الأمراض والمضار والغموم وعلى ترك المشتهيات ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: طلبًا لرضا ربهم من غير أن ينظروا إلى جانب الخلق رياء وسمعة، ولا إلى جانب النفس زينة وعجبًا، فكما أن العاشق يرضى بضرب معشوقه لالتذاذه بالنظر إلى وجهه، فكذلك العبد يرضى بالمحنة لاستغراقه في معرفة الله تعالى ومحبته.
وإنما (١) قيد الصبر بقوله: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾؛ لأن الصبر ينقسم إلى نوعين:
الأول: الصبر المذموم؛ وهو أن الإنسان قد يصبر ليقال ما أكمل صبره وأشد قوته على ما تحمل من النوازل، وقد يصبر لئلا يعاب على الجزع، وقد يصبر لئلا تشمت به الأعداء، وكل هذه الأمور وإن كان ظاهرها الصبر، فليس ذلك داخلًا تحت قوله: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ لأنها لغير الله تعالى.
النوع الثاني: الصبر المحمود؛ وهو أن يكون الإنسان صابرًا لله تعالى راضيًا بما نزل به من الله طالبًا في ذلك الصبر ثواب الله محتسبًا أجره على الله، فهذا هو الصبر الداخل تحت قوله: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ يعني: صبروا على ما نزل بهم تعظيمًا لله تعالى، وطلبًا لرضوانه سبحانه، وجاءت (٢) الصلة هنا بلفظ الماضي، وفي الموصولين قبل بلفظ المضارع في قوله: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ وما عطف عليهما على سبيل التفنن في الفصاحة، وقيل: إن اختصاص هذه الصلة بالماضي وتينك بالمضارع أن تينك الصلتين قصد بهما الاستصحاب والالتباس دائمًا، وهذه الصلة قصد بها تقدمها على تينك الصلتين وما عطف عليهما؛ لأن حصول تلك الصلاة إنما هي مترتبة على حصول الصبر وتقدمه عليها؛ ولذلك لم تأت صلة الصبر في القرآن إلا بصيغة الماضي؟ إذ هو شرط في حصول التكاليف وإيقاعها والله أعلم.
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة؛ أي: داوموا على إقامتها؛ أي: أدوها على ما رسمه الدين من خشوع القلب واجتناب الرياء والخشية لله تعالى مع تمام أركانها
стр. 6197
وهيئاتها احتسابًا لوجهه، وأفردها (١) بالذكر تنبيهًا على كونها أشرف من سائر العبادات، ولا يمتنع إدخال النوافل فيها ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ أي: وأنفقوا بعض ما زرقناهم ﴿سِرًّا﴾ فيما بينهم وبين ربهم لمن لم يعرف بالمال، أو لمن لا يتهم بترك الزكاة، أو عند إعطائه من تمنعه المروءة من أخذه ظاهرًا أو في التطوع ﴿وَعَلَانِيَةً﴾ بحيث يراهم الناس لغير ذلك سواء كان الإنفاق واجبًا كالإنفاق على الزوجة والولد والأقارب والفقراء وفي الزكاة، أو مندوبًا كالإنفاق على الفقراء والمحاويج من الأجانب.
وقال الحسن (٢): والمراد بهذا الإنفاق الزكاة المفروضة، فإن لم يتهم بترك أداء الزكاة، فالأولى أن يؤديها سرًّا، وإن كان متهمًا بترك أداء الزكاة، فالأولى أن يؤديها علانية، وقيل: إن المراد بالسر: ما يخرج من الزكاة بنفسه، والمراد بالعلانية: ما يؤديه إلى الإمام، وقيل: المراد بالسر: صدقة التطوع، وبالعلانية: الزكاة الواجبة، وحَمْلُهُ على العموم أولى كما فسرنا ذلك آنفًا، وانتصابهما (٣) على الحال؛ أي: ذوي سر وعلانية بمعنى مسرين ومعلنين، أو على الظرف؛ أي: وقتي سر وعلانية، أو على المصدر؛ أي: إنفاق سر وعلانية كما سيأتي في مبحث الإعراب إن شاء الله تعالى.
واعلم: أن الله تعالى أسند الإنفاق إليهم، وإعطاء الرزق إلى ذاته تعالى، تنبيهًا على أنهم أمناء الله فيما أعطاهم ووكلاؤه، والوكيل دخيل في التصرف لا أصيل، فينبغي له أن يلاحظ جانب الموكل لا جانب نفسه ولا جانب الخلق، وقد قالوا: من طمع في شكر أو ثناء فهو بياع لا جواد؛ لأنه اشترى المدح بماله، والمدح لذيذ مقصود في نفسه، والجود. هو بذل الشيء من غير غرض. ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي: يدفعون سيئة من أساء إليهم بالإحسان إليه، كما في قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، أو يدفعون بالعمل الصالح العمل السيء، أو يدفعون الشر بالخير، أو المنكر بالمعروف، أو الظلم بالعفو، أو
стр. 6198
الذنب بالتوبة، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور.
قال عبد الله بن المبارك (١): هذه ثمان خلال مشيرة إلى أبواب الجنة الثمانية.
قلت: إنما هي تسع خلال، فيحتمل أنه عد خلتين بواحدة. ولما ذكر الله هذه الخلال من أعمال البر .. ذكر بعدها ما أعد للعاملين بها من الثواب، فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين وصفناهم بتلك المحاسن والكمالات التي بلغت الغاية في الشرف والكمال هم الذين ﴿لَهُمْ﴾ ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾؛ أي: العقبى الحسنة والمرجع الحسن والمسكن الطيب في الدار الآخرة، وسميت الدار الآخرة عقبى؛ لأنها عاقبة الدنيا ومرجع أهلها. والعقبى: مصدر (٢) كالعاقبة، والمراد بالدار الدنيا وعقباها الجنة، وقيل: المراد بالدار: الدار الآخرة وعقباها الجنة للمطيعين، والنار للعاصين.
٢٣ - ثم بين هذه العقبى، فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدل من ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾؛ أي: لهم جنات عدن، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: تلك العقبى هي جنات عدن وإقامة مؤبدة، والعدن: أصله الإقامة، ثم صار علمًا لجنة من الجنان، ولكن المراد به هنا المعنى العام، وجملة قوله: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ صفة لـ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾؛ أي: تلك العقبى جنات عدن يدخلونها؛ أي: يدخل هؤلاء الموصوفون بالصفات السابقة تلك الجنات، ويخلدون فيها لا يخرجون منها بعد الدخول أبدًا.
ثم ذكر ما يكون فيها من الأنس باجتماع الأهل والمحبين الصالحين، فقال: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ معطوف على الضمير المرفوع في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ وإنما ساغ للفصل بالضمير؛ أي: يدخل تلك الجنات هؤلاء الموصوفون بالصفات الحميدة، ويدخلها معهم من صلح وآمن معهم كما آمنوا ﴿مِنْ آبَائِهِمْ﴾؛ أي: من أصولهم، وإن علوا ذكورًا كانوا أو إناثًا. قال في "بحر (٣) العلوم" وآبائهم: جمع أبوي كل
стр. 6199
واحد منهم، كأنه قيل من آبائهم وأمهاتهم، والمعنى: أنه يلحق بهم الصلحاء من أبويهم ﴿و﴾ من ﴿أَزْوَاجِهِمْ﴾ اللاتي متن في عصمتهم ونكاحهم سواء متن قبلهم أم لا ﴿و﴾ من ﴿وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ وأولادهم وإن لم يبلغوا مبلغ فضلهم تبعًا لهم وتعظيمًا لشأنهم، وتكميلًا لفرحهم؛ لأن الله تعالى جعل من ثواب المطيع سروره بحضور أهله معه في الجنة، وإن لم يعملوا مثل أعمالهم.
والمعنى: أي ويجمع فيها بينهم وبين أحبابهم من الآباء والأزواج والأبناء ممن عمل صالحًا لتقرَّ بهم أعينهم، ويزدادوا سرورًا برؤيتهم حتى لقد ورد أنهم يتذاكرون أحوالهم في الدنيا، فيشكرون الله على الخلاص منها. وفي الآية إيماء (١) إلى أنه في ذلك اليوم لا تجدي الأنساب إن لم يسعفها العمل الصالح، فالآباء والأزواج والذرية لا يدخلون الجنة إلا بعملهم، وقد أشار إلى ذلك الكتاب الكريم: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
ثم ذكر ما لهم من الكرامة فيها بتسليم الملائكة عليهم، فقال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ من أبواب المنازل التي يسكنونها في قدر (٢) كل يوم وليلة ثلاث مرات بالهدايا وبشارات الرضا؛ أي: وتدخل عليهم الملائكة من ها هنا وهنا للتسليم عليهم والتهنئة بدخول الجنة والإقامة في دار السلام في جوار الصديقين والأنبياء والمرسلين.
٢٤ - وجملة قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ محكية لقول محذوف تقديره: أي: قائلين لهم سلام عليكم؛ أي: أمان عليكم من المكاره والمخاوف التي تحيق بغيركم ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ متعلق بـ ﴿عَلَيْكُمْ﴾، أو بمحذوف؛ أي: هذه الكرامة العظمى بسبب صبركم على الطاعات وترك المحرمات وعلى المحن والمتاعب والآلام التي لاقيتموها في دار الحياة الدنيا ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾؛ أي: نعم عاقبة الدار التي كنتم عملتم فيها هذه الكرامات التي ترونها، والمخصوص بالمدح الجنة؛ أي: فنعمت الجنة التي أعقبت وعوضت لكم عن الدار التي عملتم فيها هذه الأعمال الصالحة وهي دار الدنيا.
стр. 6200
وقرأ الجمهور (١): ﴿جَنَّاتُ﴾ بالجمع، وقرأ النخعي شذوذًا: ﴿جنة﴾ بالإفراد، وروي عن ابن كثير وأبي عمرو ﴿يدخلونها﴾ مبنيًّا للمفعول وهي رواية شاذة. وقرأ ابن أبي عبلة شذوذًا: ﴿ومن صلح﴾ - بضم اللام -، وقرأ الجمهور بفتحها وهو أفصح. وقرأ عيسى الثقفي: ﴿وذريتهم﴾ بالتوحيد، والجمهور بالجمع. وقرأ ابن يعمر شاذًا: ﴿فنعم﴾ - بفتح النون وكسر العين - وهي الأصل. وقرأ ابن وثاب شاذًا: ﴿فنَعْمَ﴾ - بفتح النون وسكون العين - وتخفيف فعل لغة تميمية، والجمهور ﴿فَنِعْمَ﴾ - بكسر النون وسكون العين - وهي أكثر استعمالًا.
٢٥ - ولما ذكر الله أحوال السعداء وما أعد لهم من الكرامات والخيرات .. ذكر بعده أحوال الأشقياء وما لهم من العقوبات، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ﴾ مبتدأ خبره قوله الآتي: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾؛ أي: والكفار الذين يخلفون عهد الله ويتركون وفاء عهده المأخوذ عليهم بالطاعة والإيمان ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾؛ أي: من بعد توكيد ذلك العهد بالإقرار والقبول في عالم الذر، وهو العهد الذي جرى بينهم؛ إذا أخرجهم من ظهر آدم وعاهدهم على التوحيد والعبودية، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾.
ونقضه (٢): إما بأن لا ينظروا فيه، فلا يمكنهم العمل بموجبه، وإما بأن ينظروا فيه ويعلموا صحته، ثم هم بعد يعاندون فيه ولا يعملون بما علموه واعتقدوا صحته. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾؛ أي: من بعد اعترافهم به وإقرارهم بصحته ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾؛ أي: ويتركون وصل ما أمر الله سبحانه بوصله من الإيمان به وبجميع أنبيائه الذين جاؤوا بالحق، فآمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، وقطعوا الرحم وموالاة المؤمنين، وكانوا حربًا على المؤمنين وعونًا للكافرين، ومنعوا المساعدات العامة التي توجب التآلف والمودة بين المؤمنين، كما جاء في الحديث: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا"،
стр. 6201
وجاء أيضًا: "المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو اشتكى باقي الأعضاء بالسهر والحمى".
ولم يتعرض هنا لنفي الخشية والخوف عنهم وما بعدهما من الأوصاف المتقدمة (١)؛ لدخولها في النقض والقطع ﴿وَيُفْسِدُونَ في الْأَرْضِ﴾ بظلمهم لأنفسهم بعبادة غير الله تعالى، وبظلمهم لغيرهم بدعوتهم إلى الشرك وانتهاب أموالهم واغتصابها بلا حق، وتهييج الفتن بين المسلمين، وإثارة الحرب عليهم وإظهار العدوان لهم.
وفي الحديث (٢): "الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها" وهي إيقاع الناس في الاضطراب والاختلال والاختلاف والمحنة والبلية بلا فائدة دينية، وذلك حرام؛ لأنه فساد في الأرض وإضرار للمسلمين وزيغ وإلحاد في الدين.
فمن الفتنة أن يغري الناس على البغي والخروج على السلطان، وذلك لا يجوز وإن كان ظالمًا؛ لكونه فتنة وفسادًا في الأرض، وكذا معاونة المظلومين إذا أرادوا الخروج عليه، وكذا المعاونة له لكونه إعانة على الظلم، وذلك لا يجوز.
ومنها: أن يقول للناس ما لا تصل عقولهم إليه، وفي الحديث: "أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم". ومنها أن يذكر للناس ما لا يعرفه بكنهه ولا يقدر على استخراجه، فيوقعهم في الاختلاف والاختلال، والفتنة والبلية، كما هو شأن بعض الوعاظ في زماننا.
ومنها: أن يحكم أو يفتي بقول مهجور أو ضعيف أو قوي يعلم أن الناس لا يعلمون به، بل ينكرونه أو يتركون بسببه طاعة أخرى كمن يقول لأهل القرى والبوادي والعجائز والعبيد والإماء: لا تجوز الصلاة بدون التجويد وهم لا يقدرون على التجويد، فيتركون الصلاة رأسًا، وهي جائزة عند البعض، وإن كان ضعيفًا فالعمل به واجب.
وكمن يقول للناس: لا يجوز البيع والشراء والاستقراض بالدراهم والدنانير
стр. 6202
إلا بالوزن؛ لأن رسول الله ﷺ نص عليها بالوزن، فهو وزني أبدًا وإن ترك الناس فيه الوزن، فهذا القول قوي في نفسه، وهو قول الإِمام أبي حنيفة ومحمد مطلقًا. وقول أبي يوسف في غير ظاهر الرواية وهي خروجها عن الوزنية بتعامل الناس إلى العددية، فهذه الرواية وإن كانت ضعيفة فالقول بها واجب ولازم فرارًا من الفتنة، فيجب على القضاة والمفتين والوعاظ معرفة أحوال الناس وعاداتهم في القبول والرد والسعي والكسل ونحوها، فيكلمونهم بالأصلح والأوفق لهم حتى لا يكون كلامهم فتنة للناس، وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه يجب على الآمر والناهي معرفة أحوال الناس وعاداتهم وطبائعهم ومذاهبهم؛ لئلا يكون فتنة للناس وتهييجًا للشر، وسببًا لزيادة المنكر وإشاعة المكروه.
ثم حكم عليهم بما يستحقون بما دسوا به أنفسهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بهذه الصفات الذميمة ﴿لَهُمُ﴾ بسبب تلك الصفات المذكورة ﴿اللَّعْنَةُ﴾ في الآخرة؛ أي: الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى ورضوانه ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾؛ أي: الدار السيئة القبيحة، وهي جهنم دار البوار جزاء وفاقًا لما اجترحوه من السيئات وأتوا به من الشرور والآثام، فاللعنة وسوء العاقبة لاصقان بهم لا يعدوانهم إلى غيرهم، وفيه تنفير للمسلمين عن هذه الخصال الثلاث، وأن لا ترفع همتهم حول ذلك الحمى.
٢٦ - ولما كان (١) كثير من الأشقياء فتحت عليهم نعم الدنيا ولذاتها أخبر تعالى أنه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، والكفر والإيمان لا تعلق لهما بالرزق، فقال: ﴿اللَّهُ﴾ وحده هو الذي ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ويوسعه في الدنيا ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ بسطه وتوسيعه عليه ﴿وَيَقْدِرُ﴾؛ أي: يضيق الرزق على من يشاء من عباده، ويعطيه بقدر كفايته لا يفضل عنه شيء. كأنه قيل (٢): لو كان من نقض عهد الله ملعونين في الدنيا ومعذبين في الآخرة .. لِمَ فتح الله عليهم أبواب النعم واللذات في الدنيا. فقيل: إن فتح باب الرزق في الدنيا لا تعلق له بالكفر والإيمان، بل هو متعلق بمجرد مشيئة الله، فقد يضيق على المؤمن امتحانًا لصبره
стр. 6203
وتكفيرًا لذنوبه ورفعًا لدرجاته، ومن هذا القبيل ما وقع لأكثر الأصحاب ﵃ من المضايقة، ويوسع على الكافر استدراجًا، ومنه ما وقع لأكثر كفار قريش من التوسعة، ثم إن الله تعالى جعل الغنى لبعضهم صلاحًا، وجعل الفقر لبعضهم صلاحًا، وقد جعل في غنى بعضهم فسادًا كالفقر، وفي الكل حكمة ومصلحة.
والمعنى: الله (١) يوسع الرزق لمن يشاء من عباده ممن هو حاذق في جمع المال وله من الحيلة في الحصول على كسبه واستنباطه بشتى الوسائل ما يخفى على غيره، ولا علاقة لهذا بإيمان ولا كفر، ولا صلاح ومعصية، ويقدر على من يشاء ممن هو ضعيف الحيلة، وليس بالحُوَّل (٢) القُلَّب في استنباط أسبابه ووسائله، وما الغنى والفقر إلا حالان يمران على البر والفاجر، كما يمر عليهما الليل والنهار والصباح والمساء.
ثم ذكر أن مشركي مكة بطروا بغناهم، فقال: ﴿وَفَرِحُوا﴾؛ أي: وفرح الذين نقضوا العهد والميثاق من مشركي مكة وغيرهم ﴿بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: ببسط الرزق عليهم في الحياة الدنيا، وعدوه أكبر متاع لهم، وأعظم حظوة عند الناس. والفرح (٣): لذة في القلب لنيل المشتهى؛ أي: فرحوا بها فرح بطر وأشر، لا فرح شكر وسرور بفضل الله وأنعامه عليهم. وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا حرام. قال في "شرح الحكم" عند قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ إنما لم يؤمر العبد برفض الفرح جملة؛ لأن ذلك من ضرورات البشر التي لا يمكن رفعها، بل ينبغي صرفها للوجه اللائق بها، وكذا جميع الأخلاق كالطمع والبخل والحرص والشهوة والغضب لا يمكن تبدلها، بل يصح أن تصرف إلى وجه لائق بها حتى لا تنصرف إلا فيه انتهى. وقيل: في هذه الآية تقديم
стр. 6204
وتأخير، والتقدير: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، وفرحوا بالحياة الدنيا، فيكون ﴿فْرَحُوا﴾ معطوفًا على ﴿يفسدون﴾. ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾؛ أي: وما نعيم الحياة الدنيا الفاني ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: بالنسبة إلى نعيم الآخرة الباقي ﴿إِلَّا مَتَاعٌ﴾؛ أي: إلا شيء قليل ونزر يسير سريع الزوال يتمتع به قليلًا، فهو كزاد الراعي يتزود بها إلى الآخرة، وعجالة الراكب؛ وهي ما يتعجل به من تميرات أو شربة سويق أو نحو ذلك، فلا حق لهم في البطر والأشر بما أوتوا من حظوظها، وانتفعوا به من خيراتها، فهم قد اعتزوا بالقليل السريع الزوال. و ﴿في﴾ في قوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ ليست (١) ظرفًا لـ ﴿الْحَيَاةُ﴾ ولا لـ ﴿الدُّنْيَا﴾؛ لأنهما لا يقعان فيها، بل هي حال، والتقدير: وما الحياة القريبة إلى الزوال حالة كونها كائنة في جنب حياة الآخرة؛ أي: بالقياس والنسبة إليها إلا متاع، فـ ﴿في﴾: للمقايسة، وهي الداخلة بين مفضول سابق وفاضل لاحق.
وأخرج الترمذي عن المستورد قال (٢): قال رسول الله ﷺ : "ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم، فلينظر بم يرجع"، وأشار بالسبابة.
وأخرج الترمذي عن ابن مسعود وصححه قال: نام رسول الله ﷺ على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك، فقال: "ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظل تحت شجرة ثم راح وتركها".
قال في "الحكم العطائية" (٣): إن أردت أن لا تعزل، فلا تتول ولايةً لا تدوم لك، وكل ولايات الدنيا كذلك، وإن لم تعزل عنها بالحياة عزلت عنها بالممات، قال: وقد جعل الله الدنيا محلًا للأغيار ومعدنًا لوجود الأكدار تزهيدًا لك فيها حتى لا يمكنك استناد إليها ولا تعريج عليها. وقد قيل: إن الله تعالى
стр. 6205
أوحى إلى الدنيا: تضيقي وتشدَّدي على أوليائي، وترفَّهي وتوسَّعي على أعدائي، تضيَّقي على أوليائي حتى لا يشتغلوا بك عني، وتوسَّعي على أعدائي حتى يشتغلوا بك عني، فلا يتفرَّغوا لذكري انتهى.
فغاية (١) متاع الدنيا أنها مثل القصعة والقدح والقدر ينتفع بها، ثم تذهب، والعاقل لا يفرح بما يفارقه عن قريب ويورثه حزنًا طويلًا، وإن حدثته نفسه بالفرح به يكذبها. قال الشاعر:
وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ لاَ يَرَى مَا يَسُوْؤُهُ ... فَلاَ يَتَّخِذْ شَيْئًا يَخَافُ لَهُ فَقْدَا
٢٧ - ولما أبان أنهم قد انخدعوا بالسراب واكتفوا بالحباب - نفاخات الماء التي تعلوه - ... ذكر ما ترتب على ذلك الغرور من اقتراحهم على رسوله ﷺ الآيات، فقال: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: ثبتوا واستمروا على كفرهم وعنادهم من أهل مكة وغيرهم ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: هلا أنزل على محمَّد ﷺ ﴿آيَةٌ﴾؛ أي: علامة عظيمة ومعجزة باهرة كائنة ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾؛ أي: من رب محمَّد ﷺ مثل آيات موسى وعيسى ﵉ من العصا وإحياء الموتى ونحوهما؛ لتكون دليلًا وعلامة على صدقه.
والمعنى (٢): أي ويقول الذي كفروا من أهل مكة هلَّا أنزل على محمَّد آية كما أرسل على الأنبياء والرسل السابقين، كسقوط السماء عليهم كسفًا، أو تحويل الصفا ذهبًا، أو إزاحة الجبال من حول مكة حتى يصير مكانها مروجًا وبساتين إلى نحو أولئك من الاقتراحات التي حكاها القرآن عنهم كقولهم: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ وكأنهم لفرط عنادهم وعظيم مكابرتهم قد ادعو أن ما أتى به من باهر الآيات كالقرآن وغيره ليس عندهم من الآيات التي توجب الإذعان والإيمان، أو التي لا تقبل شكًّا ولا جدلًا، ثم أمر رسوله أن يبين لهم أن إنزال الآيات لا دخل له في هداية ولا ضلال، بل الأمر كله بيده، فقال: ﴿قل﴾ يا محمَّد لهؤلاء الكفرة المعاندين ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾
стр. 6206
إضلاله باقتراح الآيات تعنتًا بعد تبين الحق وظهور المعجزات، فلا تغنى عنه كثرة المعجزات شيئًا إذا لم يهده الله تعالى ﴿وَيَهْدِي﴾ سبحانه تعالى ﴿إِلَيْهِ﴾؛ أي: من أقبل إلى الحق ورجع عن العناد، فضمير ﴿إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى الحق أو إلى الإِسلام، أو إلى جنابه تعالى ﴿مَنْ أَنَابَ﴾؛ أي: من أقبل إلى الحق ورجع عن العناد: فضمير ﴿إِلَيْهِ﴾ راجع إلى الحق، أو من (١) رجع إلى الله التوبة والإقلاع عما كان عليه. وأصل الإنابة: الدخول في نوبة الخبر.
والمعنى (٢): أي إنه لا فائدة لكم في نزول الآيات إن لم يُرد الله تعالى هدايتكم، فلا تشغلوا أنفسكم بها، ولكن تضرعوا إليه واطلبوا منه الهداية، فإن الضلال والهداية بيده، وإليه مقاليدها، وادعوه أن يهيىء لكم من أمره رشدًا، وأن يمهد لكم وسائل النجاة والسعادة، ويدفع عنكم نزعات الشيطان ووساوسه؛ لتظفروا بالحسنى في الدارين.
والخلاصة: أن في القرآن وحده غنى عن كل آية، فلو أراد الله هدايتكم لصرف اختياركم إلى تحصيل أسبابها، وكان لكم فيه مرشدًا أيما مرشد، ولكن الله جعلكم سادرين في الضلالة لا تلوون على شيء، ولا ينفعكم إرشاد ولا نصح؛ لسوء استعدادكم وكثرة لجاجكم وعنادكم، ومن كانت هذه حاله فأنى له أن يهتدي ولو جاءته كل آية كما قال: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾.
٢٨ - أما (٣) من أقبلوا إلى الله وتأملوا في دلائله الواضحة، وسلكوا طرقه المعبدة، فالله ينير بصائرهم ويشرح صدورهم، وهم لا بد واصلون إلى الفوز
стр. 6207
بالحسنى، وحاصلون على السعادة في الدنيا والآخرة، وهم من أشار إليهم بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ محله النصب على البدلية من قوله: ﴿مَنْ أَنَابَ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم الذين آمنوا بالله وبرسوله وبكل ما جاء به ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: تسكن قلوبهم وتستأنس ﴿بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ تعالى؛ أي: هم الذين آمنوا بالله وبرسوله، واطمأنت واستأنست قلوبهم بذكر الله سبحانه بألسنتهم كتلاوة القرآن والتسبيح والتحميد والتكبير والتوحيد، أو بسماع ذلك من غيرهم؛ أي: إذا سمعوا ذكر الله أحبوه واستأنسوا به، فالمؤمنون يستأنسون بالقرآن وذكر الله الذي هو الاسم الأعظم ويحبون استماعها، والكفار يفرحون بالدنيا، ويستبشرون بذكر غير الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾.
وقيل (١): المراد بالذكر هنا الطاعة، وقيل: بوعد الله، وقيل: بذكر رحمته، وقيل: بذكر دلائله الدالة على توحيده. ﴿أَلَا﴾؛ أي: انتبهوا من غفلتكم واعلموا أنه ﴿بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ ﴿تَطْمَئِنُّ﴾. وتستأنس ﴿اَلقُلُوبُ﴾؛ أي: قلوب المؤمنين ويستقر اليقين فيها؛ أي: ألا بذكر الله وحده لا بغيره تطمئن قلوب المؤمنين، ويزول القلق والاضطراب من خشيته بما يفيضه عليها من نور الإيمان الذي يذهب الهلع والوحشة، وهي بمعنى قوله في الآية الأخرى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
فإن قلت (٢): أليس قد قال الله ﵎ في أول سورة الأنفال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ والوجل استشعار الخوف وحصول الاضطراب، وهو ضد الطمأنينة، فكيف وصفهم بالوجل والطمأنينة، وهل يمكن الجمع بينهما في حال واحدة؟
قلت: إنما يكون الوجل عند ذكر الوعيد والعقاب، والطمأنينة إنما تكون عند ذكر الوعد والثواب، فالقلوب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه
стр. 6208
وعقابه، وتطمئن إذا ذكرت فضل الله ورحمته وكرمه وإحسانه؛ أي: فالمؤمنون (١) إذا ذكروا عقاب الله، ولم يأمنوا من وقوعهم في المعاصي وجلت قلوبهم، كما قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وإذا ذكروا وعده بالثواب والرحمة سكنت نفوسهم واطمأنت إلى ذلك الوعد، وزال منها القلق والوحشة كما قال: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. وفي الآية إيماء إلى أن الكفار أفئدتهم هواء؛ إذ لم تسكن نفوسهم إلى ذكره، بل سكنت إلى الدنيا وركنت إلى لذاتها،
٢٩ - ثم بين سبحانه جزاء المطمئنين وثوابهم، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: الذين جمعوا بين الإيمان بالقلب والعمل الصالح بالجوارح، وهو مبتدأ خبره ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾؛ أي: لهم عند ربهم في الآخرة حالة طيبة وعيشة طيبة ومثوبة حسنى وفرح وسرور، وقيل: طوبى: شجرة في الجنة، وقيل: هي الجنة. ﴿و﴾ لهم ﴿حسن مآب﴾؛ أي: ولهم عند ربهم مآب حسن ومرجع حسن ومنقلب طيب ينقلبون ويرجعون إليه في الآخرة وهو الجنة.
وفي هذا من الترغيب في طاعته والتحذير من معصيته ومن شديد عقابه ما لا خفاء فيه.
وخلاصة ذلك: أن أهل الجنة منعمون بكل ما يشتهون كما جاء في الحديث: "فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر". وقرأ بكرة الأعرابي شذوذًا (٢): ﴿طِيبى﴾ - بكسر الطاء - لتسلم الياء من القلب، وإن كان وزنها فعلى كما كسروا في بيض لتسلم الياء، وإن كان وزنه فعلًا كحمر. وقرىء شذوذًا: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ - بفتح النون ورفع مآب - فـ ﴿حسن﴾: فعل ماضٍ أصله، وحسن نقلت ضمة سينه إلى الحاء، وهذا جائز في فعل إذا كان للمدح، أو الذم، كما قالوا: حسن ذا أدبًا. وقرأ الجمهور: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ بالرفع على أنه معطوف على ﴿طُوبَى﴾. وقرأ عيسى الثقفي بالنصب، وخرَّج ذلك ثعلب على أنه معطوف على ﴿طُوبَى﴾ وأنها في موضع نصب على المصدرية كسَقْيًا
стр. 6209
لك، وحسن مآب معطوف عليها.
٣٠ - ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل إرسالنا الرسل إلى أممهم قبلك وإعطائنا إياهم كتبًا تتلى عليهم ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ وبعثناك يا محمَّد ﴿فِي أُمَّةٍ﴾؛ أي: إلى جماعة كثيرة. فـ ﴿فِي﴾ (١) هنا بمعنى: إلى، كما في قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾. وفي "بحر العلوم" وإنما عدى الإرسال بـ ﴿فِي﴾ وحقه أن يعدى بإلى؛ لأن الأمة موضع الإرسال؛ أي: أرسلناك إلى أمة ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مضت وتقدمت ﴿مِنْ قَبْلِهَا﴾؛ أي: من قبل هذه الأمة التي أرسلناك إليها، فالضمير عائد على أمة باعتبار لفظها ﴿أُمَمٌ﴾؛ أي: قد مضت من قبل هذه الأمة أمم كثيرة وقرون عديدة قد أرسلنا إليهم رسلنا من قبلك، فليس ببدع إرسالك إلى أمتك، فكيف ينكرون رسالتك، ثم علل الإرسال، فقال: ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: على أمتك، فالضمير راجع إلى ﴿أُمَّةٍ﴾ باعتبار معناها، ولو عاد إلى لفظها، لقال: لتتلو عليها؛ أي: أرسلناك إليهم لكي تقرأ على تلك الأمة الكتاب العظيم ﴿الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ وهو القرآن وما فيه من شرائع الإِسلام وتزينهم بحلية الإيمان، فإن المقصود (٢) من نزول القرآن هو العمل بما فيه، وتحصيل السيرة الحسنة لا التلاوة المحضة والاستماع المجرد، فالعامي المتعبد راجل سالك، والعالم المتهاون راكب نائم. وجملة قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ حال من ﴿أُمَّةٍ﴾؛ أي: أرسلناك إلى أمة قد خلت من قبلها أمم، والحال أنهم؛ أي: أن أمتك يكفرون وينكرون باللهِ الواسع الرحمة، ولا يعرفون قدر رحمته وإنعامه عليهم بإرسالك وإنزال الكتاب العظيم عليهم، والضمير في ﴿وَهُمْ﴾ عائد على ﴿أُمَّةٍ﴾ من حيث المعنى، ولو عاد على لفظها لكان التركيب: وهي تكفر بالرحمن. اهـ. "سمين".
والمعنى: أي كما (٣) أرسلنا إلى الأمم الماضية رسلًا فكذبوهم، كذلك أرسلناك في هذه الأمة لتبليغهم رسالة الله إليهم، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا
стр. 6210
بأولئك، فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم.
وخلاصة ذلك: أننا كما أرسلنا إلى أمم من قبلك، وأعطيناهم كتبًا تتلى عليهم أرسلناك وأعطيناك هذا الكتاب لتتلوه عليهم، فلماذا يقترحون غيره ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾؛ أي: والحال أنهم كفروا بمن أحاطت بهم نعمه ووسعت كما شيء رحمته، ولم يشكروا نعمه وفضله عليهم، ولا سيما إحسانه إليهم بإرسالك وإنزال القرآن عليك، وهو الكفيل بمصالح الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾.
وكفرهم به أنهم جحدوه بتاتًا، أو أثبتوا له الشركاء. وروي أنَّ أبا جهل سمع النبي ﷺ وهو في الحجر يدعو ويقول "يا الله يا رحمن"، فرجع إلى المشركين، وقال: إن محمدًا يدعو إلهين يدعو الله، ويدعو آخر يسمى الرحمن، ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة يعني به: مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة؟ وهي بلدة في البادية، فنزلت هذه الآية. ﴿قُل﴾ لهم يا محمَّد ﴿هُوَ﴾؛ أي: الرحمن الذي كفرتم به وأنكرتم معرفته ﴿رَبيِّ﴾؛ أي: خالقي ومتولي أموري. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر بعد خبر؛ أي: هو جامع لهذين الوصفين من الربوبية والألوهية، فلا مستحق للعبادة سواه. ومعنى: ﴿لَاَ إلَهَ إلَّا هُوَ﴾ هو الواحد المختص بالإلهية، فلا يستحق العبادة له والإيمان به سواه.
والمعنى: قل لهم يا محمَّد إن الرحمن الذي كفرتم به هو خالقي ومتولي أمري ومبلغي مراتب الكمال، لا رب غيره ولا معبود سواه، فهو الواحد الأحد الفرد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. وعن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ زمن الحديبية حين صالح قريشًا كتب في الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقالت قريش: أما الرحمن فلا نعرفه، وكان أهل الجاهلية يكتبون: باسمك اللهم، فقال أصحابه: دعنا نقاتلهم، قال: "لا اكتبوا كما يريدون" اهـ.
﴿عَلَيْهِ﴾ لا على غيره ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ واعتمدت في جميع أموري، وإليه أسندت أمري في العصمة من شركم والنصرة عليكم ﴿وَإِلَيْهِ﴾ تعالى
стр. 6211
لا إلى غيره ﴿مَتَابِ﴾؛ أي: توبتي، وهو مصدر ميمي لتاب يتوب، وأصله (١) متابي بالإضافة إلى ياء المتكلم، ولكنها حذفت اجتزاء عنها بالكسرة؛ أي: مرجعي ومرجعكم فيرحمني وينتقم لي منكم، والانتقام من الرحمن أشد، ولذا قيل: نعوذ بالله من غضب الحليم.
وفي هذا (٢): بيان لفضل التوبة ومقدار عظمها عند الله، وبعث للكفار على الرجوع عما هم عليه بأبلغ وجهٍ وألطف سبيل؛ إذا أمر بها ﵇ وهو منزه عن اقترات الذنوب، فتوبتهم وهم عاكفون على أنواع الكفر والمعاصي أحق وأجدر.
٣١ - ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا﴾؛ أي: ولو ثبت أن كتابًا من الكتب السماوية ﴿سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾؛ أي: نقلت بتلاوته عن أماكنها، وأذهبت عن وجه الأرض بقرائته عليها، كما فعل ذلك بالطور لموسى ﵇ ﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾؛ أي: أو شقت الأرض بتلاوته عليها، وجعلت أنهارًا وعيونًا، كما فعل بالحجر حين ضربه موسى بعصاه ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾؛ أي: أو كلم أحد به الموتى في قبورهم بأن أحياهم بقرائته عليهم، فتكلم معهم كما وقع لعيسى ﵇، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف تقديره: لو ثبت أمر من هذه الأمور الثلاثة لكتاب من الكتب السماوية لثبت لهذا الكتاب العظيم، ولهذا القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لما انطوى عليه من الآيات الكونية الدالة على بديع صنع الله في الأنفس والآفاق، ولما اشتمل عليه من الحكم والأحكام التي فيها صلاح البشر وسعادتهم في الدار الفانية والدار الباقية، واشتمل عليه من قوانين العمران التي تكون خيرًا لمتبعيها وفوزًا لسالكيها، ويجعل منهم خير أمة أخرجت للناس.
أو التقدير: لو ثبت أمر من هذه الأمور الثلاثة لكتاب من الكتب السماوية .. لكان هو هذا القرآن لكونه ينطوي على عجائب آثار قدرة الله تعالى،
стр. 6212
ولكن لم يفعل، بل فعل ما عليه الشأن الآن وهذا بمعنى قوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.
خلاصة ذلك (١): لو أن ظهور أمثال ما اقترحوه مما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة؛ لكان مظهر ذلك هو القرآن الذي لم يعدوه آية، واقترحوا غيره. ولا يخفى ما في هذا من تعظيم شأنه الكريم، ووصفهم بسخف العقل وسوء التدبير والرأي، وبيان أن تلك المقترحات لا ينبغي أن يؤبه لها ولا يلتفت إليها؛ لأنها صادرة عن التشهي والهوى والتمادي في الضلال، والمكابرة والعناد، لا عن تقدير للأمور على وجهها الصحيح، وتأمل في حقائقها، وما يجب أن يكون لها من الاعتبار.
ويجوز أن يكون المعنى: لو أن كتابًا فعلت بوساطته هذه الأفاعيل العجيبة .. لما آمنوا به لفرط عنادهم وعلوهم في مكابرتهم، وهذا بمعنى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
﴿بَلْ لِلَّهِ﴾ لا لغيره ﴿الْأَمْرُ﴾ الذي يدور (٢) عليه فلك الأكوان ﴿جَمِيعًا﴾ وجودًا وعدمًا إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، فله التصرف في كل شيء، وله القدرة على ما أراد، وهو قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات إلا أن إرادته لم تتعلق بذلك؛ لعلمه بأنه لا تنفعهم الآيات، وأن قلوبهم لا تلين بذلك، ولا يجدي هذا فائدة في إيمانهم.
والمعنى: بل مرجع الأمور كلها بيد الله تعالى ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن، ومن يضلل فلا هادي له، ومن يهد فما له من مضل. وهذه الجملة إضراب (٣) عن ما تضمنته لو من معنى النفي؛ أي: بل الله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات إلا أن إرادته لم تتعلق بذلك، لعلمه بأنه لا تلين له
стр. 6213
شكيمتهم، ويؤيد ذلك قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ والهمزة فيه داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، و ﴿يَيْأَسِ﴾ هنا بمعنى يعلم و ﴿أَن﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والتقدير: أغفل الذين آمنوا كون الأمر جميعًا لله تعالى، فلم يعلموا أن الشأن والحال لو شاء الله هداية الناس أجمعين لهداهم جميعًا من غير أن يشاهدوا الآيات التي اقترحوها، فإنه ليس ثمة حجة ولا معجزة أنجع في العقول من هذا القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله، ولكنه لم يشأ هداية جميع الناس. وقيل (١): إن الإياس على معناه الحقيقي؛ أي: أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمان هؤلاء الكفار لعلمهم أن الله تعالى لو أراد هدايتهم لهداهم؛ لأن المؤمنين تمنوا نزول الآيات التي اقترحها الكفار طمعًا في إيمانهم.
وحاصله: أن في معنى الآية قولين:
أحدهما: أن يئس بمعنى علم.
والقول الثاني: أنه من اليأس المعروف، وتقدير القولين ما تقدم. ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالرحمن وهم كفار مكة ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا﴾؛ أي: بسبب ما صنعوا وفعلوا من كفرهم وأفعالهم الخبيثة ﴿قَارِعَةٌ﴾؛ أي: داهية ومصيبة تقرعهم وتفجأهم، وتفزعهم من القتل والأسر والحرب والجدب. وأصل القرع: الضرب والصدع.
وتلخيصه (٢): ولا يزال كفار مكة معذبين بقارعة من البلايا والرزايا ﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ القارعة؛ أي: تنزل ﴿قَرِيبًا﴾؛ أي: مكانًا قريبًا ﴿مِنْ دَارِهِمْ﴾ مكة فيفزعون فيها، ويقلعون ويتطاير عليهم شرارها ويتعدى إليهم شرورها، ويجوز أن يكون ﴿تَحُلُّ﴾ خطابًا للنبي ﷺ ، فإنه حل بجيشه قريبًا من دارهم حيث حاصر أهل الطائف، وحيث حل بالحديبية في عامها. وقيل هذا وعيد للكفار على العموم، لا خصوص أهل مكة ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾؛ أي: حتى ينجز الله وعده الذي وعدك فيهم بظهورك عليهم وفتحك أرضهم وقهرك إياهم بالسيف
стр. 6214
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾؛ أي: لا يترك وفاء الوعد الذي وعده لعباده؛ لامتناع الخلف في حقه تعالى؛ لكونه نقصًا منافيًا للألوهية، وكمال الشيء، فما جرى به وعده فهو كائن لا محالة؛ أي: إن الله تعالى منجزك ما وعدك من النصر عليهم؛ لأنه لا يخلف وعده كما قال: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧)﴾. والميعاد (١): بمعنى الوعد كالميلاد والميثاق بمعنى الولادة والتوثقة، والوعد عبارة عن الإخبار بإيصال المنفعة قبل وقوعها.
وقرأ علي وابن عباس قال الزمخشري (٢)، وجماعة من الصحابة والتابعين، وقال غيره: وعكرمة وابن أبي مليكة والجحدري وعلي بن الحسين وابنه زيد وأبو زيد المزني وعلي بن نديمة وعبد الله بن يزيد: ﴿أفلم يتبين﴾ من بينت كذا إذا عرفته وهه قراءة شاذة وليست متواترة، وتدل هذه القراءة الشاذة على أن معنى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ هنا معنى العلم، كما تظافرت النقول أنها لغة لبعض العرب، وهذه القراءة ليست قراءة تفسير لقوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ كما يدل عليه ظاهر كلام الزمخشري، بل هي قراءة مسندة إلى الرسول ﷺ . وقرأ مجاهد وابن جبير: ﴿أو يحل﴾ بالياء على الغيبة وهي قراءة شاذة أيضًا، واحتمل أن يكون عائدًا على معنى القارعة، وهو أوضح، راعى فيه التذكير؛ لأنها بمعنى البلاء أو العذاب، أو تكون الهاء في ﴿قَارِعَةٌ﴾ للمبالغة فهو بمعنى قارع، واحتمل أن يكون عائدًا على الرسول ﷺ ؛ أي: أو يحل الرسول قريبًا. وقرىء شذوذًا أيضًا: ﴿من ديارهم﴾ بالجمع وهي واضحة.
الإعراب
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)﴾.
﴿الَّذِينَ﴾ مع ما عطف عليه: مبتدأ أول، خبره جملة قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾، أو بدل من ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، أو نعت له، وجملة قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾: مستأنفة. ﴿يُوفُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة
стр. 6215
الموصول. ﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُوفُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول معطوف على الموصول الأول. ﴿يَصِلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿أَمَرَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق به، ومفعوله محذوف تقديره: ما أمرهم الله به. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يُوصَلَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، والجملة في تأويل مصدر مجرور على كونه بدلًا من ضمير به، والتقدير: والذين يصلون ما أمر الله بوصله. ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يَصِلُونَ﴾. ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يَصِلُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع معطوف على الموصول الأول. ﴿صَبَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾: يجوز أن يكون مفعولًا له، وهو الظاهر، وأن يكون حالًا؛ أي: مبتغين، والمصدر مضاف لمفعوله. اهـ. "سمين". ولكن الكلام على حذف مضاف؛ أي: ابتغاء ثوابه ورضاه. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿صَبَرُوا﴾. ﴿وَأَنْفَقُوا﴾: فعل وفاعل معطوف ﴿صَبَرُوا﴾. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْفَقُوا﴾. ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: إياه، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف الذي قدرناه آنفًا. ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾: حالان من فاعل ﴿وَأَنْفَقُوا﴾، ولكنه على تأويله بالمشتق تقديره: وأنفقوا حالة كونهم مسرين ومعلنين، أو على المصدرية؛ أي: إنفاق سر وعلانية، أو على الظرفية؛ أي: وقتي سر وعلانية. ذكره في "روح البيان" كما تقدم. ﴿وَيَدْرَءُونَ﴾: فعل وفاعل
стр. 6216
معطوف على ﴿صَبَرُوا﴾. ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾: متعلق به. ﴿السَّيِّئَةَ﴾: مفعول به. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لما بعده. ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾: مبتدأ ثالث ومضاف إليه، والجملة من المبتدأ الثالث وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره مستأنفة.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣)﴾.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي جنات عدن، والجملة في محل الرفع بدل من ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾، أو عطف بيان منه. ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾: فعل وفاعل، ومفعول، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿جَنَّاتُ﴾، ولكنها سببية. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾ للمعية ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع معطوف على المرفوع في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، وإنما ساغ العطف بلا توكيد، لوجود الفصل بالضمير المنصوب. ﴿صَلَحَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿مِنْ﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنْ آبَائِهِمْ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿صَلَحَ﴾. ﴿وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾: معطوفان على ﴿آبَائِهِمْ﴾. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: مبتدأ. ﴿يَدْخُلُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به، وكذا قوله: ﴿مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾: يتعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، أو الجملة الاسمية مستأنفة.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾.
﴿سَلَامٌ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة قصد الدعاء. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لقول محذوف حال من فاعل ﴿يَدْخُلُونَ﴾، والتقدير: والملائكة يدخلون عليهم من كل باب حالة كونهم قائلين: سلام عليكم. ﴿بِمَا﴾: (الباء): حرف جر وسبب. ﴿ما﴾: مصدرية: ﴿صَبَرْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: بسبب صبركم في الدنيا على مشاق
стр. 6217
التكاليف، الجار والمجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر. ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿نعم﴾: فعل ماضٍ لإنشاء المدح. ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾: فاعل ومضاف إليه، وجملة ﴿نعم﴾: في محل الرفع خبر مقدم لمبتدأ محذوف هو مخصوص بالمدح تقديره: جنات عدن، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ على كونها مقولًا لقول محذوف.
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ في الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر مبتدأ أول. ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَنْقُضُونَ﴾. ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يَنْقُضُونَ﴾. ﴿أَمَرَ الله﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿أَنْ يُوصَلَ﴾: ناصب وفعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، والجملة في تأويل مصدر مجرور على كونه بدلًا من الضمير المجرور. ﴿وَيُفْسِدُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَنْقُضُونَ﴾. ﴿في الْأَرْضِ﴾: متعلق به. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم لما بعده. ﴿اللَّعْنَةُ﴾: مبتدأ ثالث، والجملة من المبتدأ الثالث في محل الرفع خبر للمبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، وجملة الأول معطوفة على جملة قوله: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ﴾: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾: مبتدأ وخبر معطوف على جملة قوله: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾.
﴿الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا في الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)﴾.
﴿الله﴾: مبتدأ. ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَبْسُطُ﴾. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره:
стр. 6218
لمن يشاء البسط له. ﴿وَيَقْدِرُ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يَبْسُطُ﴾. ﴿وَفَرِحُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿بِالْحَيَاةِ﴾: متعلق به. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةُ﴾. ﴿وَمَا الْحَيَاةُ﴾: (الواو): استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿الْحَيَاةُ﴾: مبتدأ. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةُ﴾. ﴿في﴾: حرف جر ومقايسة بمعنى الباء. ﴿الْآخِرَةِ﴾: مجرور بها، الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من المضاف المحذوف الواقع مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿مَتَاعٌ﴾: خبر المبتدأ، والتقدير: وما نعيم الحياة الدنيا حالة كونه مقاسًا بنعيم الآخرة إلا متاع.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧)﴾.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض بمعنى هلا. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماضٍ مغير الصيغة. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به. ﴿آيَةٌ﴾: نانب فاعل. ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿آيَةٌ﴾؛ أي: آية كائنة من ربه، والجملة من الفعل المغير ونائب فاعله في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّ اللهَ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ اللهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿يُضِلُّ مَنْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهَ﴾، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من يشاء إضلاله. ﴿وَيَهْدِي﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يُضِلُّ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهَ﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق به. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَهْدِي﴾. ﴿أَنَابَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة صلة الموصول.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾.
стр. 6219
﴿الَّذِينَ﴾ بدل من ﴿مَنْ﴾ في قوله: ﴿مَنْ أَنَابَ﴾ بدل كل من كل، أو عطف بيان منه. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿بِذِكْرِ اللهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَطْمَئِنُّ﴾. ﴿أَلَا﴾: حرف تنبيه. ﴿بِذِكْرِ اللهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بما بعده. ﴿تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾.
﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ أول. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿طُوبَى﴾: مبتدأ ثان، وجاز الابتداء به: إما لأنه علم لشيء بعينه، وإما لأنها نكرة في معنى الدعاء، كسلام عليك، وويل له. اهـ. "سمين". ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر للمبتدأ الثاني. ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾: معطوف على ﴿طُوبَى﴾، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، وجملة الأول مستأنفة.
﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿في أُمَّةٍ﴾: جار ومجرور متعلق به، والتقدير: أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم إرسالًا مثل إرسالنا الرسل السالفة إلى أممهم، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿خَلَتْ﴾: فعل ماض. ﴿مِنْ قَبْلِهَا﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿أُمَمٌ﴾: فاعل ﴿خَلَتْ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر صفة لـ ﴿أُمَّةٍ﴾، ولكنها صفة سببية. ﴿لِتَتْلُوَ﴾: (اللام): حرف جر وتعليل. ﴿تَتْلُوَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وعلامة نصبه فتحة ظاهرة؛ لأنه فعل معتل الواو، وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلق به. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿تَتْلُوَ﴾، وجملة ﴿تَتْلُوَ﴾: صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لتلاوتك عليهم الذي أوحينا إليك، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾.
стр. 6220
﴿أَوْحَيْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: الذي أوحينا إليك. ﴿وَهُمْ﴾ (الواو): حالية أو استئنافية. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿يَكْفُرُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِالرَّحْمَنِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ﴿أُمَّةٍ﴾، أو من الضمير في ﴿عَلَيْهِمُ﴾.
﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿هُوَ رَبِّي﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿هُوَ رَبِّي﴾: مبتدأ وخبر أول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿إِلَهَ﴾: في محل النصب اسم ﴿لَا﴾، وخبر ﴿لَا﴾ محذوف جوازًا تقديره: موجود. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ولفظ الجلالة بدل من الضمير المستكن في خبر ﴿لَا﴾، وجملة ﴿لَا﴾ في محل الرفع خبر ثان للمبتدأ. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بما بعده. ﴿تَوَكَّلْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ثالث للمبتدأ، أو مستأنفة. ﴿وَإِلَيْهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَتَابِ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة مناسبة لياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ الله لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
﴿وَلَوْ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿قُرْآنًا﴾: اسمها. ﴿سُيِّرَتْ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿بِهِ﴾: متعلق به. ﴿الْجِبَالُ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾. ﴿أَوْ قُطِّعَتْ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿بِهِ﴾: متعلق به. ﴿الْأَرْضُ﴾: نائب فاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿سُيِّرَتْ﴾. ﴿أَوْ كُلِّمَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿بِهِ﴾: متعلق به. ﴿الْمَوْتَى﴾: نائب فاعل والجملة معطوفة على
стр. 6221
جملة ﴿سُيِّرَتْ﴾. وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر مرفوع على كونه فاعلًا لفعل محذوف بعد ﴿لَوْ﴾ الشرطية، والجملة المحذوفة مع فاعلها المنسبك من ﴿أَنَّ﴾: فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾، وجوابها محذوف تقديره: لو ثبت تسيير الجبال بكتاب من الكتب السماوية، أو تقطيع الأرض به، أو تكليم الموتى به .. لثبت كونه هذا القرآن، أو لما آمنوا به، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿بَل﴾: حرف إضراب. ﴿لِلَّهِ﴾: خبر مقدم. ﴿الْأَمْرُ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ﴿الْأَمْرُ﴾، أو من الضمير المستكن في الخبر، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿أَفَلَمْ﴾: (الهمزة): للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف، و (الفاء): عاطفة على ذلك المحذوف. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَيْأَسِ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والتقدير أغفلوا عن كون الأمر لله جميعًا، فلن يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿أَنَّ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوفًا؛ أي: أنه ﴿لَوْ﴾ حرف شرط. ﴿يَشَاءُ الله﴾: فعل وفاعل فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾. ﴿لَهَدَى﴾: اللام: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ ﴿هَدَى النَّاسَ﴾: فعل ومفعول. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من الناس وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية: في محل الرفع خبر ﴿أَنْ﴾: المخففة: وجملة ﴿أَنْ﴾ المخففة في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي يئس؛ لأنه بمعنى علم، والتقدير: أفلم يعلم الذين آمنوا هداية الله الناس جميعًا لو شاء هدايتهم، ولكنه لم يشأ هدايتهم جميعًا لحكمة اقتضت ذلك.
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿تُصِيبُهُمْ﴾: فعل ومفعول. ﴿بِمَا﴾: (الباء): حرف جر وسبب. ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿صَنَعُوا﴾: فعل وفاعل صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ (الباء) تقديره: تصيبهم بسبب صنعتهم القبيحة، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تُصِيبُهُمْ﴾. ﴿قَارِعَةٌ﴾: فاعل ﴿تُصِيب﴾، وجملة
стр. 6222
﴿تُصِيبُهُمْ﴾: في محل النصب خبر (زال)، وجملة زال مستأنفة. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتقسيم. ﴿تَحُلُّ﴾: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير يعود على ﴿قَارِعَةٌ﴾، أو على محمَّد ﷺ ، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿تصيب﴾ على كونها خبر (زال). وفي "حاشية الصاوي على الجلالين" قوله: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا﴾: معطوف على ﴿قَارِعَةٌ﴾، والمعنى: تصيبهم بما صنعوا قارعة، أو حلولك قريبًا من دارهم، والعطف يقتضي المغايرة، فالمراد بالقارعة غير حلوله، وإن كان من أعظم القوارع انتهى. ﴿قَرِيبًا﴾: منصوب على الظرفية المكانية متعلق بـ ﴿تَحُلُّ﴾؛ لأنه صفة لمكان محذوف. ﴿مِنْ دَارِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿قَرِيبًا﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾، بمعنى: إلى تقديره إلى إتيان وعد الله، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تُصِيبُهُمْ﴾، أو بـ ﴿تَحُلُّ﴾. ﴿إِنَّ اللهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
التصريف ومفردات اللغة
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)﴾ والفرق بين العهد والميثاق أن العهد (١): جميع ما عهد الله عليهم من أوامره ونواهيه التي وصى بها عبيده على ألسنة الرسل وفي الكتب السماوية، ويدخل في ذلك الالتزامات التي يلزم بها العبد نفسه. والميثاق: هو ما أخذه الله تعالى على عباده حين أخرجهم من صلب آدم في عالم الذر المذكور في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ...﴾ الآية.
﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحساب﴾ قال أبو هلال العسكري (٢): الفرق بين الخوف والخشية أن الخوف: يتعلق بالمكروه نفسه وبمنزل المكروه، يقال: خفت زيدًا وخفت المرض، كما قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، وقال ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ والخشية: تتعلق بمنزل المكروه، فتقول: خشيت الله، ولا يسمى
стр. 6223
الخوف من نفس المكروه خشية، فلا تقول: خشيت المرض، بل تقول: خفت المرض، ولهذا قال: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾، والإضافة في ﴿سُوءَ الْحِسَابِ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الحساب السيء، وهو؛ أي: الحساب السيء: المؤاخذة بكل ما عملوه.
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾، والصبر: حبس النفس على أنواع البلايا والمصائب وعلى مخالفة الهوى بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات.
واعلم أن مواد الصبر كثيرة:
منها: الصبر على العمى، وفي الحديث القدسي: "إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه - أي العينين، وسميتا بذلك؛ لأنهما أحب الأشياء إلى الشخص - فصبر على البلاء راضيًا بقضاء الله تعالى عوضته منهما الجنة" والأعمى: أول من يرى الله تعالى يوم القيامة.
ومنها: الصبر على الحمَّى وصداع الرأس وموت الأولاد والأحباب، وغير ذلك من أنواع الابتلاء.
ومنها: الصبر على الصوم، فإن فيه صبرًا على ما تكرهه النفس من حيث أنها مألوفة بالأكل والشرب والصوم ربع الإيمان بمقتضى قوله ﵇: "الصوم نصف الصبر، والصبر نصف الإيمان" ذكره في "روح البيان".
﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ والابتغاء: كناية عن الإخلاص، وهو إخلاص العمل للخالق عن ملاحظة المخلوق رياءً وسمعةً وعجبًا وزينةً.
﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾؛ أي: يدفعونها بها، فيجازون الإساءة بالإحسان، أو يتبعون السيئة بالحسنة، فتمحوها. اهـ."بيضاوي". وقوله: يدفعونها بها كدفع (١) شتم غيرهم بالكلام الحسن، وإعطاء من حرمهم، وعفو من ظلمهم، ووصف من قطعهم. اهـ. "زادة".
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ فيه ذكر الموصوف مع حذف صفته (٢)، والإضافة فيه
стр. 6224
على معنى في؛ أي: العقبى المحمودة في الدار الآخرة، فالعقبى المحمودة هي الجنة، والدار الآخرة أعم منها؛ لأنها تشمل الجنة والنار، والدليل على هذا النعت المحذوف قوله في المقابل: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. اهـ. شيخنا. وقيل: المراد بالدار: دار الدنيا وعقباها؛ أي: عاقبتها هي الجنة اهـ. وفي "الخطيب" والعقبى: الانتهاء الذي يؤدي إليه الابتداء من خير أو شر. اهـ.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ في "المصباح": عدن بالمكان عدنًا وعدونًا - من بابي ضرب وقعد - إذا أقام فيه، ومنه جنات عدن؛ أي: جنات إقامة، واسم المكان معدن، وزان مجلس؛ لأن أهله يقيمون عليه الصيف والشتاء، أو لأن الجوهر الذي خلقه الله فيه عدن ربه اهـ.
﴿وَأَزْوَاجِهِمْ﴾: جمع زوج، ويقال للمرأة الزوج والزوجة، والزوج أفصح.
﴿الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ يقال: قَدَر زيد إذا قتر وضيق على عياله، وفي "المصباح": وقدر الله الرزق يقدره من باب ضرب، ويقدره من باب نصر. وقرأ السبعة بكسر الدال فهو أفصح.
﴿إِلَّا مَتَاعٌ﴾؛ أي: متعة قليلة لا دوام لها ولا بقاء. وقيل: المتاع (١) واحد الأمتعة كالقصعة والسكرجة ونحوهما. وقيل: المعنى شيء قليل ذاهب من متع النهار إذا ارتفع، فلا بد له من زوال. وقيل: زاد كزاد الركب يتزود به منها إلى الآخرة.
﴿قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾؛ أي: رجع عن العناد، وأقبل على الحق. وفي "القاموس": ناب إلى الله تعالى كأناب، والإضلال (٢) خلق الضلالة في العبد، والهداية خلق الاهتداء، والدلالة على طريق يوصل إلى المطلوب مطلقًا، وقد يسند كل منهما إلى الغير مجازًا بطريق السبب، والقرآن ناطق بكلا المعنيين، فيسند الإضلال إلى الشيطان في مرتبة الشريعة، وإلى النفس في مرتبة الطريقة، إلى الله في مرتبة الحقيقة كذا ذكره في "روح البيان".
стр. 6225
﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: تسكن عن القلق والاضطراب وتخشع. ﴿بِذِكْرِ اللهِ﴾؛ أي: عند ذكر الله؛ أي: عند ذكر وعده بالخير والثواب، فالكلام على حذف مضاف كما قدرناه. وعبارة "الشهاب": ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ﴾؛ أي: لا تضطرب للمكاره لأنسبها بالله واعتمادها عليه. اهـ. وفي "أبي السعود" وقيل: تطمئن قلوبهم بذكر رحمته ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته، أو بذكر دلائله الدالة على وحدانيته، أو بذكره تعالى أنسًا به وتبتلًا إليه. اهـ ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ﴾؛ أي: بذكره وحده دون غيره من الأمور التي تميل إليها النفوس من الدنيويات. اهـ. "أبو السعود".
﴿طُوبَى لَهُمْ﴾؛ أي: لهم العيش الطيب وقرة العين والغبطة والسرور، فهو مصدر من الطيب كبشرى ورجعى وزلفى، فالمصدر قد يجيء على وزن فعلى. وقولنا: من الطيب فيه دلالة على أنه يائي، وأصله طيبى، قلبت الياء واوًا لوقوعها ساكنة إثر ضمة، كما قلبت في موقن وموسر من اليقين واليسر. اهـ. "شيخنا".
﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾، والمآب: المرجع والمنقلب.
﴿قَدْ خَلَتْ﴾؛ أي: مضت. ﴿مَتَابِ﴾؛ أي: توبتي ومرجعي. ﴿قُطِّعَتْ﴾؛ أي: شققت.
﴿يَيْأَسِ﴾؛ أي: يعلم، وهو لغة هوازن. وفي "المختار": واليأس: القنوط، وقد يئس من الشيء من باب فهم، وفيه لغة أخرى يئس ييئس - بالكسر فيهما -، وهو شاذ، ويئس أيضًا بمعنى علم في لغة النخع، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. اهـ. وفيه أيضًا أيس من الأمر لغة في يئس، وبابهما فهم. اهـ
﴿قَارِعَةٌ﴾؛ أي: رزية تقرع القلوب وتفجؤها، أو تقرعهم؛ أي: تهلكهم وتستأصلهم. وفي "المختار": قرع الباب من باب قطع، والقارعة الشديدة من شدائد الدهر، وهي الداهية.
стр. 6226
﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ والميعاد: مصدر ميمي بمعنى الوعد، كالميلاد بمعنى الولادة، والميثاق بمعنى التوثقة كما مر.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التأكيد في قوله: ﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾؛ لأن عطفه على ما قبله من قبيل التوكيد، كما في "الجمل"؛ لأن عدم النقض يستلزمه الوفاء.
ومنها: الطباق بين ﴿سِرًّا﴾ ﴿وَعَلَانِيَةً﴾، وبين ﴿الْحَسَنَةِ﴾ و ﴿السَّيِّئَةَ﴾، وبين ﴿يَبْسُطُ﴾ و ﴿وَيَقْدِرُ﴾، وبين ﴿يُضِلُّ﴾ و ﴿وَيَهْدِي﴾ للتضاد بين كل من اللفظين منها، وبين ﴿الدُّنْيَا﴾ و ﴿الْآخِرَةِ﴾ أيضًا.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿إِلَّا مَتَاعُ﴾ لحذف الأداة ووجه الشبه فيه؛ أي: إلا مثل المتاع الذي يستمتع به الإنسان في الحاجات المؤقتة في سرعة الزوال.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾؛ لأن حق العبارة ألا به تطمئن، وفيه أيضًا التكرار.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وفي قوله: ﴿إِلَّا مَتَاعُ﴾.
ومنها: التحضيض في قوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾.
ومنها: التعبير بالمضارع في قوله: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ﴾ إفادة للتجدد والاستمرار؛ لأن الطمأنينة تتجدد بعد الإيمان حينًا بعد حين. اهـ. "شهاب". وفي الكرخي المضارع قد لا يلاحظ فيه زمان معين من حال أو استقبال، فيدل إذ ذاك على الاستمرار، ومنه الآية. اهـ.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ﴾.
стр. 6227
ومنها: التغليب في قوله: ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾؛ لأن تذكير كلم خاصة دون الفعلين قبله؛ لأن الموتى تشتمل على المذكر الحقيقي، فكان حذف التاء لتغليبه أحسن، والجبال والأرض ليسا كذلك. اهـ. "كرخي".
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
والنكال في الدنيا والآخرة .. أتبعه بذكر ثواب المتقين في جنات تجري من تحتها الأنهار، ثم أردفه ذكر فرح المؤمنين من أهل الكتاب بما أنزل عليه من ربه، وإنكار بعض منهم لذلك، ثم حث الرسول ﷺ على القيام بحق الرسالة وتحذيره من مخالفة أوامره، ثم ختم هذا بذكر الجواب عن شبهات كانوا يوردونها لإبطال نبوته ﷺ ، كقولهم: إنه كثير الزوجات ولو كان رسولًا من عند الله لما اشتغل بأمر النساء.
وخلاصة الجواب: أن محمدًا ليس ببدع من الرسل، فكثير منهم كان له أزواج وذرية ولم يقدح ذلك في رسالاتهم، وكقولهم: إنه لو كان رسولًا من عند الله لم يتوقف فيما يطلب منه من المعجزات، فأجيبوا بأن أمر المعجزات مفوض إلى الله، إن شاء أظهرها، وإن شاء لم يظهرها، ولا اعتراض لأحد عليه. وقولهم: إن ما يخوفنا من العذاب وظهور النصرة له ولقومه لم يتحقق بعد، فليس بنبي ولا صادق فيما يقول، فأجيبوا عن ذلك بقوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾؛ أي: لكل حادث وقتًا معينًا لا يتقدم عنه ولا يتأخر، فتأخر المواعيد لا يدل على ما تدعون.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ...﴾ الآيات. مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) أنهم اقترحوا عليه الآيات استهزاء به، وطلبوا استعجال السيئة التي توعَّدهم بها، وكان ﷺ يتمنى وقوع بعض ما توعدوا؛ ليكون زاجرًا لغيرهم .. ذكر هنا لرسوله أن وظيفته التبليغ ولا يهمه ما سينالهم من الجزاء، فعلينا حسابهم، وهل هم في شك من حصول ما توعدناهم به، وهم يرون بلادهم تنقص من جوانبها بفتح المسلمين لها، وقتل أهلها وأسرهم وتشريدهم، والله يحكم في خلقه كما يريد، وقد حكم للمسلمين بالعز والإقبال، وعلى أعدائهم بالقهر والإذلال.
ثم بين أن قومه ليسوا ببدع في الأمم، فقد مكر من قبلهم بأنبيائهم، ولم
стр. 6230
يكن مكرهًا ليضيرهم شيئًا، فكانت العاقبة للمتقين، وأهلك الله القوم الظالمين، وسيعلم الكافرون حين يحل بهم العذاب لمن حسن العاقبة. ثم ذكر إنكار اليهود لرسالته، وأمره بالجواب عن ذلك بأن الله شهد له بأنه صادق فيها، فأيده بالأدلة والحجج، وفي شهادته غنى عن شهادة أي شاهد آخر، وكذلك شهد من آمن من أهل الكتاب بأنهم يجدون وصفه في كتبهم.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ ...﴾ قال الكلبي (١): عيرت اليهود رسول الله ﷺ ، وقالت: ما نرى لهذا الرجل مهمة إلا النساء والنكاح، ولو كان نبيًّا كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ...﴾.
التفسير وأوجه القراءة
٣٢ - وقوله: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ .. إلخ. تسلية (٢) لرسول الله ﷺ ، ووعيد للمستهزئين به والمقترحين عليه بالآيات، والتنكير في ﴿رُسُلٍ﴾ للتكثير، والإملاء (٣): الإمهال، وأن يترك ملاوة من الزمان؛ أي: مدة طويلة منه في دعة وراحة وأمن كالبهيمة في المرعى؛ أي: وعزتي وجلالي لقد استحقر واستهين وأوذي وكذب برسل كثيرة من قبلك؛ أي: استهزأ بهم قومهم كما أن قومك يا محمَّد استهزؤوا؛ أي: إن (٤) يستهزىء بك هؤلاء المشركون من قومك، ويطلبوا منك الآيات تكذيبًا لما جئتهم به .. فاصبر على أذاهم، وامض لأمر ربك، فلقد استهزأت أمم من قبلك برسلهم. ثم بين سبحانه شأنه مع المكذبين، فقال: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: فأمهلت للمستهزئين الذين كفروا بالله وبرسله، وأطلت لهم مدة من الزمان في أمن وسعة وراحة؛ أي: فتركتهم ملاوة؛ أي: مدة من الزمان في أمن ودعة وراحة، كما يملي للبهيمة في المرعى ﴿ثُمَّ﴾ بعد الإملاء
стр. 6231
والإمهال والاستدراج ﴿أَخَذْتُهُمْ﴾ بالعقوبة والعذاب الذي أنزلته بهم. والاستفهام في قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ للتقريع (١) والتهديد، أو التعجيب؛ أي: فكيف كان عقابي لهؤلاء الكفار الذين استهزؤوا بالرسل، فأمليت لهم ثم أخذتهم؛ أي: على أي حالة وقع عقابي لهم، هل كان ظلمًا لهم أو كان عدلًا؛ أي: هو واقع موقعه أي: هو عدل، فكذلك أفعل بمن استهزأ بك يا محمَّد.
والمعنى: كيف (٢) رأيت يا محمَّد ما صنعت بمن استهزأ برسلي، ولم ير النبي ﷺ عقوبتهم إلا أنه علم بالتحقيق، فكأنه رأى عيانًا. وفي "بحر العلوم": فإنكم تمرون على بلادهم ومساكنهم، فتشاهدون أثر ذلك، وهذا تعجيب من شدة أخذه لهم؛ سلى رسول الله ﷺ عن استهزائهم به وأذاهم وتكذيبهم واقتراحهم الآيات بأن له في الأنبياء أسوة، وأن جزاء ما يفعلون به ينزل بهم كما نزل بالمستهزئين بالأنبياء جزاء ما فعلوا. وفيه إشارة إلى أن من أمارات الشقاء الاستهزاء بالأنبياء والأولياء.
والخلاصة (٣): أي ثم أحللت بهم عذابي ونقمتي حين تمادوا في غيهم وضلالهم، فانظر كيف كان عقابي إياهم حين عاقبتهم، ألم أذقهم أليم العذاب، وأجعلهم عبرة لأولي الألباب؟ وقد صدق الله وعده ونصر رسوله على عدوه، فدخل في دين الله من دخل، ومن أبى قتل، ودانت العرب كلها له، وانضوت تحت لوائه، وحقت عليهم كلمة ربك.
٣٣ - وفي هذا: تعجيب مما حلّ بهم، ودلالة على شدته وفظاعة أمره كما لا يخفى. ثم ذكر سبحانه ما يجري مجرى الحجاج عليهم، وما فيه توبيخ لهم وتعجيب من عقولهم، وكيف أنها وصلت إلى حدّ لا ينبغي لعاقلٍ أن يقبله ولا يرضى به، فقال: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (الهمزة) فيه للاستفهام الإنكاري داخلة (٤) على محذوف، و (الفاء): عاطفة على ذلك المحذوف،
стр. 6232
و ﴿من﴾ الموصولة مبتدأ خبره محذوف تقديره: كمن ليس كذلك من شركائهم التي لا تضر ولا تنفع، دل على ذلك المحذوف قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ نظير قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ تقديره: كمن قسا قلبه يدل عليه قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، وقد جاء مبينًا كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾. وتقدير الكلام هنا: أعميتم (١) وسويتم بين الله وبين خلقه، فمن هو قائم ورقيب على كل نفس وحافظها ورازقها وعالم بها وبما عملت من خير وشر، ويجازيها بما كسبت فيثيبها إن أحسنت، ويعاقبها إن أساءت وهو الله وحده، كمن ليس بقائم عليها، بل هو عاجز عن نفسه، ومن كان عاجزًا عن نفسه فهو عن غيره أعجز، وهي الأصنام التي لا تضر ولا تنفع؛ أي: ليسا مستويين، بل القائم على كل نفسٍ بما كسبت هو المستحق للألوهية والربوبية، لا الأصنام التي لا تضر ولا تنفع.
ومعنى القيام (٢): التولي لأمور خلقه والتدبير للأرزاق والآجال، وإحصاء الأعمال للجزاء، يقال: قام فلان بفلان إذا كفاه وتولاه.
والمعنى: أي أفمن هو (٣) قائم بحفظ أرزاق الخلق، ومتولي أمورهم، وعالم بهم وبما يكسبونه من الأعمال من خير أو شر، ولا يعزب عن شيء كمن ليس بهذه الصفة من معبوداتكم التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تدفع عن نفسها ولا عمن يعبدها ضرًّا ولا تجلب لهم نفعًا.
وخلاصة ذلك: أنه لا عجيب من إنكارهم لآياتك الباهرة مع ظهورها، وإنما العجب كل العجب من جعلهم القادر على إنزالها المجازي لهم على إعراضهم عن تدبر معانيها بقوارع تترى واحدة بعد أخرى يشاهدونها رأي العين كمن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، فضلًا عن اتخاذه ربًّا يُرجى نفعه أو يُخشى ضره.
стр. 6233
ثم أكد هذا بقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾؛ أي: وجعل المشركون الأصنام شركاء لله ، والظاهر أن هذه الجملة مستأنفة جيء بها للدلالة على الخبر المحذوف كما تقدم تقريره يعني (١): إن الكفار سووا بين الله وبين الأصنام، واتخذوها شركاء له في العبادة، وإنما تكون سواء وشركاء فيها لو كانت سواء وشركاء في القيام على كل نفس، فما أعجب كفرهم وإشراكهم وتسويتهم مع علمهم التفاوت بينهما؛ أي: تعجبوا من ذلك. وقيل (٢): الواو للحال، والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس صالحة وطالحة، والحال أنهم جعلوا له شركاء كمن هو ليس كذلك، فأقيم الظاهر وهو لفظ الجلالة مقام المضمر تقريرًا للإلهية وتصريحًا بها. وقيل ﴿وَجَعَلُوا﴾ معطوف على ﴿اسْتُهْزِئَ﴾ بمعني: ولقد استهزؤوا وجعلوا لله شركاء. وقال أبو البقاء: هو معطوف على ﴿كَسَبَتْ﴾؛ أي: وجعلهم لله شركاء. اهـ. "سمين"؛ أي: وجعلوا لله شركاء عبدوها معه تعالى من أصنام وأوثان وأنداد.
ثم أعقب ذلك بتوبيخ إثر توبيخ، فقال: ﴿قل﴾ لهم يا محمَّد ﴿سَمُّوهُمْ﴾ أي: بينوا (٣) شركاءكم بأسمائهم وصفوهم بصفاتهم، فانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة والشركة، يشير إلى أن الأسماء مأخذها من الصفات، فإن لم تروا منهم شيئًا من صفات الله، فكيف تسمونهم!؟.
وفي هذا: تبكيت لهم وتوبيخ؛ لأنه إنما يقال هذا في الشيء المستحقر الذي لا يستحق أن يلتفت إليه، فيقال: سمه إن شئت يعني: أنه أحقر من أن يسمى. وقيل: إن المعنى سموهم بالآلهة كما تزعمون، فيكون ذلك تهديدًا لهم. وقيل: سموهم من هم وما أسماؤهم، فإنهم ليسوا ممن يذكر ويسمى، فإنما يسمى من ينفع ويضر.
و ﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ منقطعة تقدر ببل وهمزة الاستفهام الإنكاري؛
стр. 6234
أي: بل أتنبئون الله وتخبرونه ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ الله وجوده في ﴿الْأَرْضِ﴾ ولا في السموات من الشركاء الذين تعبدونهم مع كونه العالم بما في السموات والأرض، أو تخبرونه بصفات لهم يستحقون لأجلها العبادة وهو لا يعلمها. وفي هذا نفي لوجودها؛ لأنها لو كانت موجودة لعلمها الله ؛ لأنه لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وإنما خص (١) الأرض بنفي الشريك عنها، وإن لم يكن له شريك في غير الأرض؛ لأنهم ادعوا له شريكًا في الأرض ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: بل أتسمونهم شركاء بظاهر وهذل من القول من غير أن تكون له حقيقة ولا معنى. وقيل المعنى: قل لهم أتنبئون الله بباطن لا يعلمه أم بظاهر يعلمه، فإن قالوا بباطن لا يعلمه فقد جاؤوا بدعوى باطلة، وإن قالوا بظاهر يعلمه، فقل لهم: سموهم، فإذا سموا اللات والعزى ونحوهما، فقل لهم: إن الله لا يعلم لنفسه شريكًا. وقيل معنى: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: بزائل من القول باطلٍ، وقيل: يكذب من القول، وقيل: معنى ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: بحجة من القول ظاهرة على زعمهم.
وخلاصة حجاجه على المشركين (٢): نفي الدليل العقلي والدليل النقلي على أحقية عبادتها، فبعد أن هدم قاعدة الإشراك بقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ زاد ذلك إيضاحًا، فقال: وليتهم إذا أشركوا بربهم - الذي لا ينبغي أن يشرك به - أشركوا به من له حقيقة واعتبار، ومن ينفع ويضر، لا من لا اسم له فضلًا عن المسمى، بل من لا يعرف له وجود في الأرض ولا في السماء، ويريدون أن ينبئوا عالم السر والنجوى بما لا يعلمه، ثم زاد على ذلك، فقال: وما تلك التسمية إلا بظاهر من القول من غير أن يكون تحتها طائل، وما هي إلا أصوات جوفاء كثيرة المباني خالية عن المعاني، وما هي إلا كالألفاظ المهملة التي هي أجراس لا تدل على مكان، ولا يتكلم بها عاقل تنفرًا منها واستقباحًا.
стр. 6235
وقوله: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إضراب عن محاجتهم بالكلية، فكأنه يقول: لا يفيد فيهم الاحتجاج؛ أي: دع هذا (١) الحجاج وألق به جانبًا، فإنه لا فائدة فيه؛ لأنه زين له مكرهم وكيدهم لاستسلامهم للشرك وتماديهم في الضلال. والمكر (٢): صرف الغير عما يقصده بحيلة، والمزين هو الله تعالى؛ لأنه هو الفاعل المختار على الإطلاق، لا يقدر أحد أن يتصرف في الوجود إلا بإذنه، فتزيين الشيطان إلقاء الوسوسة فقط، ولا يقدر على إضلال أحد وهدايته إلا الله ، ويدل على هذا سياق الآية، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. اهـ. "خازن". ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ - بضم الصاد -؛ أي: وصرفوا عن سبيل الحق بما زين لهم من صحة ما هم عليه؛ أي: صدهم الله تعالى أو صدهم الشيطان وبفتحها؛ أي: صدوا غيرهم ومنعوهم عن سبيل الحق، أو عن المسجد الحرام. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾؛ أي: ومن يرد الله إضلاله وخذلانه لسوء اعتقاده وفساد أعماله واجتراحه للآثام والمعاصي .. فلا هادي له يوفقه إلى النجاة ويوصله إلى طرق السعادة، ونحو الآية قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾. وقوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾.
وقرأ الحسن شاذًا (٣): ﴿تنبئونه﴾ من أنبأ. وقرأ مجاهد شذوذًا أيضًا: ﴿بل زَيَّن﴾ على البناء للفاعل ﴿مكرهم﴾ بالنصب. والجمهور: ﴿زُيِّنَ﴾ على البناء للمفعول ﴿مَكْرُهُمْ﴾ بالرفع. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿وصدوا﴾ هنا وفي غافر بضم الصاد مبنيًّا للمفعول فالفعل متعدٍ. وقرأ باقي السبعة بفتحها فاحتمل التعدي واللزوم؛ أي: صدوا أنفسهم أو غيرهم، وقرأ ابن وثاب: ﴿وصِدوا﴾ - بكسر الصاد - وهي كقراءة ﴿رِدت إلينا﴾ - بكسر الراء -، كلاهما شاذ. وفي "اللوامح": نسب الكسائي لابن يعمر ﴿وصِدوا﴾ بالكسر لغة وأما في المؤمن فالبكسر لابن وثاب انتهى. وقرأ ابن أبي إسحاق شاذًا أيضًا: ﴿وصدٌ﴾ بالتنوين