واختلف القراء في هذا الاستفهام المكرر اختلافًا منتشرًا. فقرأ (١) ابن كثير وأبو عمرو: ﴿آيذا كنا ترابًا آينا﴾ جميعًا بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد الهمزة ثم يأتي بالياء ساكنة وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مد. وقرأ نافع: ﴿آيذا﴾ مثل أبي عمرو واختلف عنه في المد، وقرأ: ﴿إنا لفي خلق جديد﴾ مكسورة على الخبر، وقرأ عاصم وحمزة: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ ﴿أَإِنَّا﴾ - بهمزتين فيهما -، وقرأ ابن عامر: ﴿إذا كنا ترابًا﴾ مكسورة الألف من غير استفهام ﴿أَإِنَّا﴾ يهمز ثم يمد ثم يهمز على وزن عاعنا. وروي عن ابن عامر شاذًا أيضًا: ﴿أَإِذَا﴾ بهمزتين لا ألف بينهما. ثم الوجه (٢) في قراءة من استفهم في الأول والثاني قصد المبالغة في الإنكار، فأتى به في الجملة الأولى، وأعاده في الثانية تأكيدًا له، والوجه في قراءة من أتى به مرة واحدة حصول المقصود به؛ لأن كل جملة مرتبطة بالأخرى، فإذا أنكر في إحداهما حصل الإنكار في الأخرى. اهـ. "سمين".
ثم وصف أولئك المنكرين للبعث بأوصاف ثلاثة، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ المنكرون لقدرته تعالى على البعث بعدما عاينوا الآيات الباهرة وكذبوا رسوله هم ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾؛ أي: تمادوا على عنادهم وكفرهم بربهم، فإن إنكار قدرته تعالى إنكار له؛ لأن الإله لا يكون عاجزًا؛ أي: هم المتمادون في الكفر الكاملون فيه ﴿وَأُولَئِكَ﴾ الكفار ﴿الْأَغْلَالُ﴾ كائنة ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ يوم القيامة عند العرض للحساب، توضع الأغلال في أعناقهم كما يقاد الأسير الذليل بالغل، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾. والأغلال: جمع غل؛ وهو طوق تشد به اليد إلى العنق يغلون بها يوم القيامة. وقيل: الأغلال أعمالهم السيئة التي هي لازمة لهم لزوم الأطواق للأعناق، والمعنى عليه: وأولئك مقيدون بسلاسل وأغلال من الضلال تصدهم عن النظر في الحق، واتباع طريق الهدى، والبعد عن الهوى كما قال:
стр. 6127
كَيْفَ الرَّشَادُ وَقَدْ خُلِّفْتُ فِيْ نَفَرٍ ... لَهُمْ عَنِ الرُّشْدِ أَغْلَالٌ وَأقْيَادُ
﴿وَأُولَئِكَ﴾ المقيدون بالأغلال في أعناقهم هم ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ أي: سكان النار دار الذل والهوان ملازموها ﴿هُمْ فِيهَا﴾؛ أي: في النار ﴿خَالِدُونَ﴾؛ أي: ماكثون فيها مكثًا مؤبدًا لا يتحولون عنها ولا يبرحون بها كفاء ما سولت لهم أنفسهم من سوء الأعمال، وما اجترحوا من الموبقات والشرور والآثام. وتوسيط (١) ضمير الفصل وتقديم ﴿فِيهَا﴾ يفيد الحصر؛ أي: هم الموصوفون بالخلود في النار لا غيرهم، وإن خلودهم إنما هو في النار لا في غيرها، فثبت أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار.
٦ - وبعد أن ذكر تكذيبهم للرسول ﷺ في إنكار عذاب يوم القيامة .. ذكر جحودهم لعذاب الدنيا الذي أوعدهم به، وكانوا كلما هددهم بالعذاب قالوا له: جئنا به وائتنا وطلبوا منه إنزاله، وهذا ما أشار إليه بقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ الاستعجال (٢): طلب تعجيل الأمر قبل مجيء وقته؛ أي: يطلب مشركو مكة منك يا محمَّد العجلة ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾ والعقوبة التي هددتهم بها إن لم يؤمنوا، وسميت العقوبة سيئة؛ لأنها تسوؤهم ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ متعلق بالاستعجال؛ أي: قبل العافية والإحسان إليهم بالإمهال؛ أي: يطلبون منك الإتيان بالعقوبة المهلكة لهم قبل انقضاء الزمان المقدر لعافيتهم وسلامتهم.
وذلك أنه ﷺ كان يهدد مشركي مكة تارة بعذاب يوم القيامة، وتارة بعذاب الدنيا، وكلما هددهم بعذاب القيامة أنكروا القيامة والبعث، وكلما هددهم بعذاب الدنيا استعجلوه، وقالوا: متى تجيئنا به، فيطلبون العقوبة والعذاب والشر بدل العافية والرحمة والخير استهزاء منهم، وإظهارًا أن الذي يقوله لا أصل له، ولذا قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والله تعالى صرف عن هذه الأمة عقوبة الاستئصال، وأخر
стр. 6128
تعذيب المكذبين إلى يوم القيامة، فذلك التأخير هو الحسنة في حقهم، فهؤلاء طلبوا منه ﵇ نزول تلك العقوبة، ولم يرضوا بما هو حسنة في حقهم.
واعلم: أن (١) استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة هو استعجالهم بالكفر والمعاصي قبل الإيمان والطاعات، فإن منشأ كل سعادة ورحمة هو الإيمان الكامل والعمل الصالح، ومنشأ كل شقاوة وعذاب هو الكفر والشرك والعمل الفاسد.
وجملة قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ﴾ حال من واو ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ﴾؛ أي: يستعجلونك بالعقوبة حالة كونهم قد خلت ومضت ﴿مِنْ قَبْلِهِمُ﴾؛ أي: من قبل هؤلاء المشركين ﴿الْمَثُلَاتُ﴾؛ أي: عقوبات أمثالهم من المكذبين لرسلهم كالخسف والمسخ والرجفة، فما لهم لم يعتبروا بها، فلا يستهزئوا، جمع مَثُلَه بفتح الثاء وضمها؛ وهي العقوبة لأنها مثل المعاقب عليه، وهو الجريمة. وفي "التبيان": ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾؛ أي: العقوبات المهلكات يماثل بعضها بعضًا.
والمعنى: أي ويستعجلونك بذلك مستهزئين بإنذارك منكرين وقوع ما تنذرهم به، والحال أنه قد مضت العقوبات الفاضحة النازلة على أمثالهم من المكذبين المستهزئين، فمن أمة مسخت قردة، وأخرى أهلكت بالرجفة، وثالثة أهلكت بالخسف إلى نحو أولئك. وقرأ الجمهور (٢): ﴿الْمَثُلَاتُ﴾ - بفتح الميم وضم الثاء - ومجاهد والأعمش بفتحهما. وقرأ عيسى بن عمير في رواية الأعمش وأبو بكر بضمهما، وابن وثاب بضم الميم وسكون الثاء، وابن مصرف بفتح الميم وسكون الثاء، وكل هذه القراءة عدا قراءة الجمهور شاذ.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمَّد ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: لذو إمهال لهم وتأخير للعذاب عنهم حالة كونهم ﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾؛ أي: ظالمين أنفسهم بالمعاصي، أو المعنى: وإن ربك لذو عفو وصفح عن ذنوب من تاب من عباده، فتارك فضيحته بها في يوم القيامة، ولولا حلمه وعفوه لعاجلهم بالعقوبة حين اكتسابها كما قال:
стр. 6129
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فيعاقب من يشاء منهم حين يشاء، فتأخير ما استعجلوه ليس للإهمال.
أي: وإن ربك (١) يا محمَّد ليعاقب في الآخرة عقابًا شديدًا لمن يجترح السيئات، وهو متمادٍ في غوايته سادر (٢) في آثامه، وقد يعجل له قسطًا منه في الدنيا، ويكون جزاءً له على ما سولت له نفسه، كما يشاهد لدى المدمنين على الخمور من اعتلال وضعف، ومرض مزمن، وفقر مدقع، وذل وهوان بين الناس. وفي المقامرين من خراب عاجل وإفلاس في المال والذل بعد العز. وربما اقتضت حكمته أن يؤجل له ذلك إلى يوم مشهود يوم يقوم الناس لرب العالمين، فيستوفي قطه هناك نارًا تكوى بها الجباه والجنوب، وتبدل الجلود غير الجلود، وقد قرن المغفرة بالعقاب في مواضع كثيرة من الكتاب الكريم؛ ليعتدل الرَّجاء والخوف كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الخوف والرجاء. روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ...﴾ إلخ. قال رسول الله ﷺ : "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدًا العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل واحد".
٧ - وبعد (٣) أن ذكر طعنهم في نبوة محمَّد ﷺ لقوله بالحشر والمعاد، ثم طعنهم فيه؛ لأنه أنذرهم بحلول عذاب الاستئصال .. ذكر أنهم طعنوا فيه؛ لأنه لم يأت لهم بمعجزة مبينة كما فعل الرسل من قبله، فقال: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مكة تعنتًا وجحودًا ﴿لَوْلَا﴾؛ أي: هلَّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على محمَّد ﷺ ﴿آيَةٌ﴾؛ أي: علامة دالة على صدقه ونبوته ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ إن كان صادقًا فيما
стр. 6130
يدعيه من النبوة كعصا موسى وناقة صالح وإحياء عيسى للموتى، وذلك أنهم لم يقتنعوا بما رأوا من الآيات التي جاء بها رسول الله ﷺ . و ﴿لَوْلَا﴾ (١) تحضيضية بمعنى هلا، والتنوين في ﴿آيَةٌ﴾ للتعظيم؛ أي: آية جلية يستعظمها من يدركها في بادئ نظره. والمعنى: ويقول الذين كفروا تعنتًا وعنادًا: هلا يأتينا بآية من ربه كعصا موسى وناقة صالح، فيجعل لنا الصفا ذهبًا، ويزيح عنا الجبال، ويجعل مكانها مروجًا وأنهارًا، وقد طلبوا ذلك ظنًّا منهم أن القرآن كتاب كسائر الكتب لا يدخل في باب المعجزات التي أتى بها الرسل السالفون ﵈. وقد رد الله عليهم الشبهة بقوله في آية أخرى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾؛ أي: إن سنتنا أن الآيات إن لم يؤمن بها من طلبوا بها أهلكناهم بذنوبهم، ولم نشأ أن يحل بكم عذاب الاستئصال.
ولما كان (٢) النبي ﷺ راغبًا في إجابة مقترحاتهم حُبًّا في إيمانهم .. بين وظيفته التي أرسل لأجلها، فقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ يا محمَّد ﴿مُنْذِرٌ﴾؛ أي: رسول مرسل للإنذار والتخويف من سوء عاقبة ما يأتون ويذرون، ولا حاجة إلى إلزامهم بإتيان ما اقترحوا من الآيات، ولو أجيبوا إلى ما اقترحوا لأدى ذلك إلى إتيان ما لا نهاية له؛ لأنه كلما أتى بمعجزة طلبها واحد منهم .. جاء آخر منهم، فطلب منه معجزة أخرى، وذلك يوجب سقوط دعوة الأنبياء.
والمعنى: أن (٣) وظيفتك التي بعثت لها هي الإنذار من سوء مغبة - عاقبة - ما نهى الله عنه كدأب من قبلك من الرسل، وليس عليك الإتيان بالآيات التي يقترحونها ابتغاء هدايتهم، فأمر ذلك إلى خالقهم وهاديهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾.
стр. 6131
﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ﴾؛ أي: ولكل أمة من الأمم ﴿هَادٍ﴾ لهم إلى سبيل الخير؛ أي: نبي له هداية مخصوصة، وشريعة لائقة بهم مخصوص (١) بمعجزة من جنس ما هو الغالب عليهم، يهديهم إلى الحق ويدعوهم إلى الصواب. ولما كان الغالب في زمان موسى هو السحر جعل معجزته ما هو أقرب إلى طريقهم. ولما كان الغالب في أيام عيسى الطب جعل معجزته ما يناسب الطب؛ وهو إحياء الموتى وإبراء الأبرص والأكمه. ولما كان الغالب في زمان نبينا محمَّد ﷺ الفصاحة والبلاغة جعل معجزته فصاحة القرآن، وبلوغه في باب البلاغة إلى حدّ خارج عن قدرة الإنسان، فإذا لم يؤمنوا بهذه المعجزة مع كونها أقرب إلى طريقهم وأليق بطباعهم، فبأن لا يؤمنوا عند إظهار سائر المعجزات أولى. أو المراد بالهادي: هو الله تعالى؛ أي: إنما أنت منذر، وليس لك هدايتهم ولكل قوم من الفريقين هاد يهديهم: هادٍ لأهل العناية بالإيمان والطاعة إلى الجنة، وهاد لأهل الخذلان بالكفر والعصيان إلى النار. وهذا القول الأخير مروي (٢) عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك والنخعي.
والمعنى: إنما عليك الإنذار يا محمَّد، والهادي هو الله تعالى يهدي من يشاء. والقول الأول مروي عن عكرمة في رواية أبي الضحى، والمعنى عليه: إنما أنت منذر وأنت هادٍ.
وحاصل المعنى: أي ولكل أمة قائد يدعوهم إلى سبيل الخير فطره الله تعالى على سلوك طريقه بما أودع فيه من الاستعداد له بسائر وسائله، وقد شاء أن يبعث هؤلاء الهداة في كل زمان كي لا يترك الناس سدى، وأولئك هم الأنبياء الذين يرسلهم لهداية عباده، فإن لم يكونوا فالحكماء والمجتهدون الذين يسيرون على سننهم ويقتدون بما خلفوا من الشرائع وفضائل الأخلاق وحميد الشمائل، ويؤيده ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم".
ووقف ابن كثير (٣) على ﴿هَادٍ﴾ و ﴿واقٍ﴾ حيث وقعا، وعلى ﴿وَالٍ﴾ هنا،
стр. 6132
و ﴿باقٍ﴾ في النحل بإثبات الياء، وباقي السبعة بحذفها. وفي "الإقناع" لأبي جعفر بن الباذش عن ابن مجاهد الوقف على جميع الباب لابن كثير بالياء، وهذا لا يعرفه المكيون. وفيه عن أبي يعقوب الأزرق عن ورش أنه خيره في الوقف في جميع الباب بين أن يقف بالياء، وبين أن يقف بحذفها، والباب هو كل منقوص منون غير منصرف؛ أي: غير مجرور.
٨ - ﴿اللَّهُ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾؛ أي: الشيء الذي تحمله كل أنثى في بطنها من حين العلوق إلى الولادة من علقة أو مضغة، ذكر أو أنثى، واحد أو متعدد، صبيح أو قبيح، شقي أو سعيد، طويل العمر أو قصيره، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ وقال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾.
﴿و﴾ يعلم ﴿ما تغيض الأرحام﴾ من الغيض؛ وهو النقص؛ أي: يعلم سبحانه ما تنقصه الأرحام ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾؛ أي: وما تزيده في الجثة والمدة والعدد، واختلفوا في ذلك، فقيل: المراد نقص خلقة الحمل وزيادته، كنقص أصبع أو زيادتها. وقيل المراد: نقص مدة الحمل عن تسعة أشهر أو زيادتها، وقيل المراد: نقص في عدد الولد وزيادته، فقد يكون الولد واحدًا أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة. قال أهل التفسير (١): غيض الأرض الحيض على الحمل، فإذا حاضت الحامل كان ذلك نقصانًا في الولد؛ لأن دم الحيض هو غذاء الولد في الرحم، فإذا خرج الدم نقص الغذاء، فينقص الولد، وإذا لم تحض يزداد الولد ويتم، فالنقصان نقصان خلقة الولد بخروج الدم، والزيادة تمام خلقه باستمساك الدم. وقيل: إذا حاضت المرأة في وقت حملها ينقص الغذاء، وتزداد مدة الحمل حتى تستكمل تسعة أشهر طاهرة، فإن رأت خمسة أيام دمًا .. وضعت لتسعة أشهر وخمسة أيام، فالنقصان في الغذاء زيادة في مدة الحمل. وقيل: النقصان السقط، والزيادة تمام الخلق.
стр. 6133
وأقل مدة الحمل ستة أشهر، وغالبه تسعة أشهر، وأكثره أربع سنين عند الشافعي وخمس سنين عند مالك. وفي "إنسان العيون" (١) وقع الاختلاف في مدة حمله ﷺ ، فقيل: بقي في بطن أمه تسعة أشهر كاملًا، وقيل: عشرة أشهر، وقيل: ستة أشهر، وقيل: سبعة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر، فيكون ذلك آية، كما أن عيسى ﵇ ولد في الشهر الثامن كما قيل به مع نص الحكماء على أن من يولد في الشهر الثامن لا يعيش، بخلاف التاسع والسابع والسادس الذي هو أقل مدة الحمل.
وقد قال الحكماء في بيان سبب ذلك (٢): أن الولد عند استكماله سبعة أشهر تحرك للخروج حركة عنيفة أقوى من حركته في الشهر السادس، فإن خرج عاش، وإن لم يخرج استراح في البطن عقيب تلك الحركة المضعفة له، فلا يتحرك في الشهر الثامن، لذلك تقل حركته في البطن في ذلك الشهر، فإذا تحرك للخروج وخرج، فقد ضعف غاية الضعف، فلا يعيش لاستيلاء حركتين مضعفتين له مع ضعفه، وعلى فرض أن يعيش يكون مغلولًا لا ينتفع بنفسه، وذلك لأن الشهر الثامن يغلب فيه على الجنين البرد واليبس، وهو طبع الموت. والأرحام: جمع رحم، وهو مبيت للولد في البطن ووعاؤه. واعلم أن رحم المرأة عضلة وعصب وعروق، ورأس عصبها في الدماغ، وهي على هيئة الكيس، ولها فم بإزاء قبلها، ولها قرنان شبه الجناحين تجذب بهما النطفة، وفيها قوة الإمساك لئلا ينزل من المني شيء. وقد أودع الله تعالى في ماء الرجل قوة الفعل، وفي ماء المرأة قوة الانفعال، فعند الامتزاج يصير مني الرجل كالأنفحة الممتزجة باللبن.
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ﴾ من الأشياء التي من جملتها الأشياء المذكورة من الزيادة والنقصان، وخروج الولد والمكث ﴿عِنْدَهُ﴾ ؛ أي: في علمه ﴿بِمِقْدَارٍ﴾؛ أي: مقدر بقدر وحدٍّ لا يجاوزه ولا ينقص عنه لقوله تعالى: ﴿إِنَّا
стр. 6134
كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤ ٩)﴾ . وفي "بحر العلوم"؛ أي: مقدر مكتوب في اللوح معلوم قبل كونه قد علم حاله وزمانه ومتعلقه. وفي "التبيان"؛ أي: بحد لا يجاوزه من رزق وأجل
٩ - ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو تعالى عالم كل ما يطلق عليه اسم الغيب؛ وهو ما غاب عن الحس، فيدخل فيه المعلومات والأسرار الخفية والآخرة. وقال بعضهم (١): كل ما ورد في القرآن من إسناد الغيب إلى الله تعالى إنما هو بالنسبة إلينا، إذ لا غيب بالنسبة إلى الله تعالى؛ أي (٢): هو تعالى عالم ما هو غائب عنكم لا تدركه أبصاركم من عوالم لا نهاية لها، فقد أثبت العلم حديثًا أن هناك عوالم لا تراها العين المجردة، بل ترى بالمنظار المعظم - التليسوب - ومنها الجراثيم - المكروبات - التي تولد كثيرًا من الأمراض التي قد يعسر شفاؤها، أو يتعذر في كثير من الأحوال كجراثيم السرطان والسل والزهري، أو تشفي بعد حين كجراثيم الجدري والحصبة ونحوها، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾.
﴿و﴾ عالم ﴿الشهادة﴾؛ أي: كل ما يطلق عليه اسم الشهادة؛ وهو ما حضر للحس، فيدخل فيه الموجودات المدركة والعلانية والدنيا؛ أي: عالم كل ما تشاهدونه وترونه بأعينكم ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
﴿الْكَبِيرُ﴾؛ أي: هو تعالى العظيم الشأن الذي لا يخرج عن علمه شيء الذي يجل عما وصفه به الخلق من صفات المخلوقين، أو الذي يصغر غيره بالنسبة إلى كبريائه ﴿الْمُتَعَالِ﴾؛ أي: المستعلي على كل شيء بقدرته وجبروته، وهو وحده له التصرف في ملكوته. وفي "الكواشي" المترفع عن صفات المخلوقين وقول المشركين. وفي هذا (٣) إيماء إلى أنه تعالى قادر على البعث الذي أنكروه، والآيات التي اقترحوها، والعذاب الذي استعجلوه، وإنما يؤخر
стр. 6135
ذلك لمصلحة لا يدركها البشر، فيخفى عليه سرها، وفي معنى الآية قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. وقرأ زيد بن علي: ﴿عالم الغيب﴾ - بالنصب -، وأثبت ابن كثير ويعقوب وأبو عمرو في رواية ياء ﴿الْمُتَعَالِ﴾ وقفًا ووصلًا، وهو الكثير في لسان العرب، وحذفها الباقون وصلًا ووقفًا؛ لأنها كذلك رسمت في الخط. واستشهد سيبويه بحذفها في الفواصل ومن القوافي، وأجاز غيره حذفها مطلقًا، ووجه حذفها مع أنها تحذف مع التنوين وإن تعاقب التنوين، فحذفت مع المعاقب إجراء له مجرى المعاقب. ذكره أبو حيان في "البحر".
١٠ - ولما ذكر تعالى أنه عالم الغيب والشهادة على العموم .. ذكر تعالى تعلق علمه بشيء خاص من أحوال المكلفين، فقال: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾ في نفسه، فلم يظهره على أحد ﴿وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾؛ أي: أظهره لغيره. وقال ابن (١) عباس: أي: سواء ما أضمرته القلوب وما أظهرته الألسنة، فهو تعالى يعلم ما أسره الإنسان كعلمه بما جهر به من خير أو شر، فإسرار القول ما حدث به المرء نفسه، والجهر ما حدث به غيره .. فـ ﴿من﴾ (٢) مبتدأ خبره ﴿سواء﴾، و ﴿مِنْكُمْ﴾ حال من ضمير ﴿سَوَاءٌ﴾؛ لأنه بمعنى مستو، ولم يثن الخبر مع أنه خبر عن شيئين، وهما الشخصان المرادان بـ ﴿من﴾. والمعنى: مستو في علم الله تعالى من أضمر القول في نفسه، ومن أظهره بلسانه منكم أيها الناس؛ أي: من أسر قوله وأخفاه ولم يتلفظ به، أو جهر به وأظهره؛ فهو سواء عند الله تعالى يسمعه ولا يخفى عليه شيء منه، كما قال: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ وقال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.
﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾؛ أي: وسواء في علم الله تعالى من هو مختف مستتر بظلمة الليل ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾؛ أي: ومن هو ماشٍ في سربه وطريقه ظاهر بضوء النهار، فكلاهما في علم الله تعالى سواء. وروي عن ابن عباس في تفسير
стр. 6136
ذلك: هو صاحب ريبة مستخف بالليل، وإذا خرج بالنهار أري الناس أنه بريء من الإثم. ومعنى الآية: سواء ما أضمرت به القلوب، أو نطقت به الألسن، وسواء من أقدم على القبائح مستترًا في ظلمات الليل، أو أتى بها ظاهرًا في النهار .. فإن علمه تعالى محيط بالكل.
١١ - ﴿لَهُ﴾؛ أي: لكل ممن أسر أو جهر والمستخفي والسارب، أو لعالم الغيب والشهادة، أو لكل إنسان ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾؛ أي: ملائكة حفظة يتعاقبون عليه ويتناوبون به، يعقب وينوب بعضهم بعضًا في المجيء إلى من ذكر، وحفظه من المضار وكتب أعماله ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾؛ أي: من قدام ذلك الإنسان ومن ورائه حرس بالليل وحرس بالنهار يحفظونه من المضار، ويراقبون أحواله لا يفارقونه، كما يتعاقب عليه ملائكة آخرون لحفظ أعماله من خير أو شر ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه وآخر من قدامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار وأربعة آخرين بالليل بدلان حافظان وكاتبان كما جاء في الحديث الصحيح: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: آتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون".
وإذ علم الإنسان أن هناك ملائكة تحصي عليه أعماله كان حذرًا من وقوعه في المعاصي خيفة أن يطلع عليه الكرام الكاتبون، ويزجره الحياء عن الإقدام على فعل الموبقات، كما يحذر من الوقوع فيها إذا حضر من يستحيي منه من البشر، وهو أيضًا إذا علم أن كل عمل له في كتابٍ مدخر يكون ذلك رادعًا له داعيًا إلى تركه. وقال الصاوي: وهذه الآية من تدبرها وعمل بمقتضاها أورثته الإخلاص في أعماله، فيستوي عنده إسرار العبادة وإظهارها ليلًا أو نهارًا، والمراقبة؛ لأنه إذا علم أن هذه الأشياء مستوية عنده ولا يخفى عليه شيء منها .. فلا يستطيع أن يقدم على ما نهي عنه ظاهرًا ولا باطنًا انتهى. وليس أمر الحفظة بالبعيد عن العقل
стр. 6137
بعد أن أثبته الدين، وبعد أن كشف العلم أن كثيرًا من الأعمال العامة يمكن إحصاؤها بآلات دقيقة لا تدع منها شيئًا إلا تحصيه. فقد أصبحت المياه والكهرباء في المدن تعد بالآلات - العدادات -، فالمياه التي يشربونها والكهرباء التي يضيئون بها منازلهم تحصى وتعد كما يعد الدرهم والدينار. وكذلك هناك آلات تحصي المسافات التي تقطعها السيارات في سيرها، وأخرى تحصي تيارات الأنهار ومساقط المياه إلى غير ذلك من دقيق الآلات التي لا تترك صغيرة ولا كبيرة من الأعمال إلا تكتبها وتحصيها، وكلما تقدمت العلوم وكشفت ما كان غائبًا عنا كان في ذلك تصديق أيما تصديق لنظريات الدين، ووسيلة حافزة إلى الاعتراف بما جاء فيه مما يخفى على بعض الماديين الذين لا يقرون إلا بما يرونه رأي العين، ولا يذعنون إلا بما يقع تحت حسهم، وبهذا يصدق قول القائل: الدين والعقل في الإِسلام صنوان لا يفترقان، وصديقان لا يختلفان.
والمعنى: له (١) ملائكة يتعاقب بعضهم بعضًا كائنون من أمام الإنسان ووراء ظهره؛ أي: يحيطون به من جوانبه ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ؛ أي: يحفظون من ذكر؛ أي: من بأسه ونقمته إذا أذنب بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب من ذنبه أو ينيب، أو يحفظونه من المضار التي أمر الله بالحفظ منها. قال مجاهد: ما من عبد إلا له ملك موكل به يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما يأتيه منهم شيء يريده إلا قال: وراءك إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه. أو المعنى: هم يحفظونه (٢) بأمر الله وإذنه وجميل رعايته وكلاءته، فـ ﴿من﴾ بمعنى الباء، فكما جعل سبحانه للمحسوسات أسبابًا محسوسة ربط بها مسبباتها بحسب ما اقتضته حكمته، فجعل الجفن سببًا لحفظ العين مما يدخل فيها فيؤذيها، كذلك جعل لغير المحسوسات أسبابًا، فجعل الملائكة أسبابًا للحفظ، وأفعاله تعالى لا تخلو من الحكم والمصالح. وكذلك جعل لحفظ أعمالنا كرامًا كاتبين، وإن كنا لا ندري ما قلمهم وما مدادهم،
стр. 6138
وكيف كتابتهم، وأين محلهم، وما حكمة ذلك مع أن علمه تعالى بأعمال الإنسان كافٍ في الثواب والعقاب عليها، وقد يكون من حكمة ذلك أنه إذا علم الإنسان أن أعماله محفوظة لدى الحفظة الكرام .. كان أجدر بالإذعان لما يلقاه من ثواب وعقاب يوم العرض والحساب.
وقرأ عبيد بن زياد على المنبر (١): ﴿له المعاقب﴾، وهي قراءة أبيّ وإبراهيم. وقال الزمخشرى: وقرىء: ﴿له معاقيب﴾. قال أبو الفتح: هو تكسير ﴿معْقب﴾ - بسكون العين وكسر القاف - كمطعم ومطاعم ومقدم ومقاديم، وكأن معقبًا جمع على معاقبة، ثم جعلت الياء عوضًا عن الهاء المحذوفة في معاقبة. وقرىء: ﴿له معتقبات﴾ من اعتقب. وقرأ أبي من بين يديه ورقيب من خلفه. وقرأ ابن عباس: ﴿ورقباء من خلفه﴾ وذكر عنه أبو حاتم أنه قرأ له: ﴿معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه﴾. وينبغي حمل هذه القراءات على التفسير لا أنها قرآن لمخالفتها سواد المصحف الذي أجمع عليه المسلمون فهي كلها شاذة. وقرأ علي وابن عباس وعكرمة وزيد بن علي وجعفر بن محمَّد: ﴿يحفظونه بأمر الله﴾. وتدل هذه القراءة الشاذة على كون ﴿مِنْ﴾ بمعنى الباء السببية في قراءة: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ من العافية والأمن والنعمة والرزق، ولا يزيله عنهم ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ أى: حتى يتركوا ما يلزمهم من الشكر، وينقلبوا من الأحوال الجميلة إلى القبيحة. وعبارة "البيضاوي": أن الله لا يغير ما بقوم من العافية والنعمة حتى يغيروا ما بأنفسهم من الأحوال الجميلة بالأحوال القبيحة.
والمعنى (٢): أن الله لا يغير ما بقوم من نعمة وعافية، فيزيلها عنهم ويذهبها حتى يغيروا ما بأنفسهم من ذلك بظلم بعضهم بعضًا، واعتداء بعضهم على بعض، وارتكابهم للشرور والموبقات التي تقوض نظم المجتمع، وتفتك بالأمم كما تفتك الجراثيم، فعند ذلك تحل نقمته بهم، وهو
стр. 6139
قوله: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾؛ أي: هلاكًا وعذابًا ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾؛ أي: فلا راد له عنهم؛ أي: لم تغن المعقبات شيئًا، فلا راد لعذاب الله ولا ناقض لحكمه؛ أي: وإذا أراد الله بقوم سوءًا من مرض وفقر ونحوهما من أنواع البلاء بما كسبت أيديهم حين أخذوا في الأسباب التي تصل بهم إلى هذه الغاية، فلا يستطيع أحد أن يدفع ذلك عنهم، ولا يرد ما قدره لهم. وفي هذا إيماء إلى أنه لا ينبغي الاستعجال بطلب السيئة قبل الحسنة، وطلب العقاب قبل الثواب، فإنه متى أراد الله ذلك وأوقعه بهم فلا دافع له.
والخلاصة: أنه ليس من الحكمة في شيء أن يستعجلوا ذلك، ولما (١) كان سياق الكلام في الانتقام من العصاة اقتصر على قوله: ﴿سُوءًا﴾ وإلا فالسوء والخير إذا أراد الله تعالى شيئًا منها .. فلا مرد له، فذكر السوء مبالغة في التخويف.
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: وما لهؤلاء القوم الذين أراد الله هلاكهم من دون الله ﴿مِنْ وَالٍ﴾؛ أي: وال يلي أمورهم، فيجلب لهم النفع ويدفع عنهم الضر، فالآلهة التي اتخذوها لا تستطيع أن تفعل شيئًا من ذلك، ولا تقدر على دفع الأذى عن نفسها فضلًا عن دفعه عن غيرها. والوالي من أسمائه تعالى، وهو من ولي الأمور وملك الجمهور، والولاية: تنفيذ القول على الغير شاء الغير أم لا، ولله در الأعرابي الذي رأى صنمًا يبول عليه الثعلب، فثارت به حميته، فأمسكه وكسره إربًا إربًا، وقال:
أَرَبٌّ يَبُوْلُ الثُّعْلُبَانُ بِرَأْسَهَ ... لَقَدْ ذَلَّ مَنْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِبُ
وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾.
стр. 6140
الإعراب
﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿المر﴾ قد تقدم الكلام في هذه الحروف المقطعة الواقعة في أوائل السور بما يغني عن الإعادة، وإن قلنا إنه اسم للسورة فهو مرفوع المحل على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه السورة اسمها آلمر، وعلة بنائه شبهه بالحرف شبهًا وضعيًّا، أو على أنه مبتدأ خبره ما بعده، والتقدير: آلمر هذا المذكور بقولنا: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. ﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة يشار به إلى آيات هذه السورة في محل الرفع مبتدأ. ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿وَالَّذِي﴾: (الواو): عاطفة. ﴿الذي﴾: مبتدأ. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماضٍ مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على الموصول. ﴿إِلَيْكَ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: متعلق أيضًا بـ ﴿أُنْزِلَ﴾. ﴿الْحَقُّ﴾: خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَلَكِنَّ﴾: (الواو): عاطفة. ﴿لكن﴾: حرف نصب واستدراك. ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ﴾: اسمها ومضاف إليه، وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾، وجملة ﴿لكن﴾ معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾: جار ومجرور ومضاف حال من ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿تَرَوْنَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿عَمَدٍ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿اسْتَوَى﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الموصول. ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿رَفَعَ﴾. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ﴾: فعل ومفعول. ﴿وَالْقَمَرَ﴾: معطوف على ﴿الشَّمْسَ﴾ وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة
стр. 6141
معطوفة على جملة ﴿اسْتَوَى﴾. ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وصفه بصفة محذوفة تقديره: كل منهما. ﴿يَجْرِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿كُلٌّ﴾. ﴿لِأَجَلٍ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿مُسَمًّى﴾: صفة ﴿لِأَجَلٍ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾؛ أي: حالة كون كل منهما جاريًا إلى أجل مسمى. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿اسْتَوَى﴾؛ أي: ثم استوى على العرش حالة كونه يدبر الأمر، أو الجملة مستأنفة. ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة بعاطف مقدر على جملة ﴿يُدَبِّرُ﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تُوقِنُونَ﴾، وجملة ﴿تُوقِنُونَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾: تعليلية مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿مَدَّ الْأَرْضَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿وَجَعَلَ﴾: فعل ماض معطوف على ﴿مَدَّ﴾، وفاعله ضمير يعود على الموصول. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾؛ لأنه بمعنى خلق. ﴿رَوَاسِيَ﴾: مفعول به بـ ﴿جَعَلَ﴾. ﴿وَأَنْهَارًا﴾: معطوف على ﴿رَوَاسِيَ﴾. ﴿وَمِنْ﴾ (الواو): عاطفة. ﴿من كل الثمرات﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ المذكور بعده. ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾. ﴿زَوْجَيْنِ﴾: مفعول لـ ﴿جَعَلَ﴾. ﴿اثْنَيْنِ﴾: صفة مؤكدة لـ ﴿زَوْجَيْنِ﴾، وجملة ﴿جَعَلَ﴾: معطوفة على جملة ﴿جَعَلَ﴾ الأول. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ﴾: فعل ومفعول أول. ﴿النَّهَارَ﴾: مفعول ثان، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة الفعلية مستأنفة، أو حال من ضمير الفاعل في الأفعال التي قبله، أعني: رفع وسخر، ويدبر ويفصل، ومد وجعل كما ذكره أبو البقاء. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿فِي ذَلِكَ﴾: جار ومجرور
стр. 6142
خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم على اسمها. ﴿لَآيَاتٍ﴾: (اللام): ابتداء. ﴿آيَاتٍ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿لِقَوْمٍ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿آيات﴾. وجملة ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ صفة لـ ﴿قوم﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة.
﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿قِطَعٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: صفة لـ ﴿قِطَعٌ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَجَنَّاتٌ﴾: معطوف على ﴿قِطَعٌ﴾. ﴿مِنْ أَعْنَابٍ﴾: صفة لـ ﴿جَنَّاتٌ﴾. ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾: معطوفان على ﴿قِطَعٌ﴾. ﴿صِنْوَانٌ﴾: صفة لـ ﴿نَخِيلٌ﴾ مرفوع بالضمة الظاهرة؛ لأنه جمع تكسر لـ ﴿صنو﴾. ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: معطوف على ﴿صِنْوَانٌ﴾ على كونه صفة لـ ﴿نخيل﴾. ﴿يُسْقَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على المذكور من ﴿جنات﴾ وما بعدها. ﴿بِمَاءٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُسْقَى﴾. ﴿وَاحِدٍ﴾: صفة لـ ﴿ما﴾، والجملة الفعلية صفة لـ ﴿جنات﴾ وما بعدها، أو حال منها. ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾: متعلق به، وكذا يتعلق به الجار والمجرور في قوله: ﴿فِي الْأُكُلِ﴾، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿فِي ذَلِكَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَآيَاتٍ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، واللام حرف ابتداء. ﴿لِقَوْمٍ﴾: صفة لـ ﴿آيَاتٍ﴾، وجملة ﴿يَعْقِلُونَ﴾ صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾.
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.
﴿وَإِنْ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿تَعْجَبْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿فَعَجَبٌ﴾: (الفاء): رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية، ﴿عَجَبٌ﴾: خبر مقدم. ﴿قَوْلُهُمْ﴾: مبتدأ وخبر، ولا بد من حذف صفة لتتم الفائدة؛ أي: فعجب؛ أي: عجب قولهم، ويجوز أن يكون عجب مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة حينئذٍ ما ذكرته من الوصف المقدر، ولا يضر
стр. 6143
حينئذٍ كون خبره معرفة. اهـ. "سمين"، والجملة الاسمية في محل الجزم على كونها جوابًا لـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية: مستأنفة استئنافًا نحويًّا لا محل لها من الإعراب. ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: مقول محكي لقولهم، وإن شئت قلت: (الهمزة): للاستفهام الإنكاري. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط في محل النصب على الظرفية متعلق بمحذوف معلوم مما بعده تقديره: أنبعث إذا كنا ترابًا. ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿تُرَابًا﴾: خبرها، وجملة كان في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ تقديره: أنبعث وقت كوننا ترابًا لا نبعث حينئذٍ، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول لقولهم. ﴿أَإِنَّا﴾: (الهمزة): للاستفهام الإنكاري مؤكدة للأولى. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَفِي خَلْقٍ﴾: جار ومجرور خبره، واللام حرف ابتداء. ﴿جَدِيدٍ﴾: صفة لـ ﴿خَلْقٍ﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول لقولهم.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِرَبِّهِمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿وَأُولَئِكَ﴾: مبتدأ أول. ﴿الْأَغْلَالُ﴾: مبتدأ ثان. ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني مع خبره خبر للأول، وجملة الأولى مع خبره معطوفة على جملة قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾. ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: مبتدأ وخبر معطوف على جملة ﴿أُولَئِكَ﴾ الأولى. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾. ﴿خَالِدُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة. ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ﴾، أو حال من ﴿السَّيِّئَةِ﴾. ﴿وَقَدْ خَلَتْ﴾: (الواو): حالية. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿خَلَتْ﴾: فعل
стр. 6144
ماضٍ. ﴿مِنْ قَبْلِهِمُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَلَتْ﴾. ﴿الْمَثُلَاتُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿يستعجلونك﴾. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾: خبره ومضاف إليه، (واللام): حرف ابتداء. ﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿مَغْفِرَةٍ﴾، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة. ﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾: جار ومجرور حال من ﴿النَّاسِ﴾. وقال أبو البقاء: والعامل فيها ﴿مَغْفِرَةٍ﴾ بمعنى أنه العامل في صاحبها، والتقدير: حالة كونهم ظالمين أنفسهم بالمعاصي، فيجوز العفو قبل التوبة؛ لأن قوله: ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾؛ أي: حال اشتغالهم بظلم. اهـ. "كرخي". ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: ناصب واسمه وخبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: مقول محكي لـ ﴿يقول﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماضٍ مغير الصيغة. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به. ﴿آيَةٌ﴾: نائب فاعل لـ ﴿أُنْزِلَ﴾. ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: صفة لـ ﴿آيَةٌ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿يقول﴾. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿هَادٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾.
﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾؛ لأنه بمعنى عرف. ﴿تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه مجرور بالفتحة المقدرة؛ لأنه اسم لا ينصرف لألف التأنيث المقصورة، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما تحمله كل أنثى. ﴿وَمَا﴾: معطوف على
стр. 6145
﴿مَا﴾ الأولى. ﴿تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: وما تغيضه الأرحام. ﴿وَمَا﴾: معطوفة أيضًا على ﴿مَا﴾ الأولى. ﴿تَزْدَادُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْأَرْحَامُ﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: وما تزداده الأرحام. ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿عِنْدَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾، أو صفة لـ ﴿كل﴾ كما ذكره أبو البقاء. ﴿بِمِقْدَارٍ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: خبر المبتدأ محذوف تقديره: هو عالم الغيب. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: معطوف على ﴿الْغَيْبِ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿الْكَبِيرُ﴾: صفة لـ ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾، أو خبر لمحذوف. ﴿الْمُتَعَالِ﴾: صفة لـ ﴿الْكَبِيرُ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة للوقف؛ لأنه رأس آية، ولولا ذلك لكان الجيد إثباتها، ذكره أبو البقاء، وحذفت في الخط تبعًا للفظ. ﴿سَوَاءٌ﴾: خبر مقدم. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المستكن في ﴿سَوَاءٌ﴾؛ لأنه بمعنى مستو. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر. ﴿أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿وَمَنْ جَهَرَ﴾: (الواو): عاطفة. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع معطوف على ﴿مَنْ﴾ الأولى. ﴿جَهَرَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والتقدير: من أسر القول ومن جهر به مستويان في علمه تعالى حالة كونهما كائنين منكم. ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾: (الواو): عاطفة. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع معطوف على ﴿مَنْ﴾ الأولى. ﴿هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿بِاللَّيْلِ﴾: متعلق بـ ﴿مُسْتَخْفٍ﴾، والجملة الاسمية صلة الموصول. ﴿وَسَارِبٌ﴾: معطوف على ﴿مُسْتَخْفٍ﴾. ﴿بِالنَّهَارِ﴾: متعلق به، والتقدير: ومن هو مستتر بظلام الليل، ومن هو ظاهر بضوء النهار مستويان في علمه تعالى.
стр. 6146
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾.
﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: معطوف عليه، ويجوز أن يتعلق بمحذوف صفة لـ ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾، ويجوز أن يتعلق بـ ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾؛ أي: يحفظونه من بين يديه ومن خلفه. فإن قلت: كيف يتعلق حرفان متحدان لفظًا ومعنىً بعامل واحد، وهما ﴿مِنْ﴾ الداخلة على ﴿بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ و ﴿مِنْ﴾ الداخلة على ﴿أَمْرِ اللَّهِ﴾؟ .. فالجواب أن ﴿مِنْ﴾ الثانية مغايرة للأولى في المعنى كما مر، وسيأتي في مبحث الصرف. اهـ. "سمين". ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾، أو حال من الضمير المستكن في الخبر الظرفي. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُغَيِّرُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿بِقَوْمٍ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها. ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى. ﴿مَا﴾: مفعول به. ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى تقديره: إلى تغييرهم ما بأنفسهم، والجار والمجرور متعلق بقوله: ﴿لَا يُغَيِّرُ﴾. ﴿وَإِذَا﴾: (الواو): استئنافية. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿أَرَادَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الجر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرطها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿بِقَوْمٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَرَادَ﴾. ﴿سُوءًا﴾: مفعول به لـ ﴿أَرَادَ﴾. ﴿فَلَا﴾: (الفاء): رابطة لجواب إذا وجوبًا، ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل إن. ﴿مَرَدَّ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾، والجملة الاسمية جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾: مستأنفة. ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ الواوا: عاطفة. ﴿مَا﴾: حجازية أو تميمية. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر ﴿مَا﴾
стр. 6147
مقدم على اسمها، أو خبر مقدم للمبتدأ. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المستكن في الخبر. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿وَالٍ﴾: اسم ﴿مَا﴾ مؤخر، أو مبتدأ مؤخر، والتقدير: وما والٍ كائنًا، أو كائن لهم حالة كونه كائنًا من دونه تعالى، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها جواب ﴿إذا﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ العمد: السواري والأساطين، واحدها عمود كأدم وأديم، وقرىء: ﴿عُمُد﴾ - بضمتين - فيكون جمع عماد كشهب وشهاب، وكتب وكتاب، أو جمع عمود كرسل ورسول هذا في الكثرة، ويجمعان في القلة على أعمدة كما في "البحر".
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ﴾ والتسخير: التذليل والطاعة. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ والتدبير: التصريف للأمور على وجه الحكمة.
﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ والتفصيل: التبيين، والآيات هي الأدلة التي تقدم ذكرها من الشمس والقمر. ﴿تُوقِنُونَ﴾ واليقين: العلم الثابت الذي لا شك فيه.
﴿مَدَّ الْأَرْضَ﴾؛ أي: بسطها طولًا وعرضًا. قال الأصم: المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه.
﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ والراسي: الثوابت المستقرة التي لا تتحرك ولا تنتقل، واحدها راسية؛ لأن الأرض ترسو وتثبت بها، وتمسكها من الاضطراب.
﴿وَأَنْهَارًا﴾: واحدها نهر؛ وهو المجرى الواسع من الماء؛ أي: مياهًا جارية في الأرض فيها منافع الخلق، أو المراد: جعل فيها مجاري الماء.
﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾، ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ والثمرات: جمع ثمرة، والثمرة: غلة الشجر ومنافعه، والعرب تسمي الاثنين زوجين، والواحد من الذكور زوجًا لأنثاه، والأنثى زوجًا وزوجة لذكرها؛ أي: جعل من كل نوع من أنواع الثمرات
стр. 6148
الموجودة في الدنيا ضربين وصنفين؛ إما في اللون كالأبيض والأسود، أو في الطعم كالحلو والحامف، أو في القدر كالكبير والصغير, أو في الكيفية كالحار والبارد وما أشبه ذلك.
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾؛ أي: يستر النهار بالليل، ومعنى تغطية هذا بذلك: الإتيان به مكانه؛ أي: الإتيان به بدله، وعد هذا في تضاعيف الآيات السفلية، وإن كان تعلقه بالآيات العلوية ظاهرًا باعتبار أن ظهوره في الأرض، فإن الليل إنما هو ظلها، وفيما فوق موقع ظلها لا ليل أصلًا. اهـ. "أبو السعود".
﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، والفكر: هو تصرف القلب في طلب الأشياء. وقال صاحب "المفردات" الفكر: قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكر: جريان تلك القوة بحسب نظر العقل، وذلك الإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يكون له صورة في القلب، ولهذا روي: تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله؛ إذ الله منزه أن يوصف بصورة. اهـ. "خازن".
﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ﴾؛ أي: بقاع جمع قطعة. ﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾؛ أي: متقاربات. ﴿وَنَخِيلٌ﴾ والنخل والنخيل بمعنى، والواحد نخلة. اهـ. "مختار". لكن النخل يذكر ويؤنث، والنخيل مؤنث لا غير كما في "المصباح".
﴿صِنْوَانٌ﴾ جمع كثرة لصنو، وجمعه في القلة أصناء كحمل وأحمال، والعامة على كسر الصاد. والصنو الفرع يجمعه وآخر أصل واحد، وأصله المثل، ومنه قيل للعم: صنو ومنه الحديث: "عم الرجل صنو أبيه" وجمعه في لغة الحجاز صَنوان - بفتح الصاد - وهو اسم جمع لا جمع تكسير؛ لأنه ليس من أبنيته، فالصنوان: هي النخلات يجمعها أصل واحد، وتتشعب فروعها ذكره في "البحر".
﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ - بضمتين وإسكان الثاني للتخفيف - المأكول. اهـ. "مصباح". والمراد به هنا الثمر والحب، فالثمر من النخيل والأعناب، والحب من الزرع.
стр. 6149
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ﴾ والعجب: تغير النفس حين رؤية ما يستبعد في مجرى العادة؛ أي: حقيق بالعجب قولهم الخ. ﴿جَدِيدٍ﴾ ضد الخلق والبالي، ويقال: ثوب جديد؛ أي: كما فرغ من عمله، وهو فعيل بمعنى مفعول، كأنه كما قطع من النسج، ذكره أبو حيان في "البحر".
﴿الْأَغْلَالُ﴾ جمع غُل بالضم، وهو طوق من حديد يجعل في العنق. اهـ. "خازن".
﴿الْمَثُلَاتُ﴾ - بفتح فضم - جمع مثلة - بفتح فضم - كسَمُرة؛ وهي العقوبة التي تترك في المعاقب أثرًا قبيحًا كصلم أذن، أو جدع أنف، أو سمل عين.
﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ والغفر هنا: الستر بالإمهال وتأخير العقاب إلى الآخرة.
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ والمراد بالآية هنا الآيات الحسية، كقلب عصا موسى حية وناقة صالح.
﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ والهادي: القائد الذي يقول الناس إلى الخير، كالأنبياء والحكماء والمجتهدين.
﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ الغيض: النقصان، يقال: غاض الماء وغضته كما قال: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾.
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ والمراد بالعندية؛ عندية علم يعني: أنه تعالى يعلم كمية كل شيء وكيفيته على أكمل الوجوه. اهـ. "خازن".
﴿بِمِقْدَارٍ﴾؛ أي: بأجل لا يتجاوزه ولا ينقص عنه، والغائب: ما غاب عن الحس، والشاهد: الحاضر المشاهد ﴿الْكَبِيرُ﴾: العظيم الشأن. وفي "الخازن": الكبير: الذي يصغر كل كبير بالإضافة إلى عظمته وكبريائه. والمتعالى: المستعلي على كل شيء بقهره وجبره ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ﴾؛ أي: مستو منكم.
﴿مَنْ أَسَرَّ﴾ أسرَّ الشيء إذا أخفاه في نفسه، والمستخفي المبالغ في
стр. 6150
الاختفاء، والسارب الظاهر من قولهم: سرب إذا ذهب في سربه؛ أي: طريقه.
وفي "المصباح": سرب في الأرض سروبًا - من باب قعد - ذهب، وسرب الماء سروبًا وسرب المال سربًا من باب قتل، رعى نهارًا بغير راع؛ فهو سارب، وسرب تسمية بالمصدر، والسرب أيضًا: الطريق، ومنه يقال: حل سربه؛ أي: طريقه. والسرب - بالكسر - النفس، وهو واسع السرب؛ أي: رخي البال، ويقال: واسع الصدر بطيء الغضب. والسَرَب - بفتحتين - بيت في الأرض لا منفذ له؛ وهو الوكر. اهـ.
﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾؛ أي: ملائكة تعتقب في حفظه، وكلاءته، واحدها معقبة من عقبة؛ أي: جاء عقبه. وفي "السمين": وفي معقبات احتمالان:
أحدهما: أن يكون جمع معقبة بمعنى معقب، والتاء للمبالغة كعلَّامة ونسَّابة؛ أي: ملك معقب، ثم جمع هذا كعلامات ونسابات.
والثاني: أن يكون معقبة صفة لجماعة، ثم جمع هذا الوصف كجمل وجمَّال وجمالات. اهـ.
﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾؛ أي: قدامه. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾؛ أي: من ورائه.
﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: بأمره وإعانته، و ﴿مِنْ﴾ بمعنى الباء السببية.
﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾؛ أي: فلا ردَّ، فهو مصدر ميمي بمعنى الراد.
﴿مِنْ وَالٍ﴾؛ أي: ناصر فـ ﴿من﴾ زائدة.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإشارة بالبعيد إلى القريب في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ تنزيلًا للبعد الرتبي منزلة البعد الحسي؛ للدلالة على علو شأنها ورفعة منزلتها.
ومنها: الدلالة على التفخيم بإدخال آل على الكتاب؛ أي: تلك آيات
стр. 6151
الكتاب العجيب الكامل في إعجازه وبيانه.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾؛ لأنه كناية عن تذليلهما لما يراد منهما؛ وهو انتفاع الخلق بهما حيث يعلمون عدد السنين والحساب بمسير الشمس والقمر، ينوران لهم في الليل والنهار، ويدرآن الظلمات، ويصلحان الأرض والأبدان والأشجار والنباتات.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ شبه إحداث ظلمة الليل في الجو الذي هو مكان الضوء بإغشاء الأغطية الحسية على الأشياء الظاهرة بجامع الستر في كل، فأطلق اسم الإغشاء والإلباس على ذلك الإحداث، فاشتق منه يغشي بمعنى يحدث على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿اثْنَيْنِ﴾؛ لأنه تأكيد لزوجين.
ومنها: الاكتفاء في قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ لأن في الكلام حذفًا على ما قيل؛ أي: قطع متجاورات وغير متجاورات كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾؛ أي: والبرد.
ومنها: الاستفهام الإنكاري المفيد لكمال الاستبعاد في قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾.
ومنها: تكرير الهمزة في قوله: ﴿لَفِي خَلْقٍ﴾: لتأكيد الإنكار بالبعث.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾، وفي قوله: ﴿أَإِنَّا﴾.
ومنها: تقديم الظرف في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ﴾، وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾؛ لأن توسيط ضمير الفصل وتقديم ﴿فِيهَا﴾ يفيد الحصر؛ أي: هم الموصوفون بالخلود في النار لا غيرهم، وإن خلودهم إنما هو في النار لا في غيرها، فثبت أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، ذكره في "روح البيان".
стр. 6152
ومنها: العدول عن الإضمار إلى الموصول ذمًّا لهم بكفرهم بآيات الله التي تخر لها الجبال، حيث لم يرفعوا لها رأسًا، ولم يعدوها من جنس الآيات، وقالوا: ﴿لَوْلَا﴾ ... الخ. اهـ. "أبو السعود".
ومنها: الطباق في قوله: ﴿تَغِيضُ﴾ و ﴿تَزْدَادُ﴾، وفي قوله: ﴿الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، وفي قوله: ﴿أَسَرَّ﴾ و ﴿جَهَرَ﴾، وفي قوله: ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ و ﴿وَسَارِبٌ﴾؛ لأن السارب الظاهر، وكلها من المحسنات البديعية اللفظية.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
كرهًا بحسب ما يريد .. أَعاد الكلام مع المشركين؛ ليلزمهم الحجة، ويقنعهم بالدليل، ويضيق عليهم باب الحوار حتى لا يستطيعوا الفرار من الاعتراف بوحدانيته تعالى وشمول قدرته وإرادته، وأنه لا معبود سواه ولا رب غيره.
قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ضرب مثل البصير والأعمى للمؤمن والكافر، ومثل النور والظلمات للإيمان والكفر .. ضرب مثلين للحق في ثباته وبقائه، وللباطل في اضمحلاله وفنائه، ثم بين مآل كل من السعداء والأشقياء، وما أعد لكل منهما يوم القيامة، وبين أن حاليهما لا يستويان عنده، وأن الذي يعي تلك الأمثال ويعتبر بها إنما هو ذو اللب السليم والعقل الراجح والفكر الثاقب.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه (١) النسائي والبزار عن أنس ﵁ قال بعث رسول الله ﷺ رجلًا من أصحابه إلى رجل من عظماء الجاهلية يدعوه إلى الله تعالى فقال: إيش ربك الذي تدعوني إليه؟ أمن حديد، أم من نحاس، أو من فضة، أو من ذهب؟ فأتى النبي ﷺ ، فأخبره فأعاد الثانية والثالثة، فأرسل الله عليه صاعقة، فأحرقته، ونزل هذه الآية: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ ...﴾ إلى آخرها.
وروي في أسباب نزولها: أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد وفدا إلى رسول الله ﷺ بالمدينة، وسألاه أن يجعل لهما نصف الأمر، فأبى عليهما ذلك، فقال له عامر لعنه الله: أما والله لأملأنها عليك خيلًا جردًا، ورجالًا مردًا، فقال له رسول الله: "يأبى الله عليك وابنا قيلة" - الأنصار من الأوس والخزرج - ثم أنهما همّا بالفتك برسول الله ﷺ ، فجعل أحدهما يخاطبه، والآخر
стр. 6155
يستلّ سيفه ليقتله من ورائه، فحماه الله تعالى منهما وعصمه، فخرجا من المدينة وانطلقا في أحياء العرب يجمعان لحربه، فأرسل الله تعالى على أربد سحابة فيها صاعقة فأحرقته، وأرسل الطاعون على عامر، فخرجت فيه غدة كغدة البكر، فآوى إلى بيت سلولية، وجعل يقول: يا غدة كغدة البكر وموت في سلولية حتى مات، وأنزل الله في مثل ذلك: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ ...﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١٢ - ﴿هُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ أيها الكفار المكذبون لرسولنا، وهو لمعان يظهر من خلال السحاب، وأسند (١) الإراءة إلى ذاته؛ لأنه الخالق في الأبصار نورًا يحصل به الرؤية للخلائق حالة كونكم ﴿خَوْفًا﴾؛ أي: خائفين (٢) من وقوع الصواعق، وخراب البيوت بالمطر ﴿و﴾ حالة كونكم ﴿وَطَمَعًا﴾؛ أي: طامعين في نزول الغيث وحصول بركته، أو حالة كون البرق ذا خوف لمن له في المطر ضرر كالمسافر، وكمن يجفف التمر والزبيب والقمح وذا طمع لمن له في نفع كالحراث. فإن (٣) المطر يكون لبعض الأشياء ضررًا ولبعضها رحمة، فيخاف منه المسافر ومن في خزينته التمر والزبيب، ومن له بيت لا يكف المطر، ويطمع فيه المقيم وأهل الزرع والبساتين، ومن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر، فإن انتفاعهم إنما هو بالنيل، وبالمطر يحصل الوطر.
والمعنى: أنه (٤) يسخر البرق، فيخاف منه بعض عباده كالمسافر ومن في جرينه التمر والزبيب للتجفيف، ويطمع فيه من له فيه النفع كمن يرجو المطر لسقي زرعه، وهكذا حال كل شيء في الدنيا هو خير بالنظر إلى من يحتاج إليه في أوانه، وشر بالنظر إلى من يضره بحسب مكانه أو زمانه ﴿و﴾ هو الإله الذي ﴿يُنْشِئُ﴾؛ أي: يخلق ويوجد ﴿السَّحَابَ﴾ ويرفع الغمام المنسحب في الجو؛ أي: يبتدىء إنشاء السحاب؛ أي: خلقه. وفيه دلالة على أن السحاب
стр. 6156
يعدمه الله تعالى، ثم يخلقه جديدًا، والسحاب اسم جنس، والواحدة سحابة، ولذلك وصف بقوله: ﴿الثِّقَالَ﴾ بالمطر، جمع ثقيلة، وقيل: جمع له كما في "الخازن". والسحاب: غربال (١) الماء. قاله علي بن أبي طالب ﵁. وقيل: السحاب: الغيم فيه ماء، أو لم يكن فيه ماء، ولهذا قيل: سحاب جهام؛ وهو الخالي من الماء، وأصل السحب الجرّ، وسمي السحاب سحابًا؛ إما لجر الريح له، أو لجره الماء، أو لانجراره في سيره. واختلف (٢) في أن الماء ينزل من السماء إلى السحاب، أو يخلقه الله في السحاب فيمطر. وفي "حواشي ابن الشيخ": السحاب: جسم مركب من أجزاء رطبة مائية، ومن أجزاء هوائية، وهذه الأجزاء المائية المشوبة بالأجزاء الهوائية إنما حدثت وتكونت في جو الهواء بقدرة المحدث القادر على ما شاء، والقول بأن تلك الأجزاء تصاعدت من الأرض، فلما وصلت إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت، فثقلت فرجعت إلى الأرض باطل؛ لأن الأمطار مختلفة، فتارة تكون قطرتها كبيرة، وتارة تكون صغيرة، وتارة متقاربة، وتارة متباعدة، وتارة تدوم زمانًا طويلًا، وتارة لا تدوم، فاختلاف الأمطار في هذه الصفات مع أن طبيعة الأرض واحدة، وهذا طبيعة الشمس المسخنة للبخارات واحدة لا بد أن يكون ذلك بتخصيص الفاعل المختار، وأيضًا فالتجربة دلت على أن للدعاء والتضرع في نزول الغيث أثرًا عظيمًا، ولذلك كانت صلاة الاستسقاء مشروعة، فعلمنا أن المؤثر فيه هو قدرة الفاعل المختار لا الطبيعة والخاصية انتهى.
والمعنى: وهو الذي يوجد السحاب منشأة جديدة ممتلئة ماء، فتكون ثقيلة قريبة من الأرض
١٣ - ﴿و﴾ هو الإله الذي ﴿يُسَبِّحُ الرَّعْدُ﴾؛ أي: يسبحه وينزهه، ويقدسه من النقائص، ملك الرعد حالة كونه ملتبسًا ﴿بِحَمْدِهِ﴾ . قيل: الرعد: اسم ملك موكل بالسحاب، والصوت المسموع لنا هو صوته بالتسبيح، يسوق بصوته السحاب كما يسوق الحادي الإبل بحداثه، فإذا
стр. 6157
سبح أوقع الهيبة على الخلق كلهم حتى الملائكة. وقيل: هو صوت الإله الذي يتولد عند ضرب السحاب بها.
وعن ابن عباس ﵄ أن اليهود سألت النبي ﷺ عن الرعد ما هو؟ فقال: "ملك من الملائكة موكل بالسحاب، ومعه مخاريق؛ أي: آلات من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله"، قالوا: فما الصوت الذي نسمع؟ قال: "زجره السحاب" أخرجه الترمذي وغيره وصححه. وقيل: الرعد: صوت السحاب، وتسبيحه هو دلالته على وحدانية الله تعالى.
وعن ابن عباس (١) ﵄ أنه قال: من سمع صوت الرعد، فقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير، فإن أصابه صاعقة فعلى دينه، وكان عبد الله بن الزبير إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، وكان يقول: إن الوعيد لأهل الأرض شديد.
وفي الحديث: "البرق والرعد وعيد لأهل الأرض، فإذا رأيتموه فكفّوا عن الحديث وعليكم بالاستغفار".
والخلاصة: أي أن (٢) في صوت الرعد لدلالة على خضوعه وتنزيهه عن الشريك والعجز، كما يدل صوت المسبح وتحميده على انقياده لقدرة ذلك الحكيم الخبير. ونحو الآية قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.
أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن عمر ﵄ كان رسول الله ﷺ إذا سمع صوت الرعد والصواعق يقول: "اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك". وأخرج ابن مردويه عن أبي
стр. 6158
هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ إذا هبت الريح أو صوت الرعد .. تغير لونه حتى يعرف ذلك في وجهه، ثم يقول للرعد: "سبحان من سبحت له"، وللريح: "اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا".
﴿و﴾ هو الإله الذي تسبح جميع ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ الكرام ﴿مِنْ خِيفَتِهِ﴾؛ أي: من خوفه وهيبته وجلاله، وينزهونه عن اتخاذ الصاحبة والولد والأنداد. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ معطوف على ﴿الرَّعْدُ﴾ عطف عام على خاص، وإنما (١) أفرد ﴿الرَّعْدُ﴾ بالذكر مع دخوله في ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ تشريفًا له على غيره من الملائكة، فهو كقوله: ﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل﴾؛ أي: ويسبح الملائكة من خوف الله تعالى وخشيته وهيبته وجلاله، وذلك لأنه إذا سبح الرعد - وتسبيحه ما يسمع من صوته - لم يبق ملك إلا رفع صوته بالتسبيح، فينزل المطر والملائكة خائفون من الله تعالى، وليس خوفهم كخوف بني آدم، فإنه لا يعرف أحدهم من على يمينه ومن على يساره، ولا يشغله عن عبادة الله طعام ولا شراب ولا شيء أصلًا.
﴿وَ﴾ هو الإله الذي ﴿يُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ وينزلها من السماء ﴿فَيُصِيبُ بِهَا﴾؛ أي: بتلك الصواعق ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ إصابته بها من عباده فيهلكه. والصواعق (٢) جمع صاعقة؛ وهي نار لا دخان لها تسقط من السماء وتتولد في السحاب، وهي أقوى نيران هذا العالم، فإنها إذا نزلت من السحاب فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان تحت البحر، والصاعقة تصيب المسلم وغيره ولا تصيب الذاكر. يقول الفقير: لعل وجهه أن الصاعقة عذاب عاجل، ولا يصيب إلا الغافل، وأما الذاكر فهو مع الله ورحمته، وبين الرحمة والغضب تباعد. وقولهم: تصيب المسلم - يشير إلى أن المصاب بالصاعقة على حاله من الإيمان والإسلام، ولا أثر لا فيه كما في اعتقاد بعض العوام.
стр. 6159
وجملة قوله: ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: هؤلاء الكفار مع ظهور هذه الدلائل ﴿يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ تعالى؛ أي: يخاصمون في الله، وينازعون في شأنه وفيما وصفه به الرسول ﷺ من كمال العلم والقدرة والتفرُّد بالألوهية وإعادة الناس للجزاء على أعمالهم يوم العرض والحساب جملة مستأنفة، أو في محل الحال مِنْ مَنْ وأعاد عليها الضمير جمعًا باعتبار معناها كما في "السمين".
﴿وَهُوَ﴾؛ أي: والحال أنه ﴿شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾؛ أي: شديد (١) المماحلة والمكايدة والمعاقبة لأعدائه؛ أي: شديد الأخذ بالعقوبة يأتيهم من حيث لا يحتسبون ولا يترقبون، وهو القادر على أن ينزل عليهم عذابًا من عنده لا يستطيعون حيلة لدفعه، ولا قوة على رده، لكنه يمهلهم لأجل معلوم بحسب ما تقضيه الحكمة كما صح في الحديث: "إن ربك لا يهمل ولكن يمهل" ومثل الآية قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾، وقوله: ﴿ومكروا مكرًا ومكرنا مكرًا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين﴾.
قال ابن جرير في تفسير ذلك (٢): والله شديد في عقوبة من طغى عليه، وعتا وتمادى في كفره؛ أي (٣): شديد المكر والكيد لأعدائه يهلكهم من حيث لا يحتسبون، من محل بفلان إذا كاده وسعى به إلى السلطان، ومنه تمحل لكذا إذا تكلف في استعمال الحيلة واجتهد فيه، فالجملة حال من الجلالة. وفي هذا تسلية لرسوله ﷺ ، فإنه لما نعى على كفار قريش عنادهم في اقتراحهم الآيات الحسية كآيات موسى وعيسى ﵉، وإنكارهم كون الذي جاء به ﵇ آيةً .. سلاه بما ذكر كأنه قال له: إن هؤلاء لم يقصروا جحدهم وإنكارهم على النبوة، بل تخطوه إلى الألوهية، ألا تراهم مع ظهور الآيات البينات على التوحيد يجادلون في الله باتخاذ الشركاء، وإثبات الأولاد له، ومع إحاطة علمه وشمول
стр. 6160
قدرته ينكرون البعث والجزاء والعرض للحساب، ومع شديد بطشه وعظيم سلطانه يقدمون على المكايدة والعناد .. فهون عليك ولا تذهب نفسك عليهم حسرات. وقرأ الجمهور (١): ﴿الْمِحَالِ﴾ - بكسر الميم -، وقرأ الضحاك والأعرج شذوذًا: ﴿المَحَال﴾ - بفتح الميم - وفسرت هذه القراءة بالحول.
١٤ - ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾؛ أي: له لا لغيره، وتقديم (٢) الخبر لإفادة التخصيص، دعوة الحق؛ أي: الدعاء الحق على أن يكون من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، والدعوة بمعنى العبادة، والحق بمعنى الحقيق اللائق الغير الباطل، والمعنى: إن الدعوة التي هي التضرع والعبادة قسمان: ما يكون حقًّا وصوابًا، وما يكون باطلًا وخطأ. فالتي تكون حقًّا منها مختصة به تعالى لا يشاركه فيها غيره، أو له الدعوة المجابة على أن يكون الحق بمعنى الثابت الغير الضائع الباطل، فإنه الذي يجيب لمن دعاه دون غيره. قال في "المدارك": المعنى: إن الله يدعى فيستجيب الدعوة، ويعطي السائل الداعي سؤاله، فكانت دعوة ملابسة لكونه حقيقًا بأن يوجه إليه الدعاء بخلاف ما لا ينفع دعاؤه.
وعبارة الشوكاني هنا: إضافة (٣) الدعوة إلى الحق للملابسة؛ أي: الدعوة الملابسة للحق والصدق المختصة به التي لا مدخل للباطل فيها بوجه من الوجوه، كما يقال كلمة الحق، والمعنى: إن له تعالى دعوة مجابة واقعة في موقعها, لا كدعوة من دونه. وقيل: هو الله .
والمعنى: إن لله سبحانه دعوة المدعو الحق، وهو الذي يسمع فيجيب. وقيل: المراد بدعوة ها هنا: كلمة التوحيد والإخلاص والمعنى: لله من خلقه أن يوحدوه ويخلصوا له، وإنه شرعها وأمر بها. وقيل: دعوة الحق، دعاؤه سبحانه عند الخوف، فإنه لا يدعى فيه سواه، كما قال تعالى: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾. وقيل: الدعوة: العبادة، فإن عبادة الله هي الحق والصدق انتهت. وفي هذا (٤)
стр. 6161
وما قبله وعيد للكفار على مجادلتهم لرسول الله ﷺ بحلول محاله بهم وتهديدهم بإجابة دعائه ﵇ إن دعا عليهم.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ مبتدأ، خبره جملة قوله: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾؛ أي: والأصنام الذين يدعوهم المشركون ويتضرعون إليهم من دونه تعالى متجاوزين إليهم، فحذف العائد، أو والكفار الذين يدعون الأصنام من دونه تعالى، فحذف المفعول لا يجيبونهم؛ أي: لا يجيب الأصنام. وعبر عن الأصنام بضمير العقلاء؛ لمعاملتهم إياها معاملة العقلاء؛ أي: لا تجيب الأصنام لداعيها بشيء مما يريدونه من نفع أو ضر. والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ استثناء مفرغ من عام المصدر؛ أي: لا يستجيبونهم استجابةً إلا استجابةً مثل استجابة الماء لمن يبسط ويمد يديه إليه ﴿لِيَبْلُغَ﴾ الماء ﴿فَاهُ﴾؛ أي: يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده ليصل إلى فمه ﴿وَمَا هُوَ﴾؛ أي: الماء ﴿بِبَالِغِهِ﴾؛ أي: ببالغ فيه؛ لأنه جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فيه، وكذا ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ولا يقدر على نفعهم، ففي الكلام تشبيه مركب تمثيلي، كما سيأتي في مبحث البلاغة.
والمعنى: أنه تعالى شبه من يعبد الأصنام بالرجل العطشان الذي يرى الماء بعينه من بعيد، فهو يشير بكفيه إلى الماء ويدعو بلسانه، فلا يأتيه أبدًا، هذا معنى قول مجاهد - وعن عطاء: كالعطشان الجالس على شفير البئر، فلا يبلغ إلى قعر البئر ليجر الماء ولا الماء يرتفع إليه، فلا ينفعه بسط الكف إلى الماء، ودعاؤه له، ولا هو يبلغه. اهـ "خازن".
﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ لأصنامهم ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾؛ أي: إلا (١) في ضياع وخسار وبطلان؛ لأن الآلهة لا تقدر على إجابتهم، وأما دعاؤهم له تعالى فالمذهب جواز استجابته، وقد أجاب الله دعاء إبليس وغيره، ألا ترى أن فرعون كان يدعو الله في مكانٍ خال عند نقصان النيل فيستجيب الله دعاؤه ويمده، فإذا كان الله لا
стр. 6162
يضيع دعاء الكافرين، فما ظنك بالماء. أو المعنى (١): وما عبادة الكافرين إلا في ضياع لا منفعة فيها؛ لأنهم إن عبدوا الأصنام لم يقدروا على نفعهم، وإن عبدوا الله لم يقبل منهم لإشراكهم. وقرأ الجمهور: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ - بالياء -، وقرىء بالتاء. وقرىء على هذه القراءة الشاذة: ﴿كَبَاسِطٍ كَفَّيْهِ﴾ - بتنوين باسط - ويكون في قوله: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ﴾ التفات.
١٥ - ثم بين عظيم قدرته تعالى، فقال: ﴿وَلِلَّهِ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُ﴾ حقيقة بوضع الجبهة على الأرض ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الملائكة وأرواح الأنبياء والمؤمنين ﴿و﴾ من في ﴿الأرض﴾ من الملائكة والمؤمنين من الثقلين ﴿طَوْعًا﴾؛ أي: حالة كونهم طائعين مختارين في حالة السعة والرخاء ﴿و﴾ حالة كونهم ﴿كرها﴾؛ أي: كارهين حالة الشدة والضرورة. أو المعنى: والله يعبد من في السماوات ومن في الأرض من الملائكة وبعض المؤمنين من الثقلين حالة كونهم طائعين بسهولة ونشاط، وحالة كونهم كارهين للعبادة بمشقة لصعوبة ذلك على بعض المؤمنين. وقوله: ﴿كَرْهًا﴾ راجع لمن ﴿فِى الْأَرْضِ﴾ فقط. ﴿و﴾ يسجد لله ﴿ظلالهم﴾؛ أي: ظلال من في السماوات والأرض بالعرض؛ أي: تبعًا لذي الظل؛ أي: ظلال من له ظل منهم، وهو الإنس لا الجن ولا الملك؛ إذ لا ظل لهما. ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾؛ أي: في البكر والعشايا، فالباء بمعنى في الظرفية متعلقة بـ ﴿يَسْجُدُ﴾، ويجوز أن يراد بالسجود معناه المجازي، وهو انقيادهم لأحداث ما أراده الله فيهم شاؤوا أو كرهوا، وانقياد ظلالهم لتصريفه إياها بالمد والتقليص، ونقلها من جانب إلى جانب، فالكل مذلل ومسخر تحت الأحكام والتقدير، والغدو: جمع غداة؛ وهي البكرة. والآصال: جمع أصيل؛ وهو العشي من حين زوال الشمس إلى غيبوبتها كما في "بحر العلوم". وقال في "الكواشي" وغيره الأصيل: ما بين صلاة العصر وغروب الشمس؛ أي: يسجد في هذين الوقتين، والمراد بهما الدوام؛ لأن السجود سواء أريد به حقيقته، أو الانقياد والاستسلام لا اختصاص له بالوقتين، وتخصيصهما - مع أن انقياد الظلال
стр. 6163
وميلانها من جانب إلى جانب، وطولها بسبب انحطاط الشمس، وقصرها بسبب ارتفاعها - لا يختص بوقت دون وقت، بل هي مستسلمة منقادة لله تعالى في عموم الأوقات؛ لأن الظلال إنما تزداد وتعظم فيهما. وقيل: لأنهما طرفا النهار، فيدخل وسطه فيما بينهما. وجاء (١) بـ ﴿مَن﴾ في قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تغليبًا للعقلاء على غيرهم، ولكون سجود غيرهم تبعًا لسجودهم، ومما يؤيد حمل السجود على الانقياد ما يفيده تقديم لله على الفعل من الاختصاص، فإن سجود الكفار لأصنامهم معلوم، ولا ينقادون لهم كانقيادهم لله في الأمور التي يقرّون على أنفسهم بأنها من الله، كالخلق والحياة والموت ونحو ذلك.
فصل
وهذه السجدة من عزائم سجود التلاوة، فيسن للقارىء والمستمع أن يسجد عند قراءته واستماعه لهذه السجدة. وقد سبق (٢) في آخر الأعراف ما يتعلق بسجدة التلاوة، فارجع إليه إن شئت. وأما سجدة الشكر؛ وهي أن يكبر ويخر ساجدًا مستقبل القبلة، فيحمده تعالى ويشكره، ويسبح ثم يكبر، فيرفع رأسه. وقال الشافعي: يستحب سجود الشكر عند تجدد النعم كحدوث ولد، أو نصر على الأعداء ونحوه، وعند دفع نقمة كنجاة من عدو أو غرق ونحو ذلك. وعن أبي حنيفة ومالك: أن سجود الشكر مكروه، ولو خضع فتقرب لله تعالى بسجدة واحدة من غير سبب فالأرجح أنه حرام. قال النواوي: ومن هذا ما يفعله كثير من الجهلة الضالين من السجود بين يدي المشايخ، فإن ذلك حرام قطعًا بكل حال، سواء كان إلى القبلة، أو لغيرها، وسواء قصد السجود لله، أو غفل، وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر كذا في الفتح القريب. وقرأ أبو مجلز: ﴿والإيصال﴾. قال ابن جنّي هو مصدر أصل؛ أي: دخل في الأصيل، كما تقول: أصبح؛ أي: دخل في الإصباح.
стр. 6164
١٦ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله تعالى: ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والاستفهام فيه للتقرير؛ أي: من مالك السماوات والأرض، ومن مدبرهما وخالقهما؟ فسيقولون: الله؛ لأنهم مقرون بأن الله خالق السماوات وما فيها والأرض وما فيها، فهذا أجابوك بذلك فـ ﴿قُلِ﴾ أنت يا محمد: ﴿اللَّهُ﴾ رب السماوات والأرض ومالكهما وخالقهما ومتولي أمرهما؛ إذ لا جواب لهم سواه؛ لأنه البين الذي لا مراء فيه؛ أي: قل لهم (١): الذي خلقها وأنشأها وسواها على أتم موضع وأحكم بناء هو الله، وقد أمر ﵇ ليجيب بذلك؛ للإشارة إلى أنه هو وهم سواء في ذلك الجواب الذي لا محيص منه، وهم لا ينكرونه البتة كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.
وقيل (٢): لما قال هذه المقالة للمشركين عطفوا عليه، وقال: أحب أنت، فأمره الله أن يجيبهم بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ أي: قل يا محمد الله خالقهما وربهما. وقيل: إنما جاء السؤال والجواب من جهة واحدة؛ لأن المشركين لا ينكرون أن الله خالق كل شيء، فلما لم ينكروا ذلك وأجاب النبي ﷺ بقوله: ﴿اللَّهُ﴾، فكأنهم قالوا ذلك أيضًا، ثم ألزمهم الحجة على عبادتهم الأصنام بقوله: ﴿قُلِ﴾ يا محمد للمشركين ﴿أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ وآلهة يعني الأصنام، فالهمزة فيه للاستفهام التوبيخي الإنكاري داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أعلمتم أن ربهما هو الذي ينقاد لأمره من فيهما كافة، فاتخذتم من دونه تعالى أصنامًا ﴿أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ﴾ أولئك الأولياء ﴿لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾؛ أي: لا يستطيعون لأنفسهم جلب نفع إليها ولا دفع ضرر عنها، وإذا عجزوا عن جلب النفع إلى أنفسهم، ودفع الضرر عنها .. كانوا عن نفع الغير ودفع الضرر عنه أعجز، ومن هو كذلك، فكيف يعبد ويتخذ وليًّا وهذا تجهيل لهم وشهادة على غباوتهم وضلالتهم التي ليس بعدها ضلال. وفي "روح البيان" الهمزة (٣) للإنكار، والفاء للاستبعاد؛ أي: أبعد إقراركم هذا وعلمكم بأنه تعالى
стр. 6165
صانع العالم ومالكه اتخذتم من دونه تعالى أصنامًا، وعبدتم من غيره تعالى أولياء وأربابًا، لا يستجلبون لأنفسهم نفعًا ولا يدفعون عنها ضررًا، فبالأولى أن يكونوا عاجزين عن تحصيل المنفعة للغير ودفع المضرة عن الغير، فإذا عجزوا عن ذلك كانت عبادتهم محض العبث والسفه، وهو منكر بعيد من مقتضى العقل.
وخلاصة ذلك (١): أفبعد أن علمتم أنه هو الخالق لهذا الخلق العظيم تتخذون من دونه أولياء هم غاية في العجز، وجعلتم ما كان يجب أن يكون سببًا في الاعتراف بالوحدانية، وهو علمكم بذلك سببًا في إشراككم به سواه من أضعف خلقه، وهو بمعنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾.
ثم ضرب الله مثلًا للمشركين الذين يعبدون الأصنام، والمؤمنين الذين يعترفون بأن لا رب غيره ولا معبود سواه، وأمر رسوله ﷺ أن يقوله لهم، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾ في دينه وهو الكافر ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ فيه وهو الموحد، فإن الأول جاهل لما يجب عليه وما يلزمه، والثاني عالم بذلك، والاستفهام فيه للتقريع والتوبيخ. والكلام على التشبيه (٢)؛ أي: فكما لا يستوي الأعمى والبصير في الحس، كذلك لا يستوي المشرك الجاهل بعظمة الله وثوابه وعقابه، وقدرته مع الموحد العالم بذلك.
والمعنى: أي قل لهم (٣) مصوِّرًا سخيف آرائهم مفنِّدًا قبيح معتقداتهم: هل يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئًا ولا يهتدي لمحجة يسلكها إلا بأن يهدى بدليل، والبصير الذي يهدي الأعمى لسلوك الطريق؟ لا شك أن الجواب أنهما غير متساويين، فكذلك المؤمن الذي يبصر الحق فيتبعه، ويعرف الهدى فيسلكه لا يستوي هو وإياكم، وأنتم لا تعرفون حقًّا ولا تبصرون رشدًا.
ثم ضرب مثلًا للكفر والإيمان بقوله: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ﴾ و ﴿أَمْ﴾ هنا