← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م دار طوق النجاة بيروت - لبنان

стр. 5952

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن [١٤]

стр. 5953

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5954

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أنزل القرآن موعظة وشفاء لما في الصدور، وجعله منهلًا عذبًا للورود والصدور، جمع فيه علوم الأولين والآخرين، فلا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، والصلاة والسلام على من أوحي إليه ذلك القرآن، من لوح الوجوب والأمر والشأن، سيدنا محمد الذي أجرى من مسجله ما يحاكي السلسبيل والرحيق، وأفحم ببلاغته كل متكلم منطيق، وفسر الآيات في الأنفس والآفاق على مراد الله الملك الخلاق، وعلى آله وأصحابه المقتبسين من مشكاة أنواره، المغترفين من بحار أسراره، ومن تبعهم بإحسان ممن تخلق بالقرآن في كل زمان. أما بعد: فيقول العبد المعترف بذنبه وخطأه المنادي لربه في عفوه وعطاه، الراجي في إسبال سجاف الندى عليه، المناجي في إرسال رسول الهدى إليه، حفظه الله سبحانه وأخلاءه، وأعاذه وإياهم من الشيطان الرجيم، وجعل يومه خيرًا من أمسه إلى الإياس من حياة نفسه، سميُّ محمد الأمين الهرري: إني لما فرغت من تفسير الجزء الثاني عشر من القرآن الكريم .. عزمت - إن شاء الله على الشروع في تفسير الجزء الثالث عشر، وإن كان علم التفسير لا يقحم في معاركه كل ذمير وإن كان أسدًا، ولا يحمل لواءه كل أمير وإن مات حسدًا، وذلك أظهر من أن يورد عليه دليل كالنيرين لغير كليل. ومع خطر هذا الأمر، فالأمد قصير وفي العبد تقصير، وكم ترى من نحرير كامل في التحرير والتقرير قد أصابه سهم القضاء قبل بلوغ الأمل، وذلك بحلول ريب المنون والأجل، أو بتطاول يد الزمان، فإن الدنيا لا تصفو لشارب وإن كانت ماء

стр. 5955

الحيوان، وأي وجود لا ينسج عليه عناكب العاهات؟ وأي نعيم لا يكدره الدهر؟ هيهات. اللَّهم كما عودتني في الأول خيرًا كثيرًا، فيسر لي الأمر في الآخر تيسيرًا، واجعل رقيمي هذا سببًا لبياض الوجه كما تبيض وجوه أولئك، وامح مسودات صحائف أعمالي بحق كتابك الكريم، واجعل قراري في جنات النعيم، ولم أكن بدعائك رب شقيًّا بكرةً وعشيًّا ما دمت حيًّا، فلك الحمد في الأولى والأخرى على عنايتك الكبرى، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. والله أعلم * * *

стр. 5956

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنها من تتمة إقرار امرأة العزيز، كما اختاره أبو حيان في "البحر"، ويؤيده عطفه على ما قبله، وقد جُعِلَت أول الجزء الثالث عشر؛ لأن تقسيم القرآن إلى الأجزاء الثلاثين قد لوحظ فيه مقادير الكلم العددي دون المعاني.

стр. 5957

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه بعد (١) انتهاء التحقيق في أمر النسوة، وظهور براءة يوسف ﵇ من كل سوء .. طلب الملك إحضاره إليه من السجن بعد أن وفي له بما اشترط لمجيئه، فلما جاءه وسمع كلامه .. فهم من فحوى حديثه، ومن أمانته على مال العزيز وعرضه وحسن تصرفه، ومن سيرته الحسنة في السجن، ومن علمه وفهمه في تأويله للرؤيا، ومن حرصه على إظهار شرفه وكرامته في مسألة النسوة ما دل على أنه أهل لأن يرفع إلى أعلى المراتب، ويولى أسمى المناصب، وذلك هو ما فعله الملك لحصافة رأيه وبصره بأقدار الرجال، ولم يصرفه عن ذلك كونه غريبًا أو فقيرًا أو مملوكًا كما تشير إلى ذلك الآيتان. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ...﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: أنه لما (٢) ذكر إجابة الملك له بأنه أصبح لديه مكينًا أمينًا، وطلب يوسف منه أن يجعله على خزائن الأرض يصرفها بحسب ما يرى من التدبير والنظام والدراية والإحكام .. ذكر هنا أنه أجابه إلى مطلبه، وجعله وزيرًا في دولته يتصرف في شؤونها لحسن تدبيره وثاقب رأيه، وذلك جارٍ على سنن الله في خلقه، فلن ينال الرياسات العليا والمناصب الرفيعة إلا من يؤتيه الله من المواهب ما يجعله قادرًا على ضبط الأعمال، وإقامة النظام، وحسن السياسة والكياسة في تصريف الأمور. قوله تعالى ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ ...﴾ الآيات، جاء (٣) في سفر التكوين من التوراة أن يوسف ﵇ حين وَلِي الوزارة .. طفق يعد العدة، ويأخذ الأهبة لتنفيذ التدابير التي يقي بها البلاد من خطر المجاعة التي جاءت في تأويل رؤياه للملك، وكان من ذلك أن بنى الأهراء العظيمة، وخزن فيها الحبوب التي استكثر منها مدة سنين الخصب السبع الأولى، فلما جاءت السبع الشداد، وعم القحط مصر وغيرها من الأقطار القريبة منها، ولا سيما

стр. 5958

أقربها إليها، وهي فلسطين من بلاد الشام، واشتهر لدى أهلها ما فعله يوسف في مصر من حسن التدبير حتى كثرت فيها الغلال، وأصبح يبيع ما زاد على حاجة أهلها للأقطار المجاورة لها .. أمر يعقوب ﵇ أولاده أن يرحلوا إلى مصر، ويأخذوا معهم ما يوجد في بلادهم من بضاعة ونقد فضة، ويشتروا به قمحًا؛ لأن المجاعة أوشكت أن تقضي عليهم، فنفذوا ما أراد، وكان بينهم وبين يوسف ﵇ ما قصه الله علينا في كتابه الكريم. التفسير وأوجه القراءة ٥٣ - وقوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ...﴾ الآية. إن كان من كلام زليخا كما هو الراجح والظاهر من السياق. .. فمعناه أي: وما أبرىء نفسي ولا أنزهها عن السوء، ولا أشهد لها بالبراءة الكلية بدعوى عدم خيانتي إياه بالغيب بعد أن وجهت إليه اقتراف الذنب، وقلت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وأودعته السجن، وعرف الناس خاصتهم وعامتهم ذلك، وكأنها بذلك تريد التنصل مما كان. ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾؛ أي: إن (١) جنس النفس البشرية لكثيرة الأمر بعمل السوء؛ لما فيها من دواعي الشهوات الجسمية، والأهواء النفسية بما ركب فيها من القوى والآلات لتحصيل اللذات، وما يوسوس الشيطان ويزينه لها من النزغات، ومن ذلك أن حرضت زوجي على سجن يوسف، وقد كان ذلك مما يسوؤه، فالعفيف النزيه لا يرضى أن يزن بالريبة كما يسوء زوجي؛ إذ لا يرضى أن يكون عرضة مضغة للأفواه، وحديث الناس في أنديتهم وأسمارهم ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾؛ أي: إلا نفسًا رحمها ربي وعصمها، فصرف عنها السوء والفحشاء بعصمته كنفس يوسف ﵇. ثم عللت ما سلف بقولها: ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ هو ﴿غَفُورٌ﴾؛ أي: عظيم المغفرة وكثيرها، فيغفر ما يعتري النفوس البشرية بمقتضى طباعها؛ إذ ركب فيها الشهوات الجسمية، والأهواء النفسية ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أي: مبالغ في الرحمة لها

стр. 5959

بعصمتها من الجريان بمقتضى ذلك. وعلى القول بأنه من كلام يوسف ﵇، فمعنى ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾؛ أي: (١) لا أنزهها عن السوء، ولا أشهد لها بالبراءة الكلية. قاله تواضعًا لله تعالى، وهضمًا لنفسه الكريمة، لا تزكية لها وعجبًا بحاله في الأمانة، ومن هذا القبيل قوله ﵇: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" أو تحدثًا بنعمة الله تعالى عليه في توفيقه وعصمته؛ أي: لا أنزهها عن السوء من حيث هي هي، ولا أسند هذه الفضيلة إليها بمقتضى طبعها من غير توفيق من الله تعالى. واللام في قوله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ﴾ للجنس؛ أي: إن جنس النفوس التي من جملتها نفسي في حدّ ذاتها ﴿لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ تأمر بالقبائح والمعاصي؛ أي: لأنها أشد استلذاذًا بالباطل والشهوات، وأميل إلى أنواع المنكرات، ولولا ذلك .. لما صارت نفوس أكثر الخلق مسخرة لشهواتهم في استنباط الحيل؛ لقضاء الشهوات وما صدرت منها الشرور أكثر. ومن ما هنا وجب القول بأن كل من كان أوفر عقلًا، وأجل قدرًا عند الله .. كان أبصر بعيوب نفسه، ومن كان أبصر بعيوبها .. كان أعظم اتهامًا لنفسه، وأقل إعجابًا. ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾؛ أي: إلا نفسًا رحمها ربي من النفوس التي يعصمها من الوقوع في المهالك، ومن جملتها نفسي ونفوس سائر الأنبياء ونفوس الملائكة. أما الملائكة فإنه لم تركَّب فيهم الشهوة. وأما الأنبياء فهم وإن ركبت هي فيهم، لكنهم محفوظون بتأييد الله تعالى معصومون. فـ ﴿مَا﴾ موصولة بمعنى من، وفيه إشارة إلى أن النفس من حيث هي كالبهائم. والاستثناء من ﴿النَّفْسَ﴾، أو من الضمير المستتر في ﴿أمارة﴾ كأنه قيل: إن النفس لأمارة هي بالسوء إلا نفسًا رحمها ربي، فإنها لا تأمر بالسوء، أو بمعنى الوقت؛ أي: هي أمارة بالسوء في كل وقت إلا وقت رحمة ربي وعصمته لها، ودل على عموم الأوقات صيغة المبالغة في أمارة. يقال في اللغة: أمرت النفس بشيء فهي آمرة، وإذا أكثرت

стр. 5960

الأمر فهي أمارة ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ﴾ للهمّ الذي هممت به ﴿رَحِيمٌ﴾ لمن تاب إليه. وقد قيل (١): إن هذا من قول العزيز، وهو بعيد جدًّا، ومعناه: وما أبريء نفسي من سوء الظن بيوسف، والمساعدة على حبسه بعد أن علمت ببراءته. ٥٤ - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ الريان بن الوليد بعد ما وفي ليوسف ما طلب من سؤال النسوة: ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾؛ أي: بيوسف؛ أي: أحضروه إليّ من السجن ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾؛ أي: أجعله خالصًا لنفسي دون غيري، وقد كان قبل ذلك خالصًا للعزيز. والاستخلاص: طلب خلوص الشيء من شوائب الشركة؛ أي: اجعله خالصًا لي وموضع ثقتي، فلا يشاركه أحد في إدارة ملكي، ولا تكون وساطة بينه وبيني، وقد جرت عادة الملوك أن يجعلوا الأشياء النفيسة خالصة لهم دون غيرهم. فجاءه الرسول، فقال: ألق عنك ثياب السجن، والبس ثيابًا جددًا، وقم إلى الملك، فقام وودع أهل السجن، فدعا له أهل السجن، ودعا لهم، وقال في دعائه: اللهم عطف عليهم قلوب الأخيار، ولا تعم عنهم الأخبار، ثم اغتسل ولبس ثيابًا حسانًا، ولما خرج من السجن كتب على بابه: هذا بيت البلوى، وقبر الأحياء، وشماتة الأعداء، وتجربة الأصدقاء. فأتى الملك ودخل عليه فسلم عليه بالعربية، فقال له الملك: ما هذا اللسان؟ قال لسان عمي إسماعيل، ثم دعا له يوسف بالعبرانية، فقال له: وما هذا اللسان أيضًا؟ قال يوسف: هذا لسان آبائي. وكان الملك يتكلم بسبعين لسانًا، ولم يعرف هذين اللسانين، وكان كلما تكلم بلسان أجابه يوسف به، وزاد عليه بالعربية والعبرانية، فأعجب الملك أمره مع صغر سنه؛ إذ كان عمره يومئذ ثلاثين سنة. فقال: أيعلم هذا رؤياي ولم يعلمها السحرة والكهنة وأقعده قدامه، وقال: لا تخف، وألبسه طوقًا من ذهب، وثيابًا من حرير، وأعطاه دابة مسرجة مزينة كدابة الملك، وضرب الطبل بمصر أن يوسف خليفة الملك. وقوله: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ مرتب على محذوف تقديره: فأتوه به، فلما كلمه؛

стр. 5961

أي: فلما كلم يوسف الملك، وشاهد منه الملك ما شاهد من الرشد والدهاء، وهو جودة الرأي ﴿قَالَ﴾ له الملك: ﴿إِنَّكَ﴾ أيها الصديق ﴿الْيَوْمَ لَدَيْنَا﴾؛ أي: عندنا وبحضرتنا ﴿مَكِينٌ﴾؛ أي: ذو مكانة سامية، ومنزلة رفيعة عالية ﴿أَمِينٌ﴾؛ أي: ذو أمانة تامة، فأنت غير منازع في تصرفك، ولا متهم في أمانتك، وأنت مؤتمن عندنا على كل شيء، واليوم (١) ليس بمعيار لمدة المكانة، بل هو آن التكلم. والمراد تحديد مبدئهما احترازًا عن احتمال كونهما بعد حين. وفي هذا إيماء (٢) إلى أن الحوار بين المتخاطبين يظهر معارف الإنسان وأخلاقه وآدابه وجميع شمائله، فيقدره من يعرف أقدار الرجال، ويزنهم بفضائلهم ومزاياهم. والظاهر أن الملك كلمه مشافهة بدون ترجمان؛ لأن يوسف كان قد عرف اللغة المصرية من العزيز وامرأته بمحادثته إياهما، ومن حاشية الوزير من حين قدم مصر، ومن محادثته صاحبيه في السجن. وقد تكون اللغة التي كان يتكلم بها يوسف لغة جده إبراهيم وأولاده وحفدته، وكانوا من العرب القحطانيين، ثم تفرعت من هذه العربية الإسماعيلية، فالمصرية والعبرانية والسريانية. وكان ملوك مصر وكبراء حكامها في ذلك العهد من أولئك العرب، وهم الذين يسمون بالرعاة، ويقول المؤرخون: إن ملك مصر في ذلك العهد كان يسمى الوليد بن الريان. فلما سمع يوسف من الملك قوله: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾. ٥٥ - ﴿قَالَ﴾: يوسف للملك ﴿اجْعَلْنِي﴾ أيها الملك واليًا ﴿عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ وأموالها التي تخزن وتدخر فيها؛ أي: ولني أمر الأرض التي أمرها إليك، وهي أرض مصر، أو اجعلني على حفظ خزائن الأرض. والخزائن: جمع خزانة، وهي اسم للمكان الذي تخزن فيه غلات الأرض ونحوها. طلب (٣) يوسف ﵇ منه ذلك ليتوصل به إلى نشر العدل ورفع الظلم، ويتوسل به إلى دعاء أهل مصر إلى

стр. 5962

الإيمان باللهِ وترك عبادة الأوثان. وفيه دليل على أنه يجوز لمن وثق من نفسه إذا دخل في أمر من أمور السلطان أن يرفع منار الحق، ويهدم ما أمكنه من الباطل طلب ذلك لنفسه، ويجوز له أن يصف نفسه بالأوصاف التي لها ترغيبًا فيما يرومه، وتنشيطًا لمن يخاطبه من الملوك بإلقاء مقاليد الأمور إليه، وجعلها منوطة به، ولكنه يعارض هذا الجواز ما ورد عن نبينا ﷺ من النهي عن طلب الولاية، والمنع من تولية من طلبها، أو حرص عليه. وحاصل المعنى: فلما كلم الملك يوسف قال الملك في كلامه ليوسف: ﴿إنك اليوم لدينا مكين أمين﴾، فماذا (١) ترى أيها الصديق؟ ﴿قَالَ﴾ يوسف: أرى أن تزرع في هذه السنين المخصبة زرعًا كثيرًا، وتبني الخزائن، وتجمع فيها الطعام، فإذا جاءت السنون المجدبة .. بعنا الغلات، فيحصل بهذا الطريق مال عظيم، فقال الملك، ومن لي بهذا الشغل؟ فقال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾؛ أي: ولني أمر خزائن أرض مصر ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ لما وليتني، ولجميع مصالح الناس ﴿عَلِيمٌ﴾ بوجوه التصرف في الأموال، وبجميع ألسن الغرباء الذين يأتونني. وقيل معنى ﴿حَفِيظٌ﴾: كاتب ﴿عَلِيمٌ﴾: حاسب. والخلاصة: (٢) وَلِّني خزائن أرضك كلها، واجعلني مشرفًا عليها لأنقذ البلاد من مجاعة مقبلة عليها تهلك الحرث والنسل. ثم ذكر سبب طلبه، فقال: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾؛ أي: شديد الحفظ لما يخزن فيها، فلا يضيع شيء منه، أو يوضع في غير موضعه ﴿عَلِيمٌ﴾ بوجوه تصريفه وحسن الانتفاع به. فإن قلت: كيف مدح يوسف ﵇ نفسه بقوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، والله تعالى يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾. قلت: إنما يكره تزكية النفس إذا قصد به الرجل التطاول والتفاخر والتوصل به إلى غير ما يحل، فهذا هو القدر المذموم في تزكية النفس. أما إذا قصد بتزكية النفس ومدحها إيصال الخير والنفع إلى الغير .. فلا يكره ذلك ولا يحرم، بل

стр. 5963

يجب عليه ذلك. مثاله أن يكون بعض الناس عنده علم نافع ولا يعرف به، فإنه يجب عليه أن يقول: "أنا عالم" لينتفع الناس بعلمه، ذكره في "الفتوحات". وقد طلب إدارة الأمور المالية؛ لأن سياسة الملك وتنمية العمران، وإقامة العدل فيه تتوقف عليها، وقد كان مضطرًا إلى تزكية نفسه في ذلك حتى يشق الملك به، ويركن إليه في تولية هذه المهام. وما أضاع كثيرًا من المماليك في هذه القرون الأخيرة إلا الجهل والتقصير في النظام المالي، وتدبير الثروة وحفظها في الدولة والأمة. ٥٦ - ﴿كذَلِكَ﴾ معمول للتمكين الآتي؛ أي: ومثل ذلك التمكين في أنعمنا عليه من تقريبنا إياه إلى الملك، وإنجائنا إياه من غم الحبس في ذكرنا أسبابه ومقدماته ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾؛ أي: جعلنا له مكانة ومرتبة، أو مكانًا ومنزلًا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في أرض مصر حالة كونه ﴿يَتَبَوَّأُ﴾ وينزل ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من أرض مصر ﴿حَيْثُ يَشَاءُ﴾ ويريد؛ أي: ينزل منها حيث أراد، ويتخذه مباءةً ومنزلًا. وهو عبارة عن كمال قدرته ونفوذ أمره ونهيه حتى صار الملك يصدر عن رأيه، وصار الناس يعملون على أمره ونهيه، وكأنه يتصرف في الأرض التي أمرها إلى سلطان مصر كما يتصرف الرجل في منزله. وقد استدل (١) بهذه الآية على أنه يجوز تولي الأعمال من جهة السلطان الجائر بل الكافر لمن وثق من نفسه بالقيام بالحق. وقرأ الحسن وابن كثير وشيبة (٢): ﴿حيث نشاء﴾ - بالنون - مسندًا إلى الله تعالى. وقرأ الجمهور بالياء. والظاهر: أن قراءة الياء يكون فيها فاعل ﴿يَشَاءُ﴾: إما ضميرًا يعود على يوسف، ومشيئته معلقة بمشيئة الله تعالى؛ إذ هو نبيه ورسوله، وإما ضميرًا يعود على الله ؛ أي: حيث يشاء الله تعالى، فيكون فيه حينئذٍ التفات من التكلم إلى الغيبة.

стр. 5964

واعلم: أن التمكين الحاصل ليوسف له أسباب ومقدمات مهدت له؛ لأن إخوة يوسف لو لم يحسدوه .. ما ألقوه في غيابة الجبّ، ولو لم يلقوه .. لما وصل إلى عزيز مصر، ولو لم يعتقد العزيز بفراسته وصدقه وأمانته .. لما أمنه على بيته وأهله وماله، ولو لم تراوده امرأة العزيز عن نفسه ويستعصم .. لما ظهرت نزاهته وعرف أمرها، ولو لم تخب في كيدها وكيد صواحباتها .. ما ألقي في السجن لإخفاء هذا الأمر، ولو لم يسجن .. لما عرفه ساقي الملك وعرف علمه وفضله وصدقه في تعبير الرؤيا، ولو لم يعرف ذلك منه الساقي .. ما عرفه الملك ولم يجعله على خزائن الأرض، فما من حلقة من هذه السلسلة إلا كانت متممة لما بعدها، وبإذن الله كانت سببًا للوصول إلى ما يليها، فكلها في بدايتها كانت شرًّا وخسرًا، وفي عاقبتها فوزًا ونصرًا مبينًا، ومهدت للتمكين لدى ملك مصر. فكما مكن (١) له في ذلك مكن له في أرض مصر، وقد جيء به مملوكًا، فأصبح مالكًا ذا نفوذ وأمر ونهي لا ينازعه منازع فيما يراه ويختاره، وصار الملك يصدر عن رأيه، ولا يعترض عليه فيما يرى بما أعده الله تعالى له من تحليته بالصبر واحتمال الشدائد، والأمانة والعفة، وحسن التصرف والتدبير. روي (٢): أنه لما تمت السنة من يوم سأل يوسف الإمارة .. دعاه الملك، فتوجه وأخرج خاتم الملك، وجعله في أصبعه، وقلده بسيفه، وجعل له سريرًا من ذهب مكلّلًا بالدرّ والياقوت طوله ثلاثون ذراعًا، وعرضه عشرة أذرع عليه ستون فراشًا، وضرب له عليه حلة من استبرق، فقال يوسف ﵇: أما السرير فأشد به ملكك، وأما الخاتم فأدبر به أمرك، وأما التاج فليس من لباسي ولا لباس آبائي. فقال الملك: قد وضعته إجلالًا لك وإقرارًا بفضلك، وأمره أن يخرج فخرج متوجًا لونه كالثلج، ووجهه كالقمر يرى الناظر وجهه فيه من صفاء لونه، فانطلق حتى جلس على ذلك السرير، ودانت له الملوك، وفوض الملك الأكبر إليه ملكه، وأمر مصر، وعزل قطفير عما كان عليه، وجعل يوسف مكانه،

стр. 5965

ومات قطفير بعد ذلك، فزوجه ﵇ الملك امرأته زليخا، فلما دخل يوسف عليها قال لها: أليس هذا خيرًا مما كانت تريدين؟ قالت له: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك، فغلبتني نفسي وعصمك الله، فأصابها يوسف ﵇ فوجدها عذراء، فولدت له ذكرين أفراثم وميشا، فاستولى يوسف ﵇ على ملك مصر، وأقام فيها العدل، وأحبه الرجال والنساء، وأسلم على يديه الملك وكثير من الناس، وباع من أهل مصر في سنين القحط الطعام في السنة الأولى بالدنانير والدراهم، وفي الثانية بالحلى والجواهر، وفي الثالثة بالدواب، وفي الرابعة بالجواري والعبيد، وفي الخامسة بالضياع والعقار، وفي السادسة بأولادهم، وفي السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر حر ولا حرة إلا صار عبدًا له ﵇، فقال أهل مصر: ما رأينا كاليوم ملكًا أجل وأعظم من يوسف، فقال يوسف للملك: كيف رأيت صنع الله بي فيما خولني، فما ترى في هؤلاء؟ فقال الملك: الرأي رأيك ونحن لك تبع. قال: فإني أشهد الله وأشهدك أني قد أعتقت أهل مصر عن آخرهم، ورددت عليهم أملاكهم، وكان يوسف لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير تقسيطًا بين الناس، ومات الملك في حياة يوسف ﵇. ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا﴾؛ أي: بعطائنا في الدنيا من الملك والغنى وغيرهما من النعم ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ من عبادنا بمقتضى ما وضعنا من السنن في الأسباب الكسبية مع موافقتها للأحداث الكونية، ومراعاة النظم الاجتماعية والفضائل الخلقية ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ لأن (١) إضاعة الأجر؛ إما أن تكون للعجز أو للجهل أو للبخل، والكل ممتنع في حق الله تعالى، فكانت الإضاعة ممتنعة؛ أي: ولا نضيع في الدنيا أجر من أحسن. أي: (٢) ولا نضيع أجر من أحسنوا في أعمالهم بشكران هذه النعم، بل

стр. 5966

نأجرهم عليها سعادة وهناءة، وقد بذلنا تلك النعم لمن يطلبها متى أتى الأمور من أبوابها، وسار على مقتضى السنن التي وضعناها. أما من يسيؤون التصرف فيها .. فتصيبهم المنغصات، وتتوالى عليهم المكدرات، فالمسرفون لا يلبثون أن ينالهم الفقر والعدم، والظالمون يثيرون أضغان المظلومين، وذووا الخيلاء والبطر يكونون محتقرين، وقلما يصيب المحسنين الشاكرين من ذلك شيء، وإن نالهم منه شيء يكون هينًا عليهم، وهم عليه صبر. وفي الآية (١) إيماء إلى أنه ما أضاع صبر يوسف ﵇ على أذى إخوته، وصبره على الحبس بسبب امرأة العزيز، بل كان جزاؤه ما مكن له في الأرض لدى ملك مصر. ٥٧ - ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لأجرهم في الآخرة، فاللام فيه موطئة للقسم، وأضيف الأجر إلى الآخرة للملابسة، وأجرهم فيها هو الجزاء الذي يجازيهم الله به فيها؛ وهو الجنة التي لا ينفد نعيمها، ولا تنقضي مدتها؛ أي: ولأجر الآخرة وثوابها ﴿خَيْرٌ﴾ وأفضل من أجر الدنيا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسله ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ الله تعالى، ويخافونه بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات. وفي الآية (٢) إيماء إلى أن الذي أعد الله ليوسف ﵇ في الآخرة من الأجر والثواب الجزيل أفضل مما أعطاه الله تعالى في الدنيا من الملك. وقد ثبت (٣): أن الله تعالى شهد بأن يوسف ﵇ كان من المتقين ومن المحسنين ومن المخلصين، والمعنى (٤): أي: إن أجر الآخرة؛ وهو نعميها يكون للمؤمنين المتقين، وهو خير لهم من أجر الدنيا لأهلها وإن بلغوا سلطان الملك، فإن ما أعده لأولئك ليتضاءل أمامه كل ما فيها من مال وجاه وزينة، ولا

стр. 5967

شبهة في أن من يجمعون بين السعادتين يكون فضل الله عليهم أعظم؛ إذ هم أعطوا حقها من الشكر، وقاموا بما يجب عليهم نحو خالقهم من طاعته وترك معصيته. روى الشيخان عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال فقراء المهاجرين للنبي ﷺ : يا رسول الله، ذهب أهل الدثور - واحدها دثر بالفتح المال الكثير - بالدرجات العلى، والنعيم المقيم قال: "ما ذاك"؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون كما نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. قال ﷺ : "أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثلكم"؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "تسبحون وتكبرون وتحمدون الله دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة"، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". ٥٨ - ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ إلى مصر من أرض كنعان؛ ليمتاروا حين أصاب أرض كنعان وبلاد الشام ما أصاب مصر من القحط والجوع، وكان قد حلّ بآل يعقوب ما حلّ بأهلها، فدعا أبناءه ما عدا بنيامين؛ وهم عشرة، فقال لهم: يا بني قد بلغني أن بمصر ملكًا صالحًا يبيع الطعام، فتجهزوا إليه، واقصدوه واشتروا منه ما تحتاجون إليه، فخرجوا حتى قدموا مصر ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾؛ أي: على يوسف، وهو في مجلس ولايته؛ لأن أمر الميرة وشراء الغلال كان بيده ورهن أمره ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ يوسف حين دخلوا عليه بلا تردد، ولا شك؛ لأنه فارقهم وهم رجال، ولم يزل عددهم وشكلهم وزيهم عالقًا بخياله؛ لنشوئه بينهم، ولا سيما ما قاساه منهم في آخر عهده بهم وربما كان عمال يوسف ﵇ وعبيده قد سألوهم عن أمرهم قبل أن يدخلوهم عليه، وأخبروه بأوصافهم، والبيئة التي رحلوا منها ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾، لنسيانهم له بطول العهد، وتغير شكله بدخوله في سن الكهولة، ولأنهم فارقوه صبيًّا يباع بالدراهم في أيدي السيارة بعد أن أخرجوه من الجبّ، ودخلوا عليه الآن، وهو رجل عليه أبهة الملك؛ أي: عظمته ورونق

стр. 5968

الرئاسة؛ أي: زينتها، وعنده الخدم والحشم. وقيل: إنهم أنكروه لكونه كان في تلك الحال على هيئة ملك مصر ولبس تاجه وتطوق بطوقه. وقيل: كانوا بعيدًا عنه، فلم يعرفوه. وقيل: غير ذلك. فكل (١) ذلك مما يحول دون التثبت من معارف وجهه، ولا سيما أنهم كانوا يظنون أنه قد هلك، أو طوحت به طوائح الأيام، ولو كانوا قد فطنوا لبعض ملامحه وتذكروه بها .. لربما عدوه مما يتشابه فيه بعض الناس ببعض في العادات، وبخاصة أنه لم يكن يدور بخلدهم أن أخاهم قد وصل إلى ذلك المركز السامي. فالمعنى (٢): فدخلوا على يوسف ﵇، وهو في مجلس ولايته، فعرفهم يوسف بأول نظرة نظر إليهم لقوة فهمه ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم لا يعرفونه لطول المدة، فبين أن ألقوه في الجبّ ودخولهم عليه أربعون سنة على ما قيل، فكلموه بالعبرانية، فقال لهم: من أنتم وأي شيء أقدمكم بلادي؟ فقالوا: قدمنا لأخذ الميرة، ونحن قوم رعاة من أهل الشام أصابنا الجهد، فقال: لعلكم عيون تطلعون على عوراتنا، وتخبرون بها أعداءنا، فقالوا: معاذ الله، قال: من أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان نحن إخوة بنو أب واحد، وهو شيخ كبير صديق، نبي من أنبياء الله تعالى اسمه يعقوب، قال: كم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر، فهلك منا واحد، فقال: كم أنتم ههنا؟ قالوا: عشرة، قال: أين الحادي عشر؟ قالوا: هو عند أبيه يتسلى به عن الهالك؛ لأنه أخوه الشقيق، قال: فمن يشهد لكم أنكم لستم عيونًا، وأن ما تقولون حق؟ قالوا: نحن ببلاد غربة لا يعرفنا فيها أحد، فيشهد لنا، قال: فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين؟ فأنا أكتفي بذلك منكم، قالوا: إن أبانا يحزن لفراقه، قال: فاتركوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني به، فاقترعوا فيما بينهم، فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأيًا في يوسف في أمر الجبّ، فتركوه عنده، فأمر بإنزالهم وإكرامهم. ٥٩ - ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ﴾ يوسفُ ﵇ وشيَّعهم وأعطاهم ﴿بِجَهَازِهِمْ﴾؛ أي: بما يحتاجون إليه في سفرهم؛ أي: فلما أوقر يوسف إبلهم بالميرة وأصلحهم

стр. 5969

بالزاد وما يحتاج إليه المسافر. قال ابن عباس (١): حمل لكل واحد منهم بعيرًا من الطعام، وأكرمهم في النزول، وأحسن ضيافتهم، وأعطاهم ما يحتاجون إليه في سفرهم. قال الأزهري (٢): القراء كلهم على فتح الجيم، والكسر لغة جيدة. وقال أبو حيان: وقرىء بكسر الجيم قلت: وقراءة الكسر شاذة وليست بمتواترة. ومعنى ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾؛ أي: ولما هيأ لهم جهازهم وأهبة سفرهم ومؤنته - يقال: جهزت المسافر بالتشديد: هيأت له جهازه، وجهاز السفر: أهبته وما يحتاج إليه في قطع المسافة؛ أي: ولما أوقر ركائبهم بما جاؤوا لأجله من الميرة والطعام، وجهزهم بما سوى ذلك من الزاد، وبما يحتاج إليه المسافرون عادة على قدر طاقتهم وبيئتهم ﴿قَالَ﴾ يوسف ﵇: ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ﴾؛ أي: جيئوني بأخيكم ﴿مِنْ أَبِيكُمْ﴾ هو شقيقه بنيامين إذا رجعتم، لتمتاروا مرة أخرى، لأعلم صدقكم فيما قلتم: إن لنا أخًا من أبينا عند أبينا، وسبب (٣) ذلك أن يوسف ما كان يعطي لأحد إلا حمل بعير، وقد كان إخوته عشرة، فأعطاهم عشرة أحمال، فقالوا: إن لنا أبًا شيخًا كبيرًا وأخًا آخر بقي معه، وإن أباهم لتقادم سنه وشدة حزنه لا يستطيع الحضور، وإن أخاهم بقي في خدمة أبيه، ولا بدّ لهما من شيء من الطعام، فجهز لهما بعيرين آخرين، وقال: جيئوني بأخيكم لأراه وأصدقكم فيما قلتم. وإنما (٤) قال: ﴿بِأَخٍ لَكُمْ﴾ ولم يقل بأخيكم بالإضافة مبالغة في إظهار عدم معرفته لهم، فإنه فرق بين مررت بغلامك، ومررت بغلام لك. فإنك في التعريف تكون عارفًا بالغلام دون التنكير لأنك جاهل به. فالتعريف (٥) يفيد نوع عهد في الغلام بينك وبين المخاطب، والتنكير لا عهد فيه البتة، وجائز أن تخبر عمن تعرفه إخبار النكرة، فتقول: قال رجل لنا وأنت تعرفه؛ لصدق إطلاق النكرة على المعرفة. ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾؛ أي: أني أتمه ولا أبخس منه شيئًا، وأزيدكم

стр. 5970

حمل بعير آخر لأجل أخيكم، وحملًا آخر لأبيكم؛ لأنهم قالوا: إن لنا أبًا شيخًا كبيرًا، وأخًا آخر بقي معه؛ لأن يوسف لا يزيد لأحد على حمل بعير. والهمزة فيه للاستفهام التقريري، وهو حمل المخاطب على الإقرار بما بعد حرف النفي، وجاء بصيغة الاستقبال في قوله: ﴿أُوفِي﴾ مع كونه قال لهم هذه المقالة بعد تجهيزهم للدلالة على أن ذلك عادته المستمرة، ثم أخبرهم بما يزيدهم وثوقًا به وتصديقًا لقوله، فقال: ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ لمن نزل بي؛ أي؛ والحال أني خير المضيفين وأفضلهم لمن استضافه كما فعلته بكم من حسن الضيافة وحسن الإنزال. قال الزجاج: قال يوسف ﵇: ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾؛ لأنه حين أنزلهم أحسن ضيافتهم، ولم يقل ذلك يوسف على طريق الامتنان، بل لحثهم على تحقيق ما أمرهم به. والمعنى: وأنا مع إيفاء الكيل خير المكرمين لضيوفه، وقد أحسنت ضيافتكم وجهزتكم بالزاد الكافي لكم مدة سفركم، فلا تنسوا ما أمرتكم به من الإتيان بأخيكم. ٦٠ - ثم توعدهم إن لم يأتوه به، فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ﴾؛ أي: بأخيكم من أبيكم إذا رجعتم مرة أخرى ﴿فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾؛ أي: فلا طعام يكال لكم عندي؛ أي: فلا أبيعكم شيئًا من الطعام فيما بعد، وأما في الحال .. فقد أوفاهم كيلهم ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾؛ أي؛ ولا تقربوا بلادي ولا تدخلوها فضلًا من الإحسان إليكم في الإنزال والضيافة. يعني (١): ولا ترجعوا ولا تقربوا بلادي، وهذا هو نهاية التخويف والترهيب؛ لأنهم كانوا محتاجين إلى تحصيل الطعام، ولا يمكنهم تحصيله إلا من عنده، فإذا منعهم من العود .. كان قد ضيق عليهم. وقيل معناه (٢): لا أنزلكم عندي كما أنزلتكم هذه المرة، ولم يرد أنهم لا يقربون بلاده. و ﴿تَقْرَبُونِ﴾: مجزوم: إما على أن ﴿لا﴾ ناهية، أو على أنها نافية، وهو معطوف على محل الجزاء داخل في حكمه كأنه قال: فإن لم تأتوني تحرموا، ولا تقربوا، ٦١ - فلما سمعوا منه ذلك وعدوه بما طلبه منهم فـ ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ

стр. 5971

عَنْهُ أَبَاهُ﴾؛ أي: سنطلبه من أبيه، ونحتال على أن ننتزعه من يده، ونجتهد في ذلك بما نقدر عليه. وقيل معنى المراودة هنا: المخادعة منهم لأبيهم والاحتيال عليه حتى ينتزعوه منه؛ أي: سنخادعه عنه ونحتال في انتزاعه من يده، ونجتهد في ذلك. وفيه تنبيه على عزة المطلب وصعوبة مناله ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ ما أمرتنا به غير مفرطين ولا متوانين فيه من أن نجيئك بأخينا، فإنهم كانوا محتاجين إلى تحصيل الطعام، ولا يمكن إلا من عنده. وعبروا (١) بما يدل على الحال تنبيهًا على تحقق وقوعه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾. وقيل معناه: وإنا لقادرون على ذلك لا نتعانى به ولا نتعاظمه. ٦٢ - ﴿وَقَالَ﴾ يوسف ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾؛ أي: لغلمانه الكيالين؛ أي: الموكلين على خدمة الكيل، جمع فتى؛ وهو المملوك شابًا كان أو شيخًا ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ التي اشتروا بها الطعام وكانت نعالًا وجلودًا ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾؛ أي: في أمتعتهم من حيث لا يشعرون؛ أي: دسوها في جواليقهم وذلك بعد أخذها وقبولها، وإعطاء بدلها من الطعام، ووكّل بكل رَحْلٍ واحدًا من غلمانه يدس فيه البضاعة التي اشتري بها الطعام الذى في هذا الرحل. والمراد (٢) بالبضاعة هنا: هي التي وصلوا بها من بلادهم ليشتروا بها الطعام، وكانت نعالًا وأدمًا، فعل يوسف ذلك تفضلًا عليهم. وقيل: فعل ذلك ليرجعوا إليه مرة أخرى؛ لعلمه أنهم لا يقبلون الطعام إلا بثمن. قاله الفراء. وقيل: فعل ذلك ليستعينوا بها على الرجوع إليه لشراء الطعام. وقيل: إنه استقبح أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمن الطعام. وقرأ الأخوان (٣) - حمزة والكسائي - وحفص عن عاصم وخلف العاشر: ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ - بالنون - واختار هذه القراءة أبو عبيد، ومثل هذه القراءة في مصحف عبد الله بن مسعود، وقرأ باقي العشرة وشعبة عن عاصم: ﴿لفتيته﴾ واختار هذه القراءة أبو حاتم والنحاس وغيرهما. قال النحاس ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ مخالف للسواد الأعظم ولا يترك السواد المجمع عليه لهذا الإسناد المنقطع، وأيضًا فإن فتية أشبه

стр. 5972

من فتيان؛ لأن فتية عند العرب لأقل العدد، وأمر القليل بأن يجعلوا البضاعة في الرحال أشبه. قال الزجاج: الفتية والفتيان في هذا الموضع المماليك. وقال الثعلبي: هما لغتان جيدتان مثل الصبيان والصبية. قلت: وكلتا القراءتين متواترتان ولا انقطاع في إسناد إحداهما. والجملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر كأنه: فما قال يوسف بعد وعدهم له بذلك؟ فأجيب بأنه قال لفتيانه. قال أبو حيان: فالكثرة على مراعاة المأمورين، والقلة على مراعاة المتأولين، فهم الخدمة الكائلون أمرهم بجعل المال الذي اشتروا به الطعام في رحالهم مبالغة في استمالتهم إليه. ثم علل يوسف ﵇ ما أمر به من جعل البضاعة في رحالهم بقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾؛ أي: البضاعة ﴿إِذَا انْقَلَبُوا﴾ ورجعوا ﴿إِلَى أَهْلِهِمْ﴾؛ أي: دسوا بضاعتهم ودراهمهم التي اشتروا بها الطعام في أوعيتهم التي يحملون فيها الطعام؛ لكي يعرفوا بضاعتهم إذا رجعوا إلى أبيهم؛ أي: لكي يعرفوا لنا حق إكرامهم بإعادتها إليهم، وجعل ما أعطيناهم من الغلة مجانًا بلا ثمن إذا هم رجعوا إلى أهلهم، وفتحوا متاعهم فوجودها فيه. فجعل (١) علة جعل البضاعة في الرحال هي معرفتهم لها إذا انقلبوا إلى أهلهم، وذلك لأنهم لا يعلمون برد البضاعة إليهم إلا عند تفريغ الأوعية التي جعلوا فيها الطعام، وهم لا يفرغونها إلا عند الوصول إلى أهلهم. ثم علل معرفتهم للبضاعة المردودة إليهم المجعولة في رحالهم بقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إلينا طمعًا في برنا، فإن العوز إلى القوت من أقوى الدواعي إلى الرجوع، فإنهم إذا عرفوا ذلك، وعلموا أنهم أخذوا الطعام بلا ثمن وأن ما دفعوه عوضًا عنه قد رجع إليهم، وتفضل به من وصلوا إليه عليهم .. نشطوا إلى العود إليه ولا سيما مع ما هم فيه من الجدب الشديد، والحاجة إلى الطعام، وعدم وجوده لديهم، فإن ذلك من أعظم ما يدعوهم إلى الرجوع، وبهذا يظهر أن يوسف ﵇ لم يرد البضاعة إليهم إلا لهذا المقصد، وهو رجوعهم إليه، فلا يتم تعليل ردها بغير ذلك، والله أعلم.

стр. 5973

٦٣ - ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا﴾؛ أي: فلما رجع إخوة يوسف غير شمعون من مصر ﴿إِلَى أَبِيهِمْ﴾ في كنعان ﴿قَالُوا﴾ لأبيهم قبل أن يشتغلوا بفتح المتاع: ﴿يَاأَبَانَا﴾ إنا قدمنا على خير رجل، أنزلنا وأكرمنا كرامة عظيمة، لو كان رجلًا من أولاد يعقوب ما أكرمنا كرامته، فقال لهم يعقوب ﵇: إذا رجعتم إلى ملك مصر فاقرؤوا عليه مني السلام، وقولوا له: إن أبانا يصلي عليك، ويدعو لك بما أوليتنا، ثم قال لهم: أين شمعون؟ قالوا: ارتهنه ملك مصر عنده، وأخبروه بالقصة، ثم قالوا: يا أبانا ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾؛ أي: ميرة الطعام وكيله من مصر؛ أي: حكم ملك مصر بأنه سيمنع منا الكيل والميرة في المستقبل بعد هذه المرة إن لم نذهب إليه معنا بأخينا بنيامين، وهو إشارة إلى قول يوسف: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠)﴾. والمراد بالكيل هنا: الطعام لأنه يكال، وفي هذه الجملة دلالة على أن الامتيار مرة بعد مرة معهود فيما بينهم وبينه ﵇. ثم ذكروا له ما أمرهم به، فقالوا: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾ بنيامين إلى مصر. وفيه إيذان بأن مدار المنع عدم كونه معهم إن أرسلته معنا ﴿نَكْتَلْ﴾ بسببه، ونأخذ من الطعام ما نحتاج إليه بقدر عددنا، ونكون قد وفينا له ما شرط علينا، والعرب تقول: كِلْتَ له الطعام، إذا أعطيته، واكتلت منه وعليه، إذا أخذت منه، أو توليت الكيل بنفسك ﴿وَإِنَّا لَهُ﴾؛ أي: لأخينا بنيامين ﴿لَحَافِظُونَ﴾ في ذهابه وإيابه من أن يصيبه سوء أو مكروه، ضامنون برده إليك، وكأنهم (١) كانوا يعتقدون أن أباهم لا بد أن يرفض إجابتهم خوفًا عليه من أن يحدث مثل ما حدث ليوسف ﵇ بدافع الحسد من قبل، فكان جوابه لهم ما حكى الله سبحانه عنه بقوله: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر (٢): ﴿نَكْتَلْ﴾ - بالنون -؛ أي: إن أرسلته معنا اكتلنا نحن، وإلا فقد منع منا الكيل. وقرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر: ﴿يكتل﴾ - بالياء -؛ أي: إن أرسلته معنا يكتل أخونا

стр. 5974

بنيامين، وإلا فقد منع منه الكيل. واختار (١) أبو عبيد القراءة الأولى، قال: ليكونوا كلهم داخلين فيمن يكتال، وزعم أنه إذا كان بالياء كان للأخ وحده؛ أي: يكتال أخونا بنيامين لنفسه مع اكتيالنا. ٦٤ - وجملة قوله: ﴿قَالَ﴾ يعقوب ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾ مستأنفة في جواب سؤال مقدر، والاستفهام فيه إنكاري، بمعنى النفي، والكاف في قوله: ﴿إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾: نعت مصدر محذوف، وآمن: فعل مضارع، والأمن والائتمان بمعنى واحد، والاستفهام فيه إنكاري؛ أي: (٢) قال لهم يعقوب ﵇: كيف آمنكم علي بنيامين، وقد فعلتم بأخيه يوسف ما فعلتم، وأنكم ذكرتم مثل هذا الكلام بعينه في يوسف، وضمنتم لي حفظه، فما فعلتم، فإذا لم يحصل الأمن والحفظ هناك، فكيف يحصل ما ههنا؟ فأنتم لا يوثق لكم بوعد، ولا يطمأن منكم إلى عهد، فما أشبه الليلة بالبارحة. والمعنى (٣): ما أمنكم علي بنيامين إلا أمنًا كأمني إياكم على أخيه يوسف من قبل بنيامين، وقد قلتم في حقه ما قلتم، ثم فعلتم به ما فعلتم، فلا أثق بكم ولا بحفظكم، وإنما أفوض الأمر إلى الله . وقوله: ﴿فَاللَّهُ﴾ سبحانه وتعالي ﴿خَيْرٌ﴾ مني ومنكم من جهة كونه ﴿حَافِظًا﴾ لبنيامين مرتب على محذوف تقديره: فتوكل يعقوب على الله ودفعه إليهم، فقال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ ﴿وَهُوَ﴾ ﴿أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ من أهل السموات والأرضين، فأرجو أن يرحمني بحفظه، ولا يجمع علي مصيبتين، وهذا كما ترى ميل منه إلى الإذن والإرسال؛ لما رأى فيه من المصلحة وشدة الحاجة إلى ذلك؛ ولأنه لم ير فيما بينهم وبين بنيامين من الحقد والحسد مثل ما شاهد بينهم وبين يوسف. وفيه من التوكل على الله ما لا خفاء فيه. قال كعب: لما قال يعقوب: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ قال الله تعالى: وعزتي لأردن عليك كليهما بعدما توكلت علي، فينبغي أن يتوكل على الله، ويعتمد على حفظه دون حفظ ما سواه، فإن ما سواه محتاج في حفظه إلى الأسباب والآلات، والله تعالى غني بالذات مستغن من الوسائط في كل الأمور،

стр. 5975

وفي جميع الحالات، ولذا حفظ يوسف في الجبّ. ومعنى الآية: أن حفظ الله تعالى إياه خير من حفظهم له لما وكل يعقوب حفظه إلى الله سبحانه حفظه وأرجعه إليه، ولما قال في يوسف: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ .. وقع له من الامتحان ما وقع. وقرأ (١) ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: ﴿حِفْظًا﴾ والمعنى: خير حفظًا من حفظكم. وقرأ حمزة الكسائي، وحفص عن عاصم وخلف العاشر: ﴿خَيْرٌ حَافِظًا﴾ - بألف -. وقرأ الأعمش شذوذًا: ﴿خير حافظ﴾ على الإضافة؛ أي: فالله تعالى متصف بالحفظ وزيادته على كل حافظ. وقرأ أبو هريرة: ﴿خير الحافظين﴾، كذا نقل الزمخشري، وهي رواية شاذة. وقال ابن عطية وقرأ ابن مسعود: ﴿فالله خير حافظًا وهو خير الحافظين﴾، وهي رواية شاذة أيضًا. ٦٥ - ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾؛ أي: أوعيتهم التي وضعوا فيها الميرة بحضرة أبيهم ﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾؛ أي: ثمن الميرة الذي دفعوه ليوسف ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ تفضلًا وإحسانًا من يوسف ﵇؛ والمعنى: ولما فتحوا أوعية طعامهم وجدوا فيها ما كان أعطوه من بضاعة ونقدٍ ثمنًا لما اشتروه من الطعام؛ إذ أن يوسف أمر فتيانه أن يضعوها في رحالهم، وهم لا يعلمون ذلك. وجملة قوله: ﴿قَالُوا﴾ لأبيهم مستأنفة (٢) في سؤال مقدر كأنه قيل: ماذا قالوا حينئذٍ؟ فقيل: قالوا لأبيهم - ولعله كان حاضرًا عند الفتح كما في "الإرشاد"، ويؤيده ما في القصص من أن يعقوب ﵇ قال لهم: يا بني قدموا أحمالكم لأدعو لكم فيها بالبركة، فقدموا أحمالهم، وفتحوها بين يديه، فرأوا بضاعتهم في رؤوس أحمالهم، فقالوا عند ذلك - ﴿يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي﴾؛ أي: أي شيء نطلب وراء ما وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وكرمه الذي يوجب علينا امتثال أمره ومراجعته في الحوائج، وقد كانوا حدثوا أباهم بذلك على ما روي أنهم قالوا له: إنا قدمنا على خير رجل، وقد أنزلنا خير منزل وأكرم

стр. 5976

وفادتنا، ولو كان رجلًا من آل يعقوب ما أكرمنا كرامته، ثم أكدوا صدق كلامهم بقولهم: ﴿هَذِهِ﴾ الموجودة في الأوعية ﴿بِضَاعَتُنَا﴾ أي: ثمن ميرتنا حالة كونها ﴿رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾؛ أي: حالة كونها مردودة إلينا تفضلًا من حيث لا ندري بعدما منَّ علينا بالمنن العظام، هل من مزيد على هذا فنطلبه؟ أرادوا الاكتفاء به في استيجاب الامتثال لأمره، والالتجاء إليه في استجلاب المزيد، فكل ما جئنا به على غلائه وعظم قيمته هو هبة منه وتفضل منه علينا. وقرأ (١) علقمة ويحيى بن وثاب والأعمش: ﴿ردت﴾ - بكسر الراء - نقل حركة الدال المدغمة إلى الراء بعد توهم خلوها من الضمة، وهي لغة لبني ضبة كما نقلت العرب في قيل وبيع. وقرأ عبد الله وأبو حيوة: ﴿ما تبغي﴾ - بالتاء - على خطاب يعقوب، وروتها عائشة ﵂ عن النبي ﷺ ، وهي رواية شاذة وليست بمتواترة، ويحتمل ما في هذه القراءة الاستفهام والنفي كقراءة النون. ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾، أي: ونأتي بالطعام إلى أهلنا ونجلبه لهم برجوعنا إلى ذلك الملك بتلك البضاعة، وهذا معطوف على محذوف، والتقدير: فنستعين بهذه البضاعة ونمير أهلنا برجوعنا إليه. يقال: مار أهله يميرهم ميرًا إذا أتاهم بالميرة؛ وهي الطعام المجلوب من بلد إلى بلد، ومثله امتار. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي في رواية شاذة عنه: ﴿ونمير﴾ - بضم النون - مِن أمار الرباعي. ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ بنيامين في الذهاب والإياب من الجوع والعطش وسائر المكاره ﴿وَنَزْدَادُ﴾ بسبب إرساله معنا ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾؛ أي: حمل بعير زائد على ما جئنا به هذه المرة يكال لنا لأجل أخينا؛ لأنه كان يعطي باسم كل رجل حمل بعير اقتصادًا وعدلًا بين الناس، وكأنه قيل: أي حاجة إلى الازدياد، فقيل: في ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ما يحمله بعيرنا ﴿كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾؛ أي: مكيل قليل لا يقوم بأودنا؛ أي: أي قوتنا، أو المعنى: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: إن حمل البعير ﴿كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾؛ أي: كيل سهل لا عسر فيه على ذلك المحسن الجواد؛ أي: زيادة كيل بعير لأخينا يسهل على الملك، ولا يمتنع علينا من زيادته له؛ أي: لكونه يسيرًا لا يتعاظمه ولا يضايقنا فيه،

стр. 5977

واختار الزجاج هذا المعنى. ٦٦ - ﴿قَالَ﴾ لهم أبوهم يعقوب ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ﴾؛ أي: أخاكم بنيامين، ولن أطلقه معكم إلى مصر بعد ما عاينت منكم ما عاينت ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ﴾؛ أي: حتى تعطوني ﴿مَوْثِقًا﴾؛ أي: عهدًا مؤكدًا باليمين مأذونًا فيه ﴿مِنَ﴾ جهة ﴿اللَّهِ﴾ تعالى؛ لأن توكيد العهود به مأذون فيه من جهته تعالى، فهو إذن منه تعالى. وقوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ جواب القسم، والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾؛ أي: إلا أن تغلبوا، فلا تطيقوا ذلك، أو إلا أن تهلكوا جميعًا من أعم الأوقات، والمعنى: لن أرسله معكم حتى تحلفوا بالله تعالى لترجعن به ولتردنه إليَّ في كل الأوقات إلا وقت الإحاطة بكم، وكونهم (١) محاطًا بهم؛ إما كناية عن كونهم مغلوبين مقهورين بحيث لا يقدرون على الإتيان به البتة، أو كناية عن هلاكهم وموتهم جميعًا، وأصله من العدو، فإن من أحاط به العدو يصير مغلوبًا عاجزًا عن تنفيذ مراده، أو هالكًا بالكلية، ولقد صدقت هذه القصة المثل السائر وهو قولهم: البلاء موكل بالمنطق، فإن يعقوب ﵇ قال أولًا في حق يوسف ﵇: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ فابتلي من ناحية هذا القول حيث قالوا: ﴿أَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾، وقال هنا: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ فابتلي أيضًا بذلك، وأحيط بهم، وغلبوا عليه كما سيأتي. وقوله ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ﴾؛ أي: أعطوه ﴿مَوْثِقَهُمْ﴾؛ أي: عهدهم ويمينهم في طلبه منهم قبله حذف تقديره: فأجابوه إلى ما طلبه، فلما آتوه موثقهم .. ﴿قَالَ﴾ يعقوب: ﴿الله﴾ ﴿عَلَى مَا نَقُولُ﴾؛ أي: على ما قلناه من طلبي الموثق منكم، وإعطائكم لي ما طلبته منكم ﴿وَكِيلٌ﴾؛ أي: مطلع رقيب لا يخفى عليه منه خافية، فهو المعاقب لمن خان في عهده وفجر في الحلف به، أو موكول إليه القيام بما شهد عليه منا. ولما تجهَّز (٢) أولاد يعقوب للمسير إلى مصر .. خاف عليهم أبوهم أن تصيبهم العين لكونهم كانوا ذوي جمال ظاهر وثياب حسنة مع كونهم أولاد رجل

стр. 5978

واحد ٦٧ - ﴿وَقَالَ﴾ ناصحًا لهم: ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾ مدينة مصر ﴿مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ من أبوابها الأربعة ﴿وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾؛ أي: مختلفة؛ أي: من طرق شتى وسكك مختلفة مخافة العين، فإن العين والسحر حق؛ أي: كائن أثرهما في المعين والمسحور، وصاهم بذلك في هذه الكرة؛ لأنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة مشتهرين في مصر بالقربة عند الملك، فخاف عليهم، إن دخلوا جماعة واحدة أن يصابوا بالعين، ولم يوصهم في الكرة الأولى؛ لأنهم كانوا مجهولين حينئذٍ مغمورين بين الناس غير متجملين تجملهم في الثانية، وكان الداعي إليها خوفه علي بنيامين ﴿وَمَا أُغْنِي﴾؛ أي: وما أدفع ﴿عَنْكُمْ﴾ بتدبيري ﴿مِنَ﴾ قضاء ﴿اللَّهِ﴾ تعالى وتدبيره ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: شيئًا فـ ﴿مِنَ﴾ زائدة لتأكيد النفي، فإن الحذر لا يمنع القدر. ولم يرد به إلغاء الحذر بالمرة (١)، كيف لا وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقال ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ بل أراد بيان أن ما وصاهم به ليس مما يستوجب المراد لا محالة، بل هو تدبير في الجملة، وإنما التأثير وترتب المنفعة عليه من العزيز القدير، وإن ذلك ليس بمدافعة للقدر، بل هو استعانة بالله تعالى وهرب منه إليه. وإنما قال: ﴿مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ (٢) لأنهم لو دخلوا من بابين مثلًا .. كانوا قد امتثلوا النهي عن الدخول من باب واحد، ولكنه لما كان في الدخول من بابين مثلًا نوع اجتماع يخشى معه أن تصيبهم العين .. أمرهم بأن يدخلوا من أبواب متفرقة. والمعنى: ولا أدفع عنكم ولا أجلب إليكم نفعًا بتدبيري هذا، بل ما قضاه الله عليكم فهو واقع لا محالة. قال الزجاج وابن الأنباري: لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم مع الاجتماع .. لكان تفرقهم كاجتماعهم. وقال آخرون: ما كان يغني عنهم يعقوب شيئًا قط حيث أصابهم ما أصابهم مع تفرقهم من إضافة السرقة إليهم.

стр. 5979

وقد اختلف العلماء فيمن عرف بالإصابة بالعين، فقال قوم: يمنع من الاتصال بالناس دفعًا لضرره بحبس أو غيره من لزوم بيته. وقيل: ينفى، وأبعد من قال إنه يقتل إلا إذا كان يتعمد ذلك، وتتوقف إصابته على اختياره وقصده ولم ينزجر عن ذلك، فإنه إذا قتل كان له حكم القاتل. ثم صرّح يعقوب ﵇ بأنه لا حكم إلا لله ، فقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾؛ أي: ما الحكم مطلقًا ﴿إِلَّا لِلَّهِ﴾ لا لغيره، ولا يشاركه أحد ولا يمانعه شيء، فلا يحكم أحد سواه بشيء من السوء وغيره ﴿وَعَلَيْهِ﴾ لا على غيره ﴿تَوَكَّلْتُ﴾؛ أي: اعتمدت في كل ما آتي وأذر. وفي هذا (١) إيماء إلى أن الأخذ في الأسباب ومراعاة اتباعها لا ينافي التوكل. وقد جاء في الخبر: "اعقلها وتوكل". ﴿وَعَلَيْهِ﴾ دون أحد سواه ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ على العموم، لا على أمثالهم من المخلوقين، ولا على أنفسهم، ويدخل فيه أولاده دخولًا أوليًّا؛ أي: فليثق الواثقون. والفاء (٢) فيه لإفادة التسبب، فإن فعل الأنبياء سبب لأن يقتدى بهم. وقال البيضاوي: جمع (٣) بين الحرفين في عطف الجملة على الجملة لتقدم الصلة للاختصاص كأن الواو للعطف والفاء لأفادة التسبب فإن فعل الأنبياء سبب لأن يقتدى بهم، انتهى. فعلى كل مؤمن أن يتخذ لكل أمر يقدم على عمله العدة، ويهيىء من الأسباب ما يوصل إليه على قدر طاقته، ثم بعد ذلك يكل أمر النجاح فيه إلى الله تعالى، ويطلب منه التوفيق والمعونة في إنجازه، فقد يكون من الأسباب ما يخفى عليه، أو ما لا تصل إليه يده. ٦٨ - ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا﴾؛ أي: ولما دخل أخوة يوسف المدينة ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾؛ أي: من المكان في أمرهم أبوهم الدخول منه، وهي الأبواب المتفرقة، والجار (٤) والمجرور في موضع الحال؛ أي: دخلوا متفرقين ﴿مَا كَانَ﴾

стр. 5980

رأي يعقوب ودخولهم متفرقين ﴿يُغْنِي عَنْهُمْ﴾؛ أي: يدفع عنهم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: من جهته تعالى ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: شيئًا مما قضاه الله تعالى عليهم، والجملة جواب لـ ﴿مَا﴾ فقد (١) وقع عليهم قضاء الله تعالى حيث نسبوا إلى السرقة، وأخذ منهم بنيامين، وتضاعفت المصيبة على يعقوب ﵇. ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾؛ أي: لكن (٢) الدخول على صفة التفرق أظهر حاجةً في قلب يعقوب ﵇، وهي خوفه عليهم من إصابة العين، وهذا تصديق الله تعالى لقول يعقوب: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾. ولفظة ﴿حَاجَةً﴾ منصوبة (٣) بإلا؛ لكونها بمعنى لكن، و ﴿قَضَاهَا﴾ بمعنى: أظهرها، ووصى بها خبر لكن، والمعنى: إن رأي يعقوب ﵇ في حق بنيه، وهو أن يدخلوا من الأبواب المتفرقة، واتباع بنيه له في ذلك الرأي ما كان يدفع عنهم شيئًا مما قضاه الله تعالى عليهم، ولكن يعقوب ﵇ أظهر بذلك الرأي ما في نفسه من الشفقة والاحتراز من أن يعانوا؛ أي: يصابوا بالعين، ووصى به؛ أي: لم يكن للتدبير فائدة سوى دفع الخاطر من غير اعتقاد أن للتدبير تأثيرًا في تغيير التقدير، وأما إصابة العين، فإنما لم تقع لكونها غير مقدرة عليهم، لا لأنها اندفعت بذلك مع كونها مقضية عليهم. وعبارة "الجمل" هنا: وتقرير انقطاع الاستثناء أن المستثنى منه شيء قضاه الله وأراده، والمستثنى شيء لم يرده الله؛ وهو إصابة العين لهم، فهذا لم يرده الله، ولم يقضه؛ إذ لو أراده لوقع مع أنه لم يقع ولم يحصل، هذا تقرير الانقطاع. انتهت. ﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: إن يعقوب ﵇ ﴿لَذُو عِلْمٍ﴾ جليل ﴿لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ بالوحي ونصب الأدلة، ولذلك قال: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لأن العين لو قدر أن تصيبهم أصابتهم وهم متفرقون، كما تصيبهم وهم مجتمعون؛ أي: وإنه (٤) لذو علم خاص به وبأمثاله من الأنبياء لما أعطيناه من علم الوحي،

стр. 5981

وتأويل الرؤيا الصادقة، واعتقاده أن الإنسان يجب عليه في كل أمر يحاوله أن يتخذ له من الأسباب ما يصل به إلى غرضه، ويبلغ به إلى غايته، ثم يتوكل بعد ذلك على الله في تسخير ما لم يصل إليه علمه مما لا تتم المقاصد بدونه. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أسرار القدر، ويزعمون أن الحذر يغني عن القدر، أو المعنى: ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الواجب الجمع بين أخذ العدة والسعي في تحقيق الأسباب الصحيحة الموصلة إلى المراد، وبين الاتكال على الله؛ وهو ما فعله يعقوب ﵇، ولا يكفي تحقق الأسباب وحدها للحصول عليه، أو المعنى: ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن يعقوب ﵇ بهذه الصفة والعلم، أو لا يعلمون ما كان يعلم يعقوب؛ لأنهم لم يسلكوا طريق إصابة العلم. وقال ابن عباس ﵄: لا يعلم المشركون ما ألهم الله أولياءه. وقرأ الأعمش شاذًا: ﴿مما علمناه﴾ ذكره أبو حيان. الإعراب ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَمَا﴾ (و): حالية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على زليخا كما هو الراجح، أو على يوسف، والجملة في محل النصب حال من فاعل القول المحذوف تقديره: قلت ذلك الاعتراف ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب حالة كوني غير مبرئة نفسي من السوء. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿النَّفْسَ﴾: اسمها. ﴿لَأَمَّارَةٌ﴾: (اللام): حرف ابتداء. ﴿أمارة﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿بِالسُّوءِ﴾: متعلق به، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل النفي المذكور قبلها. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى نفسًا في محل النصب على الاستثناء. ﴿رَحِمَ رَبِّي﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: إلا نفسًا رحمها ربي بالعصمة كيوسف ﵇. ﴿إِنَّ رَبِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾.

стр. 5982

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾. وإن شئت قلت: ﴿ائْتُونِي﴾: فعل وفاعل ونون وقاية ومفعول به. ﴿بِهِ﴾ متعلق به والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿أَسْتَخْلِصْهُ﴾: فعل ومفعول مجزوم بالطلب السابق. ﴿لِنَفْسِي﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْمَلِكُ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَلَمَّا﴾: (الفاء): عاطفة على محذوف تقديره: فأتوه به فلما كلّمه. ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿كَلَّمَهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْمَلِكُ﴾، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لمّا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْمَلِكُ﴾، والجملة الفعلية جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لمَّا﴾ معطوفة على تلك الجملة المحذوفة. ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿الْيَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية تنازع فيه كل من ﴿مَكِينٌ أَمِينٌ﴾. ﴿لَدَيْنَا﴾: في محل النصب على الظرفية المكانية مضاف إلى الضمير تنازع فيه أيضًا كل من الاسمين. ﴿مَكِينٌ﴾: خبر أول لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿أَمِينٌ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إِنَّ﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يوسف، والجملة مستأنفة. ﴿اجْعَلْنِي﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿اجْعَلْنِي﴾: فعل ومفعول أول ونون وقاية، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْمَلِكُ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿وَقَالَ﴾. ﴿عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بالمفعول الثاني المحذوف لـ ﴿جعل﴾ تقديره: اجعلني واليًا على خزائن الأرض، أو متعلق بـ ﴿اجْعَلْنِي﴾ على تضمينه معنى ولّني. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾: خبران له. ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾. ﴿كذَلِكَ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿كذلك﴾: صفة لمصدر محذوف معمول

стр. 5983

لـ ﴿مَكَّنَّا﴾ تقديره: ومكنا ليوسف في الأرض تمكينًا مثل التمكين في ذكرناه من إخراجه من السجن وتقريبه إلى الملك. ﴿لِيُوسُفَ﴾: متعلق بـ ﴿مَكَّنَّا﴾. وكذلك يتعلق به ﴿فِي الْأَرْضِ﴾. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿لِيُوسُفَ﴾ يجوز في هذه اللام أن تكون متعلقة بـ ﴿مَكَّنَّا﴾ على أن يكون مفعول ﴿مَكَّنَّا﴾ محذوفًا تقديره: مكنا ليوسف الأمور، أو على أن يكون المفعول به ﴿حَيْثُ﴾ كما سيأتي، ويجوز أن تكون زائدة عند من يرى ذلك. اهـ. "سمين". ﴿يَتَبَوَّأُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿يوسف﴾. ﴿مِنْهَا﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿يوسف﴾، وفي "الخازن": إن هذه الجملة في المعنى تفسير للتمكين. ﴿حَيْثُ﴾: في محل النصب على الظرفية المكانية متعلق بـ ﴿يَتَبَوَّأُ﴾. ﴿يَشَاءُ﴾؛ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿يوسف﴾، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾. وفي "السمين" قوله: ﴿يَتَبَوَّأُ﴾ هذه جملة حالية من ﴿يوسف﴾، ومنها يجوز أن يتعلق بـ ﴿يَتَبَوَّأُ﴾، وأجاز أبو البقاء أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من ﴿حَيْثُ﴾، و ﴿حَيْثُ﴾ يجوز أن يكون ظرفًا بـ ﴿يَتَبَوَّأُ﴾، ويجوز أن يكون مفعولًا به. اهـ. ﴿نُصِيبُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿بِرَحْمَتِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به، والجملة مستأنفة. ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به. ﴿نَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من نشاءه. ﴿وَلَا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿نُضِيعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿نُصِيبُ﴾. ﴿أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾. ﴿وَلَأَجْرُ﴾ (الواو): استئنافية. (اللام): موطئة للقسم. ﴿أجر الآخرة﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل

стр. 5984

وفاعل صلة الموصول. ﴿وَكَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَتَّقُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على جملة الصلة. ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة استئنافًا نحويًّا ﴿فَدَخَلُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿جاء﴾. ﴿عَلَيهِ﴾: متعلق بـ ﴿دخل﴾. ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفَ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿دخلوا﴾؛ لأن العاطف هنا حرف مرتب. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿لَهُ﴾: متعلق بما بعده. ﴿مُنْكِرُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من مفعول ﴿عرف﴾ والتقدير: فعرفهم يوسف حالة كونهم جاهلين له. ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾. ﴿وَلَمَّا﴾ (الواو): استئنافية. ﴿لما﴾: حرف شرط. ﴿جَهَّزَهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفَ﴾. ﴿بجهازهم﴾: متعلق به. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفَ﴾، والجملة الفعلية جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾ مستأنفة. ﴿ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾. وإن شئت قلت: ﴿ائْتُونِي﴾: فعل وفاعل ومفعول ونون وقاية. ﴿بِأَخٍ﴾: متعلق به والجملة في محل النصب مقول قال. ﴿لكُم﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿أخٍ﴾. ﴿مِنْ أَبِيكُمْ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور قبله، أو صفة ثانية لـ ﴿أخٍ﴾. ﴿أَلَا﴾: (الهمزة): للاستفهام التقريري. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَرَوْنَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿أُوفِي الْكَيْلَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي ﴿رأى﴾ إن كانت علمية، أو منصوب على المفعولية لـ ﴿رأى﴾ إن كانت بصرية، تقديره: ألا ترون إيفائي الكيل. ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أن﴾ على كونها سادة مسد مفعول رأى. ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠)﴾.

стр. 5985

﴿فَإِنْ﴾ (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم، وأردتم بيان شأنكم إذا لم تأتوني به .. فأقول لكم ﴿إن لم تأتوني به﴾: ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم ﴿تَأْتُونِي﴾: فعل وفاعل ومفعول ونون وقاية مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وجزمه بحذف النون. ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿فَلَا﴾: (الفاء): رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿لا﴾: نافية. ﴿كَيْلَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾ النافية، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لا. ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾: جاز ومجزوم بحذف النون، وهذه النون نون الوقاية، وحذفت ياء المتكلم تخفيفًا، وجملة قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ في محل الجزم معطوفة على جملة ﴿لا﴾ النافية على كونها جوابًا لـ ﴿إن﴾: الشرطية، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١)﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ ...﴾ إلى آخر الآية: قول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿سَنُرَاوِدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على إخوة يوسف. ﴿عَنهُ﴾: متعلق به. ﴿أَبَاهُ﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَإِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَفَاعِلُونَ﴾ خبره، واللام: حرف ابتداء، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على الجملة الفعلية على كونها مقولًا لـ ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾. ﴿وَقَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفَ﴾. ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قال﴾، وإن شئت قلت: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، وجعل هنا بمعنى دس فلا يتعدى إلا إلى مفعول واحد. ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾:

стр. 5986

متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿يَعْرِفُونَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾: في محل النصب مسوقة لتعليل ما قبلها على كونها مقول ﴿قال﴾. ﴿إِذَا﴾: ظوف لما يسقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط. ﴿انْقَلَبُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَى أَهْلِهِمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، والظرف متعلق بـ ﴿انْقَلَبُوا﴾، والتقدير: لعلهم يعرفونها وقت انقلابهم إلى أهلهم. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَرْجِعُونَ﴾ في محل الرفع خبر، ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾ مسوقة لتعليل ما قبلها؛ أي: ولعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرجوع كما في "البيضاوي". ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)﴾. ﴿فَلَمَّا﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره، إذا عرفت ما قال يوسف لهم، وما عاهد عليهم من الإتيان بالأخ، وما قالوا له من مراودته من أبيه، وأردت بيان ما قالوا لأبيهم بعد ما رجعوا إلى بلادهم .. فأقول لك، ﴿لَمَّا رَجَعُوا﴾، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿رَجَعُوَا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَى أَبِيهِمْ﴾ متعلق به، والجملة فعل شرط لـ ﴿ما﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لما﴾ في محل النصب مقول الجواب إذا المقدرة. ﴿يَا أَبَانَا﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا أَبَانَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مُنِعَ﴾: فعل ماض مغيّر الصيغة. ﴿مِنَّا﴾: متعلق به. ﴿الْكَيْلُ﴾: نائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿فَأَرْسِلْ﴾ (الفاء): عاطفة تفريعية، ﴿أرسل﴾: فعل أمر؛ وفاعله ضمير يعود على يعقوب. ﴿مَعَنَا﴾: متعلق به، أو حال من ﴿أَخَانَا﴾. ﴿أَخَانَا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة مفرعة على جملة قوله: ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قَالُوا﴾. ﴿نَكْتَلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على إخوة يوسف، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَإِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَهُ﴾: متعلق بما بعده. ﴿لَحَافِظُونَ﴾: خيره،

стр. 5987

واللام حرف ابتداء، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أرسل﴾ على كونها مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة مستأنفة. ﴿هَلْ آمَنُكُمْ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿هَلْ﴾: حرف الاستفهام الإنكاري. ﴿آمَنُكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على يعقوب. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿إلّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿كَمَا﴾: ﴿الكاف﴾: حرف جر وتشبيه. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿أَمِنْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿عَلَى أَخِيهِ﴾: متعلق به. وكذا قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلق به أيضًا. والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها: في تأويل مصدر مجرور بالكاف تقديره: كأمني إياكم على أخيه من قبل، الجر والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: هل آمنكم عليه إلا أمنًا كائنًا كأمني إياكم على أخيه من قبل. ﴿فَاللهُ﴾ (الفاء): عاطفة لقول محذوف على فعل محذوف تقديره: فتوكل يعقوب على الله، ودفعه إليهم، فقال الله خير حافظًا، ﴿الله خير﴾: مبتدأ وخبر. ﴿حَافِظًا﴾: حال من الضمير المستكن في ﴿خَيْر﴾، أو تمييز منصوب باسم التفضيل، والجملة في محل النصب مقول لذلك القول المحذوف. ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ﴾ على كونها مقولًا لذلك القول المحذوف. ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾. ﴿وَلَمَّا﴾ (الواو): استئنافية. ﴿لما﴾: حرف شرط. ﴿فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول لـ ﴿وجد﴾. ﴿رُدَّتْ﴾: فعل ماضي مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على البضاعة. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب

стр. 5988

مفعول ثان لـ ﴿وجد﴾ أو حال من البضاعة، وجملة ﴿وَجَدُوا﴾ جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾ مستأنفة. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَبَانَا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا أَبَانَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مَا﴾: استفهامية في محل النصب مفعول مقدم وجوبًا. ﴿نَبْغِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على إخوة يوسف، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة موضحة لجملة قوله: ﴿مَا نَبْغِي﴾. ﴿رُدَّتْ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على البضاعة. ﴿إِلَيْنَا﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿بِضَاعَتُنَا﴾. ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على إخوة يوسف، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة محذوفة تقديرها: نستعين بها ونمير أهلنا ذكره في "الفتوحات". ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على إخوة يوسف، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على إخوة يوسف، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿يَسِيرٌ﴾: صفة ﴿كَيْلٌ﴾. ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة مستأنفة. ﴿لَنْ﴾: حرف نفي ونصب. ﴿أُرْسِلَهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿مَعَكُمْ﴾: حال من مفعول ﴿أُرْسِلَهُ﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿تُؤْتُونِ﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى بمعنى إلى، وعلامة نصبه حذف النون: لأن أصله حتى تؤتونني، والنون المذكورة نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاءً عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول أول. ﴿مَوْثِقًا﴾: مفعول ثان. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفة لـ ﴿مَوْثِقًا﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحتى بمعنى إلى تقديره: إلى إيتائكم إيايّ موثقًا من الله، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿أرسل﴾.

стр. 5989

﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. ﴿لَتَأْتُنَّنِي﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿تأتنني﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والنون المشددة: نون التوكيد الثقيلة: حرف لا محل لها من الإعراب، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين: في محل الرفع فاعل، والنون الأخيرة: نون الوقاية، و (الياء): ضمير المتكلم: في محل النصب مفعول به مبني على السكون. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مقول لقول محذوف تقديره: حتى تؤتون موثقًا من الله قائلًا: والله لتأتنني به. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أو من أعم العلل. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يُحَاطَ﴾: فعل مضارع مغير، الصيغة منصوب بـ ﴿أَن﴾. ﴿بِكُمْ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر مجرور بإضافة المستثنى المحذوف تقديره: لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم، أو لا تمتنعون من الإتيان به لعلة من العلل إلا العلة الإحاطة بكم. ﴿فَلَمَّا﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أنه أبى من الإرسال معهم حتى يؤتوه موثقًا من الله، وأردت بيان قوله وحاله بعد أخذ الميثاق منهم .. فأقول لك: لما أتوه. ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعولان؛ لأن أتى هنا بمعنى أعطى يتعدى إلى مفعولين، والجملة شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ﴾: مقول محكي لقال، وإن شئت قلت: ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿عَلَى مَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَكِيلٌ﴾. ﴿نَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على يعقوب ومن معه، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: على ما نقوله. ﴿وَكِيلٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ

стр. 5990

مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. ﴿وَقَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة معطوفة على جملة ﴿قال﴾ الأولى. ﴿يَا بَنِيَّ﴾: إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا بَنِيَّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. ﴿مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾: جار ومجرور وصفة متعلق بـ ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَادْخُلُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ أَبْوَابٍ﴾: متعلق به. ﴿مُتَفَرِّقَةٍ﴾: صفة لـ ﴿أَبْوَابٍ﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾. ﴿وَمَا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿أُغْنِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على يعقوب. ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿وَادْخُلُوا﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿شَيْءٍ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿مِنْ﴾: زاندة. ﴿شَيْءٍ﴾: مفعول ﴿أُغْنِي﴾؛ أي: أغني عنكم شيئًا من قضاء الله تعالى. ﴿إِن﴾: نافية مهملة لانتقاض نفيها بـ ﴿إِلَّا﴾. ﴿الْحُكْمُ﴾: مبتدأ. ﴿إلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول (قال). ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بما بعده. ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَعَلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بما بعده. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾: ﴿الفاء﴾: سببية كما مر في مبحث التفسير نقلًا عن "روح البيان"، و (اللام): حرف جزم وطلب. ﴿يتوكل المتوكلون﴾: فعل وفاعل مجزوم بلام الأمر، والجملة في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَلَمَّا﴾: (الواو): استئنافية. ﴿لما﴾: حرف شرط. ﴿دَخَلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿مِنْ حَيْثُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿دَخَلُوا﴾. ﴿أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر
следующие страницы →