﴾ بالثاء المثلثة؛ ولأنّ ذكر البصل يدلّ على أنه هو المراد فإنه من جنسه. قال ابن التمجيد في «حواشيه». وحمله على الثوم أوفق من الحنطة؛ لاقتران ذكره بالبصل والعدس، فإن العدس يطبخ بالثوم، والبصل. ﴿وَعَدَسِها﴾ وهو حب معروف يستوى كيله ووزنه ﴿وَبَصَلِها﴾ بقل معروف تطيب به القدور، وإنما طلبوا (٢) هذه الأنواع؛ لأنها تعين على تقوية الشهوة؛ أو لأنهم ملّوا من البقاء في التيه، فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد، وكان غرضهم الوصول إلى البلاد لا تلك الأطعمة.
وقال أبو حيان: وأحوال (٣) هذه الخمسة التي ذكروها مختلفة، فذكروا أولا: ما هو جامع للحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، إذ البقل منه ما هو بارد رطب، كالهندبا، ومنه ما هو حار يابس، كالكرفس والسذاب، ومنه ما هو حار
стр. 620
وفيه رطوبة عرضيّة، كالنعناع. وثانيا: القثاء وهو بارد رطب. وثالثا: الثوم وهو حار يابس. ورابعا: العدس وهو بارد يابس. وخامسا: البصل وهو حار رطب، وإذا طبخ صار باردا رطبا، فعلى هذا جاء ترتيب ذكر هذه الخمسة. انتهى.
وقوله: ﴿قالَ﴾ كلام مستأنف واقع في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال الله لهم، أو موسى ﵇، فقيل: قال إنكارا عليهم. إلخ. والظاهر (١) عود الضمير في قال إلى موسى، ويحتمل عوده على الرب تعالى، ويؤيده ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾. والهمزة في قوله: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾؛ للإنكار، والاستبدال: الاعتياض. وقرأ أبيّ ﴿أتبدلون﴾ وهو مجاز؛ لأن التبديل ليس لهم إنما ذلك إلى الله تعالى، لكن لما كان حصول التبديل بسؤالهم جعلوا مبدلين، وكان المعنى: أتسألون تبديل ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنى﴾؛ أي: أتأخذون لأنفسكم، وتختارون لها الطعام الذي هو أدنى، وأخسّ من البقل وما بعدها ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾؛ أي: بدل الذي هو خير وأنفس؛ لأن الباء تدخل على المتروك دون المأخوذ، وخيريّة المن والسلوى في اللّذاذة، أو سقوط المشقة والسعي في تحصيلها، وغير ذلك. ولا كذلك الفوم، والعدس، والبصل، وأمثالها. قال بعضهم: الحنطة وإن كانت أعلى من المن والسلوى، لكن خساستها ههنا بالنسبة إلى قيمتها، وليس في الآية ما يدل على قطعها عنهم على أنهم أرادوا زوال المن والسلوى. وحصول ما طلبوا مكانه؛ لتحقق الاستبدال في صورة المناوبة؛ لأنهم أرادوا بقولهم لن نصبر على طعام واحد أن يكون لهم هذا تارة وذاك أخرى.
وقرأ زهير الفرقبيّ، ويقال له: زهير الكسائيّ ﴿أدنأ﴾ بالهمزة.
والمعنى: أي (٢) قال لهم موسى منكرا عليهم ويحكم: أتريدون استبدال الطعام الذي هو أخسّ، من البقل، والقثاء، والفوم، والبصل، عن الطعام الذي هو أنفس، وأفضل، وأعلى، الذي هو المن والسلوى، فإنه خير في اللذة، والنفع، وعدم الحاجة إلى السعي، فدعا موسى فاستجبنا له وقلنا لهم: ﴿اهْبِطُوا
стр. 621
مِصْرًا﴾؛ أي: انحدروا واخرجوا من التيه، وانزلوا إن كنتم تريدون هذه الأشياء مصرا من الأمصار، وانزلوا بلدة من البلدان؛ لأنكم في البرية فلا يوجد فيها ما تطلبون، وإنما يوجد ذلك في الأمصار والبلدان، وليس المراد هنا مصر فرعون؛ لقوله تعالى: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وإذا وجب عليهم دخول تلك الأرض، فكيف يجوز دخول مصر فرعون وهو الأظهر. وقيل: مصر فرعون الذي خرجتم منه، وصرفه حينئذ مع وجود السبيين، وهما: العلمية والتأنيث المعنوي لإرادة البلد، أو لسكون وسطه، كنوح، ولوط، وفيها العجمة والتعريف، ويؤيده أنه غير منون في مصحف ابن مسعود ﵁ وعبارة «الروح» هنا: والمصر: (١) البلد العظيم من مصر الشيء يمصره؛ أي: قطعه سمي به؛ لانقطاعه عن الفضاء بالعمارة، وقد تسمى القرية مصرا، كما تسمى المصر قرية، وهو ينصرف ولا ينصرف، فصرف ههنا؛ لأن المراد به غير معين. وقيل:
أريد به مصر فرعون، وإنما صرف؛ لسكون وسطه، كهند، ودعد، ونوح؛ أو لتأويله بالبلد دون المدينة، فلم يوجد فيه غير العلمية. انتهى. قال أبو حيان:
فتلخّص من قراءة التنوين أن يكون مصرا غير معين لا من الشام ولا من غيره، أو مصرا غير معين من أمصار الشام، أو معينا وهو بيت المقدس، أو مصر فرعون، فهذه أربعة أقوال. انتهى.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿اهْبِطُوا﴾ بكسر الباء، لأنه من باب ضرب. وقرىء بضم الباء على أنه من باب دخل وهما لغتان، والأفصح الكسر، والجمهور على صرف مصرا هنا. وقرأ الحسن، وطلحة، والأعمش، وأبان بن تغلب بغير تنوين، وبيّن كذلك في مصحف أبي بن كعب، ومصحف عبد الله، وبعض مصاحف عثمان ﴿فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ تعليل للأمر بالهبوط؛ أي: فإن لكم فيه ما سألتموه من بقول الأرض ونباتها، ثم قال تعالى منبها على ضلالهم، وفسادهم، وبغيهم، وعدوانهم: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: جعلت على فروع بني إسرائيل الذين كانوا في عصر النبي ﷺ ﴿الذِّلَّةُ﴾؛ أي: الذل والهوان بضرب الجزية عليهم، وإلزامهم
стр. 622
إياها إلزاما لا يبرح ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾؛ أي: الفقر والفاقة، وسمي الفقير مسكينا؛ لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة؛ أي: جعلتا محيطتين بهم إحاطة القبة بمن ضربت عليه، أو ألصقتا بهم وجعلتا ضربة لازب لا تنفكان عنهم مجازاة لهم على كفرانهم، كما يضرب الطين على الحائط، فهو استعارة بالكناية، فترى اليهود وإن كانوا مياسير، كأنهم فقراء إما على الحقيقة، أو على التكلف مخافة أن تضاعف عليهم الجزية. والمضروب عليهم الذلة والمسكنة اليهود المعاصرون لرسول الله ﷺ قاله الجمهور، أو الذين كفروا بآيات الله وقتلوا الأنبياء بغير حق، أو القائلون ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ ومن تابعهم من أبنائهم أقوال ثلاثة. ذكره في «البحر».
﴿وَباؤُ﴾؛ أي: رجعوا ﴿بِغَضَبٍ﴾ وسخط عظيم كائن ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ؛ أي: استحقّوا الغضب واللعنة من الله تعالى بسبب طغيانهم، وكفرهم نعمة الله تعالى. وفي وصف الغضب بكونه من الله تعظيم للغضب، وتفخيم لشأنه ﴿ذلِكَ﴾ المذكور من ضرب الذلة والمسكنة عليهم، ورجوعهم بغضب من الله، وهو مبتدأ خبره الجار والمجرور في قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾؛ أي: بسبب أن اليهود كانوا يجحدون على الاستمرار بآيات الله الباهرة؛ التي هي المعجزات الساطعة الظاهرة على يدي موسى ﵇؛ التي من جملتها ما عدّ عليهم من فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، وانفجار العيون من الحجر، وما لم يعدّ، كاليد، والعصا، والضفادع، والقمّل، والجراد، أو بسبب أنهم يجحدون بمحمد ﷺ ، وينكرون صفته في التوراة، والإنجيل، وبالقرآن، وآية الرجم التي في التوراة والإنجيل ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ عندهم؛ أي: وبسبب قتلهم الأنبياء ظلما حتى عندهم، كشعياء، وزكريا، ويحيى، وغيرهم من الأنبياء ﵈. وفائدة (١) التقييد مع أن قتل الأنبياء يستحيل: أن يكون بحق الإيذان بأن ذلك عندهم أيضا بغير الحق، إذ لم يكن أحد معتقدا بحقية قتل أحدهم ﵈، فإن قيل: كيف جاز أن يخلى بين الكافرين وقتل الأنبياء؟ قيل: ذلك كرامة لهم وزيادة في منازلهم، كمثل من يقتل في سبيل الله من
стр. 623
المؤمنين، وليس ذلك بخذلان لهم. قال ابن عباس، والحسن ﵃: لم يقتل قطّ من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكل من أمر بقتال نصر، فظهر أن لا تعارض بين قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾: وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ مع أنه يجوز أن يراد به النصرة بالحجّة وبيان الحق، وكلهم بهذا المعنى منصور. روي أنهم قتلوا في يوم واحد سبعين نبيا.
فإن قلت: لم عرّف الحق هنا ونكره في آل عمران والنساء؟
قلت: لأن ما هنا لكونه وقع أولا إشارة إلى ﴿الْحَقِّ﴾ الذي أذن الله أن تقتل النفس به، وهو قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ فكان التعريف به أولى، وهناك أريد به ﴿بغير حق﴾ في معتقدهم ودينهم، فكان بالتنكير أولى انتهى. من فتح الرحمن.
﴿ذلِكَ﴾ المذكور من كفرهم بآيات الله العظام، وقتلهم أنبياء الله الكرام عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام ﴿بِما عَصَوْا﴾؛ أي: بسبب عصيانهم بترك المأمورات ﴿وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾؛ أي: وبسبب اعتدائهم ومجاوزتهم الحد بارتكاب المنهيات؛ أي: ذلك بسبب مجاوزتهم أمري وارتكابهم محارمي؛ أي: جرّ بهم العصيان والتمادي في العدوان إلى المشار إليه، فإن صغار الذنوب إذا دووم عليه أدت إلى كبارها، كما أن مداومة صغار الطاعات مؤدية إلى تحري كبارها، وسقم القلب بالغفلة عن الله تعالى منعهم عن إدراك لذاذة الإيمان وحلاوته؛ لأن المحموم ربما وجد طعم السّكر مرّا، فالغفلة سمّ للقلوب مهلك، فنفرة قلوب المؤمنين عن مخالفة الله نفرتك عن الطعام المسموم و (ما) في قوله:
﴿بِما عَصَوْا﴾ مصدرية، كما أشرنا إليه في الحل؛ أي: ذلك بعصيانهم، ولم (١) يعطف الاعتداء على العصيان؛ لئلا يفوت تناسب مقاطع الآي؛ وليدل على أن الاعتداء صار كالشيء الصادر منهم دائما، والمعنى ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ
стр. 624
بِآياتِ اللَّهِ﴾؛ أي: إن (١) ما حل بهم من ضروب الذلة والمسكنة، واستحقاق الغضب الإلهي، كان بسبب ما استمرأته نفوسهم من الكفر بآيات الله التي آتاها موسى، وهي معجزاته الباهرة التي شاهدوها، فإن إعناتهم له وإحراجهم إياه دليل على أنه لا أثر للآيات في نفوسهم، فهم لها جاحدون منكرون، ويقتلون النبيين بغير الحق، فهم قتلوا شعياء، وزكرياء، ويحيى، وغيرهم بغير الحق؛ أي: بغير شبهة عندهم تسوّغ هذا القتل، فإن من يأتي الباطل قد يعتقد أنه حق؛ لشبهة تعنّ له، وكتابهم يحرّم عليهم قتل غير الأنبياء فضلا عن الأنبياء إلا بحق يوجب ذلك.
وفي قوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ مع أن قتل غير النبيين لا يكون إلا كذلك، مزيد تشنيع بهم، وتصريح بأنهم ما كانوا مخطئين في الفهم، ولا متأوّلين للحكم، بل هم ارتكبوه عامدين مخالفين لما شرع الله لهم في دينهم.
﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾؛ أي: إن كفرهم بآيات الله، وجرأتهم على النبيين بالقتل إنما كانا بسبب عصيانهم، وتعدّيهم حدود دينهم، فإن للدين هيبة في النفس تجعل المتديّن به يحذر مخالفة أمره، حتى إذا تعدّى حدوده مرة ضعف ذلك السلطان الدينيّ في نفسه، وكلما عاد إلى المخالفة كان ضعفه أشد إلى أن تصير المخالفة طبعا وعادة، وكأنه ينسى حدود الدين ورسومه، ولا يصبح للدين ذلك الأثر العميق الذي كان متغلغلا في قرارة نفسه،
٦٢ - ثم دعا الله أهل الملل من المؤمنين بألسنتهم، واليهود، والنصارى، والصابئين إلى الإيمان الصادق وإخلاص العمل لله، وساقه بصيغة الخبر، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذه الآية معترضة بين قصص بني إسرائيل؛ أي إنّ (٢) الذين آمنوا بألسنتهم من غير مواطأة القلوب، وهم المنافقون بقرينة انتظامهم في سلك الكفرة، والتعبير عنهم بذلك دون عنوان النفاق؛ للتصريح بأنّ تلك المرتبة وإن عبر عنها بالإيمان لا تجديهم نفعا أصلا، ولا تنقذهم من ورطة الكفر قطعا،
стр. 625
والأولى (١) أن يقال: إن المراد إن الذين صدقوا محمدا ﷺ ، وصاروا من جملة أتباعه، وكأنه سبحانه أراد أن يبين أن (٢) حال هذه الملة الإسلامية، وحال من قبلها من سائر الملل، يرجع إلى شيء واحد، وهو: أنّ من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، استحقّ ما ذكره الله من الأجر، ومن فاته ذلك فاته الخير كلّه، والأجر دقّه وجلّه، والمراد بالإيمان ها هنا هو ما بينه رسول الله ﷺ من قوله لمّا سأله جبريل ﵇ عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر والقدر خيره وشره» ولا يتصف بهذا الإيمان إلا من دخل في الملة الإسلامية، فمن لم يؤمن بمحمد ﷺ ولا بالقرآن فليس بمؤمن، ومن آمن بهما صار مسلما مؤمنا، ولم يبق يهوديا، ولا نصرانيا، ولا مجوسيا.
اه. من الشوكاني.
وقيل المعنى (٣): إن الذين آمنوا بالأنبياء الماضين قبل مبعث محمد ﷺ ، كبحيرا الراهب، وورقة بن نوفل، وقسّ بن ساعدة، وسلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، ووفد النجاشي، وغيرهم ﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾؛ أي: تهودوا وصاروا يهود من هاد إذا دخل في اليهودية، ويهود إما عربي من هاد إذا تاب، سموا بذلك حين تابوا من عبادة العجل، وخصّوا به، لما كانت توبتهم توبة هائلة، وإما معرب من يهوذا بالذال المعجمة اسم أكبر أولاد يعقوب ﵇، فقلبتها العرب دالا مهملة. وقيل: إنما سمي اليهود يهودا؛ لأنهم إذا جاءهم رسول، أو نبيّ هادوا إلى ملكهم فدلّوه عليه فيقتلونه ﴿وَالنَّصارى﴾ جمع (٤) نصران، كندامى جمع ندمان، سمّوا بذلك؛ لأنهم نصروا المسيح ﵇؛ أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها: ناصرة، فسموا باسمها، أو لاعتزائهم إلى نصرة، وهي قرية كان ينزلها عيسى ﵇، والمعنى؛ أي: والذين كانوا على الدين المحرّف الباطل الذي كان لليهود والنصارى ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾؛ أي: الخارجين من دين إلى دين، وهم قوم من اليهود، أو النصارى صبئوا من دينهم. وقرأ نافع
стр. 626
﴿الصابون﴾ بغير همز جمع صابىء من صبأ إذا خرج من الدين، وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية، والنصرانية، وعبدوا الكواكب، والملائكة، فكانوا كعبدة الأصنام، وإن كانوا يقرؤون الزبور، لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم.
فإن قلت: لم قدم النصارى على الصابئين هنا. وعكس في المائدة والحج؟.
قلت: لأن النصارى مقدمون على الصابئين في الرتبة؛ لأنهم أهل كتاب، فقدموا في البقرة لكونها أولا، والصابئون مقدمون على النصارى في الزمن، فقدموا في الحج، وروعي في (المائدة) المعنيان فقدموا في اللفظ وأخروا في المعنى إذ التقدير: والصابئون كذلك، كما في قول الشاعر:
فمن يك أمس في المدينة رحله ... فإنّي وقيّار بها لغريب
إذ التقدير: فإني لغريب بها وقيّار كذلك. اه. «فتح الرحمن». وروي أنه جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: لم يسمّى الصابئون صابئين؟ فقال النبي ﷺ : «لأنهم إذا جاءهم رسول أو نبي أخذوه، وعمدوا إلى قدر عظيم فأغلوه، حتى إذا كان محمى صبّوه على رأسه حتى ينفسخ». كذا في «روضة العلماء». واختلف القرّاء فيه، فهمزوه جميعا إلا نافعا، فمن همزه جعله من صبأت النجوم إذا طلعت، ومن لم يهمزه جعله من صبا يصبو إذا مال ﴿مَنْ﴾ مبتدأ خبره فلهم أجرهم، والجملة خبر إن؛ أي: من ﴿آمَنَ﴾ من هؤلاء الكفرة ﴿بِاللَّهِ﴾ وبما أنزل على جميع النبيين، ويجوز أن تكون من في موضع نصب بدلا من الذين أمنوا وما بعده؛ أي: من صدّق منهم بوحدانية الله ﴿وَ﴾ بمجيء ﴿الْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ مع ما فيه من البعث، والحساب، والميزان، والمجازاة، وغيرها؛ أي: من أحدث منهم إيمانا خالصا بالمبدإ والمعاد على الوجه اللائق، ودخل في ملة الإسلام دخولا حقيقيّا ﴿وَعَمِلَ﴾ عملا ﴿صالِحًا﴾ مرضيا مقبولا عند الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥)﴾ ودخلت الفاء في قوله: ﴿فَلَهُمْ﴾؛ لتضمن اسم إنّ معنى الشرط ﴿أَجْرُهُمْ﴾ الموعود لهم؛ أي: ثواب أعمالهم مدّخرا لهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: مالك أمرهم
стр. 627
ومبلغهم إلى كمالهم اللائق بأن يدخلهم الجنة، وعند متعلّق بما تعلّق به لهم من معنى الثبوت. أخبر سبحانه أن هؤلاء إذا آمنوا وعملوا الصالحات لم يؤاخذوا بقديم أعمالهم، ولا بفعل آبائهم، ولا ينقصون من أجور أعمالهم، وقوله: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في الآخرة حين يخاف الكفار العقاب، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ وقرأ الجمهور ﴿ولا خوف﴾ بالرفع والتنوين. وقرأ الحسن ﴿ولا خوف﴾ من غير تنوين ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ حين يحزن المقصّرون على تضييع العمر وتفويت الثواب، ولا يحزنون على ما خلفوا وراءهم من الدنيا وعيشها عند معاينتهم النعيم المقيم، والمراد بيان دوام انتفاء الخوف والحزن عنهم. وخلاصة الكلام: من أخلص إيمانه وأصلح عمله دخل الجنة.
٦٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ تذكير (١) لجناية أخرى لأسلاف بني إسرائيل؛ أي: واذكروا يا بني إسرائيل! وقت أخذنا لعهد آبائكم على العمل بما في التوراة، وذلك قبل التيه حين خرجوا مع موسى من مصر ونجوا من الغرق؛ أي: واذكروا قصة حين أخذنا وطلبنا من آبائكم العهد المؤكد باليمين على قبول التوراة، والعمل بما فيه، واتباع موسى، وأبيتم من إقراره وقبوله ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ كأنه ظلّة حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق. والطور: جبل معروف بفلسطين، والطور معناه: الجبل بالسريانية، وذلك أنّ موسى ﵇ جاءهم بالألواح، فرأوا ما فيها من الآصار والتكاليف الشاقّة، فكبرت عليهم، وأبوا قبولها، فأمر جبريل فقلع الطور من أصله، ورفعه، وظلّله فوقهم، وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا ألقى عليكم، فلما رأوا أن لا مهرب لهم منها قبلوا، وسجدوا، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود؛ لئلا ينزل عليهم، فصارت عادة في اليهود لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم، ويقولون بهذا السجود رفع عنا العذاب، ثم رفع الجبل ليقبلوا التوراة لم يكن جبرا على الإسلام؛ لأن الجبر ما يسلب الاختيار وهو جائز، كالمحاربة مع الكفار ليدخلوا في الإسلام، وأما قوله تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ وأمثاله فمنسوخ بالقتال. قال ابن عطية: والذي لا يصحّ
стр. 628
سواه، أنّ الله تعالى جبرهم وقت سجودهم على الإيمان؛ لأنهم آمنوا كرها وقلوبهم غير مطمئنة بذلك، والمعنى؛ أي؛ اقتلعنا جبل الطور، ونتقناه من أصله، ورفعناه فوق رؤوسكم مقدار قامة حتى يكون كالظلّة، وقلنا لكم ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾؛ أي: ما أعطيناكم من الكتاب واعملوا بما فيه، فهو على تقدير القول كما قدرنا ﴿بِقُوَّةٍ﴾؛ أي بجدّ، واجتهاد، وعزيمة، ومواظبة من غير تقصير ولا توان، والمعنى: خذوا الذي آتيناكموه حال كونكم عازمين على الجدّ بالعمل به. اه. «كرخي».
﴿وَاذْكُرُوا ما فِيهِ﴾؛ أي: وادرسوا ما في الكتاب من الثواب والعقاب، واحفظوا ما فيه من الحلال والحرام، ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ أي: لكي (١) تنجوا من الهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى، وإلّا رضخت رؤوسكم بهذا الجبل، أو رجاء (٢) منكم أن تكونوا متقين، فلمّا رأوا ذلك نازلا بهم قبلوا، وسجدوا، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فصار ذلك سنة في سجود اليهود، كما مر آنفا
٦٤ - ﴿ثُمَّ﴾ بعد ما رفعنا فوقكم وقبلتم الميثاق ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أي: أعرضتم عن الوفاء بالميثاق، وتركتم العمل بكل ما أمرتم به ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي من بعد أخذ الميثاق منكم على العمل بما في الكتاب، وهذا تأكيد لما يفهم من ثمّ ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ﴾؛ أي: تفضله عليكم بتأخير العذاب عنكم ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ لكم بقبول التوبة منكم ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾؛ أي: لصرتم من الهالكين في الدنيا والآخرة، أو من المغبونين بذهابكم، وانعدامكم في الدنيا والعذاب في العقبى، ولكن تفضّل عليكم حيث رفع الطور فوقكم حتى تبتم فزال الجبل عنكم، ولولا ذلك لسقط عليكم، والخسران في الأصل: ذهاب رأس المال وهو ههنا هلاك النفس؛ لأنها الأصل.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَاذْكُرُوا﴾ أمرا من ذكر الثلاثي. وقرأ أبيّ ﴿واذّكّرو ما فيه﴾ أمرا من اذّكّر، وأصله: واذتكروا، ثم أبدل من التاء دال، ثم أدغم الذال في
стр. 629
الدال، إذ أكثر الإدغام يستحيل فيه الأول إلى الثاني، ويجوز في هذا أن يستحيل الثاني إلى الأول ويدغم فيه الأول، ويقال: إذكر، ويجوز الإظهار، فتقول: إذ ذكر. وقرأ ابن مسعود ﴿تذكروا﴾ على أنه مضارع انجزم على جواب الأمر الذي هو خذوا، وذكر الزمخشري أنه قرىء ﴿وتذكّروا﴾ أمرا من التذكر، ودخول (١) ثمّ مشعر بالمهلة، ومن تشعر بابتداء الغاية، لكن بين الجملتين كلام محذوف، تقديره - والله أعلم - فأخذتم ما آتيناكم، وذكرتم ما فيه، وعملتم بمقتضاه، ثم تولّيتم من بعد ذلك، وقد علم أنهم بعد ما قبلوا التوراة تولوا عنها بأمور، فحرّفوها، وتركوا العمل بها، وقتلوا الأنبياء، وكفروا بالله، وعصوا أمره، ومن ذلك ما اختصّ به بعضهم، وما عمله أوائلهم، وما عمله أواخرهم، ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب يخالفون موسى، ويظاهرون بالمعاصي في عسكرهم حتى خسف ببعضهم، وأحرقت النار بعضهم، وعوقبوا بالطاعون، وكلّ هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرؤون بها، ثمّ فعل ساحروهم ما لا خفاء فيه حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس، وكفروا بالمسيح، وهمّوا بقتله. والإشارة (٢) في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ إلى قبول ما أوتوه، أو إلى أخذ الميثاق والوفاء به ورفع الجبل، أو خروج موسى من بينهم، أو الإيمان. أقوال، ذكره في «البحر».
والمعنى: أي ثمّ توليتم، وأعرضتم، وانصرفتم عن الطاعة بعد أن أخذ عليكم الميثاق، وأراكم من الآيات ما فيه عبرة لمن ادّكر، فلولا لطف الله بكم، وإمهاله إياكم، إذ لم يعاملكم بما تستحقون لكنتم من الهالكين بالانهماك في المعاصي. والخلاصة: إنكم بتوليكم استحققتم العقاب، ولكن فضل الله عليكم ورحمته أبعده عنكم، ولولا ذلك لخسرتم سعادتي الدنيا والآخرة، وقد منّ الله تعالى على أمة محمد ﷺ حيث فرض عليهم الفرائض واحدة بعد واحدة، ولم يفرض عليهم جملة، فإذا استقرّت الواحدة في قلوبهم فرض عليهم الأخرى، وأما بنو إسرائيل فقد فرض عليهم بدفعة واحدة، فشق عليهم ذلك، ولذا لم يقبلوا حتى رأوا العذاب، ثمّ إن (٣) الله تعالى أمر بحفظ الأوامر والعمل، وبعدم النسيان
стр. 630
والتضييع، وقال: ﴿وَاذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ وهو المقصود من الكتب الإلهية؛ لأنّ العمدة العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان، وترتيلها بالأنغام، فإنّ ذلك نبذ لها. قال الغزالي: وما مثل ذلك إلا مثل ملك أرسل كتابا إلى أحد أمرائه، وأمره أن يبني له قصرا في ناحية من مملكته، فلم يكن حظّ الكتاب منه إلا أن يقرأه كل يوم دون أن يبني القصر، أفلا يستحق هذا الأمير بعدئذ العقاب من الملك الذي أرسل به إليه؟
٦٥ - وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ خطاب لمعاصري النبي ﷺ من اليهود؛ أي: وبالله قد عرفتم يا بني إسرائيل! ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا﴾؛ أي: تجاوزوا الحد ظلما ﴿مِنْكُمْ﴾؛ أي: من أسلافكم، محلّه نصب على أنه حال ﴿فِي﴾ يوم ﴿السَّبْتِ﴾؛ أي: جاوزوا ما حدّ لهم فيه من التجرّد للعبادة وتعظيمه، واشتغلوا بالصيد، وأصل السبت القطع؛ لأنّ اليهود أمروا بأن يسبتوا فيه؛ أي: يقطعوا الأعمال، ويشتغلوا بعبادة الله، ويسمّى النوم سباتا؛ لأنه يقطع الحركات الاختيارية، وفيه تحذير وتهديد؛ فكأنّه يقول: إنكم تعلمون ما أصابهم من العقوبة، فاحذروا كيلا يصيبكم مثل ما أصابهم ﴿فَقُلْنا لَهُمْ﴾ قهرا ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ جمع قرد، كالديكة جمع ديك، وهذا أمر تحويل وتكوين، فهو عبارة عن تعلق القدرة بنقلهم من حقيقة البشرية إلى حقيقة القردة؛ لأنهم لم يكن لهم قدرة على التحول من صورة إلى صورة، وهو إشارة إلى قوله: ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾؛ أي: لمّا أردنا ذلك صاروا كما أردنا من غير امتناع ولا لبث ﴿خاسِئِينَ﴾؛ أي: ذليلين، هو وقردة خبران لكان؛ أي: كونوا جامعين بين القرديّة والخسىء، وهو الصغار والطرد.
فإن قلت: كيف أمروا بذلك مع أنه ليس في وسعهم؟.
قلت: هذا أمر إيجاد لا أمر إيجاب، كقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ والمعنى؛ أي (١): وعزتي وجلالي، لقد عرفتم عقوبة الذين تجاوزوا الحد في الاصطياد باصطيادهم في يوم السبت الذي نهوا عن الاصطياد فيه، وأمروا بالتفرّغ فيه للعبادة، فقلنا لهم: كونوا وصيروا بقدرتنا قردة؛ أي: حيوانا معروفا خاسئين؛
стр. 631
أي: ذليلين مطرودين عن الرحمة والشرف.
وأصل هذه القصة (١): أنهم كانوا في زمن داود ﵇ بأرض يقال لها: أيلة بين المدينة والشام على ساحل بحر القلزم، فحرّم الله عليهم صيد السمك يوم السبت، فكان إذا دخل السبت لم يبق حوت في البحر إلا اجتمع هناك، إمّا ابتلاء لأولئك القوم، وإما لزيارة السمكة التي كان في بطنها يونس بن متى، في كل سبت يجتمعن لزيارتها، ويخرجن خراطيمهن من الماء حتى لا يرى الماء من كثرتها، وإذا مضى السبت تفرقن ولزمن مقل البحر فلا يرى شيء منها، ثمّ إن الشيطان وسوس إليهم، وقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت، فعمد رجال من أهل تلك القرية فحفروا الحياض حول البحر، وشرعوا منه إليها الأنهار، فإذا كانت عشيّة الجمعة فتحوا تلك الأنهار، فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض، فلا يقدرون على الخروج؛ لبعد عمقها؛ وقلة مائها، فإذا كان يوم الأحد يصطادونها، فأخذوا، وأكلوا، وملّحوا، وباعوا، فكثرت أموالهم، ففعلوا ذلك زمانا أربعين سنة، أو سبعين لم تنزل عليهم عقوبة، وكانوا يتخوّفون العقوبة، فلمّا لم يعاقبوا استبشروا وتجرّءوا على الذنب، وقالوا: ما نرى السبت إلا قد أحل لنا، ثم أستنّ الأبناء سنة الآباء، فلو أنهم فعلوا ذلك مرة أو مرتين لم يضرهم، فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية - وكانوا نحوا من سبعين ألفا - ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى، وصنف أمسك ولم ينه، وصنف انتهك الحرمة، وكان الناهون اثني عشر ألفا فنهوهم عن ذلك، وقالوا: يا قوم! إنكم عصيتم ربكم وخالفتم سنة نبيكم، فانتهوا عن هذا العمل قبل أن ينزل بكم البلاء، فلم يتعظوا وأبوا قبول نصحهم، فعاقبهم الله بالمسخ، وذلك قوله تعالى: ﴿فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ثمّ إنّ المجرمين لما أبوا قبول النصح قال الناهون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة، فقسموا القرية بجدار وصيّروها بذلك ثنتين، فلعنهم داود، وغضب الله عليهم؛ لإصرارهم على المعصية، فمسخوا ليلا، فلما أصبح الناهون أتوا أبوابها فإذا هي مغلقة لا يسمع منها صوت ولا يعلو منها دخان،
стр. 632
فتسوّروا الحيطان ودخلوا، فرأوهم قد صار الشّبّان قردة، والشيوخ خنازير لها أذناب يتعاوون، فعرفت القردة أنسابهم من الإنس، ولم يعرف الإنس أنسابهم من القردة، فجعلت القردة تأتي نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم عن ذلك، فكانوا يشيرون برؤوسهم؛ أي: نعم والدموع تفيض من أعينهم، ودلّ ذلك على أنهم لمّا مسخوا بقي فيهم الفهم والعقل، ثمّ لم يكن ابتداء القردة من هؤلاء، بل كانت قبلهم قردة، وهؤلاء حولوا إلى صورتها؛ لقبحها جزاء على قبح أعمالهم وأفعالهم، وماتوا بعد ثلاثة أيام، ولم يتوالدوا، والقردة التي في الدنيا: هي نسل قردة كانت قبلهم
٦٦ - ﴿فَجَعَلْناها﴾ (١)؛ أي: صيّرنا مسخة تلك الأمة وعقوبتها ﴿نَكالًا﴾؛ أي: عبرة تنكل من اعتبر بها؛ أي: تمنعه من أن يقدم على مثل صنيعهم ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها﴾؛ أي: لما قبلها وما بعدها من الأمم والقرون؛ لأنّ مسختهم ذكرت في كتب الأولين واعتبروا بها، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين، فاستعير ما بين يديها للزمان الماضي، وما خلفها للمستقبل ﴿وَمَوْعِظَةً﴾؛ أي: تذكرة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم، أو لكل متّق سمعها، فاللام للاستغراق العرفيّ على كلا التقديرين، وخصّ المتقين بالذكر؛ لأنهم الذين ينتفعون بالعظة والتذكير.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ والمعنى: ﴿فَجَعَلْناها﴾؛ أي (٢): جعلنا تلك العقوبة، والمسخة التي مسخناهم بها ﴿نَكالًا﴾؛ أي: عقوبة رادعة زاجرة ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾؛ أي: للأمم التي في زمانها، التي ترى تلك الفرقة الممسوخة عن الإتيان بمثل فعلهم ﴿وَما خَلْفَها﴾؛ أي: وزاجرة للأمم التي تأتي بعدها إلى يوم القيامة أن يعملوا بمثل ما عملوا، فيمسخوا مثل ما مسخوا ﴿وَمَوْعِظَةً﴾؛ أي: عبرة وتذكرة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ المؤمنين من هذه الأمة؛ لئلّا يفعلوا مثل فعلهم؛ فإن كلّ من سمع تلك الواقعة يخاف أن ينزل به مثل ما نزل بهم إن فعل مثل فعلهم، وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة التسوية بين مؤمن اليهود،
стр. 633
والنصارى، والصابئين، ومؤمن غيرهم في كينونة الأجر لهم، وأن ذلك عند من يرى أن إيمانهم في الدنيا أنتج لهم الأمن في الآخرة، فلا خوف مما يستقبل، ولا حزن على ما فات، إذ من استقر له أجره عند ربه فقد بلغ الغاية القصوى من الكرامة. انتهى. من «البحر».
واعلم: أن عقوبة الأمم الماضية بالخسف والمسخ على الأجساد، وعقوبة هذه الأمة على القلوب، وعقوبات القلوب أشدّ من عقوبات النفوس. قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ ...﴾ الآية. ثم علامة (١) مسخ القلوب ثلاثة أشياء: لا يجد حلاوة الطاعة، ولا يخاف من المعصية، ولا يعتبر بموت أحد، بل يصير أرغب في الدنيا كل يوم. كذا في «زهرة الرياض». وروي عن عوف بن عبد الله أنه قال: كان أهل الخير يكتب بعضهم بثلاث كلمات: من عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته. وقال محمد بن علي الترمذي: صلاح أربعة أصناف في أربعة مواطن: صلاح الصبيان في الكتّاب، وصلاح القطّاع في السجن، وصلاح النساء في البيوت، وصلاح الكهول في المساجد. انتهى.
الإعراب
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب معطوف على نعمتي، تقديره: واذكروا يا بني إسرائيل! إذ قلتم ﴿قُلْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿يا مُوسى﴾ منادى مفرد العلم في محل النصب على المفعولية مبني بضمة مقدرة منع من ظهورها التعذر، وجملة النداء في محل النصب مقول لقلتم ﴿لَنْ﴾ حرف نصب ونفي واستقبال ﴿نَصْبِرَ﴾
стр. 634
فعل مضارع منصوب بلن، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: نحن، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لقلتم، وإن شئت قلت: ﴿يا مُوسى﴾ إلى قوله ﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ مقول محكي لقلتم؛ لأن مرادنا لفظه لا معناه عَلى طَعامٍ جار ومجرور متعلق بنصبر ﴿واحِدٍ﴾ صفة لطعام ﴿فَادْعُ﴾ الفاء حرف عطف وتفريع ﴿ادع﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا، تقديره: أنت يعود على موسى، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿لَنْ نَصْبِرَ﴾ على كونها مقولا لقلتم ﴿لَنا﴾ جار ومجرور متعلق بادع ﴿رَبَّكَ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿يُخْرِجْ﴾ فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا، تقديره: هو يعود على ربك، والجملة جواب الطلب لا محل لها من الإعراب ﴿لَنا﴾ متعلق بيخرج ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بيخرج أيضا على أنه مفعول به ليخرج، أو مفعول يخرج محذوف؛ تقديره: يخرج لنا شيئا ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور صفة لذلك المحذوف؛ أي: شيئا كائنا مما تنبت الأرض ﴿وتُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: شيئا مما تنبته الأرض ﴿مِنْ بَقْلِها﴾ جار ومجرور ومضاف إليه بدل من الجار والمجرور في قوله: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ بدل تفصيل من مجمل، أو حال من مفعول تنبت المحذوف، تقديره: حال كونه كائنا من ﴿بَقْلِها﴾ و ﴿وَقِثَّائِها﴾ معطوف على ﴿بَقْلِها﴾، وكذا قوله: ﴿وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها﴾ معطوف على بقلها جريا على القاعدة المشهورة عندهم: أن العطف إذا كان بغير مرتب يكون على الأول ولو كثرت المعطوفات، وإن كان بمرتب، كالفاء، وثم، يكون الكل معطوفا على ما قبله.
﴿قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾.
﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على موسى، أو على الرب سبحانه، والجملة مستأنفة ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ﴾ إلى قوله ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ مقول محكي لقال، لأن مرادنا لفظه لا معناه، وإن شئت قلت: الهمزة للاستفهام الإنكاري المضمن
стр. 635
للتوبيخ، والمعنى: لا ينبغي لكم ذلك الاستبدال ولا يليق بكم ﴿تَسْتَبْدِلُونَ﴾ فعل وفاعل مرفوع بثبات النون، والجملة في محل النصب مقول قال ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به ﴿هُوَ أَدْنى﴾ مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول ﴿بِالَّذِي﴾ متعلق بتستبدلون ﴿هُوَ خَيْرٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول ﴿اهْبِطُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة في محل النصب مقول قول محذوف، تقديره: قلنا لهم ﴿مِصْرًا﴾ مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة على قراءة التنوين وهو خط المصحف؛ لأنه نكرة؛ لأن المعنى انزلوا بلدا من البلدان؛ لأنهم كانوا وقتئذ في صحراء التيه. وقيل: معرفة؛ لأن المعنى اهبطوا مصر فرعون، وإنما صرف حينئذ، لخفته بسكون وسطه، كهند، ودعد، ونوح، ولوط، ونحوها. وقرأه الحسن وغيره بلا تنوين، كأنهم عنوا مكانا بعينه، كما سبق ﴿فَإِنَّ﴾ الفاء تعليلية ﴿إن﴾ حرف نصب وتوكيد ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لإن ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب اسم إن مؤخر ﴿سَأَلْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: فإن ما سألتموه من البقول كائن وحاصل لكم في مصر لا في التيه، وجملة إن مستأنفة؛ مسوقة لتعليل الأمر بالهبوط في مصر ﴿وَضُرِبَتْ﴾ الواو استئنافية، أو اعتراضية؛ لأن قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ معترض في خلاف القصص المتعلقة بحكاية أحوال بني إسرائيل الذين كانوا في عهد موسى ﵇، يدل على هذا قوله: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ فإن قتل الأنبياء إنما كان من فروعهم وذريتهم. ذكره في «الجمل». ضرب: فعل ونائب فاعل مغير الصيغة، والتاء علامة تأنيث نائب الفاعل ﴿عَلَيْهِمُ﴾ متعلق بضربت ﴿الذِّلَّةُ﴾ نائب فاعل ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية مستأنفة، أو معترضة.
﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾.
﴿وَباؤُ﴾ فعل وفاعل معطوف على ضربت ﴿بِغَضَبٍ﴾ متعلق بباؤا ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفة لغضب ﴿ذلِكَ﴾ اسم إشارة للمفرد البعيد في محل الرفع مبتدأ ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ الباء