وما قبله وعيد للكفار على مجادلتهم لرسول الله ﷺ بحلول محاله بهم وتهديدهم بإجابة دعائه ﵇ إن دعا عليهم.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ مبتدأ، خبره جملة قوله: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾؛ أي: والأصنام الذين يدعوهم المشركون ويتضرعون إليهم من دونه تعالى متجاوزين إليهم، فحذف العائد، أو والكفار الذين يدعون الأصنام من دونه تعالى، فحذف المفعول لا يجيبونهم؛ أي: لا يجيب الأصنام. وعبر عن الأصنام بضمير العقلاء؛ لمعاملتهم إياها معاملة العقلاء؛ أي: لا تجيب الأصنام لداعيها بشيء مما يريدونه من نفع أو ضر. والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ استثناء مفرغ من عام المصدر؛ أي: لا يستجيبونهم استجابةً إلا استجابةً مثل استجابة الماء لمن يبسط ويمد يديه إليه ﴿لِيَبْلُغَ﴾ الماء ﴿فَاهُ﴾؛ أي: يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده ليصل إلى فمه ﴿وَمَا هُوَ﴾؛ أي: الماء ﴿بِبَالِغِهِ﴾؛ أي: ببالغ فيه؛ لأنه جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه وحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فيه، وكذا ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم ولا يستطيع إجابتهم ولا يقدر على نفعهم، ففي الكلام تشبيه مركب تمثيلي، كما سيأتي في مبحث البلاغة.
والمعنى: أنه تعالى شبه من يعبد الأصنام بالرجل العطشان الذي يرى الماء بعينه من بعيد، فهو يشير بكفيه إلى الماء ويدعو بلسانه، فلا يأتيه أبدًا، هذا معنى قول مجاهد - وعن عطاء: كالعطشان الجالس على شفير البئر، فلا يبلغ إلى قعر البئر ليجر الماء ولا الماء يرتفع إليه، فلا ينفعه بسط الكف إلى الماء، ودعاؤه له، ولا هو يبلغه. اهـ "خازن".
﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ لأصنامهم ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾؛ أي: إلا (١) في ضياع وخسار وبطلان؛ لأن الآلهة لا تقدر على إجابتهم، وأما دعاؤهم له تعالى فالمذهب جواز استجابته، وقد أجاب الله دعاء إبليس وغيره، ألا ترى أن فرعون كان يدعو الله في مكانٍ خال عند نقصان النيل فيستجيب الله دعاؤه ويمده، فإذا كان الله لا
стр. 6162
يضيع دعاء الكافرين، فما ظنك بالماء. أو المعنى (١): وما عبادة الكافرين إلا في ضياع لا منفعة فيها؛ لأنهم إن عبدوا الأصنام لم يقدروا على نفعهم، وإن عبدوا الله لم يقبل منهم لإشراكهم. وقرأ الجمهور: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ - بالياء -، وقرىء بالتاء. وقرىء على هذه القراءة الشاذة: ﴿كَبَاسِطٍ كَفَّيْهِ﴾ - بتنوين باسط - ويكون في قوله: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ﴾ التفات.
١٥ - ثم بين عظيم قدرته تعالى، فقال: ﴿وَلِلَّهِ﴾ لا لغيره ﴿يَسْجُدُ﴾ حقيقة بوضع الجبهة على الأرض ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الملائكة وأرواح الأنبياء والمؤمنين ﴿و﴾ من في ﴿الأرض﴾ من الملائكة والمؤمنين من الثقلين ﴿طَوْعًا﴾؛ أي: حالة كونهم طائعين مختارين في حالة السعة والرخاء ﴿و﴾ حالة كونهم ﴿كرها﴾؛ أي: كارهين حالة الشدة والضرورة. أو المعنى: والله يعبد من في السماوات ومن في الأرض من الملائكة وبعض المؤمنين من الثقلين حالة كونهم طائعين بسهولة ونشاط، وحالة كونهم كارهين للعبادة بمشقة لصعوبة ذلك على بعض المؤمنين. وقوله: ﴿كَرْهًا﴾ راجع لمن ﴿فِى الْأَرْضِ﴾ فقط. ﴿و﴾ يسجد لله ﴿ظلالهم﴾؛ أي: ظلال من في السماوات والأرض بالعرض؛ أي: تبعًا لذي الظل؛ أي: ظلال من له ظل منهم، وهو الإنس لا الجن ولا الملك؛ إذ لا ظل لهما. ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾؛ أي: في البكر والعشايا، فالباء بمعنى في الظرفية متعلقة بـ ﴿يَسْجُدُ﴾، ويجوز أن يراد بالسجود معناه المجازي، وهو انقيادهم لأحداث ما أراده الله فيهم شاؤوا أو كرهوا، وانقياد ظلالهم لتصريفه إياها بالمد والتقليص، ونقلها من جانب إلى جانب، فالكل مذلل ومسخر تحت الأحكام والتقدير، والغدو: جمع غداة؛ وهي البكرة. والآصال: جمع أصيل؛ وهو العشي من حين زوال الشمس إلى غيبوبتها كما في "بحر العلوم". وقال في "الكواشي" وغيره الأصيل: ما بين صلاة العصر وغروب الشمس؛ أي: يسجد في هذين الوقتين، والمراد بهما الدوام؛ لأن السجود سواء أريد به حقيقته، أو الانقياد والاستسلام لا اختصاص له بالوقتين، وتخصيصهما - مع أن انقياد الظلال
стр. 6163
وميلانها من جانب إلى جانب، وطولها بسبب انحطاط الشمس، وقصرها بسبب ارتفاعها - لا يختص بوقت دون وقت، بل هي مستسلمة منقادة لله تعالى في عموم الأوقات؛ لأن الظلال إنما تزداد وتعظم فيهما. وقيل: لأنهما طرفا النهار، فيدخل وسطه فيما بينهما. وجاء (١) بـ ﴿مَن﴾ في قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تغليبًا للعقلاء على غيرهم، ولكون سجود غيرهم تبعًا لسجودهم، ومما يؤيد حمل السجود على الانقياد ما يفيده تقديم لله على الفعل من الاختصاص، فإن سجود الكفار لأصنامهم معلوم، ولا ينقادون لهم كانقيادهم لله في الأمور التي يقرّون على أنفسهم بأنها من الله، كالخلق والحياة والموت ونحو ذلك.
فصل
وهذه السجدة من عزائم سجود التلاوة، فيسن للقارىء والمستمع أن يسجد عند قراءته واستماعه لهذه السجدة. وقد سبق (٢) في آخر الأعراف ما يتعلق بسجدة التلاوة، فارجع إليه إن شئت. وأما سجدة الشكر؛ وهي أن يكبر ويخر ساجدًا مستقبل القبلة، فيحمده تعالى ويشكره، ويسبح ثم يكبر، فيرفع رأسه. وقال الشافعي: يستحب سجود الشكر عند تجدد النعم كحدوث ولد، أو نصر على الأعداء ونحوه، وعند دفع نقمة كنجاة من عدو أو غرق ونحو ذلك. وعن أبي حنيفة ومالك: أن سجود الشكر مكروه، ولو خضع فتقرب لله تعالى بسجدة واحدة من غير سبب فالأرجح أنه حرام. قال النواوي: ومن هذا ما يفعله كثير من الجهلة الضالين من السجود بين يدي المشايخ، فإن ذلك حرام قطعًا بكل حال، سواء كان إلى القبلة، أو لغيرها، وسواء قصد السجود لله، أو غفل، وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر كذا في الفتح القريب. وقرأ أبو مجلز: ﴿والإيصال﴾. قال ابن جنّي هو مصدر أصل؛ أي: دخل في الأصيل، كما تقول: أصبح؛ أي: دخل في الإصباح.
стр. 6164
١٦ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله تعالى: ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والاستفهام فيه للتقرير؛ أي: من مالك السماوات والأرض، ومن مدبرهما وخالقهما؟ فسيقولون: الله؛ لأنهم مقرون بأن الله خالق السماوات وما فيها والأرض وما فيها، فهذا أجابوك بذلك فـ ﴿قُلِ﴾ أنت يا محمد: ﴿اللَّهُ﴾ رب السماوات والأرض ومالكهما وخالقهما ومتولي أمرهما؛ إذ لا جواب لهم سواه؛ لأنه البين الذي لا مراء فيه؛ أي: قل لهم (١): الذي خلقها وأنشأها وسواها على أتم موضع وأحكم بناء هو الله، وقد أمر ﵇ ليجيب بذلك؛ للإشارة إلى أنه هو وهم سواء في ذلك الجواب الذي لا محيص منه، وهم لا ينكرونه البتة كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.
وقيل (٢): لما قال هذه المقالة للمشركين عطفوا عليه، وقال: أحب أنت، فأمره الله أن يجيبهم بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ أي: قل يا محمد الله خالقهما وربهما. وقيل: إنما جاء السؤال والجواب من جهة واحدة؛ لأن المشركين لا ينكرون أن الله خالق كل شيء، فلما لم ينكروا ذلك وأجاب النبي ﷺ بقوله: ﴿اللَّهُ﴾، فكأنهم قالوا ذلك أيضًا، ثم ألزمهم الحجة على عبادتهم الأصنام بقوله: ﴿قُلِ﴾ يا محمد للمشركين ﴿أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ وآلهة يعني الأصنام، فالهمزة فيه للاستفهام التوبيخي الإنكاري داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أعلمتم أن ربهما هو الذي ينقاد لأمره من فيهما كافة، فاتخذتم من دونه تعالى أصنامًا ﴿أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ﴾ أولئك الأولياء ﴿لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾؛ أي: لا يستطيعون لأنفسهم جلب نفع إليها ولا دفع ضرر عنها، وإذا عجزوا عن جلب النفع إلى أنفسهم، ودفع الضرر عنها .. كانوا عن نفع الغير ودفع الضرر عنه أعجز، ومن هو كذلك، فكيف يعبد ويتخذ وليًّا وهذا تجهيل لهم وشهادة على غباوتهم وضلالتهم التي ليس بعدها ضلال. وفي "روح البيان" الهمزة (٣) للإنكار، والفاء للاستبعاد؛ أي: أبعد إقراركم هذا وعلمكم بأنه تعالى
стр. 6165
صانع العالم ومالكه اتخذتم من دونه تعالى أصنامًا، وعبدتم من غيره تعالى أولياء وأربابًا، لا يستجلبون لأنفسهم نفعًا ولا يدفعون عنها ضررًا، فبالأولى أن يكونوا عاجزين عن تحصيل المنفعة للغير ودفع المضرة عن الغير، فإذا عجزوا عن ذلك كانت عبادتهم محض العبث والسفه، وهو منكر بعيد من مقتضى العقل.
وخلاصة ذلك (١): أفبعد أن علمتم أنه هو الخالق لهذا الخلق العظيم تتخذون من دونه أولياء هم غاية في العجز، وجعلتم ما كان يجب أن يكون سببًا في الاعتراف بالوحدانية، وهو علمكم بذلك سببًا في إشراككم به سواه من أضعف خلقه، وهو بمعنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾.
ثم ضرب الله مثلًا للمشركين الذين يعبدون الأصنام، والمؤمنين الذين يعترفون بأن لا رب غيره ولا معبود سواه، وأمر رسوله ﷺ أن يقوله لهم، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾ في دينه وهو الكافر ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ فيه وهو الموحد، فإن الأول جاهل لما يجب عليه وما يلزمه، والثاني عالم بذلك، والاستفهام فيه للتقريع والتوبيخ. والكلام على التشبيه (٢)؛ أي: فكما لا يستوي الأعمى والبصير في الحس، كذلك لا يستوي المشرك الجاهل بعظمة الله وثوابه وعقابه، وقدرته مع الموحد العالم بذلك.
والمعنى: أي قل لهم (٣) مصوِّرًا سخيف آرائهم مفنِّدًا قبيح معتقداتهم: هل يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئًا ولا يهتدي لمحجة يسلكها إلا بأن يهدى بدليل، والبصير الذي يهدي الأعمى لسلوك الطريق؟ لا شك أن الجواب أنهما غير متساويين، فكذلك المؤمن الذي يبصر الحق فيتبعه، ويعرف الهدى فيسلكه لا يستوي هو وإياكم، وأنتم لا تعرفون حقًّا ولا تبصرون رشدًا.
ثم ضرب مثلًا للكفر والإيمان بقوله: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ﴾ و ﴿أَمْ﴾ هنا
стр. 6166
منقطعة تقدر ببل وبهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي: بل (١) أهل تستوي الظلمات التي لا ترى فيها الطريق، فتسلك ﴿وَالنُّورُ﴾ الذي يبصر به الأشياء ويجلو ضوؤه الظلام؟ لا شك أن الجواب عن ذلك أنهما لا يستويان، فكذلك الكفر باللهِ صاحبه منه في حيرة يضرب أبدًا في غمرة لا يهتدي إلى حقيقة، ولا يصل إلى صواب، والإيمان باللهِ صاحبه منه في ضياء، فهو يعمل على علم بربه ومعرفة منه بأنه يثيبه على إحسانه ويعاقبه على إساءته، ويرزقه من حيث لا يحتسب ويكلؤه بعنايته في كل وقت وحين، فهو يفوض أمره إليه إذا أظلمت الخطوب وتعددت في نظره مدلهمات الحوادث. والكلام (٢) على التشبيه أيضًا؛ أي: فكما لا تستوي الظلمات والنور، كذلك لا يستوي الشرك والإنكار، والتوحيد والمعرفة، ووحد النور وجمع الظلمة؛ لأن طريق الحق واحد والباطل طرقه كثيرة، كشرك اليهود وشرك النصارى وشرك عبدة الأوثان وشرك المجوس وغيرها بخلاف التوحيد. وقرأ (٣) الأخوان حمزة والكنسائي وأبو بكر: ﴿أم هل يستوي﴾ - بالياء - والجمهور: ﴿تستوي﴾ بالتاء الفوقية. و ﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمْ هَلْ﴾ منقطعة تتقدر بـ ﴿بل﴾ والهمزة على المختار، والتقدير: بل أهل تستوي، و ﴿هَلْ﴾ وإن نابت عن همزة الاستفهام في كثير من المواضع، فقد جامعتها في قول الشاعر:
أهْلٌ رَأوْنَا بِوَادِيْ ... الفَقْرِ ذِيْ الأكَمِ
وإذا جامعتها مع التصريح بها فلأن تجامعها مع أم المتضمنة لها أولى، وهل بعد أم المنقطعة يجوز أن يؤتى بها لشبهها بالأدوات الاسمية التي للاستفهام في عدم الأصالة فيه كقوله: ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾. ويجوز أن لا يؤتى بها بعد أم المنقطعة؛ لأن أم تتضمنها، فلم يكونوا ليجمعوا بين أم والهمزة، لذلك ذكره أبو حيان في "البحر".
و ﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ منقطعة بمعنى بل وهمزة الإنكار.
стр. 6167
وجملة ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ صفة لـ ﴿شُرَكَاءَ﴾؛ أي: بل أجعل هؤلاء المشركون لله شركاء وآلهة يستحقون العبادة معه تعالى خلقوا؛ أي: خلق أولئك الشركاء سماوات وأرضين وشمسًا وقمرًا وجبالًا وبحارًا وجنًّا وإنسًا كخلقه تعالى إياهن؛ أي: خلقوا مخلوقًا مماثلًا لما خلقه الله تعالى. ﴿فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: فاشتبه (١) عليهم مخلوق الله بمخلوق الشركاء حتى يقولوا: قدر هؤلاء على الخلق كما قدر الله عليه، فاستحقوا العبادة، فنتخذهم له شركاء، ونعبدهم كما يعبد، ولكنهم اتخذوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلًا أن يقدروا على ما يقدر عليه الخالق. وهذا الاستفهام إنكاري (٢)؛ أي: ليس الأمر كذلك حتى يشتبه عليهم الأمر، بل إذا تفكروا بعقولهم وجدوا الله تعالى هو المنفرد بخلق سائر الأشياء، والشركاء مخلوقون له أيضًا لا يخلقون شيئًا حتى يشتبه خلق الله بخلق الشركاء، وإذا كان الأمر كذلك .. فقد لزمتهم الحجة؛ وهو قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. والمعنى؛ أي: بل (٣) أخلق أوثانكم التي اتخذتموها معبودات من دون الله خلقًا كخلقه، فاشتبه عليكم أمرها فيما خلقت وخلق الله، فجعلتموها له شركاء من أجل ذلك، أم أن بكم الجهل والبعد عن الصواب؛ إذ لا يخفى على من له مسكة من العقل أن عبادة ما لا يضر ولا ينفع من الجهل بحقيقة المعبود ومن يجب له التذلل والخضوع والإنابة والزلفى والإخبات إليه، وإنما الواجب عبادة من يرجى نفعه ويخشى عقابه وضره، وهو الذي يرزقه ويمونه آناء الليل وأطراف النهار، وإذا كان الأمر كذلك كان حكمهم بكونها شركاء لله في الألوهية محض الجهل.
ثم ذكر فذلكة لما تقدم، ونتيجة لما سبق من الأدلة والأمثال التي ضربت بها، فقال: ﴿قُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين مبيِّنًا لهم وجه الحق ﴿اللَّهُ﴾ ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الأجسام والأعراض، لا خالق غير الله فيشاركه في العبادة؛ أي: الله خالقكم وخالق أوثانكم، وخالق كل شيء مما يصح أن يكون
стр. 6168
مخلوقًا. وقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من العموم الذي يراد به الخصوص؛ لأن الله تعالى خلق كل شيء وهو غير مخلوق. قال الزجّاج: والمعنى أنه خالق كل شيء مما يصح أن يكون مخلوقًا، ألا ترى أنه تعالى شيء وهو غير مخلوق انتهى.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْوَاحِدُ﴾؛ أي: الفرد الذي لا ثاني له ﴿الْقَهَّارُ﴾؛ أي: الغالب على كل شيء سواه، فكل ما عداه مربوب مقهور مغلوب، فكيف تعبدون غيره وتشركون به ما لا يضر ولا ينفع.
١٧ - ثم ضرب سبحانه مثلًا آخر للحق وذويه وللباطل ومنتحليه، فقال: ﴿أَنْزَلَ﴾ سبحانه ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: من السحاب ﴿مَاءً﴾؛ أي: مطرًا كثيرًا، والتنوين (١) فيه للتكثير أو للنوعية ﴿فَسَالَتْ﴾؛ أي: فجرت بذلك الماء ﴿أَوْدِيَةٌ﴾؛ أي: أنهار كثيرة ﴿بِقَدَرِهَا﴾؛ أي: بحسب مقدار تلك الأودية في الصغر والكبر، فإن صغر الوادي قل الماء، وإن اتسع الوادي كثر الماء. والأودية جمع وادٍ كنادٍ وأندية، وهو كل منفرج بين جبلين أو نحوهما. وفي قوله: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ توسع؛ أي: سال ماؤها، ومعنى بقدرها؛ أي: بقدر مائها؛ لأن الأودية ما سالت بقدر أنفسها.
وفي "روح البيان": ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾؛ أي: مطرًا ينحدر منها إلى السحاب، ومنه إلى الأرض، وهو رد لمن زعم أنه يأخذه من البحر ومن زعم أن المطر إنما يتحصل من ارتفاع أبخرة رطبة من الأرض إلى الهواء، فينعقد هناك من شدة برد الهواء، ثم ينزل مرة أخرى، وعن ابن (٢) عباس ﵄ أن تحت العرش بحرًا ينزل منه أرزاق الحيوانات يوحي الله إليه، فيمطر ما شاء من سماء إلى سماء الدنيا، ويوحي إلى السحاب أن غربله فيغربله، فليس من قطرة تقطر إلا ومعها ملك يضعها موضعها، ولا ينزل من السماء قطرة إلا بكيل
стр. 6169
معلوم ووزن معلوم إلا ما كان يوم الطوفان من ماء، فإنه نزل بغير كيل ولا وزن انتهى.
شبه نزول القرآن الجامع للهدى والبيان بنزول المطر (١)؛ إذ نفع نزول القرآن يعم كعموم نفع نزول المطر، وشبه الأودية بالقلوب؛ إذ الأودية يستكن فيها الماء كما يستكن القرآن والإيمان في قلوب المؤمنين ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ﴾؛ أي: حمل ورفع السيفُ الجاري في الوادي ﴿زَبَدًا﴾؛ أي: غشاء ﴿رَابِيًا﴾؛ أي: منتفخًا مرتفعًا فوق الماء طافيًا عليه. والزبد: اسم لكل ما علا وجه الماء من رغوة وغيرها، سواء حصل بالغليان والاضطراب أو بغيره، وهذا هو المثل الأول ضربه الله للحق والباطل، والإيمان والكفر.
والمراد من هذا تشبيه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء، فإنه يضمحل ويعلق بجنبات الوادي وتدفعه الرياح، فكذلك يذهب الكفر ويضمحل.
والمعنى (٢): أي أنزل من السحاب مطرًا فسالت مياه الأودية بحسب مقدارها في الصغر والكبر، فحمل السيل الذي حدث من ذلك الماء زبدًا عاليًا مرتفعًا فوقه طافيًا عليه، وقد تم المثل الأول. ثم شرع سبحانه في ذكر المثل الثاني، فقال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ خبر مقدم لقوله: زبد مثله، و ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُوقِدُونَ﴾، والإيقاد: جع النار تحت الشيء ليذوب، و ﴿فِي النَّارِ﴾ حال من الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: ومما يوقد الناس عليه من جواهر الأرض كالذهب والفضة والنحاس والرصاص والحديد، حالة كونه ثابتًا في النار ليذوب ويخلص عن الخبث. وقوله: ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ مفعول لأجله؛ أي: لأجل طلب اتخاذ زينة من حليٍّ كالسوار والطوق، أو اتخاذ متاع كالأواني والقدور وغيرها من آلات الحرب والحصد وأدوات المصانع وأدوات القتال والنزال ﴿زَبَدٌ﴾؛ أي: وسخ وخبث ﴿مِثْلُهُ﴾؛ أي: مثل زبد الماء ووسخه في أن كلًّا منهما شيء من الأكدار، المعني؛ أي: وزبد مثل زبد السيل كائن وناشىء من الجواهر التي
стр. 6170
يوقدون عليها النار ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل هذا التبيين للأمور الأربعة الماء والجوهر والزبدين ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ﴾ ، ويبين ﴿الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾؛ أي: الإيمان والكفر؛ أي: يبين مثلهما وشبههما في الثبات والاضمحلال؛ أي: وما مثل الحق والباطل إذا اجتمعا إلا مثل السيل والجوهر وزبديهما، فكما أن الزبد لا يثبت مع الماء ولا مع الذهب والفضة ونحوهما مما يسبك في النار، بل يذهب ويضمحل، فالباطل لا ثبات له ولا دوام أمام الحق. ثم فصل هذا بقوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ من الماء والجوهر ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾؛ أي: مضمحلًا متلاشيًا لا منفعة فيه ولا بقاء له؛ أي: فينعدم مرميًّا؛ أي: يرميه الماء إلى الساحل ويرميه الكير ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ من الماء الصافي والجوهر الخالص ﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يبقى ويثبت في الأرض، فالماء يثبت بعضه في منافعه، ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والآبار والجوهر، يصاغ من بعضه أنواع الحلي، ويتخذ من بعضه أصناف الآلات، فينتفع بكل من ذلك مدة طويلة.
والمعنى (١): أي فأما الزبد الذي يعلو السيل .. فيذهب مرميًّا في جانبي الوادي، ويعلق بالشجر، وتنسفه الرياح، وكذلك خبث الحديد والنحاس والذهب والفضة يذهب ولا يرجع منه شيء، وأما ما ينفع الناس من الماء والذهب والفضة .. فيمكث في الأرض، فالماء نشربه ونسقي به الأرض، فينبت جيد الزرع الذي ينتفع به الناس والحيوان. والذهب والفضة نستعملهما في الحلي وصك النقود، والحديد والنحاس ونحوهما نستعملها في متاعنا من الحرث والحصد، وفي المعامل والمصانع ووسائل الدفاع ونحو ذلك.
واعلم: أن وجه (٢) المماثلة بين الزبدين في الزبد الذي يحمله السيل، والزبد الذي يعلو الأجسام المنطرقة: أن تراب الأرض لما خالط الماء وحمله معه صار زبدًا رابيًا فوقه، وكذلك ما يوقد عليه في النار حتى يذوب من الأجسام المنطرقة, فإنَّ أصله من المعادن التي تنبت في الأرض، فيخالطها التراب، فإذا أذيب صار
стр. 6171
ذلك التراب الذي خالطها خبثًا مرتفعًا فوقها.
وقال الزجاج: مثلُ المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان له كمثل الماء المنتفع به في نبات الأرض وحياة كل شيء، وكمثل نفع الذهب والفضة وسائر الجواهر؛ لأنها كلها تبقى منتفعًا بها. ومثل الكافر وكفره كمثل الزبد الذي يذهب جفاء، وكمثل خبث الحديد وما تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذي لا ينتفع به. اهـ.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك الضرب العجيب ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: يبين الله أمثال الحق والباطل، فيجعلها في غاية الوضوح؛ أي: ومثل ضربنا لهذه الأمثال البديعة التي توضح للناس ما أشكل عليهم من أمور دينهم، وتظهر الفوارق بين الحق والباطل والكفر والإيمان نضرب لهم الأمثال، ونبين لهم الأشباه في كل باب حتى تستبين لهم طريق الهدى، فيسلكوها، وطرق الباطل فينحرفوا عنها، وتتم لهم سعادة المعاش والمعاد، ويكونوا المثل العليا بين الناس كما قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
وفي "الصحيحين" عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا، وأصابت طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به، ونفع به الناس فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به".
وروى أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها، فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحُجَزكم عن النار: هلم عن النار، فتغلبوني فتقتحمون فيها".
стр. 6172
وقرأ الجمهور (١): ﴿بِقَدَرِهَا﴾ - بفتح الدال -، وقرأ الأشهب العقيلي وزيد بن علي وأبو عمرو في رواية شذوذًا بسكونها. وقرأ حمزة والكسائي وحفص وابن محيصن ومجاهد وطلحة ويحيى وأهل الكوفة: ﴿يوقدون﴾ بالياء على الغيبة؛ أي: يوقد الناس. وقرأ باقي السبعة والحسن وأبو جعفر والأعرج وشيبة ﴿توقدون﴾ بالتاء على الخطاب. وقرأ رؤبة شاذًا: ﴿جفالًا﴾ باللام بدل الهمزة من قولهم: جفلت الريح السحاب إذا حملته وفرقته، وعن أبي حاتم: لا يقرأ بقراءة رؤبة؛ لأنه كان يأكل الفأر بمعنى: أنه كان أعرابيًّا جافيًا. وعن أبي حاتم أيضًا: لا تعتبر قراءة الأعراب في القرآن.
١٨ - ولما فرغ (٢) من بيان شأن كل من الحق والباطل في الحال والمآل وأتم البيان .. شرع يبين حال أهلهما مآلًا ترغيبًا فيهما، وترهيبًا وتكملة لوسائل الدعوة إلى الحق والخير، وتنفيرًا عن سلوك طرق الباطل والشر، فقال: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ﴾؛ أي: للمؤمنين الذي أجابوا ربهم في الدنيا إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والتزام الشرائع الواردة على لسان رسوله ﴿الْحُسْنَى﴾؛ أي: المثوبة الحسنة في الآخرة والمنفعة الدائمة الخالصة عن شوائب المضرة المقرونة بالإجلال؛ وهي الجنة، وسميت بذلك؛ لأنها في نهاية الحسن؛ أي: للذين أطاعوا الله ورسوله وانقادوا لأوامره وصدقوا ما أخبر به فيما نزل عليه من عند ربه المثوبة الحسنى الخالصة من الكدر والنصب؛ الدائمة المقترنة بالتعظيم والإجلال والآية بمعنى قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾.
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ دعوته إلى التوحيد؛ أي: والأشقياء الذين لم يجيبوا دعوته تعالى إلى التوحيد على لسان رسوله ﷺ ، ولم يطيعوه ولم يمتثلوا أوامره، ولم ينتهوا عما نهى عنه، وعاندوا الحق واستمروا على كفرهم وشركهم وما كانوا عليه. ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ من
стр. 6173
نقودها وأمتعتها وضياعها؛ أي: لو ثبت كون جميع ما في الأرض لهم من أصناف الأموال التي يتملكها العباد، ويجمعونها بحيث لا يخرج عن ملكهم منها شيء ﴿و﴾ أن ﴿مثله﴾؛ أي: مثل ما في الأرض جميعًا لهم حالة كونه كائنًا ﴿مَعَهُ﴾؛ أي: كائنًا مع ما في الأرض ومنضمًا إليه ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ﴾؛ أي: بمجموع ما ذكر، وهو ما في الأرض ومثله؛ أي: لجعلوا ما في الأرض ومثله فداء أنفسهم من العذاب الأليم؛ لأن محبوب كل إنسان ذاته، فإذا كانت نفسه في ضور وكان مالكًا لكل شيء فإنه يرضى أن يجعل جميع ملكه فداء لها؛ لأنه حب ما سواها ليكون وسيلة إلى مصالحها.
والحال: أن للذين لم يستجيبوا لربهم أنواعًا من العذاب:
الأول منها: أنهم من شدة ما يرون من هول العذاب لو استطاعوا أن يجعلوا ما في الأرض جميعًا ومثله معه فديةً لأنفسهم .. لفعلوا, ولو فادوا به .. لم يقبل منهم، فإن المحبوب أولًا لكل إنسان هو ذاته، وما سواها فيحبه لكونه وسيلةً إلى مصالحها، فإذا كان مالكًا لهذا العالم كله ولما يساويه جعله فداء لنفسه؛ وفي هذا من التهويل الشديد ومن سوء ما يلقاهم في ذلك اليوم ما لا يخفى على من اعتبر وتذكر.
والثاني منها: ما ذكره بقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ المعاندون الذين لم يستجيبوا لربهم ﴿لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾؛ أي: قبيح الحساب وشديد المناقشة؛ فيناقشون على الجليل والفقير والحقير، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الحساب السيء، وهو أن يحاسب الرجل على كل ما عمل من الذنوب، ولا يغفر له شيء منه، والمناقشة في الحساب أن يستقصي فيه بحيث لا يترك منه شيء، يقال: ناقشه الحساب إذا عاسره فيه واستقصى فلم يترك قلبي، ولا كثيرًا. وفي الحديث: "من نوقش الحساب عذب". وقال النواوي: هذا لمن لم يحاسب نفسه في الدنيا، فيناقض بالصغيرة والكبيرة، فأما من تاب وحاسب نفسه .. فلا يناقش كما في "الفتح القريب" ذلك أن كفرهم أحبط أعمالهم، وارتكابهم للشرور والآثام ران على قلوبهم وجعلها تستمرىء الغواية والضلالة، وحبهم للدنيا جعلهم يعرضون
стр. 6174
عما يقربهم إلى الله زلفى، فباؤوا بالخسران والهوان والنكال.
والثالث منها: ما ذكره بقوله: ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾؛ أي: مقرهم في الآخرة بعد المناقشة والحساب ﴿جَهَنَّمُ﴾؛ أي: نار جهنم. فإن قلت: هلا قيل: ومأواهم النار؟ قلت: لأن في ذكر جهنم تهويلًا وتفظيعًا، ويحتمل أن يكون جهنم هي أبعد النار قعرًا، من قولهم: بئر جهنم بعيدة القعر. قال بعضهم: جهنم: لفظ معرب، وكأنه في الفرس: جَهْ نم. ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾؛ أي: وبئس المسكن مسكنهم في الآخرة، والمخصوص بالذم هي؛ أي: جهنم وقيل المهاد: الفراش، يعني: وبئس الفراش يفرش لهم في جنهم، إذ أنهم غفلوا عما يقربهم إلى ربهم، وينيلهم كرامته ورضوانه، واتبعوا أهواءهم وانغمسوا في لذاتهم، فحقت عليهم كلمته ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. ونزل في حمزة ﵁ وأبي جهل كما روي عن ابن عباس ﵄
١٩ - قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾. وقيل: نزلت في عمار بن ياسر ﵁ وأبي جهل بن هشام، فالأول هو حمزة أو عمار ﵄، والثاني أبو جهل، وحمل الآية على العموم أولى، وإن كان السبب مخصوصًا كما في "الخازن". والهمزة فيه للاستفهام الإنكاري الاستبعادي داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف كما هو مذهب الزمخشري، والتقدير: أيستوي المؤمن والكافر، فمن يعلم ويصدق أن القرآن الذي أنزل إليك من ربك هو الحق كحمزة بن عبد المطلب أو عمار ﵄ كمن هو أعمى قلبه، فينكر القرآن كأبي جهل؛ أي: لا يستوي من يعلم أن الذي أنزله الله عليك من عنده هو الحق الذي لا شك فيه ولا امتراء، ومن لا يعلم ذلك فهو أعمى لا يهتدي إلى خير يفهمه، ولو فهمه ما انقاد إليه ولا صدقه، فيبقى حائرًا في ظلمات الجهل وغياهب الضلالة. قال قتادة: هؤلاء قوم انتفعوا بما سمعوا من كتاب الله وعقلوه ووعوه، وهؤلاء قوم كمن هو أعمى عن الحق، فلا يبصره ولا يعقله. اهـ.
والمعنى: لا يستوي من يبصر الحق ويتبعه ومن لا يبصر الحق ولا يتبعه، وإنما شبه الكافر والجاهل بالأعمى؛ لأن الأعمى لا يهتدي لرشد وربما وقع في
стр. 6175
مهلكة وكذلك الكافر والجاهل لا يهتديان للرشد، وهما واقعان في المهلكة.
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾؛ أي: إنما يتعظ ذوو العقول السليمة الصحيحة، وهم الذين ينتفعون بالمواعظ والأذكار؛ أي: ما يعتبر بهذه الأمثال ويتعظ بها ويصل إلى لبها وسرها إلا أولو العقول السليمة والأفكار الرجيحة. والمعنى: لا يقبل نصح القرآن ولا يعمل به إلا ذوو العقول الصافية من معارضة الوهم.
الإعراب
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾: فعل ومفعولان؛ لأنه من رأى البصرية تعدى بالهمزة إلى مفعولين، وفاعله ضمير يعود إلى الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: حالان من الكاف في ﴿يُرِيكُمُ﴾؛ أي: حال كونكم خائفين وطامعين، ويجوز أن يكون مفعولًا من أجله، ذكره أبو البقاء، ومنعه الزمخشري؛ لعدم اتحاد الفاعل يعني: أن فاعل الإراءة وهو الله تعالى غير فاعل الخوف والطمع، وهو ضمير المخاطبين، فاختلف فاعل الفعل المعلل وفاعل العلة، وهذا يمكن أن يجاب عنه بأن المفعول في قوة الفاعل، فإن معنى يريكم: يجعلكم رائين فتخافون وتطمعون. اهـ. "سمين". ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ﴾: فعل ومفعول. ﴿الثِّقَالَ﴾: صفة لـ ﴿السَّحَابَ﴾، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُرِيكُمُ﴾ على كونها صلة الموصول.
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)﴾.
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِحَمْدِهِ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة الصلة، والعائد ضمير ﴿بِحَمْدِهِ﴾. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: معطوف على ﴿الرَّعْدُ﴾. ﴿مِنْ خِيفَتِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يسبح﴾ أيضًا. ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة معطوفة على جملة الصلة.
стр. 6176
﴿فَيُصِيبُ﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿يصيب﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يرسل﴾، وفاعله ضمير يعود على الموصول. ﴿بِهَا﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يصيب﴾. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: يشاءه. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُجَادِلُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل النصب حال من ﴿مَن﴾ الموصولة، وأعاد عليها الضمير جمعًا باعتبار معناها. اهـ. "سمين". ﴿فِي اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُجَادِلُونَ﴾. ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب حال من لفظ الجلالة.
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾.
﴿لَهُ﴾: خبر مقدم. ﴿دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿يَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: والأصنام الذين يدعونهم. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَدْعُونَ﴾ أو حال من الضمير المحذوف. ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿بِشَيْءٍ﴾: متعلق به أيضًا، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ من عام المصدر. ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، وهو من إضافة الوصف إلى مفعوله. ﴿إِلَى الْمَاءِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿باسط﴾ الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: لا يستجيبون لهم استجابةً إلا استجابةً مثل استجابة الماء لمن بسط كفيه إليه. ﴿لِيَبْلُغَ﴾: (اللام): حرف جر وتعليل. ﴿يبلغ فاه﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود إلى ﴿الْمَاءِ﴾، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره؛ لبلوغ الماء فاه، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿باسط﴾. ﴿وَمَا﴾: (الواو): حالية. ﴿ما﴾: نافية، أو حجازية. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ، أو اسمها. ﴿بِبَالِغِهِ﴾: خبر المبتدأ، أو خبرها، والباء زائدة، والجملة الاسمية في محل
стр. 6177
النصب حال من فاعل ﴿يبلغ﴾.
وفي "السمين": ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ في ﴿هو﴾ ثلاثة أوجه:
أحدما: أنه ضمير ﴿الْمَاءِ﴾، والهاء في ﴿بِبَالِغِهِ﴾ للفم؛ أي: وما الماء ببالغ فيه.
والثاني: أنه ضمير الفم، والهاء في ﴿بِبَالِغِهِ﴾ لـ ﴿الْمَاءِ﴾؛ أي: وما الفم ببالغ الماء؛ إذ كل واحد منهما لا يبلغ الآخر على هذه الحال، فنسبة الفعل إلى كل واحد وعدمها صحيحان.
والثالث: أن يكون ﴿هُوَ﴾ ضمير ﴿الباسط﴾، والهاء في ﴿بِبَالِغِهِ﴾ لـ ﴿الْمَاءِ﴾؛ أي: وما باسط كفيه إلى الماء يبلغ الماء. اهـ. ﴿وَمَا﴾: (الواو): استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿فِي ضَلَالٍ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة.
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾.
﴿وَلِلَّهِ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿لله﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَسْجُدُ﴾. ﴿يَسْجُدُ مَنْ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة, ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾: حالان من ﴿مَن﴾ الموصولة، ولكنه في تأويل مشتق؛ أي: حالة كونهم طائعين وراضين بالسجود، وحال كونهم كارهين؛ أي: غير راضين به. ﴿وَظِلَالُهُمْ﴾: معطوف على ﴿مَن﴾ الموصولة. ﴿بِالْغُدُوِّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَسْجُدُ﴾، والباء بمعنى في الظرفية. ﴿وَالْآصَالِ﴾: معطوف على ﴿الغدو﴾.
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام للاستفهام التقريري في محل الرفع خبر مقدم وجوبًا للزومها صدر الكلام. ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾،
стр. 6178
والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد ﷺ . ﴿اللَّهُ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: رب السماوات والأرض الله، أو مبتدأ خبره محذوف؛ أي: الله رب السماوات والأرض، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، وجملة القول مستأنفة. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿أَفَاتَّخَذْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ﴾: مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: (الهمزة): للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف، و (الفاء): عاطفة على ذلك المحذوف كما مر، والتقدير: أعلمتم أن ربهما هو الذي ينقاد لأمره من فيهما كافة. ﴿فَاتَّخَذْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: جار ومجرور حال من الفاعل؛ أي: حالة كونكم مجاوزين الله إلى غيره، أو متعلق باتخذ؛ أي: من غيره تعالى والمفعول الأول لاتخذ محذوف تقديره: فاتخذتم الأصنام من دونه أولياء. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾: مفعول ثان، وجملة ﴿اتخذتم﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿لِأَنْفُسِهِمْ﴾: متعلق به. ﴿نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾: مفعول به لـ ﴿يَمْلِكُونَ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾.
﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.
﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل وهمزة الاستفهام الإنكاري ﴿هَلْ﴾: حرف تحقيق بمعنى قد. ﴿تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ﴾: فعل وفاعل. ﴿وَالنُّورُ﴾: معطوف على ﴿الظُّلُمَاتُ﴾، والجملة الفعلية مستأنفة.
فائدة: وقال في "الفتوحات": قوله: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي﴾ هذه ﴿أَمْ﴾ المنقطعة، فتقدر ببل والهمزة عند الجمهور، وببل وحدها عند بعضهم، وقد تقدم ذلك محررًا وقد يتقوى بهذه الآية من يرى تقديرها ببل فقط بوقوع هل بعدها، فلو قدرناه ببل والهمزة .. لزم اجتماع حرفي معنى واحد، فنقدرها وحدها، ولقائل أن يقوله: لا نسلم أن ﴿هَلْ﴾ هذه استفهامية، بل هي بمعنى قد، وإليه ذهب جماعة، فقد ثبت مجيؤها بمعنى قد إن لم تجامعها الهمزة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ
стр. 6179
أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾؛ أي: قد أتى، فهنا أولى والسماع. قد ورد بوقوع هل بعد أم وبعدمه، فمن الأول هذه الآية، ومن الثاني ما بعدها من قوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا﴾: انتهى. ﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل وهمزة الإنكار. ﴿جَعَلُوا﴾: فعل وفاعل، والمفعول الأول محذوف. ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿شُرَكَاءَ﴾؛ أو حال ثانٍ. ﴿شُرَكَاءَ﴾؛ مفعول ثان، والتقدير: أم جعلوا الأصنام شركاء لله، والجملة مستأنفة. ﴿خَلَقُوا﴾: فعل وفاعل، الجملة صفة لـ ﴿شُرَكَاءَ﴾. ﴿كَخَلْقِهِ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: خلقًا كائنًا كخلقه. ﴿فَتَشَابَهَ﴾: (الفاء): حرف عطف وتفريع. ﴿تشابه الخلق﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿خَلَقُوا﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿اللَّهُ خَالِقُ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿الْقَهَّارُ﴾: صفة لـ ﴿الْوَاحِدُ﴾، أو خبر ثان.
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾.
﴿أَنْزَلَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿مَاءً﴾: مفعول به. ﴿فَسَالَتْ﴾: (الفاء): حرف عطف وتفريع. ﴿سالت أودية﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنزَلَ﴾. ﴿بِقَدَرِهَا﴾: متعلق بـ ﴿سالت﴾ أو صفة لـ ﴿أَوْدِيَةٌ﴾. ﴿فَاحْتَمَلَ﴾: (الفاء): حرف عطف وتفريع. ﴿احتمل السيل﴾ فعل وفاعل. ﴿زَبَدًا﴾؛ مفعول به. ﴿رَابِيًا﴾: صفة لـ ﴿زَبَدًا﴾، والجملة مفرعة معطوفة على جملة ﴿سالت﴾.
﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾.
﴿وَمِمَّا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿مما﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿يُوقِدُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿فِي النَّارِ﴾: متعلق بـ ﴿يُوقِدُونَ﴾، أو حال من الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾. ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾: مفعول لأجله، ومضاف إليه. ﴿أَوْ مَتَاعٍ﴾: معطوف على ﴿حِلْيَةٍ﴾. ﴿زَبَدٌ﴾: مبتدأ مؤخر.
стр. 6180
﴿مِثْلُهُ﴾: صفة لـ ﴿زَبَدٌ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿أَنْزَلَ﴾.
﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿وَالْبَاطِلَ﴾: معطوف على ﴿الْحَقَّ﴾، والتقدير: يضرب الله الحق والباطل ويبينهما ضربًا مثل ضرب الأمور الأربعة: الماء والجوهر والزبدين، وتبيينًا مثل تبيينها، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿فَأَمَّا﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت الأمثال والأمور المذكورة، وأردت بيان عاقبتها .. فأقول لك أما، ﴿أما﴾: حرف شرط وتفصيل. ﴿الزَّبَدُ﴾: مبتدأ. ﴿فَيَذْهَبُ﴾: (الفاء): رابطة لجواب ﴿أما﴾ واقعة في غير موضعها؛ لأن موضعها موضع ﴿أما﴾، ﴿يذهب﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الزَّبَدُ﴾. ﴿جُفَاءً﴾: حال من ضمير الفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: جواب ﴿أما﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة أما في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وأمَّا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿أما﴾ حرف شرط وتفصيل. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ. ﴿يَنْفَعُ النَّاسَ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾. ﴿فَيَمْكُثُ﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿يمكث﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة الصلة. ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف. ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والتقدير: ضربًا مثل هذا الضرب العجيب يضرب الله أمثال الحق والباطل ويبينها، والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لتأكيد جملة قوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾.
﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿اسْتَجَابُوا﴾: فعل وفاعل صلة
стр. 6181
الموصول. ﴿لِرَبِّهِمُ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿الْحُسْنَى﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿لَهُ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب. ﴿لَهُم﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿أَنَّ﴾. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب اسم ﴿أَنَّ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿مَا﴾. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ضمير الصلة، أو من ﴿مَا﴾. ﴿وَمِثْلَهُ﴾: معطوف على اسم ﴿أَنَّ﴾. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه حال من ﴿مثله﴾، والتقدير: لو أن ما في الأرض ومثله كائنان لهم، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية بفعل محذوف تقديره: لو ثبت كون ما في الأرض مثله معه كائنًا لهم، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾. ﴿لَافْتَدَوْا﴾: (اللام): رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾. ﴿افتدوا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾: الشرطية وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية: في محل الرفع خبر أول للمبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ أول. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم للمبتدأ الثاني. ﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾: مبتدأ ثان مؤخر عن خبره، وجملة الثاني في محل الرفع خبر للأول، وجملة الأول في محل الرفع خبر ثان لقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾. ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ثالث لقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾. ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر مقدم للمخصوص بالذم المحذوف وجوبًا تقديره: وبئس المهاد هي؛ أي: جهنم، والجملة الاسمية جملة إنشائية مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
﴿أَفَمَنْ﴾ (الهمزة): للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف. (الفاء): عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أيستوي المؤمن والكافر، ﴿من يعلم﴾: ﴿من﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله
стр. 6182
ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿أَنَّمَا﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب اسم ﴿أن﴾. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: يتعلق به أيضًا، أو حال من ضمير النائب، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿الْحَقُّ﴾: خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم تقديره: أفمن يعلم كون ما أنزل إليك من ربك الحق. ﴿كَمَنْ﴾: جار ومجرور خبر ﴿من﴾ الموصولة في قوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة المحذوفة، والجملة المحذوفة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿هُوَ أَعْمَى﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية صلة الموصول. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر ونفي بمعنى ما النافية وإلا المثبتة. ﴿يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
التصريف ومفردات اللغة
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾: البرق (١): ما يرى من النور لامعًا خلال السحاب، من برق الشيء بريقًا إذا لمع.
﴿الرَّعْدُ﴾: هو الصوت المسموع خلال السحاب. وفي "المصباح": رعدت السماء رعدًا - من باب قتل - ورعودًا لاح منها الرعد. اهـ. وسببهما على ما بين في العلوم الطبيعية أن البرق يحدث من تقارب سحابتين مختلفتي الكهربائية حتى يصير ميل إحداهما للاقتراب من الأخرى أشد من قوة الهواء على فصلهما، فتهجم كل منهما على الأخرى بنور زاهر وصوت قوي شديد، فذلك النور هو البرق، والصوت هو الرعد الذي نشاء من تصادم دقائق الهواء الذي تطرده كهربائية البرق أمامها.
﴿الصَّوَاعِقَ﴾: جمع صاعقة، وسببها أن السحب قد تمتلىء بكهربائية، والأرض بكهربائية أخرى، والهواء يفصل بينهما، فإذا قاربت السحب وجه
стр. 6183
الأرض تنقض الشرارة الكهربائية منها، فتنزل صاعقة تهلك الحرث والنسل.
﴿السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ والسحاب (١) اسم جنس واحده سحابة، فلذلك وصف بالجمع، وهو الثقال جمع ثقيلة ككريمة وكرام.
﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾: من المجادلة، وأصلها من الجدل، وهو شدة الخصومة، وأصله من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله كأن المجادلين يقتل كل منهما الآخر عن رأيه. ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾؛ أي: شديد المماحلة والمكايدة لأعدائه، يقال: محل فلان بفلان إذا كايده وعرضه للهلاك، وتمحل إذا تكلف في استعمال الحيلة، ولعل أصله المحل بمعنى القحط. وقيل (٢): فعال من المحال بمعنى القوة، فالميم أصلية. وقيل: أصله مفعل من الحول، أو الحيلة أُعل على غير قياس، ويعضده أنه قرئ بفتح الميم على أنه مفعل من حال يحول إذا احتال. اهـ. "بيضاوي". وقوله: وقيل مفعل؛ أي: والميم على هذا زائدة، وقوله: أعل على غير قياس؛ إذ القياس فيه صحة الواو كمحور ومرود ومقود؛ لأنا شرط قلب الواو ألفًا فتح ما قبلها. اهـ. "شهاب". وفي "القاموس" (٣): والمِحال - ككتاب - الكيد وروم الأمر بالحيل والتدبير والقدرة والعذاب والعقاب والعداوة، والمعادلة كالمماحلة والقوة والشدة والهلاك والإهلاك، ومحل به - مثلث الحاء محلًا ومحالًا - كاده بسعاية إلى السلطان، وماحله مماحلةً ومِحالًا قاواه حتى يتبين أيهما أشد. اهـ.
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ من إضافة (٤) الموصوف لصفته؛ أي: الدعوة الحق المطابقة للواقع. اهـ. شيخنا.
﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ﴾؛ أي: لا يجيبون، فالسين والتاء زائدتان.
﴿وَظِلَالُهُمْ﴾ والظلال: جمع ظل؛ وهو الخيال الذي يظهر للجرم، فسجود (٥) الظلال ميلها من جانب إلى جانب بسبب ارتفاع الشمس ونزولها، يقال: سجدت
стр. 6184
النخلة إذا مالت.
﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ والغدو: جمع غداة كقني جمع قناة، وهي البكرة أول النهار. والآصال: جمع أصيل، والأُصل: جمع أَصيل: وهو ما بين العصر إلى الغروب.
﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ الأودية: جمع وادٍ؛ وهو الموضع الذي يسيل فيه الماء، والفرجة بين الجبلين، وقد يراد به الماء الجاري فيه. قال أبو علي الفارسي: لا نعلم فاعلًا جمع على أفعلة إلا هذا، وكأنه حمل على فعيل، فجمع على أفعلة مثل: جريب وأجربة، كما أن فعيلًا حمل على فاعل فجمع على أفعال مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف كأصحاب وأنصار في صاحب وناصر.
﴿بِقَدَرِهَا﴾؛ أي: بمقدارها المتفاوت قلة وكثرة بحسب تفاوت أمكنتها صغرًا وكبرًا. قال الواحدي: والقدر: مبلغ الشيء، والمعنى: بقدرها من الماء، فإن صغر الوادي قل الماء، وإن اتسع كثر.
﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ﴾؛ أي: حما فافتعل هنا بمعنى المجرد. ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾ والزبد: ما يعلو وجه الماء حين الزيادة كالحبب، وما يعلو القدر عند غليانها، والرابي: العالي المرتفع فوق الماء الطافي عليه.
﴿يُوقِدُونَ عَلَيْهِ﴾ وفي "المصباح": وقدت النار وقدًا - من باب وعد - ووقودًا، والوَقود - بالفتح -: الحطب، وأوقدتها إيقادًا، ومنه على الاستعارة ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾؛ أي: كلما دبروا مكيدة وخديعة أبطلها، وتوقدت النار: اتقدت. والوَقَد - بفتحتين -: النار نفسها، والموقد: موضع الوقود مثل المجلس لموضع الجلوس، واستوقدت النار استوقدتها يتعدى ولا يتعدى. وفي "الخازن": الإيقاد: جعل الحطب في النار لتتقد تلك النار تحت الشيء المذوب. اهـ.
﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ والحلية (١): ما يعمل للنساء مما يُتزين به من الذهب
стр. 6185
والفضة. والمتاع: ما يُتخذ من الحديد والنحاس وما أشبههما من الآلات التي هي قوام العيش كالأواني والمساحي وآلات الحرب وقطاعات الأشجار والسكك وغير ذلك. فالمراد بالحلية: ما يُتزين به، وبالمتاع ما يُتمتع به؛ أي: يُنتفع به.
﴿جُفَاءً﴾ قال ابن (١) الأنباري: والجفا: المتفرق، يقال: جفأت الريح السحاب؛ أي: قطعته وفرَّقته، وقيل: الجفاء ما يرمي به السيل، ويقال: جفأت القدر بزبدها تجفأ من باب قطع، وجفأ السيل بزبده وأجفأ وأجفل باللام وفي همزة جفاء وجهان:
أظهرهما: أنها أصل لثبوتها في تصاريف هذه المادة كما رأيت.
والثاني: أنها بدل من واو، وكأنه مختار أبي البقاء، وفي نظر؛ لأن مادة جفا يجفو لا يليق معناها هنا، والأصل عدم الاشتراك. اهـ. "سمين". فالمراد بالجفاء ما رمى به الوادي من الزبد إلى جوانبه.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾؛ أي: أجابوا في الدنيا إلى التوحيد، فالسين والتاء فيه زائدتان. والحسنى مؤنث الأحسن، كالفضلى مؤنث الأفضل، وهو صفة الموصوف محذوف؛ أي: المثوبة الحسنى، وهي الجنة، وسميت بذلك؛ لأنها في نهاية الحسن.
﴿لَافْتَدَوْا بِهِ﴾؛ أي: لجعلوه فداء أنفسهم من العذاب.
﴿لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾؛ أي: لهم الحساب السيء، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من الفصاحة، وأنواعًا من البلاغة والبيان والبديع:
стр. 6186
فمنها: الطباق بين ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
ومنها: عطف العام على الخاص في قوله: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ قيل المراد بهؤلاء الملائكة أعوان ملك السحاب، جعل الله تعالى مع الملك الموكل بالسحاب المسمى بالرعد أعوانًا من الملائكة، وقيل: المراد جميع الملائكة، وهو أولى. اهـ. "خازن".
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ﴾ على قراءة ﴿والذين تدعون﴾ - بالتاء الفوقية - وحق العبارة لا يستجيبون لكم، وإن كانت هذه القراءة شاذة.
ومنها: التشبيه (١) المركب التمثيلي في قوله: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ شبه حال الأصنام مع من دعاهم من المشركين؛ وهو عدم استجابتهم دعاء المشركين، وعدم فوز المشركين من دعائهم الأصنام شيئًا من الاستجابة والنفع بحال الماء الواقع بمرأى من العطشان الذي يبسط إليه كفيه يطلب منه أن يبلغ فاه وينفعه من احتراق كبده، ووجه الشبه عدم استطاعة المطلوب منه إجابة الدعاء، وخيبة الطالب عن نيل ما هو أحوج إليه من المطلوب، وهذا الوجه كما ترى منتزع من عدة أمور.
ومنها: إسناد السجود إلى الظلال في قوله: ﴿وَظِلَالُهُمْ﴾ تبعًا لصاحبها.
ومنها: الطباق بين الغدو والآصال في قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ وفيه أيضًا إطلاق الطرفين وإرادة الكل.
ومنها: القصر في قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ﴾.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾.
ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والإنكاري التوبيخي في قوله: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ﴾.
стр. 6187
ومنها: الطباق في قوله: ﴿نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ وفي قوله: ﴿الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ وفي قوله: ﴿الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ وفيه أيضًا الجناس المغاير.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ لأن المعنى: هل يستوي من هو كالأعمى ومن هو كالبصير؛ أي: فكما (١) لا يستوي الأعمى والبصير في الحس، كذلك لا يستوي المشرك الجاهل بعظمة الله وثوابه وعقابه وقدرته مع الموحد العالم بذلك. وكذا قوله: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ وارد (٢) على التشبيه أيضًا؛ أي: فكما لا تستوي الظلمات والنور، كذلك لا يستوي الشرك والإنكار والتوحيد والمعرفة. وقيل: فيه الاستعارة التصريحية الأصلية؛ لأنه استعار لفظ الظلمات والنور للكفر والإيمان, وكذلك لفظ الأعمى للمشرك الجاهل، والبصير للمؤمن العاقل.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ أي: الله خالق السماوات والأرض.
ومنها: التشبيه التمثيلي في قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ الآية. شبه تعالى الحق والباطل بتشبيه رائع يسمى التشبيه التمثيلي؛ لأن وجه الشبه فيه منتزع من متعدد، فمثل الحق بالماء الصافي الذي يستقر في الأرض، والجوهر الصافي من المعادن الذي به ينتفع العباد، ومثل الباطل بالزبد والرغوة التي تظهر على وجه الماء، والخبث من الجوهر الذي لا يلبث أن يتلاشى ويضمحل.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ من إسناد ما للحال إلى المحل، كما يقال: جرى النهر، والأصل: جرت المياه في الأودية.
стр. 6188
ومنها: تنكير (١) الأودية في قوله: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ إشعارًا بالمناوبة؛ لأن المطر ينزل في البقاع على المناوبة فتسيل بعض أودية الأرض دون بعض.
ومنها: تعريف السيل في قوله: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ﴾؛ لأنه قد فهم من الفعل قبله، وهو ﴿فَسَالَتْ﴾، وهو لو ذكر لكان نكرةً، فلما أعيد ... أعيد بلفظ التعريف، نحو رأيت رجلًا، فأكرمت الرجل. اهـ. "سمين".
ومنها: السلف والنشر المشوش في قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ فإنه يرجع إلى الباطل الذي ذكر أخيرًا في قوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ وفي قوله: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ فإنه راجع إلى الحق المذكور أولًا.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ فإن فيه تفخيمًا لشأن هذا التمثيل وتأكيدًا لقوله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾.
ومنها: طباق السلب في قوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾.
ومنها: الاستعارة التبعية في قوله: ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ شبه الجهل والكفر بالعمى بجامع عدم الاهتداء في كلٍّ، فاشتق من العمى بمعنى الجهل والكفر أعمى بمعنى الجاهل الكافر على سبيل الاستعارة التبعية.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 6189
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)﴾ إلى قوله: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ مناسبةُ هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ضرب الأمثال لمن اتبع الحق وسلك سبيل الرشاد، ولمن ركب رأسه وسار في سبل الضلالة لا يلوي على شيء، ولا يقف لدى غاية .. بين أن من جمع صفات الخير الآتية يكون ممن اتبعوا الحق، وملكوا نواحي الإيمان, وأقاموا دعائمه، وهؤلاء قد كتب لهم حسنى العقبى والسعادة في الدنيا والآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر أوصاف المتقين وما أعد لهم
стр. 6190
عنده في دار الكرامة بما كان لهم من كريم الصفات وفاضل الأخلاق .. بين حال الأشقياء وما ينتظرهم من العذاب والنكال، وأتبع الوعد بالوعيد، والثواب بالعقاب على سنة القرآن الدائبة في مثل هذا ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) أن من نقض عهد الله من بعد ميثاقه، ولم يقر بوحدانيته، وأنكر نبوة محمد ﷺ ؛ فهو ملعون في الدنيا ومعذب في الآخرة .. بين هنا أنه تعالى يبسط الرزق لبعض عباده ويضيقه على بعض آخر، على ما اقتضته حكمته وسابق علمه بعباده، ولا تعلق لذلك بإيمان ولا كفر، فربما وسَّع على الكافر استدراجًا، وضيَّق على المؤمن زيادةً في أجره، ثم ذكر مقالة لهم كثر في القرآن تردادها، وهي طلبهم منه آية تدل على نبوته لإنكارهم أن يكون القرآن آيةً دالة على ذلك، ثم ذكر حال المؤمنين المتقين ومآلهم عند ربهم في جناتٍ تجري من تحتها الأنهار.
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر طلبهم من رسوله ﷺ الآيات، كما أنزل على الرسل السالفين كموسى وعيسى وغيرهما من النبيين والمرسلين، وبين أن الهدى هدى الله، فلو أوتوا من الآيات ما أوتوا ولم يرد الله هدايتهم، فلا يجديهم ذلك فتيلًا ولا قطميرًا .. ذكر هنا أن محمدًا ليس ببدع من الرسل، وأن قومه سبقهم أقوام كثيرون، وطلبوا الآيات من أنبيائهم وأجابوهم إلى ما طلبوا, ولم تغنهم الآيات والنذر، فكانت عاقبتهم البوار والنكال، فأنزل على كل قوم من العذاب ما أتى عليهم جميعًا، وأصبحوا معه كأمس الدابر، ولو أن كتابًا تسير به الجبال على أماكنها، أو تشقق به الأرض، فتجعل أنهارًا وعيونًا .. لكان هذا القرآن الذي أنزلناه عليه، ثم أبان أن الله تعالى قادر على الإتيان بما
стр. 6191
اقترحوه، لكنه لم يرد ذلك؛ لأنه لا ينتج المقصود من إيمانهم ثم أتبع ذلك بالتيئيس منه وبالتهديد بقارعة تحل بهم، وبتسلية النبي ﷺ على استهزائهم به.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عطية العوفي: قال: قالوا للنبي ﷺ : لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه، فأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا ...﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ : إن كنت نبيًّا كما تزعم فباعد جبلي مكة أخشبيها - إسمي الجبلين - هذين مسيرة أربعة أيام أو خمسة، فإنها ضيقة حتى نزرع فيها ونرعى، وابعث لنا آباءنا من الموتى حتى يكلمونا ويخبرونا أنك نبي، أو احملنا إلى الشام أو اليمن أو إلى الحيرة حتى نذهب ونجيء في ليلة كما زعمت أنك فعلته، فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أنهم قالوا: سير بالقرآن الجبال، قطع بالقرآن الأرض، أخرج به موتانا، فنزلت.
وقال الزبير بن العوام (٢): قالت قريش لرسول الله ﷺ : ادع الله أن يسير عنا هذه الجبال، ويفجر لنا الأرض أنهارًا فنزرع، أو يحيي لنا موتانا فنكلمهم، أو يصير هذه الصخرة ذهبًا، فتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فقد كان للأنبياء آيات، فنزلت هذه الآية، ونزل قوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾.
التفسير وأوجه القراءة
٢٠ - ﴿الَّذِينَ﴾ الموصولات موصلاتها مبتدآت خبرها قوله الآتي: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى
стр. 6192
الدَّارِ﴾: ﴿يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: مصدر مضاف إلى مفعوله؛ أي: بما عاهدوا لله وعقدوه على أنفسهم من الشهادة والاعتراف بربوبيته حين قالوا في عالم الذر بلى شهدنا. ﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾؛ أي: العهد المؤكد باليمين؛ أي: لا يخلفون ذلك العهد الذي بينهم وبين ربهم الذي وثقوه وأكدوه بالأيمان، وكذا عهودهم بينهم وبين الناس، فهذا تعميم بعد تخصيص؛ لأنه يدخل تحت الميثاق كل ما أوجبه العبد على نفسه كالنذور ونحوها. ويحتمل (١) أن يكون الأمر بالعكس، فيكون من التخصيص بعد التعميم على أن يراد بالعهد جميع عهود الله؛ وهي أوامره ونواهيه التي وصى بها عبيده، ويدخل في ذلك الالتزامات التي يلزم بها العبد نفسه، ويراد بالميثاق: ما أخذه الله على عباده حين أخرجهم من صلب آدم في عالم الذر المذكور في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ...﴾ الآية.
والمعنى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: الذين يوفون بما عقدوه على أنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وفيما بينهم وبين العباد، وشهدت فطرهم في هذه الحياة بصحته، وأنزل عليهم في الكتاب إيجابه. قال قتادة: إن الله ذكر الوفاء بالعهد والميثاق في بضع وعشرين موضعًا من القرآن عناية بأمره واهتمامًا بشأنه ﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾؛ أي: العهد الذي وثقوه وأكدوه بينهم وبين ربهم من الإيمان به، وبينهم وبين الناس من العقود كالبيع والشراء وسائر المعاملات والعهود التي تعاهدوا على الوفاء بها إلى أجل. وفي الحديث: "آية المنافق ثلاث: إذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا حدث كذب".
٢١ - ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ﴾ مفعوله محذوف تقديره: ما أمرهم الله ﴿بِهِ﴾ من الإيمان والرحم وغيرهما، وقوله: ﴿أَنْ يُوصَلَ﴾ بدل من الضمير المجرور؛ أي: أمرهم بوصله، ومعنى وصل الإيمان (٢): أن يؤمنوا بجميع الكتب والرسل ولا يفرقوا بين أحد منهم. وفي "المراح" وصل ما أمر الله به (٣): هو رعاية جميع الحقوق الواجبة للعباد، فيدخل فيه صلة الرحم والقرابة الثابتة بسبب أخوة الإيمان
стр. 6193
وعيادة المريض وشهود الجنائز، وإفشاء السلام على الناس والتبسم في وجوههم وكف الأذى عنهم، ومن تمام المواصلة المصافحة عند الملاقاة، ويستحب مع المصافحة البشاشة بالوجه والدعاء بالمغفرة وغيرها. ويدخل في العباد كل حيوان حتى الدجاجة والهرة. وعن الفضيل: أن العبد لو أحسن الإحسان كله، وكانت له دجاجة، فأساء إليها .. لم يكن من المحسنين.
وهذه الآية يندرج فيها أمور (١):
الأول: صلة الرحم، واختلف في حدّ الرحم التي يجب صلتها، فقيل: كل ذي رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى حرمت مناكحتهما، فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام والعمات وأولاد الأخوال والخالات، وقيل: هو عام في كل ذي رحم محرمًا كان أو غير محرم، وارثًا كان أو غير وارث، وهذا القول هو الصواب. قال النواوي: وهذا أصحّ، والمحرم من لا يحل له نكاحها على التأبيد لحرمتها، فقولنا: على التأبيد احتراز عن أخت الزوجة، وقولنا: لحرمتها احتراز عن الملاعنة، فإن تحريمها ليس لحرمتها، بل للتغليظ.
والثاني: الإيمان بكل الأنبياء ﵈، فقولهم: نؤمن ببعض ونكفر ببعض قطعٌ لما أمر الله به أن يوصل.
والثالث: موالاة المؤمنين، فإنه يستحب استحبابًا شديدًا زيارة الإخوان والصالحين والجيران والأصدقاء والأقارب وإكرامهم وبرهم وصلتهم، وضبط ذلك يختلف باختلاف أحوالهم ومراتبهم وفراغهم، وينبغي للزائر أن تكون زيارته على وجه لا يكرهون، وفي وقت يرتضون، فإن رأى أخاه يحب زيارته ويأنس به أكثر زيارته والجلوس عنده، وإن رآه منشغلًا بعبادة أو غيرها، أو رآه يحب الخلوة يقل زيارته حتى لا يشغله عن عمله، وكذا عائد المريض لا يطيل الجلوس عنده إلا أن يأنس به المريض، ومن تمام المواصلة المصافحة عند الملاقاة كما مر آنفًا.
стр. 6194
والرابع: مراعاة حقوق كافة الخلق حتى الهرة والدجاجة. والمعنى: أي: والذين (١) يصلون الرحم التي أصرهم الله تعالى بوصلها، فيعاملون الأقارب بالمودة والحسنى، ويحسنون إلى المحاويج وذوي الخلة منهم بإيصال الخير إليهم ودفع الأذى عنهم بقدر الاستطاعة، ويصلون المؤمنين بسبب قرابة الإيمان بالإحسان إليهم ونصرتهم والشفقة عليهم، وإفشاء السلام وعيادة المرضى، ومراعاة حق الأصحاب والخدم والجيران، والرفقة في السفر إلى غير ذلك مما مر آنفًا. وأكثر المفسرين على أن المراد بالوصل هنا صلة الرحم.
واعلم (٢): أن قطع الرحم حرام، والصلة واجبة، ومعناها: التفقد بالزيارة والإهداء والإعانة بالقول والفعل، وعدم النسيان، وأقله التسليم وإرسال السلام والمكتوب، ولا توقيت فيها في الشرع، بل العبرة بالعرف والعادة كذا في "شرح الطريقة" وصلة الرحم سبب لزيادة الرزق. وزيادة العمر، وهي أسرع أثرًا كعقوق الوالدين، فإن العاق لهما لا يمهل في الأغلب، ولا تنزل الملائكة على قوم فيهم قاطع رحم.
فصل في ذكر الأحاديث الواردة في صلة الرحم وقطيعتها
عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله ﵎: "أنا الله وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها اسمًا من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته"، أو قال: "بتته". أخرجه أبو داود والترمذي.
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله". متفق عليه.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من سره أن يبسط له في رزقه، وأن يُنْسَأ له في أثره، فليصل رحمه". أخرجه البخاري، صلة الرحم: ميرة الأهل والأقارب والإحسان إليهم، وضدُّه: القطع.
стр. 6195
قوله: "وأن يُنْسَأ له في أثره" الأثر هنا: الأجل، وسمي الأجل أثرًا؛ لأنه تابع للحياة وسابقها، ومعنى ينسأ: يؤخر، والمراد به تأخير الأجل، وهو على وجهين:
أحدهما: أن يبارك الله له في عمره، فكأنما قد زاد فيه.
والثاني: أن يزيده في عمره زيادة حقيقية، والله يفعل ما يشاء.
وعن جبير بن مطعم أن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل الجنة قاطع". متفق عليه. زاد في رواية: قال سفيان: يعني قاطع رحم.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس الواصل بالمكافىء، الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها". أخرجه البخاري.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، ومثراة في المال، ومنسأة في الأثر". أخرجه الترمذي.
﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾؛ أي: وعيده عمومًا، والخشية (١): خوف مقرون بالتعظيم والعلم بمن تخشاه، ومن ثم خص الله بها العلماء بدينه وشرائعه والعالمين بجلاله وجبروته في قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. والمعنى: إنهم يخشون ربهم خشيةً تحملهم على فعل المأمورات واجتناب المنهيات، ويخافونه خوف مهابة وإجلال. ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾؛ أي: استقصاءه خصوصًا، فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا؛ أي: ويخافون مناقشة ربهم إياهم في الحساب وعدم الصفح لهم عن ذنوبهم، فهم لرهبتهم جادون في طاعته محافظون على اتباع أوامره وترك نواهيه، و ﴿سُوءَ الْحِسَابِ﴾؛ أي: شديده: وهو الاستقصاء فيه والمناقشة للعبد، فمن نوقش الحساب عذب، ومن حق هذه الخيفة أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يُحاسبوا.
٢٢ - ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على ما تكرهه النفوس من أنواع المصائب ومخالفة الهوى من مشاق التكاليف؛ أي: والذين صبروا (٢) على فعل العبادات وعلى ثقل
стр. 6196
الأمراض والمضار والغموم وعلى ترك المشتهيات ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: طلبًا لرضا ربهم من غير أن ينظروا إلى جانب الخلق رياء وسمعة، ولا إلى جانب النفس زينة وعجبًا، فكما أن العاشق يرضى بضرب معشوقه لالتذاذه بالنظر إلى وجهه، فكذلك العبد يرضى بالمحنة لاستغراقه في معرفة الله تعالى ومحبته.
وإنما (١) قيد الصبر بقوله: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾؛ لأن الصبر ينقسم إلى نوعين:
الأول: الصبر المذموم؛ وهو أن الإنسان قد يصبر ليقال ما أكمل صبره وأشد قوته على ما تحمل من النوازل، وقد يصبر لئلا يعاب على الجزع، وقد يصبر لئلا تشمت به الأعداء، وكل هذه الأمور وإن كان ظاهرها الصبر، فليس ذلك داخلًا تحت قوله: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ لأنها لغير الله تعالى.
النوع الثاني: الصبر المحمود؛ وهو أن يكون الإنسان صابرًا لله تعالى راضيًا بما نزل به من الله طالبًا في ذلك الصبر ثواب الله محتسبًا أجره على الله، فهذا هو الصبر الداخل تحت قوله: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ يعني: صبروا على ما نزل بهم تعظيمًا لله تعالى، وطلبًا لرضوانه سبحانه، وجاءت (٢) الصلة هنا بلفظ الماضي، وفي الموصولين قبل بلفظ المضارع في قوله: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ وما عطف عليهما على سبيل التفنن في الفصاحة، وقيل: إن اختصاص هذه الصلة بالماضي وتينك بالمضارع أن تينك الصلتين قصد بهما الاستصحاب والالتباس دائمًا، وهذه الصلة قصد بها تقدمها على تينك الصلتين وما عطف عليهما؛ لأن حصول تلك الصلاة إنما هي مترتبة على حصول الصبر وتقدمه عليها؛ ولذلك لم تأت صلة الصبر في القرآن إلا بصيغة الماضي؟ إذ هو شرط في حصول التكاليف وإيقاعها والله أعلم.
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة؛ أي: داوموا على إقامتها؛ أي: أدوها على ما رسمه الدين من خشوع القلب واجتناب الرياء والخشية لله تعالى مع تمام أركانها
стр. 6197
وهيئاتها احتسابًا لوجهه، وأفردها (١) بالذكر تنبيهًا على كونها أشرف من سائر العبادات، ولا يمتنع إدخال النوافل فيها ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ أي: وأنفقوا بعض ما زرقناهم ﴿سِرًّا﴾ فيما بينهم وبين ربهم لمن لم يعرف بالمال، أو لمن لا يتهم بترك الزكاة، أو عند إعطائه من تمنعه المروءة من أخذه ظاهرًا أو في التطوع ﴿وَعَلَانِيَةً﴾ بحيث يراهم الناس لغير ذلك سواء كان الإنفاق واجبًا كالإنفاق على الزوجة والولد والأقارب والفقراء وفي الزكاة، أو مندوبًا كالإنفاق على الفقراء والمحاويج من الأجانب.
وقال الحسن (٢): والمراد بهذا الإنفاق الزكاة المفروضة، فإن لم يتهم بترك أداء الزكاة، فالأولى أن يؤديها سرًّا، وإن كان متهمًا بترك أداء الزكاة، فالأولى أن يؤديها علانية، وقيل: إن المراد بالسر: ما يخرج من الزكاة بنفسه، والمراد بالعلانية: ما يؤديه إلى الإمام، وقيل: المراد بالسر: صدقة التطوع، وبالعلانية: الزكاة الواجبة، وحَمْلُهُ على العموم أولى كما فسرنا ذلك آنفًا، وانتصابهما (٣) على الحال؛ أي: ذوي سر وعلانية بمعنى مسرين ومعلنين، أو على الظرف؛ أي: وقتي سر وعلانية، أو على المصدر؛ أي: إنفاق سر وعلانية كما سيأتي في مبحث الإعراب إن شاء الله تعالى.
واعلم: أن الله تعالى أسند الإنفاق إليهم، وإعطاء الرزق إلى ذاته تعالى، تنبيهًا على أنهم أمناء الله فيما أعطاهم ووكلاؤه، والوكيل دخيل في التصرف لا أصيل، فينبغي له أن يلاحظ جانب الموكل لا جانب نفسه ولا جانب الخلق، وقد قالوا: من طمع في شكر أو ثناء فهو بياع لا جواد؛ لأنه اشترى المدح بماله، والمدح لذيذ مقصود في نفسه، والجود. هو بذل الشيء من غير غرض. ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي: يدفعون سيئة من أساء إليهم بالإحسان إليه، كما في قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، أو يدفعون بالعمل الصالح العمل السيء، أو يدفعون الشر بالخير، أو المنكر بالمعروف، أو الظلم بالعفو، أو
стр. 6198
الذنب بالتوبة، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور.
قال عبد الله بن المبارك (١): هذه ثمان خلال مشيرة إلى أبواب الجنة الثمانية.
قلت: إنما هي تسع خلال، فيحتمل أنه عد خلتين بواحدة. ولما ذكر الله هذه الخلال من أعمال البر .. ذكر بعدها ما أعد للعاملين بها من الثواب، فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين وصفناهم بتلك المحاسن والكمالات التي بلغت الغاية في الشرف والكمال هم الذين ﴿لَهُمْ﴾ ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾؛ أي: العقبى الحسنة والمرجع الحسن والمسكن الطيب في الدار الآخرة، وسميت الدار الآخرة عقبى؛ لأنها عاقبة الدنيا ومرجع أهلها. والعقبى: مصدر (٢) كالعاقبة، والمراد بالدار الدنيا وعقباها الجنة، وقيل: المراد بالدار: الدار الآخرة وعقباها الجنة للمطيعين، والنار للعاصين.
٢٣ - ثم بين هذه العقبى، فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدل من ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾؛ أي: لهم جنات عدن، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: تلك العقبى هي جنات عدن وإقامة مؤبدة، والعدن: أصله الإقامة، ثم صار علمًا لجنة من الجنان، ولكن المراد به هنا المعنى العام، وجملة قوله: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ صفة لـ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾؛ أي: تلك العقبى جنات عدن يدخلونها؛ أي: يدخل هؤلاء الموصوفون بالصفات السابقة تلك الجنات، ويخلدون فيها لا يخرجون منها بعد الدخول أبدًا.
ثم ذكر ما يكون فيها من الأنس باجتماع الأهل والمحبين الصالحين، فقال: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ معطوف على الضمير المرفوع في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ وإنما ساغ للفصل بالضمير؛ أي: يدخل تلك الجنات هؤلاء الموصوفون بالصفات الحميدة، ويدخلها معهم من صلح وآمن معهم كما آمنوا ﴿مِنْ آبَائِهِمْ﴾؛ أي: من أصولهم، وإن علوا ذكورًا كانوا أو إناثًا. قال في "بحر (٣) العلوم" وآبائهم: جمع أبوي كل
стр. 6199
واحد منهم، كأنه قيل من آبائهم وأمهاتهم، والمعنى: أنه يلحق بهم الصلحاء من أبويهم ﴿و﴾ من ﴿أَزْوَاجِهِمْ﴾ اللاتي متن في عصمتهم ونكاحهم سواء متن قبلهم أم لا ﴿و﴾ من ﴿وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ وأولادهم وإن لم يبلغوا مبلغ فضلهم تبعًا لهم وتعظيمًا لشأنهم، وتكميلًا لفرحهم؛ لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة، وإن لم يعملوا مثل أعمالهم.
والمعنى: أي ويجمع فيها بينهم وبين أحبابهم من الآباء والأزواج والأبناء ممن عمل صالحًا لتقرَّ بهم أعينهم، ويزدادوا سرورًا برؤيتهم حتى لقد ورد أنهم يتذاكرون أحوالهم في الدنيا، فيشكرون الله على الخلاص منها. وفي الآية إيماء (١) إلى أنه في ذلك اليوم لا تجدي الأنساب إن لم يسعفها العمل الصالح، فالآباء والأزواج والذرية لا يدخلون الجنة إلا بعملهم، وقد أشار إلى ذلك الكتاب الكريم: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
ثم ذكر ما لهم من الكرامة فيها بتسليم الملائكة عليهم، فقال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ من أبواب المنازل التي يسكنونها في قدر (٢) كل يوم وليلة ثلاث مرات بالهدايا وبشارات الرضا؛ أي: وتدخل عليهم الملائكة من ها هنا وهنا للتسليم عليهم والتهنئة بدخول الجنة والإقامة في دار السلام في جوار الصديقين والأنبياء والمرسلين.
٢٤ - وجملة قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ محكية لقول محذوف تقديره: أي: قائلين لهم سلام عليكم؛ أي: أمان عليكم من المكاره والمخاوف التي تحيق بغيركم ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ متعلق بـ ﴿عَلَيْكُمْ﴾، أو بمحذوف؛ أي: هذه الكرامة العظمى بسبب صبركم على الطاعات وترك المحرمات وعلى المحن والمتاعب والآلام التي لاقيتموها في دار الحياة الدنيا ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾؛ أي: نعم عاقبة الدار التي كنتم عملتم فيها هذه الكرامات التي ترونها، والمخصوص بالمدح الجنة؛ أي: فنعمت الجنة التي أعقبت وعوضت لكم عن الدار التي عملتم فيها هذه الأعمال الصالحة وهي دار الدنيا.
стр. 6200
وقرأ الجمهور (١): ﴿جَنَّاتُ﴾ بالجمع، وقرأ النخعي شذوذًا: ﴿جنة﴾ بالإفراد، وروي عن ابن كثير وأبي عمرو ﴿يدخلونها﴾ مبنيًّا للمفعول وهي رواية شاذة. وقرأ ابن أبي عبلة شذوذًا: ﴿ومن صلح﴾ - بضم اللام -، وقرأ الجمهور بفتحها وهو أفصح. وقرأ عيسى الثقفي: ﴿وذريتهم﴾ بالتوحيد، والجمهور بالجمع. وقرأ ابن يعمر شاذًا: ﴿فنعم﴾ - بفتح النون وكسر العين - وهي الأصل. وقرأ ابن وثاب شاذًا: ﴿فنَعْمَ﴾ - بفتح النون وسكون العين - وتخفيف فعل لغة تميمية، والجمهور ﴿فَنِعْمَ﴾ - بكسر النون وسكون العين - وهي أكثر استعمالًا.
٢٥ - ولما ذكر الله أحوال السعداء وما أعد لهم من الكرامات والخيرات .. ذكر بعده أحوال الأشقياء وما لهم من العقوبات، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ﴾ مبتدأ خبره قوله الآتي: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾؛ أي: والكفار الذين يخلفون عهد الله ويتركون وفاء عهده المأخوذ عليهم بالطاعة والإيمان ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾؛ أي: من بعد توكيد ذلك العهد بالإقرار والقبول في عالم الذر، وهو العهد الذي جرى بينهم؛ إذا أخرجهم من ظهر آدم وعاهدهم على التوحيد والعبودية، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾.
ونقضه (٢): إما بأن لا ينظروا فيه، فلا يمكنهم العمل بموجبه، وإما بأن ينظروا فيه ويعلموا صحته، ثم هم بعد يعاندون فيه ولا يعملون بما علموه واعتقدوا صحته. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾؛ أي: من بعد اعترافهم به وإقرارهم بصحته ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾؛ أي: ويتركون وصل ما أمر الله سبحانه بوصله من الإيمان به وبجميع أنبيائه الذين جاؤوا بالحق، فآمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، وقطعوا الرحم وموالاة المؤمنين، وكانوا حربًا على المؤمنين وعونًا للكافرين، ومنعوا المساعدات العامة التي توجب التآلف والمودة بين المؤمنين، كما جاء في الحديث: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا"،