← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

سورة إبراهيم ﵇ سورة إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام مكية كلها، كما (١) أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس، وأخرجه ابن مردويه أيضًا عن الزبير، وحكاه القرطبي عن الحسن وعكرمة وجابر بن زيد وقتادة إلا آيتين منها مدنيتين. وقيل: إلا ثلاث آيات نزلت في الذين حاربوا رسول الله ﷺ وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّار﴾. وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس قال: وهي مكية إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة، وهي: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ .. الآيتين. نزلتا في قتلى بدر من المشركين. التسمية: سميت بسورة إبراهيم (٢)؛ لذكر قصته فيها. فإن قلت: إن قصة إبراهيم قد ذكرت في غير هذه السورة: الأنبياء والبقرة. قلت: إن علة التسمية لا تقتضي اطراد التسمية، بل التسمية أمر توقيفي. وآياتها إحدى، أو اثنتان، أو أربع، أو خمس وخمسون آية، ففي آياتها أربعة أقوال. وكلماتها (٣) ثمان مئة وإحدى وستون كلمة، وحروفها ثلاثة آلاف وأربع مئة وأربعة وثلاثون حرفًا. المناسبة: ومناسبة هذه السورة للسورة التي قبلها من وجوه (٤): ١ - أنه قد ذكر سبحانه في السورة السابقة أنه أنزل القرآن حكمًا عربيًّا، ولم يصرح بحكمة ذلك وصرح بها هنا. ٢ - أنه ذكر في السورة السالفة قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وهنا ذكر أن الرسل قالوا: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.

стр. 6267

٣ - ذكر هناك أمره ﷺ بالتوكل على الله وهنا حكى عن إخوانه المرسلين أمرهم بالتوكل عليه جلّ شأنه. ٤ - اشتملت تلك السابقة على تمثيل الحق والباطل، واشتملت هذه على ذلك أيضًا. ٥ - ذكر هناك رفع السماء بغير عمد، ومدّ الأرض، وتسخير الشمس والقمر، وذكر هنا نحو ذلك. ٦ - ذكر هناك مكر الكفار، وذكر مثله هنا، وذكر من وصفه ما لم يذكر هناك. الناسخ والمنسوخ: وقال أبو (١) عبد الله محمد بن حزم - رحمه الله تعالى - في كتابه "الناسخ والمنسوخ": سورة إبراهيم عند جميع المفسرين محكمة ليس فيها منسوخ إلا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فإنه قال: فيها آية منسوخة، والجمهور على خلاف قوله، وهي قوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ نسخت بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في سورة النحل آية (١٨) انتهى. فضلها: ومن فضائلها ما روي عن النبي ﷺ أنه قال (٢): "من قرأ سورة إبراهيم أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من عبد الأصنام وعدد من لم يعبد" رواه ابن مردويه والثعلبي والواحدي، وهو موضوع كما ذكره العراقي. والله أعلم * * *

стр. 6268

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾. المناسبة مناسبة أول هذه السورة للسورة قبلها واضح جدًّا (١)؛ لأنه ذكر في السورة

стр. 6269

قبلها: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾، ثم ذكر قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾، ثم قوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾، فناسب هذه قوله في هذه السورة: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ وأيضًا، فإنهم لما قالوا في السورة السابقة على سبيل الاقتراح: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، وقيل له: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ .. أنزل في هذه السورة: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾؛ وهي الضلال. ﴿إِلَى النُّور﴾: وهو الهدى. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ ... الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أن الله لما بين أنه أرسل نبيه محمدًا ﷺ إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وأن في هذا الإرسال نعمة له ولقومه .. أتبع ذلك بذكر قصص بعض الأنبياء، وتفصيل ما لاقوه من أقوامهم من شديد الأذى والتمرد والعناد؛ لما في ذلك من التسلية له وجميل التأسي بهم، وبيان أن المقصود من بعثة الرسل واحد: وهو إخراج الخلق من ظلمات الضلالات إلى أنوار الهدايات. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنه (٢) لما تقدم أمره تعالى لموسى بالتذكير بأيام الله .. ذكرهم بما أنعم تعالى عليهم من نجاتهم من آل فرعون، وفي ضمنها تعداد شيء مما جرى عليهم من نقم الله تعالى. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ ... الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر ما ذكر به موسى قومه بما أولاهم به من نعمة، ورفع عنهم من نقمة، ثم ذكر وعده تعالى بالزيادة لمن شكر ووعيده بالعذاب لمن كفر، ثم حذرهم بأن الكفران لا يضير ربهم، وأنه غني عن حمدهم، وحمد من في الأرض جميعًا، يذكرهم بأيام الله فيمن قبلهم من الأمم السالفة والأجيال البائدة بأسلوب طلبي ومقال

стр. 6270

جلي .. فذكر القول أولًا على سبيل الإجمال، ثم أتبعه بمحاورة بين الرسل وأقوامهم، أقام فيها الرسل الحجة على أممهم، ودحض ما تمسكوا به من الترهات والأباطيل. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ...﴾، الآية، سبب نزولها: أن قريشًا قالوا: ما بال الكتب كلها أعجمية وهذا عربي؟ فنزلت هذه الآية. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿الر﴾ (١) يشير بالألف إلى القسم بآلائه ونعمائه، وباللام إلى لطفه وكرمه وبالراء إلى القرآن، يعني،: قسمًا بآلائي ونعمائي إن صفة لطفي وكرمي اقتضت إنزال القرآن وهو كتاب ... إلخ، وتقدم في سورتي يونس وهود طريقة قراءته، والمعنى: المراد منه بها أغنى عن إعادته هنا. وقوله: ﴿كِتَابٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا القرآن المشتمل على هذه السورة وغيرها كتاب ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ يا محمد بواسطة جبرائيل حالة كونه حجة على رسالتك بإعجازه. ثم بين المصلحة في إنزال الكتاب على رسول الله ﷺ بقوله: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾ كافةَ بدعائك وإرشادك إياهم إلى ما تضمَّنه الكتاب من العقائد الحقَّة والأحكام النافعة. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: من أنواع الضلالة إلى الهدى، ومن ظلمة الكفر والنفاق والشك والبدعة إلى نور الإيمان والإخلاص واليقين والسنة ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: بحوله وقوته؛ أي: لا سبيل له إلى ذلك إلا به، وإنما قال: ﴿رَبِّهِمْ﴾: لأنه تعالى مربيهم، ولم يقل: بإذن ربك، ليعلم أن هذه التربية من الله تعالى، لا من النبي ﵇. واعلم (٢): أن الدعوة عامة، والهداية خاصة كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وإذن الله شامل لجميع الناس

стр. 6271

في الظلمات، إذ المقصود من إيجاد العوالم وإنشاء النشآت كلها ظهور الإنسان الكامل، وقد حصل وهو الواحد الذي كالألف وهو السواد الأعظم، فلا تقتضي الحكمة إتفاق الكل على الحق؛ لأن لله تعالى جمالًا وجلالًا لابدّ لكليهما من أثر. والمعنى: هذا القرآن الذي نتلوه عليك كتاب أنزلناه إليك أيها الرسول؛ لتنقذ (١) الناس من ظلمات الضلالة والكفر إلى نور الإيمان وضيائه، وتبصَّر به أهل الجهل والعمى سبيل الرشاد والهدى بما اشتمل عليه من واضح الآيات البينات المرشدة إلى النظر في حقائق الكون الدالة على وحدانية الله تعالى، وأنه لا شريك له، وأن الواجب عبادته وحده، ثم دعاؤه لجلب النفع وكشف التفسير، وفيها أيضًا سعادة البشر وصلاحهم في الدنيا والآخرة بإذن ربهم، وتوفيقه ولطفه بهم لإرسال نور الهدى إلى قلوبهم، فيسلكون طرق الفلاح والصلاح. وقوله: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ بدل من قوله: ﴿إِلَى النُّورِ﴾ بتكرير العامل وإضافة الصراط إلى العزيز، وهو الله على سبيل التعظيم له، والمراد به: دين الإِسلام، فإنه طريق موصل إلى الجنة والقربة والوصلة، والعزيز: الغالب الذي ينتقم لأهل دينه من أعدائهم، والحميد: المحمود الذي يستوجب بذلك الحمد من عباده. والمعنى: لتخرج الناس إلى الصراط المستقيم، وهو الطريق الذي ارتضاه الله لخلقه وشرعه لهم؛ وهو العزيز الذي لا يغالب المحمود في جميع أفعاله وأقواله وأمره ونهيه. ونحو الآية قوله تعالىِ: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ ...﴾ الآية، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ...﴾ الآية. وقوله: ﴿اللَّهِ﴾ بالجر عطف بيان لـ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾؛ لأنه علم للذات الواجب الوجود الخالق العالم، ٢ - وقوله: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الموجودات من العقلاء وغيرهم صفة للجلالة؛

стр. 6272

أي: هو الله المتصف بملك ما فيهما خلقًا وتصرفًا وتدبيرًا. وفيه (١) إشارة إلى أن سير السائرين إلى الله لا ينتهي بالسير في الصفات وهو العزيز الحميد، وإنما ينتهي بالسير في الذات وهو الله، فالمكونات أفعاله، فمن بقي في أفعاله لا يصل إلى صفاته، ومن بقي في صفاته لا يصل إلى ذاته، ومن وصل إلى ذاته وصولًا بلا اتصال ولا انفصال، بل وصولًا بالخروج من أنانيته إلى هويته تعالى ينتفع به في صفاته وأفعاله، قال الملّا الجامي رحمه الله تعالى: سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إلا مَا ... عَلَّمْتَ وَأَلْهَمْتَ لَنَا إِلْهَامًا وهذه (٢) الجملة الدالة على عظمة خالق الأكوان المنفرد بالعظمة والسلطان قد كررت في كثير من سور الكتاب الكريم للتنبيه إلى أن من أهم مقاصد هذا الدين أن يكون في المسلمين حكماء ربانيون يتفهمون حقائق هذا الكون، ويدركون أسرار بدائعه، ويستخرجون للناس ما في باطن الأرض، وينتفعون بما في ظاهرها، ويتأملون وما في السماوات من بديع الصنع وما تقدمه لنا من الخير العميم الذي ينتفع منه الإنسان والحيوان في مأكلهما ومشربهما ومسكنهما وسائر حاجاتهما ومرافقهما. وجاء في سورة يوسف توبيخًا للغافلين، وحثًّا لهمم المستبصرين: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ ومع كل هذا فوا أسفًا رأينا كثيرًا من المسلمين الذين تتلى عليهم هذه الآية صباح مساء يكتفون بمجرد تلاوتها والإيمان بها دون بحث ولا تفهم لمغزاها ولا المراد منها، ولا استبصار بما تنطوي عليه من المقاصد والمرامي، ولو كان ذلك كافيًا؛ لكان ذكر الخبز حين الجوع كافيًا في الشبع، والنظر إلى الماء كافيًا في الري. وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر (٣): ﴿الله﴾ - بالرفع - على أنه خبر مبتدأ

стр. 6273

محذوف؛ أي: هو الله المتصف بملك ما في السماوات وما في الأرض. وقرأ باقي العشرة والأصمعي عن نافع: ﴿الله﴾ - بالجرّ - على أنه بدل في قول ابن عطية والحوفي وأبي البقاء وعلى أنّه عطف بيان على قول الزمخشري؛ لكونه من الأعلام الغالبة كالنجم على الثريا؛ لغلبته واختصاصه بالمعبود الذي يحق له العبادة، فلا يصح وصف ما قبله به؛ لأن العلم لا يوصف به. وقيل: يجوز إن يوصف به من حيث المعنى. وقال أبو عمرو: إن قراءة الجر محمولة على التقديم والتأخير، والتقديم: إلى صراط الله العزيز الحميد، وكان يعقوب إذا وقف على الحميد رفع، وإذا وصل خفض. قال ابن الأنباري: من خفض وقف على ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. ثم توعد سبحانه الذين جحدوا آياته وكفروا بوحدانيته، فقال: ﴿وَوَيْلٌ﴾ الويل (١): الهلاك والدمار، وهو مبتدأ خبره ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ بالكتاب، وأصله: النصب كسائر المصادر إلا أنه لم يشتق منه فعل، لكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه، فيقال: ويل لهم كسلام عليكم ﴿مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ﴿مِنْ﴾: لبيان الجنس صفة لـ ﴿وَوَيْلٌ﴾، أو حال من ضميره في الخبر، أو ابتدائية متعلقة بالويل على معنى: إنهم يولون ويصيحون ويضجون من العذاب الشديد الذي صاروا إليه، ويقولون: يا ويلاه كقوله تعالى: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾. والمعنى: أي وهلاك (٢) ودمار بشديد العذاب يوم القيامة لمن كفر بك ولم يستجب دعوتك بإخلاص التوحيد لخالق السماوات والأرض، وترك عبادة من لا ليملك لنفسه شيئًا، بل هو مملوك له تعالى؛ لأنه بعض ما في السماوات ثم وصف سبحانه أولئك الكافرين بصفات ثلاث: ٣ - ١ ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ الموصول في محل الجر

стр. 6274

بدل من ﴿الكافرين﴾ أو صفة له، والاستحباب: استفعال من المحبة؛ أي: وويل وهلاك بعذاب شديد كائن للكافرين الذين يختارون الحياة الدنيا ويوثرونها على الحياة الآخرة الأبدية، فإن المؤثر للشيء على غيره، كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحب إليها وأفضل عندها من غيره. قال ابن عباس (١) ﵄: يأخذون ما تعجل فيها تهاونًا بأمر الآخرة، وهذا من أوصاف الكافر الحقيقي، فإنه يجد ويجتهد في طلب الدنيا وشهواتها، ويترك الآخرة بإهمال السعي في طلبها، واحتمال الكلفة والمشقة في مخالفة هوى النفس وموافقة الشرع، فينبغي للمؤمن الحقيقي أن لا يرضى باسم الإسلام، ولا يقنع بالإيمان التقليدي، فإنه لا يخلو عن الظلمات بخلاف الإيمان الحقيقي، فإنه نور محض وليس منه تغيير أصلًا. والمعنى: أي إن أولئك الكافرين يطلبون الدنيا ويعملون لها ويتمتعون بلذاتها، ويقترفون الآثام ويرتكبون الموبقات، ويؤثرون ذلك على أعمال الآخرة التي تقربهم إلى الله زلفى، وينسون يومًا تجازى فيه كل نفس بما عملت، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه وفصيلته التي تؤييه ومن في الأرض جميعًا. ٢ - ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ الناس ويمنعونهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: عن قبول دينه الذي شرعه لعباده، وجملة ﴿يصدون﴾ وكذلك ﴿وَيَبْغُونَهَا﴾ معطوفتان على ﴿يَسْتَحِبُّونَ﴾؛ أي: ويمنعون من تتجه عزائمهم إلى الإيمان باللهِ، واتباع رسوله فيما جاء به من عند ربه أن يؤمنوا به ويتبعوه؛ لما زين لهم الشيطان من سلوك سبيل الطغيان، وران على قلوبهم من الفجور والعصيان، والبعد عن كل ما يقرب إلى الرحمن. وقرأ الحسن شذوذًا (٢): ﴿وَيُصِدُّونَ﴾ مضارع أصد الداخل عليه همزة النقل، من صد اللازم صدودًا. ٣ - ﴿وَيَبْغُونَهَا﴾؛ أي: ويبغون لها، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى

стр. 6275

الضمير ﴿عِوَجًا﴾؛ أي: ويطلبون لها زيغًا واعوجاجًا وميلًا عن الحق؛ لموافقة أهوائهم وقضاء حاجاتهم وأغراضهم؛ أي: يقولون لمن يريدون صده وإضلاله: إنها سبيل ناكبة وزائغة غير مستقيمة. والمعنى: أي (١) ويطلبون لها الزيغ والعوج، وهي أبعد ما تكون من ذلك، ويقولون لمن يريدون صدهم وإضلالهم عن سبيل الله ودينه، إن ذلك الدين ناء عن الصراط المستقيم وزائغ عن الحق واليقين، وإنك لتسمع كثيرًا من الملحدين يقول: إن القوانين الإِسلامية في الحدود والجنايات شديدة غاية الشدة، وإنها تصلح للأمم العربية في البادية، لا للأمم التي أخذت قسطًا عظيمًا من الحضارة ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾. فتلك شريعة دانت لها أمة غيرت وجه البسيطة (٢)، وملكت ناصية العالم ردحًا من الزمان، وكانت مضرب الأمثال في العدل وترك الجور، وثلت عروش الأكاسرة والقياصرة، وامتلكت بلادهم، وأزالت عزهم وسلطانهم إلى أن غير أهلها معالمها، فأركسهم الله بما كسبوا، فبدل عزهم ذلًّا وسعادتهم شقاء، وتلك سنة الله أن الأرض يرثها عباده الصالحون لاستعمارها. واجتماع هذه الخصال الثلاثة نهاية الضلال، ولهذا وصف ضلالهم بالبعد عن الحق، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالقبائح المذكورة ﴿فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ عن طريق الحق؛ أي: ضلوا ووقعوا عنه بمراحل، فلا يوجد ضلال أكمل من هذا الضلال. والبعد في الحقيقة من أحوال الضال (٣)؛ لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق، فوصف به فعله مجازًا للمبالغة، وفي جعل الضلال محيطًا بهم إحاطة الظرف بما فيه ما لا يخفى من المبالغة؛ أي: فهم باختيارهم لأنفسهم حيث العاجلة، وصدهم عن الدين وابتغائهم له الزيغ والعوج في ضلال بعيد عن الحق، لا يرجى لهم فلاح، وأنى لهم ذلك وقد كبوا على وجوههم، وزين لهم الفساد والغي،

стр. 6276

فيرون حسنًا ما ليس بالحسن، وقبيحًا ما ليس بالقبيح. ٤ - ثم بين سبحانه كمال نعمته وإحسانه إلى عباده، فذكر أنه يرسل رسله إلى أقوامهم بلغاتهم كي لا يشق عليهم فهم الدين وحفظه، فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾؛ أي: وما أرسلنا رسولًا من الرسل قبلك إلى أمة من الأمم من قبل قومك ﴿إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾؛ أي: إلا متلبسًا بلغة قومه الذين أرسلناه إليهم ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ ذلك الرسول ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لقومه ويفهمهم ما أرسل به إليهم من أمره ونهيه بسهولة ويسر، ولتقوم عليهم الحجة وينقطع العذر، وقد جاء هذا الكتاب بلغتهم، وهو يتلى عليهم، فأي عذر لهم في أن لا يفقهوه، وما الذي صدهم عن أن يدرسوه ليعلموا ما فيه من حكم وأحكام وحلال وحرام وإصلاح لنظم المجتمع ليسعدوا في حياتهم الدنيا والآخرة. ولفظ اللسان يستعمل فيما هو بمعنى العضو وبمعنى اللغة، والمراد هنا: هو الثاني؛ أي: بلغة قومه الذي هو منهم وبعث فيهم. فإن قلت: لم يُبعثْ (١) رسول الله ﷺ إلى العرب وحدهم وإنما بعث إلى الناس جميعًا بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ بل هو مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس وهم على ألسنة مختلفة ولغات شتى، وقوله: ﴿بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ وليس قومه سوى العرب يقتضي بظاهره أنه مبعوث إلى العرب خاصة، فكيف يمكن الجمع؟ قلتُ: بُعثَ رسول الله ﷺ من العرب وبلسانهم، والناس تبع للعرب، فكان مبعوثًا إلى جميع الخلق؛ لأنهم تبع للعرب، ثم إنه ﷺ يبعث الرسل إلى الأطراف والنواحي، فيترجمون لهم بألسنتهم، ويدعونهم إلى الله تعالى بلغاتهم. والنبي (٢) ﷺ وإن أرسل إلى الناس جميعًا ولغاتهم متباينة وألسنتهم مختلفة، فإرساله بلسان قومه أولى من إرساله بلسان غيره، لأنهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم ويوضحونه لهم حتى يصير مفهومًا لهم كما فهموه، ولو نزل بلغات من أرسل إليهم وبينه لكل قوم بلسانهم ... لكان ذلك مظنة للاختلاف وفتحًا لباب التنازع؛ لأن كل أمة قد تدعي

стр. 6277

من المعاني في لسانها ما لا يعرفه غيرها، وقد يفضي ذلك إلى التحريف والتصحيف بسبب الدَّعاوي الباطلة التي يقع فيها المتعصبون. وقيل (١): يحتمل أنه أراد بـ ﴿قَوْمِهِ﴾ أهل بلده وفيهم العرب وغير العرب، فيدخل معهم من كان من غير جنسهم في عموم الدعوى. وقيل: إن الرسول إذا أرسل بلسان قومه، وكانت دعوته خاصة، وكان كتابه بلسان قومه .. وكان أقرب لفهمهم عنه، وقيام الحجة عليهم في ذلك، فإذا فهموه ونقل عنهم انتشر عنهم علمه، وقامت التراجم ببيانه وتفهيمه لمن يحتاج إلى ذلك ممن هو من غير أهله، وإذا كان الكتاب واحدًا بلغة واحدة مع اختلاف الأمم وتباين اللغات .. كان ذلك أبلغ في اجتهاد المجتهدين في تعليم معانيه وتفهيم فوائده وغوامضه وأسراره وعلومه، وجميع حدوده وأحكامه. قلتُ: هذا الإشكال لا يأتي من أول الأمر؛ لأن معنى الآية: وما أرسلنا قبلك يا محمد من رسول من الرسل الكرام قبلك إلى أمة من الأمم الذين قبل أمتك إلا بلغة قومه؛ ليبين لهم؛ لأن ذلك الرسول مرسل إلى قومه خاصة كما أشرنا إليه في الحل بخلاف رسالتك، فإنها عامة وأنت سيد الأنبياء وخاتم المرسلين، وأمتك خير الأمم وأفضلهم، فأردنا أن نجمع أمتك على كتاب واحد منزل بلسان هو سيد الألسنة وأشرفها وأفضلها إعطاء للأشرف الأشرف، وذلك هو اللسان العربي الذي هو لسان قومه، ولسان أهل الجنة، فكان سائر الألسنة تابعًا له كما أن الناس تابع للعرب انتهى. وفي "الفتوحات": والأولى (٢) أن يحمل القوم على من أرسل إليهم الرسول أيًّا كان، وهم بالنسبة لغير سيدنا محمد ﷺ خصوص عشيرة رسولهم، وبالنسبة إليه كل من أرسل إليه من سائر القبائل وأصناف الخلق وهو ﷺ كان يخاطب كل قوم بلغتهم، وإن لم يثبت أنه تكلم باللغة التركية؛ لأنه لم يتفق أنه خاطب أحدًا من أهلها، ولو خاطبه لكلمه بها، تأمل. انتهى.

стр. 6278

وقرأ أبو السمال وأبو الجوزاء وأبو عمران الجوني شذوذًا (١): ﴿بلسن قومه﴾ بإسكان السين، قالوا: هو كالريش والرياش. وقال صاحب "اللوامح" واللسن: خاص باللغة، واللسان قد يقع على العضو وعلى الكلام. وقال ابن عطية مثل ذلك، قال اللسان في هذه الآية يراد به اللغة، ويقال: لسن ولسان في اللغة، فأما العضو فلا يقال فيه: لسن. وقال أبو رجاء وأبو المتوكل والجحدري شذوذًا أيضًا: ﴿لسن﴾ بضم اللام والسين، وهو جمع لسان كعماد وعمد. وقرىء شاذًا أيضًا بضم اللام وسكون السين مخففًا كرسل ورسل. وبعد أن بين سبحانه أنه لم يكن للناس من عذر في عدم فهم شرائعه .. ذكر أن الهداية والإضلال بيده ومشيئته، فقال: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ﴾ ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ إضلاله؛ أي: يخلق فيه الكفر والضلال لمباشرة الأسباب المؤدية إليه ﴿وَيَهْدِي﴾ ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايته؛ أي: يخلق فيه الإيمان والاهتداء لاستحقاقه له لما فيه من الإنابة والإقبال إلى الحق. وجملة قوله: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ﴾ استئناف إخبار، ولا يجوز نصبه عطفًا على ما قبله؛ لأن المعطوف كالمعطوف عليه في المعنى، والرسل أرسلت للبيان لا للإضلال. قال الزجاج: لو قرئ بنصبه على أن اللام لام العاقبة جاز. اهـ. "سمين". والخلاصة (٢): أي إن الناس فريقان: فريق هداه الله وأضاء نور قلبه وشرح صدره للإسلام، فاتبع سبيل الرشاد، وفريق رانت على قلبه الغواية والضلالة بما اجترح من الآثام، وأوغل فيه من المعاصي والذنوب، وذلك كله بتقديره تعالى ومشيئته، لا راد لقضائه ولا دافع لحكمه. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب على كل شيء، فلا يغالب في مشيئته ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه الذي لا يفعل شيئًا من الإضلال والهداية إلا لحكمة بالغة، فلا يفعل إلا ما تقتضيه السنن العامة في خلقه والنواميس التي وضعها لصلاح

стр. 6279

حال عباده وضلالهم ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾. وفيه (١) أن ما فوض إلى الرسل إنما هو تبليغ الرسالة، وتبيين طريق الحق، وأما الهداية والإرشاد إليه فذلك بيد الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ٥ - ثم لما بين أن المقصود من بعثة نبينا محمد ﷺ هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور .. أراد أن يبين أن الغرض من إرسال الأنبياء لم يكن إلا ذلك. وخصّ موسى (٢) بالذكر؛ لأن أمته أكثر الأمم المتقدمة على هذه الأمة المحمدية، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: وكما أرسلناك أيها الرسول وأنزلنا عليك الكتاب؛ لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، وعزتي وجلالي لقد أرسلنا موسى بن عمران إلى بني إسرائيل، وأيدناه بآياتنا التسع التي سلف ذكرها في سورة الأعراف في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ﴾ الآية. وأمرناه بـ ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: وأمرناه بأن يدعو قومه إلى الإيمان بالله وتوحيده؛ ليخرجوا من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهدى والإيمان. وقال أبو السعود (٣): الآيات معجزاته التي أظهرها لبني إسرائيل، والمراد: إخراجهم بعد مهلك فرعون من الكفر والجهالات التي أدتهم إلى أن يقولوا: يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة إلى الإيمان باللهِ وتوحيده وسائر ما أمروا به انتهى. ولما (٤) كان نبينا محمد ﷺ مبعوثًا إلى الناس كافة .. قال تعالى في حقه: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾ ولم يقل: لتخرج قومك كما قال في موسى ﵇ أن أخرج قومك وخصص. وقال هنالك: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ وطواه هنا؛ لأن الإخراج بالفعل قد تحقق في دعوته ﷺ ، فكانت أمته أمة دعوة واجابة، ولم يتحقق في دعوة موسى، إذ لم يجبه القبط إلى أن هلكوا، وإن أجابه بنو إسرائيل، والعمدة في رسالته كان القبط. ﴿و﴾ أمرناه بأن ﴿وَذَكِّرْهُمْ﴾؛ أي: ذكر قومك وعظهم مرغِّبًا لهم في ثواب

стр. 6280

الله بتذكيرهم ﴿بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾؛ أي: بنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمن بالرسل في الأمم السابقة؛ ليكون في ذلك حافزًا لهم على العمل، ويكون لهم بمن سلف أسوة، وذكرهم وعظهم مخوفًا لهم بتذكيرهم بأس الله وعذابه وانتقامه ممن كذب الرسل من الأمم الغابرة كعاد وثمود؛ ليكون لهم في ذلك مزدجر، وليحذروا أن يحل بهم مثل ما حل بهم. والمعنى: عظهم بالترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وأيام الله (١) في جانب موسى ﵇، منها ما كان محنة وبلاء، وهي الأيام التي كان فيها بنو إسرائيل تحت قهر فرعون واستعباده، ومنها ما كانت نعمة كإنجائهم من عدوهم وفلق البحر لهم، وإنزاله المنّ والسلوى عليهم. وفي "تفسير ابن جرير": ﴿بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾؛ أي: بأنواع عقوباته الفائضة، ونعمه الباطنة التي أفاضها على القرون السالفة واللاحقة، فمن أحاط علمه بذلك عظم خوفه اهـ. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ التذكير بأيام الله، أو في نفس أيام الله ﴿لَآيَاتٍ﴾ عظيمة أو كثيرة؛ أي: لدلائل دالة على وحدانية الله تعالى وقدرته ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾؛ أي: كثير الصبر على المحن والبلايا ﴿شَكُورٍ﴾؛ أي: كثير الشكر على المنح والعطايا؛ لأنه (٢) إذا سمع بما نزل على من قبله من النبلاء وأفيض عليهم من النعماء اعتبر وتنبه لما يجب عليه من الصبر والشكر. اهـ. "بيضاوي". كأنه (٣) قال: لكل مؤمن كامل؛ إذ الإيمان نصفان: نصفه صبر، ونصفه شكر، وتخصيص الآيات بهم؛ لأنهم المنتفعون بها، لا لأنها خافية عن غيرهم، فإن التبيين حاصل بالنسبة إلى الكل، وتقديم الصبر لكون الشكر عاقبته. وعبارة "الكرخي": وتقديم الصبار على الشكور؛ لتقدم متعلق الصبر، أعني: البلاء على متعلق الشكر، أعني: النعماء وكون الشكر عاقبة الصبر. اهـ.

стр. 6281

قال قتادة: نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "إن أمر المؤمن كله عجب لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا، إن أصابته ضبراء صبر، فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر؛ فكان خيرًا له". وفي هذا (١) إيماء إلى أن الإنسان في هذه الحياة يجب أن يكون بين صبر وشكر أبدًا؛ لأنه: إما في مكروه يصبر عليه، وإما في محبوب يشكر عليه، والوقت في هذه الحياة ذهب، فمتى ضاع من حياتنا زمن دون عمل نسدي فيه خدمة لأنفسنا ولديننا ووطننا، فقد كفرنا النعمة وأضعنا الفرصة، ولم نعتبر بما حل بمن قبلنا من الأمم الغابرة، فليحذر كل امرئ أن يضيع حياته بلا عمل، وليخف على وقت يضيع، ثم بعده عذاب سريع. ٦ - ولما سمع موسى أمر ربه امتثله، وأخذ يذكر قومه بأيام الله كما حكى الله عنه، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾؛ أي: واذكر يا محمد لقومك قصة إذ قال موسى لقومه بني إسرائيل: يا قوم ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: تذكروا إنعام الله عليكم ﴿إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: وقت إنجائه إياكم من فرعون وآله؛ أي: قومه حين كانوا ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: يذيقونكم أشد العذاب، ويكلفونكم من الأعمال ما لا يطاق مع القهر والإذلال ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ تذبيحًا كثيرًا ﴿أَبْنَاءَكُمْ﴾ المولودين صغارًا ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾؛ أي: ويبقون نسائكم وبناتكم في الحياة ذليلات في الخدمة مستضعفات فيها، وهذا رزء من أشد الأرزاء، وأعظم أنواع البلاء. قال شاعرهم: وَمِنْ أعْظَمِ الرُّزْءِ فِيْمَا أرَى ... بقَاَءُ الْبَنَاتِ وَمَوْتُ الْبَنِيْنَا وفي الكرخي: فإن قيل (٢): استحياء النساء كيف يكون ابتلاء؟ قلنا: كانوا يستخدمونهن بالاستعباد والإرقاق، ويفردونهن عن الأزواج،

стр. 6282

وذلك من أعظم المضار والابتلاء؛ إذ الهلاك أسهل من هذا. اهـ. وقوله: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ من عطف (١) الخاص على العام؛ كأن التذبيح لشدته وفظاعته وخروجه عن مرتبة العذاب المعتاد جنس آخر، ولو جاء بحذف الواو كما في البقرة والأعراف .. لكان تفسيرًا للعذاب، وبيانًا له، وإنما فعلوا ذلك؛ لأن فرعون رأى في المنام أن نارًا أقبلت من نحو بيت المقدس، فأحرقت بيوت القبط دون بيوت بني إسرائيل، فخوفه الكهنة، وقالوا له: إنه سيولد منهم ولد يكون على يده هلاكك وزوال ملكك، فشمر عن ساق الاجتهاد، وحسر من ساق العناد، وأراد أن يدفع القضاء وظهوره، ويأبى الله إلا أن يتم نوره. فإن قلت (٢): قال في سورة البقرة ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ بغير واو، وقال هنا: ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ بزيادة واو، فما الفرق بين الوضعين؟ قلتُ: إنما حذفت الواو في سورة البقرة؛ لأن قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ تفسير لقوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو، كما تقول: جاءني القوم زيد وعمرو إذا أردت تفسير القوم، وأما دخول الواو هنا في هذه السورة؛ فلأن آل فرعون كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب غير التذبيح كالأعمال الشاقة وبالتذبيح أيضًا، فقوله: ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ نوع آخر من العذاب، لا أنه تفسير للعذاب. ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ المذكور من أفعالهم الفظيعة ﴿بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾؛ أي: محنة عظيمة لا تطاق واقعة من ربكم. فإن قلت: كيف يكون فعل أن فرعون بلاء من ربهم؟ قلتُ: تمكينهم وإمهالهم حتى فعلوا بهم ما فعلوا بلاء من الله تعالى واختبار منه، ويجوز أن تكون الإشارة إلى الإنجاء، والمراد بالبلاء حينئذ: النعمة؛ لأن الابتلاء كما يكون بالنقمة يكون بالنعمة، كما قال: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ

стр. 6283

لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ والمعنى حينئذٍ: وفي ذلكم الإنجاء نعمة عظيمة واقعة لكم من ربكم. وقرأ ابن محيصن (١): ﴿وَيَذْبَحُونَ﴾ بالتخفيف مضارع ذبح الثلاثي. وقرأ زيد بن علي كذلك إلا أنه حذف الواو. ٧ - وقوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ من كلام موسى معطوف على ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾؛ أي: واذكر يا محمد لقومك قصة إذ قال موسى لقومه: تذكروا إنعام الله عليكم، واذكروا يا بني إسرائيل حين آذنكم ربكم وأعلمكم بوعده إعلامًا بليغًا، فقال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لئن شكرتم ما خولتكم من نعمة الإنجاء وغيرها من النعم بالإيمان الخالص والعمل الصالح بطاعتي فيما آمركم به وأنهاكم عنه .. لأزيدنكم من نعمي عليكم نعمةً إلى نعمة، ولأضاعفن لكم ما آتيتكم. قيل: شكر الموجود صيد المفقود. وقيل: لئن شكرتم بالطاعة لأزيدنكم في الثواب. وأصل الشكر (٢): تصور النعمة وإظهارها، وحقيقته الاعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه، وتوطين النفس على هذه الطريقة. وقد دلت التجارب أن العضو الذي يناط به عمل، كلما مرن عليه ازداد قوة (٣)، وإذا عطل عن العمل ضمر وضعف، وهكذا النعم إن استعملت فيما خلقت له بقيت، وإن أهملت ذهبت. أخرج البخاري في "تاريخه": والضياء في "المختارة": عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من ألهم خمسة لم يحرم خمسة" وفيها، "من ألهم الشكر لم يحرم الزيادة". والخلاصة: أن من شكر الله على ما رزقه .. وسع عليه في رزقه، ومن شكره على ما أقدره عليه من طاعته .. زاد في طاعته، ومن شكره على ما أنعم عليه من صحة .. زاده الله صحة إلى نحو أولئك من النعم. ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ نعمي وجحدتموها، فلم تقوموا بواجب حقها عليكم من شكر المنعم بها،

стр. 6284

وقابلتموها بالنسيان والكفران، والجواب محذوف تقديره: لأعذبنكم على ذلك الكفران، ويكون قوله: ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ تعليلًا للجواب المحذوف، وإنما (١) حذف الجواب هنا وصرح به في جانب الوعد؛ لأن من عادة الكرام التصريح بالوعد والتعريض بالوعيد، فما ظنك بأكرم الأكرمين حيث لم يقل: إن عذابي لكم؛ أي: إن عذابي لشديد بحرمانكم منها، وسلبكم ثمراتها في الدنيا والآخرة، فتعذبون في الدنيا بزوالها، وفي الآخرة بعذاب لا قبل لكم به. وفي الحديث: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه". ٨ - ثم بين أن منافع الشكران ومضار الكفران لا تعود إلا إلى الشاكر أو الكافر بتلك النعم، أما المعبود المشكور فهو متعالٍ عن أن ينتفع بالشكر، أو يضره الكفر، فلا جرم قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا﴾ نعمه تعالى ولم تشكروها ﴿أنْتُمْ﴾ يا بني إسرائيل ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ من الثقلين ﴿جَمِيعًا﴾ حال من المعطوف والمعطوف عليه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ تعليل للجواب المحذوف؛ أي: إن تكفروا لم يرجع وباله إلا عليكم، فإن الله تعالى ﴿لَغَنِيٌّ﴾ عن شكركم وشكر غيركم ﴿حَمِيدٌ﴾؛ أي: محمود في ذاته وصفاته وأفعاله لا تفاوت له بإيمان أحد ولا كفره، وإن لم يحمده أحد، بل كل ذرة من ذرات العالم ناطقة بحمده. والمعنى (٢): أي وإن تجحدوا نعمة الله التي أنعمها عليكم ويفعل مثل فعلكم من في الأرض جميعًا، فما أضررتم بالكفر إلا أنفسكم إذ حرمتموها من مزيد الإنعام، وعرضتموها للعذاب الشديد، وإن الله غنيٌ عن شكركم وشكر غيركم، وهو المحمود وإن كفر به من كفر، وهذا كقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ .. الآية، وقوله: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. وقد يكون موسى قال هذه المقالة حين عاين منهم دلائل العناد ومخايل الإصرار على الكفر والفساد، وتيقن أنه لا ينفعهم الترغيب، ولا التعريض

стр. 6285

بالترهيب. وفي خطابه لهم تحقير لشأنهم، وتعظيم لله تعالى، وكذلك في ذكر هاتين الصفتين. وقرأ ابن مسعود: ﴿وإذ قال ربكم﴾ كأنه فسر قوله: تأذن؛ لأنه بمعنى: أذن؛ أي: أعلم، وأعلم يكون بالقول. ٩ - والاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ للتقرير المضمن للتوبيخ، والخطاب فيه يحتمل أن يكون من موسى لقومه تذكيرًا لم بالقرون الأولى وأخبارهم ومجيء رسل الله إليهم، ويحتمل أنه ابتداء خطاب من الله سبحانه لقوم محمد ﷺ تحذيرًا لهم عن مخالفته، والنبأ: الخبر العظيم الشأن. وقوله: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ بدل من الموصول، أو عطف بيان منه ﴿وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ معطوفات على ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾؛ أي: ألم يأتكم يا بني إسرائيل، بل أتاكم أخبار الأمم الذين من قبلكم؛ أي: ألم يأتكم قوم نوح أغرقوا بالطوفان حيث كفروا ولم يشكروا نعم الله، وخبر عاد قوم هود أهلكوا بالريح الصرصر، وخبر ثمود قوم صالح أهلكوا بالصيحة، وخبر الذين من بعدهم؛ أي: من بعد هؤلاء المذكورين من قوم إبراهيم وأصحاب مدين، والمؤتفكات وغير ذلك. وجملة قوله: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ معترضة بين المفسر بفتح السين: وهو ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وتفسيره: وهو ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾، أو حال من ﴿الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، أو من الضمير المستكن في ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ لوقوعه صلة؛ أي: حالة كون تلك الأمم لا يعلم عددهم لكثرتهم، ولا يحيط بذواتهم وصفاتهم وأسمائهم وسائر ما يتعلق بهم إلا الله ، فإنه انقطعت أخبارهم وعفت آثارهم. وكان مالك بن أنس يكره أن ينسب الإنسان نفسه أبًا أبًا إلى آدم (١)، وكذا في حق النبي ﵇؛ لأن أولئك الآباء لا يعلمهم أحد إلا الله، وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون، يعني: أنهم يدعون علم الأنساب، وقد نفى الله علمها عن العباد. وجملة قوله: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ مستأنفة مسوقة لبيان النبأ المذكور في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ كأنه (٢) قيل: وما

стр. 6286

خبرهم؛ أي: ما قصتهم وما شأنهم، فقال: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾؛ أي: جاءت تلك الأمم المذكورة رسلهم بالمعجزات الظاهرة والبينات الباهرة، وبين كل رسول لأمته طريق الحق ودعاهم إليه؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾؛ أي: جعلت الأمم أيدي أنفسهم ﴿فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ ليعضوها غيظًا مما جاءت به الرسل؛ لنفرتهم عن استماع كلامم؛ إذ سفَّهوا أحلامهم وشتموا أصنامهم، وقد فعلت العرب مثل ذلك مع النبي ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾، أو المعنى (١): وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين إلى الرسل؛ أي: كفوا عن هذا الكلام واسكتوا. وقال أبو عبيدة والأخفش (٢): وَنِعَمَّا قالا: "هو مثلٌ، والمراد: أنهم لم يؤمنوا ولم يجيبوا، والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت: قد رد يده في فيه". ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: قال الكفار للرسل: ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ من البينات على زعمكم؛ أي: إنا كفرنا بما زعمتم أن الله تعالى أرسلكم به من البينات التي أظهرتموها حجة على صحة رسالتكم، وإنما يقصدون من الكفر بها الكفر بدلالتها على صدق رسالتهم ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ﴾؛ أي: وإننا لكائنون في شك عظيم ﴿مِمَّا تَدْعُونَنَا﴾؛ أي: في حقيَّة ما تدعوننا إليه من الإيمان باللهِ وحده وترك ما سواه، وجملة ما جئتم به من الشرائع. ﴿مُرِيبٍ﴾؛ أي: موجب للريب والقلق والاضطراب وعدم طمأنينة النفس، فـ ﴿مُرِيبٍ﴾ صفة توكيدية. وخلاصة مقالهم: أنهم جاحدون نبوتهم قاطعون بعدم صحتها، لأن ما جاؤوا به من التعاليم والشرائع مما يشك في صدقه، وأن الله سبحانه يدعو إلى مثله. فإن قلت (٣): إنهم قالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم، فكيف يقولون ثانيًا: وإنا لفي شك، والشك دون الكفر، أو داخل فيه؟ قلتُ: إنهم لما صرحوا بكفرهم بالرسل، فكأنهم حصل لهم شبهة توجب

стр. 6287

لهم الشك، فقالوا: إن لم ندع الجزم في كفرنا، فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في ذلك. أو يقال في الجواب (١): إنهم كانوا فرقتين: إحداهما جزمت بالكفر، والأخرى شكت، أو يقال: المراد بقولهم إنا كفرنا بما أرسلتم به؛ أي: المعجزات والبينات، وقولهم: مما تدعوننا إليه: الإيمان والتوحيد. وحاصله: أن كفرهم بالمعجزات وشكهم في التوحيد، فلا تخالف. اهـ. شيخنا. وقرأ طلحة (٢): ﴿مِمَّا تَدْعُونَنَا﴾ بإدغام نون الرفع في الضمير، كما تدغم في نون الوقاية في مثل ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾. ١٠ - فردت الرسل عليهم منكرين متعجبين من تلك المقالة الحمقاء، كما أشار إلى ذلك سبحانه بقوله: ﴿قَالَتْ﴾ لهم ﴿رُسُلُهُمْ أَفِي﴾ وجود ﴿اللهِ﴾ ووحدانيته ﴿شَكٌّ﴾ وريب، وكيف يتصور ذلك لا شك في وجوده ووحدانيته؛ لأن الفطرة شاهدة بوجوده ومجبولة على الإقرار به، فالاعتراف به ضروري لدى كل ذي رأي حصيف كما جاء في الحديث: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". وهذه الجملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قالت لهم الرسل؟ والاستفهام فيه للإنكار المضمن للتوبيخ والتقريع؛ أي: أفي وحدانيته سبحانه شك، وهي في غاية الوضوح والجلاء، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى النظر في الأدلة الموصلة إلى ذلك، ومن ثم ذكرت الرسل بعد إنكارهم على الكفار ما يؤكد ذلك الإنكار من الشواهد الدالة على عدم الشك في وجوده ووحدانيته، فقالوا: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: خالقهما ومخترعهما ومبدعهما وموجدهما بعد العدم؛ أي: هو سبحانه الذي خلقهما وأبدعهما على غير مثال سابق، ودلائل الحدوث ظاهرة عليهما، فلا بد لهما من صانع وهو الله الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء وإلهه

стр. 6288

ومليكه، وقد جاء هذا الوصف في محاورات الأنبياء جميعًا، وهو نفس الوصف الذي جاء في أول السورة على لسان نبينا ﷺ ، ومن هذا يعلم أن كل نبي جعل مطمح نظره توجه النفوس إلى علوم السماوات والأرض. وقرأ زيد بن علي (١): ﴿فَاطِرِ﴾ نصبًا على المدح. ولما أقاموا الدليل على وجوده وصفوه بكمال الرحمة بقولهم: ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ إلى الإيمان به وتوحيده بإرساله إيانا لنخرجكم من ظلمات الوثنية إلى نور الوحدانية وإخلاص العبادة له، وهو الواحد القهار ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾؛ أي: ليغفر لكم ذنوبكم إذا آمنتم وصدقتم. فحرف ﴿من﴾ صلة، وقيل: إنها ليست صلة، بل هي تبعيضية؛ أي: يدعوكم إلى الإيمان؛ لمغفرة بعض ذنوبكم، وهي الذنوب التي بينكم وبين ربكم من الكفر والمعاصي، لا المظالم وحقوق العباد. والمتتبع لأسلوب الكتاب الكريم (٢)، يرى أن كل موضعٍ ذكر فيه مغفرة الذنوب للكافرين جاء بلفظ ﴿من﴾، كقوله: ﴿وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾، وقوله: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾؛ لأنه يخاطبهم في أمر الإيمان وحده. وفي المواضع التي يذكر فيها مغفرة الذنوب للمؤمنين تجيء بدون ذكر ﴿مِنْ﴾، كقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾؛ لأن المغفرة منصرفة إلى المعاصي ومتوجهة إليها. ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ﴾؛ أي: يؤخر موتكم ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: إلى وقت معين عند الله تعالى؛ أي: إلى وقت سماه الله وجعله منتهى أعماركم إن أنتم آمنتم به، وإلا عاجلكم بالهلاك وعذاب الاستئصال جزاء كفرانكم بدعوة الرسل إلى التوحيد، وإخلاص العبادة للواحد القهار. ثم حكى الله سبحانه رد الأمم على مقالة الرسل، وهو يتضمن ثلاثة أشياء: ١ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالت الأمم مجيبين للرسل ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾؛ أي: ما أنتم

стр. 6289

في الصورة والهيئات ﴿إِلَّا بَشَرٌ﴾ آدميون ﴿مِثْلُنَا﴾ تأكلون وتشربون كما نأكل ونشرب، فلا فضل لكم علينا، فلم خصصتم بالنبوة وأطلعكم الله على الغيب، وجعلكم مخالطين لزمرة الملائكة دوننا إلى أنه لو كان الأمر كما تدعون .. لوجب أن تخالفونا في الحاجة إلى الأكل والثرب وقربان النساء وما شاكل ذلك، ولو شاء الله أن يرسل إلى البشر رسلًا .. لأرسل من جنس أفضل منهم، وهم الملائكة على زعمهم من حيث عدم التدنس بالشهوات وما يتبعها. ٢ - ﴿تُرِيدُونَ﴾ أيها المدعون بالرسالة ﴿أَنْ تَصُدُّونَا﴾؛ أي: أن تصرفونا بتخصيص العبادة باللهِ ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾؛ أي: عن عباد ما استمر آباؤنا على عبادته؛ وهو الأصنام من غير شيء يوجبه لا حجة لكم على ما تدعون، وليس من حصافة العقل أن تترك أمرًا قبل أن يقوم الدليل على خطئه. وقرأ طلحة شاذًا (١): ﴿أَنْ تَصُدُّونَا﴾ بتشديد النون جعل أن هي المخففة من الثقيلة، وقدر فصلا بينها وبين الفعل، وكان الأصل أنه تصدوننا، فأدغم نون الرفع في الضمير، والأولى أن تكون أن الثنائية التي تنصب المضارع، ولكنه هنا لم يعملها، بل ألغاها كما ألغاها من قرأ شذوذًا أيضًا: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ برفع ﴿يتم﴾ حملًا على ﴿ما﴾ المصدرية أختها. ﴿فَأْتُونَا﴾ أي: إن لم يكن (٢) الأمر كما قلنا، بل كنتم رسلًا من جهة الله كما تدعونه فأتونا ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: ببرهان ظاهر وحجة واضحة تدل على صدقكم وفضلكم، واستحقاقكم لتلك الرتبة حتى نترك ما لم نزل نعبده أبًا عن جد، كأنهم لم يعتبروا ما جاءت به رسلهم من الحجج والبينات، واقترحوا عليهم آية أخرى تعنتًا ولجاجًا. فكأنهم قالوا: أما ذكر السماوات والأرض وعجائبهما (٣)، فلسنا نحفل بهما، والعجائب الأرضية والسماوية لا نعقلها، والبشر لا يخضعون إلا لمن يأتي

стр. 6290

لهم بما هو خارج عن طور معتادهم، وحينئذ يعظمونه ويبجلونه، وهذه المشاهدات لا نرى فيها شيئًا خارقًا للعادة، وإذًا فلا إيمان ولا تسليم إلا بما هو فوق طاقتنا كقلب العصا حية، ونقل الجبال وما أشبه ذلك. ١١ - وبعد أن حكى عن الكفار شبهاتهم في الطعن في النبوة .. حكى عن الأنبياء جوابهم عنها، فأجابوا عن الأولى والثانية بالتسليم، لكن التماثل لا يمنع من اختصاص بعض البشر بمنصب النبوة؛ لأن هذا منصب يمنُّ الله به على من يشاء من عباده، كما لا يمنع من أن يخص بعض عباده بالتمييز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، وأن يحرم الجمع العظيم منه، وهذا ما أشار إليه بقوله: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ زاد (١) لفظ ﴿لَهُمْ﴾ هنا لاختصاص الكلام بهم حيث أريد إلزامهم بخلاف ما سلف من إنكار وقوع الشك في الله، فإن ذلك عام، وإن اختص بهم ما يعقبه؛ أي: قالوا لهم معترفين بالبشرية ومشيرين إلى منة الله عليهم ﴿إِنْ نَحْنُ﴾؛ أي: ما نحن ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾؛ أي: إلا آدميون مثلكم كما تقولون لا ننكره ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه تعالى ﴿يَمُنُّ﴾؛ أي: يتفضل بالنبوة والوحي ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ويصطفي من يشاء منهم لهذا المنصب العظيم الشريف. وفيه (٢) دلالة على أن النبوة عطائية كالسلطنة، لا كسبية كالولاية والوزارة. وأجابوا عن الشبهة الثالثة بأن ما جئنا به حجة قاطعة وبينة ظاهرة على صدق رسالتنا، وما اقترحتموه من الآيات، فأمره إلى الله إن شاء أظهره، وهو زائد على قدر الكفاية، وذلك ما أومؤوا إليه بقولهم: ﴿وَمَا كَانَ﴾؛ أي: وما صح وما استقام ﴿لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ﴾؛ أي: بحجة من الحجج فضلًا عن السلطان البين، ولا بشيء من الأشياء، ولا سبب من الأسباب ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ومشيئته وإرادته، فإنه أمر يتعلق بمشيئة الله تعالى إن شاء كان، وإلا فلا، تلخيصه إنما نحن عبيد مربوبون، وليس ذلك في قدرتنا.

стр. 6291

والخلاصة (١): أي وليس لنا مع ما خصنا الله به من النبوة وشرفنا به من الرسالة أن نأتيكم بآية وبرهان ومعجزة تدل على صدقنا إلا بإذن الله به لنا في ذلك. وبعد (٢) أن أجابهم الأنبياء عن شبهاتهم أخذ المشركون يخوفونهم ويتوعدونهم بالانتقام منهم وإيذائهم قدر ما يستطيعون، فقال لهم الأنبياء: إنا لا نخاف تهديدكم ولا وعيدكم، بل نتوكل على الله ونعتمد عليه، ولا نقيم لما تقولون وزنًا، ولا نابه به، وهذا ما إشار إليه سبحانه بقوله حكاية عنهم: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ وحده دون ما عداه مطلقًا ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ في دفع شرور أعدائهم عنهم، وفي الصبر على معاداتهم؛ أي: وحق المؤمنين أن لا يتوكلوا على غير الله تعالى، فلنتوكل على الله في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم. وقرأ الحسن شذوذًا بكسر لام الأمر في قوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ وهو الأصل ذكره في "البحر". وهذا أمر (٣) منهم للمؤمنين بالتوكل على الله دون ما عداه، وكأن الرسل قصدوا بهذا الأمر للمؤمنين الأمر لهم أنفسهم قصدًا أوليًّا، ١٢ - ولهذا قالوا: ﴿وَمَا لَنَا﴾؛ أي: وأي عذر ثبت لنا في ﴿أَلَّا نَتَوَكَّلَ﴾ ونعتمد ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ في دفع شروركم عنا ﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾؛ أي: والحال أنه تعالى أرشد كلا منا سبيله ومنهاجه الذي شرع له وأوجب عليه سلوكه في الدين، وهو موجب للتوكل عليه ومستدع له. وقرأ الجمهور: ﴿سُبُلَنَا﴾ بضم السين والباء وقرأ أبو عمرو بسكون الباء. والمعنى: أي: وكيف لا نتوكل على الله وقد هدانا إلى سبل المعرفة، وأوجب علينا سلوك طريقها، وأرشدنا إلى طريق النجاة، ومن أنعم الله عليه بنعمة فليشكره عليها بالعمل بها. ولمَّا كانت أذية الكفار مما يوجب الاضطراب القادح في التوكل .. قالوا على سبيل التوكيد القسمين مظهرين لكمال العزيمة ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ﴾؛ أي: ونقسم لكم بالله تعالى لنصبرن ﴿عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ في أبداننا وأعراضنا، أو بالتكذيب، ورد الدعوة والإعراض عن الله والعناد واقتراح الآيات وغير ذلك مما لا خير فيه،

стр. 6292

وهو جواب قسم محذوف. والمعنى: أي: ولنصبرن على إيذائكم بالعناد واقتراح الآيات ونحو ذلك مما لا خير فيه، وندعوكم لعبادة الله وحده؛ ليكون ذلك منا شكرًا على نعمة الهداية. ثم ختموا كلامهم بمدح التوكل، وبيان أن إيذائهم لا يثنيهم عن تبليغ رسالة ربهم، فقالوا: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: والتوكل على الله والاعتماد عليه، لا على غيره ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾؛ أي: فليثبت المتوكلون وليدوموا على التوكل عليه، وليحتملوا كل أذى في جهادهم، ولا يبالوا بما يصيبهم من أذى، ولا بما يلاقون من صعاب وعقبات. قال ابن الجوزي: وإنما نص هذا وأمثاله على نبينا ﷺ ، ليقتدي بمن قبله في الصبر، وليعلم ما جرى لهم. اهـ. ومن عنده (١) مال أو علم فلينفع به الناس، وليكن كالنهر يسقي الزرع، والشمس تضيء العباد، وليصبر على أذى الناس كما صبر الأنبياء وأوذوا، فالهداة ما خلقوا إلا ليعملوا، فهم هداة بطباعهم، ولذاتهم في قلوبهم، ومنهم تنتقل إلى الناس. فإن قلت (٢): كيف كرر الأمر بالتوكل، وهل من فرق بين التوكلين؟ قلت: نعم، التوكل الأول فيه إشارة إلى استحداث التوكل، والتوكل الثاني فيه إشارة إلى السعي في التثبت على ما استحدثوا من توكلهم وإبقائه وإدامته، فحصل الفرق بين التوكلين. والمعنى (٣): فليثبت المتوكلون على ما أحدثوه من التوكل المسبب عن الإيمان، فالأول لإحداث التوكل، والثاني للثبات عليه، فلا تكرار. وقيل معنى الأول: إن الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله سبحانه لا علينا، فإن شاء سبحانه أظهرها، وإن شاء لم يظهرها، ومعنى الثاني: إبداء التوكل على الله في دفع شر الكفار وسفاهتهم. اهـ. "شوكاني". والتوكل تفويض الأمر إلى من يملك الأمور كلها، وقالوا: المتوكل من إن

стр. 6293

دهمه أمر لم يحاول دفعه عن نفسه بما هو معصية، فعلى هذا إذا وقع الإنسان من شدة، ثم سأل غيره خلاصه لم يخرج عن حدّ التوكل؛ لأنه لم يحاول دفع ما نزل به عن نفسه بمعصية الله تعالى. فائدة: ومن لطائف هذه الآية الكريمة (١): ما روى المستغفري عن أبي ذر رفعه "إذا آذاك البرغوث فخذ قدحًا من ماء، واقرأ عليه سبع مرات: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ ...﴾ الآية، ثم قل: إن كنتم مؤمنين فكفوا شركم وأذاكم عنا سبع مرات على الماء، ثم رشه حول فراشك، فإنك تبيت آمنًا من شرهم". وقال بعضهم: إن مما أخذ الله على الكلب إذا قرئ عليه: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ لم يؤذ، ومما أخذ الله على العقرب أنه إذا قرئ عليها: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ لم تؤذ، وكذلك الحية. الإعراب ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾. ﴿الر﴾: على القول بأنه اسم للسورة: إما مبتدأ خبره محذوف تقديره: الر هذا محله، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا الر، أو مفعول لفعل محذوف تقديره: إقرأ الر، أو مفعول لاسم فعل محذوف تقديره: هاك الر؛ لأنه من قبيل أسماء التراجم، وإن قلنا: إنه من قبيل الأعداد المسرودة فلا محل له من الإعراب. ﴿كِتَابٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا القرآن الذي أنزل عليك يا محمد كتاب أنزلناه إليك، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿كِتَابٌ﴾. ﴿لِتُخْرِجَ﴾: (اللام): حرف جر وتعليل. ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره:

стр. 6294

لإخراجك الناس به، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿تُخْرِجَ﴾، وكذا قوله: ﴿إِلَى النُّورِ﴾: متعلق به ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُخْرِجَ﴾ أيضًا، أو متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿تُخْرِجَ﴾ تقديره: حالة كونك مأذونًا لك من ربهم. ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ﴾: جار ومجرور بدل من الجار والمجرور في قوله: ﴿إِلَى النُّورِ﴾. ﴿الْحَمِيدِ﴾: نعت لـ ﴿الْعَزِيزِ﴾. ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢)﴾. ﴿اللَّهِ﴾: بالجر: بدل من ﴿الْعَزِيزِ﴾ بدل كل من كل على القاعدة (١): إن نعت المعرفة إذا تقدم على المنعوت يعرب بحسب العوامل، ويعرب المنعوت بدلًا، أو عطف بيان، والأصل: إلى صراط الله العزيز الحميد .. الخ، فالصفات ثلاثة تقدم منها ثنتان، وبقيت الثالثة مؤخرة. اهـ. شيخنا. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الجر صفة للجلالة. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صلة الموصول. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها. ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿وَوَيْلٌ﴾: مبتدأ سوغ الابتداء به قصد الدعاء. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: خبره. ﴿مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾: في موضع رفع صفة لـ ﴿وَيْلٌ﴾ بعد الخبر، وهو جائز، ولا يجوز (٢) أن يتعلق بـ ﴿وَيْلٌ﴾ من أجل الفصل بينهما بالخبر. وقال أبو السعود: ﴿مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ تعلق بـ ﴿وَيْلٌ﴾ على معنى يولون ويضجون منه قائلين: يا ويلاه كقوله: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾. اهـ. كما مر، والجملة الاسمية جملة دعائية لا محل لها من الإعراب. ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾.

стр. 6295

﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر في محل (١) الجر صفة ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، أو في محل نصب بإضمار أعني، أو في موضع رفع بإضمارهم. وفي "الفتوحات" قوله: أو في محل جر صفة، هذا الإعراب معترض (٢)، لما فيه من الفصل بين النعت والمنعوت بأجنبي، وهو قوله: ﴿مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ الذي هو بيان للمبتدأ الأجنبي من الخبر، وعلى هذا الإعراب يكون قوله: ﴿أُولَئِكَ ...﴾ إلخ: مستأنفًا، والأولى أن يعرب ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ﴾ الخ مبتدأ ويكون قوله: ﴿أُولَئِكَ ...﴾ إلخ: خبره. اهـ. شيخنا. ﴿يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول صلة الموصول. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةَ﴾. ﴿عَلَى الْآخِرَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْتَحِبُّونَ﴾. ﴿وَيَصُدُّونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَسْتَحِبُّونَ﴾. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿وَيَبْغُونَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يَصُدُّونَ﴾. ﴿عِوَجًا﴾: حال من ضمير المفعول، كما في "أبي البقاء". ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿فِي ضَلَالٍ﴾: خبره. ﴿بَعِيدٍ﴾: صفة لـ ﴿ضَلَالٍ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾. ﴿وَمَا﴾: (الواو): استئنافية. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾: فعل وفاعل ومفعول، و ﴿مِنْ﴾: زائدة، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من ﴿رَسُولٍ﴾؛ أي: إلا حالة كونه متكلمًا بلغة قومه. ﴿لِيُبَيِّنَ﴾: (اللام): حرف جر وتعليل. ﴿يُبَيِّنَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَسُولٍ﴾، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾؛ أي: لتبيينه لهم. ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

стр. 6296

﴿فَيُضِلُّ﴾ (الفاء): استئنافية. ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: فيضل الله من يشاء إضلاله. وفي "الجمل" قوله: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ﴾ بالرفع هو استئناف (١) إخبار، ولا يجوز نصبه عطفًا على ﴿لِيُبَيِّنَ﴾؛ لأن المعطوف كالمعطوف عليه في المعنى، والرسل أرسلت للبيان لا للإضلال. قال الزجاج: لو قرئ بنصبه على أن اللام لام العاقبة .. جاز. اهـ. "سمين". وجملة قوله: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿الْحَكِيمُ﴾: خبر ثان، أو صفة لـ ﴿الْعَزِيزُ﴾. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾: (الواو): استئنافية. (اللام): موطئة للقسم. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿أَرْسَلْنَا مُوسَى﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جار ومجرور حال من ﴿مُوسَى﴾: أي حالة كونه متلبسًا بآياتنا، والجملة الفعلية جواب للقسم المحذوف، وجملة القسم مستأنفة. ﴿أَنْ﴾ مصدرية. ﴿أَخْرِجْ﴾: فعل أمر في محل نصب بـ ﴿أن﴾ المصدرية مبني على السكون، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾. ﴿قَوْمَكَ﴾: مفعول به. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: جاران ومجروران متعلقان بـ ﴿أَخْرِجْ﴾، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا بإخراج قومك من الظلمات، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، وهذه المقدرة للتعدية، والباء في بآياتنا للحال، فلا اتحاد في المعنى، ويجوز أن تكون ﴿أَنْ﴾ مفسرة؛ لأن الضابط موجود، وهو أن يتقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه، و ﴿أَرْسَلْنَا﴾ فيه معنى قلنا. ﴿وَذَكِّرْهُمْ﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿أَخْرِجْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾. ﴿بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿ذكر﴾. ﴿إِنَّ﴾:

стр. 6297

حرف نصب وتوكيد. ﴿فِي ذَلِكَ﴾: جار ومجرور خبرها مقدم على اسمها. ﴿لَآيَاتٍ﴾: (اللام): حرف ابتداء. ﴿آيَاتٍ﴾: اسمها مؤخر. ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿آيَاتٍ﴾. ﴿شَكُورٍ﴾: صفهَ ﴿صَبَّارٍ﴾: وجملة ﴿أَنْ﴾: مستأنفة. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. ﴿وَإِذْ﴾: (الواو) استئنافية. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره: واذكر يا محمد لقومك قصة إذ قال موسى لقومه، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿قَالَ مُوسَى﴾: فعل وفاعل. ﴿لِقَوْمِهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾؛ لأنه بمعنى إنعام الله عليكم، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى متعلق بـ ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ بالمعنى المذكور، أو بدل اشتمال منها كذلك اهـ. "بيضاوي". ﴿أَنْجَاكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَنْجَاكُمْ﴾. ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾. ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، أو حال من ضمير المخاطبين. ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل النصب معطوف على ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾: وكذا ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف أيضًا على ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾. ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿بَلَاءٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: صفة أولى لـ ﴿بَلَاءٌ﴾. ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة ثانية، والجملة الاسمية مستأنفة.

стр. 6298

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾. ﴿وَإِذْ﴾: (الواو): عاطفة. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان معطوف على ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾، والتقدير: واذكر إذ قال موسى لقومه: اذكروا نعمة الله عليكم، واذكروا إذ تأذن ربكم، أو معطوف على ﴿إِذْ أَنْجَاكُمْ﴾، تقديره: اذكروا نعمة الله عليكم حين أنجاكم وحين تأذن ربكم. ﴿تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجر مضاف إليه ﴿إذ﴾. ﴿لَئِنْ﴾: (اللام): موطئة للقسم. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿شَكَرْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾: (اللام): موطئة للقسم مؤكدة للأولى. ﴿أَزِيدَنَّكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول في محل الرفع؛ لتجرده عن الناصب والجازم مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: وإذ تأذن ربكم، وقال: لئن شكرتم .. الخ، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم تقديره: إن شكرتم أزدكم، وجملة الشرط معترضة لاعتراضها بين القسم وجوابه لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَئِنْ﴾: (الواو): عاطفة. (اللام): موطئة للقسم. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كَفَرْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، وجواب القسم محذوف دل عليه ما بعده تقديره: لأعذبنكم، وجملة القسم معطوفة على جملة القسم الأول على كونها مقولًا لقول محذوف، وجواب الشرط محذوف أيضًا تقديره: إن كفرتم أعذبكم، وجملة الشرط معترضة أيضًا. ﴿إِنَّ عَذَابِي﴾: ناصب واسمه. ﴿لَشَدِيدٌ﴾: خبره، واللام: حرف ابتداء، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لعليل الجواب المحذوف. ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾. ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ إلى الآخر: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾: جازم وفعل وفاعل. ﴿أَنْتُمْ﴾: تأكيد لضمير الفاعل؛ ليعطف عليه ما بعده. ﴿وَمَنْ﴾: اسم موصول في محل

стр. 6299

الرفع معطوف على فاعل ﴿تَكْفُرُوا﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور صلة الموصول. ﴿جَمِيعًا﴾: حال مؤكدة لكل من المعطوف والمعطوف عليه. ﴿فَإِنَّ﴾: (الفاء): رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية، ﴿إنا الله﴾: ناصب واسمه. ﴿لَغَنِيٌّ﴾: (اللام): حرف ابتداء، ﴿غَنِيٌّ﴾: خبره. ﴿حَمِيدٌ﴾: صفة ﴿غَنِيٌّ﴾، أو خبر بعد خبر، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾. ﴿أَلَمْ﴾: (الهمزة): للاستفهام التقريري. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ﴾: فعل ومفعول وفاعل ومضاف إليه مجزوم بـ ﴿لم﴾، والجملة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صلة الموصول. ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾: بدل من الموصول بدل تفصيل من مجمل. ﴿وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾: معطوفان على ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف أيضًا على ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: جار ومجرور صلته. ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ﴾: فعل ومفعول. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿الَّذِينَ﴾، أو من الضمير المستكن في ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ لوقوعه صلة. ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعل. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: حال من ﴿رُسُلُهُمْ﴾، والجملة الفعلية مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: وما خبرهم؛ أي: ما قصتهم وما شأنهم؟ فقيل: جاءتهم رسلهم .. إلخ، وهذه الجملة في المعنى تفسير لـ ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿جَاءَتْهُمْ﴾. ﴿فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿رَدُّوا﴾. ﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿رَدُّوا﴾. ﴿إِنَّا كَفَرْنَا﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿كَفَرْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول قال. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كَفَرْنَا﴾. ﴿أُرْسِلْتُمْ﴾: فعل ونائب فاعل.

стр. 6300

﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿وَإِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَفِي شَكٍّ﴾: (اللام): حرف ابتداء. ﴿فِي شَكٍّ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿شَكٍّ﴾. ﴿تَدْعُونَنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿مُرِيبٍ﴾: صفة لـ ﴿شَكٍّ﴾. ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا كأنه قيل: فماذا قالت لهم رسلهم؟ فأجيب بأنهم: قالوا .. الخ. ﴿أَفِي اللَّهِ﴾: (الهمزة): للاستفهام الإنكاري. ﴿فِي اللَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿شَكٌّ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول قال. وفي "السمين": يجوز في ﴿شَكٌّ﴾ وجهان: أظهرهما: أنه فاعل بالجار قبله، وجاز ذلك لاعتماده على الاستفهام. والثاني: أنه مبتدأ وخبره الجار والمجرور قبله، والأول أولى؛ لأنه يلزم على الثاني الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي، وهو المبتدأ بخلاف الأول، فإن الفاصل ليس أجنبيًّا؛ إذ هو فاعل، والفاعل كالجزء من رافعه. ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾: صفة للجلالة. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. ﴿يَدْعُوكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب حال من الجلالة. ﴿لِيَغْفِرَ﴾: (اللام): حرف جر وتعليل. ﴿يغفر﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿ذُنُوبِكُمْ﴾: مفعول به، والجملة في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل تقديره: لغفرانه لكم ذنوبكم. ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿يَغْفِرَ لَكُمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤَخِّرَكُمْ﴾. ﴿مُسَمًّى﴾: صفة لـ ﴿أَجَلٍ﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت:

стр. 6301

﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿بَشَرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿مِثْلُنَا﴾: صفة لـ ﴿بَشَرٌ﴾؛ لأنه بمعنى مماثل لنا، والإضافة فيه لا تفيد التعريف؛ لأنه من الأسماء المتوغلة، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قَالُوا﴾. ﴿تُرِيدُونَ﴾: فعل وفاعل والجملة صفة ثانية لـ ﴿بَشَرٌ﴾، أو مستأنفة. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَصُدُّونَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، وعلامة نصبه حذف النون: والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: تريدون صدنا. ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَصُدُّون﴾. ﴿كَانَ﴾: زائدة. ﴿يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾: فعل وفاعل والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: عما كان يعبده آباؤنا ﴿فَأْتُونَا﴾: الفاء: رابطة لجواب شرط محذوف تقديره: إن كنتم رسلًا من عند الله كما تدعون. ﴿أْتُونَا﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بإن الشرطية على كونا جوابًا لها. ﴿بِسُلْطَانٍ﴾: متعلق به. ﴿مُبِينٍ﴾: صفة لـ ﴿سُلْطَانٍ﴾، وجملة الشرط المحذوف في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. ﴿قَالَتْ﴾ فعل ماضٍ. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به. ﴿رُسُلُهُمْ﴾: فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَتْ﴾: وإن شئت قلت: ﴿إن﴾: نافية. ﴿نَحْنُ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿بَشَرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿مِثْلُكُمْ﴾: صفة لـ ﴿بَشَرٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ (الواو): عاطفة ﴿لَكِنَّ﴾: حرف نصب واستدراك. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿يَمُنُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿عَلَى مَنْ﴾: جار ومجرور متعلق به، وجملة ﴿يَمُنُّ﴾: في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾ وجملة ﴿لَكِنَّ﴾: في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير على يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: على من يشاءه. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المحذوف.

стр. 6302

﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَمَا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿لَنَا﴾: جار ومجرور خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم على اسمها. ﴿أَنْ نَأْتِيَكُمْ﴾: ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الرسل. ﴿بِسُلْطَانٍ﴾: متعلق به، والجملة في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿كَانَ﴾ تقديره: وما كان الإتيان إياكم بلسطان كائنًا لنا، وجملة ﴿كَانَ﴾ معطوفة على ما قبلها على كونها مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿بِإِذْنِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من فاعل ﴿نَأْتِيَكُمْ﴾ تقديره: وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا حالة كوننا ملتبسين بإذن الله. ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بما بعده. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ (الفاء): زائدة، أو فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ما قلنا لكم، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم .. فنقول لكم ﴿ليَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، (اللام): لام الأمر. ﴿يتوكل المؤمنون﴾: فعل وفاعل مجزوم بلام الأمر، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾. ﴿وَمَا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿ما﴾: استفهامية للاستفهام الإنكاري في محل الرفع مبتدأ. ﴿لَنَا﴾: جار ومجرور خبره، والجملة معطوفة على الجمل التي قبلها على كونها مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿لا﴾: نافية. ﴿نَتَوَكَّلَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾، وفاعله ضمير يعود على الرسل. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: في عدم توكلنا على الله، الجار والمجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر. ﴿وَقَدْ﴾: (الواو): حالية. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿هَدَانَا سُبُلَنَا﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة في محل النصب حال من الجلالة؛ أي: حالة كونه هاديًا إيانا سبلنا، ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ﴾: (الواو): عاطفة. (اللام): موطئة للقسم. ﴿نَصْبِرَنَّ﴾: فعل مضارع مبني على

стр. 6303

الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الرسل، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم معطوفة على ما قبلها على كونها مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿عَلَى﴾: حرف جر. ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿آذَيْتُمُونَا﴾: فعل وفاعل ومفعول والجملة الفعلية مع ﴿مَا﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿عَلَى﴾ تقديره: على إيذائكم إيانا، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نَصْبِرَنَّ﴾. ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بما بعده. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾: فعل وفاعل، و (الفاء): زائدة، و (اللام): لام الأمر، أو (الفاء): فاء الفصيحة، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ الضلالات، والنور: الهدى، فعبر عن الجهل والكفر والضلال بالظلمات: وهي صيغة جمع، وعبر عن الإيمان والهدى بالنور: وهو لفظ مفرد، وذلك يدل على أن طرق الكفر والجهل كثيرة، وأما طرق العلم والإيمان فليس إلا واحدًا. اهـ. "خازن". ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: بتيسيره وتوفيقه. ﴿الْعَزِيزِ﴾ الغالب الذي لا يغالب. ﴿الْحَمِيدِ﴾ المحمود المثنى عليه بحمده لنفسه أزلًا، وبحمد عباده له أبدًا. ﴿وَوَيْلٌ﴾؛ أي: هلاك ودمار، والويل: نقيض الوأل؛ وهو؛ أي: الوأل: النجاة اهـ. "أبو السعود". وقوله: وهو نقيض الوأل بالهمز، وفي "المختار: الموئل الملجأ، وقد وأل إليه إذا لجأ، وبابه وعد، ووؤلًا بوزن وجود. اهـ. ثم قال: والويل واد في جهنم، لو أرسلت فيه الجبال .. لا نماعت من حره. اهـ. وقيل: الويل هنا بمعنى التأوه. ﴿يَسْتَحِبُّونَ﴾: من الاستحباب: وهو استفعال من المحبة، والمعنى: يختارون الحياة الدنيا. ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾: دينه الذي ارتضاه لعباده. ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾؛ أي: يطلبون لها عوجًا؛ أي: زيغًا واعوجاجًا، والعوج .. بكسر العين في المعاني، وبفتحها في الأعيان.

стр. 6304

﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ وفي "القاموس": وأيام الله نعمه، ويوم أيْوَم شديد وآخر يوم في الشهر. اهـ. وفي "المختار": وربما عبروا عن الشدة باليوم. اهـ. ويقال: أيام الله وقائعه في الأمم السابقة، ويقال: فلان عالم بأيام العرب؛ أي: بحروبها وملاحمها. ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾؛ أي: يذيقونكم ويكلفونكم. وفي "بحر العلوم": ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ من سام السلعة إذا طلبها، والمعنى: يذيقونكم أو يبغونكم شدة العذاب، ويريدونكم عليه، والسوء مصدر ساء يسوء: وهو اسم جامع للآفات كما في "التبيان"، والمراد: جنس العذاب السيء، أو استعبادهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة، والاستهانة بهم وغير ذلك مما لا يحصر. ﴿بَلَاءٌ﴾؛ أي: ابتلاء واختبار. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾؛ أي: آذن وأعلم، وتأذن بمعنى آذن، كوعد بمعنى أوعد، غير أنه أبلغ؛ لما في التفعل من التكلف والمبالغة. اهـ. "بيضاوي". ﴿إِنَّا كَفَرْنَا﴾ إن مخففة من الثقيلة، وأدغمت نونها في نون نا الذي هو اسمها، ويصح أن تكون المشددة، فلما اتصلت، بنون الضمير اجتمع ثلاثة أمثال، فحذفت واحدة منهن لتوالي الأمثال، والمحذوف إما الثانية من نوني إن المشددة، وإما نون الضمير، وكذا يقال في قوله: ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ﴾. ﴿مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، فهو مسند لواو الجماعة، ونا مفعول به، وهذا بخلاف ما في سورة هود من قوله: ﴿مِمَّا تَدْعُونَنَا﴾ فإن ذلك مسند لمفرد: وهو ضمير صالح ﵇، فهو مرفوع بضمة مقدرة على الواو، منع من ظهورها الثقل، والفاعل ضمير يعود على صالح تقديره: أنت، ونا: مفعول به اهـ. شيخنا. ﴿مُرِيبٍ﴾؛ أي: موقع في الريبة، وهي اضطراب النفس وعدم اطمئنانها بالأمر، يقال: أربته إذا فعلت أمرًا أوجب ريبةً وشكًّا.

стр. 6305

البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع. فمنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ حيث استعار الظلمات للكفر والضلال بجامع عدم الاهتداء إلى المقصود، واستعار النور للهدى والإيمان بجامع الاهتداء إلى المقصود. وفي قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حيث استعار السبيل الذي هو محل المرور لدين الله بجامع الاهتداء إلى المقصود. ومنها: المجاز في قوله: ﴿فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ حيث وصف الضلال بالبعد للمبالغة؛ لأن البعد من صفات الضال، فهو نظير قولهم جد جده، وداهية دهياء، ويجوز أن يكون المعنى: في ضلال ذي بعد، أو فيه بعد، فإن الضال قد يضل عن الطريق مكانًا قريبًا، وقد يضل بعيدًا، وفي جعل الضلال محيطًا بهم إحاطة الظرف بما فيه ما لا يخفى من المبالغة. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾، وفي قوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. ومنها: الطباق بين ﴿يضل﴾ و ﴿يهدي﴾، وبين ﴿شَكَرْتُمْ﴾ و ﴿كَفَرْتُمْ﴾. ومنها: الالتفات في قوله: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ﴾؛ لأن فيه التفاتًا عن التكلم إلى الغيبة، فكان حق العبارة: فنضل من نشاء. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾؛ لأن المراد بأيام الله نعمه، ووجهه أن العرب تتجوز بنسبة الحدث إلى الزمان مجازًا، فتضيفه إليه كقولهم: نهاره صائم، وليله قائم، ومكر الليل. ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾؛ لأن إضافة الصراط إلى العزيز؛ وهو الله على سبيل التعظيم له، والمراد به دين الإِسلام، فإنه طريق موصل إلى الجنة والقوية والوصلة.
следующие страницы →