متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿يَعْرِفُونَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾: في محل النصب مسوقة لتعليل ما قبلها على كونها مقول ﴿قال﴾. ﴿إِذَا﴾: ظوف لما يسقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط. ﴿انْقَلَبُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَى أَهْلِهِمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، والظرف متعلق بـ ﴿انْقَلَبُوا﴾، والتقدير: لعلهم يعرفونها وقت انقلابهم إلى أهلهم. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَرْجِعُونَ﴾ في محل الرفع خبر، ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾ مسوقة لتعليل ما قبلها؛ أي: ولعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرجوع كما في "البيضاوي".
﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره، إذا عرفت ما قال يوسف لهم، وما عاهد عليهم من الإتيان بالأخ، وما قالوا له من مراودته من أبيه، وأردت بيان ما قالوا لأبيهم بعد ما رجعوا إلى بلادهم .. فأقول لك، ﴿لَمَّا رَجَعُوا﴾، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿رَجَعُوَا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَى أَبِيهِمْ﴾ متعلق به، والجملة فعل شرط لـ ﴿ما﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لما﴾ في محل النصب مقول الجواب إذا المقدرة. ﴿يَا أَبَانَا﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا أَبَانَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مُنِعَ﴾: فعل ماض مغيّر الصيغة. ﴿مِنَّا﴾: متعلق به. ﴿الْكَيْلُ﴾: نائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿فَأَرْسِلْ﴾ (الفاء): عاطفة تفريعية، ﴿أرسل﴾: فعل أمر؛ وفاعله ضمير يعود على يعقوب. ﴿مَعَنَا﴾: متعلق به، أو حال من ﴿أَخَانَا﴾. ﴿أَخَانَا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة مفرعة على جملة قوله: ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قَالُوا﴾. ﴿نَكْتَلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على إخوة يوسف، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَإِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَهُ﴾: متعلق بما بعده. ﴿لَحَافِظُونَ﴾: خيره،
стр. 5987
واللام حرف ابتداء، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أرسل﴾ على كونها مقول ﴿قَالُوا﴾.
﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة مستأنفة. ﴿هَلْ آمَنُكُمْ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿هَلْ﴾: حرف الاستفهام الإنكاري. ﴿آمَنُكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على يعقوب. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿إلّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿كَمَا﴾: ﴿الكاف﴾: حرف جر وتشبيه. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿أَمِنْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿عَلَى أَخِيهِ﴾: متعلق به. وكذا قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلق به أيضًا. والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها: في تأويل مصدر مجرور بالكاف تقديره: كأمني إياكم على أخيه من قبل، الجر والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: هل آمنكم عليه إلا أمنًا كائنًا كأمني إياكم على أخيه من قبل. ﴿فَاللهُ﴾ (الفاء): عاطفة لقول محذوف على فعل محذوف تقديره: فتوكل يعقوب على الله، ودفعه إليهم، فقال الله خير حافظًا، ﴿الله خير﴾: مبتدأ وخبر. ﴿حَافِظًا﴾: حال من الضمير المستكن في ﴿خَيْر﴾، أو تمييز منصوب باسم التفضيل، والجملة في محل النصب مقول لذلك القول المحذوف. ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ﴾ على كونها مقولًا لذلك القول المحذوف.
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾.
﴿وَلَمَّا﴾ (الواو): استئنافية. ﴿لما﴾: حرف شرط. ﴿فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول لـ ﴿وجد﴾. ﴿رُدَّتْ﴾: فعل ماضي مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على البضاعة. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب
стр. 5988
مفعول ثان لـ ﴿وجد﴾ أو حال من البضاعة، وجملة ﴿وَجَدُوا﴾ جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾ مستأنفة. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَبَانَا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا أَبَانَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مَا﴾: استفهامية في محل النصب مفعول مقدم وجوبًا. ﴿نَبْغِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على إخوة يوسف، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة موضحة لجملة قوله: ﴿مَا نَبْغِي﴾. ﴿رُدَّتْ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على البضاعة. ﴿إِلَيْنَا﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿بِضَاعَتُنَا﴾. ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على إخوة يوسف، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة محذوفة تقديرها: نستعين بها ونمير أهلنا ذكره في "الفتوحات". ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على إخوة يوسف، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على إخوة يوسف، والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿يَسِيرٌ﴾: صفة ﴿كَيْلٌ﴾.
﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة مستأنفة. ﴿لَنْ﴾: حرف نفي ونصب. ﴿أُرْسِلَهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿مَعَكُمْ﴾: حال من مفعول ﴿أُرْسِلَهُ﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿تُؤْتُونِ﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى بمعنى إلى، وعلامة نصبه حذف النون: لأن أصله حتى تؤتونني، والنون المذكورة نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاءً عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول أول. ﴿مَوْثِقًا﴾: مفعول ثان. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفة لـ ﴿مَوْثِقًا﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحتى بمعنى إلى تقديره: إلى إيتائكم إيايّ موثقًا من الله، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿أرسل﴾.
стр. 5989
﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
﴿لَتَأْتُنَّنِي﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿تأتنني﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والنون المشددة: نون التوكيد الثقيلة: حرف لا محل لها من الإعراب، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين: في محل الرفع فاعل، والنون الأخيرة: نون الوقاية، و (الياء): ضمير المتكلم: في محل النصب مفعول به مبني على السكون. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مقول لقول محذوف تقديره: حتى تؤتون موثقًا من الله قائلًا: والله لتأتنني به. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أو من أعم العلل. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يُحَاطَ﴾: فعل مضارع مغير، الصيغة منصوب بـ ﴿أَن﴾. ﴿بِكُمْ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر مجرور بإضافة المستثنى المحذوف تقديره: لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم، أو لا تمتنعون من الإتيان به لعلة من العلل إلا العلة الإحاطة بكم. ﴿فَلَمَّا﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أنه أبى من الإرسال معهم حتى يؤتوه موثقًا من الله، وأردت بيان قوله وحاله بعد أخذ الميثاق منهم .. فأقول لك: لما أتوه. ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعولان؛ لأن أتى هنا بمعنى أعطى يتعدى إلى مفعولين، والجملة شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ﴾: مقول محكي لقال، وإن شئت قلت: ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿عَلَى مَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَكِيلٌ﴾. ﴿نَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على يعقوب ومن معه، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: على ما نقوله. ﴿وَكِيلٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ
стр. 5990
مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
﴿وَقَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة معطوفة على جملة ﴿قال﴾ الأولى. ﴿يَا بَنِيَّ﴾: إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا بَنِيَّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. ﴿مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾: جار ومجرور وصفة متعلق بـ ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَادْخُلُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ أَبْوَابٍ﴾: متعلق به. ﴿مُتَفَرِّقَةٍ﴾: صفة لـ ﴿أَبْوَابٍ﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾. ﴿وَمَا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿أُغْنِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على يعقوب. ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿وَادْخُلُوا﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿شَيْءٍ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿مِنْ﴾: زاندة. ﴿شَيْءٍ﴾: مفعول ﴿أُغْنِي﴾؛ أي: أغني عنكم شيئًا من قضاء الله تعالى. ﴿إِن﴾: نافية مهملة لانتقاض نفيها بـ ﴿إِلَّا﴾. ﴿الْحُكْمُ﴾: مبتدأ. ﴿إلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول (قال). ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بما بعده. ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَعَلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بما بعده. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾: ﴿الفاء﴾: سببية كما مر في مبحث التفسير نقلًا عن "روح البيان"، و (اللام): حرف جزم وطلب. ﴿يتوكل المتوكلون﴾: فعل وفاعل مجزوم بلام الأمر، والجملة في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَمَّا﴾: (الواو): استئنافية. ﴿لما﴾: حرف شرط. ﴿دَخَلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿مِنْ حَيْثُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿دَخَلُوا﴾. ﴿أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر
стр. 5991
مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر فيها يعود على دخولهم من أبواب متفرقة. ﴿يُغْنِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الدخول. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿شَيْءٍ﴾. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: مفعول ﴿يُغْنِي﴾ وجملة ﴿يُغْنِي﴾: في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾ جواب ﴿لِمَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لِمَا﴾ مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء بمعنى لكن؛ لأن الاستثناء منقطع. ﴿حَاجَةً﴾: منصوب على الاستثناء. ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة أولى لـ ﴿حَاجَةً﴾. ﴿قَضَاهَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله تعالى، وجملة ﴿قَضَاهَا﴾: في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿حَاجَةً﴾. ﴿وَإِنَّهُ﴾: (الواو): استئنافية. ﴿إن﴾: ناصب واسمه. ﴿لَذُو عِلْمٍ﴾: (اللام): حرف ابتداء. ﴿ذو علم﴾: خبر ﴿إن﴾ مرفوع بالواو، والجملة مستأنفة. ﴿لِمَا﴾: (اللام): حرف جر وتعليل. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿عَلَّمْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لتعليمنا إياه، الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: وإنما كان ذا علم لتعليمنا إياه. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: خبره، والجملة الاستدراكية معطوفة على جملة قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾؛ أي: كثيرة الأمر لصاحبها بالسوء؛ أي: شأنها الأمر بالسوء لميلها إلى الشهوات، وتأثيرها بالطبع، وصعوبة قهرها وكفها عن ذلك. والسوء: الفعل القبيح. والأمارة: صيغة مبالغة تدل على الكثرة.
﴿إِلَّا مَا رَحِمَ﴾ ﴿مَا﴾: واقعة على نفس من النفوس، فلذلك كانت بمعنى.
﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾؛ أي: أجعله خالصًا لنفسي، والاستخلاص طلب خلوص الشيء من جميع شوائب الاشتراك، فهو من باب استفعل السداسي، ولكنه بمعنى أفعل، فالسين والتاء فيه زائدتان، وإنما طلب الملك أن يستخلص يوسف لنفسه؛ لأن عادة الملوك أن ينفردوا بالأشياء النفيسة، ولا يشاركهم فيها أحد من الناس.
стр. 5992
﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾؛ أي: ذو مكانة ومنزلة أمين؛ أي: مؤتمن على كل شيء، فهما صفتان مشبهتان من مكن على وزن كرم، وأمن على وزن فرح، يقال: مكن فلان عند فلان إذا اتخذ عنده مكانة؛ أي: منزلة؛ وهي الحالة التي يتمكن بها صاحبها مما يريد. وقيل: المكانة: المنزلة والجاه، والمعنى قد عرفنا أمانتك ومنزلتك، وصدقك وبرائتك مما نسبت إليه، ومكين: كلمة جامعة لكل ما يحتاج إليه من الفضائل والمناقب في أمر الدين والدنيا. اهـ. "خازن". وفي "المصباح": مكن فلان عند السلطان مكانة - وزان ضخم ضخامة - إذا عظم عنده وارتفع، فهو مكين، ومكنته من الشيء: جعلت له عليه سلطانًا وقدرةً، فتمكن منه، واستمكن: قدر عليه، وله مكنة؛ أي: قوة وشدة، وأمكنته منه بالألف مثل مكنته، وأمكنني الأمر سهل وتيسر. اهـ.
﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾؛ أي: ولّني على خزائن الطعام والأموال، وأراد بالأرض أرض مصر. ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ للخزائن ﴿عَلِيمٌ﴾ بوجوه مصالحها. وقيل: حفيظ لما استودعني عليم لما وليتني. وقيل: حفيظ للحساب عليم أعلم لغة من يأتيني. ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: جعلنا له سلطانًا.
﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ المعرفة والعرفان: معرفة الشيء بتفكر في أثره، وضده الإنكار.
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ﴾؛ أي: وفر ركائبهم بما جاءوا لأجله.
﴿بِجَهَازِهِمْ﴾ وجهاز السفر: أهبته وما يحتاج إليه في قطع المسافة، ومثله جهاز الميت والعروس بالكسر والفتح، وبهما قرئ، والمتواتر هو الفتح. وفي "المصباح": وجهزت المسافر بالتثقيل: هيأت له بجهازه، وجهاز السفر أهبته وما يحتاج إليه في قطع المسافة - بالفتح والكسر - لغة قليلة. اهـ.
﴿أَلَا تَرَوْنَ﴾ أصله تريون، تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، فالتقى ساكنان، ثم حذفت الألف لبقاء دالها؛ وهو فتحة الراء، فصار ترون بوزن تفعون.
﴿أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ يقال: أوفى الشيء إذا جعله وافيًا تامًّا. ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾؛ أي: خير المستضيفين للضيوف وأكثرهم قرى.
стр. 5993
﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ وفي القاموس - قرب - ككرم، وقرب كسمع قربًا وقربانًا - بالضم - وقِربانًا - بالكسر - دنا فو قريب للواحد والجمع. اهـ. والمعنى هنا: لا تدنوا مني؛ أي: من بلادي؛ أي: لا تدخلوها فضلًا عن وصولكم إلي. اهـ. شيخنا.
﴿سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾؛ أي: نخادع ونستميل برفق. ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾؛ أي: لقادرون على تلك المراودة.
﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾؛ أي: لغلمانه الكيالين ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾، أي: التي اشتروا بها الطعام الذي في هذا الرحل، وكانت نعالًا وأدمًا. وقيل: دراهم، والبضاعة: المال في يستعمل للتجارة. ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾: جمع رحل، وهو ما يوضع على ظهر الدابة، وفوقه متاع الراكب وغيره، والمراد هنا الأوعية التي يجعلون فيها ما يمتارونه من الطعام. ﴿إِذَا انْقَلَبُوا﴾؛ أي: رجعوا.
﴿نَكْتَلْ﴾: أصله نكتيل بوزن نغتنم، فتحركت الياء التي هي عين الكلمة، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فوزنه الآن نفتل، وبحسب الأصل، نفتعل. اهـ. "شيخنا".
﴿هَلْ آمَنُكُمْ﴾ أصله: أأمنكم بهمزتين، فقلبت الثانية ألفًا على القاعدة.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذا الزمان.
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾؛ أي: رحالهم؛ أي: الأوعية التي وضعوا فيها الميرة. ﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾؛ أي: التي دفعوها له؛ وهي ثمن الميرة.
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾؛ أي: نجلب لهم المِيرة - بالكسر - وهي الطعام يجلبه الإنسان من بلد إلى بلد ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾؛ أي: حمل جمل، فكيل بمعنى: مكيل.
﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾، أي: قليل لا يكثر على سخائه كما جاء في قوله: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾، أو سهل لا عسر فيه كما في قوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
﴿مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ والموثق العهد المؤكد باليمين، وقيل: العهد بإشهاد الله
стр. 5994
عليه. اهـ. "خازن".
﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾؛ أي: إلا أن تغلبوا على أمركم، إلا أن تهلكوا، فإن من يحيط به العدو يهلك غالبًا، وتقول العرب: أحيط بفلان إذا هلك، أو قارب هلاكه.
﴿عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾؛ أي: مطلع رقيب، فإن الموكل بالأمر يراقبه ويحفظه.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المبالغة في قوله: ﴿لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ لم يقل: آمرة مبالغة في وصف النفس بكثرة الدفع في المهاوي والقود إلى المغاوي؛ لأن فَعَّالًا من أبنية المبالغة.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وهم المحسنون للتوصل إلى وصفهم بالإيمان والتقوى بعد وصفهم بالإحسان مبالغة في مدحهم.
ومنها: التضمين في قوله: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ ضمن جهز معنى أكرم، فلذلك عداه بالباء؛ أي: ولما أكرمهم بجهازهم؛ أي: بتحصيله لهم.
ومنها: الجناس المغاير بين ﴿الْكَيْلَ﴾ وبين ﴿نَكْتَلْ﴾ في قوله: ﴿يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾، والمماثل في قوله: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾، وفي قوله: ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ﴾؛ أي: إلا ائتمانًا كائتماني لكم على أخيه، شبه ائتمانه لهم على هذا بائتمانه لهم على ذاك. اهـ. "سمين".
ومنها: الكناية في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾؛ لأن الإحاطة حقيقة في إحاطة العدو، وهو هنا كناية عن الهلاك؛ أي: إلا أن تهلكوا.
стр. 5995
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ لما فيه من الإسناد إلى السبب؛ لأنه الآمر.
ومنها: الطباق بين عرف وأنكر في قوله: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ وهو زيادة اللفظ على المعنى المراد؛ وفائدته: تمكين المعنى من النفس ورسوخه فيها، وفيه أيضًا من المحسنات البديعية ما يسمى طباق السلب.
ومنها: القصر في قوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، وقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾، وقوله: ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
ومنها: الإتيان بصيغة الاستقبال في قوله: ﴿أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ مع أنه قال لهم هذه المقالة بعد تجهيزهم؛ للدلالة على أن ذلك عادته المستمرة.
ومنها: التعبير عما في المستقبل بالماضي في قوله ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾؛ لأنه يراد به المنع في المستقبل.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
والعناية التي خصه بها.
قال المفسرون (١): لما دخل إخوة يوسف على يوسف ﵇ .. قالوا: أيها الملك هذا أخبرنا الذي أمرتنا أن نأتيك به، فقد جئناك به، فقال لهم: أحسنتم وأصبتم، وستجدون ذلك عندي، ثم أنزلهم وأكرم نُزلهم، ثم إنه أضافهم وأجلس كل اثنين على مائدة، فبقي بنيامين وحيدًا، فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيًّا .. لأجلسني معه، فقال لهم يوسف ﵇، لقد بقي هذا وحده، فقالوا: كان له أخ، فهلك. قال لهم: فأنا أجلسه معي، فأخذه فأجلسه معه على مائدته، وجعل يؤاكله، فلما كان الليل أمرهم بمثل ذلك، وقال كل اثنين منكم ينامان على فراش واحد، فبقي بنيامين وحده، فقال يوسف: هذا ينام عندي على فراشي، فنام بنيامين مع يوسف على فراشه، فجعل يوسف يضمه إليه، ويشمّ ريحه، ويشمّ ريح أبيه منه حتى أصبح، فلما أصبح قال لهم: إني أرى هذا الرجل وحيدًا ليس معه ثان، وسأضمه إلي فيكون معي في منزلي، ثم إنه أنزلهم وأجرى عليهم الطعام، فقال رويبل: ما رأينا مثل هذا قط، فلما خلا به .. قال له يوسف: ما اسمك؟ قال: بنيامين. قال: وما بنيامين؟ قال: ابن المشكّل، وذلك أنه لما ولدته أمه هلكت. قال: وما اسم أمك؟ قال: راحيل بنت لاوى. قال: فهل لك من ولد؟ قال: لي عشرة بنين. قال: فهل لك من أخ لأمك؟ قال: كان لي أخ، فهلك. قال يوسف: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال بنيامين: ومن يجد أخًا مثلك أيها الملك، ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف ﵇، وقام إليه وعانقه و ﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ يوسف الذي فقدتموه صغيرًا ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾؛ أي: فلا تحزن، وقال أهل اللغة: تبتئس تفتعل من البؤس؛ وهو الضرر والشدة، والابتئاس: اجتلاب الحزن والبؤس؛ أي: فلا تحزن ولا تتأسف ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بنا فيما مضى من الضرر والأذى، فإن الله تعالى قد أحسن إلينا وجمع بيننا بخير؛ أي: فلا تلتفت إلى ما صنعوه بنا فيما تقدم من أعمالهم المنكرة، ولا يلحقن بك بعد الآن بؤس؛ أي: مكروه ولا شدة
стр. 5998
بسبب ما كانوا يعملون من الجفاء وسوء المعاملة بحسدهم لي ولك، وأمره أن لا يخبرهم، بل يخفي الحال عنهم. وقال بنيامين: أنا لا أفارقك أبدًا. قال يوسف ﵇: قد علمت اغتمام والدك بي، فإذا حبستك عندي ازداد غمه، ولا يمكنني هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع، وأنسبك إلى ما لا يحمد. قال: لا أبالي فافعل ما بدا لك، فإني لا أفارقك. قال يوسف ﵇: فإني أدس صاعي في رحلك، ثم أنادي عليك بالسرقة لأحتال في ردك بعد إطلاقك معهم. قال: فافعل ما شئت،
٧٠ - فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ﴾ يوسف وهيأهم ﴿بِجَهَازِهِمْ﴾؛ أي: بأهبة سفرهم؛ أي: فلما هيأ يوسف لهم ما يحتاجون إليه للسفر، وحمل لهم أحمالهم من الطعام على إبلهم، وعبّر (١) هنا بالفاء إشارة إلى طلب سرعة سيرهم وذهابهم إلى بلادهم؛ أي: لأن الغرض منه قد حصل، وقد عرفت حالهم بخلاف المرة الأولى، كان المطلوب فيها طول مدة إقامتهم؛ ليتعرف الملك حالهم. ﴿جَعَلَ﴾ يوسف ﵇ ﴿السِّقَايَةَ﴾؛ أي: المشربة - بكسر الميم - وهي صاع من ذهب مرصع بالجواهر؛ أي: على بالرصائع، وهي حلق يحلى بها، الواحدة رصيعة وكان يشرب فيه الملك، فيسمى سقاية باعتبار أول حاله، وصاعًا باعتبار آخر أمره؛ لأن الصاع آلة الكيل يسع أربعة أمداد. فالسقاية إناء يشرب منه، جعلها يوسف مكيالًا؛ لئلا يكال بغيرها، وكان يشرب فيها، أو كال بها لإخوته إكرامًا لهم، وكانت من ذهب، وقيل: من فضة، وكان الشرب في إناء الذهب والفضة مباحًا في الشريعة الأولى، فالسقاية والصُّواع اسم لإناء كما مر آنفًا؛ أي: دس يوسف مشربته التي كان يشرب فيها ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ الشقيق بنيامين؛ أي: في وعاء طعامه. والمعنى: فلما قضى لهم حاجتهم، ووفاهم كيلهم جعل الإناء الذي يكيل به الطعام في رحل أخيه. وفي قوله: ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ إيماء إلى أنه وضعها بيده، ولم يكل ذلك إلى أحد من فتيانه كتجهيزهم الأول والثاني؛ لئلا يطلعوا على مكيدته.
ثم ارتحلوا راجعين إلى بلادهم، فأمهلهم يوسف حتى خرجوا من العمران،
стр. 5999
ولما انفصلوا عن مصر نحو الشام .. أرسل يوسف وراءهم من استوقفهم، فاستوقفهم فوقفوا ﴿ثُمَّ أَذَّنَ﴾ ونادى ﴿مُؤَذِّنٌ﴾؛ أي: مناد من فتيان يوسف، قيل: اسمه أفراييم كما في "روح البيان"؛ أي: نادى منادٍ برفع صوته مرارًا كثيرة قائلا: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾؛ أي: أيتها القافلة التي فيها الأحمال ويا أصحاب الإبل التي عليها الأحمال. والعير (١) في الأصل: كل ما يحمل عليه من الإبل والحمير والبغال، سمي بذلك؛ لأنه يعير؛ أي: يذهب ويجيء، والمراد هنا: أصحاب الإبل ونحوها. ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ صواعنا فقفوا لنفتشكم. وقرأ عبد الله فيما نقل الزمخشري شذوذًا: ﴿وجعل السقاية في رحل أخيه ثم أمهلهم حتى انطلقوا ثم أذن﴾. وفي نقل ابن عطية ﴿وجعل السقاية﴾ - بزيادة واو - دون الزيادة التي زادها الزمخشري بعد قوله: ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ وثم تنتفي المهلة بين جعل السقاية والتأذين، ذكره أبو حيان.
والخلاصة: افتقد فتيان يوسف ﵇ السقاية (٢)؛ لأنها الصواع الذي يكيلون به للمتارين، فلم يجدوها، فأذن مؤذنهم بذلك؛ أي: كرر النداء به كدأب الذين ينشدون المفقود في كل زمان ومكان قائلًا: أيتها العير إنكم لسارقون؛ أي: يا أصحاب العير قد ثبت عندنا أنكم سارقون، فلا ترحلوا حتى نفتشها في رحالكم.
فإن قلت: (٣) هل كان هذا النداء بأمر يوسف ﵇ أم لا؟، فإن كان بأمره، فكيف يليق بيوسف مع علو منصبه، وشريف رتبته من النبوة والرسالة أن يتهم أقومًا، وينسبهم إلى السرقة كذبًا مع علمه ببراءتهم عن تلك التهمة التي نسبوا إليها؟
قلت: ذكر العلماء عن هذا السؤال أجوبة:
أحدها: أن يوسف لما أظهر لأخيه أنه أخوه قال: لست أفارقك، قال: لا سبيل إلى ذلك إلا بتدبير حيلة أنسبك فيها إلى ما لا يليق، قال: رضيت بذلك،
стр. 6000
فعلى هذا التقدير لم يتألم قلبه بسبب هذا الكلام، بل قد رضي به، فلا يكون ذنبًا.
الثاني: أن يكون المعنى: إنكم لسارقون ليوسف من أبيه إلا أنهم ما أظهروا هذا الكلام، فهو من المعاريض، وإنَّ في المعاريض مندوحةً عن الكذب.
الثالث: يحتمل أن يكون المنادي ربما قال ذلك على سبيل الاستفهام، وعلى هذا التقدير لا يكون كذبًا.
والرابع: ليس في القرآن ما يدل على أنهم قالوا ذلك بأمر يوسف، وهو الأقرب إلى ظاهر الحال؛ لأنهم لمَّا طلبوا السقاية، فلم يجدوها، ولم يكن هناك أحد غيرهم .. غلب على ظنهم أنهم هم الذين أخذوها، فقالوا ذلك بناء على غلبة ظنهم. اهـ. "خازن".
٧١ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال أخوة يوسف للمؤذن ومن معه ﴿و﴾ قد وقفوا و ﴿أقبلوا عليهم﴾؛ أي: والحال أنهم قد التفتوا إلى جماعة الملك المؤذن وأصحابه ﴿مَاذَا﴾ تعدمون، وأي شيء ﴿تَفْقِدُونَ﴾؛ أي: تطلبون، وما الذي ضاع منكم. والفقد: غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه، تقول: فقدت الشيء إذا عدمته بأن ضل عنك لا بفعلك. وقرأ السلمي شذوذًا (١): ﴿تَفْقِدُونَ﴾ - بضم التاء - من أفقدته إذا وجدته فقيدًا، نحو أحمدته إذا وجدته محمودًا، وضَعَّف هذه القراءة أبو حاتم. قال أهل الأخبار (٢): لما وصل الرسل إلى إخوة يوسف قالوا لهم: ألم نكرمكم ونحسن ضيافتكم، ونوف إليكم الكيل ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم؟؛ قالوا: بلى، وما ذاك؟ قالوا: فقدنا سقاية الملك ولا نتهم عليها غيركم، فذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: عطفوا على المؤذن وأصحابه، وقالوا ما الذي تفقدون، والفقدان: ضد الوجود.
٧٢ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال المؤذن وأصحابه في جوابهم ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾؛
стр. 6001
أي: نطلب إناء الملك الذي كان يشرب فيه ويكيل به، وإنما اتخذ هذا الإناء مكيالًا لعزة ما يكال به في ذلك الوقت؛ أي: نفقد الصواع الذي عليه شارة الملك، وقرأ الجمهور (١): ﴿صُوَاعَ﴾ بزنة غراب بضم الصاد بعدها واو مفتوحة بعدها ألف بعدها عين مهملة. وقرأ أبو حيوة والحسن وابن جبير فيما نقل ابن عطية كذلك إلا أنه كسر الصاد.
وقرأ أبو هريرة ومجاهد: ﴿صاع﴾ - بغير واو - وعلى وزن ناب، فالألف فيها بدل من الواو المفتوحة. وقرأ أبو رجاء: ﴿صوع﴾ على وزن قوس. وقرأ عبد الله بن عون بن أبي أرطبان: ﴿صرع﴾ - بضم الصاد - وقرأ أبيّ: ﴿صياع﴾. وكلها لغات في الصاع. وقرأ الحسن وابن جبير فيما نقل عنهما صاحب "اللوامح" ﴿صواغ﴾ - بالغين المعجمة - على وزن غراب. وقرأ يحيى بن يعمر كذلك إلا أنه يحذف الألف، ويسكن الواو. وقرأ زيد بن علي: ﴿صوغ﴾ مصدر صاغ، وصواغ وصوغ مشتقان من الصوغ مصدر صاغ يصوغ أقيما مقام المفعول بمعنى مصوغ الملك. فهذه ثمان قراءات في هذا الحرف كلها لغات، والمتواتر منها واحدة وهي قراءة الجمهور، وهذا اللفظ يذكر ويؤنث، ويجمع الصواع على صيعان كغراب وغربان، والصاع على أصوع.
قال المؤذن: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ﴾؛ أي: بالإناء من عند نفسه مظهرًا له قبل التفتيش ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾؛ أي: حمولة جمل من الطعام أجرة له وجعلًا. ﴿وَأَنَا بِهِ﴾؛ أي: بذلك الحمل ﴿زَعِيمٌ﴾؛ أي: كفيل ضامن أؤديه إليه؛ لأن الإناء كان من الذهب، وقد اتهمني الملك. وفي "البحر": ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ﴾؛ أي: ولمن دل على سارقه وفضحه ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾؛ أي: وسق بعير من طعام جعلًا لمن حصله. وفي قوله: ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ دليل على أن عيرهم كانت الإبل لا الحمير (٢).
وهذه الآية (٣): تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم، وقد حكى رسول الله ﷺ بها في قوله: " .. الحميل غارم" والحميل: الكفيل.
стр. 6002
فإن قلت: كيف تصح هذه الكفالة مع أن السارق لا يستحق شيئًا؟
قلت: لَمْ يكونوا سراقًا في الحقيقة، فيحمل ذلك على مثل رد الضائع، فيكون جعالة، ولعل مثل هذه الكفالة كانت جائزة عندهم في ذلك الزمان، فيحمل عليه.
٧٣ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: إخوة يوسف متعجبين من مقالة الرسل ﴿تَاللَّهِ﴾ قسم فيه معنى التعجب مما أضيف إليهم من السرقة، والتاء بدل من الواو مختصة باسم الله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ فيه معنى القسم، فهو تأكيد للقسم قبله؛ أي: والله لقد علمتم وعرفتم يا أصحاب يوسف ﴿مَا جِئْنَا﴾ نحن في هذه البلدة ﴿لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لنفعل الفساد في أرض مصر بمضرة الناس ولنسرق فيها، فإنه من أعظم الفساد ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِين﴾؛ أي: ما كنا نوصف بالسرقة قط. والمعنى: (١) ما أعجب حالكم؛ أنتم تعلمون علمًا جليًّا من ديانتنا وفرط أمانتنا، أننا بريئون مما تنسبون إلينا فكيف تقولون لنا إنكم لسارقون؟ لأنه (٢) قد ظهر من أحوالهم وامتناعهم من التصرف في أموال الناس بالكلية لا بالأكل ولا بإرسال الدواب في مزارع النَّاس، ولأنهم لما وجدوا بضاعتهم في رحالهم حملوها من بلادهم إلى مصر، ولم يستحلوا أخذها. وإنما حكموا بعلمهم ذلك (٣)؛ لأن العلم بأحوالهم الشاهدة يستلزم العمل بأحوالهم الغائبة. قال المفسرون (٤): إن إخوة يوسف حلفوا على أمرين:
أحدهما: أنهم ما جاؤوا لأجل الفساد في الأرض.
والثاني: أنهم ما جاؤوا سارقين، وإنما قالوا هذه المقالة؛ لأنه كان قد ظهر من أحوالهم ما يدل على صدقهم، وهم أنهم كانوا مواظبين على أنواع الخير والطاعة والبر حتى بلغ من أمرهم أنهم شدوا أفواه دوابهم؛ لئلا تؤذي زرع الناس، ومن كانت هذه صفته .. فالفساد في حقه ممتنع. وأما الثاني وهو أنهم ما كانوا سارقين، فلأنهم قد كانوا ردوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم، ولم
стр. 6003
يستحلوا أخذها، ومن كانت هذه صفته. . فليس بسارق، فلأجل ذلك قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾،
٧٤ - فلما تبينت براءتهم من هذه التهمة ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال أصحاب يوسف؛ وهو المنادي وأصحابه: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾؛ أي: أي فما جزاء السارق. قال النسفي: الضمير للصواع، ولكنه على حذف مضاف؛ أي: فما جزاء سرقة الصواع عندكم وفي شريعتكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ في قولكم: ﴿مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾؛ أي: إن كنتم كاذبين في جحودكم ونفي كون الصواع فيكم.
٧٥ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال إخوة يوسف: ﴿جَزَاؤُهُ﴾: مبتدأ ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾: خبره، ولكنه على تقدير مضاف في الطرفين؛ أي: جزاء سرقة الصواع هو استرقاق من وجد الصواع في رحله سنة، ثم يخلى سبيله، فهذه شريعتهم. يعني (١) جزاء السارق الذي وجد في رحله أن يسلم برقبته إلى المسروق منه، فيسترقه سنة، وكان ذلك سنة آل يعقوب في حكم السارق، وكان في حكم ملك مصر أن يضرب السارق ويغرم ضعفي قيمة المسروق، وكان هذا في شرعهم في ذلك الزمان يجري مجرى القطع في شرعنا، فأراد يوسف أن يأخذ بحكم أبيه في السارق، فلذلك ردّ الحكم إليهم. والمعنى: إن جزاء السارق أن يستعبد سنة للمسروق منه جزاء له على جرمه وسرقته، وقوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾؛ أي: فاسترقاق ذلك السارق سنة هو جزاء سرقة الصواع لا غير، تقرير للحكم المذكور، وتأكيد له بإعادته كما تقول: حق الضيف أن يكرم فهو حقه، والقصد من الأول: إفادة الحكم، ومن الثاني: إفادة أن ذلك هو الحق الواجب في مثل هذا؛ أي: فهذه (٢) الجملة بمعنى التي قبلها. ﴿كَذَلِك﴾؛ أي: مثل ذلك الجزاء المذكور بقوله: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ والمراد به: استرقاق السارق ﴿نَجْزِي﴾ في شريعتنا وحكمنا ﴿الظَّالِمِينَ﴾ للناس بالسرقة لأمتعتهم وأموالهم في شريعتنا، فنحن أشد الناس عقابًا للسراق؛ أي: نحكم ونفتي باسترقاق كل سارق؛ لأنه شرعنا المقرر
стр. 6004
فيما بيننا؛ أي: مثل (١) هذا الجزاء الأوفى نجزي الظالمين بالسرقة، قالوا ذلك ثقة بكمال برائتهم منها، وهم عما فعل بهم غافلون، وهذا تأكيد منهم بعد تأكيد لثقتهم ببراءة أنفسهم. وهذه الجملة (٢) من بقية كلام إخوة يوسف، وقيل: من كلام أصحاب يوسف جوابًا لقول إخوته ذلك، فردوا لتفتيش أوعيتهم إلى يوسف ﵇ من المكان (٣) الذي لحقهم فيه جماعة الملك، وتقدم أنهم وصلوا إلى خارج مصر، وقيل: إلى بلبيس. اهـ. "شيخنا".
٧٦ - ﴿فَبَدَأَ﴾ يوسف بعد ما رجعوا إليه ﴿بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾؛ أي: بتفتيش أوعية الأخوة العشرة التي تشتمل عليها رحالهم ﴿قَبْلَ﴾ تفتيش ﴿وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ الشقيق بنيامين؛ لنفي التهمة وابتعادًا عن الشبهة بطريق الحيلة. روي أنه لما بلغت النوبة إلى وعائه .. قال: ما أظن هذا أخذ شيئًا، فقال إخوة يوسف: والله لا نتركك حتى تنظر في رحله، فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا. وقرأ الحسن: ﴿من وعاء﴾ - بضم الواو - وجاء كذلك عن نافع. وقرأ ابن جبير: ﴿من إعاء﴾ - بإبدال الواو المكسورة همزة - كما قالوا إشاح وإسادة في وشاح ووسادة، وذلك مطرد في لغة هذيل يبدلون من الواو المكسورة الواقعة أولًا همزةً وهاتان القراءتان شاذتان.
وأنث الضمير الراجع إلى الصواع في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا﴾ نظرًا لمعنى السقاية، أو لكون الصواع يذكر ويؤنث؛ أي: ثم بعد أن فرغ يوسف من تفتيش أوعيتهم فتش وعاء أخيه، فاستخرجها ﴿مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾؛ أي: أخرج الصواع والسقاية من رحل أخيه بنيامين، فقال له فرَّجك الله كما فرجتني.
فلما وجد الصاع مدسوسًا في رحل بنيامين (٤)، واستخرج منه نكسوا رؤوسهم وانقطعت ألسنتهم، فأخَذوا بنيامين مع ما معه من الصواع، وردوه إلى يوسف، وأخذوا يشتمونه بالعبرانية، وقالوا له: يا لص ما حملك على سرقة صاع الملك، ولا يزال ينالنا منك بلاء كما لقينا من ابن راحيل، فقال بنيامين: بل ما
стр. 6005
لقي إبنا راحيل البلاء إلا منكم، فأما يوسف فقد علمتم ما فعلتم به، وأما أنا فسرقتموني؛ أي: نسبتموني إلى السرقة قالوا: فمن جعل الإناء في متاعك؟ أليس قد خرج من رحلك؟ قال: إن كنتم سرقتم بضاعتكم الأولى وجعلتموها في رحالكم، فكذلك أنا سرقت الصاع وجعلته في رحلي، فقال روبيل: لقد صدق، وأراد بنيامين أن يخبرهم بخبر يوسف، فذكر وصيته له فسكت.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك الكيد العجيب والتدبير الخفي، وهو عبارة عن إرشاد الإخوة إلى الإفتاء المذكور بإجرائه على ألسنتهم، وبحملهم عليه بواسطة المستفتين من حيث لم يحتسبوا ﴿كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾؛ أي: (١) صنعنا له ودبرنا لأجل تحصيل غرضه من المقدمات التي رتبها من دس الصواع وما يتلوه. والكيد في الأصل عبارة عن المكر والخديعة، وهو أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه.
أي: مثل (٢) ذلك الحكم الذي ذكره إخوة يوسف من استرقاق السارق حكمنا به ليوسف، والمعنى: كما ألهمنا إخوة يوسف أن احكموا أن جزاء السارق أن يسترق .. كذلك ألهمنا يوسف ما فعله من دس الصواع في رحل أخيه ليضمه إليه على ما حكم به إخوته. والكيد (٣) مبدؤه السعي في الحيلة والخديعة، ونهايته إلقاء المخدوع من حيث لا يشعر في أمر مكروه لا سبيل إلى دفعه، وهو محمول في حقه سبحانه على النهاية لا على البداية. وفي الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف شرعًا ثابتًا.
وقوله: ﴿مَا كَانَ﴾ يوسف ﴿لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ بنيامين ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾؛ أي: في دين ملك مصر وحكمه قضائه وشريعته التي كان عليها استئناف تعليل لما صنعه الله تعالى من الكيد ليوسف، أو تفسير له كأنه قيل: لماذا فعل يوسف ذلك؟ فقيل: لأنه لم يكن ليأخذ أخاه بما فعل في دين ملك مصر في أمر
стр. 6006
السارق؛ أي: في حكمه وقضائه إلا بما فعل.
بل كل دين الملك وقضاؤه أن يضرب السارق ويغرم ضعف ما سرقه دون الاستعباد سنة كما هو دين يعقوب وشريعته.
وحاصله: أن يوسف ما كان يتمكن من إجراء حكم يعقوب على أخيه مع كونه مخالفًا لدين الملك وشريعته لولا ما كاد الله له ودبره وأرادوه حتى وجد السبيل إليه؛ وهو ما أجراه على ألسن إخوته من قولهم: إن جزاء السارق الاسترقاق، فكان قولهم هذا هو بمشيئة الله تعالى وتدبيره، وهو معنى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾؛ أي: لم يكن يوسف يأخذ أخاه في حكم الملك بسبب من الأسباب إلا بسبب مشيئة الله تعالى وهو حكم أبيه، فالاستثناء من أعم الأحوال؛ أي: لم يكن يتمكن من أخذه وضمه إليه في دين الملك بالسرقة التي نسبها إليه في حال من الأحوال إلا حال مشيئته تعالى التي هي عبارة عن إرادته لذلك الكيد، وإلا حال مشيئته للأخذ بذلك الوجه. قال الكواشي: لولا شريعة أبيه لما تمكن من أخذ أخيه. انتهى. ولما كانت هذه الوسيلة إلى تلك الغاية الشريفة منكرة بحسب الظاهر؛ لأنها تهمة باطلة، وكان من شأن يوسف أن يتباعد عنها ويتحاماها إلا بوحي من الله تعالى .. بين أنه فعل ذلك بإذن الله ومشيئته، فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾؛ أي: إنه فعل ذلك بإذن الله ووحيه، لا أنه هو الذي اخترع هذه المكيدة؛ لأن ذلك كله كان إلهامًا من الله ليوسف وإخوته حتى جرى الأمر على وفق المراد.
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ﴾؛ أي: نرفع إلى درجات كثيرة ورتب عالية من العلم ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ رفعه في العلم من عبادنا حسبما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة كما رفعنا يوسف على إخوته في العلم، والمعنى: نرفع درجات من نشاء بضروب العلوم والمعارف والعطايا والكرامات كما رفعنا درجة يوسف بذلك. وانتصاب (١) ﴿دَرَجَاتٍ﴾: إما على المصدرية؛ أي: نرفع رفع درجات، وإما على الظرفية؛
стр. 6007
أي: في درجات، أو بنزع الخافض؛ أي: إلى درجات.
والمعنى (١): أي: نرفع من نشاء درجات كثيرة في العلم والإيمان، نريه وجوه الصواب في بلوغ المراد كما رفعنا درجات يوسف على إخوته في كل شيء. وفي هذا (٢) إيماء إلى أن العلم الشريف أشرف المقامات وأعلى الدرجات؛ لأن الله تعالى مدح يوسف ورفع درجته على إخوته بالعلم، وبما ألهمه على وجه الهداية والصواب في الأمور كلها. وقرأ الكوفيون حمزة والكسائي وعاصم وابن محيصن (٣): ﴿نَرفَع﴾ - بنون - ﴿دَرَجَاتٍ﴾ - منونًا - ﴿من يشاء﴾ - بالنون -. وباقي السبعة كذلك إلا أنهم أضافوا ﴿دَرَجَاتٍ﴾. وقرأ يعقوب بالياء في: ﴿يرفع﴾ و ﴿يشاء﴾؛ أي: يرفع الله تعالى درجات من يشاء رفع درجاته. وقرأ عيسى البصرة شاذًا: ﴿نَرْفَع﴾ - بالنون - ﴿دَرَجَاتٍ﴾ - منونًا - ﴿من يشاء﴾ - بالياء -. قال صاحب "اللوامح": وهذه قراءة مرغوب عنها تلاوة وجملة، وإن لم يمكن إنكارها. وقال ابن عطية، وقرأ الجمهور: ﴿نَرْفَع﴾ على ضمير المعظم، وكذلك ﴿نَشَاءُ﴾. وقرأ الحسن وعيسى ويعقوب بالياء؛ أي: الله تعالى. انتهى.
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾؛ أي: وفوق كل صاحب علم من الخلائق ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: من هو أوسع وأكثر منه إحاطة بالعلم، وأرفع درجة منه فيه إلى أن يصل الأمر إلى من أحاط بكل شيء علمًا، وهو فوق كل ذي علم. يعني: ليس من عالم إلا وفوقه أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى، وعليم صيغة مبالغة، أو المعنى: وفوق كل ذي علم من العلماء كلهم عليم هم دونه في العلم، وهو الله ، ذكره النسفي.
وخلاصة ذلك: أن إخوة يوسف كانوا علماء فضلاء إلا أن يوسف كان أعلم منهم. وقرأ عبد الله شاذًا (٤): ﴿وفوق كل ذي عالم﴾ فخرَّجت على زيادة ذي، أو على أن قوله: ﴿عالم﴾ مصدر بمعنى علم كالباطل، أو على أن التقدير:
стр. 6008
وفوق كل ذي شخص عالم. قال ابن الأنباري (١): يجب أن يتهم العالم نفسه، ويستشعر التواضع لمواهب ربه ، ولا يطمع نفسه في الغلبة؛ لأنه لا يخلو عالم من عالم فوقه. انتهى.
٧٧ - ولما خرج الصواع من رحل بنيامين .. افتضح الإخوة ونكسوا رؤوسهم و ﴿قَالُوَا﴾ تبرئة لساحتهم ﴿إِنْ يَسْرِقْ﴾ بنيامين .. فلا عجيب لسرقته ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ﴾؛ أي: أخ لبنيامين يريدون به يوسف ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل سرقته الآن، فالسرقة جاءت لهما وراثة من أمهما؛ إذ هما لا ينفردان منا إلا بها. وفي قولهم هذا إيماءٌ إلى أن الحسد لا يزال كامنًا في قلوبهم لاختلاف الأمهات، ولمزيد محبة الأب لهما، وأتوا (٢) بـ ﴿إِن﴾ المفيدة للشك؛ لأن ليس عندهم تحقق سرقته بمجرد إخراج الصاع من رحله، وبالمضارع لحكاية الحال الماضية.
وأصح ما قيل في سرقة يوسف (٣): ما رواه ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعًا قال: "سرق يوسف ﵇ صنمًا لجده أبي أمه من ذهب وفضة، فكسره وألقاه في الطريق، فعيره بذلك إخوته". وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان أول ما دخل على يوسف ﵇ من البلاء فيما بلغني أن عمته - وكانت أكبر ولد إسحاق ﵇ كانت إليها منطقة إسحاق؛ إذ كانوا يتوارثونها بالكبر، وكان يعقوب حين ولد له يوسف ﵇ قد حضنته عمته، فكان معها، فلم يحب أحد شيئًا من الأشياء كحبها إياه بحيث لا تصبر عنه، فلما شب أراد يعقوب أن ينزعه منها، فأتاها فقال: يا أخية سلِّمي إلى يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة، قالت: فوالله ما أنا بتاركته، فدعه عندي أيامًا أنظر إليه لعل ذلك يسليني عنه، فلما خرج يعقوب من عندها عمدت إلى منطقة إسحاق ﵇، فحزمتها على يوسف ﵇ من تحت ثيابه، ثم قالت: فقدت منطقة إسحاق، فانظروا من أخذها ومن
стр. 6009
أصابها، فالتمست ثم قالت: اكشفوا أهل البيت فكشفوهم فوجدوها مع يوسف ﵇ مشدودةً عليه تحت ثيابه، فقالت: إنه سرقها مني، فقالت: والله إنه لسلم لي أصنع فيه ما شئت، فأتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذلك إن كان فعل فهو سلم لك ما أستطيع غير ذلك، فأمسكته فما قدر عليه حتى ماتت، وكان حكمهم أن من سرق يُسترق، فتوسلت بهذه الحيلة إلى إمساكه عندها.
وهذا هو الذي عناه إخوته بقولهم: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ وهذه الروايات لا يوثق بها كما لا يدل شيء منها على سرقة حقيقية.
﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾؛ أي: فأضمر يوسف مقالتهم هذه، أعني قولهم: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ﴾ في نفسه، ولم يجبهم عنها، لا أنه أسرها في بعض أصحابه كما في قوله: ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾؛ أي: أكن الحزازة الحاصلة مما قالوا في نفسه وقلبه. والحزازة: وجع في القلب من غيظ ونحوه كما في "القاموس".
﴿وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾؛ أي: لم يظهرها لهم ولم يؤأخذهم بها لا قولًا ولا فعلًا صفحًا عنهم وحلمًا، كأنه قيل: فماذا قال في نفسه عند تضاعيف ذلك الإسرار؟ فقيل: ﴿قَالَ﴾ يوسف في نفسه ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾؛ أي: أقبح منزلة في السرقة حيث سرقتم أخاكم من أبيكم، ثم طفقتم تفترون على البريء، وهذه الجملة تفسير لما أسرَّه يوسف؛ أي: (١) قال في نفسه: أنتم شر في مكانتكم ومنزلتكم ممن تعرضون به أو تفترون عليه بالسرقة؛ إذ أنكم سرقتم من أبيكم أحب أولاده إليه وعرضتموه للهلاك والرق، وقلتم لأبيكم: قد أكله الذئب .. إلخ.
وعن ابن عباس ﵄ (٢): عوقب يوسف بثلاث: حين همَّ بزليخا فسجن، وحين قال: اذكرني عند ربك فلبث في السجن بضع سنين، وحين قال:
стр. 6010
إنكم لسارقون فردوا عليه، فقالوا: فقد سرق أخ له من قبل.
﴿وَاللَّه﴾ ﴿أَعْلَم﴾ منكم ﴿بما تصفون﴾ ـه به من السرقة؛ أي: أعلم بحقيقة ما تذكرون من أمر يوسف يوجب عود مذمة إليه أم لا؟ لأنه هو العلم بحقائق الأمور، فيعلم كيف كانت سرقة الذي أحلتم سرقته عليه؛ أي: والله أعلم أسرق أخ له أم لا، فـ ﴿أعلم﴾ على ما قررناه على معناه التفضيلي، فإن قيل: لم يكن فيهم علم، والتفضيل يقتضي الشركة .. قلنا: يكفي الشركة بحسب زعمهم، فإنهم كانوا يدعون العلم لأنفسم، ألا ترى إلى قولهم: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ على سبيل الجزم كما في "الحواشي السعدية".
وقيل: إن المفاضلة ليست على بابها، والمعنى عليه: والله تعالى أعلم؛ أي: عالم علمًا بالغًا إلى أقصى المراتب بأن الأمر ليس كما تصفون من صدور السرقة منا، بل إنما هو افتراء علينا، فالصيغة لمجرد المبالغة لا لتفضيل علمه على علمهم، كيف لا وليس لهم بذلك من علم.
روي: أنهم كلموا العزيز في إطلاق بنيامين، فقال روبيل: أيها الملك لتردن إلينا أخانا، أو لأصيحن صيحة تضع منها الحوامل في مصر، وقامت شعور جسده، فخرجت من ثيابه، وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لا يطاقون، خلا أنه إذا مس من غضب واحد منهم .. سكن غضبه، فقال يوسف لابنه: قم إلى جنبه فمسه. ويروى: خذ بيده فمسه، فسكن غضبه، فقال روبيل: إن هنا لبذرًا من بذر يعقوب، فقال يوسف: مَنْ يعقوب؟ ولما رأوا أن لا سبيل لهم إلى تخليصه خضعوا وأرادوا أن يستعطفوه ليطلق لهم أخاه بنيامين، فيرجعوا به إلى أبيهم؛ لأنه قد أخذ عليهم الميثاق بأن يردوه إليه
٧٨ - و ﴿قَالُوا﴾ له مستعطفين ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾؛ أي: يا أيها الملك ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا﴾؛ أي: إن لبنيامين ﴿أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾؛ أي: طاعنًا في سن الكبر لا يكاد يستطيع فراقه، وهو علالته التي يتعلل بها عن شقيقه الهالك، أو هو كبير القدر جدير بالرعاية كما علمت مما سلف في قصصه ومن تعلقه به ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾؛ أي: بدله على وجه الاسترهان أو الاسترقاق،
стр. 6011
فلسنا عنده بمنزلته من المحبة والشفقة عنده. ثم عللوا رجاءهم في إجابته بقولهم: ﴿إِنَّا نَرَاكَ﴾ أيها الملك ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلينا في ميرتنا وضيافتنا وتجهيزنا، فأتم إحسانك إلينا بهذه النعمة، فما الإنعام إلا بالإتمام، أو المعنى: إن من عادتك الإحسان مطلقًا، فاجر على عادتك ولا تغيرها، فنحن أحق الناس بذلك.
٧٩ - فأجابهم يوسف عن مقالتهم هذه بقوله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول به؛ أي: نعوذ باللهِ معاذًا من ﴿أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾؛ أي: إلا من وجدنا صواعنا عنده مدسوسًا في رحله، وهو بنيامين لأنا قد أخذناه بفتواكم: ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ فلا يسوغ لنا أن نخل بموجبها.
ولم يقل (١): إلا من سرق متاعنا اتقاءً للكذب؛ لأنه يعلم أنه ليس بسارق ﴿إِنَّا إِذًا﴾ أي: إذا أخذنا غير من وجد متاعنا عنده، وأخذنا بريئًا بمذنب ولو برضاه ﴿لَظَالِمُونَ﴾ من وجهين: مخالفة شرعكم ونص فتواكم، ومخالفة شريعة الملك. قال في "بحر العلوم": ﴿إِذًا﴾ جواب لهم وجزاء؛ لأن المعنى: إن أخذنا بدله ظلمنا، هذا ظاهره، وأما باطنه فهو أن الله أمرني بالوحي أن آخذ بنيامين لمصالح علمها الله في ذلك، فلو أخذت غيره لكنت ظالمًا وعاملًا بخلاف الوحي، فصرت ظالمًا لنفسي.
٨٠ - ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا﴾؛ أي: فلما يئس إخوة يوسف غاية اليأس بدلالة صيغة الاستفعال، واستحكم اليأس في أنفسهم ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من قبول العزيز لشفاعتهم واستعطافهم بعد أن أقام الحجة عليهم بشرعهم وفتواهم، وأنه إن فعل غيره يكون ظالمًا بمقتضى شريعتهم وشريعة ملك مصر ﴿خَلَصُوا﴾؛ أي: اعتزلوا وانفردوا عن الناس خالصين لا يخالطهم غيرهم حالة كونهم ﴿نَجِيًّا﴾؛ أي: متناجين متحدثين في تدبير أمرهم، ومتشاورين على أي صفة يذهبون وماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم إذا رجعوا. وقرأ البزّي عن ابن كثير (٢): ﴿اسْتَيْأَسُوا﴾ بوزن استفعلوا من أيس مقلوبًا من يئس، ومعناهما واحد. ودليل القلب كون ياء أيس
стр. 6012
لم تنقلب ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وخلاصة ذلك (١): أن أولئك الإخوة العشرة بعد أن انتهى كبيرهم من استعطاف العزيز وعدم جدوى ما فعل .. غادر كل منهم رحله، وانضم بعضهم إلى بعض، وأدنى رأسه من رأسه، وأرهفوا آذانهم للنجوى.
والمعنى: فلما أيسوا من يوسف أن يجيبهم لما سألوه، وقيل: أيسوا من أخيهم أن يرد عليهم .. خلا بعضهم ببعض يتناجون ويتشاورون ليس فيهم غيرهم ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في السن وهو روبيل، أو في العقل وهو يهوذا، أو رئيسهم وهو شمعون، وكانت له الرياسة على إخوته كأنهم أجمعوا عند التناجي على الانقلاب والرجوع إلى أبيهم جملة، ولم يرض ذلك، فقال منكرًا عليهم: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا﴾ والاستفهام فيه للتقرير؛ أي: قال كبيرهم قد علمتم أيها القوم يقينًا ﴿أنَّ أَبَاكُمْ﴾ يعقوب ﴿قَدْ أَخَذَ﴾ وجعل ﴿عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ تعالى؛ أي: عهدًا مؤكدًا باليمين من الله لتردنه إليه إلا أن يحاط بكم، وقد رأيتم كيف تعذر ذلك عليكم، وكونه من الله لإذنه فيه.
والجار والمجرور في قوله: ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: ومن قبل هذا متعلق بـ ﴿فَرَّطْتُم﴾ الآتي، و ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ زائدة؛ أي: ومن (٢) قبل أخذكم العهد في شأن بنيامين قصرتم في شأن يوسف، ولم تفوا بوعدكم على النصح والحفظ له، أو مصدرية عطفًا على مفعول ﴿تَعْلَمُوا﴾؛ أي: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقًا من الله وتفريطكم السابق في شأن يوسف، أو ترككم ميثاقه في حق يوسف، أو موصولة عطفًا على مفعول ﴿تَعْلَمُوا﴾ أيضًا؛ أي: ألم تعلموا أخذ أبيكم موثقًا من الله في شأن بنيامين، والذي قدمتموه في حق يوسف من الخيانة العظيمة من قبل تقصيركم في بنيامين، وكيف أن أباكم قد قاسى من أجله من الحزن ما قاسى.
стр. 6013
﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾؛ أي: فلن أفارق أرض مصر ذاهبًا منها ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ بتركها وبترك بنيامين فيها والرجوع إليه، ضمن (١) ﴿أَبْرَحَ﴾ معنى المفارقة، فعدي إلى المعفول، و ﴿أَبْرَحَ﴾ هنا تامة لا ناقصة؛ لأن الأرض لا تحمل على المتكلم، وكأن أيمانهم معقودة على عدم الرجوع بغير إذن يعقوب ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بالخروج منها على وجهٍ لا يؤدي إلى نقض الميثاق، أو بخلاص أخي من يد العزيز بسبب من الأسباب كأن يتركه العزيز لي بإلهام منه تعالى، أو بسبب آخر ﴿وَهُو﴾ ﴿خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ وأفضلهم؛ لأنه لا يحكم إلا بما هو الحق والعدل، وهو المسخر للأسباب والمقدر للأقدار، والمراد من هذا الكلام الالتجاء إلى الله تعالى في إقامة عذره عند والده يعقوب ﵇، ثم أمرهم أن يقولوا لأبيهم ما يزيلون به التهمة عن أنفسهم،
٨١ - فقال: ﴿ارْجِعُوا﴾ يا إخوتي ﴿إِلَى أَبِيكُمْ﴾ يعقوب دوني ﴿فَقُولُوا﴾ له متلطفين بخطابكم: ﴿يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ﴾ بنيامين ﴿سَرَقَ﴾ صواع الملك من ذهب فيما يظهر لنا، فاسترقه وزيره العزيز القائم بالأمر في مصر عملًا بشريعتنا؛ إذ نحن أنبأناه بها بعد أن استنبأنا إياها. وقرأ الجمهور: ﴿سَرَقَ﴾ - ثلاثيًّا مبنيًّا للفاعل - إخبارًا بظاهر الحال. وقرأ ابن عباس وأبو رزين والكسائي في رواية: ﴿سَرَقَ﴾ - مبنيًّا للمفعول - لم يقطعوا عليه بالسرقة، بل ذكروا أنه نسب إلى السرقة. وقرأ الضحاك: ﴿سارق﴾ اسم فاعل، وما عدا قراءة الجمهور شاذ وليس بمتواتر.
﴿وَمَا شَهِدْنَا﴾ عليه بالسرقة بسماع أو إشاعة أو تهمة، بل ما شهدنا عليه بالسرقة ﴿إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ وشاهدنا؛ إذ رأينا الصواع قد استخرج من متاعه ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ فنعلم أنه سيسرق حين أعطيناك المواثيق، ولو كنا نعلم ذلك لما آتيناك وأعطيناك العهد الموثق علينا، أو المعنى: وما كنا للغيب عالمين، فما ندري أحقيقة الأمر كما شاهدنا، أم هي بخلافه؛ لأن حقيقة الأمر غير معلومة لنا؛ فإن الغيب لا يعلمه إلا الله، فلعل الصواع دس في رحله، ونحن لا نعلم ذلك.
стр. 6014
﴿و﴾ قولوا لأبيكم: أرسل إلى أهل مصر
٨٢ - و ﴿اسأل﴾ أهل ﴿الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا﴾ نمتار ﴿فِيهَا﴾ عن كنه هذه القصة؛ ليتبين لك صدقنا، فقد اشتهر فيهم أمر هذه السرقة حتى لو سئلوا لشهدوا، واسأل ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾؛ أي: واسأل أصحاب العير والإبل الذين كانوا يمتارون معنا وجئنا معهم، وهم قوم من كنعان من جيران يعقوب ﵇، ثم أكدوا صدق مقالهم بقولهم: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخبرناك به سواء أسألت غيرنا، أم لم تسأل؛ إذ أن من عادتنا الصدق، فلا نخبرك إلا به، ولا نظنك في مرية من هذا، فرجع الأخوة التسعة إلى أبيهم، فقالوا له ما قال كبيرهم، فلم يصدقهم فيما قالوا،
٨٣ - بل ﴿قاَلَ﴾ لهم أبوهم يعقوب ﵇ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ وزينت ﴿لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾؛ أي: كيدًا آخرًا، وهو إخراج بنيامين عني إلى مصر طلبًا للمنفعة، فعاد من ذلك ضرر فنبذتموه، ومما يقوي ذلك عندي أنكم لقنتم ذلك الملك حكم شريعتنا، وأفتيتموه بأن جزاء السارق أن يؤخذ ويسترق، وإلا فما يعرف الملك أن السارق يؤخذ بسرقته؛ لأن ذلك إنما هو من دين يعقوب لا من دين الملك، ولولا فتواكم وتعليمكم لما حكم الملك ذلك ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾؛ أي: فحالي على ما نالني من فقده صبر جميل لا جزع فيه ولا شكاية فيه لأحد، بل أشكوا إلى الله وحده وأعلق رجائي به.
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾؛ أي: حقق الله أن يرجع إليَّ يوسف وبنيامين والأخ الثالث الباقي بمصر، وقد كان لديه إلهام بأن يوسف لم يمت وإن غاب عنه خبره، وإنما قال يعقوب هذه المقالة؛ لأنه لما طال حزنه واشتد بلائه، ومحنته علم أن الله سيجعل له فرجًا ومخرجًا عن قريب، فقال ذلك على سبيل حسن الظن بالله ؛ لأنه إذا اشتد البلاء وعظم كان أسرع إلى الفرج. ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بفقدي لهم وحزني ووجدي عليهم، وله فينا حكمة بالغة ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله فيبتلي ويرفع البلاء على مقتضى سننه وحكمته في تدبير خلقه، وقد جرت سنته أنَّ الشدة إذا تناهت جعل وراءها فرجًا، والمصيبة إذا عظمت جعل بعدها المخلص منها كما قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾.
стр. 6015
٨٤ - ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾؛ أي: أعرض عنهم كراهة لما جاءوا به؛ أي: وأعرض يعقوب عن بنيه حين بلغوه خبر بنيامين، فحينئذ تناهى حزنه واشتد بلاؤه، وبلغ جهده وهيج حزنه على يوسف، فعند ذلك أعرض عنهم.
وقال: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾؛ أي: يا حزني ويا حسرتي على يوسف أقبلي إلي فهذا وقتك، والحال مقتضية لك، فقد كنت أنتظر أن يأتوني من مصر ببشرى لقاء يوسف، فخاب أملي وحلّ محله ذهاب ابني المسلي عنه، ولم يشرك معه بنيامين بالأسف عليه؛ لأن مكان حب يوسف والرجاء فيه قد ملأ سويداء القلب وزواياه، ومحل غيره دون ذلك.
قال الزجاج: الأصل يا أسفي فأبدل من الياء ألفًا لخفة الفتحة، والأسف: شدة الجزع، وقيل: شدة الحزن.
قال يعقوب هذه المقالة لما بلغ منه غاية مبالغة بسبب فراقه ليوسف، وانضمام فراقه لأخيه بنيامين، وبلوغ ما بلغه من كونه أسيرًا عند ملك مصر، فتضاعفت أحزانه وهاج عليه الوجد القديم بما أثاره من الخبر الأخير.
وقد روي عن سعيد بن جبير (١): أن يعقوب لم يكن عنده ما ثبت في شريعتنا من الاسترجاع والصبر على المصائب، ولو كان عنده ذلك لما قال: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾، ومعنى المناداة للأسف طلب حضوره، كأنه قال: تعالَ يا أسفي وأقبل إلي.
﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾؛ أي: أصابت عينيه غشاوة بيضاء غطت على البصر مع بقاء العصب الذي يدرك المبصرات سليمًا معافى، أو المعنى: انقلب سواد عينيه بياضًا من كثرة البكاء. قيل: إنه زال إدراكه بحاسَّة البصر بالمرة. وقيل: كان يدرك إدراكًا ضعيفًا من كثرة البكاء، فإن الدمع يكثر عند غلبة البكاء، فتصير العين كأنها بيضاء من بياض الماء الخارج منها.
стр. 6016
﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾؛ أي: مكظوم مملوء غيظًا وغضبًا على أولاده يردد حزنه في جوفه، ولا يتكلم بسوء، أو مملوء حزنًا ممسك له كاتم له لا يبثه، ومنه كظم الغيظ؛ أي: وهو إخفاؤه، فالمكظوم المسدود عليه طريق حزنه، من كظم السقاء إذا سده على ما فيه.
والحزن: عرض طبيعي للنفس ولا يذم شرعًا إلا إذا بلغ بصاحبه أن يقول أو أن يفعل ما لا يرضي الله تعالى، ومن ثم قال النبي ﷺ عند موت ولده إبراهيم، وقد جعلت عيناه تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟! "يا ابن عوف إنها رحمة" ثم أتبعها بأخرى، فقال: "إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون". رواه الشيخان وغيرهما.
فائدة: وقد اعترض بعض الجهال على يعقوب ﵇ في قوله: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ فقال هذه شكاية وإظهار جزع، فلا يليق بعلو منصبه ذلك، وليس الأمر كما قال هذا الجاهل المعترض؛ لأن يعقوب ﵇ شكا إلى الله لا منه، فقوله: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ معناه: يا رب ارحم أسفي على يوسف. وقد ذكر ابن الأنباري عن بعض اللغويين أنه قال: نداء يعقوب بالأسف في اللفظ من المجاز يعني به غير المظهر في اللفظ، وتخليصه: يا إلهي ارحم أسفي، أو أنت رائي أسفي، أو هذا أسفي، فنادى الأسف في اللفظ، والمنادى سواه في المعنى، ولا مأثم إذا لم ينطق اللسان بكلام مؤثم؛ لأنه لم يشك إلا إلى ربه . فلما كان قوله: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ شكوى إلى ربه كان غير ملوم في شكواه، وقيل: إن يعقوب لما عظمت مصيبته واشتد بلاؤه وقويت محنته .. قال: يا أسفا على يوسف؛ أي: أشكو إلى الله شدة أسفي على يوسف، ولم يشكه إلى أحد من الخلق بدليل قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾.
وقال الحسن: كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقيا ثمانون سنة لم تجف عينا يعقوب، وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على الله منه.
стр. 6017
الإعراب
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾.
﴿وَلَمَّا﴾ (الواو): استئنافية. ﴿لما﴾: حرف شرط. ﴿دَخَلُوا﴾؛ فعل وفاعل. ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾: متعلق به، والجملة فعل شرط ﴿لما﴾. ﴿آوَى﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفَ﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق به. ﴿أَخَاهُ﴾: مفعول به، والجملة جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾ من فعل شرطها وجوابها مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿قَال﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفُ﴾. والجملة مستأنفة، أو بدل من جملة ﴿آوَى﴾. ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنِّي﴾: ناصب وإسمه. ﴿أَنَا﴾: ضمير فصل، أو مؤكد لياء المتكلم. ﴿أَخُوكَ﴾: خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَال﴾. ﴿فَلَا﴾: (الفاء): حرف عطف وتفريع، ﴿لا﴾: ناهية جازمة: ﴿تَبْتَئِسْ﴾: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وفاعله ضمير يعود على أخي يوسف، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾ على كونها مقول قَالَ. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَبْتَئِسْ﴾. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾: خبر كان، وجملة ﴿كان﴾: صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره، بما كانوا يعملونه ويصح كون ﴿ما﴾ مصدرية.
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾: (الفاء): حرف عطف وتعقيب، ومر في مبحث التفسير علة الإتيان بالفاء هنا. ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم ﴿جَهَّزَهُمْ﴾. فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفَ﴾. ﴿بِجَهَازِهِمْ﴾: متعلق به، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾: فعل ومفعول به؛ لأن ﴿جَعَل﴾ هنا بمعنى وضع، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفَ﴾. ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾: جا ومجرور ومضاف إليه
стр. 6018
متعلق به، والجملة جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على جملة ﴿لما﴾ في قوله: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾ ﴿ثُمَ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿جَعلَ﴾. ﴿أَيتُها﴾: منادى نكرة مقصودة حذف منه حرف النداء، والهاء حرف تنبيه زيد تعويضًا عما فات؛ أي: من الإضافة، وجملة النداء في محل النصب مقول لقول محذوف حال من ﴿مُؤَذِّنٌ﴾ تقديره: حالة كونه قائلًا أيتها العير إنكم لسارقون. ﴿الْعِيرُ﴾ بدل ﴿إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾: ناصب واسمه وخبره، واللام حرف ابتداء، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لذلك القول المحذوف على كونها جواب النداء.
﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿وَأَقْبَلُوا﴾: ﴿الواو﴾: واو الحال. ﴿أَقْبَلُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿قَالُوا﴾. ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿مَاذَا﴾: استفهام مركب في محل النصب مفعول مقدم وجوبًا، أو ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿ذا﴾: اسم موصول بمعنى الذي في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿تَفْقِدُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: تفقدونه.
﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾: فعل ومفعول به ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على أصحاب يوسف، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَلِمَنْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿جَاءَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿جَاءَ﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَأَنَا﴾ مبتدأ. ﴿بِهِ﴾: متعلق بما بعده ﴿زَعِيمٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾.
стр. 6019
﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿تَاللَّهِ﴾: (التاء): حرف جر وقسم مختص بلفظ الجلالة. ﴿الله﴾: مقسم به مجرور بتاء القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف تقديره: أقسم تالله، وجملة القسم مع جوابه الآتي في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿لَقَد﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿عَلِمْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿جِئْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب سادة مسد مفعول علم؛ لأنه بمعنى عرف تقديره: لقد علمتم عدم مجيئنا لنفسد في الأرض. ﴿لِنُفْسِد﴾: ﴿اللام﴾: لام كي. ﴿نفسد﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على أخوة يوسف. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به. ﴿وَمَا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كُنَّا سَارِقِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها تقديره: وعدم كوننا سارقين.
﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿فَمَا﴾: (الفاء): عاطفة على محذوف تقديره: قد سمعنا قولكم ما جئنا لنفسد في الأرض، وما كنا سارقين، ﴿مَا جَزَاؤُهُ﴾: ﴿ما﴾: استفهامية في محل الرفع مبتدأ. ﴿جَزَاؤُهُ﴾: خبر مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على ذلك المحذوف على كونها مقولًا لـ ﴿قَالُوا﴾، ويحتمل كون الفاء زائدة. ﴿إِن﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾: فعل ناقص واسمه، وخبره في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية معلوم مما قبلها تقديره: إن كنتم كاذبين فما جزاؤه.
﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ﴾ إلى آخر الآية
стр. 6020
مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿جَزَاؤُهُ﴾: مبتدأ أول. ﴿مَن﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ ثان، وخبره جملة الشرط، أو جملة الجواب، أو هما على الخلاف. ﴿وُجِدَ﴾: فعل ماض مغيّر الصيغة في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها، ونائب فاعله ضمير يعود على الصواع. ﴿فِي رَحْلِهِ﴾: متعلق به. ﴿فَهُوَ﴾: (الفاء): رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية. ﴿هُوَ جَزَاؤُهُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية: في محل الرفع خبر المبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره في محل النصب مقول لـ ﴿قَالُوا﴾.
وفي "السمين" قوله: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أن يكون ﴿جَزَاؤُهُ﴾؛ مبتدأ، والضمير للسارق، و ﴿مَن﴾ شرطية أو موصولة مبتدأ ثان، والفاء: رابطة الجواب للشرط، أو مزيدة في خبر الموصول لشبهه بالشرط، و ﴿مَن﴾ وما في حيزها على وجهيها خبر المبتدأ الأول.
والثاني: أن يكون ﴿جَزَاؤُهُ﴾ مبتدأ، والهاء تعود للمسروق، و ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾ خبره، و ﴿مَن﴾ بمعنى الذي، والتقدير: وجزاء الصواع الذي وجد في رحله.
والثالث: أن يكون ﴿جَزَاؤُهُ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: والمسؤول عنه ﴿جَزَاؤُهُ﴾، ثم أفتوا بقولهم: ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾. اهـ. ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف، والعامل فيه ما بعده. ﴿نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على إخوة يوسف، والتقدير: نجزي الظالمين جزاء مثل ذلك الجزاء المذكور، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿قَالُوا﴾.
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾.
﴿فَبَدَأَ﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما قال إخوة يوسف، وما قال أصحاب يوسف، وأردت بيان ما فعل يوسف بهم .. فأقول لك: ﴿بَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾: ﴿بدأ﴾: فعل ماض، وفاعله
стр. 6021
ضمير يعود على ﴿يُوسُف﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بدأ﴾. ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿بدأ﴾ أيضًا. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿اسْتَخْرَجَهَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفَ﴾. ﴿مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق باستخراج، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿بدأ﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف معمول لما بعده. ﴿كِدْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِيُوسُفَ﴾: متعلق به، والتقدير: كدنا ليوسف كيدًا مثل ذلك الكيد المذكور، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿كاَنَ﴾: فعل ماضٍ ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿يوسف﴾. ﴿لِيَأخُذَ﴾: (اللام): حرف جر وجحود. ﴿يأخذ أخاه﴾: فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود. ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام الجحود، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿كاَنَ﴾ على مذهب البصريين تقديره: ما كان يوسف مريدًا لأخذ أخيه في دين الملك، ومتمكنًا منه في حكمه، وهذه الجملة تعليق لما صنعه الله ليوسف من الكيد، أو تفسير له. ذكره الشوكاني وغيره. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من أعم الأحوال. ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: ناصب وفعل وفاعل، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة مستثنى المحذوف إليه، والتقدير: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك في حال من الأحوال إلا حال مشيئة الله . ﴿نَرْفَعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿دَرَجَاتٍ مَنْ﴾: مفعول به ومضاف إليه إذا قرأناه بلا تنوين، وإذا قرأناه بالتنوين ﴿دَرَجَاتٍ﴾ منصوب بنزع الخافض. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿نَشَاءُ﴾: صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والتقدير: نرفع من نشاء رفعه من عبادنا في درجات. ﴿وَفَوْقَ كُلِّ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿ذِي عِلْمٍ﴾ مضافان ﴿عَلِيمٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة.
﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ
стр. 6022
وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿يَسْرِقْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية، وفاعله ضمير يعود علي بنيامين. ﴿فَقَدْ﴾: (الفاء): رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا لاقترانه بـ ﴿قد﴾. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿سَرَقَ أَخٌ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿أَخٌ﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿سَرَقَ﴾، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿فَأَسَرَّهَا﴾ (الفاء): عاطفة. ﴿أسرها يوسف﴾: فعل ومفعول به. ﴿فِي نَفْسِهِ﴾ متعلقان به ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا﴾ جازم وفعل مجزوم ومفعول به، والجملة معطوفة على ﴿فَأَسَرَّهَا﴾ ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفُ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَأَسَرَّهَا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفُ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شيء قلت: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿مَكَانًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ منصوب باسم التفضيل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، وجملة ﴿تَصِفُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما تصفونه.
﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾: حرف تنبيه. ﴿الْعَزِيزُ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿أَبًا﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿شَيْخًا﴾: صفة لـ ﴿أَخٌ﴾. ﴿كَبِيرًا﴾: صفة
стр. 6023
لـ ﴿شَيْخًا﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿فَخُذْ﴾: (الفاء): عاطفة تفريعية. ﴿خذ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿يوُسُفُ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾. ﴿أَحَدَنَا﴾: مفعول به. ﴿مَكَانَهُ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿خذ﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿نَرَاكَ﴾: فعل ومفعول به؛ لأن رأى بصرية. ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: متعلق به، ويصح كونها علمية، والجار والمجرور في محل المفعول الثاني، وفاعل نرى ضمير يعود على إخوة يوسف، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفُ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية: محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ منصوب. على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا تقديره: نعوذ بالله معاذ؛ أي: نتعوذ بالله تعوذًا، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَنْ نَأْخُذَ﴾: ناصب وفعل منصوب به، وفاعله ضمير يعود على ﴿يوُسُفُ﴾، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: نعوذ بالله من أخذنا. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به. ﴿وَجَدْنَا مَتَاعَنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿عِنْدَهُ﴾: متعلق به، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب وجزاء ملغاة لا عمل لها؛ لعدم دخولها على الفعل. ﴿لَظَالِمُونَ﴾: خبر ﴿إن﴾، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَال﴾ مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾.
﴿فَلَمَّا﴾: (الفاء): استئنافية. ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿اسْتَيْأَسُوا﴾: فعل وفاعل، فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿مِنْهُ﴾: متعلق به. ﴿خَلَصُوا﴾: فعل وفاعل جواب ﴿لما﴾. ﴿نَجِيًّا﴾: حال من فاعل ﴿خَلَصُوا﴾، وجملة ﴿لما﴾: مستأنفة،
стр. 6024
وإنما أفردت الحال مع كون صاحبها جمعًا؛ لأن فعيلًا يستوي فيه المذكر والمؤنث. والجميع وغيره. ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا﴾: (الهمزة): للاستفهام التقريري. ﴿لَمْ تَعْلَمُوا﴾: جازم وفعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَنَّ أَبَاكُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿قَدْ أَخَذَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الأب. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿مَوْثِقًا﴾: مفعول به. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور صفة له، وجملة ﴿أَخَذَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم تقديره: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقًا من الله في شأن بنيامين.
﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.
﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿فَرَّطْتُم﴾. ﴿مَا﴾: زائدة، أو مصدرية. ﴿فَرَّطْتُم﴾: فعل وفاعل. ﴿في يُوسُف﴾: متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ المصدرية. ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر مؤول من جملة ﴿أَنَّ﴾ تقديره: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقًا من الله في شأن بنيامين، وتفريطكم في شأن يوسف من قبل بنيامين. ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم وأردتم بيان شأني وحالي .. فأقول لكم، ﴿لَنْ أَبْرَحَ﴾: ناصب وفعل منصوب، و ﴿أَبْرَحَ﴾ هنا تامة، وفاعله ضمير يعود على الكبير. ﴿الْأَرْضَ﴾: مفعول به؛ لأنه في معنى لن أفارق الأرض، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يَأْذَنَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى بمعنى إلى. ﴿لِي﴾: متعلق به. ﴿أَبِي﴾: فاعل. ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّه﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿لِي﴾. ﴿لِي﴾: متعلق به، وجملة ﴿يَأْذَنَ﴾ في تأويل مصدر مجرور بحتى بمعنى إلى، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَبْرَحَ﴾، والتقدير: فلن أبرح الأرض إلى إذن أبي لي، أو حكم الله لي. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل
стр. 6025
النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها معللة لما قبلها.
﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١)﴾.
﴿ارْجِعُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَى أَبِيكُمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَال﴾. ﴿فَقُولُوا﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿قولوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿ارْجِعُوا﴾. ﴿يَا أَبَانَا﴾ إلى آخر الآية: مقول ﴿قولوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿يَا أَبَانَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قولوا﴾. ﴿إِنَّ ابْنَكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿سَرَقَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الابن، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: في محل النصب مقول ﴿قولوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَمَا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿شَهِدْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿شَهِدْنَا﴾. ﴿عَلِمْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: إلا بما علمناه، وعلم بمعنى عرف. ﴿وَمَا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿لِلْغَيْبِ﴾: متعلق بما بعده. ﴿حَافِظِينَ﴾: خبر كان، وجملة كان معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ على كونها جواب النداء.
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾.
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الأب، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿الَّتِي﴾ صْفة لـ ﴿الْقَرْيَةَ﴾. ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿فِيهَا﴾: خبره، وجملة كان صلة الموصول. ﴿وَالْعِيرَ﴾: معطوف على ﴿الْقَرْيَةَ﴾. ﴿الَّتِي﴾: صفة للعير. ﴿أَقْبَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿فِيهَا﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول. ﴿وَإِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَصَادِقُونَ﴾: خبره، واللام حرف ابتداء، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿وَاسْأَلِ﴾ على كونها مقول ﴿قولوا﴾.