← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

وأعتنقهما، فإن أمه ماتت في نفاس أخيه بنيامين، فمعنى بنيامين بالعبراية ابن الوجع؛ لأن يامين معناه الوجع، ولما ماتت أمه راحيل .. تزوج أبوه بخالته ليا والرابة، وهي موطؤة الأب، تدعى أمًا؛ لقيامها مقام الأم، أو لأن الخالة أم كما أن العم أب. وظاهر الآية يدل على أن أمه كانت لا تزال حية، ورجحه ابن جرير، وخالفه أكثر المفسرين كما بينا. وفيه حذف وإيجاز يفهم من سياق الكلام، وتقدير المعنى: فبعد أن ذهب إخوة يوسف إلى أبيهم وأخبروه بمكانة يوسف في مصر، وأنه الحاكم المفوض المستقل في أمرها .. أبلغوه أن يدعوهم كلهم للإقامة معه في مصر والتمتع بحضارتها، فرحلوا حتى بلغوها، ولما دخلوا على يوسف وكان قد استقبلهم في الطريق في جمع حافل احتفاء بهم .. ضم إليه أبويه واعتنقهما. روي (١): أن يوسف وجه إلى أبيه جهازًا كثيرًا ومئتي راحلة، وسأله أن يأتيه بأهله أجمعين، فتهيأ يعقوب للخروج إلى مصر، فتوجه مع أولاده وأهاليهم إلى مصر على رواحلهم، فلما قربوا من مصر أخبر بذلك يوسف، فاستقبله يوسف والملك الريان - في أربعة آلاف من الجند، أو ثلاث مئة ألف فارس - والعظماء وأهل مصر بأجمعهم، ومع كل واحد من الفرسان جنة من فضة وراية من ذهب، فتزينت الصحراء بهم واصطفُّوا صفوفًا، وكان الكل غلمان يوسف ومراكبه، ولما صعد يعقوب تلًّا ومعه أولاده وحفدته؛ أي: أولاد أولاده ونظر إلى الصحراء مملوءة من الفرسان مزينة بالألوان نظر إليهم متعجبًا، فقال له جبريل: انظر إلى الهواء، فإن الملائكة قد حضرت سرورًا بحالكم كما كانوا محزونين مدة لأجلك، ثم نظر يعقوب إلى الفرسان، فقال: أيهم ولدي يوسف؟ فقال جبريل: هو ذاك الذي فوق رأسه ظلة، فلم يتمالك أن أوقع نفسه من البعير، فجعل يمشي متوكئًا على يهوذا، فقال جبريل: يا يوسف إن أباك يعقوب قد نزل لك، فانزل له، فنزل من فرسه وجعل كل واحد منهما يعدو إلى الآخر، فلما تقاربا قصد يوسف أن يبدأ بالسلام، فقال جبريل: لا حتى يبدأ يعقوب به؛ لأنه أفضل وأحق، فابتدأ به

стр. 6057

وقال: السلام عليك يا مذهب الأحزان، فتعانقا وبكيا سرورًا وبكت ملائكة السموات وماج الفرسان بعضهم في بعض، وصهلت الخيول وسبَّحت الملائكة، وضرب بالطبول والبوقات، فصار كأنه يوم القيامة قال يوسف: يا أبت بكيت عليّ حتى ذهب بصرك، ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ فقال: بلى، ولكن خشيت أن يسلب دينك، فيحال بيني وبينك، نسأل الله الثبات على الإيمان إنه الكريم المنان - آمين -. ﴿وَقَالَ﴾ يوسف لجميع أهله قبل أن يدخلوا مصر: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ للإقامة بها ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ دخولكم حالة كونكم ﴿آمِنِينَ﴾ من الجوع والخوف وسائر المكاره قاطبة على أنفسكم وأموالكم وأهليكم لا تخافون أحدًا؛ لأنهم كانوا قبل ولاية يوسف يخافون ملوك مصر، ولا يدخلونها إلا بإجازتهم لكونهم جبابرة. قيل (١): المراد بالدخول الأول في قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾ أرض مصر، وذلك حين استقبلهم، ثم قال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ يعني البلد. وقيل: إنه أراد بالدخول الأول دخولهم مصر، وأراد بالدخول الثاني الاستيطان بها؛ أي: ادخلوا مصر مستوطنين فيها. والمشيئة في قوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ متعلقة بالدخول والأمن معًا كقولك للغازي: إرجع سالمًا غانمًا إن شاء الله، فالمشيئة متعلقة بالسلامة والغنم معًا. والتقدير: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله تعالى. والمعنى: أي (٢) وقال لهم يوسف: ادخلوا بلاد مصر إن شاء الله تعالى آمنين على أنفسكم وأنعامكم من الجوع والهلاك، فإن سني القحط كانت لا تزال باقية، وذكر المشيئة في كلامه للتبرؤ من مشيئته وحوله وقوته إلى مشيئة الله الذي سخر ذلك لهم، وسخر ملك مصر وأهلها له ثم لهم. وهذا من شأن المؤمنين، ولا سيما الأنبياء والصديقون.

стр. 6058

١٠٠ - ﴿وَرَفَعَ﴾ يوسف ﴿أَبَوَيْهِ﴾ عند نزولهم بمصر، وكانوا اثنين وسبعين رجلًا وامرأة، وكانوا حين خرجوا منها مع موسى ﵇ ست مئة ألف وخمس مئة وبضعًا وتسعين، أو سبعين رجلًا سوى الذرية والهرمى، وكانت الذرية ألف ألف ومئتي ألف. ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾؛ أي: على السرير الرفيع الذي كان يجلس عليه يوسف؛ أي: أجلسهما معه على سرير الملك تكرمة لهما فوق ما فعله لإخوته، واشتركوا في دخول دار يوسف، لكنهم تباينوا في الإيواء، فانفرد الأبوان بالجلوس معه على سرير الملك، لبعدهما من الجفاء، كذا غدًا إذا وصلوا إلى الغفران يشتركون فيه في دخول الجنة، ولكنهم يتباينون في بساط القربة، فيختص به أهل الصفاء دون من اتصف اليوم بالالتواء. ﴿وَخَرُّوا﴾؛ أي: سقط أبوا يوسف وإخوته على الأرض ﴿لَهُ﴾؛ أي: لأجل ملاقاة يوسف واجتماعهم معه ﴿سُجَّدًا﴾؛ أي: حالة كونهم مقدرين السجود بوضع الجبهة شكرًا لله تعالى على نعمة الاجتماع معه، وكان يوسف كالقبلة لهم كما سجدت الملائكة لآدم، فإن الله تعالى أمر يعقوب بالسجود لحكمة خفية، وذلك لإزالة الاستعلاء والتكبر عن قلوب إخوته؛ لأنهم لو لم يفعلوا ذلك السجود؛ لظهرت الأحقاد القديمة بعد كمونها، فالسجود لإزالتها، وكان ذلك جائزًا في ذلك الزمان. فلما جاءت هذه الشريعة نسخت تلك الفعلة، فقوله: ﴿سُجَّدًا﴾ حال مقدرة كما أشرنا إليه في الحال؛ لأن السجود إنما يكون بعد الخرور. وقيل: المراد بالسجود هنا: الانحناء لا وضع الجبهة على الأرض، والمعنى: أهوى أبوا يوسف وإخوته عن القيام والانتصاب تحية وتكرمة له حالة كونهم سجدًا؛ أي: منحنين بظهورهم، وكان ذلك تحية الملوك والعظماء في عهدهم كالقيام والمصافحة وتقبيل اليد ونحوها من عادات الناس الناشئة في التعظيم والتوقير. والرفع في قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ﴾ مؤخر عن الخرور في قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ﴾؛ إذ السجود له كان قبل الصعود على السرير في أول الملاقاة؛ لأن ذلك هو وقت التحية إلا أنه قدم لفظًا؛ للاهتمام بتعظيمه لهما، والترتيب الذكري لا يجب كونه

стр. 6059

على وفق الترتيب الوقوعي، وليصل به ذكر كونه تعبير رؤياه ﴿وَقَالَ﴾ يوسف لأبيه يعقوب: ﴿يَا أَبَتِ﴾؛ أي: يا أبي ﴿هَذَا﴾ السجود منكم ﴿تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾؛ أي: تصديق منامي التي رأيتها وقصصتها عليك ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذا الوقت في زمن الصبا يريد قوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾. ﴿قَدْ جَعَلَهَا﴾؛ أي: قد جعل تلك الرؤية ﴿رَبِّي حَقًّا﴾؛ أي: صدقًا في اليقظة واقعًا بعينها؛ أي: قد جعلها ربي حقيقة واقعة، واستبان أنها لم تكن أضغاث أحلام، فالكواكب الأحد عشر مثال إخوتي الأحد عشر، وأنت وأمي مثال الشمس والقمر، ولا بدع في ذلك. فهذه الأسرة هي التي حفظ الله بها ذرية إسحاق بن إبراهيم لتنشر دين التوحيد بين العالمين، فكانت خير أسر البشر جميعًا. قال سلمان: كان بين رؤياه وتأويلها أربعون عامًا. ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ ربي وأكرمني وأنعم علي ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ والحبس، وسما بي إلى عرش الملك، إنما ذكر إخراجه من السجن، ولم يذكر إخراجه من الجبّ؛ لئلا تخجل إخوته، ولأن خروجه من السجن كان سببًا لصيرورته ملكًا، ولوصوله إلى أبيه وإخوته، ولزوال التهمة عنه، وكان ذلك من أعظم نعمه تعالى عليه، ولأن عهده بالسجن أقرب من الجبّ. فائدة: قال لقمان الحكيم ﵁: خدمت أربعة آلاف نبي، واخترت من كلامهم ثماني كلمات: إن كنت في الصلاة .. فاحفظ قلبك، وإن كنت في بيت الغير .. فاحفظ عينيك، وإن كنت بين الناس .. فاحفظ لسانك، واذكر اثنين وانس اثنين، أما اللذان تذكرهما فالله والموت، وأما اللذان تنساهما إحسانك في حق الغير وإساءة الغير في حقك. ذكره في "روح البيان". ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾؛ أي: من البادية، وكان يعقوب وأولاده أصحاب ماشية، فسكنوا البادية، وهي أرض كنعان بالشام. وقال علي بن طلحة؛ أي: من فلسطين. ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ﴾ وأفسد ﴿بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ بالحسد، وحمل بعضنا على بعض، وأحال يوسف ذنب إخوته على الشيطان تكرمًا منه وتأدبًا؛ أي: وقد أحسن بي ربي من بعد أن أفسد الشيطان ما بيني وبين إخوتي من عاطفة

стр. 6060

الأخوة، وقطع ما بيننا من وشيجة الرحم، وهيج الحسد والشر ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ﴿لَطِيفٌ﴾؛ أي: عالم بدقائق الأمور رفيق بعباده مدبر ﴿لِمَا يَشَاءُ﴾ في خلقه من خفايا الأمور بحكمته البالغة، وقدرته القاهرة، وقيل: معناه: لطيف التدبير لما يشاء من الأمور رفيق، فإذا أراد الله حصول شيء .. سهل أسبابه فحصل، وإن كان في غاية البعد عن الحصول عند العقول .. فمن ذا الذي كان يدور بخلده أن الإلقاء في الجبّ يعقبه الرق، ويتلو الرق فتنة العشق، ومن أجله يزج في غيابات السجن، ومن ذا إلى السيادة والملك. وقال الأزهري: اللطيف من أسماء الله تعالى معناه: الرفيق بعباده، يقال: لطف فلان بفلان يلطف إذا رفق به. وقال عمرو بن أبي عمرو: اللطيف الذي يوصل إليك أربك في لطف. قال الخطابي: اللطيف هو البر بعباده الذي يلطف بهم من حيث لا يعلمون، ويسبب لهم مصالحهم من حيث لا يحتسبون. وقيل: اللطيف العالم بدقائق الأمور. ذكره الشوكاني. ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بمصالح عباده، فلا تخفى عليه مبادئ الأمور وغايتها ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يفعل الأمور على وجه الحكمة والمصلحة، فيجازي الذين أحسنوا بالحسنى، ويجعل العاقبة للمتقين. الإعراب ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿تَاللَّهِ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿تَاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم والله، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿تَفْتَأُ﴾: فعل مضارع ناقص من أخوات زال منفي بلا المحذوفة؛ لأن جواب القسم الخالي من اللام ونون التوكيد .. يجب كونه منفيًّا، فلا بدّ من تقدير لا معه، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت يعود على يعقوب. ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿تَفْتَأُ﴾، وجملة ﴿تَفْتَأُ﴾: جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿تَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص منصوب

стр. 6061

بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى بمعنى إلى، واسمه ضمير يعود على يعقوب. ﴿حَرَضًا﴾: خبره. ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾: فعل ناقص وخبره معطوف على ﴿تَكُونَ﴾ الأولى، واسمه ضمير يعود على يعقوب أيضًا، وجملة ﴿تَكُونَ﴾ الأولى، صلة أن المضرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، تقديره: إلى كونك حرضًا، أو كونك من الهالكين، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَذْكُرُ﴾. ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿أَشْكُو بَثِّي﴾: فعل ومفعول. ﴿وَحُزْنِي﴾: معطوف على ﴿بَثِّي﴾، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَشْكُو﴾. ﴿وَأَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على يعقوب. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به لـ ﴿أعلم﴾؛ لأنه بمعنى عرف. ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما لا تعلمونه، وجملة ﴿أعلم﴾: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَشْكُو﴾. ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾. ﴿يَا بَنِيَّ﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿بني﴾: منادى منصوب، وعلامة نصبه الياء المدغمة في ياء المتكلم؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، لأن أصله: يا بنين لي، حذفت النون للإضافة، واللام للتخفيف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿اذْهَبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿فَتَحَسَّسُوا﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿تحسسوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿اذْهَبُوا﴾. ﴿مِنْ يُوسُفَ﴾: متعلق به. ﴿وَأَخِيهِ﴾: معطوف

стр. 6062

على ﴿يُوسُفَ﴾. ﴿وَلَا تَيْأَسُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية معطوف على قوله: ﴿فَتَحَسَّسُوا﴾. ﴿مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَا يَيْأَسُ﴾: فعل مضارع مرفوع. ﴿مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿الْقَوْمُ﴾: فاعل. ﴿الْكَافِرُونَ﴾: صفة له، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ مسوق لتعليل ما قبلها. ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا﴾ (الفاء): عاطفة على محذوف تقديره: فخرجوا من عند أبيهم، فذهبوا إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف. ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿دَخَلُوا﴾ فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾: معطوفة على الجملة المحذوفة. ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أيّ﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات؛ أي: من الإضافة. ﴿الْعَزِيزُ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ ﴿مَسَّنَا﴾: فعل ومفعول. ﴿وَأَهْلَنَا﴾: معطوف على ضمير المفعول. ﴿الضُّرُّ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَجِئْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿مَسَّنَا﴾. ﴿بِبِضَاعَةٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جئنا﴾. ﴿مُزْجَاةٍ﴾: صفة لـ ﴿بضاعة﴾. ﴿فَأَوْفِ﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿أوف﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على يوسف. ﴿لَنَا﴾: متعلق به. ﴿الْكَيْلَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَجِئْنَا﴾. ﴿وَتَصَدَّقْ﴾: فعل أمر معطوف على ﴿أوف﴾، وفاعليه ضمير يعود على يوسف. ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق به. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها مسوقة لتعليل ما قبلها.

стр. 6063

﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على يوسف، والجملة مستأنفة. ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام للاستفهام التوبيخي. ﴿عَلِمْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به؛ لأنه بمعنى عرف. ﴿فَعَلْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِيُوسُفَ﴾: متعلق به. ﴿وَأَخِيهِ﴾: معطوف على ﴿يوسف﴾، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما فعلتموه. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان. ﴿أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، والظرف متعلق بـ ﴿فَعَلْتُمْ﴾. ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت ﴿أَإِنَّكَ﴾: (الهمزة): للاستفهام التقريري. ﴿إنك﴾: ناصب واسمه. ﴿لَأَنْتَ﴾: (اللام): حرف ابتداء. ﴿أنت يوسف﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، ويجوز أن يكون ﴿أنت﴾: ضمير فصل، ولا يجوز أن يكون توكيدًا لاسم ﴿إن﴾؛ لأن هذه اللام لا تدخل على التوكيد. اهـ. "سمين"، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفُ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَهَذَا أَخِي﴾: مبتدأ وخبر معطوف على جملة قوله: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾. ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب. ﴿يَتَّقِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على

стр. 6064

كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿وَيَصْبِرْ﴾: معطوف عليه. ﴿فَإِنَّ﴾: (الفاء): رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿إن الله﴾: ناصب واسمه. ﴿لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، والرابط بين جملة الشرط وبين جوابها؛ إما العموم في ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾، وإما الضمير المحذوف؛ أي: المحسنين منهم، وإما لقيام أل مقامه، والأصل محسنهم، فقامت أل مقام ذلك الضمير، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، وهذا الإعراب على قراءة الجمهور في ﴿يَتَّقِ﴾. وأما قراءة قنبل فاختلف الناس فيها على قولين: أجودهما: أن إثبات حرف العلة في الجزم لغة لبعض العرب. والثاني: أنه مرفوع غير مجزوم، و ﴿مَنْ﴾ موصولة، والفعل صلتها، فلذلك لم تحذف لامه. اهـ. "سمين"، وحذفت الضمة في ﴿يصبر﴾ على هذه القراءة فرارًا من ثقل توالي الحركات، أو نوى الوقف عليه وأجرى الوصل مجرى الوقف. ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿تَاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بفعل قسم محذوف وجوبًا تقديره: أقسم والله، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿لَقَدْ﴾: (اللام): موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿آثَرَكَ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل. ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب القسم. ﴿وَإِنْ﴾: (الواو): عاطفة. ﴿إن﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. ﴿كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، واللام: حرف ابتداء، وجملة ﴿كان﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ المخففة، وجملة ﴿إن﴾ المخففة معطوفة على جواب القسم.

стр. 6065

﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على يوسف، والجملة مستأنفة. ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ إلى قوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَا﴾: نافية. ﴿تَثْرِيبَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿عَلَيْكُمُ﴾: خبر ﴿لَا﴾. ﴿الْيَوْمَ﴾: خبر ثان لها، أو متعلق باسم ﴿لَا﴾، وجملة ﴿لَا﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾. ﴿اذْهَبُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِقَمِيصِي﴾: متعلق به على أنه مفعول به، أو حال من واو ﴿اذهبوا﴾. ﴿هَذَا﴾. بدل من ﴿قميصي﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَأَلْقُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿اذْهَبُوا﴾. ﴿عَلَى وَجْهِ أَبِي﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿ألقوه﴾. ﴿يَأْتِ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على يعقوب. ﴿بَصِيرًا﴾: حال من فاعل ﴿يَأْتِ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأْتُونِي﴾: فعل وفاعل ومفعول ونون وقاية معطوف على ﴿ألقوه﴾. ﴿بِأَهْلِكُمْ﴾: متعلق به أو حال من واو الفاعل. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد لـ ﴿أهلكم﴾. ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾. ﴿وَلَمَّا﴾ (الواو): استئنافية. ﴿لما﴾: حرف شرط. ﴿فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾: فعل وفاعل فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾: فعل وفاعل جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾: مستأنفة. ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿لَأَجِدُ﴾: (اللام): حرف ابتداء. ﴿أجد ريح يوسف﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على أبيهم، وجملة وجد في

стр. 6066

محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿لَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تُفَنِّدُونِ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأن أصله: تفندونني، والواو فاعل، والنون نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: لولا تفنيدكم موجود، وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف تقديره: لولا تفنيدكم لي موجود لصدقتموني؛ أي: امتنع تصديقكم لي لوجود تفنيدكم لي، وجملة ﴿لَوْلَا﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿تَاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بفعل قسم محذوف، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَفِي﴾: (اللام): حرف ابتداء. ﴿في ضلالك﴾: جار ومجرور خبر ﴿إن﴾. ﴿الْقَدِيمِ﴾: صفة لـ ﴿ضَلَالِكَ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب القسم. ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦)﴾. ﴿فَلَمَّا﴾: (الفاء): استئنافية. ﴿لما﴾: حرف شرط. ﴿أَنْ﴾: زائدة. ﴿جَاءَ الْبَشِيرُ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿أَلْقَاهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْبَشِيرُ﴾. ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾: متعلق به، والجملة جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾: مستأنفة. ﴿فَارْتَدَّ﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿ارتد﴾: فعل ماضٍ ناقص من أخوات صار، واسمه ضمير يعود على يعقوب. ﴿بَصِيرًا﴾: خبره، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿أَلْقَاهُ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة مستأنفة. ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَلَمْ﴾: (الهمزة): للاستفهام التقريري. ﴿لم﴾: حرف جزم. ﴿أَقُلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾ وفاعله ضمير يعود

стр. 6067

على يعقوب. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي. لـ ﴿أَقُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿أَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على يعقوب. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿أَقُلْ﴾. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿أَعْلَمُ﴾، وجملة ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما لا تعلمونه. ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧)﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَبَانَا﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿يَا أَبَانَا﴾: منادى منصوب بالألف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿اسْتَغْفِرْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على يعقوب. ﴿لَنَا﴾: متعلق به ﴿ذُنُوبَنَا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿كُنَّا خَاطِئِينَ﴾: فعل ماض ناقص واسمه وخبره، وجملة كان في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها تعليلًا لما قبلها. ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على يعقوب، والجملة مستأنفة. ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿سَوْفَ﴾: حرف تنفيس. ﴿أَسْتَغْفِرُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على يعقوب. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به. ﴿رَبِّي﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل. ﴿الْغَفُورُ﴾: خبر أول لـ ﴿إن﴾. ﴿الرَّحِيمُ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا﴾: (الفاء): عاطفة على محذوف تقديره: فرحل يعقوب وأولاده إلى

стр. 6068

مصر. ﴿فلما دخلوا﴾: ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿ادْخُلُوا﴾: فعل وفاعل فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾: متعلق به. ﴿آوَى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفَ﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق به. ﴿أَبَوَيْهِ﴾: مفعول به، والجملة جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾: معطوفة على الجملة المحذوفة. ﴿وَقَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفَ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿آوَى﴾. ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿ادْخُلُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِصْرَ﴾: منصوب على الظرفية المكانية متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿شَاءَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية معلوم مما قبلها تقديره: إن شاء الله ادخلوا مصر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿آمِنِينَ﴾: حال من فاعل ﴿ادْخُلُوا﴾. ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. ﴿وَرَفَعَ﴾ (الواو): عاطفة. ﴿رفع أبويه﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفَ﴾. ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿آوَى﴾. ﴿وَخَرُّوا﴾: فعل وفاعل. ﴿لَهُ﴾: متعلق به. ﴿سُجَّدًا﴾: حال مقدرة من فاعل ﴿وَخَرُّوا﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿آوَى﴾. ﴿وَقَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿يُوسُفَ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿خروا﴾. ﴿يَا أَبَتِ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا أَبَتِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول القول على كونها جواب النداء. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور حال من ﴿رُؤْيَايَ﴾. ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾: فعل ومفعول أول وفاعل ومفعول ثان؛ لأن جعل هنا بمعنى صير، والجملة في محل النصب حال مقدرة من ﴿رُؤْيَايَ﴾. ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ

стр. 6069

الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿وَقَدْ﴾ (الواو): حالية، أو عاطفة. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿أَحْسَنَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الرب. ﴿بِي﴾: جار ومجرور بمعنى إليّ متعلق بـ ﴿أَحْسَنَ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿رَبِّي﴾، أو معطوفة على جواب النداء. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى متعلق بـ ﴿أَحْسَنَ﴾. ﴿أَخْرَجَنِي﴾: فعل ومفعول ونون وقاية. ﴿مِنَ السِّجْنِ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿وَجَاءَ﴾: فعل ماضٍ معطوف على ﴿أَخْرَجَنِي﴾، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿بِكُمْ﴾: متعلق به. ﴿مِنَ الْبَدْوِ﴾: متعلق به أيضًا. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور بدل من الجار والمجرور قبله. ﴿أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ﴾: ناصب وفعل وفاعل، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه. ﴿بَيْنِي﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نَزَغَ﴾. ﴿وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾: ظرف ومضاف إليه معطوف على الظرف قبله. ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ﴾: ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها معللة لما قبلها. ﴿لِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿لَطِيفٌ﴾؛ لأنه بمعنى مدبر. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: لما يشاءه. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل. ﴿الْعَلِيمُ﴾: خبر أول. ﴿الْحَكِيمُ﴾: خبر ثان، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها مسوقة لتعليل ما قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ (١) مضارع فتىء من أخوات كان الناقص، قال أوس بن حجر: فَمَا فَتِئَتْ حَتَّى كَأنَّ غُبَارَهَا ... سُرَادِقُ يَوْمٍ ذِيْ رِيَاحٍ تُرْفَعُ وقال أيضًا: فَمَا فَتِئَتْ خَيْلٌ تَثُوْبُ وَتَدَّعِيْ ... وَيَلْحَقُ مِنْهَا لاَحِقٌ وَتَقَطَّعُ

стр. 6070

ويقال فيها: فتأ على وزن ضرب، وأفتأ على وزن أكرم، وزعم ابن مالك أنها تكون بمعنى سكن وأطفأ، فتكون تامة، ورددنا عليه ذلك في "شرح التسهيل". ذكره أبو حيان، فتفتأ هنا بمعنى لا تزال. ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ والحرض (١): المشفي على الهلاك: يقال: حرض فهو حرض - بكسر الراء - حرضًا - بفتحها - وهو المصدر، ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد والجمع، وأحرضه المرض فهو محرض. قال الشاعر: أَرَى الْمَرْءَ كَالأَزْوَادِ يُصْبِحُ مُحْرَضًا ... كَإِحْرَاضِ بَكْرٍ فِيْ الدِّيَارِ مَرِيْضُ ويقال: رجل حُرُض - بضمتين - كجنب وشلل. وفي "المصباح": حرض حرضًا - من باب تعب - أشرف على الهلاك، فهو حرض. اهـ. وقولهم: يستوي فيه المفرد وغيره؛ أي: المثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، تقول: هو حرض وهما حرض وهم حرض وهي حرض. اهـ. "كرخي". وفي "الشوكاني": الحَرَض - بفتحتين - مصدر يستوي فيه المفرد وغيره، والصفة المشبهة حَرِض - بكسر الراء - كدنف ودنف. قال النحاس: وحكى أهل اللغة: أحرضه الهم إذا أسقمه، ورجل حارض؛ أي: أحمق. وقال الأخفش: الحارض الذاهب. وقال ابن الأنباري: هو الهالك. والأولى تفسير الحرض هنا بغير الموت والهلاك من هذه المعاني المذكورة حتى يكون لقوله: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ معنى غير معنى الحرض، فالتأسيس أولى من التأكيد، ومعنى ﴿مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ من الميتين. اهـ. ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي﴾ البث في (٢) الأصل: إثارة الشيء وتفريقه كبث الريح التراب، ثم استعمل في إظهار ما انطوت عليه النفس من الغم والشر. والبث (٣): ما يرد على الإنسان من الأشياء التي يعظم حزن صاحبها بها حتى لا يقدر على إخفائها كذا قال أهل اللغة، وهو مأخوذ من بثثته؛ أي: فرقته، فسميت

стр. 6071

المصيبة بثًّا مجازًا. قال ذو الرمة: وَقَفْتُ عَلَى رَبْع لِمَيَّةَ يَا فَتَى ... فَمَا زِلْتُ أَبْكِيْ عِنْدَهُ وَأُخَاطِبُهْ وَأَسْقِيْهِ حَتَّى كَادَ مِمَّا أَبُثُّهُ ... تُكَلَّمُنِيْ أَحْجَارُهُ وَمَلاَعِبُهْ ﴿فَتَحَسَّسُوا﴾؛ أي: تعرفوا أخبار يوسف بحواسكم من سمع وبصر. والتحسس (١): طلب الخبر بالحاسة، وهو قريب من التجسس - بالجيم -، وقيل: إن التحسس - بالحاء - يكون في الخير، وبالجيم يكون في الشر، ومنه الجاسوس، وهو الذي يطلب الكشف عن عورات الناس. ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾؛ أي: لا تقنطوا من فرجه وتنفيسه. قال الأصمعي: الروح ما يجده الإنسان من نسيم الهواء، فيسكن إليه، والتركيب يدل على الحركة والهزة، فكل ما يهتز الإنسان بوجوده ويلتف به، فهو روح. وحكى الواحدي عن الأصمعي أيضًا أنه قال: الروح الاستراحة من غم القلب. وقال أبو عمرو: الروح الفرج، وقيل: الرحمة، ويقال: أراح الإنسان إذا تنفس، ثم استعمل للفرج والتنفيس من الكرب. ﴿بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ البضاعة: هي القطعة من المال يقصد بها شراء شيء، يقال: أبضعت الشيء واستبضعته إذا جعلته بضاعة. وفي ماهية تلك البضاعة سبعة أقوال (٢): أحدها: كانت دراهم. والثاني: كانت متاعًا رثًّا كالحبل والغرارة. والثالث: كانت أقطا. والرابع: كانت نعالًا وأدمًا.

стр. 6072

والخامس: كانت سويق المقل. والسادس: كانت حبة الخضراء وصنوبرًا. والسابع: كانت صوفًا وشيئًا من سمن. ﴿مُزْجَاةٍ﴾؛ أي: مردودة يردها كل بائع على المشتري لردائتها. وفي "القاموس": زجاه إذا ساقه ودفعه كزجاة وأزجاه، وبضاعة مزجاة: قليلة، أو لا يتم صلاحها. اهـ. وفي "المصباح": زجيته بالتثقيل دفعته برفق، والريح تزجي السحاب: تسوقه رفيقًا، يقال: أزجاه بوزن أرضاه، وزجاه بالتثقيل كزكّاه. اهـ. ﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ جمع خاطئ، والخاطىء: هو الذي يأتي بالخطيئة عمدًا، والمخطىء من إذا أراد الصواب صار إلى غيره، والخطء: الذنب، وخطأته: قلت له: أخطأت. وفي "الخازن": يقال: خطىء إذا كان عن عمد، وأخطأ إذا لم يكن عن عمد، ولهذا قيل هنا: خاطئين، ولم يقل: مخطئين. اهـ. ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾؛ أي: لا تعيير ولا توبيخ؛ أي: لا أوبخكم ولا أقرعكم اليوم. اهـ. "خازن". وفي "المصباح": ثرب عليه يثرب - من باب ضرب -؛ إذا عتب ولام عليه، وبمضارعه الذي بياء الغيبة سمي رجل من العمالقة وهو الذي بنى مدينة الرسول ﷺ ، فسميت المدينة باسمه. قال السهيلي: وَثرَّب - بالتشديد - مبالغة وتكثير، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾. والثَرْبُ - وزان قلس - شحم رقيق على الكرش والأمعاء. اهـ. وفي "المختار": عتب عليه وجد، وبابه ضرب ونصر. اهـ. وقال الرازي: التثريب التعيير والاستقصاء في اللوم، والمعنى: أي: لا تعداد للذنوب ولا توبيخ عليكم، يقال: ثرب فلان على فلان إذا بكته بفعله، وعدد عليه ذنوبه. اهـ. "كرخي". ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ يقال: فصل عن البلد إذا انفصل وجاوز حيطانه ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾؛ أي: تنسبوني إلى الفند، وهو فساد الرأي وضعف العقل والخرف من الكبر. وفي "السمين": التفنيد الإفساد يقال: فندت فلانًا؛ أي: أفسدت رأيه ورددته. وفي "المختار": الفَنَد - بالتحريك الكذب وهو أيضًا ضعفُ الرأي من

стр. 6073

الهرم، والفعل منه أفند، والتفنيد: اللوم وتضعيف الرأي. اهـ. وفي "القاموس": الفَنَد - بالتحريك - الخرف وإنكار العقل لهرم أو مرض، والخطأ في القول والرأي، والكذب كالإفناد، ولا تقل: عجوز مفندة؛ لأنها لم تكن ذات رأي أبدًا، وفنده تفنيدًا كذبه وعجزه، وخطأ رأيه كأفنده. اهـ. وقال في "الكشاف": التفنيد النسبة إلى الفند؛ وهو الخرف وإنكار العقل من الهرم، يقال: شيخ مفند، ولا يقال: عجوز مفندة؛ لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي، فتفند في كبرها؛ لأن نقصان عقلها ذاتي لا حادث من عارض الهرم كما مر. ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾؛ أي: ضمهما إليه واعتنقهما أصله: أأوى من باب أفعل الرباعي، فقلبت الهمزة الثانية ألفًا، فصار أوى. ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾؛ أي: أصعدهما عليه، والعرش، كرسي تدبير الملك، لا كل سرير يجلس عليه الملك. ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾؛ أي: أهوى أبواه وإخوته إلى الأرض، وسقطوا له ساجدين. ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾؛ أي: من البادية، والبدو: هو البسيط من الأرض يبدو الشخص فيه من بعد يعني: يظهر، والبدو خلاف الحضر، والبادية خلاف الحاضرة، وكان يعقوب وأولاده أصحاب ماشية، فسكنوا البادية. اهـ. "خازن". وفي "القرطبي": وقيل: كان يعقوب تحول إلى البادية وسكنها، وإن الله تعالى لم يبعث نبيًّا عن أهل البادية. اهـ. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾. ﴿أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ﴾ في "المختار": نزغ الشيطان بين القوم: أفسد، وبابه قطع. اهـ. وفي "الخازن": وأصل النزغ: الدخول في أمر لإفساده، اهـ. ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ وفي "البيضاوي": لطيف لما يشاء؛ أي: من أحوال خلقه؛ أي: لطيف التدبير له؛ إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته، ويتسهل دونها. اهـ. يعني: إن اللطيف هنا بمعنى العالم بخفايا الأمور المدبر لها والمسهل لصعابها، ولنفوذ مشيئته إذا أراد شيئًا سهل أسبابه، فيطلق عليه اللطيف؛ لأن ما يلطف يسهل نفوذه. اهـ. "شهاب".

стр. 6074

البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من الفصاحة، وأنواعًا من البلاغة والبيان والبديع: فمنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾؛ لأنه في تقدير: لا تفتأ وهو من قبيل التورية كما في "الصاوي". ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وفي قوله: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾، وفيه أيضًا الإظهار في مقام الإضمار؛ لأن حق العبارة: إنه لا ييأس منه. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ استعير الروح؛ وهو تنسيم الريح الذي يلذ شميمها، ويطيب نسيمها للفرج الذي يأتي بعد الكرية واليسر الذي يأتي بعد الشدة. ومنها: وضع الظاهر موضع الضمير في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ حق العبارة: إن الله يجزيك، عدلوا إلى الظاهر لشكهم في إيمانه، فعبروا بهذه العبارة المحتملة. ومنها: الجناس المغاير بين ﴿تصدق﴾ و ﴿الْمُتَصَدِّقِينَ﴾. ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ والاستفهام التقريرى في قوله: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾. ومنها: الإتيان بالاسم الظاهر بدل الضمير في قوله: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾ لم يقل: أنا هو، بل عدل إلى هذ الظاهر تعظيمًا لما نزل به من ظلم إخوته، وما عوضه الله من النصر والظفر والملك، فكأنه قال: أنا يوسف المظلوم الذي ظلمتموني وقصدتم قتلي. ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وحق العبارة: فإن الله لا يضيع أجرهم.

стр. 6075

ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ﴾ أكدوا كلامهم بالقسم وبإن وباللام وبإسمية الجملة، وهذا الضرب من الخبر يسمى إنكاريًّا لتتابع أنواع المؤكدات. ومنها: الاعتراض بالجملة الشرطية بين الحال وصاحبها في قوله: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ لغرض التبرك، وفي الكلام تقديم وتأخير، والأصل: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله. ومنها: التغليب في قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾؛ لأن المراد بهما الأب والأم، فهو من باب التغليب. ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 6076

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾. التفسير وأوجه القراءة ١٠١ - ولمّا أتمّ الله (١) سبحانه نعمته على يوسف ﵇ بما خلصه منه من المحن العظيمة، وبما خوله من الملك وعلمه من العلم .. تاقت نفسه إلى الخير الأخروي الدائم الذي لا ينقطع، فقال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾؛ أي: قال يوسف بعد ما جمع الله له أبويه وإخوته وبسط له من الدنيا ما بسط من الكرامة، ومكن له في الأرض: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي﴾؛ أي: (٢) أعطيتني بعض الملك؛ أي: بعضًا منه عظيمًا، وهو ملك مصر، إذ لم يكن له ملك كل الدنيا، وجعلتني متصرفًا فيها بالفعل، وإن كان لغيري بالاسم، ولم يكن لي فيها حاسد ولا باغٍ؛

стр. 6077

إذ أجريت الأمور على سنن العدل ووفق الحكمة والسداد والملك. ضابطها هي عبارة (١) عن الاتساع في المقدور لمن له السياسة والتدبير. روي (٢): أن يعقوب أقام مع يوسف في مصر أربعًا وعشرين سنة، وأوصى أن يدفنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاق، فنقله يوسف بنفسه في تابوت من ساج، فوافق يوم وفاة عيص، فدفنا في قبر واحد، وكانا ولدا في بطن واحد، وكان عمرهما مئة وسبعًا وأربعين كما في تفسير أبي الليث، فلما دفن يوسف أباه وعمه رجع إلى مصر، وعاش بعد أبيه ثلاثًا وعشرين سنة، وكان عمره مئة وعشرين سنة، فلما جمع الله شمله وانتظمت أسبابه، واطردت أحواله، ورأى أمره على الكمال .. علم أنه أشرف على الزوال، وأن نعيم الدنيا لا يدوم على كل حال، قال قائلهم: إِذَا تَمَّ أَمْرٌ دَنَا نَقْصُهُ ... تَوَقَّعْ زَوَالًا إِذَا قِيْلَ تَمّ فسأل الله تعالى الموت على الإسلام وحسن العاقبة، والخاتمة الصالحة، فقال: يا رب قد أعطيتني ملك مصر ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ﴾؛ أي: بعضًا من تعبير الرؤيا؛ لأنه لم يؤت جميع علم التأويل على التفصيل؛ سواء أريد به مطلق العلم والفهم، أو مجرد تأويل الرؤيا. وقيل: ﴿مِنْ﴾ (٣) للجنس كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾. وقيل: زائدة؛ أي: آتيتني الملك، وعلمتني تأويل الأحاديث؛ أي: ويا رب قد علمتني ما أعبر عن مآل الحوادث ومصداق الرؤيا الصحيحة، فتقع كما قلت وأخبرت. قال ابن الكمال (٤): الأحاديث مبني على واحده المستعمل، وهو الحديث كأنهم جمعوا حديثًا على أحدثة، ثم جمعوا الجمع على أحاديث كقطيع وأقطعة وأقاطيع. والمراد بالأحاديث: الرؤى جمع الرؤيا، وتأويلها بيان ما تؤول هي إليه في الخارج، وعلم التعبير من العلوم الجليلة، لكنه ليس من لوازم النبوة والولاية، فقد يعطيه الله تعالى بعض خواصه على التفصيل، وبعضهم على الإجمال. ﴿فَاطِرَ

стр. 6078

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: يا خالق السموات والأرض وموجدهما ومبدعهما على غير مثال سبق، وأصل الفطر: الشق، يقال: فطر ناب البعير، إذا شق وظهر، وفطر الله الخلق أوجده وأبدعه كما سيأتي في مبحث التصريف. ﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾؛ أي: أنت متولي أموري ومصلح جميع مهماتي، أو ناصري على من عاداني وأرادني بسوء، أو أنت سيدي وأنا عبدك، وإن نعمك لتغمرني وتشملني ﴿في الدنيا﴾ سأتمتع بها بفضلك ورحمتك في ﴿الآخرة﴾ ولا حول لي في شيءٍ منهما ولا قوة ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾؛ أي: توفني على الإسلام لا يفارقني حتى أموت، واقبضني إليك مسلمًا؛ لأنه من إتمام النعمة، وأتم لي وصية آبائي وأجدادي ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾. واختلف العلماء (١): هل هو طلب الوفاة في الحال، أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه سأل الله الوفاة في الحال. قال قتادة: لم يسأل نبي من الأنبياء الموت إلا يوسف. قال أصحاب هذا القول: إنه لم يأت عليه أسبوع بعد هذا الدعاء حتى توفاه الله. والقول الثاني: - وعليه الجماهير -: أنه سأل الوفاة على الإسلام، ولم يتمن الموت في الحال. قال الحسن: إنه عاش بعد هذه الدعوة سنين كثيرة. وعلى هذا القول يكون معنى الآية: توفني إذا توفيتني على الإسلام، فهو طلب لأن يجعل الله وفاته على الإسلام، وليس في اللفظ ما يدل على أنه طلب الوفاة في الحال. قال بعض العلماء: وكلا القولين محتمل؛ لأن اللفظ صالح للأمرين، ولا يبعد من الرجل العاقل الكامل أن يتمنى الموت لعلمه أن الدنيا ولذاتها فانية زائلة سريعة الذهاب، وأن نعيم الآخرة باق دائم لا نفاد له ولا زوال. ﴿وَأَلْحِقْنِي﴾ يا رب ﴿بِالصَّالِحِينَ﴾؛ أي: بآبائي المرسلين إبراهيم وإسحاق ويعقوب ومن قبلهم من أنبيائك ورسلك في النعمة والكرامة، فأظفر بثوابهم منك ودرجاتهم عندك، وهذا الدعاء بمعنى ما جاء في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ

стр. 6079

عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فإن قلت: (١) كيف قال يوسف ذلك مع علمه بأن كل نبي لا يموت إلا مسلمًا؟. فالجواب: إما أنه حصل له حالة غلب عليه الخوف فيها، فذهل عن ذلك العلم، أو أنه دعا بذلك مع علمه إظهارًا للعبودية، والافتقار وشدة الرغبة في طلب سعادة الخاتمة، وتعليمًا لغيره، وهذه حالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر، والمطلوب ههنا هو الإسلام بهذا المعنى. اهـ. "كرخي". ١٠٢ - ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من نبأ يوسف يا محمد ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾؛ أي: من الأخبار التي غاب عنك علمها ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ على لسان جبريل، وهو خبر ثان لقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿لَدَيْهِمْ﴾؛ أي: عند إخوة يوسف ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾؛ أي: حين عزموا على إلقاءهم يوسف في غيابة الجبّ، فإن الإجماع العزم على الأمر، يقال: أجمعت الأمر وعليه ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم يحتالون بيوسف ليقتلوه وبأبيه يعقوب ليرسله معهم؛ أي: ذلك (٢) الخبر لا سبيل إلى معرفتك إياه إلا بالوحي. وأما ما ينقله أهل الكتاب فليس على ما هو عليه. ومثل هذا التحقيق بلا وحي لا يتصور إلا بالحضور، فيكون معجزًا؛ لأن محمدًا ﷺ لم يطالع الكتب، ولم يأخذ عن أحد من البشر، وما كانت بلده بلد العلماء، فإتيانه بهذه القصة على وجه لم يقع فيه غلط كيف لا يكون معجزًا. وإنما نفي الحضور وانتفاؤه معلوم بغير شبهة تهكمًا بالمنكرين للوحي من قريش وغيرهم (٣)؛ لأنه كان معلومًا عند المكذبين علمًا يقينًا أنه ﵇ ليس من حملة هذا الحديث وأشباهه، ولا قرأ على أحد، ولا سمع منه، وليس من علم قومه، فإذا أخبر به لم يبق شبهة في أنه من جهة الوحي لا من عنده، فإذا أنكروه تهكم بهم، وقيل لهم: قد علمتم يا مكابرين أنه لا سماع له من أحد ولا قراءة، ولا حضور ولا مشاهدة لمن مضى من القرون الخالية.

стр. 6080

ومعنى الآية: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾؛ أي: إن نبأ (١) يوسف وأبيه يعقوب وإخوته، وكيف مكن ليوسف في الأرض، وجعل له العاقبة والنصر، وآتاه الملك والحكمة، فساس ملكًا عظيمًا، وأحسن إدارته وتنظيمه، وكان خير قدوة للناس في جميع ما دخل فيه من أطوار الحياة بعد أن أرادوا به السوء والهلاك حين عزموا أن يجعلوه في غيابة الجبّ، كل ذلك من أخبار الغيب الذي لم تشاهده ولم تره، ولكنا نوحيه إليك لنثبت به فؤادك، فتصبر على ما نالك من الأذى من قومك، ولتعلم أن من قبلك من الرسل لما صبروا على ما نالهم في سبيل الله، وأعرضوا عن الجاهلين .. فازوا بالظفر وأيدوا بالنصر وغلبوا أعداءهم. ثم أقام الدليل على كونه من الغيب بقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾؛ أي: وما كنت (٢) حاضرًا عندهم ولا مشاهدًا حين صحت عزائمهم على أن يلقوا يوسف في غيابة الجبّ يبغون بذلك هلاكه والخلاص منه، وهذا كقوله تعالى بعد سياق قصة موسى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ الآية، وقوله في هذه القصة: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ...﴾ الآية. وفي "الخازن": وفي هذه الآية دليل قاطع على صحة نبوته ﷺ ؛ لأنه كان أميًّا لم يقرأ الكتب، ولم يلق العلماء، ولم يسافر إلى غير بلده الذي نشأ فيه، ومع ذلك أتى بهذه القصة الطويلة على أحسن تركيب وأفصح عبارة، فعلم أن إتيانه ﷺ بها بوحي من الله تعالى. اهـ. ١٠٣ - وخلاصة هذا: أن الله تعالى أطلع رسوله على أنباء ما سبق؛ ليكون فيها عبرة للناس في دينهم ودنياهم، ومع هذا ما آمن أكثرهم، ومن ثم قال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ عام لأهل مكة وغيرهم ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات الدالة على صدقك لهم. والحرص: طلب الشيء باجتهاد في إصابته ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ لعنادهم وتصميمهم على الكفر؛ أي: وما أكثر الناس من مشركي مكة وغيرهم ولو حرصت على أن يؤمنوا بك، ويتبعوا ما جئتهم به من

стр. 6081

عند ربك بمصدقيك ولا متبعيك. قال الرازي: إن كفار قريش وجماعة من اليهود سألوا رسول الله ﷺ عن قصة يوسف على سبيل التعنت، فلما أخبرهم على وفق ما في التوراة .. أصروا على كفرهم، ولم يسلموا، فتأسف النبي ﷺ ، وحزن على عدم إيمانهم، فعزاه الله بهذه الآية: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ وكأنها إشارة إلى ما ذكر الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. فإن قلت (١): فما فائدة التكليف والأمر بما يعلم عدم وقوعه؟ قلتُ: فائدته تمييز من له استعداد ذلك؛ لتظهر السعادة والشقاوة وأهلهما. فإن قلت: لم كان الكفرة أكثر مع أن الله تعالى خلق الخلق للعبادة؟ .. قلت: المقصود ظهور الإنسان الكامل، وهو واحد كألف. ١٠٤ - ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ﴾ يا محمد ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على تبليغ الأنباء التي أوحينا إليك وعلى تبليغ القرآن ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾؛ أي: من مال يعطونك كما يفعله حملة الأخبار ونقال الآثار. والمراد: إنا أرخينا العلة في التكذيب حيث بعثناك مبلغًا بلا أجر. وقرأ بشر بن عبيد: ﴿وما نسألهم﴾ - بالنون -؛ أي: وما (٢) تسأل يا محمد هؤلاء الذين ينكرون نبوتك على ما تدعوهم إليه من إخلاص العبادة لربك وطاعته، وترك عبادة الأصنام والأوثان من أجر وجزاء منهم، بل ثوابك وأجر عملك على الله . والخلاصة: أنك لا تسألهم على ذلك مالًا ولا منفعة، فيقولوا: إنما تريد بدعائك إيانا إلى اتباعك أن ننزل لك من أموالنا إذا سألتنا عن ذلك، فحالك حاله من سبقك من الرسل، فهم لم يسألوا أقوامهم أجرًا على التبليغ والهدى. والقرآن مليء بنحو هذا كما في سورتي هود والشعراء وغيرهما. وإذا كنت لا تسألهم على ذلك أجرًا، فقد كان حقًّا عليهم أن يعلموا أنك

стр. 6082

إنما تدعوهم إليه اتباعًا لأمر ربك ونصيحة منك لهم ﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: ما هذا القرآن الذي أرسلك به ربك ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾؛ أي: إلا تذكير وموعظة وإرشاد ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ كافة لا لهم خاصة، وبه يهتدون وينجون في الدنيا والآخرة. وفي الآية إيماء إلى عموم رسالته ﷺ . ١٠٥ - ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ في قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بمعنى: كم الخبرية مبتدأ، خبره جملة ﴿يَمُرُّونَ﴾ الآتي؛ أي: وكثير من آيات وعلامات دالة على توحيد الله تعالى، وكمال علمه وقدرته من شمس وقمر، ونجوم وجبال وبحار ونباتات وأشجار كائنة في السموات والأرض. وجملة قوله: ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ خبر ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ أي: يمر أكثر الناس على تلك الآيات ويشاهدونها ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم عن الاعتبار بتلك الآيات معرضون ولا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون بها، وهم غافلون عما فيها من عبرة ودلالة على توحيد ربها، وأن الألوهية لا تكون إلا للواحد القهار الذي خلقها وخلق كل شيء، فأحسن تدبيره. وبالجملة (١) فما في السموات والأرض من عجائب وأسرار، وإتقان وإبداع؛ ليدل أتم الدلالة على العلم المحيط، والحكمة البالغة، والقدرة التامة. والذين يشتغلون بعلم ما في السموات والأرض وهم غافلون عن خالقهما ذاهلون عن ذكره، يمتعون عقولهم بلذة العلم، ولكن أرواحهم تبقى محرومة في لذة الذكر ومعرفة الله ؛ إذ الفكر وحده، وإن كان مفيدًا لا تكون فائدته نافعة في الآخرة إلا بالذكر، والذكر وإن أفاد في الدنيا والآخرة لا تكمل فائدته إلا بالفكر، فطوبى لمن جمع بين الأمرين، فكان من الذين أوتوا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ونجوا من عذاب النار في الآخرة. والمشهور في ﴿كأين﴾ عندهم أنه (٢) مركب، من كاف التشبيه ومن أي،

стр. 6083

وتلاعبت العرب به، وجاءت فيه لغات كثيرة كما مر. وذكر صاحب "اللوامح" أن الحسن قرأ في الشاذ: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ - بياء مكسورة من غير همز ولا ألف ولا تشديد - وجاء كذلك عن ابن محيصن في الشاذ فهي لغة انتهى. وقرأ عكرمة وعمرو بن فائد: ﴿وَالْأَرْضِ﴾ - بالرفع على الابتداء - وما بعده خبر. وقرأ السدي: ﴿وَالْأَرْضِ﴾ - بالنصب وهو من باب الاشتغال -؛ أي: ويطوون الأرض يمرون عليها؛ أي على آياتها وما أودع فيها من الدلالات ومع ذلك لا يعتبرون. وقرأ عبد الله: ﴿وَالْأَرْضِ﴾ - برفع الضاد - ومكان ﴿يَمُرُّونَ﴾ ﴿يمشون﴾، والمراد ما يرون من آثار الأمم الهالكة وغير ذلك، وما عدا قراءة الجمهور شاذ. ١٠٦ - ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: وما يصدق ويقرُّ أكثر الناس بوحدانية الله تعالى وبألوهيته، وبكونه الخالق الرازق المحيي المميت في حال من الأحوال ﴿إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ بالله تعالى؛ أي: إلا في حال إشراكهم بالله تعالى في عبادتهم سواه من الأصنام والأوثان والملائكة والبشر، فالكافرون مقرون بوجود الله تعالى، لكنهم يثبتون له شريكًا في المعبودية. قال ابن عباس (١): فأهل مكة قالوا: ربنا الله وحده لا شريك له والملائكة بناته. وقال عبدة الأوثان والأصنام: ربنا الله وحده والأصنام شفعاؤنا عنده. وقالت اليهود: ربنا الله وحده وعزير ابن الله. وقالت النصارى: ربنا الله وحده لا شريك له والمسيح ابن الله. وقال عبدة الشمس والقمر: ربنا الله وحده وهؤلاء أربابنا. وكل من هؤلاء لم يوحدوا بل أشركوا. وقال المهاجرون والأنصار: ربنا الله وحده لا شريك معه. وقال ابن عباس أيضًا (٢): وأهل مكة كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك؛ وهذا هو الشرك الأعظم إذ يعبد مع الله غيره. وفي "صحيح مسلم" أنهم كانوا إذا قالوا: لبيك لا

стр. 6084

شريك لك .. قال رسول الله ﷺ : "قد قد"؛ أي: حسب حسب لا تزيدوا على هذا. وفي "الصحيحين" عن ابن مسعود. قلت يا رسول الله: أيّ الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك". ومن درس تاريخ الأمم الماضية والحاضرة .. عرف كيف طرأ الشرك على الأمم وسرى في عبادتهم سريان السم في الدسم. ١٠٧ - والهمزة في قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا﴾ للاستفهام التوبيخي الإنكاري داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف؛ أي: أغفل هؤلاء المشركون عن مكر الله تعالى فأمنوه ولم يخافوا ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ في الدنيا ﴿غَاشِيَةٌ﴾؛ أي: عقوبة تغشاهم وتشملهم ﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ تعالى ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ والقيامة ﴿بَغْتَةً﴾؛ أي: فجأة من غير سبق علامة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانها غير مستعدين لها؛ أي: أفأمن هؤلاء الذين لا يؤمنون بالله ربهم، ويشركون به في عبادتهم غيره تعالى أن تأتيهم عقوبة تغشاهم وتغمرهم، أو تأتيهم الساعة فجأة من حيث لا يتوقعون، وهم مقيمون على شركهم وكفرهم بربهم، فيخلّدهم في نار جهنم. والآية كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾. وقوله: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾. وجاء في "الصحيحين" عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لَقِحَتِهِ - الناقة ذات الدر - فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته - لقمته - إلى فيه فلا يطعمها". والمراد من كل هذا أنها تبغت الناس وهم منهمكون في أمور معايشهم، فلا يشعرون إلا وقد أتتهم. والحكمة في إبهام وقتها أن الفائدة لا تتم إلا بذلك، ليخشى أهل كل زمان إتيانها في هذا الوقت، فيحملهم الخوف على مراقبة الله تعالى في أعمالهم، فيلتزموا الحق ويتحروا الخير، ويتقوا الشرور والمعاصي.

стр. 6085

١٠٨ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿هَذِهِ﴾ الطريقة والملة التي أنا عليها من توحيد الله، وإخلاص العبادة له دون الأوثان والأصنام، مبتدأ خبره: ﴿سَبِيلِي﴾؛ أي: ملتي وسنتي ومنهاجي وطريقتي، وجملة قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: أدعو الناس بهذه الملة إلى توحيد الله والإيمان به حالة كوني ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ وحجة واضحة، وبرهان قاطع. وضمير ﴿أَنَا﴾ تأكيد لفاعل ﴿أَدْعُو﴾، ولذلك عطف عليه قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾؛ أي: أدعو إلى توحيد الله بهذه الملة، ويدعو إليه من اتبعني وآمن بي وصدقني، وهذا (١) قول الكلبي وابن زيد قالا: حق على من اتبعه وآمن به أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكِّر بالقرآن، وقيل: تم الكلام عند قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ ثم استأنف ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يعني: أنا على بصيرة وحجة واضحة ومن اتبعني أيضًا على بصيرة. قال ابن عباس: إن محمدًا ﷺ وأصحابه كانوا على أحسن طريقة وأفضل هداية، وهم معدن العلم وكنز الإيمان وجند الرحمن. وقال ابن مسعود: ومن كان مستنا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ﷺ ، كانوا خير هذه الأمة، وأبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطريقهم، فهؤلاء كانوا على الصراط المستقيم. والآية كقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾. وقرأ عبد الله شذوذًا: ﴿قل هذا سبيلي﴾ - على التذكير - والسبيل: يذكر ويؤنث. ﴿و﴾ قل يا محمد: ﴿سبحان الله﴾؛ أي: أسبح الله تسبيحًا، وأنزهه تنزيهًا عما لا يليق بجلاله من جميع العيوب والنقائص والشركاء والأضداد والأنداد، ومن أن يكون معبود سواه، وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾. وقل يا محمد: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الذين أشركوا بالله غيره تعالى، والمعنى: أنا بريء من أهل الشرك به لست منهم، ولا هم مني. وهذا معطوف على: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ عطف جملة على جملة.

стр. 6086

١٠٩ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمد ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ مثلك لا ملائكة، فهذا رد لقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ قالوا ذلك تعجبًا وإنكارًا لنبوته ﷺ ، فقال تعالى: كيف يتعججون من إرسالنا إياك، والحال أن من قبلك من الرسل كانوا على مثل حالك ولم يتعجبوا منهم، فكيف تعجبوا من إرسالك؛ لأن الاستفادة منوطة بالجنسية، وبين البشر والملك مباينة من جهة اللطافة والكثافة، ولو أرسل ملك .. لكان في صورة البشر كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾. وقس عليه الجن؛ فلا يكون من الجن رسول إلى البشر. وفي عبارة الرجال دلالة على أنَّ الله تعالى ما بعث رسولًا إلى الخلق من النسوان؛ لأن مبنى حالهن على التستر، ومنتهى كمالهن هي الصديقية لا النبوة، فمنها آسية ومريم وخديجة وفاطمة وعائشة ﵅. وجملة قوله: ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ صفة أولى لـ ﴿رَجُلًا﴾؛ أي: نوحي إليهم على لسان الملك كما نوحي إليك. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ صفة ثانية له، وكأن (١) تقديم هذه الصفة على ما قبلها أكثر استعمالًا؛ لأنها أقرب إلى المفرد؛ أي: من أهل الأمصار دون أهل البوادي؛ لغلبة الجهل والقسوة والجفاء عليهم. والمراد بالقرية: الحضر خلاف البادية، فتشمل المصر الجامع وغيره؛ لأن أهل الأمصار أفضل وأعلم وأكمل عقلًا من أهل البوادي. قال الحسن: لم يبعث نبيٌّ من بدو ولا من الجن ولا من النساء. والمعنى: كيف تعجَّبوا من إرسالنا إياك يا محمد وسائر الرسل الذين كانوا من قبلك بشر مثلك حالهم كحالك!. فإن قلت: (٢) إن قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ يعارضه قوله: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾؛ لأنه يقتضي أن يعقوب وأولاده كانوا من أهل البادية. قلت: لم يكن يعقوب وأولاده من أهل البادية، بل خرجوا إليها لمواشيهم. وقرأ أبو (٣) عبد الرحمن وطلحة وحفص: ﴿نُوحِي﴾ - بالنون وكسر الحاء - مبنيًّا

стр. 6087

للفاعل موافقًا لقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾. وقرأ الجمهور بالياء وفتح الحاء مبنيًّا للمفعول. والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ للاستفهام التوبيخي الإنكاري داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف وتقديره: أغفلوا عن مكرنا، فلم يسيروا في الأرض؛ أي: أفلم يسر هؤلاء المشركون من أهل مكة ممن يكذبونك ويجحدون نبوتك وينكرون ما جئتهم به من توحيد الله وإخلاص العبادة له ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ فيما وطئوا من البلاد ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: كيف صار آخر أمر المكذبين للرسل والآيات ممن كانوا قبلهم من الأمم الماضية كقوم لوط وصالح وسائر من عذبهم الله من الأمم، فيعتبروا بما حل بهم من عذابنا حتى ينزجروا عما هم فيه من التكذيب، وإلا يحيق بهم مثل ما حاق بهم؛ لأن التماثل في الأسباب يوجب التماثل في المسببات، ثم رغب في العمل للآخرة، فقال: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وهو من إضافة الموصوف إلى صفته كمسجد الجامع، وصلاة الأولى؛ أي: إن الدار الآخرة للذين آمنوا بالله ورسله، واتقوا الشرك به، وارتكاب الآثام والمعاصي خير من هذه الدار للمشركين المنكرين للبعث المكذبين بالرسل، والذين لا حظ لهم من هذه الحياة إلا التمتع بلذاتها. فإن نعيمها (١) البدني أكمل من نعيم الدنيا لدوامه وثباته، ولخلوه من المنغصات والآلام، فما بالك بنعيمها الروحي من لقاء الله ورضوانه وكمال معرفته. ويحتمل أن يكون قوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ من حذف الموصوف وإقامة صفته مقامه، وأصله: ولدار المدة الآخرة أو النشأة الآخرة، والذي قدمنا تخريج كوفي، وهذا الأخير تخريج بصري. وقرىء شاذًا: ﴿وللدار الآخرة﴾. وإنما (٢) أضاف الدار إلى الآخرة مع أن المراد بالدار هي الجنة؛ وهي نفس الآخرة؛ لأن العرب قد تضيف الشيء إلى نفسه كقولهم: حق اليقين، والحق: هو اليقين نفسه. اهـ. "خازن".

стр. 6088

والهمزة في قوله: ﴿أفلا تعقلون﴾ للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف تقديره: أتعرضون يا أهل مكة عن إعمال فكركم في هذا، فلا تعقلون أنها خير لهم من الحياة الدنيا، فتتوسلوا إليها بالإيمان؛ أما إنكم لو عقلتم ذلك لآمنتم. وقرأ الجمهور (١): ﴿أفلا يعقلون﴾ - بالياء - مراعاة لقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾. وقرأ الحسن وعلقمة والأعرج وعاصم وابن عامر ونافع: ﴿تعقلون﴾ بالتاء على خطاب هذه الأمة تحذيرًا لهم مما وقع فيه أولئك، فيصيبهم ما أصابهم. ١١٠ - ثم ذكر تثبيتًا لفؤاده ﵇ أن العاقبة لرسله، وأن نصره تعالى ينزل عليهم حين ضيق وانتظار الفرج كما قال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ وأن نصره يأتيهم إذا تمادى المبطلون في تكذيبهم، فقال: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ ﴿حَتَّى﴾: غاية لمحذوف دل عليه السياق تقديره: لا يغررهم (٢) تماديهم فيما هم فيه من الراحة والرخاء، فإن من قبلهم أمهلوا حتى إذا استيأس الرسل عن النصر عليهم في الدنيا، أو من إيمانهم لانهماكهم في الكفر مترفهين متمادين فيه من غير رادع ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الدال المكسورة، والمعنى عليه: وظن القوم أن الرسل قد أخلفوا في وعدهم بالنصر؛ أي: أخلف الله وعده لرسلهم بالنصر، وهذا المعنى منقول عن عائشة ﵂. وقال الواحدي معناه: وظن الأمم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به من نصر الله إياهم، وإهلاك أعدائهم، وهذا المعنى منقول عن ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد. وقرأ الباقون: بالتشديد. والمعنى عليه: وظن الرسل وأيقنوا أنهم قد كذبتهم الأمم الذين آمنوا بهم بما جاؤوا به من الله تعالى، وارتدوا عن الإيمان بهم، وهذا المعنى منقول عن عائشة ﵂، وهو أحسن الوجوه، وقالت: إن البلاء لم يزل من الأنبياء حتى

стр. 6089

خافوا من أن يكذبهم الذين قد آمنوا بهم. وحاصل المعنى على قراءة التخفيف؛ أي: وما (١) أرسلنا قبلك إلا رجالًا نوحي من أهل القرى فدعوا من أرسلوا إليهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، فكذبوا بما جاءوهم به، وردوا ما أتوا به من عند ربهم، حتى إذا يئس الرسل من إيمانهم؛ لانهماكهم في الكفر وتماديهم في الطغيان من غير وازع، وظنت الأمم أن الرسل الذين أرسلوا إليهم قد كذبوهم فيما كانوا أخبروهم عن الله من وعده لهم النصر عليهم ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ لهم بهلاك أعدائهم فجأة، وهذه الجملة جواب ﴿إِذَا﴾ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾. والمعنى: إن (٢) زمان الإمهال قد تطاول عليهم حتى توهموا أن لا نصر لهم في الدنيا، فجاءهم نصرنا بغتة بغير سبق علامة. وهذه سنة الله تعالى في الأمم يرسل إليهم الرسل بالبينات (٣)، ويؤيدهم بالمعجزات حتى إذا أعرضوا عن الهداية، وعاندوا رسل ربهم، وامتدت مدة كيدهم وعدوانهم، واشتد البلاء على الرسل، واستشعروا بالقنوط من تمادي التكذيب وتراخي النصر .. جاءهم نصر الله فجأة، وأخذ المكذبين العذابُ بغتة كالطوفان الذي أغرق قوم نوح، والريح التي أهلكت عادًا قوم هود، والصيحة التي أخذت ثمود، والخسف الذي نزل بقرى قوم لوط وهم فيها، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾. وفي هذا تذكير لكفار قريش بأن سنته تعالى في عباده واحدة لا ظلم فيها ولا محاباة، وأنهم إن لم ينيبوا إلى ربهم .. حل بهم من العذاب ما حل بأمثالهم من أقوام الرسل، كما قال في سورة القمر ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣)﴾. وقد نصر الله نبيه ﷺ في غزوة بدر وما بعدها من الغزوات، وأهلك الجاحدين المعاندين من قومه.

стр. 6090

روى البخاري بسنده عن عائشة ﵂ قالت لابن أختها عروة بن الزبير وهو يسألها عن قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ...﴾ الآية: هم أتباعُ الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عليهم النصر حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم .. جاءهم نصر الله عند ذلك. وعن عائشة أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ مخففة أخرجه ابن مردويه من طريق عكرمة ونحوه عن ابن عباس قال: يئس الرسل أن يستجيبوا لهم، وظن قومهم أنَّ الرسل كذبوهم بما جاؤوهم به جاءهم نصرنا. ونحوه عن ابن مسعود قال: حفظت عن رسول الله ﷺ في "سورة يوسف": ﴿أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ مخففة، اهـ. ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ نجاتهم؛ وهم الرسل والمؤمنون التابعون لهم، وإنما لم يعينهم؛ للدلالة على أنهم هم الذين يستحقون النجاة لا يشاركهم فيها غيرهم. وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب (١): ﴿فَنُجِّيَ﴾ - بنون واحدة وجيم مشددة مكسورة وفتح الياء - فعلًا ماضيًا مبنيًّا للمفعول، و ﴿مَنْ﴾ الموصولة نائب فاعله. وقرأ مجاهد والحسن والجحدري وطلحة وابن هرمز كذلك، إلا أنهم سكنوا الياء شذوذًا، وخرج على أنه ماض مبني للمجهول، ولكن سكنت الياء على لغة من يستثقل الحركة على الياء كقراءة من قرأ: ﴿ما تطعمون أهاليكم﴾ - بسكون الياء - ورويت هذه القراءة عن الكسائي ونافع في الشاذ، والمعنى على هذه: فنجي الرسل ومن آمن معهم من أقوامهم؛ لأنهم بحسب ما وضع الله من تأثير الأعمال في طهارة النفوس وزكائها هم الذين يستحقون النجاة دون غيرهم، كما قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾. وقرأ باقي العشرة: ﴿فَنُنْجِي﴾ - بنونين أولاهما مضمومة وثانيتهما ساكنة وبياء ساكنة - مضارع أنجى الرباعي، وفاعله ضمير يعود على الله، والموصول مفعول به؛ أي: فننجي نحن من نشاء نجاتهم؛ وهم الرسل والمؤمنون بهم. وقرأ

стр. 6091

نصر بن عاصم والحسن وأبو حيوة وابن السميقع ومجاهد وعيسى وابن محيصن: ﴿فنجا﴾ جعلوه مخفف الجيم فعلًا ماضيًا مبنيًّا للفاعل، وفاعله ﴿مَنْ﴾ الموصولة. وقال أبو عمرو الداني: وقرأت لابن محيصن: ﴿فنَجَّى﴾ - بشد الجيم - فعلًا ماضيًا مبنيًّا للفاعل على معنى: فنَجَّى النصر من نشاء، وفاعله النصر المعلوم من السياق وهي قراءة شاذة. وذكر الداني أن المصاحف متفقة على كتابتها بنون واحدة. وفي "التحبير" أن الحسن قرأ شذوذًا: ﴿فَنُنَجّي﴾ - بنونين الثانية مفتوحة والجيم مشددة والياء ساكنة - مضارع نجى المضعف. وقرأ أبو حيوة شاذًا: ﴿من يشاء﴾ - بالياء -؛ أي: فنجي من يشاء الله نجاته، ومن يشاء نجاتهم هم المؤمنون لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: ولا يرد عذابنا عن القوم المشركين إذا نزل بهم. وقرأ الحسن شذوذًا: ﴿بأسه﴾ بضمير الغائب؛ أي: بأس الله. وهذه الجملة فيها وعيد وتهديد لمعاصري الرسول ﷺ ؛ أي: ولا يُمنع عقابنا وبطشنا عن القوم الذين أجرموا، فكفروا باللهِ وكذبوا رسله، وما أتوهم به من عند ربهم. وقد جرت سنة الله أن يبلغ الرسل أقوامهم، ويقيموا عليهم الحجة، وينذروهم سوء عاقبة الكفر والتكذيب، فيؤمن المهتدون ويصر المعاندون، فينجي الله الرسل ومن آمن من أقوامهم، ويهلك المكذبين، ولا يخفى ما في الآية من التهديد والوعيد لكفار قريش ومن على شاكلتهم من المعاصرين للنبي ﷺ . ١١١ - واللامُ في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ﴾: موطئة للقسم. ﴿فِي قَصَصِهِمْ﴾ - بفتح القاف -: مصدرُ قصَّ الخبر؛ إذا حدث به؛ أي: قصص يوسف وإخوته وأبيه ﵈ وخبرهم. وقرىء شاذًا بكسر القات جمع قصة؛ أي: قصص الأنبياء وأممهم؛ أي: وعزتي وجلالي لقد كان في قصص يوسف مع أبيه وإخوته وخبرهم ﴿عِبْرَةٌ﴾ أي: عظة عظيمة ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾؛ أي: لأصحاب العقول الكاملة الراجحة والأفكار الثاقبة؛ لأنهم هم الذين يعتبرون بعواقب الأمور التي تدل عليها أوائلها ومقدماتها، أما الأغرار الغافلون فلا يستعملون عقولهم في النظر والاستدلالات، ومن ثم لا يفيدهم النصح.

стр. 6092

وجهة الاعتبار بهذه القصة أن الذي قدر على إنجاء يوسف ﵇ بعد إلقائه في غيابة الجبّ، وإعلاء أمره بعد وضعه في السجن، وتمليكه مصر بعد أن بيع بالثمن البخس، والتمكين له في الأرض من بعد الإسار والحبس الطويل، وإعزازه على من قصده بالسوء من إخوته، وجمع شمله بأبويه وبهم بعد المدة الطويلة المدى، والمجيء بهم من الشقة البعيدة النائية؛ أي: إن الذي قدر على ذلك كله لقادر على إعزاز محمد ﷺ وإعلاء كلمته وإظهار دينه، فيخرجه من بين أظهركم، ثم يظهره عليكم، ويمكن له في البلاد، ويؤيده بالجند والرجال والأتباع والأعوان، وإن مرت به الشدائد وأتت دونه الأيام والحوادث، وإن الإخبار بهذه القصة جارٍ مجرى الإخبار عن الغيوب، فكانت معجزة لمحمد ﷺ . وقيل: إن الله تعالى قال في أول هذه السورة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ وقال في آخرها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ فدل على أن هذه القصة من أحسن القصص، وأن فيها عبرة لمن اعتبرها وتأملها، وكان في أول السورة وآخرها مناسبة. ﴿مَا كَانَ﴾ هذا القرآن المشتمل على هذا المقصوص ﴿حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ ويختلق من عند البشر؛ لأن الذي جاء به من عند الله تعالى؛ وهو محمد ﷺ لا يصح منه أن يفتريه ويختلقه من عند نفسه؛ لأنه لم يقرأ الكتب ولم يخالط العلماء، ثم إنه جاء بهذا القرآن المعجز، فدل ذلك على صدقه، وأنه ليس بمفتر، فهو دليل ظاهر وبرهان قاهر على أنه جاء بطريق الوحي والتنزيل، ومن ثم قال: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أي: ولكن كان هذا القرآن مصدق الذي كان قبله من الكتب السماوية التي أنزلها الله تعالى من السماء على أنبيائه كالتوراة والإنجيل والزبور؛ أي: تصديق ما عندهم من الحق فيها لا كل الذي عندهم، فهو ليس بمصدق لما عندهم من خرافات فاسدة وأوهام باطلة؛ لأنه جاء لمحوها وإزالتها، لا لإثباتها وتصديقها ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه في الدين والدنيا؛ أي: إن في هذا القرآن المنزل عليك يا محمد تفصيل كل شيء تحتاج إليه من الحلال والحرام، والحدود والأحكام، والقصص والمواعظ والأمثال، وغير ذلك مما يحتاج إليه العباد في أمر دينهم ودنياهم ﴿و﴾ كان ﴿هدى﴾ إلى

стр. 6093

كل خير لمن تدبره وأمعن في النظر فيه، وتلاه حق تلاوته، فهو مرشد إلى الحق، وهادٍ إلى سبيل الرشاد وعمل الخير والصلاح في الدين والدنيا ﴿و﴾ كان ﴿رحمة﴾ خاصة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ به في دينهم ودنياهم؛ لأنهم هم الذين ينتفعون به. وقيل المعنى: ﴿وَهُدًى﴾؛ أي: سبب هداية في الدنيا ﴿وَرَحْمَةً﴾؛ أي: سببًا لحصول الرحمة في الآخرة، والخاضعون لها من غير المؤمنين يكونون في ظلها آمنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، أحرارًا في عقائدهم وعباداتهم، مساوين للمؤمنين في حقوقهم ومعاملاتهم، يعيشون في بيئة خالية من الفواحش والمنكرات التي تفسد الأخلاق وتعبث بالفضائل. وانتصاب الأربعة بعد ﴿لكن﴾ للعطف على خبر ﴿كَانَ﴾. وقرأ حمران ابن أعين وعيسى الكوفي فيما ذكر صاحب "اللوامح" وعيسى الثقفي فيما ذكر ابن عطية: ﴿تصديق وتفصيلُ وهدى ورحمةٌ﴾ - برفع الأربعة -؛ أي: ولكن هو تصديق وهذه القراءة شاذة. والجمهور بالنصب على إضمار كان؛ أي: ولكن كان تصديق الخ. الإعراب ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء للتخفيف منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة، وهو مضاف، وياء المتكلم المحذوفة في محل الجر مضاف إليه، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قاَلَ﴾. ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق. ﴿آتَيْتَنِي﴾ فعل وفاعل ومفعول أول ونون وقاية. ﴿مِنَ﴾: حرف جر وتبعيض. ﴿الْمُلْكِ﴾: مجرور بـ ﴿مِنَ﴾: الجار والمجرور متعلق بـ ﴿آتَيْتَنِي﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له؛ لأنه بمعنى أعطى، وقيل: ﴿مِنَ﴾ زائدة، وقيل المفعول الثاني محذوف تقديره: عظيمًا من الملك كما ذكره أبو البقاء. والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَعَلَّمْتَنِي﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة معطوفة على جملة ﴿آتَيْتَنِي﴾. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: مفعول ثان

стр. 6094

ومضاف إليه. وفي "السمين": و ﴿مِنَ﴾ في ﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾، وفي ﴿مِنْ تَأْوِيلِ﴾ للتبعيض، والمفعول الثاني محذوف؛ أي: شيئًا عظيمًا من الملك، فهي صفة لذلك المحذوف، وقيل: زائدة، وقيل: لبيان الجنس. ﴿فَاطِرَ﴾: نعت لـ ﴿رَبِّ﴾، أو بدل، أو عطف بيان منه، أو منصوب بإضمار أعني، أو على كونه منادى ثانيًا. ﴿السَّمَاوَاتِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف عليه. ﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَلِيِّي﴾. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: معطوف على ﴿الدُّنْيَا﴾. ﴿تَوَفَّنِي﴾: فعل ومفعول ونون وقاية، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مُسْلِمًا﴾: حال من المفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَلْحِقْنِي﴾: فعل ومفعول ونون وقاية. ﴿بِالصَّالِحِينَ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿تَوَفَّنِي﴾. ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿نُوحِيهِ﴾: فعل ومفعول. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب حال من المبتدأ، أو من الضمير في الخبر، ويجوز أن تكون خبرًا ثانيًا لذلك كما في "السمين". ﴿وَمَا﴾ (الواو): عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿لَدَيْهِمْ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر كان، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ على كونها معللة للخبرين. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بكان. ﴿أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿وَهُمْ﴾: (الواو): واو الحال. ﴿هم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَمْكُرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من واو ﴿أَجْمَعُوا﴾. ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾. ﴿وَمَا﴾ (الواو): استئنافية. ﴿ما﴾: حجازية أو تميمية. ﴿أَكْثَرُ النَّاسِ﴾:

стр. 6095

اسمها أو مبتدأ ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾: خبرها، أو خبر المبتدأ والباء زائدة، والجملة مستأنفة. ﴿وَلَوْ﴾: (الواو): اعتراضية. ﴿لو﴾: حرف شرط. ﴿حَرَصْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾، وجواب ﴿لو﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه تقديره: ولو حرصت على هدايتهم وبالغت في دعوتهم لا يؤمنون، وجملة ﴿لو﴾: معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين ﴿ما﴾ وخبرها. ﴿وَمَا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿ما﴾ نافية ﴿تَسْأَلُهُمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به. ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾: مفعول ثان لسأل، و ﴿مِنْ﴾: زائدة، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾. ﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿ذِكْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾: متعلق به، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾. ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿كأين﴾: اسم بمعنى كم الخبرية؛ أي: بمعنى عدد كثير في محل الرفع مبتدأ مبني على السكون لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿آيَةٍ﴾: تمييز ﴿كأين﴾ منصوب. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿آيَةٍ﴾. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿يَمُرُّونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهَا﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَهُمْ﴾: (الواو): حالية. ﴿هم﴾: مبتدأ. ﴿عَنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿مُعْرِضُونَ﴾. ﴿مُعْرِضُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَمُرُّونَ﴾، والمعنى: وآيات كثيرة كائنة في السموات والأرض مارون عليها حالة كونهم معرضين عنها. ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧)﴾. ﴿وَمَا﴾ (الواو): استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يُؤْمِنُ﴾.
следующие страницы →