← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

والإمهال والاستدراج ﴿أَخَذْتُهُمْ﴾ بالعقوبة والعذاب الذي أنزلته بهم. والاستفهام في قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ للتقريع (١) والتهديد، أو التعجيب؛ أي: فكيف كان عقابي لهؤلاء الكفار الذين استهزؤوا بالرسل، فأمليت لهم ثم أخذتهم؛ أي: على أي حالة وقع عقابي لهم، هل كان ظلمًا لهم أو كان عدلًا؛ أي: هو واقع موقعه أي: هو عدل، فكذلك أفعل بمن استهزأ بك يا محمَّد. والمعنى: كيف (٢) رأيت يا محمَّد ما صنعت بمن استهزأ برسلي، ولم ير النبي ﷺ عقوبتهم إلا أنه علم بالتحقيق، فكأنه رأى عيانًا. وفي "بحر العلوم": فإنكم تمرون على بلادهم ومساكنهم، فتشاهدون أثر ذلك، وهذا تعجيب من شدة أخذه لهم؛ سلى رسول الله ﷺ عن استهزائهم به وأذاهم وتكذيبهم واقتراحهم الآيات بأن له في الأنبياء أسوة، وأن جزاء ما يفعلون به ينزل بهم كما نزل بالمستهزئين بالأنبياء جزاء ما فعلوا. وفيه إشارة إلى أن من أمارات الشقاء الاستهزاء بالأنبياء والأولياء. والخلاصة (٣): أي ثم أحللت بهم عذابي ونقمتي حين تمادوا في غيهم وضلالهم، فانظر كيف كان عقابي إياهم حين عاقبتهم، ألم أذقهم أليم العذاب، وأجعلهم عبرة لأولي الألباب؟ وقد صدق الله وعده ونصر رسوله على عدوه، فدخل في دين الله من دخل، ومن أبى قتل، ودانت العرب كلها له، وانضوت تحت لوائه، وحقت عليهم كلمة ربك. ٣٣ - وفي هذا: تعجيب مما حلّ بهم، ودلالة على شدته وفظاعة أمره كما لا يخفى. ثم ذكر سبحانه ما يجري مجرى الحجاج عليهم، وما فيه توبيخ لهم وتعجيب من عقولهم، وكيف أنها وصلت إلى حدّ لا ينبغي لعاقلٍ أن يقبله ولا يرضى به، فقال: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ (الهمزة) فيه للاستفهام الإنكاري داخلة (٤) على محذوف، و (الفاء): عاطفة على ذلك المحذوف،

стр. 6232

و ﴿من﴾ الموصولة مبتدأ خبره محذوف تقديره: كمن ليس كذلك من شركائهم التي لا تضر ولا تنفع، دل على ذلك المحذوف قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ نظير قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ تقديره: كمن قسا قلبه يدل عليه قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، وقد جاء مبينًا كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾. وتقدير الكلام هنا: أعميتم (١) وسويتم بين الله وبين خلقه، فمن هو قائم ورقيب على كل نفس وحافظها ورازقها وعالم بها وبما عملت من خير وشر، ويجازيها بما كسبت فيثيبها إن أحسنت، ويعاقبها إن أساءت وهو الله وحده، كمن ليس بقائم عليها، بل هو عاجز عن نفسه، ومن كان عاجزًا عن نفسه فهو عن غيره أعجز، وهي الأصنام التي لا تضر ولا تنفع؛ أي: ليسا مستويين، بل القائم على كل نفسٍ بما كسبت هو المستحق للألوهية والربوبية، لا الأصنام التي لا تضر ولا تنفع. ومعنى القيام (٢): التولي لأمور خلقه والتدبير للأرزاق والآجال، وإحصاء الأعمال للجزاء، يقال: قام فلان بفلان إذا كفاه وتولاه. والمعنى: أي أفمن هو (٣) قائم بحفظ أرزاق الخلق، ومتولي أمورهم، وعالم بهم وبما يكسبونه من الأعمال من خير أو شر، ولا يعزب عن شيء كمن ليس بهذه الصفة من معبوداتكم التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تدفع عن نفسها ولا عمن يعبدها ضرًّا ولا تجلب لهم نفعًا. وخلاصة ذلك: أنه لا عجيب من إنكارهم لآياتك الباهرة مع ظهورها، وإنما العجب كل العجب من جعلهم القادر على إنزالها المجازي لهم على إعراضهم عن تدبر معانيها بقوارع تترى واحدة بعد أخرى يشاهدونها رأي العين كمن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، فضلًا عن اتخاذه ربًّا يُرجى نفعه أو يُخشى ضره.

стр. 6233

ثم أكد هذا بقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾؛ أي: وجعل المشركون الأصنام شركاء لله ، والظاهر أن هذه الجملة مستأنفة جيء بها للدلالة على الخبر المحذوف كما تقدم تقريره يعني (١): إن الكفار سووا بين الله وبين الأصنام، واتخذوها شركاء له في العبادة، وإنما تكون سواء وشركاء فيها لو كانت سواء وشركاء في القيام على كل نفس، فما أعجب كفرهم وإشراكهم وتسويتهم مع علمهم التفاوت بينهما؛ أي: تعجبوا من ذلك. وقيل (٢): الواو للحال، والتقدير: أفمن هو قائم على كل نفس صالحة وطالحة، والحال أنهم جعلوا له شركاء كمن هو ليس كذلك، فأقيم الظاهر وهو لفظ الجلالة مقام المضمر تقريرًا للإلهية وتصريحًا بها. وقيل ﴿وَجَعَلُوا﴾ معطوف على ﴿اسْتُهْزِئَ﴾ بمعني: ولقد استهزؤوا وجعلوا لله شركاء. وقال أبو البقاء: هو معطوف على ﴿كَسَبَتْ﴾؛ أي: وجعلهم لله شركاء. اهـ. "سمين"؛ أي: وجعلوا لله شركاء عبدوها معه تعالى من أصنام وأوثان وأنداد. ثم أعقب ذلك بتوبيخ إثر توبيخ، فقال: ﴿قل﴾ لهم يا محمَّد ﴿سَمُّوهُمْ﴾ أي: بينوا (٣) شركاءكم بأسمائهم وصفوهم بصفاتهم، فانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة والشركة، يشير إلى أن الأسماء مأخذها من الصفات، فإن لم تروا منهم شيئًا من صفات الله، فكيف تسمونهم!؟. وفي هذا: تبكيت لهم وتوبيخ؛ لأنه إنما يقال هذا في الشيء المستحقر الذي لا يستحق أن يلتفت إليه، فيقال: سمه إن شئت يعني: أنه أحقر من أن يسمى. وقيل: إن المعنى سموهم بالآلهة كما تزعمون، فيكون ذلك تهديدًا لهم. وقيل: سموهم من هم وما أسماؤهم، فإنهم ليسوا ممن يذكر ويسمى، فإنما يسمى من ينفع ويضر. و ﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ منقطعة تقدر ببل وهمزة الاستفهام الإنكاري؛

стр. 6234

أي: بل أتنبئون الله وتخبرونه ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ الله وجوده في ﴿الْأَرْضِ﴾ ولا في السموات من الشركاء الذين تعبدونهم مع كونه العالم بما في السموات والأرض، أو تخبرونه بصفات لهم يستحقون لأجلها العبادة وهو لا يعلمها. وفي هذا نفي لوجودها؛ لأنها لو كانت موجودة لعلمها الله ؛ لأنه لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وإنما خص (١) الأرض بنفي الشريك عنها، وإن لم يكن له شريك في غير الأرض؛ لأنهم ادعوا له شريكًا في الأرض ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: بل أتسمونهم شركاء بظاهر وهذل من القول من غير أن تكون له حقيقة ولا معنى. وقيل المعنى: قل لهم أتنبئون الله بباطن لا يعلمه أم بظاهر يعلمه، فإن قالوا بباطن لا يعلمه فقد جاؤوا بدعوى باطلة، وإن قالوا بظاهر يعلمه، فقل لهم: سموهم، فإذا سموا اللات والعزى ونحوهما، فقل لهم: إن الله لا يعلم لنفسه شريكًا. وقيل معنى: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: بزائل من القول باطلٍ، وقيل: يكذب من القول، وقيل: معنى ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: بحجة من القول ظاهرة على زعمهم. وخلاصة حجاجه على المشركين (٢): نفي الدليل العقلي والدليل النقلي على أحقية عبادتها، فبعد أن هدم قاعدة الإشراك بقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ زاد ذلك إيضاحًا، فقال: وليتهم إذا أشركوا بربهم - الذي لا ينبغي أن يشرك به - أشركوا به من له حقيقة واعتبار، ومن ينفع ويضر، لا من لا اسم له فضلًا عن المسمى، بل من لا يعرف له وجود في الأرض ولا في السماء، ويريدون أن ينبئوا عالم السر والنجوى بما لا يعلمه، ثم زاد على ذلك، فقال: وما تلك التسمية إلا بظاهر من القول من غير أن يكون تحتها طائل، وما هي إلا أصوات جوفاء كثيرة المباني خالية عن المعاني، وما هي إلا كالألفاظ المهملة التي هي أجراس لا تدل على مكان، ولا يتكلم بها عاقل تنفرًا منها واستقباحًا.

стр. 6235

وقوله: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إضراب عن محاجتهم بالكلية، فكأنه يقول: لا يفيد فيهم الاحتجاج؛ أي: دع هذا (١) الحجاج وألق به جانبًا، فإنه لا فائدة فيه؛ لأنه زين له مكرهم وكيدهم لاستسلامهم للشرك وتماديهم في الضلال. والمكر (٢): صرف الغير عما يقصده بحيلة، والمزين هو الله تعالى؛ لأنه هو الفاعل المختار على الإطلاق، لا يقدر أحد أن يتصرف في الوجود إلا بإذنه، فتزيين الشيطان إلقاء الوسوسة فقط، ولا يقدر على إضلال أحد وهدايته إلا الله ، ويدل على هذا سياق الآية، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. اهـ. "خازن". ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ - بضم الصاد -؛ أي: وصرفوا عن سبيل الحق بما زين لهم من صحة ما هم عليه؛ أي: صدهم الله تعالى أو صدهم الشيطان وبفتحها؛ أي: صدوا غيرهم ومنعوهم عن سبيل الحق، أو عن المسجد الحرام. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾؛ أي: ومن يرد الله إضلاله وخذلانه لسوء اعتقاده وفساد أعماله واجتراحه للآثام والمعاصي .. فلا هادي له يوفقه إلى النجاة ويوصله إلى طرق السعادة، ونحو الآية قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾. وقوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾. وقرأ الحسن شاذًا (٣): ﴿تنبئونه﴾ من أنبأ. وقرأ مجاهد شذوذًا أيضًا: ﴿بل زَيَّن﴾ على البناء للفاعل ﴿مكرهم﴾ بالنصب. والجمهور: ﴿زُيِّنَ﴾ على البناء للمفعول ﴿مَكْرُهُمْ﴾ بالرفع. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿وصدوا﴾ هنا وفي غافر بضم الصاد مبنيًّا للمفعول فالفعل متعدٍ. وقرأ باقي السبعة بفتحها فاحتمل التعدي واللزوم؛ أي: صدوا أنفسهم أو غيرهم، وقرأ ابن وثاب: ﴿وصِدوا﴾ - بكسر الصاد - وهي كقراءة ﴿رِدت إلينا﴾ - بكسر الراء -، كلاهما شاذ. وفي "اللوامح": نسب الكسائي لابن يعمر ﴿وصِدوا﴾ بالكسر لغة وأما في المؤمن فالبكسر لابن وثاب انتهى. وقرأ ابن أبي إسحاق شاذًا أيضًا: ﴿وصدٌ﴾ بالتنوين

стр. 6236

عطفًا على مكرهم. وقرأ الجمهور (١): ﴿هَادٍ﴾ بدون إثبات الياء على اللغة الكثيرة الفصيحة، وقرىء بإثباتها على اللغة القليلة. ٣٤ - ثم بين سبحانه ما يستحقونه، فقال: ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء المشركين ﴿عَذَابٌ﴾ شاق ﴿في﴾ هذه ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالقتل والأسر وسائر الآفات التي يصيبهم بها ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: ولتعذيب الله سبحانه إياهم في الدار الآخرة ﴿أَشَقُّ﴾؛ أي: أشد من تعذيبه إياهم في الدنيا، وأصعب لشدته ودوامه. ثم أيأسهم من صرف العذاب عنهم، فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللهِ﴾؛ أي: من عذابه ﴿مِنْ وَاقٍ﴾؛ أي: حافظ ومانع حتى لا يعذبوا، فـ ﴿مِنْ﴾ الثانية زائدة، والأولى متعلقة بـ ﴿وَاقٍ﴾؛ أي: وما لهم حافظ يعصمهم من عذاب الله، إذ لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ولا يأذن لأحد في الشفاعة لمن كفر به ومات على كفره. ٣٥ - ثم لما ذكر سبحانه ما يستحقه الكفار من العذاب في الأولى والأخرى .. ذكر ما أعده للمؤمنين، فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ مبتدأ خبره محذوف؛ أي: صفة الجنة والبساتين التي وعد الله بها المتقين بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات وأعطاهم إياها كفاء إخباتهم له وإنابتهم إليه ودعائهم إياه مخلصين له الدين لا شريك له كائنة هي فيما قصصنا وقرأنا عليك يا محمَّد حالة كونها ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها وقصورها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ الأربعة: الماء واللبن والخمر والعسل؛ أي: مقدرًا جريان أنهارها تحتها؛ أي: صفتها العجيبة الشأن التي هي في الغرابة كالمثل كائنة فيما نقصه ونتلوه ونقرؤه عليكم. وقوله: ﴿تَجْرِي﴾ .. إلخ تفسير (٢) لذلك المحذوف، وقيل: إن قوله: ﴿تَجْرِي﴾ هو نفس الخبر. اهـ. من "البيضاوي". ووجه الأخير أن المثل هنا بمعنى الصفة، فهو كقولك: صفة زيد أنه طويل، ويجوز أن يكون ﴿تَجْرِي﴾ مستأنفًا. اهـ. من "السمين". وقرأ علي وابن مسعود: ﴿مثال الجنة﴾ على الجمع؛ أي: صفاتها وفي "اللوامح": علي السلمي: ﴿أمثال الجنة﴾ جمع: مثل ذكره أبو حيان وكلتا القراءتين شاذتان.

стр. 6237

﴿أُكُلُهَا﴾؛ أي: ما يؤكل فيها ويشرب من الفواكه والمطاعم والمشارب ﴿دَائِمٌ﴾ لا ينقطع ولا يمنع بخلاف ثمر الدنيا؛ أي: دائم بحسب نوعه، فكل شيء أكل يتجدد غيره لا بحسب شخصه، إذا عين المأكول لا ترجع. وقوله: ﴿وَظِلُّهَا﴾ مبتدأ حذف خبره؛ أي: وظل (١) تلك الجنة دائم لا ينسخ في الدنيا بالشمس؛ لأنه لا شمس في الجنة ولا حر ولا برد، فالمراد بدوام الظل دوام الاستراحة، وإنما عبر عنه به لندرة الظل عند العرب، وفيه معظم استراحاتهم في أرضهم. وبعد أن وصف الجنة بهذه الصفات الثلاث بين أنها مآل المتقين ومنتهى أمرهم، فقال: ﴿تِلْكَ﴾ الجنة التي بلغك وصفها، وسمعت بذكرها ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ﴾ الله تعالى بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات؛ أي: مآلهم وعاقبة أمرهم. ثم بين عاقبة الكافرين بعد ما بين عاقبة المتقين، فقال: ﴿وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: وعاقبة الكافرين بالله تعالى هي ﴿النَّارُ﴾ الأخروية لا غيرها بما اقترفوا من الذنوب ودنسوا به أنفسهم من الآثام، فالتقوى طريق إلى الجنة، والكفر طريق إلى النار أعاذنا الله منه ومنها. وفي الآية فتح باب الطمع على مصراعيه للمتقين، وإقفاله بالرتاج على الكافرين. ٣٦ - ثم بين أن أهل الكتاب انقسموا فئتين: فئة فرحت بنزول القرآن، وفرقه أنكرته وكفرت ببعضه، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ﴾ وأعطيناهم ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: التوراة والإنجيل يريد المسلمين من اليهود كعبد الله بن سلام وأصحابه، ومن النصارى وهم ثمانون رجلًا: أربعون بنجران، وثمانية باليمن، واثنان وثلاثون بالحبشة ﴿يَفْرَحُونَ﴾ ويسرون ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾؛ أي: بجميع ما أنزل إليك وهو القرآن كله؛ لأنه من فضل الله ورحمته على العباد، ولا شك أن المؤمن الموقن يسره ما جاء إليه من باب الفضل والإحسان، لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾. ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾؛ أي: ومن أحزابهم وجماعتهم الذين تحزبوا وتجمعوا واتفقوا على رسول الله ﷺ بالعداوة ككعب بن الأشرف وأتباعه، والسيد

стр. 6238

والعاقب أسقفي نجران وأشياعهما وسائر المشركين، وهو مبتدأ خبره قوله: ﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾؛ أي: بعض ما أنزل إليك من القرآن، وهو ما لا يوافق ما حرفوه من كتابهم وشرائعهم. فإن قلت: إن (١) الأحزاب من المشركين وغيرهم من أهل الكتاب ينكرون القرآن كله، فكيف قال: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾.؟ قلتُ: إن الأحزاب لا ينكرون القرآن بجملته؛ لأنه قد ورد فيه آيات دالة على توحيد الله وإثبات قدرته لا ينكرون ذلك أبدًا. والقول الثاني: إن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل، والمراد بأهله الذين أسلموا من اليهود والنصارى مثل عبد الله بن سلام وأصحابه، ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون كما مر فرحوا بالقرآن، لكونهم آمنوا به وصدقوه ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾ يعني: بقية أهل الكتاب من اليهود والنصارى وسائر المشركين ﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾. وقيل: كان ذكر الرحمن قليلًا في القرآن في الابتداء، فلما أسلم عبد الله بن سلام ومن معه من أهل الكتاب من اليهود والنصارى ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة، فلما كرر الله تعالى ذكر لفظة الرحمن في القرآن .. فرحوا بذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾ يعني: مشركي مكة ﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ وذلك لما كتب رسول الله ﷺ كتاب الصلح يوم الحديبية كتب فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، فأنزل الله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ وإنما قال: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾؛ لأنهم كانوا لا ينكرون الله وينكرون الرحمن. ولما ذكر سبحانه اختلاف أهل الكتاب في شأنه ﷺ .. بين بإيجاز ما يحتاج إليه المرء ليفوز بالسعادتين، فقال: ﴿قُل﴾ يا محمَّد في جواب المنكرين ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾؛ أي: إنما أمرت (٢) فيما أنزل إلي بأن أعبد الله وأوحده ولا أشرك به شيئًا، وهو العمدة في الدين، لا سبيل لكم إلى إنكاره،

стр. 6239

وأما ما تنكرونه لما يخالف شرائعكم، فليس ببدع مخالفة الشرائع والكتب الإلهية في جزئيات الأحكام؛ لأن الله الحكيم ينزل بحسب ما يقتضيه صلاح أهل العالم، كالطبيب يعامل المريض بما يناسب مزاجه من التدبير والعلاج. وقد اتفق (١) القراء على نصب ﴿وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ عطفًا على ﴿أَعْبُدَ﴾. وقرأ أبو خليد عن نافع: ﴿وَلَا أُشْرِكَ﴾ بالرفع على القطع؛ أي: وأنا لا أشرك به، وجوز أن يكون حالًا؛ أي: أن أعبد الله غير مشرك. والمعنى: أي (٢): قل لهم صادعًا بالحق، ولا تكترث بمن ينكره: إني أمرت فيما أنزل إلي بأن أعبد الله وحده، ولا أشرك به شيئًا سواه، وذلك ما لا سبيل إلى إنكاره، وأطبقت عليه الشرائع والكتب، كما قال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾. وذلك ما دلت الدلائل التي في الآفاق والأنفس على وجوب الإذعان له، والاعتراف به، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. ﴿إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى توحيد الله وطاعته وإخلاص العبادة له وحده، لا إلى غيره ﴿أَدْعُو﴾ الناس أو أخصه بالدعاء والنداء إليه في جميع مهامي ﴿وَإِلَيْهِ﴾ وحده ﴿مَآبِ﴾؛ أي: مآبي ومرجعي ومصيري ومرجعكم للجزاء لا إلى غيره، وهذا هو القدر المتفق عليه بين الأنبياء، فأما ما عدا ذلك من التفاريع فمما يختلف بالأعصار والأمم، فلا معنى لإنكار المخالف فيه. وهذه الآية جامعة لشؤون النشأة الأولى والآخرة، فقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ﴾ توحي إلى ما جاء به التكليف، وقوله: ﴿إِلَيْهِ أَدْعُو﴾ تشير إلى مهام الرسالة، وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ تشير إلى البعث والجزاء للحساب يوم القيامة، ٣٧ - ثم بين سبحانه أنه أرسل رسوله بلغة قومه كما أرسل من قبله رسلًا بلغات أقوامهم، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ أي: وكما أرسلنا من قبلك المرسلين

стр. 6240

وأنزلنا عليهم الكتب بلغة أممهم، أو مثل هذا الإنزال المشتمل على أصول الديانات المجمع عليها ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ أي: أنزلنا عليك القرآن حالة كونه ﴿حُكْمًا﴾؛ أي: حاكمًا يحكم في كل شيء يحتاج إليه العباد على مقتضى الحكمة والصواب، فالحكم مصدر بمعنى الحاكم، ولما (١) كان جميع التكاليف الشرعية مستنبطًا من القرآن كان سببًا للحكم، فأسند إليه الحكم إسنادًا مجازيًّا، ثم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة، وقيل معنى: ﴿حُكْمًا﴾؛ أي: محكمًا لا يقبل النسخ والتغيير ﴿عَرَبِيًّا﴾؛ أي: مترجمًا بلسان العرب؛ أي: بلسانك ولسان قومك، ليسهل عليهم فهم معناه، وحفظه على ظهر القلب. وانتصاب (٢) ﴿حُكْمًا﴾ على أنه حال موطئة، و ﴿عَرَبِيًّا﴾ صفته، والحال الموطئة اسم جامد موصوف بصفة هي الحال، فكأن الاسم الجامد وطأ الطريق لما هو حال في الحقيقة؛ لمجيئه قبلها موصوفًا بها. وروي أنه لما كان المشركون يدعونه ﷺ إلى اتباع ملة آبائهم المشركين، وكان اليهود يدعونه إلى الصلاة إلى قبلتهم؛ أي: بيت المقدس بعد ما حول عنها .. نزل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لئن اتبعت يا محمَّد أهواء هؤلاء الأحزاب من اليهود والمشركين التي يدعونك إليها لتقرير دينهم ابتغاء مرضاتهم، كالتوجه إلى قبلتهم وعدم مخالفتهم في شيء مما يعتقدونه جعل ما يدعونه إليه من الدين الباطل، والطريق الزائغ هوى، وهو ما يميل إليه الطبع وتهواه النفس بمجرد والاشتهاء من غير سند مقبول ودليل معقول؛ لكونه هوى محضًا. ﴿بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ الذي علمه الله إياه والدين المعلوم صحته بالبراهين ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: من عذابه ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يلي أمرك وينصرك ﴿وَلَا﴾ من ﴿وَاقٍ﴾ يفيك ويحفظك من عذابه، والخطاب لرسول الله ﷺ تعريضًا لأمته. والمعنى (٣): أي ليس لك من دون الله ولي ولا ناصر ينصرك، فينقذك منه إن هو أراد عقابك، ولا واق يقيك عذابه إن شاء عذابك، فاحذر أن تتبع أهوائهم

стр. 6241

وتنهج نهجهم، وقد تقدم أن مثل هذا من قبيل قولهم: إياك أعني واسمعي يا جارة، فهو إنما جاء لقطع أطماع الكافرين وتهييج المؤمنين على الثبات في الدين، لا للنبي ﷺ ، فهو بمكان لا يحتاج فيه إلى باعث ولا مهيج. ٣٨ - ونزل لما عابت (١) اليهود رسول الله ﷺ بكثرة النساء، فقالوا: لو كان نبيًّا كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أرسلنا رسلًا بشرًا مثلك ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمَّد ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾؛ أي: نساء وأولاد كما هي لك، فإذا جاز ذلك في حقهم، فلم لا يجوز مثله أيضًا في حقك؟ وهو جواب لقول اليهود ما نرى لهذا الرجل همةً إلا في النساء والنكاح، ولو كان نبيًّا لاشتغل بالزهد والعبادة، وقد كان لمحمد ﷺ سبعة أولاد؛ أربع إناث، وثلاثة ذكور. والمعنى: أي وكما أرسلناك رسولًا بشريًّا كذلك بعثنا المرسلين قبلك بشرًا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ويأتون الزوجات ويولد لهم. وفي "الصحيحين" أن رسول الله ﷺ قال: "أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". وقد كان من حكمة تعدد زوجاته أمهات المؤمنين أن اطلعن منه على الأحوال الخفية التي تكون بين الرجل والمرأة وعلمن منه أحكامها ونشرنها بين المؤمنين، وناهيك بأم المؤمنين عائشة، وفيها يقول رسول الله ﷺ : "خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء". ومن ثمَّ كانت أكثر من حدّث عن رسول الله ﷺ بعد أبي هريرة، وأكثر من حدّث عن شمائله وأخلاقه في السر والعلن، ومنها علم المسلمون كثيرًا من أحكام دينهم، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يختلفون إليها للحديث والفتيا، وكانت تحاجهم وتجادلهم وتلزمهم الحجة، ولا يجدون معدلًا عن التسليم لرأيها. وروي (٢): أنه كان لداود ﵇ مئة امرأة منكوحة وثلاث مئة سرية،

стр. 6242

ولابنه سليمان ﵇ ثلاث مئة امرأة مهرية وسبع مئة سرية، فكيف يضر كثرة الأزواج لنبينا ﵊. وروي أن المشركين طعنوا في نبوته لعدم إتيانه بما يقترحونه من الآيات، فنزل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ﴾ من الرسل الكرام وما صح لواحد منهم، ولم يكن في وسعه ﴿أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ تقترح عليه ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وأمره وإرادته، لا باختيار نفسه ورأيه، فإنهم عبيد مربوبون منقادون، وهو جواب لقول المشركين: لو كان رسولًا من عند الله لكان عليه أن يأتي بأي شيء طلبنا منه من المعجزات ولا يتوقف فيه، وفيه إشارة إلى أن حركات عامة الخلق وسكناتهم بمشيئة الله تعالى وإرادته، وأن حركات الرسل وسكناتهم بإذن الله ورضاه. أي: وما (١) كان في وسع رسول من الرسل أن يأتي من أرسل إليهم بمعجزة يقترحونها إلا متى شاء الله وعلم أن في الإتيان بها حكمًا ومصالح لعباده، وقد جاء من الآيات بما فيه عبرة لمن اعتبر، وغناء لمن تفكر وتدبر، ولكنهم أبوا إلا التمادي في الغواية والضلال. والآيات المقترحة لا تأتي إلا على مقتضى الحكمة في أزمان يعلمها الله، وقد جعل لكل زمن من الأحكام ما فيه الصلاح والخير للناس، ولا صلاح فيما اقترحوه، وهل من الصلاح أن يرضع المراهق اللبن من ظئره، وأن يجعل له مهد ينام فيه، كذلك لا حكمة في إنزال الآيات التي اقترحوها، وهذا إيضاح قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ﴾ ووقت ﴿كِتَابٌ﴾؛ أي: حكم (٢) مكتوب مفروض فيه يليق بصلاح حال أهله، فإن الحكمة تقتضي اختلاف الأحكام على حسب اختلاف الأعصار والأمم، وهو جواب لقولهم: لو كان نبيًّا ما نسخ أكثر أحكام التوراة والإنجيل. وقال الشيخ في "تفسيره" .. أي: لكل شيء قضاه الله تعالى وقت مكتوب معلوم لا يزاد عليه ولا ينقص منه، أو لا يتقدم ولا يتأخر عنه. اهـ. ففي الكلام تقديم وتأخير؛ أي: لكل (٣) كتاب أجل؛ أي: لكل أمر كتبه الله

стр. 6243

أجل معين ووقت معلوم، فلا آية من المقترحات بنازلة قبل أوانها، ولا عذاب مما خوفوا به بحاصل في غير وقته، ولا نبوة بحاصلة في غير الزمان المقدر لها، فموسى وعيسى ومحمد ﵈ جاؤوا في أزمنة رأى الله الصلاح في وجودهم فيها، لا يتقدمون عنها ولا يتأخرون، وهكذا انقضاء أعمار الناس ووقوع أعمالهم وآجالهم كلها كتبت في آجال ومدد معينة، لا تقديم فيها ولا تأخير، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾. فما مثل الدنيا من كواكبها وشمسها وأرضها وزرعها إلا مثل مصنع رتبت أعماله ووضعت عماله في حجر معينة، ووزع بينهم العمل على نظم خاصة في أوقات معينة، ولهم مناهج يتبعونها، فتراهم كل يوم يعملون وينصرفون من أماكنهم ثم يعودون إليها على نهج لا يتغير ولا يتبدل، فالدنيا قد جعل الله لها نظامًا على مقتضى الحقائق الثابتة التي تعلق بها علمه، وعلى هذا النظام جرت الشمس والقمر والكواكب، وظهر النبات والحيوان، وتعاقب الموت والحياة، وظهرت نجوم وفنيت أخرى، ونبت زرع وحصد آخر، ومات نبي وقام آخر، وامتد دين وانتشر وتقلص دين ونسخ. ٣٩ - وكل كوكب من الكواكب التي تصلح للحياة كأرضنا كأنه صحيفة يكتب فيها ويمحى، وذلك تابع لما في المنهج الأصلي، ومن ثم تتعاقب الأمم والأجيال والدول والنظم على قطر كمصر، فيتعاقب عليه قدماء المصريين واليونان والرومان، ولا شك أن كل هذا محو وإثبات على مقتضى المنهج المرسوم، وهكذا تنسخ آية من القرآن ويؤتى بغيرها، كما ينسخ زرع بزرع وليل بنهار، وقوم بقوم ودين نبي بآخر في ميقاته المعين في علمه تعالى، وهذا ما عناه بقوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ محوه ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما يشاء إثباته، فينسخ (١) ما يستصوب نسخه، ويثبت بدله ما هو خير منه أو مثله، ويترك ما تقتضيه حكمته غير منسوخ، أو يمحو سيئات التائب ويثبت الحسنات مكانها.

стр. 6244

وقد أثر عن أئمة السلف فيها أقوال لا تناقض فيها، بل هي داخلة فيما سلف (١): ١ - قال الحسن: يمحو الله أو جاء أجله، ويثبت أو بقي أجله. ٢ - وقال عكرمة والسدي: يمحو الله القمر ويثبت الشمس، كما قال تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾. ٣ - وقال الربيع: يقبض الله الأرواح بين النوم، فيميت أو يشاء ويمحوه، ويرجع من يشاء فيثبته. ٤ - وقال آخرون: يمحو الله ما يشاء من الشرائع بالنسخ، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه ولا يبدله. ٥ - وقال آخرون: يمحو الله المحن والمصائب بالدعاء. وقيل: يمحو الآباء ويثبت الأبناء. وقيل: يمحو ما يشاء منو القرون، ويثبت ما يشاء منها. وقيل: يمحو الدنيا ويثبت الآخرة. وظاهر النظم القرآني (٢): العموم في كل شيء مما في الكتاب، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر أو خير أو شر، ويبدل هذا بهذا، ويجعل هذا مكان هذا، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبو وائل وقتادة والضحاك وابن جريج وغيرهم، وهذا القول أولى كما تفيده ما في قوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ من العموم. ﴿وَعِنْدَهُ﴾ ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصله (٣) الذي لا يتغير منه شيء، وهو ما كتبه في الأزل، وهو العلم الأزلي الأبدي السرمدي القائم بذاته، وقد أحاط بكل شيء علمًا بلا زيادة ولا نقصان، وكل شيء عنده بمقدار. وقيل: ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصله (٤) وهو اللوح المحفوظ، فالمراد أو الآية أنه يمحو

стр. 6245

ما يشاء مما في اللوح المحفوظ، فيكون كالعدم، ويثبت ما يشاء مما فيه، فيجري فيه قضاؤه وقدره على حسب ما تقتضيه مشيئته، وهذا لا ينافي ما ثبت عنه ﷺ من قوله: "جف القلم" وذلك لأن المحو والإثبات هو من جملة ما قضاه الله سبحانه، وقيل: إن أم الكتاب هو علم الله تعالى بما خلق وما هو خالق. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم (١): ﴿وَيُثْبِتُ﴾ مخففًا من أثبت، وباقي السبعة مثقلًا من ﴿ثَبَت﴾. ٤٠ - ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ﴾ يا محمد ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب في حياتك، والجواب محذوف تقديره: فذاك شافيك من أعدائك، ودليل على صدقك ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾؛ أي: نقبضنك قبل أن نريك ذلك. وهذه الجملة شرط ثان لعطفه على الشرط قبله، وجوابه أيضًا محذوف تقديره: فلا تقصير منك ولا لوم عليك. وقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ تعليل لهذا المحذوف؛ أي: ليس عليك إلا تبليغ الرسالة إليهم، والبلاغ اسم مصدر أقيم مقام التبليغ ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ لا عليك؛ أي: أن نحاسبهم يوم القيامة، فنجازيهم بأعمالهم، فننتقم منهم أشد الانتقام، فلا يهمنك إعراضهم ولا تستعجل بعذابهم. والمعنى: أي إن أريناك (٢) أيها الرسول في حياتك بعض الذي نعد هؤلاء المشركين باللهِ من العقاب على كفرهم، أو توفيناك قبل أن نريك ذلك، فما عليك إلا تبليغ رسالة ربك لا طلب صلاحهم ولا فسادهم، وعلينا محاسبتهم ومجازاتهم بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾. وهذا تسلية من (٣) الله لرسوله ﷺ وإخبار له أنه قد فعل ما أمره الله به وليس عليه غيره، وأن من لم يجب دعوته ويصدق نبوته .. فالله سبحانه محاسبه على ما اجترم واجترأ عليه من ذلك. والهمزة في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أأنكر أولئك

стр. 6246

المشركون من أهل مكة وغيرهم نزول ما وعدناهم أو شكوا في ذلك، ولم يروا ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ﴾؛ أي: أرض الكفرة من مكة وغيرها؛ أي: يأتي أمرنا أَرض الكفرة حالة كوننا ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾؛ أي: ننقص أرض الكفرة من أطرافها ونواحيها بالفتوح على المسلمين منها شيئًا فشيئًا، فما زاد (١) في بلاد الإِسلام باستيلائهم عليها جبرًا وقهرًا نقص من ديار الكفرة، والله تعالى إذا قدر على جعله بعض ديار الكفرة للمسلمين .. فهو قادر على أن يجعل الكل لهم، أفلا يعتبرون؛ أي: أأنكر (٢) أهل مكة نزول ما وعدناهم ولم يروا أنا نأخذ أرضهم نفتحها من نواحيها للمسلمين شيئًا فشيئًا، ونلحقها بدار الإِسلام، ونذهب منها أهلها بالقتل والأسر والإجلاء، أليس هذا من ذلك. والخلاصة: أي أشك (٣) أولئك المشركون من أهل مكة الذين يسألونك الآيات ولم يروا أنا نأتي الأرض، فنفتحها لك أرضًا بعد أرض، ونلحقها بدار الإِسلام، ونذهب منها أهلها بالقتل والأسر والإجلاء، أليس هذا مقدمة لما أوعدناهم بحصوله ونذيرًا بما سيحل بهم من النكال والوبال في الدنيا والآخرة لو تدبروا، فما لهم عن التذكرة معرضين، ٤١ - ونحو الآية قوله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وقرأ الضحاك: ﴿ننقِّصها﴾ مثقلًا من نقص عداه بالتضعيف من نقص اللازم. ﴿وَاللهُ﴾ ﴿يَحْكُمُ﴾ في خلقه ما يشاء من الأزل إلى الأبد (٤)، فيرفع هذا ويضع هذا، ويحيي هذا ويميت هذا، ويغني هذا ويفقر هذا، وقد حكم بعزة الإِسلام وعلوه على الأديان. وجملة قوله: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾؛ أي: لا لراد لحكمه في محل النصب على الحال؛ أي: والله يحكم حالة كونه نافذًا حكمه خاليًا عن المعارض والمناقض. ومعنى المعقب: الذي يعقب الشيء بالرد والإبطال. والمعنى: أنه حكم للإسلام بالغلبة والإقبال، وعلى الكفر بالإدبار والانتكاس، وذلك كائن لا يمكن تغييره. وقيل: جملة ﴿لَا﴾ معترضة. ﴿وَهُوَ﴾

стр. 6247

سبحانه وتعالى ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته على السرعة، فعما قريب (١) سيحاسبهم في الآخرة كفاء ما دنسوا به أنفسهم، وران على قلوبهم بارتكاب الآثام بعد أن يعذبهم في الدنيا بالقتل والأسر، فلا تستبطىء عقابهم، فإنه آت لا محالة وكل آت قريب. ٤٢ - ثم بين أن قومه ليسوا ببدع في الأمم، فقد مكر كثير ممن قبلهم بأنبيائهم، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فقال: ﴿وَقَدْ مَكَرَ﴾ الكفار ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: من قبل كفار مكة بمن أرسله الله إليهم من الرسل، فكادوهم وكفروا بهم، فنمرود مكر بإبراهيم، وفرعون مكر بموسى، واليهود مكروا بعيسى كما مكر أولئك بك في دار الندوة حيث أرادوا قتلك، ثم دارت الدائرة على الظالمين وأهلك الله الظالمين. والمكر: إيصال المكروه للممكور به خفية من حيث لا يشعر. وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ وتصبير بأن العاقبة له لا محالة حيث أخبره أن هذا ديدن الكفار من قديم الزمان مع رسل الله سبحانه، ثم أخبره بأن مكرهم هذا كالعدم، وأن المكر كله لله، فقال: ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ﴾ لا اعتداد بمكر غيره، وهذا تعليل لمحذوف تقديره: فلا عبرة بمكرهم ولا تأثير له. ثم فسر سبحانه هذا المكر الثابت له دون غيره، فقال: ﴿يَعْلَمُ﴾ سبحانه ﴿مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ من خير وشر، فيجازيها على ذلك، ومن علم ما تكسب كل نفس وأعد لها جزاءها .. كان المكر كله له؛ لأنه يأتيهم أو حيث لا يشعرون. وقال الواحدي: إن مكر الماكرين مخلوق، فلا يضر إلا بإرادته. اهـ. فإثباته لهم باعتبار الكسب، ونفيه عنهم باعتبار الخلق، فلا يَرد كيف أثبت لهم مكرًا ثم نفاه عنهم بقوله: ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾؛ وفيه تسلية للنبي ﷺ وأمان له من مكرهم. اهـ. "كرخي". ومكر الله صفة ثابتة له تعالى نثبته ولا نعطله، لا نمثله ولا نكيفه. وقيل: مكر (٢) الله إهلاكهم من حيث لا يشعرون، شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة. والمعنى: يعلم (٣) ما تكسب كل نفس، فيعصم أولياءه

стр. 6248

ويعاقب الماكرين بهم، ليوفي كل نفس جزاء ما كسبت. وفي هذا ما لا يخفى من شديد الوعيد والتهديد للكافرين الماكرين. ثم أكد هذا التهديد بقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّار﴾ إذا قدموا إلى ربهم يوم القيامة حين يدخل الرسول والمؤمنون الجنة، ويدخلون النار ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾؛ أي: لمن العاقبة المحمودة من الفريقين في الدار الآخرة، وإن جهلوا ذلك من قبل؛ أي: سيعلم (١) جنس الكافر لمن العاقبة المحمودة من الفريقين في دار الدنيا، أو الدار الآخرة، أو فيهما. وقيل: المراد بالكافر: أبو جهل. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر (٢): ﴿الكافر﴾ بالإفراد والمراد به الجنس. وقرأ الباقون: ﴿الْكُفَّارُ﴾ بالجمع جمع تكسير، وابن مسعود شاذًا: ﴿الكافرون﴾ جمع سلامة. وأبي شاذًا أيضًا: ﴿الذين كفروا﴾. وقرأ جناح بن حبيش: ﴿وسيعلم الكفار﴾ مبنيًّا للمفعول من أعلم؛ أي: وسيخبر وهي شاذة أيضًا. ٤٣ - وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: قدم على رسول الله ﷺ أسقف من اليمن، فقال له ﵇: "هل تجدني في الإنجيل رسولًا"؟ قال: لا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: ويقول المشركون أو جميع الكفار ﴿لَسْتَ﴾ يا محمد ﴿مُرْسَلًا﴾ من عند الله إلى الناس. أي: ويقول الجاحدون لنبوتك الكافرون برسالتك: لست مرسلًا من عند الله، أرسلك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، وتدعوهم إلى عبادة إله واحد لا شريك له، وتنقذهم من عبادة الأصنام والأوثان، وتصلح حال المجتمع البشري، وتمنع عنه الظلم والفساد، فأمر الله سبحانه بأن يجيب عليهم، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿كَفَى بِاللهِ﴾ من جهة كونه ﴿شَهِيدًا﴾؛ أي: شاهدًا ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فهو يعلم صحة رسالتي وصدق دعوتي، ويعلم كذبكم. أي: قل حسبي الله شاهدًا بتأييد رسالتي وصدق مقالتي؛ إذ أنزل علي هذا

стр. 6249

الكتاب الذي أعجز البشر قاطبةً أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، والمراد بشهادة الله تعالى: إظهار المعجزات الدالة على صدقه في دعوى الرسالة ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾؛ أي: وكفى شهيدًا بيني وبينكم من عنده علم الكتاب السماوي، وهم من أسلم من أهل الكتابين التوراة والإنجيل كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار وسلمان الفارسي وتميم الداري وآصف بن برخيا، فكل من كان عالمًا بالتوراة والإنجيل علم أن محمدًا مرسل من عند الله تعالى. وقد كان المشركون من العرب يسألون أهل الكتاب ويرجعون إليهم، فأرشدهم الله سبحانه في هذه الآية إلى أن أهل الكتاب يعلمون ذلك. وقيل: المراد (١) بالكتاب القرآن، ومن عنده علم منه هم المسلمين. وقيل: المراد من عنده علم اللوح المحفوظ، وهو الله ، واختار هذا الزجاج. وقال: لأن الأشبه أن الله لا يستشهد على خلقه بغيره. و ﴿مَنْ﴾ في قراءة (٢) الجمهور في موضع خفض عطفًا على لفظ ﴿الله﴾، أو موضع رفع عطفًا على موضع ﴿الله﴾؛ إذ هو في مذهب من جعل الباء زائدة فاعل بكفى. وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون في موضع رفع الابتداء، والخبر محذوف تقديره: أعدل وأمضى قولًا، ونحو هذا مما يدل عليه لفظة ﴿شَهِيدًا﴾ ويراد بذلك الله تعالى. وقرىء شذوذًا (٣): ﴿بمن﴾ بدخول الباء على ﴿من﴾ عطفًا على ﴿بِاللهِ﴾. وقرأ علي وأبيّ وابن عباس وعكرمة وابن جبير وعبد الرحمن بن أبي بكرة والضحاك وسالم بن عبد الله بن عمر وابن أبي إسحاق ومجاهد والحكم والأعمش: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ بجعل ﴿من﴾ حرف جر وجر ما بعده به، وارتفاع ﴿علم﴾ بالابتداء، والجار والمجرور في موضع الخبر. وقرأ علي أيضًا وابن السميقع والحسن بخلاف عنه: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ بجعل ﴿من﴾ حرف جر، ﴿علِم الكتاب﴾ بجعل ﴿عُلِمَ﴾ فعلًا ماضيًا مبنيًّا للمفعول، و ﴿الكتاب﴾ رفع به. وقرىء شذوذًا أيضًا: ﴿ومِنْ عندِه﴾ بحرف جر، ﴿عُلِّم الكتاب﴾ مشددًا مبنيًّا

стр. 6250

للمفعول، و ﴿الكتاب﴾ رفع به أيضًا، والضمير في ﴿عنده﴾ في هذه القراءات الثلاث عائد على ﴿الله﴾ تعالى، و ﴿من﴾ لابتداء الغاية، أي: ومن عند الله حصل علم القرآن؛ لأن أحدًا لا يعمله إلا من تعليمه. ولما (١) أمر الله سبحانه نبيه أن يحتج عليهم بشهادة الله على رسالته، ولا يكون ذلك إلا بإظهار القرآن، ولا يعلم العبد كون القرآن معجزًا إلا بعد العلم بما فيه من أسراره .. بين الله تعالى أن هذا العلم لا يحصل إلا من عند الله تعالى. خلاصة ما في هذه السورة (٢) ترى مما تقدم في تفسير هذه السورة أنها اشتملت على الأمور الآتية: ١ - إقامة الأدلة على التوحيد بما يرى من خلق السماوات والأرض، والجبال والأنهار، والزرع والنبات على اختلاف ألوانه وأشكاله، وهذا تفصيل لما أجمله في السورة قبلها من قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾. ٢ - إثبات البعث ويوم القيامة، والتعجب من إنكارهم له. ٣ - استعجالهم العذاب من الرسول ﷺ ، وبيان أنه واقع بهم لا محالة، كما وقع لمن قبلهم من الأمم الغابرة. ٤ - بيان أن للإنسان ملائكة تحفظه وتحرسه، وتكتب عليه ما يكتسبه من الحسنات والسيئات بأمر الله. ٥ - ضرب الأمثال لمن يعبد الله وحده ولمن يعبد الأصنام بالسيل والزبد الرابي. ٦ - بيان حال المتقين الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم

стр. 6251

ويخافون سوء الحساب، وأقاموا الصلاة وأنفقوا في السر والعلن، وبيان مآلهم يوم القيامة. ٧ - بيان حال الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويفسدون في الأرض، وبيان مآلهم. ٨ - إنكار الشركاء مع إقامة الأدلة على أن لا شريك لله. ٩ - وصف الجنة التي وعد بها المتقون، وبيان أنها مآل المتقين، ومآل الكافرين النار وبئس القرار. ١٠ - بيان أن كثيرًا ممن أسلموا من أهل الكتاب يفرحون بما ينزل من القرآن؛ إذ يرون فيه تصديقًا لما بين أيديهم من الكتاب. ١١ - بيان مهمة الرسول، وأن خلاصة ما جاء به عبادة الله وحده وعدم الشرك به، ودعاؤه لجلب النفع ودفع الضر، وأن إليه تعالى المرجع والمآب. ١٢ - بيان أن كل رسول أرسل بلغة قومه؛ ليسهل عليهم قبول دعوته وفهمها. ١٣ - تحذير الرسول ﷺ وأمته من قبول دعوة المشركين من بعد ما جاءهم من العلم. ١٤ - أن جميع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كان لهم أزواج وذرية. ١٥ - أن المعجزات ليست بمشيئة الرسل يأتون بها كلما أرادوا، وإنما هي بإذن الله وإرادته. ١٦ - بيان أن هذه الحياة الدنيا إنما هي محو وإثبات، وموت وحياة، فيزيل الله قومًا ويوجد آخرين، وكل ذلك محفوظ في علم الله الذي لا تغيير فيه ولا تبديل. ١٧ - أن مهمة الرسول إنما هي التبليغ، أما الجزاء على مخالفة الأوامر فأمر ذلك إلى الله تعالى، ولا يعني الرسول أن يحصل في زمنه أو بعد وفاته. ١٨ - أو انتقام الله من المكذبين قد بدأ حياة الرسول بقتل أعدائه

стр. 6252

وأسرهم وتشريدهم في البلاد. ١٩ - أن مكر أولئك الكافرين بالرسول ليس ببدع جديد، فكثير من الأمم السابقة مكروا بأنبيائهم، وكان النصر حليف المتقين، ونكل الله بالقوم الظالمين. ٢٠ - إلحاف الكافرين في إنكار رسالته ﷺ ، مع أن الله تعالى شهيد على ذلك بما أقام من الأدلة على صدقه، وكذلك شهادة من آمن من أهل الكتاب بوجود أمارات رسالته ﷺ في كتبهم وتبشيرها بها. الإعراب ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾. ﴿وَلَقَدِ﴾ (الواو): استئنافية، و (اللام): موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿اسْتُهْزِئَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿بِرُسُلٍ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿رُسُلٍ﴾، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾: ﴿الفاء﴾): عاطفة. ﴿أَمْلَيْتُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿اسْتُهْزِئَ﴾. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿أَخَذْتُهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿أمليت﴾. ﴿فَكَيْفَ﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت استهزاءهم بالرسل فإملائي لهم فأخذي إياهم .. فأقول لك يا محمد: كيف كان عقابي إياهم، هل هو واقع محله أم لا؟. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام للاستفهام التعجبي مع التقريع لهم في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم عليه وجوبًا. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿عِقَابِ﴾: اسمها مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة الممنوعة بسكون الوقف: ﴿عِقَابِ﴾: مضاف وياء المتكلم المحذوفة في محل الجر مضاف إليه، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ في الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾.

стр. 6253

﴿أَفَمَنْ﴾: (الهمزة): للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، و ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، خبره محذوف تقديره: كمن ليس كذلك من شركائهم التي لا تضر ولا تنفع، دل على ذلك قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿قَائِمٌ﴾: خبره، والجملة الاسمية صلة الموصول، والتقدير: أعميتم وسويتم بين الله وبين خلقه، فمن هو قائم على كل نفس كائن كمن ليس كذلك، لا ليسوا مستويين، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَائِمٌ﴾. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور حال من ﴿كُلِّ نَفْسٍ﴾؛ أي: حالة كونها ملتبسة بما كسبت. ﴿كَسَبَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿كُلِّ نَفْسٍ﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما كسبته. ﴿وَجَعَلُوا﴾: فعل وفاعل، وهو يتعدى إلى مفعولين أولهما محذوف تقديره: وجعلوا الأصنام شركاء لله. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿شُرَكَاءَ﴾. ﴿شُرَكَاءَ﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية مستأنفة، أو حال من ﴿كُلِّ نَفْسٍ﴾ كما مر في مبحث التفسير. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿سَمُّوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به؛ لأنه بمعنى اذكروا أسماءهم أو صفوهم، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل الإضرابية وهمزة الاستفهام الإنكاري. ﴿تُنَبِّئُونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول مرفوع بثبوت النون. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني، والجملة مستأنفة. ﴿لَا يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهِ﴾: ﴿في الْأَرْضِ﴾ متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط المفعول المحذوف تقديره: بما لا يعلمه في الأرض ولا في السماوات. ﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى بل التي للإضراب الإبطالي كما في "الصاوي"، وهمزة الاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف تقديره: بل أتسمونهم بظاهر من القول. ﴿بِظَاهِرٍ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني للفعل المحذوف. ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾: جار ومجرور لـ ﴿ظَاهِرٍ﴾؛ أي: بل أتسمون تلك الأصنام بلفظ خالٍ عن المعنى، والجملة المحذوفة مستأنفة.

стр. 6254

﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. ﴿بَل﴾: حرف ابتداء وإضراب. ﴿زُيِّنَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق به، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول. ﴿مَكْرُهُمْ﴾: نائب فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿وَصُدُّوا﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿زُيِّنَ﴾. ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: متعلق به. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾): استئنافية. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿يُضْلِلِ اللهُ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرطٍ لها، والرابط محذوف تقديره: ومن يضلله الله. ﴿فَمَا﴾: (الفاء): رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿ما﴾: تميمية أو حجازية. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم للمبتدأ، أو لـ ﴿مَا﴾ الحجازية. ﴿مَنْ﴾ زائدة. ﴿هَادٍ﴾: مبتدأ مؤخر، أو اسم ﴿ما﴾ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿هادٍ﴾ بثبوت الياء وحذفها وقفًا سبعيتان، وفي الرسم محذوفة لا غير كالوصل. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿فِي الْحَيَاة﴾: جار ومجرور صفة لعذاب الدنيا، صفة لـ ﴿الْحَيَاةِ﴾. ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾: (الواو): عاطفة. (اللام): حرف ابتداء، ﴿عَذَابُ الْآخِرَة﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿أَشَقُّ﴾: خبر، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَمَا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَاقٍ﴾. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿وَاقٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والتقدير: وما واقٍ أو عذاب الله كائن لهم، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾. ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿الَّتِي﴾: صفة لـ ﴿الْجَنَّةِ﴾. ﴿وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف

стр. 6255

تقديره: وعدها المتقون، وخبر المبتدأ محذوف تقديره: مثل الجنة التي وعدها المتقون كائن فيما يتلى عليك، والجملة مستأنفة. ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: متعلق به. ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية مفسرة لذلك المحذوف، أو مستأنفة. ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مفسرة أو مستأنفة. ﴿وَظِلُّهَا﴾: مبتدأ حذف خبره لدلالة ما قبله عليه تقديره: وظلها دائم، والجملة معطوفة على جملة ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾. ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿اتَّقَوْا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: (الواو): استئنافية. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعولان صلة الموصول. ﴿يَفْرَحُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَفْرَحُونَ﴾. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿أُمِرْتُ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول محكي. ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾: ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: إنما أمرت بعبادة الله، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أُمِرْتُ﴾. ﴿وَلَا أُشْرِكَ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿أَعْبُدَ﴾. ﴿بِهِ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على محمد، والتقدير: أمرت بعبادة الله وعدم الإشراك به. ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَدْعُوْ﴾. ﴿أَدْعُو﴾: فعل

стр. 6256

مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أُمِرْتُ﴾. ﴿وَإِلَيْهِ﴾ (الواو): عاطفة. ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَآبِ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوف اجتزاء عنها بالكسرة الممنوعة بسكون الوقف. ﴿مَآبِ﴾: مضاف وياء المتكلم المحذوفة في محل الجر مضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أُمِرْتُ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والتقدير: وأنزلنا هذا القرآن عليك إنزالًا مثل إنزالنا الكتب السالفة على الرسل المتقدمة عليك، والجملة مستأنفة. ﴿حُكْمًا﴾: حال موطئة من ضمير المفعول، ولكنه في تأويل حاكمًا. ﴿عَرَبِيًّا﴾: صفة لـ ﴿حُكْمًا﴾. ﴿وَلَئِنِ﴾: (الواو): اسئنافية، و (اللام): موطئة للقسم. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿بَعْدَمَا﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿اتَّبَعْتَ﴾. ﴿جَاءَكَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾. ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾: حال من فاعل ﴿جَاءَكَ﴾، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿لَكَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿وَلِيٍّ﴾. ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿وَلِيٍّ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿وَلَا وَاقٍ﴾: معطوف على ﴿وَلِيٍّ﴾ والتقدير: ما ولي ولا واق من الله كائن لك، والجملة الاسمية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم تقديره، وإن اتبعت أهوائهم بعد ما جاءك من العلم .. فما لك من الله من ولي ولا واق، وجملة الشرط معترضة بين القسم وجوابه. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾.

стр. 6257

﴿وَلَقَدْ﴾ (الواو): استنئافية. (اللام): موطئة للقسم. ﴿قَد﴾: حرف تحقيق. ﴿أَرْسَلْنَا رُسُلًا﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿رُسُلًا﴾، أو متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. ﴿وَجَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أرْسَلْنَا﴾. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿أَزْوَاجًا﴾: مفعول به؛ لأن جعل هنا بمعنى خلق. ﴿وَذُرِّيَّةً﴾: معطوف على ﴿أَزْوَاجًا﴾. ﴿وَمَا كَانَ﴾: (الواو): استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿لِرَسُولٍ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿كَانَ﴾. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَأْتِيَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾. ﴿بِآيَةٍ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿رسول﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿كَانَ﴾ تقديره: وما كان الإتيان بآية من الآيات كائنًا لرسول من الرسل إلا بإذن الله، والجملة مستأنفة. ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿كِتَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما يشاءه. ﴿وَيُثْبِتُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَمْحُو﴾. ﴿وَعِنْدَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾. ﴿وَإِنْ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿مَا﴾: زائدة. ﴿نُرِيَنَّكَ﴾: فعل مضارع ومفعول أول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿بَعْضَ الَّذِي﴾: مفعول ثان ومضاف إليه. ﴿نَعِدُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة

стр. 6258

الموصول، وجواب الشرط محذوف تقديره: فذاك شافيك من أعدائك، وجملة الشرط مستأنفة. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾: فعل ومفعول في محل الجزم معطوف على ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ على كونه شرطًا ثانيًا، وفاعله ضمير يعود على الله، وجواب الشرط محذوف أيضًا تقديره: فلا تقصير منك ولا لوم عليك. ﴿فَإِنَّمَا﴾: (الفاء): تعليلية للجواب المحذوف. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿عَلَيْكَ﴾: خبر مقدم. ﴿الْبَلَاغُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. ﴿أَوَلَمْ﴾ (الهمزة): للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف. (الواو): عاطفة على ذلك المحذوف. ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَرَوْا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾ والتقدير: أأنكروا نزول ما وعدناهم، أو شكوا في ذلك ولم يروا أنا نأتي الأرض، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿أَنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾: في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي رأى تقديره: أولم يروا إتياننا الأرض حالة كوننا ننقصها. ﴿نَنْقُصُهَا﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿نَأْتِي﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَحْكُمُ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿مُعَقِّبَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿لِحُكْمِهِ﴾: متعلق به، وخبرها محذوف تقديره: موجود، وجملة ﴿لَا﴾: في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَحْكُمُ﴾ على كونها خبر المبتدأ. ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾. ﴿وَقَدْ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿مَكَرَ الَّذِينَ﴾: فعل

стр. 6259

وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور صلة الموصول. ﴿فَلِلَّهِ﴾: (الفاء): تعليلية. ﴿لله﴾: خبر مقدم. ﴿الْمَكْرُ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من الضمير المستكن في الخبر، والجملة الاسمية في محل الجر مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿الله﴾، والجملة مستأنفة. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به لـ ﴿مَا﴾؛ لأنه بمعنى عرف. ﴿تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما تكسبه كل نفس. ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لِمَنْ﴾: (اللام): حرف جر. ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام في محل الجر باللام، الجار والمجرور خبر مقدم. ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية سادة مسد مفعولي علم معلق عنها باسم الاستفهام. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿كفى بالله﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾: فعل وفاعل، و (الباء): زائدة. ﴿شَهِيدًا﴾: تمييز لفاعل ﴿كَفَى﴾، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿بَيْنِي﴾: ظرف متعلق بـ ﴿شَهِيدًا﴾. ﴿وَبَيْنَكُمْ﴾: معطوف عليه. ﴿وَمَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع معطوف على فاعل ﴿كَفَى﴾. ﴿عِنْدَهُ﴾: خبر مقدم. ﴿عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ﴾ ومعنى الاستهزاء (١): الاستحقار والاستهانة، والأذى

стр. 6260

والتكذيب. ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ والإملاء: الإمهال وأن يترك ملاءة من الزمان؛ أي: مدة طويلة منه في دعة وراحة وأمن، كالبهيمة في المرعى؛ أي: أطلت لهم المدة في أمن وسعة بتأخير العقوبة ليتمادوا في المعصية. ﴿ثُمَّ﴾ بعد الإملاء والاستدراج أخذتهم بالعقوبة. ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾؛ أي: رقيب ومتول للأمور. ﴿تُنَبِّئُونَهُ﴾؛ أي: تخبرونه. ﴿بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: بباطل منه لا حقيقة له في الواقع. ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ بتخيلهم أباطيل، ثم ظنهم إياها حقًّا والمكر (١): صرف الغير عما يقصده بحيلة، والحيلة (٢): ما يتوصل به إلى المقصود بطريق خفي. ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ والصد: المنع، والسبيل: هو سبيل الحق وطريقه؛ أي: منعوا عن طريق الهدى. وقرىء بفتح الصاد؛ أي: منعوا الناس عنه. وقد يستعمل صد لازمًا بمعنى أعرض؛ أي: أعرضوا عنه. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وأصل العذاب (٣) في كلام العرب من العذب، وهو المنع، يقال: عذبته عذبًا إذا منعته، وسمي الماء عذبًا؛ لأنه يمنع العطش، وسمي العذاب عذابًا؛ لأنه يمنع المعاقب من معاودة مثل جرمه، ويمنع غيره من مثل فعله. ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾؛ أي: أشد وأصعب لدوامه، وهو عذاب النار، وعذاب نار القطيعة وألم البعد وحسرة التفريط في طاعة الله وندامة الإفراط في الذنوب والمعاصي، والحصول على الخسارات والهبوط من الدرجات ونزول الدركات.

стр. 6261

﴿مِنْ وَاقٍ﴾؛ أي: حافظ ومانع حتى لا يعذبوا. ﴿وَاقٍ﴾: اسم فاعل من وقى يقي فهو واق بوزن قاض، أصله: واقي استثقلت الحركة على الياء، ثم حذفت فالتقى ساكنان وهما الياء والتنونين، ثم حذفت الياء لبقاء دالها، فصار واقٍ، فإعراب واق إعراب منقوص، فهو بحركة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين. ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ المثل: الصفة والنعت. قال ابن قتيبة: المثل الشبه في أصل اللغة، ثم قد يصير بمعنى صورة الشيء وصفته، يقال: مثلت لك كذا؛ أي: صورته ووصفته، فأراد هنا بمثل الجنة صورتها وصفتها. اهـ. "الشوكاني". ﴿أُكُلُهَا﴾ والأكل - بضمتين - ما يؤكل من طعامها. ﴿دَائِمٌ﴾؛ أي: لا ينقطع ولا يمنع منه بخلاف ثمر الدنيا، والمراد بدوام الأكل: الدوام بالنوع لا الدوام بالجزء والشخص، فإنه إذا فنى منه شيء جيء ببدله، وهذا لا ينافي الهلاك لحظة، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ على أن دوامه مضاف إلى ما بعد دخول الجنة كما يقتضيه سوق الكلام عند هلاك كل شيء قبل الدخول لا ينافي وجوده وبقاءه بعده. ﴿وَظِلُّهَا﴾ دائم، والظل: واحد الظلال، والظلول والأظلال. ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ والعقبى: مصدر كالبشرى والرجعى؛ أي: مآلهم ومنتهى أمرهم. ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾ والأحزاب واحدهم حزب: وهو الطائفة المتحزبة؛ أي: المجتمعة لشأن من الشؤون كحرب أو عداوة أو نحو ذلك. والمآب: المرجع. الواقي: الحافظ. ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ﴾ والأجل: الوقت والمدة. ﴿كِتَابٌ﴾ والكتاب: الحكم المعين الذي يكتب على العباد بحسب ما تقتضيه الحكمة، والمراد بالأجل: أزمنة الموجودات، فلكل موجود زمان يوجد فيه محدود ولا يزاد عليه ولا ينقص، والمراد بالكتاب: صحف الملائكة التي تنسخها من اللوح المحفوظ. والمحو:

стр. 6262

ذهاب أثر الكتابة. ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أصله: وهو علم الله تعالى، أو اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير. والأم (١): أصل الشيء، والعرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أمًّا له، ومنه أم الرأس للدماغ، وأم القرى لمكة، والعندية عندية علم، والكتاب هو المذكور أولًا بقوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ على القاعدة المشهورة عند البلغاء أن النكرة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى. ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ﴾ مضارع أرى البصرية تعدى إلى مفعولين بالهمزة، وأكد بالنون الثقيلة. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ والبلاغ: اسم مصدر لبلغ تبليغًا أقيم مقام المصدر، كالأداء مقام التأدية؛ أي: تبليغ الرسالة وأداء الأمانة لا غير. ﴿مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ والأطراف: الجوانب. ﴿لَا مُعَقِّبَ﴾ والمعقب: الذي يكر على الشيء فيبطله، ويقال لصاحب الحق: معقب؛ لأنه يقفو غريمه بالاقتضاء والطلب. ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ والمكر: إرادة المكروه في خفية. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ﴾؛ لأن حق العبارة، وجعلوا له، فأقيم الظاهر مقام المضمر تقريرًا للألوهية وتصريحًا بها. ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾. قال الطيبي (٢): في هذه الآية احتجاج بليغ مبني على فنون من علم البيان:

стр. 6263

أولها: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ كمن ﴿ليس كذلك﴾ احتجاج عليهم، وتوبيخ لهم على القياس الفاسد؛ لفقد الجهة الجامعة لهما. ثانيهما: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ من وضع المظهر موضع المضمر للتنبيه على أنهم جعلوا شركاء لمن هو فرد واحد لا يشاركه أحد في اسمه. ثالثها: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾؛ أي: عينوا أسماءهم، فقولوا: فلان وفلان، فهو إنكار لوجودها على وجه برهاني، كما تقول: إن كان الذي تدعيه موجودًا فسمه؛ لأن المراد بالاسم العلم. رابعها: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ احتجاج من باب نفي الشيء أعني: العلم بنفي لازمه، وهو المعلوم، وهو كناية. خامسها: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ احتجاج من باب الاستدراج، والهمزة للتقرير لبعثهم على التفكر. المعنى: أتقولون بأفواهكم من غير روية وأنتم الباء، فتفكروا فيه لتقفوا على بطلانه. سادسها: التدرج في كل من الإضرابات على ألطف وجه، وحيث كانت الآية مشتملة على هذه الأساليب البديعة مع اختصارها .. كان الاحتجاج المذكور مناديًا على نفسه بالإعجاز، وأنه ليس من كلام البشر. اهـ. ومنها: الاكتفاء في قوله: ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: ولا في السماوات، وإنما خص الأرض، بنفي الشريك عنها، وإن لم يكن له شريك في غير الأرض؛ لأنهم ادعوا له شريكًا في الأرض. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾؛ أي: وظلها دائم حذف منه الخبر بدليل السياق. ومنها: المقابلة في قوله: ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ وهو من المحسنات البديعية.

стр. 6264

ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ﴾. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا﴾. ومنها: تنكير ﴿رُسُلًا﴾ للدلالة على الكثرة. ومنها: القصر في قوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ وفي قوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ وكلاهما قصر إضافي من باب قصر الموصوف على الصفة؛ أي: ليس لك من الصفات إلا صفة التبليغ. ومنها: التهييج (١) والإلهاب والبعث للسامعين على الثبات على الدين، والتصلب فيه، لئلا يزل زال عند الشبه بعد استمساكه بالحجة في قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ وإلا فالرسول معصوم من اتباع أهوائهم؛ لأنه ﷺ كان من شدة الشكيمة بمكان. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ﴾؛ أي: يأتيها أمرنا وعذابنا. ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ﴾. ومنها: الالتفات في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ﴾ من التكلم إلى الغيبة لما في (٢) بناء الحكم على الاسم الجليل من الدلالة على الفخامة وتربية المهابة، وتحقيق مضمون الخبر بالإشارة إلى العلة. فائدة: فسر بعضهم قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أن نقصانها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير والصلاح، وهذا مروي عن مجاهد وابن عباس في رواية عنه، وأنشد بعضهم (٣):

стр. 6265

الأرَضُ تَحْيَا إِذَا مَا عَاشَ عَالِمُهَا ... مَتَى يَمُتْ عَالِمٌ مِنْهَا يَمُتْ طَرَفُ كَالأرْضِ تَحْيَا إَذَا مَا الْغَيثُ حَلَّ بِهَا ... وإِنْ أَبَى عَادَ في أَكْنَافِهَا الْتَلَفُ والله أعلم (١) * * *

стр. 6266

سورة إبراهيم ﵇ سورة إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام مكية كلها، كما (١) أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس، وأخرجه ابن مردويه أيضًا عن الزبير، وحكاه القرطبي عن الحسن وعكرمة وجابر بن زيد وقتادة إلا آيتين منها مدنيتين. وقيل: إلا ثلاث آيات نزلت في الذين حاربوا رسول الله ﷺ وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّار﴾. وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس قال: وهي مكية إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة، وهي: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ .. الآيتين. نزلتا في قتلى بدر من المشركين. التسمية: سميت بسورة إبراهيم (٢)؛ لذكر قصته فيها. فإن قلت: إن قصة إبراهيم قد ذكرت في غير هذه السورة: الأنبياء والبقرة. قلت: إن علة التسمية لا تقتضي اطراد التسمية، بل التسمية أمر توقيفي. وآياتها إحدى، أو اثنتان، أو أربع، أو خمس وخمسون آية، ففي آياتها أربعة أقوال. وكلماتها (٣) ثمان مئة وإحدى وستون كلمة، وحروفها ثلاثة آلاف وأربع مئة وأربعة وثلاثون حرفًا. المناسبة: ومناسبة هذه السورة للسورة التي قبلها من وجوه (٤): ١ - أنه قد ذكر سبحانه في السورة السابقة أنه أنزل القرآن حكمًا عربيًّا، ولم يصرح بحكمة ذلك وصرح بها هنا. ٢ - أنه ذكر في السورة السالفة قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وهنا ذكر أن الرسل قالوا: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.

стр. 6267

٣ - ذكر هناك أمره ﷺ بالتوكل على الله وهنا حكى عن إخوانه المرسلين أمرهم بالتوكل عليه جلّ شأنه. ٤ - اشتملت تلك السابقة على تمثيل الحق والباطل، واشتملت هذه على ذلك أيضًا. ٥ - ذكر هناك رفع السماء بغير عمد، ومدّ الأرض، وتسخير الشمس والقمر، وذكر هنا نحو ذلك. ٦ - ذكر هناك مكر الكفار، وذكر مثله هنا، وذكر من وصفه ما لم يذكر هناك. الناسخ والمنسوخ: وقال أبو (١) عبد الله محمد بن حزم - رحمه الله تعالى - في كتابه "الناسخ والمنسوخ": سورة إبراهيم عند جميع المفسرين محكمة ليس فيها منسوخ إلا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فإنه قال: فيها آية منسوخة، والجمهور على خلاف قوله، وهي قوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ نسخت بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في سورة النحل آية (١٨) انتهى. فضلها: ومن فضائلها ما روي عن النبي ﷺ أنه قال (٢): "من قرأ سورة إبراهيم أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من عبد الأصنام وعدد من لم يعبد" رواه ابن مردويه والثعلبي والواحدي، وهو موضوع كما ذكره العراقي. والله أعلم * * *

стр. 6268

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾. المناسبة مناسبة أول هذه السورة للسورة قبلها واضح جدًّا (١)؛ لأنه ذكر في السورة

стр. 6269

قبلها: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾، ثم ذكر قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾، ثم قوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾، فناسب هذه قوله في هذه السورة: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ وأيضًا، فإنهم لما قالوا في السورة السابقة على سبيل الاقتراح: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، وقيل له: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ .. أنزل في هذه السورة: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾؛ وهي الضلال. ﴿إِلَى النُّور﴾: وهو الهدى. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ ... الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أن الله لما بين أنه أرسل نبيه محمدًا ﷺ إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وأن في هذا الإرسال نعمة له ولقومه .. أتبع ذلك بذكر قصص بعض الأنبياء، وتفصيل ما لاقوه من أقوامهم من شديد الأذى والتمرد والعناد؛ لما في ذلك من التسلية له وجميل التأسي بهم، وبيان أن المقصود من بعثة الرسل واحد: وهو إخراج الخلق من ظلمات الضلالات إلى أنوار الهدايات. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنه (٢) لما تقدم أمره تعالى لموسى بالتذكير بأيام الله .. ذكرهم بما أنعم تعالى عليهم من نجاتهم من آل فرعون، وفي ضمنها تعداد شيء مما جرى عليهم من نقم الله تعالى. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ ... الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر ما ذكر به موسى قومه بما أولاهم به من نعمة، ورفع عنهم من نقمة، ثم ذكر وعده تعالى بالزيادة لمن شكر ووعيده بالعذاب لمن كفر، ثم حذرهم بأن الكفران لا يضير ربهم، وأنه غني عن حمدهم، وحمد من في الأرض جميعًا، يذكرهم بأيام الله فيمن قبلهم من الأمم السالفة والأجيال البائدة بأسلوب طلبي ومقال

стр. 6270

جلي .. فذكر القول أولًا على سبيل الإجمال، ثم أتبعه بمحاورة بين الرسل وأقوامهم، أقام فيها الرسل الحجة على أممهم، ودحض ما تمسكوا به من الترهات والأباطيل. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ...﴾، الآية، سبب نزولها: أن قريشًا قالوا: ما بال الكتب كلها أعجمية وهذا عربي؟ فنزلت هذه الآية. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿الر﴾ (١) يشير بالألف إلى القسم بآلائه ونعمائه، وباللام إلى لطفه وكرمه وبالراء إلى القرآن، يعني،: قسمًا بآلائي ونعمائي إن صفة لطفي وكرمي اقتضت إنزال القرآن وهو كتاب ... إلخ، وتقدم في سورتي يونس وهود طريقة قراءته، والمعنى: المراد منه بها أغنى عن إعادته هنا. وقوله: ﴿كِتَابٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا القرآن المشتمل على هذه السورة وغيرها كتاب ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ يا محمد بواسطة جبرائيل حالة كونه حجة على رسالتك بإعجازه. ثم بين المصلحة في إنزال الكتاب على رسول الله ﷺ بقوله: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾ كافةَ بدعائك وإرشادك إياهم إلى ما تضمَّنه الكتاب من العقائد الحقَّة والأحكام النافعة. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: من أنواع الضلالة إلى الهدى، ومن ظلمة الكفر والنفاق والشك والبدعة إلى نور الإيمان والإخلاص واليقين والسنة ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: بحوله وقوته؛ أي: لا سبيل له إلى ذلك إلا به، وإنما قال: ﴿رَبِّهِمْ﴾: لأنه تعالى مربيهم، ولم يقل: بإذن ربك، ليعلم أن هذه التربية من الله تعالى، لا من النبي ﵇. واعلم (٢): أن الدعوة عامة، والهداية خاصة كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وإذن الله شامل لجميع الناس
следующие страницы →