ضمير يعود على ﴿يُوسُف﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بدأ﴾. ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿بدأ﴾ أيضًا. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿اسْتَخْرَجَهَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفَ﴾. ﴿مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق باستخراج، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿بدأ﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف معمول لما بعده. ﴿كِدْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِيُوسُفَ﴾: متعلق به، والتقدير: كدنا ليوسف كيدًا مثل ذلك الكيد المذكور، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿كاَنَ﴾: فعل ماضٍ ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿يوسف﴾. ﴿لِيَأخُذَ﴾: (اللام): حرف جر وجحود. ﴿يأخذ أخاه﴾: فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود. ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام الجحود، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿كاَنَ﴾ على مذهب البصريين تقديره: ما كان يوسف مريدًا لأخذ أخيه في دين الملك، ومتمكنًا منه في حكمه، وهذه الجملة تعليق لما صنعه الله ليوسف من الكيد، أو تفسير له. ذكره الشوكاني وغيره. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من أعم الأحوال. ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: ناصب وفعل وفاعل، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة مستثنى المحذوف إليه، والتقدير: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك في حال من الأحوال إلا حال مشيئة الله . ﴿نَرْفَعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿دَرَجَاتٍ مَنْ﴾: مفعول به ومضاف إليه إذا قرأناه بلا تنوين، وإذا قرأناه بالتنوين ﴿دَرَجَاتٍ﴾ منصوب بنزع الخافض. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿نَشَاءُ﴾: صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والتقدير: نرفع من نشاء رفعه من عبادنا في درجات. ﴿وَفَوْقَ كُلِّ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿ذِي عِلْمٍ﴾ مضافان ﴿عَلِيمٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة.
﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ
стр. 6022
وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿يَسْرِقْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية، وفاعله ضمير يعود علي بنيامين. ﴿فَقَدْ﴾: (الفاء): رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا لاقترانه بـ ﴿قد﴾. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿سَرَقَ أَخٌ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿أَخٌ﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿سَرَقَ﴾، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿فَأَسَرَّهَا﴾ (الفاء): عاطفة. ﴿أسرها يوسف﴾: فعل ومفعول به. ﴿فِي نَفْسِهِ﴾ متعلقان به ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا﴾ جازم وفعل مجزوم ومفعول به، والجملة معطوفة على ﴿فَأَسَرَّهَا﴾ ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفُ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَأَسَرَّهَا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفُ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شيء قلت: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿مَكَانًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ منصوب باسم التفضيل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، وجملة ﴿تَصِفُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما تصفونه.
﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾: حرف تنبيه. ﴿الْعَزِيزُ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿أَبًا﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿شَيْخًا﴾: صفة لـ ﴿أَخٌ﴾. ﴿كَبِيرًا﴾: صفة
стр. 6023
لـ ﴿شَيْخًا﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿فَخُذْ﴾: (الفاء): عاطفة تفريعية. ﴿خذ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿يوُسُفُ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾. ﴿أَحَدَنَا﴾: مفعول به. ﴿مَكَانَهُ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿خذ﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿نَرَاكَ﴾: فعل ومفعول به؛ لأن رأى بصرية. ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: متعلق به، ويصح كونها علمية، والجار والمجرور في محل المفعول الثاني، وفاعل نرى ضمير يعود على إخوة يوسف، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفُ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية: محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ منصوب. على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا تقديره: نعوذ بالله معاذ؛ أي: نتعوذ بالله تعوذًا، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَنْ نَأْخُذَ﴾: ناصب وفعل منصوب به، وفاعله ضمير يعود على ﴿يوُسُفُ﴾، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: نعوذ بالله من أخذنا. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به. ﴿وَجَدْنَا مَتَاعَنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿عِنْدَهُ﴾: متعلق به، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب وجزاء ملغاة لا عمل لها؛ لعدم دخولها على الفعل. ﴿لَظَالِمُونَ﴾: خبر ﴿إن﴾، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَال﴾ مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾.
﴿فَلَمَّا﴾: (الفاء): استئنافية. ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿اسْتَيْأَسُوا﴾: فعل وفاعل، فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿مِنْهُ﴾: متعلق به. ﴿خَلَصُوا﴾: فعل وفاعل جواب ﴿لما﴾. ﴿نَجِيًّا﴾: حال من فاعل ﴿خَلَصُوا﴾، وجملة ﴿لما﴾: مستأنفة،
стр. 6024
وإنما أفردت الحال مع كون صاحبها جمعًا؛ لأن فعيلًا يستوي فيه المذكر والمؤنث. والجميع وغيره. ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا﴾: (الهمزة): للاستفهام التقريري. ﴿لَمْ تَعْلَمُوا﴾: جازم وفعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَنَّ أَبَاكُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿قَدْ أَخَذَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الأب. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿مَوْثِقًا﴾: مفعول به. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور صفة له، وجملة ﴿أَخَذَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم تقديره: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقًا من الله في شأن بنيامين.
﴿وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.
﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿فَرَّطْتُم﴾. ﴿مَا﴾: زائدة، أو مصدرية. ﴿فَرَّطْتُم﴾: فعل وفاعل. ﴿في يُوسُف﴾: متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ المصدرية. ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر مؤول من جملة ﴿أَنَّ﴾ تقديره: ألم تعلموا أخذ أبيكم عليكم موثقًا من الله في شأن بنيامين، وتفريطكم في شأن يوسف من قبل بنيامين. ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم وأردتم بيان شأني وحالي .. فأقول لكم، ﴿لَنْ أَبْرَحَ﴾: ناصب وفعل منصوب، و ﴿أَبْرَحَ﴾ هنا تامة، وفاعله ضمير يعود على الكبير. ﴿الْأَرْضَ﴾: مفعول به؛ لأنه في معنى لن أفارق الأرض، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يَأْذَنَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى بمعنى إلى. ﴿لِي﴾: متعلق به. ﴿أَبِي﴾: فاعل. ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّه﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿لِي﴾. ﴿لِي﴾: متعلق به، وجملة ﴿يَأْذَنَ﴾ في تأويل مصدر مجرور بحتى بمعنى إلى، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَبْرَحَ﴾، والتقدير: فلن أبرح الأرض إلى إذن أبي لي، أو حكم الله لي. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل
стр. 6025
النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها معللة لما قبلها.
﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١)﴾.
﴿ارْجِعُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَى أَبِيكُمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَال﴾. ﴿فَقُولُوا﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿قولوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿ارْجِعُوا﴾. ﴿يَا أَبَانَا﴾ إلى آخر الآية: مقول ﴿قولوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿يَا أَبَانَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قولوا﴾. ﴿إِنَّ ابْنَكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿سَرَقَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الابن، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: في محل النصب مقول ﴿قولوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَمَا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿شَهِدْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿شَهِدْنَا﴾. ﴿عَلِمْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: إلا بما علمناه، وعلم بمعنى عرف. ﴿وَمَا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿لِلْغَيْبِ﴾: متعلق بما بعده. ﴿حَافِظِينَ﴾: خبر كان، وجملة كان معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ على كونها جواب النداء.
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾.
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الأب، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿الَّتِي﴾ صْفة لـ ﴿الْقَرْيَةَ﴾. ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿فِيهَا﴾: خبره، وجملة كان صلة الموصول. ﴿وَالْعِيرَ﴾: معطوف على ﴿الْقَرْيَةَ﴾. ﴿الَّتِي﴾: صفة للعير. ﴿أَقْبَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿فِيهَا﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول. ﴿وَإِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَصَادِقُونَ﴾: خبره، واللام حرف ابتداء، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿وَاسْأَلِ﴾ على كونها مقول ﴿قولوا﴾.
стр. 6026
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة مستأنفة. ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿بَل﴾: حرف إضراب وابتداء. ﴿سَوَّلَتْ﴾: فعل ماضٍ. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به. ﴿أَنْفُسُكُمْ﴾: فاعل. ﴿أَمْرًا﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم وأردتم بيان حالي لكم .. فأقول لكم: ﴿صبر جميل﴾: ﴿صبر﴾: خبر مبتدأ محذوف. ﴿جَمِيلٌ﴾: صفة له تقديره: فصبري صبر جميل، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿عَسَى اللَّهُ﴾ لهُ: فعل ناقص واسمه، وهو من أفعال الرجاء. ﴿أَنْ يَأْتِيَنِي﴾: ناصب وفعل ونون وقاية ومفعول به. ﴿بِهِمْ﴾: متعلق به. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ضمير ﴿بِهِمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿أَن﴾ مع صلتها: في تأويل مصدر منصوب على كونه خبر ﴿عَسَى﴾، ولكنه في تأويل اسم الفاعل؛ ليصح الإخبار تقديره: عسى الله آتيًا بهم جميعًا. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل. ﴿الْعَلِيمُ﴾: خبر أول له. ﴿الْحَكِيمُ﴾: خبر ثان له، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول القول مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
﴿وَتَوَلَّى﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على يعقوب. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿قال﴾. ﴿وَقالَ﴾: فعل ماضٍ معطوف على ﴿تولى﴾، وفاعله ضمير يعود على يعقوب. ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قال﴾، وإن شئت قلت ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أسفى﴾: منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفًا للتخفيف بعد قلب الكسرة فتحة، منع مع ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، ﴿أسفى﴾: مضاف، وياء المتكلم المنقلبة ألفًا في محل الجر مضاف إليه. ﴿عَلَىَ
стр. 6027
يُوسُفَ﴾ يُوسُفَ: متعلق بـ ﴿أَسَفَى﴾، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿قال﴾، أو حال من فاعل ﴿قال﴾. ﴿فَهُوَ﴾: (الفاء): عاطفة تعليلية، ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿وَابْيَضَّتْ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾؛ أي: ضم إليه في الطعام والمنزل والمبيت كما مر في مبحث التفسير. وأصل آوى: أأوى بهمزتين ثانيتهما ساكنة على وزن أفعل الرباعي، فقلبت الثانية ألفًا ثلاثية أوى يأوي بوزن رمى يرمي إذا رق له ورحمه.
﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾؛ أي: فلا تحزن، والابتئاس: اجتلاب البؤس والشقاء، وهو من باب افتعل الخماسي.
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾؛ أي: هيأهم بأهبة السفر. ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ والسقاية - بكسر أوله - وعاء يسقى به، وبه يكال للناس، ويقدر بكيلة مصرية (١/ ١٢ من الأردب المصري) - وهو الذي عبر عنه بصواع الملك، فيسمى سقاية باعتبار أول حاله، وصاعًا باعتبار آخر أمره؛ لأن الصاع آلة الكيل، وهو أربعة أمداد، والأردب المصري يسع اثني عشر صاعًا. ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ والرحل هو الوعاء الذي يجعل فيه ما يشتريه من الطعام من مصر. ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾؛ أي: نادى مرارًا كثيرة بدليل صيغة التفعيل؛ لأنه من التأذين، وهو تكرار الأذان، والإعلام بالشيء، وكان ذلك النداء مع رفع الصوت قائلًا ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾؛ أي: يا أصحاب العير، والعير في الأصل: كل ما يحمل عليه من الإبل والحمير والبغال، سمي بذلك؛ لأنه يعير؛ أي: يذهب ويجيء، والمراد منه هنا أصحاب الإبل ونحوها. وفي "المصباح": العير - بالكسر - اسم للإبل التي تحمل الميرة في الأصل، ثم غلب على كل قافلة. اهـ.
﴿وَأَقْبَلُوا﴾؛ أي: والحال أنهم؛ أي: إخوة يوسف أقبلوا عليهم؛ أي: على جماعة الملك المؤذن وأصحابه؛ أي: التفتوا إليهم وخاطبوهم بما ذكر كما مر.
стр. 6028
﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾؛ أي: أي شيء ضاع منكم؟ والفقد: غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه كما في "البيضاوي" من فقد من باب ضرب.
﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ فالصاع والصواع لغتان معناهما واحد؛ وهو آلة الكيل، وتقدم أنه هو السقاية. قال الزجاج: الصواع هو الصاع بعينه، وهو يذكر ويؤنث، وهو السقاية، ومنه قول الشاعر:
نَشْرَبُ الخَمْرَ بِالصُّوَاعِ جَهَارَا
﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ والحمل - بكسر الحاء - هنا هو ما يحمله البعير من الطعام.
﴿وَأَنَا بِهِ﴾؛ أي: يحمل البعير الذي جعل لمن جاء بالصواع قبل التفتيش للأوعية. ﴿زَعِيمٌ﴾؛ أي: كفيل أجعله جزاءً لمن يجيء به.
﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ والكيد: التدبير الذي يخفى ظاهره على المتعاملين به حتى يؤدي إلى باطنه المراد منه، واعلم أن الكيد يشعر بالحيلة والخديعة، وهذا في حق الله تعالى محال إلا أنه قد تقدم أصل معتبر في هذا الباب، وهو أن أمثال هذه الألفاظ في حق الله تعالى تحمل على نهاية الأغراض لا على بداياتها، فالكيد: السعي في الحيلة والخديعة، ونهايته إيقاع الإنسان من حيث لا يشعر في أمر مكروه، ولا سبيل له إلى دفعه، فالكيد في حق الله تعالى محمول على هذا المعنى. اهـ. "كرخي". ﴿دِينِ الْمَلِكِ﴾ شرعه الذي يدين الله تعالى به.
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ يقرأ شاذًا: ﴿ذي عالم﴾ وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: هو مصدر كالباطل.
والثاني: أن ذي زائدة، وقد جاء مثل ذلك في الشعر كقول الكميت:
إِلَيْكُمْ ذَوِيْ آلِ النَبِيِّ
والثالث: أنه أضاف الاسم إلى المسمى، وهو محذوف تقديره: ذي مسمى عالم كقول الشاعر: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
стр. 6029
أي: مسمى السلام. ذكره أبو البقاء.
﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ سرق - من باب ضرب - أخذ الشيء من حرز مثله خفية. وقد سبق بيان سبب نسبة السرقة إلى يوسف في مبحث التفسير. وقولهم: ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾؛ أي: كبير القدر، ولم يريدوا كبر السنن؛ لأن ذلك معروف من حال الشيخ ذكره "القرطبي".
﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ مصدر ميمي من عاذ يعوذ عوذًا ومعاذًا.
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا﴾؛ أي: يئسوا مثل عجيب واستعجب وسخر واستسخر، فالسين والتاء زائدتان للمبالغة كما في "البيضاوي" و"القرطبي"، وفي "السمين": ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا﴾ استفعل هنا بمعنى فعل المجرد، يقال: يئس واستيأس بمعنى نحو عجيب واستعجب، وسخر واستسخر. وقال الزمخشري: زيادة السين والتاء للمبالغة نحو ما مر في استعصم.
﴿خَلَصُوا﴾؛ أي: اعتزلوا عن مجلس يوسف، وانفردوا عنه، وانحازوا على حدة. وفي "المصباح": خلص يخلص خلوصًا من باب قعد؛ أي: انفصل. ﴿نَجِيًّا﴾: حال من فاعل ﴿خَلَصُوا﴾ كما مر؛ أي: اعتزلوا حالة كونهم متناجين؛ أي: متحدثين في التشاور في شأن هذه القضية، وهو لفظ يوسف به من له نجوى، واحدًا كان أو جماعة مؤنثًا أو مذكرًا، فهو كعدل، ويجمع على أنجية، قال لبيد:
وَشَهِدْتُ أَنْجِيَةً الإِفَاقَةِ عَالِيًا ... كَعْبِي وَأَرْدَافُ الملُوْكِ شُهُوْدُ
وقال آخر:
إِني إِذَا مَا القَوْم كَانُوْا أنْجِيَهْ ... وَاضْطَرَبَ القَوْمُ اضْطِرَابَ الأَرْشِيَهْ
هُنَاكَ أوْصِيْنِيُ وَلا توْصِي بِيَهْ
وفي "الكرخي" قوله: ﴿نَجِيًّا﴾ حال من فاعل ﴿خَلَصُوا﴾؛ أي: اعتزلوا في هذه الحالة متناجين، وإنما أفردت الحال وصاحبها جمع؛ إما لأن النجي فعيل
стр. 6030
بمعنى فاعل كالعشير والخليط بمعنى المعاشر والمخالط كقوله: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾؛ أي: مناجيًا، وهذا في الاستعمال يفرد مطلقًا، يقال: هم خليطك وعشيرك؛ أي: مخالطوك ومعاشروك، وإما لأنه صفة على فعيل بمنزلة صديق وبابه، فوحد لأنه بزنة المصادر كالصهيل والوحيد والذميل، وإما لأنه مصدر بمعنى التناجي كما قيل: النجوى بمعناه قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ وحينئذ يكون فيه التأويلات المذكورة في رجل عدل وبابه. اهـ.
﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾؛ أي: رأيًا وتدبيرًا وعلمًا؛ وهو شمعون. قاله مجاهد، أو كبيرهم في السنن، وهو روبيل. قاله قتادة، وقيل: في العقل والرأي؛ وهو يهوذا ذكرهم الميثاق في قول يعقوب: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾.
﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾: ﴿أَبْرَحَ﴾ هنا تامة ضمِّنت معنى أفارق، فالأرض مفعول به، ولا يجوز أن تكون تامة من غير تضمين؛ لأنها إذا كانت كذلك كان معناها ظهر وذهب، ومعنى الظهور والذهاب لا يصل إلى الظرف المخصوص إلا بواسطة في تقول: ذهبت في الأرض، ولا يجوز ذهبت الأرض. وقد جاء شيء لا يقاس عليه. واعلم أنه لا يجوز في أبرح أن تكون ناقصة؛ لأنه لا ينتظم من الضمير الذي فيها ومن الأرض مبتدأ وخبر، ألا ترى أنك لو قلت: أنا الأرض، لم يجز من غير في بخلاف: أنا في الأرض. اهـ. "كرخي".
﴿الْقَرْيَةَ﴾: اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس وللناس جميعًا، ويستعمل في كل واحد منهما. قاله الراغب.
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ﴾؛ أي: زينت وخيلت لكم ﴿أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾؛ أي: كيدًا آخر ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾؛ أي: فشأني صبر جميل؛ أي: حسن، أو صبر جميل أولى بي وأليق.
واعلم: أن الواجب على كل مسلم إذا أصيب بمكروه في نفسه أو ولده أو ماله أن يتلقى ذلك بالصبر الجميل والرضا والتسليم لمجريه عليه؛ وهو العليم الحكيم، ويقتدي بيعقوب وسائر النبيين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وقال سعيد بن عروبة عن قتادة عن الحسن قال: ما من جرعتين يتجرعهما العبد
стр. 6031
أحب إلى الله من جرعة مصيبة يتجرعها العبد بحسن صبر وحسن عزاء، وجرعة غيظ يتجرعها العبد بحلم وعفو.
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾؛ أي: أعرض عنهم ﴿وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾؛ أي: يا حزني عليه، والأسف أشد الحزن على ما فات، ومنه قول كثير:
فَيَا أَسَفًا لِلْقَلْبِ كَيْفَ انْصِرَافُهُ ... وَلِلنَّفْس لَما سُلِّيَتْ فَتَسَلَّتِ
قال يعقوب هذه المقالة لما بلغ منه الحزن غاية مبالغة بسبب فراقه ليوسف وانضمام فراقه لأخيه بنيامين، وبلوغ ما بلغه من كونه أسيرًا عند ملك مصر، فتضاعفت أحزانه، وهاج عليه الوجد القديم بما أثاره من الخبر الأخير.
﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾؛ أي: مملوء غيظًا على أولاده ممسك له في قلبه لا يبثه لأحد، فهو فعيل بمعنى مفعول، وقيل: الكظيم بمعنى الكاظم؛ أي: المشتمل على حزنه الممسك له، ومنه قوله:
فَإِنْ أكُ كَاظِمًا لِمُصَابِ نَاسٍ ... فَإنِّيْ اليَوْمَ مُنْطَلِقٌ لِسَانِي
وقال الزجاج: معنى كظيم محزون. وعن ابن عباس أنه قال: معناه مغموم مكروب. وفي "المصباح": كظمت الغيظ كظمًا - من باب ضرب - وكظومًا أمكست على ما في نفسك منه على صفح أو غيظ. انتهى.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ وفي قوله: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾؛ لأن المراد منه أصحاب الإبل ونحوها، والعلاقة فيه المجاورة كما في "السمين".
ومنها: التعريض في قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ لما فيه من التعريض إلى
стр. 6032
سرقتهم يوسف من أبيه.
ومنها: التخصيص في قوله: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ بعد التعميم في قوله: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾؛ لأن هذه الجملة من كلام المؤذن؛ لأنه هو الذي كفل وضمن.
ومنها: ذكر الخاص بعد العام إشعارًا بأنه المقصود من العام في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ بعد قوله: ﴿مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾؛ لأن هذه الجملة بمعنى قوله: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ﴾، فهي مؤكدة لها.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾؛ لأن حق العبارة: ثم استخرجها منه.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾.
ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ وفي قوله: ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾؛ لأن صيغة المضارع في كلا الموضعين لاستحضار الصورة الماضية كما في "روح البيان".
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿أَخٌ لَهُ﴾ لغرض الإبهام.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا﴾.
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿شَيْخًا كَبِيرًا﴾ لغرض الاستعطاف؛ لأن كبر السن معلوم من لفظ الشيخ.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾؛ أي: أهلها، والعلاقة فيه المحلية، وفي قوله: ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾؛ أي: أصحابها، والعلاقة فيه
стр. 6033
المجاورة كما مر قريبًا.
ومنها: نداء غير العاقل تنزيلًا له منزلة العاقل في قوله: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق بين لفظي الأسف ويوسف في قوله: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ وقال الزمخشري: والتجانس بين لفظتي الأسف ويوسف مما يقع مطبوعًا غير مستعمل، فيملح ويبدع، ونحوه ﴿اثَّاقَلْتُمْ﴾، ﴿أَرَضِيتُمْ﴾، ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾، ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾، ﴿مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ انتهى. ويسمى هذا تجنيس التصريف، وهو أن تنفرد كل كلمة من الكلمتين عن الأخرى بحرف، ذكره أبو حيان.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاه﴾؛ لأنه كناية عن فقدان البصر وذهابه عنه.
ومنها: عطف العام على الخاص في قوله: ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ فإنه غيا الأمر بغايتين؛ إحداهما خاصة؛ وهي إذن أبيه، والثانية عامة؛ لأن إذن أبيه له في الانصراف من حكم الله تعالى. اهـ. "كرخي".
ومنها: جناس الاشتقاق بين ﴿يَحْكُمَ﴾ و ﴿الْحَاكِمِينَ﴾ في قوله: ﴿حَتَّى﴾ ﴿يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.
ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
وخلاصة ذلك (١): أنك الآن في بلاءٍ شديد، ويخاف أن يحصل لك ما هو أكثر وأشد، وهم يريدون بذلك منعه من البكاء والأسف، وإن كانوا هم سبب أحزانه ومنشأ همومه وغمومه، وإنما (٢) قالوا له ذلك؛ لأنهم علموا باليقين أنه يداوم على ذلك.
وأصل ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾؛ أي: والله لا تفتأ ولا تزال، فلا (٣) محذوفة في جواب القسم للتخفيف لعدم الالتباس؛ لأنه لو كان الجواب مثبتًا .. للزمه اللام ونون التوكيد عند البصريين، أو إحداهما عند الكوفيين، وذلك نظير قول العرب: والله أقصدك أبدًا، يعنون: لا أقصدك. وقال الفراء إن (لا) مضمرة؛ أي: لا تفتأ. قال النحاس: والذي قال صحيح، وقد روي عن الخليل وسيبويه مثل قول الفراء، وأنشد الفراء محتجًا على ما قاله قول امرئ القيس:
فَقُلْتُ يَمِيْنَ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا ... وَلَوْ قَطَعُوْا رَأسِيْ لَدَيْكِ وَأوْصَالي
يريد: لا أبرح.
وقالت الخنساء:
فَأقْسَمْتُ آسَى عَلَى هَالِكٍ ... أوَ أسْألُ نَائِحَةً مَالَهَا
أرادت: لا آسى.
وقال الآخر:
لَمْ يَشْعُرِ النَّعْشُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْـ ... ـعُرْفِ وَلا الحَامِلُوْنَ مَا حَمَلُوْا
تَاللهِ أَنْسَى مُصِيْبَتي أبَدَا ... مَا أسْمَعَتْنِي حَنِيْنَهَا الإِبِلُ
وقرأ أبو عمران وابن محيصن وأبو حيوة شذوذًا (٤): ﴿قالوا باللهِ﴾ - بالباء - وكذلك كل قسم في القرآن، ويقال: فتىء وفتا لغتان فيه، (٥) ولا يستعملان إلا
стр. 6036
مع الجحد.
قال الشاعر:
فَمَا فَتِئَتْ حَتَّى كَأنَّ غُبَارَهَا ... سُرَادِقُ يَوْمٍ ذِيْ رِيَاحٍ تَرَفَّعُ
أي: ما برحت.
﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ وأصل الحرض: الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو العشق أو الهرم حكي ذلك عن أبي عبيدة وغيره، ومنه قول الشاعر:
سَرَ هَمِّي فَأمْرَضَنِيْ ... وَقَدْمَا زَادَنِي مَرَضَا
كَذَاكَ الحُبُّ قَبْلَ الْيَوْ ... مِ مِمَّا يُوْرِثُ الْحَرَضَا
وقال عبد الله بن عمر العرجي (١):
إِنِّيْ امْرُؤٌ لَجَّ بِيْ حُبٌّ فَأحْرَضَنِيْ ... حَتَّى بَلِيْتُ وَحَتَى شَفَّنِيْ السَّقَمُ
ومعنى: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾؛ أي: (٢) تالفًا، وقال ابن عباس ومجاهد: دنفًا؛ أي: ملازمًا للمرض، وقال قتادة: هرمًا، والضحاك: باليًا داثرًا، ومحمد بن إسحاق: فاسدًا لا عقل لك. وقال الفراء: الحارض: الفاسد الجسم والعقل وكذا الحرض. وقال ابن زيد: الحرض الذي قد ردَّ إلى أرذل العمر. وقال الربيع بن أنس: يابس الجلد على العظم. وقال المؤرِّخ: ذائبًا من الهم. وقال الأخفش، ذاهبًا، وابن الأنباري: هالكًا، وكلها متقاربة.
٨٦ - فأجابهم والتمس لنفسه معذرة على الحزن كما حكاه الله عنه بقوله: ﴿قَالَ﴾ يعقوب ﵇، وهذه الجملة مستأنفة في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: فماذا قال يعقوب لهم حين قالوا له ما قالوا؟ فقيل: قال يعقوب جوابًا لأولاده اللائمين له: لا تلوموني يا أولاد على حزني وبكائي، وأنا لم أشك إليكم حزني ولا إلى أحد من خلق الله، بل ﴿إِنَّمَا أَشْكُو﴾ وأظهر ﴿بَثِّي﴾؛ أي:
стр. 6037
شديد حزني وهمي ﴿وَحُزْنِي﴾؛ أي: وقليل حزني ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ ملتجئًا إلى جنابه متضرعًا لدى بابه في دفعه. وقد (١) ذكر المفسرون أن الإنسان إذا قدر على كتم ما نزل به من المصائب .. كان ذلك حزنًا، وإن لم يقدر على كتمه كان ذلك بثًا، فالبث على هذا أعظم الحزن وأصعبه. والحزن (٢): أعم من البث، فإذا عطف على الخاص يراد به الأفراد الباقية، فيكون المعنى: لا أذكر الحزن العظيم والحزن القليل إلا مع الله، لا مع غيره من الناس. وقيل: البث الهم، وقيل: هو الحاجة. وعلى هذا القول يكون عطف الحزن على البث واضح المعنى. وقرأ الجمهور: ﴿حُزْني﴾ - بضم الحاء وسكون الزاي -. وقرأ (٣) الحسن وعيسى: ﴿وحَزَني﴾ - بفتحتين -. وقرأ قتادة بضمتين، وما عدا قراءة الجمهور شاذ.
فإن قيل (٤): لِمَ قال يعقوب ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، ثم قال: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾، وقال: ﴿إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾؟ فكيف يكون الصبر مع الشكوى؟
قيل: ليس هذا إلا شكاية من النفس إلى خالقها، وهو جائز، ألا ترى أن أيوب ﵇ قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وقال تعالى مع شكواه إلى ربه في حقه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ لأنه شكا منه إليه، وبكى منه عليه، فهو المعذور لديه؛ لأن حقيقة الصبر ومعناه الحقيقي حبس النفس ومنعها عن الشكوى إلى الغير، وترك الركون إلى الغير، وتحمل الأذى والابتلاء لصدوره من قضائه وقدره، كما قيل بلسان الحقيقة:
كُلُّ شَيءٍ مِنَ الملِيْحِ مَلِيْحُ ... لَكنِ الصَّبْرُ عَنْهُ غَيْرُ مَلِيْحِ
وقيل أيضًا:
وَالصَّبْرُ عَنْكَ فَمَذْمُوْمٌ عَوَاقِبُهُ ... وَالصَّبْرُ فِي سَائرِ الأَشْيَاءِ مَحْمُوْدُ
وذلك لأن المحب لا يصبر عن حضرة المحبوب، فلا يزال يعرض حاله
стр. 6038
وافتقاره إلى حضرته، ولسان العشق لسان التضرع والحكاية، لا لسان الجزع والشكاية، فشكاية العارف الواقف في صورة الشكوى حكاية حاله وتضرعه وافتقاره إلى حبيبه.
وروى الحاكم (١) - أبو عبد الله - في "صحيحه" من حديث أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كان ليعقوب أخ مؤاخ" فقال له ذا يوم: يا يعقوب ما الذي أذهب بصرك، وما الذي قوس ظهرك؟ قال: أما الذي أذهب بصري، فالبكاء على يوسف، وأما الذي قوّس ظهري فالحزن على بنيامين، فأتاه جبريل فقال: يا يعقوب إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: أما تستحيي أن تشكو إلى غيري؛ فقال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، فقال جبريل: الله أعلم بما تشكو، ثم قال يعقوب: أي رب؛ أما ترحم الشيخ الكثير أذهبت بصري، وقوست ظهري، فاردد عليَّ ريحانتاي أشمهما شمة قبل الموت، ثم اصنع بي يا رب ما شئت، فأتاه جبريل فقال: يا يقعوب إن الله يقرأ عليك السلام، ويقول: أبشر فوعزتي لو كانا ميتين لنشرتهما لك، إصنع طعامًا للمساكين، فإن أحب عبادي إلي المساكين، وهل تدري لم أذهبت بصرك وقوست ظهرك وصنع إخوة يوسف بيوسف ما صنعوا؛ لأنكم ذبحتم شاة، فأتاكم فلان المسكين وهو صائم، فلم تطعموه منها، فكان يعقوب بعد ذلك إذا أراد الغداء أمر مناديًا فنادى ألا من أراد الغداء من المساكين .. فليتغد مع يعقوب، وإذا كان صائمًا أمر مناديًا فنادى من كان صائمًا .. فليفطر مع يعقوب.
وقال وهب بن منبِّه (٢): أوحى الله تعالى إلى يعقوب: أتدري لما عاقبتك، وحبست عنك يوسف ثمانين سنة؟ قال: لا، قال: لأنك شويت عناقًا، وقترت على جارك، وأكلت ولم تطعمه، وذكر بعضهم أن السبب في ذلك أن يعقوب ذبح عجل بقرة بين يديها وهي تخور، فلم يرحمها.
стр. 6039
فإن قيل: كيف صبر يوسف عن أبيه بعد أن صار ملكًا؟
فقد أجاب المفسرون عنه بثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه يجوز أن يكون ذلك عن أمر الله تعالى وهو الأظهر.
والثاني: لئلا يظن الملك بتعجيل استدعائه أهله شدة فاقتهم.
والثالث: أنه أحب بعد خروجه من السجن أن يدرج نفسه إلى كمال السرور. والصحيح أن ذلك كان عن أمر الله تعالى ليرفع درجة يعقوب بالصبر على البلاء، وكان يوسف يلاقي من الحزن لأجل حزن أبيه عظيمًا، ولا يقدر على دفع سببه.
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: أعلم (١) من لطفه وإحسانه وثوابه على المصيبة ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ـه أنتم، وقيل: أراد علمه بأن يوسف حي، وقيل: أراد علمه بأن رؤياه صادقة، وقيل: أعلم من إجابة المضطرين إلى الله ما لا تعلمون، فأرجو أن يرحمني ويلطف بي ولا يخيب رجائي.
والخلاصة (٢): أي وأنا أعلم في ابتلائي بفراقه مع حسن عاقبته ما لا تعلمون، فاعلم أنه حي يرزق، وأن الله يجتبيه ويتم نعمته عليه وعلى آل يعقوب، وأنتم تظنون أن يوسف قد هلك، وأن بنيامين قد سرق فاسترقَّ، وتحسبون أني بحزني ساخط على قضاء الله تعالى في شيء أمضاه ولا مرد له، وأنا أعلم أن لهذا أجلًا هو بالغه، وإني لأرى البلاء ينزل عليكم من كل جانب بذنوبكم وبتفريطكم في يوسف من قبل وبأخيه الذي كان يسليني عنه من بعده.
وعن ابن عباس ﵄ في تفسير الآية: أنا أعلم أن رؤيا يوسف حق، وأنني سأسجد له.
٨٧ - وقال السدي (٣): لما أخبره أولاده بسيرة الملك .. أحست نفسه، فطمع وقال: لعله يوسف، فقال: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا﴾ إلى مصر
стр. 6040
وارجعوا إليها ﴿فَتَحَسَّسُوا﴾؛ أي: فتعرفوا ﴿مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ بنيامين، وابحثوا فيها من خبرهما بحواسكم من سمع وبصر حتى تكونوا على يقين من أمرهما. فقوله: ﴿اذْهَبُوا﴾ أمر بالذهاب إلى الأرض التي جاؤوا منها وتركوا بها أخويهم بنيامين والمقيم بها. وقوله: ﴿فَتَحَسَّسُوا﴾ أمر بالتحسس وهو الاستقصاء والطلب بالحواس، ويستعمل في الخير والشر. والتحسس - بمهملات - طلب الشيء بالحواس مأخوذ من الحس أو من الإحساس. وقرىء (١) بالجيم كالذي في الحجرات ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ وهو أيضًا التطلب. وفي "الإحياء" بالجيم: في تطلع الأخبار، وبالحاء: في المراقبة بالعين، وقال في "إنسان العيون" أما بالحاء: أن يفحص الشخص عن الأخبار بنفسه، وأما بالجيم: أن يفحص عنها بغيره، وجاء تحسسوا ولا تجسسوا انتهى.
والمعنى: اذهبوا فتعرفوا خبر يوسف وأخيه وتطلبوه، وإنما (٢) خصهما ولم يذكر الثالث، وهو الذي قال: فلن أبرح الأرض واحتبس بمصر؛ لأن غيبته اختيارية لا يعسر إزالتها؛ لأنه إنما أقام مختارًا.
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾؛ أي: ولا تقنطوا من فرجه وتنفيسه عن النفس هذا الكرب بما ترتاح إليه الروح، ويطمئن به القلب. وقرأ (٣) الجمهور: ﴿تَيْأَسُوا﴾، وفرقة: ﴿تَيْأَسُوا﴾. وقرأ الأعرج: ﴿تَئَسُوا﴾ - بكسر التاء - والقراءتان اللتان عدا قراءة الجمهور شاذتان. واليأس والقنوط: انقطاع الرجاء. و ﴿رَوْحِ اللَّهِ﴾ - بفتح الراء -: رحمته وفرجه وتنفيسه؛ أي: إزالته الكرب عن النفس. قال ابن عطية: وكان معنى هذه القراءة: لا تيأسوا من حي معه روح الله الذي وهبه، فإن من بقي روحه يرجى حضوره، ومن هذا قول الشاعر:
وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع
ومن هذا قول عبيد بن الأبرص:
стр. 6041
وكُلُّ ذِيْ غَيْبةِ يؤُوْبُ ... وَغَائِبُ الْموْتِ لاَ يَؤوْبُ
وقال الزمخشري: ﴿من رَوْحِ اللَّهِ﴾ - بالضم - أي: من رحمته التي تحيا بها العباد انتهى.
﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الشأن والحال ﴿لَا يَيْأَسُ﴾ ولا يقنط ﴿مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ ورحمته ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ بالله وبقدرته وسعة رحمته (١)، ويجهلون ما لله في عباده من حكم بالغة ولطف خفي، فإذا لم يصلوا إلى ما يبتغون من كشف ضر، أو جلب خير بخعوا أنفسهم - انتحروا - همًّا وحزنًا، أما المؤمن حقًّا فلا تقنطه المصائب ولا الشدائد من رحمة ربه وتفريجه لكربه، يعني: أن المؤمن يصبر عند البلاء، وينتظر الفرج والرحمة، فيسأل به خيرًا، ويحمد الله عند الرخاء، والكافر بضد ذلك. ومن ثم قال ابن عباس: إن المؤمن من الله تعالى على خير يرجوه في البلاء، ويحمده في الرخاء. وقرأ أبي شذوذًا: ﴿من رحمة الله﴾.
٨٨ - وقوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ فيه حذف واختصار (٢)، والتقدير: فخرجوا من عند أبيهم قاصدين مصر، فذهبوا كما أمرهم أبوهم ليتحسسوا من يوسف وأخيه ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾؛ أي: على يوسف ﵇ ﴿قَالُوا﴾ ليوسف ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾؛ أي: أيا أيها الملك الممتنع القادر الغالب ﴿مَسَّنَا﴾؛ أي: أصاب إيانا ﴿وَأَهْلَنَا﴾؛ أي: وعيالنا وأولادنا وهم من خلفوهم ﴿الضُّرُّ﴾؛ أي: الفقر والحاجة، والهزال والضعف؛ لما نحن فيه من المجاعة وكثرة العيال وقلة الطعام، وقد شكوا إليه رقة الحال وقلة المال وشدة الحاجة وغير ذلك مما يرقق القلب، مع أن مقصدهم التحسس من يوسف وأخيه؛ ليروا تأثير الشكوى فيه، فإن رق قلبه لهم ذكروا ما يريدون وإلا سكتوا، وقد كان أبوهم يرجح أنه هو يوسف، فأرادوا أن يروا تأثير هذا الاستعطاف فيه، وقالوا: ﴿وَجِئْنَا﴾ إليك
стр. 6042
﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾؛ أي: ببضاعة رديئة وأمتعة خسيسة يحتقرها التجار، ويدفعونها احتقارًا لها ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾؛ أي: فأتمه لنا كما تعودنا من جميل رعايتك وإحسانك، ولا تنقصه لرداءة بضاعتنا ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ بما تزيده على حقنا ببضاعتنا بعد أن تغمض عن ردائتها ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ فيخلف ما ينفقون، يضاعف لهم الأجر. قال الضحاك: لم يقولوا إن الله يجزيك إن تصدقت علينا؛ لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن، بل لتيقنهم كفره على عادة ملوك مصر في ذلك الوقت، فعبروا بهذه العبارة المحتملة. وقد بالغوا في الضراعة والتذلل لما كانوا يرون من تأثير ذلك في ملامح وجهه، وجرس صوته، ومغالبة دمعه، وقد قيل: كيف يطلبون التصدق عليهم وهم أنبياء، والصدقة محرمة على الأنبياء، وأجيب باختصاص ذلك بنبينا محمد ﷺ . وفي هذا الكلام (١) دليل على أنه تجوز الشكوى عند الضرورة إذا خاف من إصابته على نفسه، كا يجوز للعليل أن يشكو إلى الطبيب ما يجده من العلة. وهذه المرة التي دخلوا فيها مصر هي المرة الثالثة كما يفيده ما تقدم من سياق الكتاب العزيز.
روي (٢): أن يعقوب أمر بعض أولاده، فكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من يعقوب إسرائيل الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد: فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء؛ أما جدي إبراهيم فإنه ابتلي بنار النمروذ، فصبر وجعلها الله عليه بردًا وسلامًا، وأما أبي إسحاق فابتلي بالذبح، فصبر ففداه الله بذبح عظيم، وأما أنا فابتلاني الله بفقد ولدي يوسف فبكيت عليه حتى ذهب بصري، ونحل جسمي، وقد كنت أتسلى بهذا الغلام الذي أمسكته عندك، وزعمت أنه سارق، وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقًا، فإن رددته علي وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام. فلما قرأ يوسف كتاب أبيه اشتد بكاؤه وعيل صبره، وأظهر نفسه لأخوته.
٨٩ - ثم بعد أن ذكر طريق تحسسهم ذكر رد يوسف عليهم بقوله: ﴿قَالَ﴾ يوسف
стр. 6043
عليه السلام لأخوته: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ والاستفهام فيه للتوبيخ والتقريع، وقيل: ﴿هَلْ﴾ بمعنى قد؛ أي: هل تذكرون ﴿مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ من إلقائه في الجبّ، وبيعه بثمن بخس، وتفريقه عن أبيه ﴿و﴾ ما فعلتم بـ ﴿أخيه﴾ بنيامين من إدخال الغم عليه بفراق أخيه الشقيق، وما كان يناله من جهتهم من الاحتقار والإهانة حتى كان لا يقدر أن يكلمهم. قال الواحدي: ولم يذكر أباه يعقوب من عظم ما دخل عليه من الغم بفراقه تعظيمًا له، ورفعًا من قدره، وعلمًا بأن ذلك كان بلاءً له من الله ؛ ليزيد في درجته عنده؛ أي: ما أعظم ما فعلتم بيوسف وأخيه، فهل تبتم عن ذلك بعد علمكم بقبحه؟ فهو سؤال عن الملزوم، والمراد لازمه، وهذا استفهام (١) يفيد تعظيم أمر هذه الواقعة، ومعناه: ما أعظم ما ارتكبتم من أمر يوسف، وما أقبح ما أقدمتم عليه من قطيعة الرحم وتفريقه من أبيه، وهذا كما يقال للمذنب: هل تدري من عصيت، وهل تعرف من خالفت؟ ولم يرد بهذا نفس الاستفهام، ولكنه أراد تفظيع الأمر وتعظيمه. ويجوز أن يكون المعنى: هل علمتم عقبى ما فعلتم بيوسف وأخيه من تسليم الله إياهما من المكروه. ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ ظرف لفعلتم؛ أي: فعلتم وقت جهلكم عقبى فعلكم ليوسف من خلاصه من الجب، وولايته السلطنة، وإنما (٢) كان كلامه هذا شفقة عليهم، وتنصحًا لهم في الدين، وتحريضًا على التوبة، لا معاتبته وتثريبًا إيثارًا لحق الله تعالى على حق نفسه.
روي: أنه لمَّا قرأ كتاب يعقوب بكى وكتب إليه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إلى يعقوب إسرائيل الله من ملك مصر أما بعد: أيها الشيخ فقد بلغني كتابك وقرأته، وأحطت به علمًا، وذكرت فيه آباءك الصالحين، وذكرت أنهم كانوا أصحاب البلايا، فإنهم إن ابتلوا وصبروا ظفروا، فاصبر كما صبروا والسلام. فلما قرأ يعقوب الكتاب قال: والله ما هذا كتاب الملوك، ولكنه كتاب الأنبياء، ولعل صاحب الكتاب هو يوسف.
стр. 6044
واعلم (١): أن هذه الآية تصديق لقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قال صاحب "الكشاف" في تفسير الآية: أتاهم من جهة الدين، وكان حليمًا موفقًا، فكلمهم مستفهمًا على معرفة وجه القبح الذي يجب أن يراعيه التائب فـ ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ أقبح ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون لا تعلمون قبحه، فلذلك أقدمتم عليه يعني: هل علمتم قبحه، فتبتم إلى الله منه، لأن علم القبح يدعو إلى الاستقباح، والاستقباح يجر إلى التوبة، فكان كلامه شفقة عليهم وتنصحًا لهم في الدين، لا معاتبة وتثريبًا إيثارًا لحق الله تعالى على حق نفسه في ذلك المقال الذي يتنفس فيه المكروب، وينفث المصدور، ويستنفي المغيظ المحنق، ويدرك ثأره الموتور، فلله أخلاق الأنبياء ما أوطأها وأسمحها، ولله حصا عقولهم ما أوزنها وأرجحها. اهـ.
وكان سؤاله (٢) إياهم عما فعلوا بيوسف وأخيه هو سؤال العارف بأمرهم فيه من البداية إلى النهاية مصدقًا لما أوحاه الله إليه حين ألقوه في غيابة الجبّ من قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. إذ يبعد أن يعرف هذا سواه.
٩٠ - ولما أرادوا أن يثبتوا من ذلك ويستيقنوا به وجهوا إليه سؤالًا هو سؤال المتعجب المستغرب لما يسمع وقالوا: ﴿أإنك لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾؛ أي: قالوا هل من المؤكد قطعًا أنك أنت يوسف، وقد عجبوا من أنهم يترددون عليه مدى سنتين أو أكثر وهم لا يعرفونه، وهو يعرفهم، ويكتم نفسه، والاستفهام فيه للتقرير.
قرأ ابن كثير وقتادة وابن محيصن (٣): ﴿أَإِنَّكَ﴾ على لفظ الخبر بغير همزة استفهام، والظاهر أنها مرادة، ويبعد حمله على الخبر المحض. وقرأ (٤) نافع: ﴿أينك﴾ - بفتح الألف غير ممدودة وبالياء -. وقرأ أبو عمرو: ﴿آينك﴾ - بمد الألف وبالياء - وهو رواية قالون عن نافع. والباقون: ﴿أإنك﴾ بهمزتين وكل ذلك
стр. 6045
على الاستفهام؛ لأنهم فهموا من فحوى كلامه ﵇، أو من إبصار ثناياه وقت تبسمه عند تكلمه بذلك.
وقال: من قرأ على الخبر إن الأخوة لم يعرفوا يوسف حتى رفع التاج عن رأسه، فرأوا في قرنه علامة تشبه الشامة البيضاء كما كان ليعقوب وإسحاق مثل ذلك، فلما عرفوه بتلك العلامة قالوا ذلك.
﴿قالَ﴾ يوسف ﵇ جوابًا لهم ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾ الذي ظلمتموني غاية الظلم، وقد نصرني الله تعالى فأكرمني وأوصلني إلى أسمى المراتب، أنا ذلك العاجز الذي أردتم قتله بإلقائه في غيابة الجبّ، ثم صرت إلى ما ترون ﴿وَهَذَا﴾؛ أي: بنيامين ﴿أَخِي﴾؛ أي: شقيقي الذي فرقتم بيني وبينه وظلمتموه، ثم أنعم الله عليه بما تبصرون ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾؛ أي: أنعم الله تعالى علينا، فجمع بيننا بعد الفرقة، وأعزنا بعد الذلة وآنسنا بعد الوحشة، وخلصنا مما ابتلينا به. وقيل: منَّ علينا بكل عز وخير في الدنيا والآخرة. وقيل: منَّ علينا بالسلامة في ديننا ودنيانا. وفيه إيماء إلى أنه لا وجه لطلبكم بنيامين؛ لأنه أخي لا أخوكم.
قال بعض العلماء (١): إنما أظهر الاسم في قوله: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾ ولم يقل أنا هو تعظيمًا لما نزل به من ظلم إخوته له، وما عوضه الله من النصر والظفر والملك؛ فكأنه قال: أنا يوسف المظلوم الذي ظلمتموني، وقصدتم قتلي بأن ألقيتموني في الجبّ، ثم بعتموني بأبخس الأثمان، ثم صرت إلى ما ترون، فكان تحت ظهور الاسم هذه المعاني كلها. ولهذا قال: ﴿وَهَذَا أَخِي﴾ وهم يعرفونه؛ لأنه قصد به أيضًا وهذا أخي المظلوم كما ظلمتموني، ثم صرت أنا وهو إلى ما ترون، وهو قوله: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بكل عز وخير في الدنيا والآخرة ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الشأن والحال ﴿مَنْ يَتَّقِ﴾ الله بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات ﴿وَيَصْبِر﴾ على المحن والبلايا والإذاية ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَا يُضِيعُ﴾ ولا يبطل ﴿أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالتقوى والصبر؛
стр. 6046
أي: لا يضيع أجرهم، فوضع المحسنين موضع المضمر لاشتماله على المتقين والصابرين. وقيل المعنى: من يتق مولاه ويصبر على بلواه. وقيل: من يتق الزنا ويصبر على العزوبة قاله ابن عباس. وقال مجاهد: يتقي المعصية ويصبر على السجن.
والمعنى (١): أن الحق الذي نطقت به الشرائع وأرشدت إليه التجارب هو من يتق الله فيما به أمر وعنه نهى، ويصبر على ما أصابه من المحن وفتن الشهوات والأهواء، فلا يستعجل الأقدار بشيء قبل أوانه، فإن الله لا يضيع أجره في الدنيا، ثم يؤتيه أجره في الآخرة.
وفي الآية شهادة له من ربه بأنه من المحسنين المتقين لله، وبأن من كان مطيعًا لنفسه الأمارة بالسوء ومتبعًا لنزغات الشيطان .. فإن عاقبته الخزي في الدنيا والنكال في الآخرة إلا من تاب وعمل صالحًا، ثم اهتدى. وقرأ (٢) قنبل ابن كثير: ﴿من يتقي﴾ - بالياء - وصلًا ووقفًا. فقيل: هو مجزوم بحذف الياء التي هي لام الكلمة، وهذه الياء إشباع وقيل: جزمه بحذف الحركة على لغة من يقول: لم يرمي زيد، وقد حكوا ذلك لغةً، وقيل غير ذلك. وقرأ الباقون بحذفها وصلًا ووقفًا، والإعراب على قراءتهم ظاهر واضح.
تنبيه: فإن قيل: لِمَ لَمْ يعرف يوسف إخوته بنفسه في أول مرة ليبشروا أباهم به، وبما هو عليه من حسن حال وبسطة وجاه، فيكون في ذلك السرور كل السرور له؟
فالجواب عن ذلك: ما أجاب به ابن القيم في كتابه "الإغاثة الكبرى" قال رحمه الله تعالى: لو عرفهم بنفسه في أول مرة لم يقع الاجتماع بهم وبأبيه ذلك الموقع العظيم، ولم يحل ذلك المحل، وهذه سنَّة الله تعالى في الغايات العظيمة الحميدة إذا أراد أن يوصل عبده إليها هيأ له أسبابًا من المحن والبلايا والمشاق،
стр. 6047
فيكون وصوله إلى تلك الغايات بعدها كوصول أهل الجنة إليها بعد الموت وأهوال البرزخ، والبعث والنشور، والموقف والحساب والصراط، ومقاساة تلك الأهوال والشدائد، وكما أدخل رسول الله ﷺ إلى مكة ذلك المدخل العظيم بعد أن أخرجه الكفار ذلك المخرج، ونصره ذلك النصر العزيز بعد أن قاسى مع أعداء الله ما قاساه، وكذلك ما فعل برسله كنوح وإبراهيم وموسى وهود وصالح وشعيب ﵈، فهو يوصل إلى الغايات الحميدة بالأسباب التي تكرهها النفوس وتشق عليها كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾. وربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببًا ما مثله سبب، وبالجملة فالغايات الحميدة في خبايا الأسباب المكروهة الشاقة، كما أن الغايات المكروهة في خبايا الأسباب المشتهاة المستلذة، وهذا من حين خلق الله سبحانه الجنة وحفها بالمكاره، والنار وحفها بالشهوات. اهـ.
٩١ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال إخوة يوسف له ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ﴾ واختارك وفضلك ﴿عَلَيْنَا﴾ بالعلم والحلم والفضل والعقل والملك ﴿وَإِنْ كُنَّا﴾؛ أي: وإن الشأن والحال كنا في صنيعنا بك وتفريقنا بينك وبين أخيك ﴿لَخَاطِئِينَ﴾؛ أي: لآثمين متعمدين للخطيئة غير متقين الله؛ ولا عذر لنا فيها عند الله، ولا عند الناس، وفيه إشعار بالتوبة والاستغفار.
٩٢ - وبعد أن قدموا له المعذرة أجابهم بالصفح عما فعلوا ولذلك ﴿قَالَ﴾ يوسف ﵇: ﴿لَا تَثْرِيبَ﴾؛ أي: لا لوم ولا تعنيف ولا تقريع ولا تعيير ﴿عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾؛ أي: في هذا اليوم الذي هو مظنته، ولكن لكم عندي الصفح والعفو، وهو إذا لم يثرب أول لقائه واشتعال ناره، فبعده أولى. والتثريب (١): تفعيل من الثرب، وهو الشحم الذي يغشي الكرش، ومعناه: إزالة الثرب، فكأن التعيير والاستقصاء في اللوم يذيب جسم الكريم وثربه لشدته عليه كما في "الكواشي". وقال ابن الشيخ: سمي التقريع تثريبًا تشبيهًا له بالتثريب في اشتمال كل منهما على معنى التمزيق، فإن
стр. 6048
التقريع يمزق العرض، ويذهب ماء الوجه، و ﴿اليوم﴾ منصوب بالتثريب؛ أي: لا تثريب عليكم اليوم الذي هو مظنة التثريب، فما ظنكم بسائر الأيام؟ والمراد باليوم الزمان مطلقًا كقوله:
الْيَوْمَ يَرْحَمُنَا مَنْ كَانَ يَغْبِطُنَا ... وَالْيَوْمَ نَتْبَعُ مَنْ كَانُوْا لَنَا تَبَعَا
كأنه أريد بعد اليوم.
ثم ابتدأ، فقال: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ﴾ ، ويعفو ﴿لَكُمْ﴾ عن ذنبكم وظلمكم ويستره عليكم، فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم.
وفي "الخازن" (١): وفي محل قوله: ﴿الْيَوْمَ﴾ قولان:
أحدهما: أنه يرجع إلى ما قبله، فيكون التقدير: لا تثريب عليكم اليوم، والمعنى: إن هذا اليوم هو يوم التثريب والتقريع والتوبيخ، وأنا لا أقرعكم اليوم ولا أوبخكم ولا أثرب عليكم، فعلى هذا يحسن الوقف على قوله: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾، ويبتدأ بقوله: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
والقول الثاني: أن اليوم متعلق بقوله: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فعلى هذا يحسن الوقف على قوله: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾، ويبتدأ بـ ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كأنه لما نفى عنهم التوبيخ والتقريع بقوله: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ بشرهم بقوله: ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ لمن أقلع عن ذنبه وأناب إلى طاعته بالتوبة من معصيته يرحم عباده رحمة لا يتراحمون بها فيما بينهم، فيجازي، محسنهم، ويغفر لمسيئهم؛ لأن (٢) رحمة الراحمين أيضًا برحمته، أو لأن رحمتهم جزء من رحمته تعالى، والمخلوق إذا رحم فكيف الخالق. قال في "بحر العلوم" الذنب للمؤمن سبب للوصلة، والقرب من الله تعالى، فإنه سبب لتوبته، وإقباله على الله تعالى.
стр. 6049
وقال عطاء الخراساني: طلب الحوائج من الشباب أسهل منه من الشيوخ، ألم تر قول يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وقال يعقوب: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾.
وقد تمثل النبي ﷺ بهذه الآية يوم فتح مكة حين طاف بالبيت، وصلى ركعتين، ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب وقال: "ما تظنون أني فاعل بكم"؟ قالوا: نظن خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: وأنا أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ فخرجوا كأنما نشروا من القبور". أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس، والبيهقي عن أبي هريرة.
٩٣ - روي (١): أن يوسف ﵇ لما عرف نفسه إخوته سألهم عن أبيهم، فقالوا: ذهب بصره، فعند ذلك أعطاهم قميصه، وقال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ الذي على بدني أو بيدي ﴿فَأَلْقُوهُ﴾؛ أي: فألقوا هذا القميص ﴿عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾ حين وصولكم إليه دون تأخير ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾؛ أي: يصير بصيرًا على أن ﴿يأت﴾ هي التي من أخوات (كان)، قال الفراء: يرجع بصيرًا. وقال السدي: يعد بصيرًا، وقيل: معناه يأت إليّ إلى مصر وهو بصير قد ذهب عنه العمى. وقد علم هذا؛ إما بوحي من الله تعالى، وإما لأنه علم أن أباه ما أصابه ما إصابه إلا من كثرة البكاء وضيق النفس، فإذا ألقي عليه قميصه شرح صدره، وسر أعظم السرور، وقوي بصره، وزالت عنه هذه الغشاوة التي رانت عليه، والقوانين الطبية تؤيد هذا كما سيأتي بعد. ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ من الرجال والنساء والذراري وغيرهم. وقد روي أن أهله كانوا سبعين رجلًا وامرأة وولدًا. فإن الأهل يفسر بالأزواج والأولاد، وبالعبيد والإماء، وبالأقارب وبالأصحاب وبالمجموع.
روي (٢) أن يهوذا حمل القميص، وقال: أنا أحزنته بحمل القميص الملطخ بالدم إليه، فأفرحه كما أحزنته، فحمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان، ومعه سبعة
стр. 6050
أرغفة لم يستوف أكلها حتى أتاه، وكانت المسافة ثمانين فرسخًا. قيل (١): هذا القميص هو القميص الذي ألبسه الله إبراهيم لما ألقي في النار، وكساه إبراهيم إسحاق، وكساه إسحاق يعقوب، وكان يعقوب أدرج هذا القميص في قضيبه وعلقه في عنق يوسف لما كان يخاف عليه من العين، فأخبر جبريل يوسف أن يرسل به إلى يعقوب ليعود عليه بصره؛ لأن فيه ريح الجنة، وريح الجنة لا يقع على سقيم إلا شقي، ولا مبتلى إلا عوفي.
٩٤ - ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾؛ أي: ولما انفصلت عير بني يعقوب عن حدود مصر، وخرجت منها قافلة إلى أرض الشام ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ يعقوب ﵇ لمن حضره من حفدته ومن غيرهم: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾؛ أي: لأشم رائحة يوسف كما عرفتها في صغره. وفي "التبيان" هاجت الريح، فحملت ريح القميص من مسافة ثمانين فرسخًا، واتصلت بيعقوب، فوجد ريح الجنة، فعلم أنه ليس في الدنيا من ريح الجنة إلا ما كان من ذلك القميص انتهى. وهذا موافق لما سبق من أنه كان في القميص ريح الجنة لا يقع على مبتلى إلا عوفي، فالخاصية في ريح الجنة لا في ريح يوسف كما ذهب إليه "البيضاوي". وأما الإضافة في قوله: ﴿رِيحَ يُوسُفَ﴾ فللملابسة كما لا يخفى ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾؛ أي: لولا أنا تنسبوني إلى الفند، وهو الخرف ونقصان العقل وفساد الرأي من هرم. وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف تقديره: لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني فيما أقول لكم، فوجد ريحه من ثمانية أيام. وفي رواية من ثمانين فرسخًا، والمراد: من مسافات بعيدة جدًّا. والفند (٢): وهو نقصان العقل من هرم، يقال: شيخ مفند، ولا يقال: عجوز مفندة؛ إذ لم تكن في شبيبتها ذات رأي فتفند في كبرها؛ أي: نقصان عقلها ذاتي لا حادث من عارض الهرم.
واعلم: أن الخرف لا يطرأ على الأنبياء والورثة؛ لأنه نوع من الجنون الذي هو من النقائص، وهم مبرأون مما يشين بهم من الآفات.
стр. 6051
٩٥ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال حاضروا مجلسه ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ﴾؛ أي: لفي خطئك ﴿الْقَدِيمِ﴾؛ أي: الذي طال أمده باعتقادك أن يوسف حي يرجى لقاؤه، وقد قرب ولا غرو فللخلي أن يقول في الشجي ما شاء، فأذنه عن العذَّل صماء:
سَلْوَتِيْ عَنْكُمُ احْتِمَالٌ بَعِيْدٌ ... وَافْتِضَاحِيْ بِكُمْ ضَلاَلٌ قَدِيْمُ
كُلُّ مَنْ يَدَّعِيْ الْمَحَبَّةَ فِيْكُمُ ... ثُمَّ يَخْشَى الْمَلاَمَ فَهُوَ مُلِيْمُ
قال قتادة في تفسيرها (١): ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾؛ أي: من حب يوسف لا تنساه ولا تسلوه. اهـ.
قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها له.
٩٦ - و ﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ صلة؛ أي: زائدة لتأكيد (٢) الفعلين واتصالهما حتى كأنهما وجدا في جزء واحد من الزمان من غير فاصل وقت؛ أي: فلما جاء البشير وهو ابنه يهوذا الذي يحمل القميص من يوسف، وهو الذي حمل إليه قميصه الملطخ بالدم الكذب ليمحو السيئة بالحسنة ﴿أَلْقَاهُ﴾؛ أي: ألقى البشير القميص وطرحه ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾؛ أي: على وجه يعقوب ﴿فَارْتَدَّ﴾ يعقوب؛ أي: عاد ورجع يعقوب من فوره ﴿بَصِيرًا﴾؛ أي: ذا بصر كما كان قبل فراق يوسف. والارتداد: انقلاب الشيء إلى حال كان عليها، وهو من الأفعال الناقصة؛ أي: عاد ورجع بصيرًا بعدما كان قد عمي، ورجعت قوته وسروره بعد الضعف والحزن، بل قد قيل: إنه عادت إليه سائر قواه، وليس ذلك بعجيب ولا منكر، فكثيرًا ما شفى السرور من الأمراض، وجدد قوى الأبدان والأرواح، والتجارب وقوانين الطب شاهد صدق على صحة ذلك، وقد أجاب يعقوب من لاموه بما كان عليه من علم قطعي من ربه بصدق ما يقول، كما قال سبحانه: ﴿قَالَ﴾ لهم يعقوب: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ يا بني حين أرسلتكم إلى مصر وأمرتكم بالتجسس، ونهيتكم عن اليأس من روح الله: - والاستفهام فيه تقريري - ﴿إِنِّي
стр. 6052
أَعْلَمُ﴾ بالوحي ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ لا بالخطرات من الأوهام ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من حياة يوسف وإنزال الفرج، وقد ذكرهم الآن إذ عاد بصيرًا بما كان قد قاله لهم حين ابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم. وروي (١) أنه سأل البشير كيف يوسف؟ قال: هو ملك مصر. قال: ما أصنع بالملك؟ قال: على أي دين تركته؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن تمّت النعمة.
نبذة في تعليل شم يعقوب رائحة يوسف (٢)
أثبت العلم حديثًا أن الريح تحمل الغبار وما فيه من قارة إلى أخرى، فتحمله من إفريقية مثلًا إلى أوروبا، وهي مسافة أبعد مما بين مصر وأرض كنعان من بلاد الشام، وهي بلا شك تحمل رائحة ماله منها رائحة، ولكن الغريب شم البشر لها من المسافات البعيدة، والإنسان إذا قيس بغيره من الوحوش والحشرات كان أضعف منهما شمًّا. فالكلب ذو حاسة قوية في الشم حتى ليدربه الآن رجال الشرطة، ويستخدمونه في حوادث الإجرام من قتل وسرقة، لإثبات التهمة على المجرمين، فيأتون بالكلب المعلم، فيشم المجرم ويخرجه من بين أشخاص كثيرين، ويرى ذلك رجال القانون دليلًا قويًّا على إثبات الجريمة على من يرشد إليه، بل دليلًا قاطعًا في بعض الدول.
والروائح منها القوي والضعيف، ومن أضعفها رائحة جسم الإنسان وعرقه وما يصيب ثوبه منها، ولكن ما نحن فيه من خوارق العادات ومن خواص عالم الغيب، لا من السنن العادية والحوادث التي تتكرر من البشر. وقد دلت الآية على أن يعقوب ﵇ أخبر أنه وجد رائحة يوسف لما فصلت العير من أرض مصر، فعلينا أن نؤمن به؛ لأنه معصوم من الكذب، وقد تبين صدقه بعد. وليس بالواجب علينا أن نعرف كنهه، أو نصل إلى معرفة سببه، ولكن إذا نحن قلنا: إنه لشدة تفكره في أمر ولده، وتذكره لرائحته حين كان يضمه ويشمه شعر
стр. 6053
بتلك الرائحة قد عادت له سيرتها الأولى .. لم يكن ذلك مجانبًا للصواب ولا معارضًا للعقل، ولا ناقضًا لما يثبته العلم، أو قلنا: بأن نتقبل هذا بدون تعليل ولا تصوير لكيفية ذلك .. لا نبعد عن العقل، ولا عن العلم؛ إذ لا خلاف بين العلماء في أن ما يجهله الباحثون أضعاف ما يعرفونه. وعلى الجملة فعلينا التسليم بما أخبر به دون حاجة للبحث في كنهه أو صفته ما دام ذلك داخلًا في حيز الإمكان.
٩٧ - وقوله: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا﴾ مرتب على محذوف تقديره: ولما رجع أولاد يعقوب من مصر، ووصلوا إلى أبيهم إثر مجيء البشير قالوا يا أبانا: ﴿اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾؛ أي: اسأل الله ، واطلب منه أن يغفر لنا ذنوبنا التي اجترحناها من عقوقك وإيذاء أخوينا ﴿إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾؛ أي: متعمدين لهذه الخطيئة عاصين لله، ظانين أن نكون بعدها قومًا صالحين، الآن اعترفوا بذنوبهم كما اعترفوا ليوسف من قبل، لكن يوسف بادر إلى الاستغفار لهم وهم لم يطلبوه منه.
وإنما سألوه المغفرة (١)؛ لأنهم أدخلوا عليه من ألم الحزن ما لا يسقط المأثم عنهم إلا بإحلاله. قلت: وهذا الحكم ثابت فيمن آذى مسلمًا في نفسه أو ماله، أو غير ذلك ظالمًا له، فإنه يجب عليه أن يتحلل له ويخبره بالمظلمة وقدرها، وهل ينفعه التحليل المطلق أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينفع، فإنه لو أخبره بمظلمة لها قدر وبال ربما لم تطب نفس المظلوم في التحلل منها، والله أعلم.
وفي "صحيح البخاري" وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء .. فليحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه، فحمل عليه".
стр. 6054
٩٨ - ﴿قَالَ﴾ يعقوب لهم: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾؛ أي: في مستقبل الزمان أطلب لكم من ربي مغفرة ذنوبكم، وعدهم بالاستغفار لهم في مستأنف الزمان، وعلل هذا بـ ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾؛ أي: بأن ربه واسع المغفرة والرحمة لا ينقطع رجاء المؤمن فيها وإن ظلم وأساء. قال الزجاج (١): أراد يعقوب أن يستغفر لهم في وقت السحر؛ لأنه أخلق بإجابة الدعاء، لا أنه بخل عليهم بالاستغفار. وقيل: أخره إلى ليلة الجمعة، وقيل: أخره إلى أن يستحل لهم من يوسف، ولم يعلم أنه قد عفا عنهم. وجملة: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تعليل لما قبله كما مر آنفًا.
وعن الشعبي (٢): ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ قال: أسأل يوسف، إن عفا عنكم أستغفر لكم ربي، فإن عفو المظلوم شرط المغفرة، فأخر الاستغفار إلى وقت الاجتماع بيوسف، فلما قدموا عليه في مصر قام إلى الصلاة في السحر ليلة الجمعة، وكانت ليلة عشوراء، فلما فرغ رفع يديه، وقال: اللهم اغفر جزعي على يوسف، وقلة صبري منه، واغفر لأولادي ما أتوا به أخاهم، وقام يوسف خلفه يؤمِّن، وقام إخوته خلفهما أذلة خاشعين، فأوحى الله تعالى إليه أن الله قد غفر لك ولهم أجمعين، ثم لم يزل يدعو لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة إلى أن حضرت الوفاة.
وقال في "روح البيان": سوف وعسى ولعل في وعد الأكابر والعظماء يدل على صدق الأمر وجده، ووقوع ذلك منهم موقع القطع والبت، وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم وترك استعجالهم، فعلى ذلك جرى وعد يعقوب كأنه قال: إني أستغفر لكم ربي لا محالة، وإن تأخر كما في "بحر العلوم".
فائدة: والفارق بين جواب يعقوب وجواب يوسف من وجوه كثيرة اقتضتها الحكمة:
١ - أن حال أبيهم معهم حال المربي المرشد للمذنب، لا حال المنتقم
стр. 6055
الذي يخشى أذاه، وليس من حسن التربية ولا من طرق التهذيب أن يريهم أن ذنبهم هين لديه حتى يعجل بإجابة مطلبهم بالاستغفار لهم.
٢ - أن ذنبهم لم يكن موجهًا إليه مباشرة، بل موجه إلى يوسف وأخيه، ثم إليه بالتبع واللزوم إلا أنه ليس من العدل أن يستغفر لهم إلا بعد أن يعلم حالهم مع يوسف وأخيه، ولم يكن يعقوب قد علم بعفو يوسف عنهم واستغفاره.
٣ - أن هذا ذنب كبير وإثم عظيم طال عليه الأمد، وحدثت منه أضرار نفسية وخلقية، وأعمال كان لها خطرها، فلا يمحى إلا بتوبة نصوح تجتث الجذور التي علقت بالأنفس والأرجاس التي باضت وفرخت فيها. فلا يحسن بعدئذ من المربي الحكيم أن يسارع إلى الاستغفار لمقترفها عقب طلبه، حتى كأنها من هينات الأمور التي تغفر ببادرة من الندم، ومن ثم تلبث في الاستغفار لهم إلى أجل، ليعلمهم عظيم جرمهم، ويعلمهم بأنه سوف يتوجه إلى ربه، ويطلب لهم الغفران منه بفضله ورحمته.
٤ - أن حال يوسف معهم كان حال القادر، بل المالك القادر مع مسيء ضعيف لديه عظم جرمه عليه، فلم يشأ أن يكون الغفران بشفاعته ودعائه، فآمنهم من خوف الانتقام تعجيلًا للسرور بالنعمة الجديدة التي جعل الله أمرها بين يديه، وليروا ويرى الناس فضل العفو عند القدرة، وليكون لهم في ذلك أحسن الأسوة. وفي هذا من ضروب التربية أكبر العظة، ولو أخر المغفرة لكانوا في وجل مما سيحل بهم، ولخافوا شر الانتقام، فكانوا في قلق دائم وتبلبل بال واضطراب نفس، فكان توجسهم له عذابًا فوق العذاب الذي هم فيه، ولكن شاءت رحمته بهم أن يجعل السرور عامًّا، والحياة الجديدة حافلة بالاطمئنان وقرة العين، وهكذا شاءت الأقدار وشاء الله أن يكون ذلك، وهو العليم الحكيم.
تأويل رؤيا يوسف من قبل
٩٩ - وقوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾ في محل ضرب فيه يوسف خيامه حين خرج من مصر لتلقي أبيه ﴿آوَى﴾ يوسف وضم ﴿إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾؛ أي: أباه وخالته
стр. 6056
وأعتنقهما، فإن أمه ماتت في نفاس أخيه بنيامين، فمعنى بنيامين بالعبراية ابن الوجع؛ لأن يامين معناه الوجع، ولما ماتت أمه راحيل .. تزوج أبوه بخالته ليا والرابة، وهي موطؤة الأب، تدعى أمًا؛ لقيامها مقام الأم، أو لأن الخالة أم كما أن العم أب. وظاهر الآية يدل على أن أمه كانت لا تزال حية، ورجحه ابن جرير، وخالفه أكثر المفسرين كما بينا. وفيه حذف وإيجاز يفهم من سياق الكلام، وتقدير المعنى: فبعد أن ذهب إخوة يوسف إلى أبيهم وأخبروه بمكانة يوسف في مصر، وأنه الحاكم المفوض المستقل في أمرها .. أبلغوه أن يدعوهم كلهم للإقامة معه في مصر والتمتع بحضارتها، فرحلوا حتى بلغوها، ولما دخلوا على يوسف وكان قد استقبلهم في الطريق في جمع حافل احتفاء بهم .. ضم إليه أبويه واعتنقهما.
روي (١): أن يوسف وجه إلى أبيه جهازًا كثيرًا ومئتي راحلة، وسأله أن يأتيه بأهله أجمعين، فتهيأ يعقوب للخروج إلى مصر، فتوجه مع أولاده وأهاليهم إلى مصر على رواحلهم، فلما قربوا من مصر أخبر بذلك يوسف، فاستقبله يوسف والملك الريان - في أربعة آلاف من الجند، أو ثلاث مئة ألف فارس - والعظماء وأهل مصر بأجمعهم، ومع كل واحد من الفرسان جنة من فضة وراية من ذهب، فتزينت الصحراء بهم واصطفُّوا صفوفًا، وكان الكل غلمان يوسف ومراكبه، ولما صعد يعقوب تلًّا ومعه أولاده وحفدته؛ أي: أولاد أولاده ونظر إلى الصحراء مملوءة من الفرسان مزينة بالألوان نظر إليهم متعجبًا، فقال له جبريل: انظر إلى الهواء، فإن الملائكة قد حضرت سرورًا بحالكم كما كانوا محزونين مدة لأجلك، ثم نظر يعقوب إلى الفرسان، فقال: أيهم ولدي يوسف؟ فقال جبريل: هو ذاك الذي فوق رأسه ظلة، فلم يتمالك أن أوقع نفسه من البعير، فجعل يمشي متوكئًا على يهوذا، فقال جبريل: يا يوسف إن أباك يعقوب قد نزل لك، فانزل له، فنزل من فرسه وجعل كل واحد منهما يعدو إلى الآخر، فلما تقاربا قصد يوسف أن يبدأ بالسلام، فقال جبريل: لا حتى يبدأ يعقوب به؛ لأنه أفضل وأحق، فابتدأ به
стр. 6057
وقال: السلام عليك يا مذهب الأحزان، فتعانقا وبكيا سرورًا وبكت ملائكة السموات وماج الفرسان بعضهم في بعض، وصهلت الخيول وسبَّحت الملائكة، وضرب بالطبول والبوقات، فصار كأنه يوم القيامة قال يوسف: يا أبت بكيت عليّ حتى ذهب بصرك، ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ فقال: بلى، ولكن خشيت أن يسلب دينك، فيحال بيني وبينك، نسأل الله الثبات على الإيمان إنه الكريم المنان - آمين -.
﴿وَقَالَ﴾ يوسف لجميع أهله قبل أن يدخلوا مصر: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ للإقامة بها ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ دخولكم حالة كونكم ﴿آمِنِينَ﴾ من الجوع والخوف وسائر المكاره قاطبة على أنفسكم وأموالكم وأهليكم لا تخافون أحدًا؛ لأنهم كانوا قبل ولاية يوسف يخافون ملوك مصر، ولا يدخلونها إلا بإجازتهم لكونهم جبابرة. قيل (١): المراد بالدخول الأول في قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾ أرض مصر، وذلك حين استقبلهم، ثم قال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ يعني البلد. وقيل: إنه أراد بالدخول الأول دخولهم مصر، وأراد بالدخول الثاني الاستيطان بها؛ أي: ادخلوا مصر مستوطنين فيها.
والمشيئة في قوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ متعلقة بالدخول والأمن معًا كقولك للغازي: إرجع سالمًا غانمًا إن شاء الله، فالمشيئة متعلقة بالسلامة والغنم معًا. والتقدير: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله تعالى.
والمعنى: أي (٢) وقال لهم يوسف: ادخلوا بلاد مصر إن شاء الله تعالى آمنين على أنفسكم وأنعامكم من الجوع والهلاك، فإن سني القحط كانت لا تزال باقية، وذكر المشيئة في كلامه للتبرؤ من مشيئته وحوله وقوته إلى مشيئة الله الذي سخر ذلك لهم، وسخر ملك مصر وأهلها له ثم لهم. وهذا من شأن المؤمنين، ولا سيما الأنبياء والصديقون.
стр. 6058
١٠٠ - ﴿وَرَفَعَ﴾ يوسف ﴿أَبَوَيْهِ﴾ عند نزولهم بمصر، وكانوا اثنين وسبعين رجلًا وامرأة، وكانوا حين خرجوا منها مع موسى ﵇ ست مئة ألف وخمس مئة وبضعًا وتسعين، أو سبعين رجلًا سوى الذرية والهرمى، وكانت الذرية ألف ألف ومئتي ألف. ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾؛ أي: على السرير الرفيع الذي كان يجلس عليه يوسف؛ أي: أجلسهما معه على سرير الملك تكرمة لهما فوق ما فعله لإخوته، واشتركوا في دخول دار يوسف، لكنهم تباينوا في الإيواء، فانفرد الأبوان بالجلوس معه على سرير الملك، لبعدهما من الجفاء، كذا غدًا إذا وصلوا إلى الغفران يشتركون فيه في دخول الجنة، ولكنهم يتباينون في بساط القربة، فيختص به أهل الصفاء دون من اتصف اليوم بالالتواء. ﴿وَخَرُّوا﴾؛ أي: سقط أبوا يوسف وإخوته على الأرض ﴿لَهُ﴾؛ أي: لأجل ملاقاة يوسف واجتماعهم معه ﴿سُجَّدًا﴾؛ أي: حالة كونهم مقدرين السجود بوضع الجبهة شكرًا لله تعالى على نعمة الاجتماع معه، وكان يوسف كالقبلة لهم كما سجدت الملائكة لآدم، فإن الله تعالى أمر يعقوب بالسجود لحكمة خفية، وذلك لإزالة الاستعلاء والتكبر عن قلوب إخوته؛ لأنهم لو لم يفعلوا ذلك السجود؛ لظهرت الأحقاد القديمة بعد كمونها، فالسجود لإزالتها، وكان ذلك جائزًا في ذلك الزمان.
فلما جاءت هذه الشريعة نسخت تلك الفعلة، فقوله: ﴿سُجَّدًا﴾ حال مقدرة كما أشرنا إليه في الحال؛ لأن السجود إنما يكون بعد الخرور.
وقيل: المراد بالسجود هنا: الانحناء لا وضع الجبهة على الأرض، والمعنى: أهوى أبوا يوسف وإخوته عن القيام والانتصاب تحية وتكرمة له حالة كونهم سجدًا؛ أي: منحنين بظهورهم، وكان ذلك تحية الملوك والعظماء في عهدهم كالقيام والمصافحة وتقبيل اليد ونحوها من عادات الناس الناشئة في التعظيم والتوقير.
والرفع في قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ﴾ مؤخر عن الخرور في قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ﴾؛ إذ السجود له كان قبل الصعود على السرير في أول الملاقاة؛ لأن ذلك هو وقت التحية إلا أنه قدم لفظًا؛ للاهتمام بتعظيمه لهما، والترتيب الذكري لا يجب كونه
стр. 6059
على وفق الترتيب الوقوعي، وليصل به ذكر كونه تعبير رؤياه ﴿وَقَالَ﴾ يوسف لأبيه يعقوب: ﴿يَا أَبَتِ﴾؛ أي: يا أبي ﴿هَذَا﴾ السجود منكم ﴿تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾؛ أي: تصديق منامي التي رأيتها وقصصتها عليك ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذا الوقت في زمن الصبا يريد قوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾. ﴿قَدْ جَعَلَهَا﴾؛ أي: قد جعل تلك الرؤية ﴿رَبِّي حَقًّا﴾؛ أي: صدقًا في اليقظة واقعًا بعينها؛ أي: قد جعلها ربي حقيقة واقعة، واستبان أنها لم تكن أضغاث أحلام، فالكواكب الأحد عشر مثال إخوتي الأحد عشر، وأنت وأمي مثال الشمس والقمر، ولا بدع في ذلك. فهذه الأسرة هي التي حفظ الله بها ذرية إسحاق بن إبراهيم لتنشر دين التوحيد بين العالمين، فكانت خير أسر البشر جميعًا. قال سلمان: كان بين رؤياه وتأويلها أربعون عامًا. ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ ربي وأكرمني وأنعم علي ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ والحبس، وسما بي إلى عرش الملك، إنما ذكر إخراجه من السجن، ولم يذكر إخراجه من الجبّ؛ لئلا تخجل إخوته، ولأن خروجه من السجن كان سببًا لصيرورته ملكًا، ولوصوله إلى أبيه وإخوته، ولزوال التهمة عنه، وكان ذلك من أعظم نعمه تعالى عليه، ولأن عهده بالسجن أقرب من الجبّ.
فائدة: قال لقمان الحكيم ﵁: خدمت أربعة آلاف نبي، واخترت من كلامهم ثماني كلمات: إن كنت في الصلاة .. فاحفظ قلبك، وإن كنت في بيت الغير .. فاحفظ عينيك، وإن كنت بين الناس .. فاحفظ لسانك، واذكر اثنين وانس اثنين، أما اللذان تذكرهما فالله والموت، وأما اللذان تنساهما إحسانك في حق الغير وإساءة الغير في حقك. ذكره في "روح البيان".
﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾؛ أي: من البادية، وكان يعقوب وأولاده أصحاب ماشية، فسكنوا البادية، وهي أرض كنعان بالشام. وقال علي بن طلحة؛ أي: من فلسطين. ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ﴾ وأفسد ﴿بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ بالحسد، وحمل بعضنا على بعض، وأحال يوسف ذنب إخوته على الشيطان تكرمًا منه وتأدبًا؛ أي: وقد أحسن بي ربي من بعد أن أفسد الشيطان ما بيني وبين إخوتي من عاطفة
стр. 6060
الأخوة، وقطع ما بيننا من وشيجة الرحم، وهيج الحسد والشر ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ﴿لَطِيفٌ﴾؛ أي: عالم بدقائق الأمور رفيق بعباده مدبر ﴿لِمَا يَشَاءُ﴾ في خلقه من خفايا الأمور بحكمته البالغة، وقدرته القاهرة، وقيل: معناه: لطيف التدبير لما يشاء من الأمور رفيق، فإذا أراد الله حصول شيء .. سهل أسبابه فحصل، وإن كان في غاية البعد عن الحصول عند العقول .. فمن ذا الذي كان يدور بخلده أن الإلقاء في الجبّ يعقبه الرق، ويتلو الرق فتنة العشق، ومن أجله يزج في غيابات السجن، ومن ذا إلى السيادة والملك. وقال الأزهري: اللطيف من أسماء الله تعالى معناه: الرفيق بعباده، يقال: لطف فلان بفلان يلطف إذا رفق به. وقال عمرو بن أبي عمرو: اللطيف الذي يوصل إليك أربك في لطف. قال الخطابي: اللطيف هو البر بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون. وقيل: اللطيف العالم بدقائق الأمور. ذكره الشوكاني. ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بمصالح عباده، فلا تخفى عليه مبادئ الأمور وغايتها ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يفعل الأمور على وجه الحكمة والمصلحة، فيجازي الذين أحسنوا بالحسنى، ويجعل العاقبة للمتقين.
الإعراب
﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿تَاللَّهِ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿تَاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم والله، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿تَفْتَأُ﴾: فعل مضارع ناقص من أخوات زال منفي بلا المحذوفة؛ لأن جواب القسم الخالي من اللام ونون التوكيد .. يجب كونه منفيًّا، فلا بدّ من تقدير لا معه، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت يعود على يعقوب. ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿تَفْتَأُ﴾، وجملة ﴿تَفْتَأُ﴾: جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿تَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص منصوب