← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

نصر بن عاصم والحسن وأبو حيوة وابن السميقع ومجاهد وعيسى وابن محيصن: ﴿فنجا﴾ جعلوه مخفف الجيم فعلًا ماضيًا مبنيًّا للفاعل، وفاعله ﴿مَنْ﴾ الموصولة. وقال أبو عمرو الداني: وقرأت لابن محيصن: ﴿فنَجَّى﴾ - بشد الجيم - فعلًا ماضيًا مبنيًّا للفاعل على معنى: فنَجَّى النصر من نشاء، وفاعله النصر المعلوم من السياق وهي قراءة شاذة. وذكر الداني أن المصاحف متفقة على كتابتها بنون واحدة. وفي "التحبير" أن الحسن قرأ شذوذًا: ﴿فَنُنَجّي﴾ - بنونين الثانية مفتوحة والجيم مشددة والياء ساكنة - مضارع نجى المضعف. وقرأ أبو حيوة شاذًا: ﴿من يشاء﴾ - بالياء -؛ أي: فنجي من يشاء الله نجاته، ومن يشاء نجاتهم هم المؤمنون لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: ولا يرد عذابنا عن القوم المشركين إذا نزل بهم. وقرأ الحسن شذوذًا: ﴿بأسه﴾ بضمير الغائب؛ أي: بأس الله. وهذه الجملة فيها وعيد وتهديد لمعاصري الرسول ﷺ ؛ أي: ولا يُمنع عقابنا وبطشنا عن القوم الذين أجرموا، فكفروا باللهِ وكذبوا رسله، وما أتوهم به من عند ربهم. وقد جرت سنة الله أن يبلغ الرسل أقوامهم، ويقيموا عليهم الحجة، وينذروهم سوء عاقبة الكفر والتكذيب، فيؤمن المهتدون ويصر المعاندون، فينجي الله الرسل ومن آمن من أقوامهم، ويهلك المكذبين، ولا يخفى ما في الآية من التهديد والوعيد لكفار قريش ومن على شاكلتهم من المعاصرين للنبي ﷺ . ١١١ - واللامُ في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ﴾: موطئة للقسم. ﴿فِي قَصَصِهِمْ﴾ - بفتح القاف -: مصدرُ قصَّ الخبر؛ إذا حدث به؛ أي: قصص يوسف وإخوته وأبيه ﵈ وخبرهم. وقرىء شاذًا بكسر القات جمع قصة؛ أي: قصص الأنبياء وأممهم؛ أي: وعزتي وجلالي لقد كان في قصص يوسف مع أبيه وإخوته وخبرهم ﴿عِبْرَةٌ﴾ أي: عظة عظيمة ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾؛ أي: لأصحاب العقول الكاملة الراجحة والأفكار الثاقبة؛ لأنهم هم الذين يعتبرون بعواقب الأمور التي تدل عليها أوائلها ومقدماتها، أما الأغرار الغافلون فلا يستعملون عقولهم في النظر والاستدلالات، ومن ثم لا يفيدهم النصح.

стр. 6092

وجهة الاعتبار بهذه القصة أن الذي قدر على إنجاء يوسف ﵇ بعد إلقائه في غيابة الجبّ، وإعلاء أمره بعد وضعه في السجن، وتمليكه مصر بعد أن بيع بالثمن البخس، والتمكين له في الأرض من بعد الإسار والحبس الطويل، وإعزازه على من قصده بالسوء من إخوته، وجمع شمله بأبويه وبهم بعد المدة الطويلة المدى، والمجيء بهم من الشقة البعيدة النائية؛ أي: إن الذي قدر على ذلك كله لقادر على إعزاز محمد ﷺ وإعلاء كلمته وإظهار دينه، فيخرجه من بين أظهركم، ثم يظهره عليكم، ويمكن له في البلاد، ويؤيده بالجند والرجال والأتباع والأعوان، وإن مرت به الشدائد وأتت دونه الأيام والحوادث، وإن الإخبار بهذه القصة جارٍ مجرى الإخبار عن الغيوب، فكانت معجزة لمحمد ﷺ . وقيل: إن الله تعالى قال في أول هذه السورة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ وقال في آخرها: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ فدل على أن هذه القصة من أحسن القصص، وأن فيها عبرة لمن اعتبرها وتأملها، وكان في أول السورة وآخرها مناسبة. ﴿مَا كَانَ﴾ هذا القرآن المشتمل على هذا المقصوص ﴿حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ ويختلق من عند البشر؛ لأن الذي جاء به من عند الله تعالى؛ وهو محمد ﷺ لا يصح منه أن يفتريه ويختلقه من عند نفسه؛ لأنه لم يقرأ الكتب ولم يخالط العلماء، ثم إنه جاء بهذا القرآن المعجز، فدل ذلك على صدقه، وأنه ليس بمفتر، فهو دليل ظاهر وبرهان قاهر على أنه جاء بطريق الوحي والتنزيل، ومن ثم قال: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أي: ولكن كان هذا القرآن مصدق الذي كان قبله من الكتب السماوية التي أنزلها الله تعالى من السماء على أنبيائه كالتوراة والإنجيل والزبور؛ أي: تصديق ما عندهم من الحق فيها لا كل الذي عندهم، فهو ليس بمصدق لما عندهم من خرافات فاسدة وأوهام باطلة؛ لأنه جاء لمحوها وإزالتها، لا لإثباتها وتصديقها ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه في الدين والدنيا؛ أي: إن في هذا القرآن المنزل عليك يا محمد تفصيل كل شيء تحتاج إليه من الحلال والحرام، والحدود والأحكام، والقصص والمواعظ والأمثال، وغير ذلك مما يحتاج إليه العباد في أمر دينهم ودنياهم ﴿و﴾ كان ﴿هدى﴾ إلى

стр. 6093

كل خير لمن تدبره وأمعن في النظر فيه، وتلاه حق تلاوته، فهو مرشد إلى الحق، وهادٍ إلى سبيل الرشاد وعمل الخير والصلاح في الدين والدنيا ﴿و﴾ كان ﴿رحمة﴾ خاصة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ به في دينهم ودنياهم؛ لأنهم هم الذين ينتفعون به. وقيل المعنى: ﴿وَهُدًى﴾؛ أي: سبب هداية في الدنيا ﴿وَرَحْمَةً﴾؛ أي: سببًا لحصول الرحمة في الآخرة، والخاضعون لها من غير المؤمنين يكونون في ظلها آمنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، أحرارًا في عقائدهم وعباداتهم، مساوين للمؤمنين في حقوقهم ومعاملاتهم، يعيشون في بيئة خالية من الفواحش والمنكرات التي تفسد الأخلاق وتعبث بالفضائل. وانتصاب الأربعة بعد ﴿لكن﴾ للعطف على خبر ﴿كَانَ﴾. وقرأ حمران ابن أعين وعيسى الكوفي فيما ذكر صاحب "اللوامح" وعيسى الثقفي فيما ذكر ابن عطية: ﴿تصديق وتفصيلُ وهدى ورحمةٌ﴾ - برفع الأربعة -؛ أي: ولكن هو تصديق وهذه القراءة شاذة. والجمهور بالنصب على إضمار كان؛ أي: ولكن كان تصديق الخ. الإعراب ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء للتخفيف منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة، وهو مضاف، وياء المتكلم المحذوفة في محل الجر مضاف إليه، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قاَلَ﴾. ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق. ﴿آتَيْتَنِي﴾ فعل وفاعل ومفعول أول ونون وقاية. ﴿مِنَ﴾: حرف جر وتبعيض. ﴿الْمُلْكِ﴾: مجرور بـ ﴿مِنَ﴾: الجار والمجرور متعلق بـ ﴿آتَيْتَنِي﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له؛ لأنه بمعنى أعطى، وقيل: ﴿مِنَ﴾ زائدة، وقيل المفعول الثاني محذوف تقديره: عظيمًا من الملك كما ذكره أبو البقاء. والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَعَلَّمْتَنِي﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة معطوفة على جملة ﴿آتَيْتَنِي﴾. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: مفعول ثان

стр. 6094

ومضاف إليه. وفي "السمين": و ﴿مِنَ﴾ في ﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾، وفي ﴿مِنْ تَأْوِيلِ﴾ للتبعيض، والمفعول الثاني محذوف؛ أي: شيئًا عظيمًا من الملك، فهي صفة لذلك المحذوف، وقيل: زائدة، وقيل: لبيان الجنس. ﴿فَاطِرَ﴾: نعت لـ ﴿رَبِّ﴾، أو بدل، أو عطف بيان منه، أو منصوب بإضمار أعني، أو على كونه منادى ثانيًا. ﴿السَّمَاوَاتِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف عليه. ﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَلِيِّي﴾. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: معطوف على ﴿الدُّنْيَا﴾. ﴿تَوَفَّنِي﴾: فعل ومفعول ونون وقاية، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مُسْلِمًا﴾: حال من المفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَلْحِقْنِي﴾: فعل ومفعول ونون وقاية. ﴿بِالصَّالِحِينَ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿تَوَفَّنِي﴾. ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿نُوحِيهِ﴾: فعل ومفعول. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب حال من المبتدأ، أو من الضمير في الخبر، ويجوز أن تكون خبرًا ثانيًا لذلك كما في "السمين". ﴿وَمَا﴾ (الواو): عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿لَدَيْهِمْ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر كان، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ على كونها معللة للخبرين. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بكان. ﴿أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿وَهُمْ﴾: (الواو): واو الحال. ﴿هم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَمْكُرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من واو ﴿أَجْمَعُوا﴾. ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾. ﴿وَمَا﴾ (الواو): استئنافية. ﴿ما﴾: حجازية أو تميمية. ﴿أَكْثَرُ النَّاسِ﴾:

стр. 6095

اسمها أو مبتدأ ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾: خبرها، أو خبر المبتدأ والباء زائدة، والجملة مستأنفة. ﴿وَلَوْ﴾: (الواو): اعتراضية. ﴿لو﴾: حرف شرط. ﴿حَرَصْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾، وجواب ﴿لو﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه تقديره: ولو حرصت على هدايتهم وبالغت في دعوتهم لا يؤمنون، وجملة ﴿لو﴾: معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين ﴿ما﴾ وخبرها. ﴿وَمَا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿ما﴾ نافية ﴿تَسْأَلُهُمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به. ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾: مفعول ثان لسأل، و ﴿مِنْ﴾: زائدة، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾. ﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿ذِكْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾: متعلق به، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾. ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿كأين﴾: اسم بمعنى كم الخبرية؛ أي: بمعنى عدد كثير في محل الرفع مبتدأ مبني على السكون لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿آيَةٍ﴾: تمييز ﴿كأين﴾ منصوب. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿آيَةٍ﴾. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿يَمُرُّونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهَا﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَهُمْ﴾: (الواو): حالية. ﴿هم﴾: مبتدأ. ﴿عَنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿مُعْرِضُونَ﴾. ﴿مُعْرِضُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَمُرُّونَ﴾، والمعنى: وآيات كثيرة كائنة في السموات والأرض مارون عليها حالة كونهم معرضين عنها. ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧)﴾. ﴿وَمَا﴾ (الواو): استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يُؤْمِنُ﴾.

стр. 6096

﴿أَفَأَمِنُوا﴾: (الهمزة): للاستفهام التوبيخي الإنكاري داخلة على محذوف. (والفاء): عاطفة على ذلك المحذوف تقديره: أغفل هؤلاء المشركون عن مكر الله تعالى فأمنوا. ﴿أمنوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ذلك المحذوف، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ﴾: ناصب وفعل ومفعول وفاعل. ﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿غَاشِيَةٌ﴾، والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: أفأمنوا إتيان غاشية من عذاب الله إياهم. ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾: فعل ومفعول وفاعل معطوف على ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ﴾ على كونها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: أو إتيان الساعة إياهم. ﴿بَغْتَةً﴾: حال من ﴿السَّاعَةُ﴾؛ أي: باغتة. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يشعُرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من مفعول ﴿تَأْتِيَهُمُ﴾. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد والجملة مستأنفة. ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿أَدْعُو﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَدْعُوا﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿أَنَا﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿وَمَنِ﴾: الموصولة معطوفة على المبتدأ، وجملة ﴿اَتَّبَعَنِي﴾: صلة ﴿من﴾ الموصولة، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. وفي "السمين": قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون مستأنفًا؛ وهو الظاهر، وأن يكون حالًا من الياء، و ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾: حال من فاعل ﴿أَدْعُوا﴾؛ أي: أدعو إلى الله حالة كوني كائنًا على بصيرة، وقوله: ﴿وَمَنِ اَتبَعَنِي﴾: عطف على فاعل ﴿أَدْعُوا﴾، ولذلك أكد بالضمير المنفصل، ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف؛ أي: ﴿وَمَنِ اَتبَعَنِي﴾ يدعو أيضًا، ويجوز أن يكون ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ وحده حالًا، و ﴿أَنَا﴾: فاعل به، ﴿وَمَنِ اَتَّبَعَنِي﴾: عطف عليه، ومفعول ﴿أَدْعُوا﴾ يجوز

стр. 6097

أن لا يراد، ويجوز أن يقدر؛ أي: أدعو الناس. اهـ. ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ (الواو): عاطفة. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا تقديره: وأسبح سبحان الله، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ على كونها مفسرة لها. ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. ﴿وَمَا﴾ (الواو): استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿رِجَالًا﴾: مفعول به. ﴿نُوحِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب صفة أولى لـ ﴿رجال﴾. ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾: جار ومجرور صفة ثانية لـ ﴿رِجَالًا﴾، والأكثر استعمالًا عندهم تقديم هذه الصفة الثانية على الأولى؛ لأنها أقرب إلى المفرد منها كما تقدم تحريره في المائدة. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ﴿أَفَلَمْ﴾ (الهمزة): للاستفهام التوبيخي الإنكاري داخلة على محذوف. (الفاء): عاطفة على ذلك المحذوف تقديره: أغفلوا عن مكرنا فلم يسيروا. ﴿لم يسيروا﴾: جازم وفعل وفاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على ذلك المحذوف، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿فَيَنْظُرُوا﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿ينظروا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَسِيرُوا﴾. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ مقدّم عليه وجوبًا. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿عَاقِبَةُ الَّذِينَ﴾: اسمها ومضاف إليه، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل النصب مفعول لـ ﴿ينظروا﴾ معلق عنها باسم الاستفهام. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور صلة الموصول. ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾: (الواو): استئنافية. (اللام): حرف ابتداء، ﴿دار الآخرة﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور

стр. 6098

متعلق به، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿اتَّقَوْا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: (الهمزة): للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف، و (الفاء): عاطفة على ذلك المحذوف تقديره: أتعرضون يا أهل مكة عن إعمال فكركم في خيرية الآخرة على الدنيا. ﴿لا﴾: نافية ﴿تَعْقِلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على ذلك المحذوف. ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف ابتداء لدخولها على الجملة، وغاية لكونها غاية لمحذوف وتقديره: لا يغررهم تماديهم فيما هم من الراحة والرخاء، فإن من قبلهم أمهلوا حتى إذا استيأس الرسل. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿وَظَنُّوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿اسْتَيْأَسَ﴾. ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾: في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ظن تقديره: وظنوا تكذيبهم. ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة جواب ﴿إذا﴾، وجملة ﴿إذا﴾: من فعل شرطها وجوابها في محل الجر بـ ﴿حَتَّى﴾ متعلقة بمحذوف تقديره: فإن من قبلهم أمهلوا إلى مجيء نصرنا وقت يأس الرسل عن نصرهم، وظن الأتباع كونهم مكذوبين. ﴿فَنُجِّيَ﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿نُجِّيَ﴾: فعل ماضٍ مغير الصيغة. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿جاء﴾. ﴿نَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: من نشاء نجاته من عبادنا. ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿عَنِ الْقَوْمِ﴾: متعلق به. ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمِ﴾. ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾.

стр. 6099

﴿لَقَدْ﴾: (اللام): موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿كَانَ﴾: فعل ماضٍ ناقص. ﴿فِي قَصَصِهِمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿كَانَ﴾: ﴿عِبْرَةٌ﴾ اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخر، وجملة ﴿كَانَ﴾: جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عِبْرَةٌ﴾؛ لأنه اسم مصدر من اعتبر الخماسي. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على القرآن المتقدم ذكره في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أو على هذا القصص المذكور في يوسف وإخوته. ﴿حَدِيثًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿يُفْتَرَى﴾: صفة لـ ﴿حَدِيثًا﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾: مستأنفة. ﴿وَلَكِنْ﴾: (الواو): عاطفة. ﴿لكن﴾: حرف استدراك. ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي﴾: خبر لـ ﴿كَانَ﴾ المحذوفة مع اسمها، ومضاف إليه؛ أي: ولكن كان هذا القرآن تصديق الذي بين يديه، والجملة الاستدراكية معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ظرف ومضاف إليه صلة الموصول. ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾: معطوف على ﴿تَصْدِيقَ﴾ على كونه خبرًا لـ ﴿كَانَ﴾ المحذوفة. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾: معطوفان عليه أيضًا. ﴿لِقَوْمٍ﴾: جار ومجرور تنازع فيه كل من ﴿هدى﴾ و ﴿رحمة﴾ على كونه صفة لهما، وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ صفة لـ ﴿قوم﴾، أو صفة لـ ﴿رحمة﴾ فقط. التصريف ومفردات اللغة ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾؛ أي: بعض الملك، والمراد بذلك البعض: ملك مصر؛ إذ لم يملك جميع أقطار الأرض إلا أربعة: إثنان مسلمان: إسكندر، وسليمان بن داود واثنان كافران: بختنصر وشداد بن عاد، ولقد توارثت الفراعنة من العمالقة بعد يوسف مصر، ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا من دين يوسف وآبائه إلى أن بعث الله تعالى موسى ﵇. اهـ. "أبو السعود". والملك عبارة عن الاتساع في الشيء المقدور لمن له السياسة التدبير كما مر. ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق، وأصل الفطر: الشق، يقال: فطر ناب البعير إذا شق وظهر، وفطر الله الخلق:

стр. 6100

أوجده وأبدعه. ﴿أَنْتَ وَلِيِّ﴾؛ أي: معيني ومتولي أمري ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾؛ أي: اقبضني إليك مسلمًا. ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ وفي "المصباح": حرص عليه حرصًا - من باب ضرب - إذا اجتهد، والاسم الحِرص - بكسر الحاء - وحرص على الدنيا من باب ضرب أيضًا، وحَرِص حرصًا - من باب تعب لغة -، إذا رغب رغبة مذمومة. اهـ. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ﴾ و ﴿كَأَيِّنْ﴾ هنا بمعنى كم الخبرية التي بمعنى عدد كثير وإن وردت للاستفهام، والآية هنا بمعنى الدليل الذي يرشد إلى وجود الصانع ووحدته، وكمال علمه وقدرته. ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: يشاهدونها ولا يعبئون بها. ﴿مُعْرِضُونَ﴾؛ أي: لا يعتبرون بها. ﴿غَاشِيَةٌ﴾ والغاشية: العقوبة تغشاهم وتعمهم ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا﴾ البصيرة: الحجة الواضحة، وقيل: هي المعرفة التي يميز بها بين الحق والباطل. اهـ. "خازن". ﴿وَظَنُّوا﴾ الظن هنا: إما بمعنى اليقين، وإما معنى الحسبان والتقدير. ﴿بَأْسُنَا﴾ والبأس العقاب. ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ والقَصَص - بفتح القاف -: مصدر قَصَّ إذا تتبع الأثر والخبر، والمراد هنا المقصوص المحكي بدليل القراءة الشاذة: ﴿قِصصهم﴾ - بكسر القاف - كما في "الجمل". ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ المراد بالعبرة: التأمل والتفكر. وفي "الخازن": معنى الاعتبار والعبرة: الحالة التي يتوصل بها الإنسان من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد، والمراد منه التأمل والتفكر. ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ والألباب: العقول واحدها لبّ، وسمي بذلك؛ لكونه خالص ما في الإنسان من قواه. وقال الشوكاني: والعبرة: الفكرة والبصيرة المخلصة من الجهل والحيرة، وقيل: هي نوع من الاعتبار، وهي العبور من الطريق المعلوم إلى الطريق المجهول، وأولوا الألباب: هم ذووا العقول السليمة

стр. 6101

الذين يعتبرون بعقولهم، فيدرون ما فيه مصالح دينهم، وإنما كان هذا القصص عبرة لما اشتمل عليه من الإخبارات المطابقة للواقع من بعد المدة التي بين النبي ﷺ وبين الرسل الذين قص حديثهم، ومنهم يوسف وإخوته وأبوه مع كونه لم يطلع على أخبارهم ولا اتصل بأحبارهم. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من الفصاحة وأنواعًا من البلاغة والبيان والبديع: فمنها: إطلاق الكل وإرادة البعض في قوله: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ فإنه إنما أعطي ملك مصر فقط، لا ملك الأرض كلها كما مر. ومنها: في قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ ما يسمى في علم البيان بالاحتجاج النظري، وبعضهم يسميه المذهب الكلامي؛ وهو أن يلزم الخصم ما هو لازم لهذا الاحتجاج، وتقدم نظير ذلك في آل عمران، وفي هود، وهذا تهكم بقريش وبمن كذبه؛ لأنه لا يخفى على أحد أنه لم يكن من حملة هذا الحديث وأشباهه، ولا لقي فيها أحدًا ولا سمع منه، ولم يكن من علم قومه، فإذا أخبر به وقصه هذا القصص الذي أعجز حملته ورواته .. لم تقع شبهة في أنه ليس منه، بل من وحي الله تعالى إليه، ذكره أبو حيان. ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾؛ لأنه بمعنى الماضي. ومنها: الجملة الاعتراضية في قوله: ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ لاعتراضها بين ﴿مَا﴾ الحجازية وخبرها، وجيء بهذا الاعتراض؛ لإفادة أن الهداية بيد الله وحده. ومنها: حكاية الحال الماضية أيضًا في: ﴿إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾؛ لأنه بمعنى الماضي. ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.

стр. 6102

ومنها: إضافة الشيء إلى نفسه في قوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾؛ لأنه أضاف الدار إلى الآخرة مع أن المراد بالدار هي الجنة، وهي نفس الآخرة؛ لأن العرب تفعل ذلك لإفادة التأكيد، كما في قولهم: حق اليقين، مع أن المراد بالحق هو اليقين نفسه كما مر. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 6103

موضوعات هذه السورة جملة ما في هذه السورة من الموضوعات تسعة وثلاثون موضوعًا: ١ - قص يوسف رؤياه على أبيه يعقوب. ٢ - نهي يعقوب لولده عن قصه قصصه على إخوته. ٣ - تدبيرهم المكيدة ليوسف وإلقائه في غيابة الجبّ. ٤ - ادعاؤهم أنَّ الذئب قد أكله. ٥ - عثور قافلة ذاهبة إلى مصر عليه والتقاطها له. ٦ - بيعها إياه في مصر بثمن بخس لعزيز مصر. ٧ - وصية العزيز لامرأته بإكرام مثواه. ٨ - مراودة المرأة له عن نفسه، وإعداد الوسائل لذلك. ٩ - تمنعه من ذلك إكرامًا لسيده الذي أكرم مثواه. ١٠ - قدها لقميصه وادعاؤها عليه أنه هو الذي أراد الفاحشة. ١١ - شهادة شاهد من أهلها بما يجلي الحقيقة. ١٢ - افتضاح أمرها في المدينة لدى النسوة. ١٣ - تدبيرها المكيدة لأولئك النسوة وإحكام أمرها. ١٤ - إدخاله السجن اتباعًا لمشيئتها. ١٥ - تعبيره رؤيا فتيين دخلا معه السجن. ١٦ - رؤيا الملك وطلبه تعبيرها. ١٧ - إرشاد أحد الفتيين للملك عن يوسف، وأنه نعم المعبر لها. ١٨ - طلب الملك إحضاره من السجن، واستخلاصه لنفسه. ١٩ - توليته رئيسًا للحكومة ومهيمنًا على ماليتها. ٢٠ - مجيء إخوة يوسف إليه، وطلبه منهم أن يحضروا أخاهم لأبيهم.

стр. 6104

٢١ - إرجاع البضاعة التي جاؤوا بها. ٢٢ - إحضارهم أخاه إليه بعد إعطائهم الموقف لأبيهم. ٢٣ - طلب أبيهم أن يدخلوا المدينة من أبواب متعددة. ٢٤ - إخبار يوسف لأخيه عن ذات نفسه. ٢٥ - أذان المؤذن أن العير قد سرقوا. ٢٦ - قول الإخوة: إن أخاه قد سرق من قبل. ٢٧ - طلبُ الإخوة من يوسف أن يأخذ أحدهم مكانه. ٢٨ - وجود غشاوة على عيني يعقوب من الحزن. ٢٩ - تعريف يوسف بنفسه لإخوته. ٣٠ - حين جاء البشير بقميص يوسف ارتد يعقوب بصيرًا. ٣١ - طلب الإخوة من أبيهم أن يستغفر لهم. ٣٢ - رفع يوسف أبويه على العرش. ٣٣ - قول يوسف لأبيه: هذا تأويل رؤياي من قبل. ٣٤ - دعاؤه بحسن الخاتمة. ٣٥ - في هذا القصص إثبات لنبوة محمَّد ﷺ . ٣٦ - تحذير المشركين من نزول العذاب بهم كما حَدَث لمن قبلهم. ٣٧ - لم يرسل الله تعالى إلا رجالًا وما أرسَل ملائكة. ٣٨ - نصر الرسل بعد الاستيئاس. ٣٩ - في قصص الرسل أو يوسف وإخوته عبرة لأولي الألباب. والله أعلم * * *

стр. 6105

سورة الرعد سورة الرعد مكية (١) إلا آيتين فهما مدنيتان، وهما قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. وقيل: مدنية سوى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآيتين. وآياتها ثلاث - أو خمس - وأربعون آية، وكلماتها ثمان مئة وخمس وخمسون كلمة، وحروفها ثلاثة آلاف وخمس مئة وستة أحرف. وسميت بالرعد؛ لذكره فيها. فضلها: ومن فضائلها أن قراءتها عند المحتضر تسهل خروج الروح. وقد أخرج (٢) ابن أبي شيبة والمروزي في "الجنائز" عن جابر بن زيد قال: كان يُستحب إذا حضر الميت أن يقرأ عنده سورة الرعد؛ فإن ذلك يخفف عن الميت، وإنه أهون لقبضه، وأيسر لشأنه. المناسبة: ومناسبةُ هذه السورة لما قبلها من وجوه (٣): ١ - أنه أجمل في السورة السابقة الآيات السماوية والأرضية في قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾، ثم فصلها هنا أتم تفصيل في مواضع منها. ٢ - أنه أشار في سورة يوسف إلى أدلة التوحيد بقوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، ثم فصل الأدلة هنا بإسهاب لم يذكر في سالفتها.

стр. 6106

٣ - أنه ذكر في كلتا السورتين أخبار الماضين مع رسلهم، وأنهم لاقوا منهم ما لاقوا، وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، وكتب الخزي على الكافرين، والنصر لرسله والمؤمنين، وفي ذلك تسلية لرسوله ﷺ وتثبيت لقلبه. ٤ - جاء في آخر السورة السابقة وصف القرآن بقوله: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وفي أول هذه السورة قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. الناسخ والمنسوخ: قال أبو عبد الله محمَّد بن حزم رحمه الله تعالى (١): في سورة الرعد من المنسوخ آيتان فقط؛ آيةٌ مُجمع على نسخها، وآيةٌ مختلف في نسخها. فالمجمع على نسخها قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا﴾ الآية (٤٠) منسوخة بآية السيف. الآية الثانية قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ الآية (٦) منسوخة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية (٤٨، ١١٦) النساء. والظلم هاهنا: الشرك. والله أعلم * * *

стр. 6107

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧) اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه قد مر لك في آخر السورة السابقة وصف القرآن بقوله: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، ووصفه في هذه الآية بقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ...﴾ الآية، كما مرّ آنفًا.

стр. 6108

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) في الآية السالفة أن أكثر الناس لا يؤمنون .. أعقبه بذكر البراهين على التوحيد والمعاد، فاستدل بأحوال السموات وأحوال الشمس والقمر، وأحوال الأرض جبالها وأنهارها، وأزهارها ونخيلها وأعنابها، واختلاف ثمراتها، وتنوع غلاتها على وجود الإله القادر القاهر الذي بيده الخلق والأمر، وبيده الضر والنفع، وبيده الإحياء والإماتة، وهو على كل شيء قدير. وعبارة أبي حيان هنا: ولما ذكر انتفاء الإيمان عن أكثر الناس .. ذكر عقيبه ما يدل على صحة التوحيد والمعاد، وما يجذبهم إلى الإيمان فيما يفكر فيه العاقل، ويشاهده من عظيم القدرة وبديع الصنع والحكمة انتهت. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (٢) إنكارهم لوحدانيته تعالى مع وضوح الأدلة على ذلك من خلق السموات بلا عمد، وتسخير الشمس والقمر يجريان إلى أجل مسمى، ومن مد الأرض وإلقاء الجبال الرواسي فيها إلى آخر ما ذكر من الآيات الدالة على عظيم قدرته وبديع صنعه لمن يتأمل ويتفكر في ذلك الملكوت العظيم .. ذكر هنا إنكارهم للبعث والنشور على وضوح طريقه وسطوع دليله قياسًا على ما يرون ويشاهدون، فإن من قدر على خلق السماوات والأرض وسائر العوالم على هذا النحو الذي يحار الإنسان في الوصول إلى معرفة كنهه .. لا يعجز عن إعادته في خلق جديد، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ﴾. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر إنكار المشركين للبعث واستبعادهم له كما حكى عنهم بقوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي

стр. 6109

خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ إذ رأوا أن أجزاء الحيوان حين تفتتها وتفرقها يختلط بعضها ببعض، وقد تتناثر في بقاع شتى ونواح عدة، وربما أكل بعض الجسم سبع، وبعضه الآخر حدأة، أو نسر، وحينًا يأكل السمك قطعة منه، وأخرى يجري بها الماء وتدفن في بلد آخر .. أزال هذا الاستبعاد بأن الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، والذي يعلم الأجنة في بطون أمهاتها، ويعلم ما هو مشاهد لنا أو غائب عنا يعلم تلك الأجزاء المتناثرة ومواضعها مهما نأى بعضها عن بعض، ويضم متفرقاتها ويعيدها سيرتها الأولى. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى ...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه (١) الطبراني وغيره عن ابن عباس أن أربد بن قيس وعامر بن الطفيل قدما المدينة على رسول الله ﷺ ، فقال عامر: يا محمَّد ما تجعل لي إن أسلمت؟ قال: "لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم"، قال: أتجعل لي الأمر من بعدك؟ قال: "ليس ذلك لك ولا لقومك"، فخرجا، فقال عامر لأربد: إني أشغل منك وجه محمَّد بالحديث، فأضربه بالسيف، فرجعا فقال عامر: يا محمَّد قم معي أكلمك، فقام معه ووقف يكلمه، وسل أربد السيف، فلما وضع يده على قائم سيفه - يبست، والتفت رسول الله ﷺ فرآه، فانصرف عنهما، فخرجا حتى إذا كانا بالرقم .. أرسل الله على أربد صاعقة فقتله، فأنزل الله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ إلى قوله: ﴿شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿المر﴾ اسم للسورة خبر لمحذوف؛ أي: هذه السورة مسماة بهذا الاسم. وقيل (٢): إن هذه الحروف في أوائل السور حروف تنبيه كـ (ألا) ونحوها، وتقرأ بأسمائها، فيقال: ألف لام ميم را، فلا محل لها من الإعراب، كما قيل: إن كل سورة بدئت بهذه الحروف فيها انتصار للقرآن وتبيان أن نزوله من عند الله حق لا شك فيه. وقال ابن عباس (٣): معناه أنا الله أعلم وأرى ما لا يعلم الخلق وما لا

стр. 6110

يرى من فوق العرش إلى ما تحت الثرى، فتكون الألف واللام مختصرتين من أنا الله الدالين على الذات، والميم والراء من أعلم وأرى الدالين على الصفة. وفي "التبيان" الألف: الله، واللام: جبريل، والميم: محمَّد، والراء: الرسل؛ أي: أنا الله الذي أرسل جبريل إلى محمَّد بالقرآن، وإلى الرسل بغيره من الكتب الإلهية والصحف الربانية. ﴿تِلْكَ﴾؛ أي: هذه الآيات المشتملة عليها هذه السورة ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾؛ أي: آيات من الكتاب العزيز والقرآن الكريم البالغ حدّ الكمال المستغني عن الوصف من بين الكتب السماوية، الجدير بأن يختص باسم الكتاب، وأشار إليها بإشارة البعيد تنزيلًا للبعد الرتبي منزلة البعد الحسي. وقوله: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ مبتدأ خبره ﴿الْحَقُّ﴾؛ أي: وكل القرآن الذي أنزله إليك ربك حق لا شك فيه، وهذا كالإجمال بعد التفصيل لما تقدم من وصف السورة بالكمال، فكأنه بعد أن أثبت لهذه السورة الرفعة والكمال عمم هذا الحكم، فأثبته للقرآن جميعه، فلا تختص به سورة دون أخرى. وهذا الأسلوب جارٍ على سنن العرب في تخاطبهم (١)، فقد قالت فاطمة الأنمارية، وقد سئلت عن بنيها، أي بنيك أفضل؟ ربيعة بل عمارة بل قيس بل أنس، ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها، فبعد أن أثبتت الفضل لكل منهم على سبيل التعيين .. أجملت القول، وأثبتت لهم الفضل جميعًا. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بالقرآن، ويجحدون (٢) بحقيقته لإفراطهم في العناد، وخروجهم عن طريق السداد، وعدم تفكرهم في معانيه، وإحاطتهم بما فيه، وكفرهم به لا ينافي كونه حقًّا منزَّلًا من عند الله تعالى، فإن الشمس شمس، وإن لم يرها الضرير، والشهدُ شهدٌ وإن لم يجد طعمه المرور، والتربية إنما تفيد

стр. 6111

المستعد والقابل دون المنكر والباطل. والمعنى (١): ولكن أكثر الناس لا يصدقون بما أنزل عليك من ربك، ولا يقرون بهذا القرآن وما فيه من بديع الأمثال والحكم والأحكام التي تناسب مختلف العصور والأزمان، والتي لو سار الناس على سننها لسعدوا في الدنيا والآخرة، وقد سلك المسلمون سبيلها في عصورهم الأولى، فكانوا خير أمة أخرجت للناس، وامتلكوا أكثر المعمور في ذلك الحين، وثلُّوا عروش كسرى والروم، ودانت لهم الرقاب، وساسوا الملك سياسة شهد لهم أعداؤهم بأنها كانت سياسة عدل ورفق، وأخذٍ على يد الظالم لإنصاف المظلوم، فلله دين رفع من قدر أهله حتى أوصلهم إلى السماكين، ولكن خلف من بعدهم خلف أضاعوا معالمه، وألقوها ورائهم ظهريًّا، فحاق بهم ما كانوا يكسبون، وصاروا أذلة بعد أن كانوا أعزة، ومستعبدين بعد أن كانوا سادة، تابعين بعد أن كانوا متبوعين ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ والآية بمعنى قوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾. ٢ - ثم ذكر أدلة على وجوده ووحدانيته وقدرته؛ بعضها سماوي، وبعضها أرضي، وذكر من الأولى ثلاثة أمور: الأول منها: ما ذكره بقوله: ﴿اللَّهُ﴾؛ أي: الإله الذي يستحق منكم العبادة أيها العباد هو الإله ﴿الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾ السبع؛ أي: خلقها (٢) مرفوعة بينها وبين الأرض مسيرة خمس مئة عام، لا أن تكون موضوعة فرفعها؛ أي: خلقها ورفعها ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ ودعائم وأساطين ﴿تَرَوْنَهَا﴾؛ أي: ترون أيها العباد تلك العمد، فالضمير راجع إلى العمد، والجملة صفة لها؛ أي: خلق السموات حالة كونها خالية من عند مرئية، وانتفاء العمد المرئية يحتمل أن يكون لانتفاء العمد والرؤية جميعًا؛ أي: لا عمد لها فلا ترى، ويحتمل أن يكون لانتفاء الرؤية فقط بأن يكون لها عماد غير مرئي؛ وهو القدرة، فإنه تعالى يمسكها مرفوعة بقدرته، فكأنها عماد لها، أو العدل؛ لأن بالعدل قامت السماوات والأرض؛ أي:

стр. 6112

العلويات والسفليات. ويدل (١) على كون ﴿تَرَوْنَهَا﴾ صفة لـ ﴿عَمَدٍ﴾ قراءة أبيّ شذوذًا: ﴿ترونه﴾ فعاد الضمير مذكرًا على لفظ ﴿عَمَدٍ﴾؛ إذ هو اسم جمع لعمود، وقياس جمعه عمد - بضمتين - كرسول ورسل. ويجوز أن يكون ﴿تَرَوْنَهَا﴾ جملة مستأنفة، فالضمير راجع إلى ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ كأنه قيل: ما الدليل على أن السماوات مرفوعة بغير عمد؟ .. فأجيب أنكم ترونها غير معمودة. والمعنى (٢): أنه تعالى خلق السماوات مرفوعات عن الأرض بغير عمد، بل بأمره وتسخيره على أبعاد لا يدرك مداها، وأنتم ترونها كذلك بلا عمد من تحتها تسندها، ولا علاقة من فوقها تمسكها. وقرأ الجمهور (٣): ﴿عَمَدٍ﴾ - بفتحتين -، وقرأ أبو حيوة ويحيى بن وثاب شذوذًا ﴿عُمُدٍ﴾ بضمتين كقراءة أبيّ. والثاني منها: ما ذكره بقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وكلمة (٤) ﴿ثُمَّ﴾ لبيان تفاضل الخلقين وتفاوتهما، فإن العرش أفضل من السماوات، لا للتراخي في الوقت لتقدمه عليها. وفي "السمين": ثم هنا لمجرد العطف لا للترتيب؛ لأن الاستواء على العرش غير مرتب على رفع السماوات اهـ؛ أي: ثم (٥) استوى على عرشه الذي جعله مركز هذا التدبير العظيم استواء يليق بعظمته وجلاله، يدبر أمر ملكه بما اقتضاه علمه من النظام، وإرادته وحكمته من إحكام وإتقان، والاستواء على العرش صفة ثابتة لله تعالى بلا كيف نعتقدها ولا نعطلها، لا نكيفها ولا نمثلها كما هو مقرر في موضعه من علم الكلام، وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى. والثالث منها: ما ذكره بقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾؛ أي: ذللهما لما يراد منهما من منافع الخلق ومصالح العباد. وقال في "بحر العلوم" معنى

стр. 6113

تسخيرهما: كونهما نافعتين للناس حيث يعلمون عدد السنين والحساب بمسير الشمس والقمر، وينوران لهم في الليل والنهار، ويدرآن الظلمات، ويصلحان الأرض والأبدان والأشجار والنباتات. ﴿كُلٌّ﴾ منهما ﴿يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: يسير إلى وقت معلوم، فاللام بمعنى إلى؛ وهو فناء الدنيا وقيام الساعة التي تكور عندها الشمس ويخسف القمر وتنكدر النجوم وتنتثر. وقيل: المراد بالأجل المسمى: درجاتهما: ومنازلهما التي ينتهيان إليها لا يجاوزانها؛ وهي سنة للشمس وشهر للقمر، فللشمس والقمر منازل كل منهما يغرب في كل ليلة في منزل، ويطلع في منزل آخر حتى ينتهي إلى أقصى المنازل. والمعنى: أي وذلل الشمس والقمر، وجعلهما طائعين لما يراد منهما لمنافع خلقه، فكل منهما يسير في منازله إلى وقت معين، فالشمس تقطع فلكها في سنة، والقمر في شهر لا يختلف جري كل منهما عن النظام الذي قدر له، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ وبقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ كما سبق إيضاح هذا في سورتي "يونس" و"هود". قال بعضهم: وهذا المعنى هو الحق في تفسير الآية كما فسرها به ابن عباس ﵁. وبعد أن ذكر هذه الدلائل قال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾؛ أي: أمر العالم وحده؛ أي: يقضي ، ويدبر أمر ملكوته من الإعطاء والمنع، والإحياء والإماتة، ومغفرة الذنوب وتفريج الكروب، ورفع قوم ووضع آخرين، وغير ذلك؛ أي: إنه تعالى يتصرف في ملكه على أتم الحالات وأكمل الوجوه، فهو يحيي ويميت، ويوجد ويعدم، ويغني ويفقر، وينزل الوحي على من يشاء من عباده، وفي ذلك برهان ساطع على القدرة والرحمة، فإن اختصاص كل شيء بوضع خاص وصفةٍ معنية لا يكون إلا من مدبر اقتضت حكمته أن يكون كذلك، فتدبيره لعالم الأجسام كتدبيره لعالم الأرواح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير، لا يشغله شأن عن شأن، ولا يمنعه تدبير شيء عن تدبير آخر، كما هو شأن المخلوقات في هذه الدنيا، وكذلك هو دليل أيضًا على أنه تعالى متعال في ذاته وصفاته وعلمه وقدرته، لا يشبه شيئًا من مخلوقاته.

стр. 6114

﴿يُفَصِّلُ﴾؛ أي: يبين ﴿الْآيَاتِ﴾؛ أي: البراهين الدالة على وحدته في ألوهيته وربوبيته، وكمال قدرته، وعجيب حكمته التي منها ما تقدم من رفع السماء بغير عمد، وتسخير الشمس والقمر وجريهما إلى أجل مسمى. وقرأ النخعي وأبو رزين وأبان بن تقلب عن قتادة شذوذًا: ﴿ندبر الأمر نفصل﴾ بالنون فيهما. وكذا قال أبو عمرو الداني عن الحسن فيهما، ووافق في ﴿نفصل﴾ بالنون الخفاف وعبد الواحد عن أبي عمرو وهبيرة عن حفص شذوذًا. وقال صاحب "اللوامح": جاء عن الحسن والأعمش شذوذًا: ﴿نفصل﴾ بالنون فقط ذكره في "البحر" أبو حيان. والمعنى (١): أي: يلبس الموجودات ثوب الوجود بنظام محكم دقيق، ويوجد بينها ارتباطات تجعلها كأنها سلسلة متصلة الحلقات لا انفصام لبعضها عن بعض، فالمجموعة الشمسية من الشمس والقمر والكواكب مرتبطة في حركاتها بنظام خاص بوساطة الجاذبية لا تحيد عن سننه، ولا تجد معدلًا عن السير فيه بحسب النهج الذي قدر لها، ولا تزال كذلك حتى ينتهي العالم، فيحدث حينئذ تغيير لأوضاعها واختلال لحركاتها ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾. وهكذا الموجودات الأرضية لها أسباب تعقبها مسببات بإذن الواحد الأحد، فالزارع يحرث أرضه ويلقي فيها الحب، ثم يسقيها ويضع فيها السماد، ويوالي سقيها حتى تؤتي أكلها، فإذا فقدت حلقة من تلك السلسلة .. باء صاحب الزرع بالخسران، فلم يحصل على شيء، أو حصل على القليل التافه الذي لا يعدل التعب والنصب الذي فعله. وقيل (٢): إن الدلائل الدالة على وجود الصانع قسمان: الأول: الموجودات المشاهدة، وهي خلق السماوات والأرض وما فيهما

стр. 6115

من العجائب، وأحوال الشمس والقمر وسائر النجوم، وهذا قد تقدم ذكره. والقسم الثاني: الموجودات الحادثة في العالم، وهي الموت بعد الحياة، والفقر بعد الغنى، والضعف بعد القوة إلى غير ذلك من أحوال هذا العالم، وكل ذلك مما يدل على وجود الصانع وكمال قدرته. ثم أبان أن هذا التدبير للأمور والتفصيل للآيات الدالين على القدرة الكاملة، والحكمة الشاملة جاء لحكمة اقتضتهما: وهي الإيقان بالبعث لفصل القضاء، ومجازاة كل عامل بما عمل ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ فإما نعيم مقيم، وإما عذاب أليم، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾؛ أي: يبين (١) الله الآيات الدالة على وحدانيته وكمال قدرته؛ لكي توقنوا وتصدقوا بلقائه والمصير إليه بعد الموت؛ لأن من قدر على إيجاد الإنسان من العدم قادر على إيجاده وإحيائه بعد موته، واليقين صفة من صفات العلم، وهو فوق المعرفة والدراية، وهو سكون الفهم مع ثبات الحكم وزوال الشك، يقال منه: استيقن وأيقن بمعنى: علم؛ أي (٢): لعلكم عند مشاهدة هذه الآيات توقنون بذلك لا تشكون فيه ولا تمترون في صدقه. قال في "بحر العلوم": ﴿لعل﴾ (٣) مستعار لمعنى الإرادة لتلاحظ معناها ومعنى الترجي، والمعنى عليه؛ أي: يفصل الآيات إرادة أن تتأملوا وتنظروا فيها، فتستدلوا بها عليه وعلى وحدته وقدرته وحكمته، وتتيقنوا أن من قدر على خلق السموات والأرض والعرش، وتسخير الشمس والقمر مع عظمها، وتدبير الأمور كلها .. كان على خلق الإنسان مع مهانته، وعلى إعادته وجزائه أقدر. وخلاصة هذه العبرة (٤): أنه تعالى كما قدر على إبقاء الأجرام الفلكية العظيمة من الشمس والقمر وسائر الكواكب في الجوّ بلا عمد، ودبر الأمور بغاية الإحكام والدقة، ولم يشغله شأن عن شأن .. ليس بالبعيد عليه أن يرد الأرواح

стр. 6116

إلى الأجساد، ويعيد العالم إلى حياة أخرى حياة استقرار وبقاء لا فناء بعدها، وإذا أيقنتم بذلك .. وليتم معرضين عن عبادة الأصنام والأوثان، وأخلصتم العبادة للواحد الديان، وائتمرتم بوعده ووعيده، وصدقتم برسله، وبادرتم إلى اتباع أوامره، وتركتم ما نهى عنه، ففزتم بسعادة الدارين. فائدة: قال بعضهم (١): لا غنية للمؤمن عن ست خصال: أولاها: علم يدله على الآخرة. والثانية: رفيق يعينه على طاعة الله تعالى، ويمنعه عن معصيته. والثالثة: معرفة عدوه والحذر منه. والرابعة: عبرة يعتبر بها في آيات الله، وفي اختلاف الليل والنهار. والخامسة: إنصاف الخلق؛ لئلا يكونوا له يوم القيامة خصماء. والسادسة: الاستعداد للموت ولقاء الرب قبل نزوله كيلا يكون مفتضحًا يوم القيامة. وبعد أن ذكر الدلائل السماوية على وحدانيته تعالى وكمال قدرته .. أردفها بالأدلة الأرضية، وذكر منها عدة أمور: ٣ - الأول منها: ما ذكره بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾؛ أي: بسطها طولًا وعرضًا، ووسعها؛ أي: جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض؛ لتثبت عليها الأقدام، ويتقلب عليها الحيوان، وينتفع الناس بخيراتها زرعها وضرعها، وبما في باطنها من معادن جامدة وسائلة، ويسيرون في أكنافها يبتغون رزق ربهم منها. والمعنى: أنشأها ممدودة بسيطة، لا أنها كانت مجموعة في مكان فبسطها، وهذا يدل على كونها مسطحة كالأكف، وعند أصحاب الهيئة أن الأرض كرة لا شك في كرويتها عندهم لما عندهم من الأدلة على ذلك، ويجمع بينها بأن يقال:

стр. 6117

إن كونها بسيطة لا ينافي كرويتها؛ لأن جميع الأرض جسم عظيم، والكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها يشاهد كالسطح، ومع ذلك فالله تعالى قد أخبر أنه مد الأرض، وأنه دحاها وبسطها، وكل ذلك يدل على التسطيح، والله تعالى أصدق قيلًا وأبين دليلًا من أصحاب الهيئة. والثاني منها: ما ذكره بقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض ﴿رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثابتة، يقال: رسا الشيء يرسو إذا ثبت، وأرساه غيره أثبته، جمع راسية، والتاء فيه للمبالغة كما في علامة؛ إذ لا يقال: جبال راسية والمعنى (١): وجعل فيها جبالًا ثابتةً أوتادًا للأرض؛ لئلا تضطرب فتستقر ويستقر عليها، وكان اضطرابها من عظمة الله تعالى. قال ابن عباس ﵁ كان أبو قبيس أول جبل وضع على الأرض. وقال في "القاموس": أبو قبيس جبل بمكة سمي برجل حداد من مذحج كمجلس؛ لأنه أول من بنى فيه، وكان يسمى الأمين؛ لأن الركن كان مستودعًا فيه. اهـ. قال في "إنسان العيون": وكان أول جبل وضع عليها أبا قبيس، وحينئذ كان ينبغي أن يسمى أبا الجبال، وأن يكون أفضلها، مع أن أفضلها كما قال السيوطي: أُحد؛ لقوله ﵇: "أُحُد يحبنا ونحبه" وهو بضمتين جبل بالمدينة. والثالث منها: ما ذكره بقوله: ﴿وَأَنْهَارًا﴾؛ أي: وجعل فيها أنهارًا ومياهًا جاريةً لمنافع الإنسان والحيوان، فَيسقي الإنسان ما جعل الله فيها من الثمرات المختلفة الألوان والأشكال، ويجعلها لنفسه طعامًا وفاكهةً، ويكون منها مادة حياته في طعامه وشرابه وغذائه. وإنما ضمها (٢) إلى الجبال، وعلق بها فعلًا واحدًا من حيث إن الجبال أسباب لتولدها، وذلك أن الحجر جسم صلب، فإذا تصاعدت الأبخرة من قعر الأرض ووصلت إلى الجبل .. احتبست هناك، فلا تزال تتزاحم وتتضاعف حتى تحصل بسبب الجبل مياه عظيمة، ثم إنها لكثرتها وقوتها تنقب الجبل، وتخرج وتسيل على وجه الأرض. ومن الأنهار العظيمة

стр. 6118

الفرات؛ وهو نهر الكوفة، ودجلة؛ وهو نهر بغداد، وسيحان - بفتح السين المهملة -؛ وهو نهر المصيصة، وسيحون؛ وهو نهر بالهند، وجيحان - بفتح الجيم -؛ وهو نهر أذنة في بلاد الأرمن، وجيحون؛ وهو نهر بلخ، والنيل؛ وهو نهر مصر. والرابع منها: ما ذكره بقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ متعلق بقوله: ﴿جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ اثنين تأكيد للزوجين، كما هو دأب العرب في كلامهم؛ أي: وجعل في الأرض من كل أنواع الثمرات زوجين زوجين؛ أي: صنفين صنفين كالحلو والحامض، والأسود والأبيض، والأصفر والأحمر، والصغير والكبير. أو المعنى (١): جعل من كل أصناف الثمرات زوجين اثنين، ذكرًا وأنثى حين تكونها، فقد أثبت العلم حديثًا أن الشجر والزرع لا يولدان الثمر والحب إلا من اثنين: ذكر وأنثى، وعضو التذكير قد يكون مع عضو التأنيث في شجرة واحدة، كأغلب الأشجار؛ وقد يكون عضو التذكير في شجرة، وعضو التأنيث في شجرة أخرى، كالنخل، وما كان العضوان فيه في شجرة واحدة؛ إما أن يكونا معًا في زهرة واحدة كالقطن، وإما أن يكون كل منهما في زهرة منفردة كالقرع مثلًا. وعبارة "الشوكاني" هنا: أي: جعل كل نوع من أنواع ثمرات الدنيا صنفين؛ إما في اللونية كالبياض والسواد ونحوهما، أو في الطعمية كالحلو والحامض ونحوهما، أو في القدر كالصغر والكبر، أو في الكيفية كالحر والبرد. قال الفراء: يعني بالزوجين: الذكر والأنثى، والأول أولى. اهـ. والخامس منها: ما ذكره بقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ قرأ الجمهور: ﴿يُغْشِي﴾ من أغشى الرباعي. وقرأ حمزة (٢) والكسائي وأبو بكر: ﴿يغشِّي﴾ - بالتشديد - من غشى المضعف؛ أي: يجعل الليل غاشيًا وساترًا يغشى ويستر بظلمته ضوء النهار، فيذهب بظلمته ضوء النهار؛ أي: يجعل النهار مستورًا بالليل ويغطيه بظلمته، ولم يذكر العكس اكتفاء بأحد الضدين.

стр. 6119

والمعنى: أي يلبس (١) النهار ظلمة الليل، فيصير الجو مظلمًا بعد أن كان مضيئًا، فكأنه وضع عليه لباسًا من الظلمة، وكذلك يلبس الليل ضياء النهار، فيصير الجو مضيئًا بعد أن كان مظلمًا، وكل هذا لتتم المنافع للناس بالسكون والاستقرار، أو بالبحث على المعايش والأرزاق كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ وقال أيضًا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال البيضاوي: يلبسه مكانه، فيصير الجو مظلمًا بعدما كان مضيئًا يعني: أن الإغشاء: إلباس الشيء الشيء، ولما كان إلباس الليل النهار وتغطية النهار به غير معقول؛ لأنهما متضادان لا يجتمعان، واللباس لابدّ أن يجتمع مع اللابس .. قدر المضاف وهو مكانه، ومكان النهار هو الجو، وهو يلبس ظلمة الليل، ففيه استعارة تبعية كما سيأتي في مبحث البلاغة. وبعد أن ذكر هذه الأدلة التي تشاهد في رأي العين في كل صباح ومساء، وفي كل حين ووقت .. ذكر أن هذه الأدلة لا يلتفت إليها ولا يعتبر بها إلا من له فكر يتدبر به، وعقل يهتدي به إلى وجه الصواب، وينتقل من النظر في الأسباب إلى مسبباتها، فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: إن فيما ذكر من عجائب خلق الله تعالى، وعظيم قدرته التي خلق بها هذه الأشياء العظيمة ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ أي: لدلائل وحججًا ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي: لقومٍ يتفكرون فيها ويتأملون، ويعتبرون بها، فيعلموا أن الخالق لذلك هو القاهر فوق العباد، وهو ذو الإرادة المطلقة والقدرة الشاملة، فلا يعجزه إحياء من هلك من خلقه، ولا إعادة من فني منهم، ولا ابتداع ما شاء ابتداعه، ومن ثم لا تجوز العبادة إلا له تعالى، ولا التذلل والخضوع إلا لسلطانه، ولا ينبغي أن تكون لصنم أو وثن أو حجر أو شجر أو ملك أو نبي أو غير أولئك ممن سلب النفع والضرّ، بل لا يستطيع صرف الأذى عن نفسه ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ

стр. 6120

شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾، وقد روي: تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله. ومعنى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: إن (١) في كل من الأرض والجبال والأنهار والثمار والملوين (٢) ﴿لَآيَاتٍ﴾ تدل على الصانع وقدرته وحكمته وتدبيره. أما في الأرض فمن حيث هي ممدودة مدحوة كالبساط لما فوقها، وفيها المسالك والفجاج للماشين في مناكبها، وغير ذلك مما فيها من العيون والمعادن والدواب مثلًا. وأما الجبال فمن جهة رسوها وعلوها، وصلابتها وثقلها، وقد أرسيت الأرض بها كما يرسى البيت بالأوتاد. وأما الأنهار فحصولها في بعض جوانب الجبال دون بعض لا بد أن يستند إلى الفاعل المختار الحكيم. وأما الثمار فالحبة إذا وقعت في الأرض وأثرت فيها نداوة الأرض .. ربت وكبرت، وبسبب ذلك ينشق أعلاها وأسفلها، فتخرج من الشق الأعلى الشجرة الصاعدة، وتخرج من الشق الأسفل العروق الغائصة في أسفل الأرض. وهذا من العجائب؛ لأن طبيعة تلك الحبة واحدة، وتأثير الطبائع والأفلاك والكواكب فيها واحد، ثم إنه خرج من أحد جانبي تلك الحبة جرمٌ صاعد إلى الهواء ومن الجانب الآخر منها جرم غائص في الأرض، ومن المحال أن يتولد من طبيعة واحدة طبيعتان متضادتان، فعلمنا أن ذلك إنما كان بسبب تدبير المدبر الحكيم، ثم إن الشجرة النابتة من تلك الحبة بعضها يكون خشبًا، وبعضها يكون نورة، وبعضها يكون ثمرة، ثم إن تلك الثمرة أيضًا يحصل فيها أجسام مختلفة الطبائع. فالجوز له أربعة أنواع من القشور: قشرة الأعلى، وتحته القشرة الخشبية، وتحته القشرة المحيطة باللب، وتحت تلك القشرة قشرة أخرى في غاية الرقة تمتاز عما فوقها حال كون الجوز واللوز رطبًا، وأيضًا قد يحصل في الثمرة الواحدة الطبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع تساوي تأثيرات الطبائع، وتأثيرات الأنجم والأفلاك لا بد وأن يكون لأجل تدبير الحكيم القدير. وأما الملوان فلا يخفى ما في اختلافهما ووجودهما من الآية؛ أي: الدلالة الواضحة ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيستدلون، والتفكر: تصرف القلب في طلب معاني الأشياء، وكما أن في العالم الكبير أرضًا وجبالًا ومعادن

стр. 6121

وبحارًا وأنهارًا، وجداول وسواقي، فكذلك في الإنسان الذي هو العالم الصغير مثله، فجسده كالأرض، وعظامه كالجبال، ومخه كالمعادن، وجوفه كالبحر، وأمعاؤه كالأنهار، وعروقه كالجداول، وشحمه كالطين، وشعره كالنبات، ومنبت الشعر كالتربة الطيبة، ورأسه كالعمران، وظهره كالمفاوز، ووحشته كالخراب، وتنفسه كالرياح، وكلامه كالرعد، وأصواته كالصواعق، وبكاؤه كالمطر، وسروره كضوء النهار، وحزنه كظلمة الليل، ونومه كالموت، ويقظته كالحياة، وولادته كبدء سفره، وأيام صباه كالربيع، وشبابه كالصيف، وكهولته كالخريف، وشيخوخته كالشتاء، وموته كانقضاء مدة سفره، والسنون من عمره كالبلدان، والشهور كالمنازل، والأسابيع كالفراسخ، وأيامه كالأميال، وأنفاسه كالخطى، فكلما تنفس نفسًا كان يخطو خطوةً إلى أجله، فلابد من التفكر في هذه الأمور. ٤ - والسادس منها: ما ذكره بقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ خبر مقدم لقوله. ﴿قِطَعٌ﴾ جمع قطعة، وهي الجزء؛ أي: بقاع مختلفة في الأوصاف ﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾؛ أي (١): متقاربات متلاصقات بعضها طيبة تنبت شيئًا، وبعضها سبخة لا تنبت، وبعضها قليلة الريع، وبعضها صلبة، وبعضها كثيرة الريع، وبعضها رخوة، وبعضها يصلح للزرع دون الشجر، وبعضها بالعكس، ولولا تخصيص قادرٍ حكيمٍ موقعٍ لأفعاله على وجهٍ دون وجه .. لم يكن كذلك لاشتراك تلك القطع وانتظامها في جنس الأرضية. والمعنى؛ أي (٢): وفي الأرض بقاع متجاورات متدانيات يقرب بعضها من بعض وتختلف بالتفاضل مع من تجاورها، فمن سبخة لا تنبت شيئًا إلى أرض جيدة التربة تجاورها وتنبت أفضل الثمرات ومختلف النبات، ومن صالحه للزرع دون الشجر إلى أخرى مجاورة لها تصلح للشجر دون الزرع إلى متدانية لهما تصلح لجميع ذلك. ومنها الرخوة التي لا تكاد تتماسك، وهي تجاور الصلبة التي لا تفتتها المعاول وأدوات التدمير، وكلها من صنع الله وعظيم تدبيره في خلقه. قيل: وفي الكلام حذف (٣)؛ أي: قطع متجاورات وغير متجاورات كما في

стр. 6122

قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾؛ أي: وتقيكم البرد قيل: والمتجاورات المدن وما كان عامرًا، وغير المتجاورات الصحارى وما كان غير عامر. ﴿وَجَنَّاتٌ﴾. قرأ الجمهور بالرفع عطفًا على ﴿قِطَعٌ﴾. وقرأ الحسن شذوذًا بالنصب على إضمار فعل؛ أي: وجعل فيها جنات. وقيل: عطفًا على ﴿رَوَاسِيَ﴾؛ أي: وفي الأرض بساتين ﴿مِنْ أَعْنَابٍ﴾؛ أي: من أشجار الكرم جمع عنب. وسمت (١) العرب العنب الكرم؛ لكرم ثمرته وجودتها وكثرة حمله وتذلُّله للقطف ليس بذي شوك ولا بشاق المصعد، ويؤكل غضًّا ويابسًا. وأصل الكرم: الكثرة، والجمع للخير، وبه سمي الرجل كرمًا لكثرة خصال الخير فيه. واعلم: أن (٢) قلب المؤمن لما فيه من نور الإيمان أولى بهذا الاسم، ولذا قال ﵇: "لا يقولن أحدكم الكرم، فإن الكرم قلب المؤمن". قال ابن الملك: سبب النهي: أن العرب كانوا يسمون العنب وشجرته كرمًا؛ لأن الخمر المتخذة منه تحمل شاربها على الكرم، فكره النبي ﷺ هذه التسمية؛ لئلا يتذاكروا به الخمر، ويدعوهم حسن الاسم إلى شربها، وجعل المؤمن وقلبه أحق أن يتصف به لطيبه وذكائه، والغرض منه تحريض المؤمن على التقوى، وكونه أهلًا لهذه التسمية. ﴿وَزَرْعٌ﴾ بالرفع عطف على ﴿جَنَّاتٌ﴾ وتوحيده؛ لأنه مصدر في أصله. وذكر سبحانه (٣) الزرع بين الأعناب والنخيل؛ لأنه في الخارج يكون كذلك كثيرًا، ومثله في قوله سبحانه: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾؛ أي: وفي الأرض زرع من كل نوع وصنف من الحبوب المختلفة التي تكون غذاء للإنسان والحيوان. ﴿و﴾ فيها ﴿نخيل صنوان﴾ جمع صنو؛ أي: نخيل مجتمعات يجمعها أصل واحد، وتتشعب فروعها منه؛ أي: تثبت من أصلٍ واحد ثلاث نخلات فأكثر؛ أي: مجتمع أصول الأربعة في أصل واحد. قال أبو عبيدة: صنوان جمع صنو، وهو أن يكون الأصل واحدًا، ثم يتفرع فيصير نخيلًا، ثم يحمل عليه، وهذا قول جميع أهل اللغة والتفسير. ﴿و﴾

стр. 6123

نخيل ﴿غير صنوان﴾؛ أي: غير مجتمعات في أصل واحد؛ أي: متفرقات مختلفة الأصول. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص (١): ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ برفع هذه الأربع عطفًا على ﴿جنات﴾. وقرأ الباقون بالجر عطفًا على ﴿أَعْنَابٍ﴾. وقرأ الجمهور: ﴿صِنْوَانٌ﴾ - بكسر الصاد فيهما -. وقرأ مجاهد والسلمي وزيد بن علي شذوذًا بضمها. وقرأ الحسن وقتادة وهو شاذ أيضًا بفتحها، وبالفتح هو اسم للجمع كالسعدان، ولا فرق في تثنيته وجمعه إلا بكسر النون في المثنى وبما يقتضيه الإعراب في الجمع. ﴿يُسْقَى﴾ كل واحد مما ذكر من القطع والجنات والزرع والنخيل ﴿بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ في الطبع، لا اختلاف في طبعه سواء كان السقي بماء الأمطار أو بماء الأنهار. والماء (٢) ضابطه: هو جسم رقيق مائع به حياة كل نام. وقيل في حده: هو جوهر سيال به قوام الأرواح، ومعنى ﴿بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾: ماء مطر، أو ماء بحر، أو ماء نهر، أو ماء عين، أو ماء نبع لا يسيل على وجه الأرض. ﴿و﴾ مع وجود أسباب التشابه ﴿نفضل﴾ بمحض قدرتنا ﴿بَعْضَهَا﴾؛ أي: بعضًا منها ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ آخر ﴿فِي الْأُكُلِ﴾؛ أي: في الثمر المأكول منها، فيكون (٣) طعم بعضها حلوًا، والآخر حامضًا، وهذا في غاية الجودة، وهذا ليس بجيد، وهذا فائق في حسنه، وهذا غير فائق، مما يقطع من تفكر واعتبر ونظر نظر العقلاء أن السبب المقتضي لاختلافها ليس إلا قدرة الصانع الحكيم جلّ سلطانه وتعالى شأنه؛ لأن تأثير الاختلاف فيما يخرج منها ويحصل من ثمراتها لا يكون في نظر العقلاء إلا لسببين؛ إما اختلاف المكان الذي هو المنبت، أو اختلاف الماء الذي تُسقى به، فإذا كان المكان متجاورًا وقطع الأرض متلاصقة، والماء الذي تسقى به واحدًا .. لم يبق سبب للاختلاف في نظر العقل إلا تلك القدرة الباهرة والصنع العجيب، ولذلك قال الله : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المفضل من أحوال القطع والجنات ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ أي: لدلالات كثيرة ظاهرة ﴿لِقَوْمٍ

стр. 6124

يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: يستعملون عقولهم في التدبر، وخص التفضيل في الأكل، وإن كانت متفاضلة في غيره؛ لأنه غالب وجوه الانتفاع من الثمرات، ألا ترى إلى تقاربها في الأشكال والألوان والروائح والمنافع، وما يجري مجرى ذلك؛ أي: إن (١) فيما فضل من الأحوال السالفة لآيات باهرة لقوم يعملون على قضية العقل، فمن ير خروج الثمار المختلفة الأشكال والألوان والطعوم والروائح في تلك البقاع المتلاصقة مع أنها تسقى بماء واحد، وتتشابه وسائل نموها .. يجزم حتمًا بأن لذلك صانعًا حكيمًا قادرًا مدبرًا لا يعجزه شيء، وكذلك يعتقد بأن من قدر على إنشاء ذلك؛ فهو قادر على إعادة ما بدأه أول مرة، بل هو أهون منه لدى النظر والاعتبار. وقرأ عاصم وابن عامر وزيد بن علي ويعقوب (٢): ﴿يُسْقَى﴾ - بالياء -؛ أي: يسقى ما ذكر، وباقي العشرة بالتاء، وهي قراءة الحسن وأبي جعفر وأهل مكة، أنثوا لعود الضمير على لفظ ما تقدم، ولقوله: ﴿وَنُفَضِّلُ﴾ بالنون. وحمزة والكسائي بالياء وابن محيصن بالياء في ﴿يُسْقَى﴾ وفي ﴿نُفَضِّلُ﴾. وقرأ يحيى بن يعمر وأبو حيوة والحلبي عن عبد الوارث شذوذًا: ﴿ويفضل﴾ - بالياء وفتح الضاد - ﴿بعضها﴾ - بالرفع -. قال أبو حاتم: وجدته كذلك في مصحف يحيى بن يعمر، وهو أول من نقط المصاحف، وتقدم في البقرة خلاف القراء في ضم الكاف من الأكل وسكونها، و ﴿الْأُكُلِ﴾ - بضم الهمزة - المأكول، كالنقض بمعنى المنقوض، وبفتحها المصدر. ٥ - ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ بتحقيق الباء وإدغامها في الفاء قراءاتان سبعيتان كما في "الخطيب". والعجب: تغير النفس برؤية المستبعد في العادة. وقال القرطبي: العجب: تغير النفس بما تخفي أسبابه، وذلك في حق الله تعالى محال، وإنما ذكر ذلك ليتعجب منه نبيه والمؤمنون. اهـ. "كرخي"؛ أي: وإن تعجب يا محمَّد من تكذيبهم لك بعدما كنت عندهم الصادق الأمين ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾؛ أي: فأعجب منه تكذيبهم بالبعث وقولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾؛ أي: أنبعث إذا كنا ترابا؟ ﴿أَإِنَّا

стр. 6125

لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ أي: أنعاد خلقًا جديدًا بعد الموت كما كنا قبله؟ والاستفهام في الموضعين للإنكار. وقيل المعنى (١): أي إن عجبت يا محمَّد إنكارهم الإعادة مع إقرارهم بأني خالق السموات والأرض والثمار المختلفة من الأرض الواحدة، فقولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ عجب؛ أي: عجب يعجب منه الخلق؛ لأن الإعادة في معنى الابتداء. وقيل المعنى (٢): أي وإن تعجب يا محمَّد من عبادتهم ما لا يضر ولا ينفع من الأصنام والأوثان بعد أن قامت الأدلة على التوحيد، فعجب قولهم؛ أي: فأعجب منه تكذيبهم بالبعث واستبعادهم إياه بقولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ أي: أئذا فنينا وبلينا نعاد بعد العدم، مع أنهم لا ينكرون قدرته تعالى على إيجادهم بدأة ذي بدء، وتصويرهم في الأرحام، وتدبير شوؤنهم حالًا بعد حال. وقد تكرر هذا الاستفهام الإنكاري في أحد عشر موضعًا في تسع سور من القرآن، في الرعد والإسراء في موضعين، والمؤمنون والنحل والعنكبوت والسجدة والصافات والواقعة والنازعات، وكلها تتضمن كمال الإنكار وعظيم الاستعباد. وفي "الفتوحات": يجوز (٣) في هذه الجملة الاستفهامية وجهان: أحدهما: وهو الظاهر: أنها منصوبة المحل لحكايتها بالقول. والثاني: أنها في محل رفع بدلًا من قولهم، وبه بدأ الزمخشري، وعلى هذا فقولهم بمعنى مقولهم، ويكون بدل كل من كل؛ لأن هذا هو نفس قولهم: و ﴿إِذَا﴾ هنا ظرف محض، وليس فيها معنى الشرط، والعامل فيها مقدر يفسره: ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ تقديره: أئذا كنا ترابًا نبعث أو نحشر، ولا يعمل فيها ﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ لأن ما بعد ﴿إن﴾ وكذا ما بعد أداة الاستفهام لا يعمل فيما قبلها، ولا يعمل فيها أيضًا ﴿كُنَّا﴾؛ لإضافتها إليها، والتقدير: أنبعث في خلق جديد وقت كوننا ترابًا.

стр. 6126

واختلف القراء في هذا الاستفهام المكرر اختلافًا منتشرًا. فقرأ (١) ابن كثير وأبو عمرو: ﴿آيذا كنا ترابًا آينا﴾ جميعًا بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد الهمزة ثم يأتي بالياء ساكنة وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مد. وقرأ نافع: ﴿آيذا﴾ مثل أبي عمرو واختلف عنه في المد، وقرأ: ﴿إنا لفي خلق جديد﴾ مكسورة على الخبر، وقرأ عاصم وحمزة: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ ﴿أَإِنَّا﴾ - بهمزتين فيهما -، وقرأ ابن عامر: ﴿إذا كنا ترابًا﴾ مكسورة الألف من غير استفهام ﴿أَإِنَّا﴾ يهمز ثم يمد ثم يهمز على وزن عاعنا. وروي عن ابن عامر شاذًا أيضًا: ﴿أَإِذَا﴾ بهمزتين لا ألف بينهما. ثم الوجه (٢) في قراءة من استفهم في الأول والثاني قصد المبالغة في الإنكار، فأتى به في الجملة الأولى، وأعاده في الثانية تأكيدًا له، والوجه في قراءة من أتى به مرة واحدة حصول المقصود به؛ لأن كل جملة مرتبطة بالأخرى، فإذا أنكر في إحداهما حصل الإنكار في الأخرى. اهـ. "سمين". ثم وصف أولئك المنكرين للبعث بأوصاف ثلاثة، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ المنكرون لقدرته تعالى على البعث بعدما عاينوا الآيات الباهرة وكذبوا رسوله هم ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾؛ أي: تمادوا على عنادهم وكفرهم بربهم، فإن إنكار قدرته تعالى إنكار له؛ لأن الإله لا يكون عاجزًا؛ أي: هم المتمادون في الكفر الكاملون فيه ﴿وَأُولَئِكَ﴾ الكفار ﴿الْأَغْلَالُ﴾ كائنة ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ يوم القيامة عند العرض للحساب، توضع الأغلال في أعناقهم كما يقاد الأسير الذليل بالغل، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾. والأغلال: جمع غل؛ وهو طوق تشد به اليد إلى العنق يغلون بها يوم القيامة. وقيل: الأغلال أعمالهم السيئة التي هي لازمة لهم لزوم الأطواق للأعناق، والمعنى عليه: وأولئك مقيدون بسلاسل وأغلال من الضلال تصدهم عن النظر في الحق، واتباع طريق الهدى، والبعد عن الهوى كما قال:

стр. 6127

كَيْفَ الرَّشَادُ وَقَدْ خُلِّفْتُ فِيْ نَفَرٍ ... لَهُمْ عَنِ الرُّشْدِ أَغْلَالٌ وَأقْيَادُ ﴿وَأُولَئِكَ﴾ المقيدون بالأغلال في أعناقهم هم ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ أي: سكان النار دار الذل والهوان ملازموها ﴿هُمْ فِيهَا﴾؛ أي: في النار ﴿خَالِدُونَ﴾؛ أي: ماكثون فيها مكثًا مؤبدًا لا يتحولون عنها ولا يبرحون بها كفاء ما سولت لهم أنفسهم من سوء الأعمال، وما اجترحوا من الموبقات والشرور والآثام. وتوسيط (١) ضمير الفصل وتقديم ﴿فِيهَا﴾ يفيد الحصر؛ أي: هم الموصوفون بالخلود في النار لا غيرهم، وإن خلودهم إنما هو في النار لا في غيرها، فثبت أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار. ٦ - وبعد أن ذكر تكذيبهم للرسول ﷺ في إنكار عذاب يوم القيامة .. ذكر جحودهم لعذاب الدنيا الذي أوعدهم به، وكانوا كلما هددهم بالعذاب قالوا له: جئنا به وائتنا وطلبوا منه إنزاله، وهذا ما أشار إليه بقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ الاستعجال (٢): طلب تعجيل الأمر قبل مجيء وقته؛ أي: يطلب مشركو مكة منك يا محمَّد العجلة ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾ والعقوبة التي هددتهم بها إن لم يؤمنوا، وسميت العقوبة سيئة؛ لأنها تسوؤهم ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ متعلق بالاستعجال؛ أي: قبل العافية والإحسان إليهم بالإمهال؛ أي: يطلبون منك الإتيان بالعقوبة المهلكة لهم قبل انقضاء الزمان المقدر لعافيتهم وسلامتهم. وذلك أنه ﷺ كان يهدد مشركي مكة تارة بعذاب يوم القيامة، وتارة بعذاب الدنيا، وكلما هددهم بعذاب القيامة أنكروا القيامة والبعث، وكلما هددهم بعذاب الدنيا استعجلوه، وقالوا: متى تجيئنا به، فيطلبون العقوبة والعذاب والشر بدل العافية والرحمة والخير استهزاء منهم، وإظهارًا أن الذي يقوله لا أصل له، ولذا قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والله تعالى صرف عن هذه الأمة عقوبة الاستئصال، وأخر

стр. 6128

تعذيب المكذبين إلى يوم القيامة، فذلك التأخير هو الحسنة في حقهم، فهؤلاء طلبوا منه ﵇ نزول تلك العقوبة، ولم يرضوا بما هو حسنة في حقهم. واعلم: أن (١) استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة هو استعجالهم بالكفر والمعاصي قبل الإيمان والطاعات، فإن منشأ كل سعادة ورحمة هو الإيمان الكامل والعمل الصالح، ومنشأ كل شقاوة وعذاب هو الكفر والشرك والعمل الفاسد. وجملة قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ﴾ حال من واو ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ﴾؛ أي: يستعجلونك بالعقوبة حالة كونهم قد خلت ومضت ﴿مِنْ قَبْلِهِمُ﴾؛ أي: من قبل هؤلاء المشركين ﴿الْمَثُلَاتُ﴾؛ أي: عقوبات أمثالهم من المكذبين لرسلهم كالخسف والمسخ والرجفة، فما لهم لم يعتبروا بها، فلا يستهزئوا، جمع مَثُلَه بفتح الثاء وضمها؛ وهي العقوبة لأنها مثل المعاقب عليه، وهو الجريمة. وفي "التبيان": ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾؛ أي: العقوبات المهلكات يماثل بعضها بعضًا. والمعنى: أي ويستعجلونك بذلك مستهزئين بإنذارك منكرين وقوع ما تنذرهم به، والحال أنه قد مضت العقوبات الفاضحة النازلة على أمثالهم من المكذبين المستهزئين، فمن أمة مسخت قردة، وأخرى أهلكت بالرجفة، وثالثة أهلكت بالخسف إلى نحو أولئك. وقرأ الجمهور (٢): ﴿الْمَثُلَاتُ﴾ - بفتح الميم وضم الثاء - ومجاهد والأعمش بفتحهما. وقرأ عيسى بن عمير في رواية الأعمش وأبو بكر بضمهما، وابن وثاب بضم الميم وسكون الثاء، وابن مصرف بفتح الميم وسكون الثاء، وكل هذه القراءة عدا قراءة الجمهور شاذ. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمَّد ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: لذو إمهال لهم وتأخير للعذاب عنهم حالة كونهم ﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾؛ أي: ظالمين أنفسهم بالمعاصي، أو المعنى: وإن ربك لذو عفو وصفح عن ذنوب من تاب من عباده، فتارك فضيحته بها في يوم القيامة، ولولا حلمه وعفوه لعاجلهم بالعقوبة حين اكتسابها كما قال:

стр. 6129

﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فيعاقب من يشاء منهم حين يشاء، فتأخير ما استعجلوه ليس للإهمال. أي: وإن ربك (١) يا محمَّد ليعاقب في الآخرة عقابًا شديدًا لمن يجترح السيئات، وهو متمادٍ في غوايته سادر (٢) في آثامه، وقد يعجل له قسطًا منه في الدنيا، ويكون جزاءً له على ما سولت له نفسه، كما يشاهد لدى المدمنين على الخمور من اعتلال وضعف، ومرض مزمن، وفقر مدقع، وذل وهوان بين الناس. وفي المقامرين من خراب عاجل وإفلاس في المال والذل بعد العز. وربما اقتضت حكمته أن يؤجل له ذلك إلى يوم مشهود يوم يقوم الناس لرب العالمين، فيستوفي قطه هناك نارًا تكوى بها الجباه والجنوب، وتبدل الجلود غير الجلود، وقد قرن المغفرة بالعقاب في مواضع كثيرة من الكتاب الكريم؛ ليعتدل الرَّجاء والخوف كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الخوف والرجاء. روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ...﴾ إلخ. قال رسول الله ﷺ : "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدًا العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل واحد". ٧ - وبعد (٣) أن ذكر طعنهم في نبوة محمَّد ﷺ لقوله بالحشر والمعاد، ثم طعنهم فيه؛ لأنه أنذرهم بحلول عذاب الاستئصال .. ذكر أنهم طعنوا فيه؛ لأنه لم يأت لهم بمعجزة مبينة كما فعل الرسل من قبله، فقال: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مكة تعنتًا وجحودًا ﴿لَوْلَا﴾؛ أي: هلَّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على محمَّد ﷺ ﴿آيَةٌ﴾؛ أي: علامة دالة على صدقه ونبوته ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ إن كان صادقًا فيما

стр. 6130

يدعيه من النبوة كعصا موسى وناقة صالح وإحياء عيسى للموتى، وذلك أنهم لم يقتنعوا بما رأوا من الآيات التي جاء بها رسول الله ﷺ . و ﴿لَوْلَا﴾ (١) تحضيضية بمعنى هلا، والتنوين في ﴿آيَةٌ﴾ للتعظيم؛ أي: آية جلية يستعظمها من يدركها في بادئ نظره. والمعنى: ويقول الذين كفروا تعنتًا وعنادًا: هلا يأتينا بآية من ربه كعصا موسى وناقة صالح، فيجعل لنا الصفا ذهبًا، ويزيح عنا الجبال، ويجعل مكانها مروجًا وأنهارًا، وقد طلبوا ذلك ظنًّا منهم أن القرآن كتاب كسائر الكتب لا يدخل في باب المعجزات التي أتى بها الرسل السالفون ﵈. وقد رد الله عليهم الشبهة بقوله في آية أخرى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾؛ أي: إن سنتنا أن الآيات إن لم يؤمن بها من طلبوا بها أهلكناهم بذنوبهم، ولم نشأ أن يحل بكم عذاب الاستئصال. ولما كان (٢) النبي ﷺ راغبًا في إجابة مقترحاتهم حُبًّا في إيمانهم .. بين وظيفته التي أرسل لأجلها، فقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ يا محمَّد ﴿مُنْذِرٌ﴾؛ أي: رسول مرسل للإنذار والتخويف من سوء عاقبة ما يأتون ويذرون، ولا حاجة إلى إلزامهم بإتيان ما اقترحوا من الآيات، ولو أجيبوا إلى ما اقترحوا لأدى ذلك إلى إتيان ما لا نهاية له؛ لأنه كلما أتى بمعجزة طلبها واحد منهم .. جاء آخر منهم، فطلب منه معجزة أخرى، وذلك يوجب سقوط دعوة الأنبياء. والمعنى: أن (٣) وظيفتك التي بعثت لها هي الإنذار من سوء مغبة - عاقبة - ما نهى الله عنه كدأب من قبلك من الرسل، وليس عليك الإتيان بالآيات التي يقترحونها ابتغاء هدايتهم، فأمر ذلك إلى خالقهم وهاديهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾.
следующие страницы →