← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿بَشَرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿مِثْلُنَا﴾: صفة لـ ﴿بَشَرٌ﴾؛ لأنه بمعنى مماثل لنا، والإضافة فيه لا تفيد التعريف؛ لأنه من الأسماء المتوغلة، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قَالُوا﴾. ﴿تُرِيدُونَ﴾: فعل وفاعل والجملة صفة ثانية لـ ﴿بَشَرٌ﴾، أو مستأنفة. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَصُدُّونَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، وعلامة نصبه حذف النون: والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: تريدون صدنا. ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَصُدُّون﴾. ﴿كَانَ﴾: زائدة. ﴿يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾: فعل وفاعل والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: عما كان يعبده آباؤنا ﴿فَأْتُونَا﴾: الفاء: رابطة لجواب شرط محذوف تقديره: إن كنتم رسلًا من عند الله كما تدعون. ﴿أْتُونَا﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بإن الشرطية على كونا جوابًا لها. ﴿بِسُلْطَانٍ﴾: متعلق به. ﴿مُبِينٍ﴾: صفة لـ ﴿سُلْطَانٍ﴾، وجملة الشرط المحذوف في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. ﴿قَالَتْ﴾ فعل ماضٍ. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به. ﴿رُسُلُهُمْ﴾: فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَتْ﴾: وإن شئت قلت: ﴿إن﴾: نافية. ﴿نَحْنُ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿بَشَرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿مِثْلُكُمْ﴾: صفة لـ ﴿بَشَرٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ (الواو): عاطفة ﴿لَكِنَّ﴾: حرف نصب واستدراك. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿يَمُنُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿عَلَى مَنْ﴾: جار ومجرور متعلق به، وجملة ﴿يَمُنُّ﴾: في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾ وجملة ﴿لَكِنَّ﴾: في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير على يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: على من يشاءه. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المحذوف.

стр. 6302

﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَمَا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿لَنَا﴾: جار ومجرور خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم على اسمها. ﴿أَنْ نَأْتِيَكُمْ﴾: ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الرسل. ﴿بِسُلْطَانٍ﴾: متعلق به، والجملة في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿كَانَ﴾ تقديره: وما كان الإتيان إياكم بلسطان كائنًا لنا، وجملة ﴿كَانَ﴾ معطوفة على ما قبلها على كونها مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿بِإِذْنِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من فاعل ﴿نَأْتِيَكُمْ﴾ تقديره: وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا حالة كوننا ملتبسين بإذن الله. ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بما بعده. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ (الفاء): زائدة، أو فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ما قلنا لكم، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم .. فنقول لكم ﴿ليَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، (اللام): لام الأمر. ﴿يتوكل المؤمنون﴾: فعل وفاعل مجزوم بلام الأمر، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾. ﴿وَمَا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿ما﴾: استفهامية للاستفهام الإنكاري في محل الرفع مبتدأ. ﴿لَنَا﴾: جار ومجرور خبره، والجملة معطوفة على الجمل التي قبلها على كونها مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿لا﴾: نافية. ﴿نَتَوَكَّلَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾، وفاعله ضمير يعود على الرسل. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: في عدم توكلنا على الله، الجار والمجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر. ﴿وَقَدْ﴾: (الواو): حالية. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿هَدَانَا سُبُلَنَا﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة في محل النصب حال من الجلالة؛ أي: حالة كونه هاديًا إيانا سبلنا، ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ﴾: (الواو): عاطفة. (اللام): موطئة للقسم. ﴿نَصْبِرَنَّ﴾: فعل مضارع مبني على

стр. 6303

الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الرسل، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم معطوفة على ما قبلها على كونها مقول ﴿قَالَتْ﴾. ﴿عَلَى﴾: حرف جر. ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿آذَيْتُمُونَا﴾: فعل وفاعل ومفعول والجملة الفعلية مع ﴿مَا﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿عَلَى﴾ تقديره: على إيذائكم إيانا، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نَصْبِرَنَّ﴾. ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بما بعده. ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾: فعل وفاعل، و (الفاء): زائدة، و (اللام): لام الأمر، أو (الفاء): فاء الفصيحة، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَتْ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ الضلالات، والنور: الهدى، فعبر عن الجهل والكفر والضلال بالظلمات: وهي صيغة جمع، وعبر عن الإيمان والهدى بالنور: وهو لفظ مفرد، وذلك يدل على أن طرق الكفر والجهل كثيرة، وأما طرق العلم والإيمان فليس إلا واحدًا. اهـ. "خازن". ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: بتيسيره وتوفيقه. ﴿الْعَزِيزِ﴾ الغالب الذي لا يغالب. ﴿الْحَمِيدِ﴾ المحمود المثنى عليه بحمده لنفسه أزلًا، وبحمد عباده له أبدًا. ﴿وَوَيْلٌ﴾؛ أي: هلاك ودمار، والويل: نقيض الوأل؛ وهو؛ أي: الوأل: النجاة اهـ. "أبو السعود". وقوله: وهو نقيض الوأل بالهمز، وفي "المختار: الموئل الملجأ، وقد وأل إليه إذا لجأ، وبابه وعد، ووؤلًا بوزن وجود. اهـ. ثم قال: والويل واد في جهنم، لو أرسلت فيه الجبال .. لا نماعت من حره. اهـ. وقيل: الويل هنا بمعنى التأوه. ﴿يَسْتَحِبُّونَ﴾: من الاستحباب: وهو استفعال من المحبة، والمعنى: يختارون الحياة الدنيا. ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾: دينه الذي ارتضاه لعباده. ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾؛ أي: يطلبون لها عوجًا؛ أي: زيغًا واعوجاجًا، والعوج .. بكسر العين في المعاني، وبفتحها في الأعيان.

стр. 6304

﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ وفي "القاموس": وأيام الله نعمه، ويوم أيْوَم شديد وآخر يوم في الشهر. اهـ. وفي "المختار": وربما عبروا عن الشدة باليوم. اهـ. ويقال: أيام الله وقائعه في الأمم السابقة، ويقال: فلان عالم بأيام العرب؛ أي: بحروبها وملاحمها. ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾؛ أي: يذيقونكم ويكلفونكم. وفي "بحر العلوم": ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ من سام السلعة إذا طلبها، والمعنى: يذيقونكم أو يبغونكم شدة العذاب، ويريدونكم عليه، والسوء مصدر ساء يسوء: وهو اسم جامع للآفات كما في "التبيان"، والمراد: جنس العذاب السيء، أو استعبادهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة، والاستهانة بهم وغير ذلك مما لا يحصر. ﴿بَلَاءٌ﴾؛ أي: ابتلاء واختبار. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾؛ أي: آذن وأعلم، وتأذن بمعنى آذن، كوعد بمعنى أوعد، غير أنه أبلغ؛ لما في التفعل من التكلف والمبالغة. اهـ. "بيضاوي". ﴿إِنَّا كَفَرْنَا﴾ إن مخففة من الثقيلة، وأدغمت نونها في نون نا الذي هو اسمها، ويصح أن تكون المشددة، فلما اتصلت، بنون الضمير اجتمع ثلاثة أمثال، فحذفت واحدة منهن لتوالي الأمثال، والمحذوف إما الثانية من نوني إن المشددة، وإما نون الضمير، وكذا يقال في قوله: ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ﴾. ﴿مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، فهو مسند لواو الجماعة، ونا مفعول به، وهذا بخلاف ما في سورة هود من قوله: ﴿مِمَّا تَدْعُونَنَا﴾ فإن ذلك مسند لمفرد: وهو ضمير صالح ﵇، فهو مرفوع بضمة مقدرة على الواو، منع من ظهورها الثقل، والفاعل ضمير يعود على صالح تقديره: أنت، ونا: مفعول به اهـ. شيخنا. ﴿مُرِيبٍ﴾؛ أي: موقع في الريبة، وهي اضطراب النفس وعدم اطمئنانها بالأمر، يقال: أربته إذا فعلت أمرًا أوجب ريبةً وشكًّا.

стр. 6305

البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع. فمنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ حيث استعار الظلمات للكفر والضلال بجامع عدم الاهتداء إلى المقصود، واستعار النور للهدى والإيمان بجامع الاهتداء إلى المقصود. وفي قوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حيث استعار السبيل الذي هو محل المرور لدين الله بجامع الاهتداء إلى المقصود. ومنها: المجاز في قوله: ﴿فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ حيث وصف الضلال بالبعد للمبالغة؛ لأن البعد من صفات الضال، فهو نظير قولهم جد جده، وداهية دهياء، ويجوز أن يكون المعنى: في ضلال ذي بعد، أو فيه بعد، فإن الضال قد يضل عن الطريق مكانًا قريبًا، وقد يضل بعيدًا، وفي جعل الضلال محيطًا بهم إحاطة الظرف بما فيه ما لا يخفى من المبالغة. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾، وفي قوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. ومنها: الطباق بين ﴿يضل﴾ و ﴿يهدي﴾، وبين ﴿شَكَرْتُمْ﴾ و ﴿كَفَرْتُمْ﴾. ومنها: الالتفات في قوله: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ﴾؛ لأن فيه التفاتًا عن التكلم إلى الغيبة، فكان حق العبارة: فنضل من نشاء. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾؛ لأن المراد بأيام الله نعمه، ووجهه أن العرب تتجوز بنسبة الحدث إلى الزمان مجازًا، فتضيفه إليه كقولهم: نهاره صائم، وليله قائم، ومكر الليل. ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾؛ لأن إضافة الصراط إلى العزيز؛ وهو الله على سبيل التعظيم له، والمراد به دين الإِسلام، فإنه طريق موصل إلى الجنة والقوية والوصلة.

стр. 6306

ومنها: المبالغة في قوله: ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. ﴿وَمِنْهَا﴾: التخصيص بعد التعميم في قوله: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾؛ لأنه داخل في سوء العذاب. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية؛ لأنه شبه ترك قتلهن بالإحياء بجامع الإبقاء في كل. ومنها: الكناية في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾؛ لأنها كناية عن تعذيبهم. ومنها: استعمال اللفظ العام في المعنى الخاص في قوله: ﴿بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾؛ لأن لفظ اللسان يستعمل بمعنى العضو، وبمعنى اللغة، والمراد هنا هو المعنى الثاني؛ أي: بلغة قومه الذين هو منهم وبعث فيهم. ومنها: الاستفهام الحريري في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾. ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ﴾؛ لأن مقتضى السياق أن يقال: قالوا لهم. ومنها: الالتفات في قوله: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ﴾ عن الغيبة إلى التكلم كما في "الفتوحات". ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 6307

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (١) ما دار من الحوار والجدل بين

стр. 6308

الرسل وأقوامهم، وذكر الحجج التي أدلى بها الرسل، وقد كان فيها المقنع لمن أراد الله له الهداية والتوفيق، ومن كان له قلب يعي به الحكمة وفصل الخطاب .. ذكر هنا أنهم بعد أن أفحموا لم يجدوا وسيلة إلا استعمال القوة مع أنبيائهم كما هو دأب المحجوج المغلوب في الخصومة، فخيروا رسلهم بين أحد أمرين: إما الخروج من الديار، وإما العودة إلى الملة التي عليها الآباء والأجداد، فأوحى الله تعالى إلى أنبيائه أن العاقبة لكم، وستدور عليهم الدائرة، وستحلون في ديارهم، وسيعذبون في الآخرة بنار جهنم، ويرون ألوانًا من العذاب لا قبل لهم بها. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) ما سيلاقيه الكافرون في هذا اليوم العصيب من سائر أنواع العذاب التي سلف وصفها .. بين هنا أن ما عملوه في الدنيا من صالح الأعمال لا يجديهم فتيلًا ولا قطميرًا، فما أشبهه إذ ذاك برماد أطارته الريح في يوم عاصفٍ، فذهبت به في كل ناحية، فهم لا يجدون من أعمالهم فيه شيئًا، ثم بين أن ذلك اليوم آتٍ لا ريب فيه، فإن من أنشأ السموات والأرض بلا معين ولا ظهير قادر على أن يفنيهم ويأتي بخلق سواهم، وليس ذلك بعزيز ولا بممتنع عليه. قوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر ما يلقاه الأشقياء في ذلك اليوم من العذاب، وذكر أن أعمالهم الطيبة التي كانت في الدنيا أحبطت فلم تغن عنهم شيئًا .. ذكر هنا محاورةً بين الأتباع المستضعفين والرؤساء المتبوعين، وما يحدث في ذلك الوقت من الخجل لهم، ثم أردفها مناظرة وقعت بين الشيطان وأتباعه من الإنس، وبعد أن ذكر أحوال الأشقياء وبالغ في بيانها وتفصيلها شرح أحوال السعداء وما أعد لهم من الثواب العظيم والأجر الجزيل. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ ...﴾ الآية، مناسبة (٢) هذه الآية

стр. 6309

لما قبلها: أنه لما ذكر محاورة الأتباع لرؤسائهم الكفرة .. ذكر محاورة الشيطان وأتباعه من الأنس، وذلك لاشتراك الرؤساء والشياطين في التلبس بالإضلال. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: لما (١) بين الله حال الأشقياء ومآل أمرهم، وما يلاقونه من الشدائد والأهوال في نار جهنم التي لا يجدون عنها محيصًا، وذكر أحوال السعداء وما ينالون من الفوز عند ربهم .. ضرب لذلك مثلًا يبين حال الفريقين، ويوضح الفرق بين الفئتين، وبه ألبس المعنويات لباس الحسيات؛ ليكون أوقع في النفس وأتم لدى العقل، والأمثال عند العرب هي المهيع المسلوك والطريق المتبع لإيضاح المعاني إذا أريد تثبيتها لدى السامعين، والقرآن الكريم مليء بها، والسنة النبوية جرت على منهاجه، فكثيرًا ما تتبع المسائل الهامة بضرب الأمثال لها؛ لتستقر في النفوس وتنقش في الصدور. التفسير وأوجه القراءة ١٣ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: الغالون في الكفر ﴿لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا﴾؛ أي: من مدينتنا وديارنا ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ عاد هنا بمعنى (٢): صار، والظرف خبره؛ أي: لتصيرن داخلين في ملتنا، فإن الرسل لم يكونوا في ملتهم قط إلا أنهم لما لم يظهروا المخالفة لهم قبل الاصطفاء .. اعتقدوا أنهم على ملتهم، فقالوا ما قالوا على سبيل التوهم، أو بمعنى رجع، والظرف صلة، والخطاب لكل رسول ومن آمن به، فغلَّبوا في الخطاب الجماعة على الواحد؛ أي: لتدخُلن في ديننا وترجعن إلى ملتنا. وفي "الخازن": فإن قلت: هذا (٣) يوهم بظاهره أنهم كانوا على ملتهم في أول الأمر حتى يعودوا فيها؟ قلت: معاذ الله، ولكن العود هنا بمعنى الصيرورة، وهو كثير في كلام

стр. 6310

العرب، وفيه وجه آخر: وهو أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبل الرسالة لم يظهروا خلاف أممهم، فلما أرسلوا إليهم أظهروا مخالفتهم ودعوهم إلى الله، فقالوا لهم: لتعودن في ملتنا ظنًّا منهم أنهم كانوا على ملتهم، ثم خالفوهم، وإجماع الأمة على أن الرسل من أول الأمر إنما نشَؤُوا على التوحيد لا يعرفون غيره. وهذا كله تسلية للنبي ﷺ ؛ ليصبر على أذى المشركين كما صبر من قبله من الرسل عليهم الصلاة والسلام. والمعنى: أي (١): وقال الذين كفروا باللهِ لرسلهم حين دعوهم إلى توحيده تعالى وترك عبادة الأصنام والأوثان: لنخرجنكم من بلادنا مطرودين منها إلا أن تعودوا في ديننا الذي نحن عليه من الآية، كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾ .. الآية، وكما قال قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ .. الآية. وقال إخبارًا عن مشركي قريش: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وخلاصة هذا: ليكونن أحد الأمرين لا محالة: إما إخراجكم، وإما صيرورتكم في ملتنا ملة الآباء والأجداد، وهي عبادة الآلهة والأوثان، وقد مكن لهم في ذلك أنهم كانوا كثرة، وكان أهل الحق قلة كما جرت بذلك العادة في كل زمان ومكان، فإن الظلمة يكونون متعاونين متعاضدين، ومن ثم استطاعوا أن يبرموا هذا الحكم بلا هوادة ولا رفق، كما هو شأن المعتز بقوته الذي لا يخشى اعتراضًا ولا خلافًا. والأنبياء صلوات الله عليهم لم يكونوا في ملتهم، ولم يعبدوا الأصنام طيلة حياتهم، لكنهم لما نشؤوا بين ظهرانيم، وكانوا من أهل تلك البلاد، ولم يظهروا في أول أمرهم مخالفة لهم .. ظنوا أنم كانوا على دينهم، أو يكنون (٢) المعنى في عودهم إلى ملتهم: سكوتهم عنهم وكونهم أغفالًا عنهم لا يطالبونهم بالإيمان باللهِ وما جاءت به الرسل.

стр. 6311

ولما تمادت الأمم في الكفر وتوعدوا الرسل بأخذهم بالشدة والإيقاع بهم .. أوحى الله إليهم بإهلاك من كفر بهم، ووعدهم بالنصر والغلب على أعدائهم، كما أشار إلى ذلك بقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: إلى الرسل ﴿رَبُّهُمْ﴾؛ أي: مالك أمرهم عند تناهي كفر الكفرة بحيث انقطع الرَّجاء عن إيمانهم، وقال: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: المشركين، فإن الشرك لظلم عظيم فلا تخافوهم ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ﴾؛ أي: أرض الظالمين وديارهم ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: من (١) بعد إهلاكهم عقوبة لهم على قولهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا﴾، وفي الحديث: "من آذى جاره ورثه الله داره". وقرأ أبو حيوه (٢): ﴿ليهلكن الظالمين وليسكننكم﴾ بياء الغيبة اعتبارًا بقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ إذ لفظ لفظ الغائب، ١٤ - وجاء في قوله: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ﴾ بضمير الخطاب تشريفًا لهم بالخطاب، ولم يأت بضمير الغيبة كما في قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ ولما أقسموا بهم على إخراج الرسل، والعودة في ملتهم .. أقسم تعالى على إهلاكهم، وأيُّ إخراج أعظم من الإهلاك بحيث لا يكون لهم عودة إليها أبدًا، وأقسم أيضًا على إسكان الرسل ومن آمن بهم وذرياتهم أرض أولئك المقسمين على إخراج الرسل. والمعنى (٣): أي فأوحى الله تعالى إلى رسله قائلًا لهم: لنهلكن من تناهى في الظلم من المشركين، ولنسكننكم أرضهم وديارهم بعد إهلاكهم عقوبةً لهم على قولهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا﴾. وفي ذلك وعيد وتهديد للمشركين من قريش على كفرهم وجراءتهم على نبيه، وتثبيت وأمر له بالصبر على ما يلقى من المكروه، كما صبر من كان قبله من الرسل، وبيان بأن عاقبة من كفر به الهلاك، وعاقبته النصر عليهم، كما قال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾، وقال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ الإسكان ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾؛ أي (٤): خاف مقامي بين يدي يوم

стр. 6312

القيامة، فأضاف قيام العبد إلى نفسه؛ لأن العرب قد تضيف أفعالها إلى أنفسها كقولهم: ندمت على ضربي إياك، وندمت على ضربك مثله. والخوف (١): غم يلحق لتوقع المكروه؛ أي: ذلك المذكور من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم ثابت لمن خاف مقامي وموقفي، وهو موقف الحساب؛ لأنه موقف الله الذي يقف فيه عباده يوم القيامة ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ بحذف الياء اجتزاء عنها بالكسرة؛ أي: وخاف وعيدي بالعذاب، وعقابي وعذابي الموعود للكفار على أن يكون الوعيد بمعنى الموعود، والمعنى: أن ذلك ثابت وحق لمن جمع بين الخوفين؛ أي: حق للمتقين كقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وهذه الآية تدل على أن الخوف من الله غير الخوف من وعيده؛ لأن العطف يقتضي التغاير. اهـ. "كرخي". والمعنى: أي (٢) هكذا أفعل بمن خاف مقامي بين يدي يوم القيامة، وخاف وعيدي، فاتقاني بطاعتي وتجنب سخطي، أنصره على من أراد سوءًا وبقي به مكروهًا من أعدائي، وأورثه أرضه ودياره، وأثبت الياء (٣) هنا وفي "ق" في موضعين: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾، ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ وصلًا، وحذفها وقفًا ورش عن نافع، وحذفها الباقون وصلًا ووقفًا اهـ. "سمين". ١٥ - ثم بين أن كلًّا من الفريقين - الأمم والرسل - طلبوا المعونة والتأييد من ربهم، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾؛ أي: واستفتحت الرسل على أممها؛ أي: استنصرت الله عليها واستفتحت الأمم على أنفسها، كما قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فهو معطوف (٤) على ﴿فَأَوْحَى﴾. والضمير: إما للرسل؛ أي: استنصروا الله وسألوه الفتح والنصرة على أعدائهم، أو للكفار وذلك أنهم (٥) لما أيسوا من إيمان قومهم استنصروا الله ودعوا عليهم بالعذاب اهـ. "خازن". والعامة على أن يكون ﴿اسْتَفْتَحُوا﴾ فعلًا ماضيًا، وفي ضميره أقوال:

стр. 6313

أحدها: أنه عائد على الرسل الكرام، ومعنى الاستفتاح؛ الاستنصار، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ وقيل: طلب الحكم من الفتاحة؛ أي: الحكم بين الخصمين. الثاني: أن يعود على الكفار؛ أي: استفتح أمم الرسل عليهم، كقوله ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. وقيل: عائد على الفريقين؛ لأن كلًّا طلب النصر على صاحبه. وقيل: يعود على قريش؛ لأنهم في سني الجدب استمطروا فلم يمطروا، وهو على هذا مستأنف، وأما على غيره من الأقوال، فهو عطف على قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن؛ واستفتحوا بكسر التاء الثانية على لفظ الأمر أمرًا للرسل بطلب النصرة، وهي مقوية لعوده في المشهور على الرسل، والتقدير: قال لهم لنهلكن، وقال لهم استفتحوا. اهـ. "سمين". ثم ذكر مآل المشركين وبين أن النصر للمتقين، فقال: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾؛ أي: وهلك كل متكبر مجانب للحق منحرف عنه، فهو معطوف (١) على محذوف تقديره: واستفتحوا فنصروا عند استفتاحهم، وظفروا بما سألوا، وأفلحوا وخاب وخسر وهلك عند نزول العذاب قومهم الجبارون المعاندون، والجبار: المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقًّا، والعنيد: المعاند للحق والمجانب له. وإنما قيل: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ ذمًّا لهم وتسجيلًا عليهم بالتجبر والعناد، لا أن بعضهم ليسوا كذلك، وأنه لم تصبهم الخيبة. ١٦ - وقوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ جملة في محل جر صفة لـ ﴿جَبَّارٍ﴾، ويجوز أن تكون الصفة وحدها الجار، و ﴿جَهَنَّمُ﴾ فاعل به؛ أي: من وراء (٢) ذلك الجبار العنيد؛ أي: قدامه وأمامه جهنم؛ أي: هي له بالمرصاد تنتظره ليسكنها مخلدًا فيها أبدًا، ويعرض عليها في الدنيا غدوًا وعشيًّا إلى يوم التناد، وهذا (٣) وصف حال كل جبار عنيد،

стр. 6314

وهو في الدنيا؛ أي: بين يديه وقدامه جهنم، فإنه صعد لجهنم واقف على شفيرها في الدنيا مبعوث إليها في الآخرة، أو من وراء حياته وهو ما بعد الموت، فيكون وراء بمعنى خلف، كما قال الكاشفي. ثم بين شرابه فيها، فقال: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾؛ أي: ليس له في النار شراب إلا ماءٌ يخرج من جوفه، وقد خالطه القيح والدم، وخص بالذكر؛ لأنه آلم أنواع العذاب، فهو معطوف على مقدّر جوابًا عن سؤال سائل، كأنه قيل: فماذا يكون إذن؟ فقيل: يلقى فيها ويسقى ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ مخصوص لا كالمياه المعهودة، ﴿صَدِيدٍ﴾: هو القيح المختلط بالدم، أو ما يسيل من أجساد أهل النار وفروج الزناة، وهو عطف بيان لماء، أبهم أولًا ثم بين بالصديد تعظيمًا وتهويلًا لأمره، وتخصيصه بالذكر من بين عذابها يدل على أنه من أشد أنواعه، أو صفة عند من لا يجيز عطف البيان في النكرات وهم البصريون، فإطلاق الماء عليه لكونه بدله في جهنم. وقيل (١): صديد بمعنى مصدود عنه؛ أي: لكراهته يصد عنه، فيكون مأخوذًا من الصد بمعنى الإعراض. ١٧ - ثم ذكر ألمه من ذلك الشراب، فقال: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ استئناف بياني، كأنه قيل: فماذا يفعل به؟ فقيل: يتجرعه؛ أي: يتحساه ويشربه مرة بعد مرة لا بمرة واحدة، بل جرعة بعد جرعة لمرارته وحرارته وكراهته ونتنه ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾؛ أي: لا يقارب أن يسيغه ويبتلعه فضلًا عن الإساغة، بل يغص به ولا يقدر على ابتلاعه من شدة كراهته ورداءة طعمه ولونه وريحه وحرارته، كما قال: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾، وقالا: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾. وعن أبي أمامة (٢) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ﴾ قال: "يقرب إلى فيه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شعر به قطع أمعاءه حتى تخرج عن دبره،

стр. 6315

قال: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾، وقال: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ " أخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب. قوله: "وقعت فروة رأسه"؛ أي: جلدة رأسه، وإنما شبهها بالفروة للشعر الذي عليها. ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾؛ أي: وتأتيه (١) أسباب الموت من كل جهة من الجهات، أو من كل موضع من مواضع بدنه حتى من أصول شعره، وإبهام رجله. وقال الأخفش: المراد بالموت هنا البلايا التي تصيب الكافر في النار، سماها موتًا لشدتها. ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾؛ أي: والحال أنه ليس بميت حقيقة فيستريح. وقيل: تعلق نفسه في حنجرته، فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فيحيا، ومثله قوله تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. والمعنى: أي وتحيط (٢) به أسبابه من الشدائد وأنواع العذاب من كل جهة من الجهات، من قدامه ومن خلفه، ومن فوقه ومن تحته، وعن يمينه وعن شماله في نار جهنم ليس منها نوع إلا يأتيه الموت منه لو كان يموت لكنه لا يموت كما قال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾. ثم أكد شدائدها وعظيم أهوالها فقال: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ﴾؛ أي: ومن وراء ذلك الصديد؛ أي: من أمامه أو من بعده ﴿عذَابٌ غَلِيظٌ﴾؛ أي: عذاب شديد؛ أي: وله من بعد هذه الحال عذاب آخر غليظ؛ أي: مؤلم أغلظ من الذي قبله، وأمر لا يعرف كنهه؛ أي: يستقبل كل وقت عذابًا أشد وأشق مما كان قبله، كما قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ ففي قوله: ﴿عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ رفع ما يتوهم من الخفة بحسب الاعتياد، كما في عذاب الدنيا. وقيل: الضمير يعود إلى ﴿كُلُّ جَبَّارٍ﴾. والمعنى (٣): أي ومن بعد ذلك العذاب عذاب شديد أشد مما هو عليه لا

стр. 6316

ينقطع ولا يخف بسبب الاعتياد، كما في عذاب الدنيا. ١٨ - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: صفتهم وحالهم العجيبة الشأن التي هي كالمثل في الغرابة، وهو مبتدأ خبره قوله تعالى: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ كقولك صفة زيد ماله منهوب، أو خبره محذوف؛ أي: فيما يتلى عليكم مثلهم. وقوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ جملة مستأنفة مبنية على سؤال من يقول: كيف مثلهم؟ فقيل: أعمالهم كرماد؛ أي: صفة أعمالهم الصالحة كصدقة وصلة رحم وإعتاق رقاب وفداء أسير وقرى ضيف وبر والد وإغاثة ملهوف ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ﴾؛ أي: ذرت ﴿بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ ريحه؛ أي: شديد الريح، فحذف الريح ووصف اليوم بالعصوف مجازًا، كقولك: يوم ماطر وليلة ساكنة، وإنما السكون لريحها. وقرأ نافع وأبو جعفر: ﴿الرياح﴾ بالجمع، والجمهور بالإفراد. وقرأ ابن أبي إسحاق وإبراهيم بن أبي بكر عن الحسن شذوذًا: ﴿في يومِ عاصفٍ﴾ على إضافة يوم لعاصف، وهو على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، تقديره: في يوم ريح عاصف ذكره في "البحر". والمعنى (١): أي ما مثل أعمال الكافرين التي كانوا يعملونها في الدنيا ويزعمون أنها تنفعهم يوم الجزاء إلا كمثل رماد حملته الريح وأسرعت الذهاب به في يوم عاصف، فنسفته ولم تبق له أثرًا، فهم يوم القيامة لا يجدون شيئًا ينفعهم عند الله تعالى فينجيهم من عذابه؛ إذ لم يكونوا يعملونها لله خالصة، بل كانوا يشركون فيها الأصنام والأوثان. ثم أكد نفي فائدتها لهم إذ ذاك، فقال: ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ يوم القيامة ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ وعملوا في الدنيا من أعمال الخير ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ ما؛ أي (٢): لا يجدون يوم القيامة أثرًا مما عملوا في الدنيا من ثواب، أو تخفيف عذاب، كما لا يوجد من الرماد شيء إذا ذرته الريح، وذلك لفقد شرط الأعمال وهو الإيمان. ونحو الآية: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وقال: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي

стр. 6317

هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور الذي (١) دلّ عليه التمثيل دلالة واضحة من ضلالهم؛ أي: كفرهم وأعمالهم المبنية عليه، وعلى التفاخر والرياء مع حسبانهم محسنين، وهو جهل مركب وداء عضال، حيث زين لهم سوء أعمالهم، فلا يستغفرون منها ولا يتوبون بخلاف عصاة المؤمنين، ولذا قال: ﴿هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ صاحبه عن طريق الحق والصواب بمراحل، أو نيل الثواب، فأسند البعد الذي هو من أحوال الضال إلى الضلال الذي هو فعله مجازًا مبالغة؛ أي: ذلك (٢) السعي والعمل على غير أساس ولا استقامة حتى فقدوا ثوابهم منه أحوج ما كانوا إليه هو الضلال البعيد عن طريق الحق والصواب. والمعنى: ذلك المذكور من عملهم هو الضياع البعيد عن نيل الثواب والخسران الكبير. شبه الله صنائع الكفار (٣) - من الصدقة وصلة الرحم وعتق الرقاب وفك الأسير، وإغاثة الملهوفين وإطعام الجائع وعقر الإبل للأضياف ونحو ذلك مما هو من باب المكارم - في حبوطها وذهابها هباءً منثورًا، لبنائها على غير أساس من معرفة الله والإيمان وكونها لوجهه، برماد طيرته الريح العاصف، فكما لا ينتفع بذلك الرماد المطير، كذلك لا ينتفع بالأعمال المقرونة بالكفر والشرك، ففيه رد أعمال الكفار وأعمال أهل الأهواء والبدع؛ لاعتقادهم السوء، فدل على أنَّ الأعمال مبنية على الإيمان، وهو على الإخلاص، وورد في الصحيح عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله إن ابن جدعان كان في الجاهلية يصل ويطعم المسكين، هل ذلك نافعه؟ قال: "لا ينفعه؛ لأنه لم يقل: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين".

стр. 6318

١٩ - ثم ذكر دليل وحدانيته، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؛ أي: ألم تعلم يا محمد ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿خَلَقَ﴾ وأنشأ وأبدع ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي (١): متلبسًا بالحكمة البالغة وعلى الوجه الصحيح الذي ينبغي أن يخلقا عليه، لا باطلًا ولا عبثًا، والخطاب فيه لرسول الله ﷺ ، والمراد: أمته بدليل قوله: ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ والأمة أمة الدعوة، والرؤية رؤية القلب. ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ الله إعدامكم أيها الناس ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾؛ أي: يعدمكم بالكلية ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ أي: يخلق بدلكم خلقًا آخر من جنسكم آدميين، أو من غيره خيرًا منكم وأطوع لله ٢٠ - ﴿وَمَا ذَلِكَ﴾؛ أي: إذهابكم والإتيان بخلق جديد مكانكم ﴿عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾؛ أي: بمتعذر أو متعسر، بل هو هين عليه يسير، فإنه قادر لذاته على جميع الممكنات، لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون. ومن هذا شأنه حقيق أن يؤمن به ويعبد ويرجى ثوابه ويخشى عقابه، والآية تدل على كمال قدرته تعالى وصبوريته، حيث لا يؤاخذ العصاة على العجلة. وفي "الصحيحين": "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله! إنه يشرك به ويجعل له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم". ثم إن (٢) تأخير العقوبة يتضمن حكمًا، منها رجوع التائب وانقطاع حجة المصر، فعلى العاقل أن يخشى الله تعالى على كل حال، فإنه ذو القهر والكبرياء والجلال. والمعنى: ألم (٣) تعلم أيها الرسول الكريم أن الله أنشأ السماوات والأرض بالحكمة البالغة وعلى الوجه الصحيح الذي يحق أن يخلقا عليه، ولم يخلقهما عبثًا ولا باطلًا، ومن قدر على خلقهما على أتم نظام وأحكم وضع بلا معين ولا ظهير .. فهو قادر على أن يفنيكم ويأتي بخلق جديد سواكم، وما ذلك بممتنع ولا متعذر عليه. ومثل الآية قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾.

стр. 6319

وخلاصة ذلك: أنهم بعدوا في الضلال وأمعنوا في الكفر بالله مع وضوح الآيات الدالة على قدرته الباهرة وحكمته البالغة، وأنه هو الحقيق بأن يرجى ثوابه ويخشى عقابه. وقرأ السلمي شاذًا (١): ﴿ألم ترْ﴾ - بسكون الراء - ووجهه أنه أجري الوصل مجرى الوقف، وفيه توجيه آخر؛ وهو أنَّ (ترى) حذفت العرب ألفها في قولهم: قام القوم ولو تر ما زيد، كما حذفت ياء (لا أبالي) في (لا أبال)، فلما دخل الجازم تخيل أن الراء هي آخر الكلمة، فسكنت للجازم، كما قالوا في لا أبالي: "لم أبل" تخيلوا اللام آخر الكلمة. وقرأ الأخوان حمزة والكسائي وخلف العاشر: ﴿خالق﴾ اسم فاعل ﴿والأرضِ﴾ بالخفض. وقرأ باقي العشرة: ﴿خَلَقَ﴾ فعلًا ماضيًا و ﴿وَالْأَرْضَ﴾ بالفتح. ٢١ - ﴿وَبَرَزُوا﴾؛ أي: برزت الخلائق كلها برها وفاجرها ﴿لِلَّهِ﴾ الواحد القهار حالة كونهم ﴿جَمِيعًا﴾؛ أي: مجتمعين في براز من الأرض وصعيد واحد، وهو المكان الذي ليس فيه شيء يستر أحدًا؛ أي: خرج الموتى من قبورهم يوم القيامة واجتمعوا في أرض المحشر للقاء الله ومحاسبته على أعمالهم عند النفخة الثانية حين تنتهي مدة لبثهم في بطن الأرض. وقرأ زيد بن علي في الشاذ (٢): ﴿وبُرِّزوا﴾ - مبنيًّا للمفعول وبتشديد الراء - من برز المضعف. ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾ في الرأي وهم السفلة ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ عن عبادة الله وهم أكابرهم ﴿إِنَّا كُنَّا﴾ في الدنيا ﴿لَكُمْ تَبَعًا﴾ في تكذيب الرسل والإعراض عن نصيحتهم؛ أي: فقال الأتباع لقادتهم وسادتهم الذين استكبروا عن عبادة الله تعالى وحده وعن اتباع الرسل، وصدوا عنهما: إنا كنا تابعين لكم في الدنيا تأمروننا فنأتمر وتنهوننا فننتهي ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا﴾؛ أي: دافعون عنا في هذا اليوم ﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: بعض شيء من عذاب الله، فـ ﴿مِنْ﴾ (٣) الأولى للبيان واقعة موقع الحال قدمت على صاحبها؛ لكونه نكرة، والثانية

стр. 6320

للتبعيض واقعة موقع المفعول؛ أي: بعض الشيء الذي هو عذاب الله تعالى. ويجوز أن تكونا للتبعيض؛ أي: بعض شيء هو بعض عذاب الله تعالى، والإعراب ما سبق. ويحتمل أن تكون الأولى مفعولًا والثانية مصدر؛ أي: فهل أنتم مغنون بعض العذاب بعض الإغناء، والفاء للدلالة على سببية الإتباع للإغناء. والاستفهام فيه (١) للتوبيخ لهم والعتاب على استغوائهم؛ لأنهم علموا أنهم لا يقدرون على الإغناء عنهم؛ أي: فهل تدفعون عنا اليوم شيئًا من ذلك العذاب كما كنتم تعدوننا وتمنوننا في الدنيا. وقد حكى الله تعالى رد أولئك السادة عليهم بقوله: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: المستكبرون جوابًا عن معاتبة الأتباع، واعتذارًا عما فعلوا بهم: يا قوم ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ إلى الإيمان ووفقنا له ﴿لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ إلى طريق الرشاد، ولكن ضللنا فأضللناكم؛ أي: اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا؛ أي (٢): لو أرشدنا الله تعالى وأضاء لنا أنوار بصائرنا وأفاض علينا من توفيقه ومعونته لأرشدناكم إلى سبل الهدى، ووجهنا أنظاركم إلى طريق الخير والفلاح، ولكنه لم يهدنا فضللنا السبيل فأضللناكم. والخلاصة: أي لو خلصنا الله من العقاب، وهدانا إلى طريق الجنة لهديناكم طريق النجاة، ودفعنا عنكم بعض العذاب، ولكن سد الله عنا طريق الخلاص. ولما كان هذا القول منهم أمارة الجزع قالوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا﴾ العذاب ﴿أَجَزِعْنَا﴾؛ أي: أصحنا وتضرعنا مما لقينا ﴿أَمْ صَبَرْنَا﴾ على ذلك؛ أي: الصياح، فالتضرع والصبر مستويان علينا في عدم الإنجاء؛ أي: سواء (٣) علينا أجزعنا في طلب النجاة من ورطة الهلاك والعذاب، والجزع عدم الصبر على البلاء، أم صبرنا على ما لقينا انتظارًا للرحمة؛ أي: مستو علينا الجزع والصبر في عدم الإنجاء، ففيه إقناط الضعفاء، والهمزة وأم لتأكيد التسوية ونحوه: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾.

стр. 6321

ولما كان عتاب الأتباع من باب الجزع ذيلوا جوابهم ببيان أن لا جدوى في ذلك، قالوا: ﴿مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾؛ أي: من منجًا، ومهرب؛ أي: ليس لنا مهرب ولا خلاص مما نحن فيه إن صبرنا أو جزعنا. وخلاصة ذلك (١): سيان الجزع والصبر، فلا نجاة لنا من عذاب الله، ومثل هذه الآية قوله: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨)﴾، وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾. ٢٢ - ولما ذكر المناظرة التي ستكون بين الأتباع والرؤساء .. أردفها بالمناظرة التي ستكون بين الشيطان وأتباعه؛ فقال: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ﴾ الذي أضل الضعفاء والمستكبرين؛ أي: يقول إبليس رئيس الشياطين خطيبًا في محفل الأشقياء من الثقلين ﴿لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾؛ أي: حين أحكم وفرغ من أمر الخلائق بالحساب والمجازاة بأن استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، وقد قالوا له: اشفع لنا، فإنك أضللتنا؛ أي: قال: إبليس مخاطبًا أتباعه من الإنس بعد أن حكم الله بين عباده، فأدخل المؤمنين فراديس الجنات، وأسكن الكافرين سحيق الدركات: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿وَعَدَكُمْ﴾ على ألسنة رسله ﴿وَعْدَ الْحَقِّ﴾ والصدق بالبعث وجزاء كل عامل على عمله إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ووعده حق وخبره صدق، فصدق في وعده إياكم، فوفى لكم بما وعدكم به ﴿وَوَعَدْتُكُمْ﴾ وعد الباطل بأن لا بعث ولا جزاء ولا جنة ولا نار، ولئن كانا فالأصنام شفعاؤكم، ولم يصرح ببطلانه لما دل عليه قوله: ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ موعدي، فحذف المفعول الثاني؛ أي: نقضته، والإخلاف (٢) حقيقة هو عدم إنجاز من يقدر على إنجاز وعده، وليس الشيطان كذلك، فقوله: ﴿أَخْلَفْتُكُمْ﴾ يكون مجازًا جعل

стр. 6322

تبين خلف وعده كالإخلاف منه، كأنّه كان قادرًا على إنجازه وأنى له ذلك؛ أي: كذبت عليكم وتبين خلف وعدي إذ لم أقل إلا بهرجًا من القول وباطلًا منه، فاتبعتموني وتركتم وعد ربكم، وهو وليكم ومالك أمركم، ونحو الآية قوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾؛ أي: تسلط وقهر فألجئكم إلى الكفر والمعاصي، وأجبركم عليهما؛ أي: وما كان لي قوة وتسلط تجعلني ألجئكم إلى متابعتي على الكفر والمعاصي ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾؛ أي: إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾؛ أي: أجبتموني؛ أي (١): ولكن بمجرد أن دعوتكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني أسرعتم إلى إجابتي واتبعتم شهوات النفوس وأطعتم الهوى، وخضتم في مسالك الردى. قال في (٢) "بحر العلوم": لقائل أن يقول: قول الشيطان هذا مخالف؛ أي: معارض لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾، فما حكم قول الشيطان أحق هو أم باطل على أنه لا طائل تحته في النطق بالباطل في ذلك المقام انتهى. يقول الفقير: جوابه بأنه يجمع بينهما بأن نفي السلطان بمعنى القهر والغلبة لا ينافي إثباته بمعنى الدعوة والتزيين، فالشيطان ليس له سلطان بالمعنى الأول على المؤمنين والكافرين جميعًا، وله سلطان بالمعنى الثاني على الكفار فقط كما دل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ وأما المؤمنون وهم أولياء الله، فيتولون الله بالطاعة، فهم خارجون عن دائرة الإتباع بوسوسته. والخلاصة: أن السلطان المنفي هنا هو بمعنى القهر والغلبة، والمثبت هو السلطان بمعنى الوسوسة والتزيين. ﴿فَلَا تَلُومُونِي﴾؛ أي: ولا تعاتبوني فيما وعدتكم بالباطل حيث لم يكن ذلك على طريقة القسر والقهر؛ لأني خلقت لهذا، ولأني عدو مبين لكم، وقد حذركم الله عداوتي حيث قال: ﴿لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾

стр. 6323

﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ ومن تجرد للعداوة لا يُلام إذا دعا إلى أمر قبيح ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ حيث أجبتموني باختياركم حيث دعوتكم بلا دليل، فما كان مني إلا الدعاء وإلقاء الوسوسة، وقد سمعتم دلائل الله وحججه، وجاءتكم الرسل فصدقتموني فيما كذبتكم، وكذبتم الله فيما صدقكم، وكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي الباطل، فلما رجحتم قولي على الدلائل الظاهرة كان اللوم عليكم لا علي في هذا الباب ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾؛ أي: بمغيثكم مما أنتم فيه من العذاب، فأزيل صراخكم ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾؛ أي: بمغيثي مما أنا فيه من العذاب والنكال، يعني: لا ينجي بعضنا بعضًا من عذاب الله. والإصراخ (١): الإغاثة، وإنما تعرض لذلك مع أنه لم يكن في حيز الاحتمال مبالغةً في بيان عدم إصراخه إياهم وإيذانًا بأنه أيضًا مبتلى بمثل ما ابتلوا به، ومحتاج إلى الإصراخ، فكيف من إصراخ الغير. وقرأ الجمهور: ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ بفتح الياء وتشديدها. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة (٢): ﴿بِمُصْرِخِيِّ﴾ بكسر الياء. وطعن كثير من النحاة في هذه القراءة. قال الفراء: لعلها من وهم القراء؛ فإنه قل من سلم منهم من الوهم. وقال أبو عبيد: نراهم غلطوا، وقد نقل جماعة من أهل اللغة أنها لغة، لكنه قل استعمالها، ونص قطرب على أنها لغة في بني يربوع. ﴿إِنِّي كَفَرْتُ﴾ اليوم ﴿بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ﴾؛ أي: بإشراككم إياي مع الله في الطاعة ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذا اليوم؛ أي: في الدنيا بمعنى: تبرأت منه واستنكرته؛ أي: إني جحدت اليوم أن أكون شريكًا لله فيما أشركتموني فيه من قبل هذا اليوم؛ أي: في الدنيا، وهذا كقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾. قال في الإرشاد (٣): يعني إن إشراككم لي باللهِ هو الذي يطمعكم في نصرتي لكم بأن كان لكم علي حق حيث جعلتموني معبودًا، وكنت أود ذلك وأرغب فيه، فاليوم كفرت بذلك ولم أحمده ولم أقبله منكم، بل تبرأت منه ومنكم، فلم يبق بيني وبينكم علاقة. وقوله: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ من تمام (٤) كلام إبليس

стр. 6324

قطعًا لأطماع أولئك الكفار عن الإغاثة والنجاة من النار، فالوقف على ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ حسن، أو ابتدأ كلام من حضرة الله تعالى إيقاظًا للسامعين وخصالهم على النظر في عاقبة أمرهم والاستعداد لذلك اليوم الذي يقول فيه الشيطان ما يقول، فيتوبوا إلى رشدهم ويرجعوا عن غيّهم، ويتذكروا هول ذلك الموقف ورهبته، فالوقف على ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ تام كما هو عند أبي عمرو. والظالمون هم الشيطان ومتبعوه من الإنس؛ لأن الشيطان وضع الدعوة إلى الباطل في غير موضعها، وإنهم وضعوا الإتباع في غير موضعه. ولما جمع سبحانه فريقي السعداء والأشقياء في قوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ وبالغ في وصف حال الأشقياء من وجوه كثيرة .. ذكر حال السعداء وما أعد لهم من نعيم مقيم في ذلك اليوم، فقال: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: صدقوا الله ورسوله، فأقروا بوحدانيته تعالى ورسالة رسله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: عملوا بطاعته، فانتهوا إلى أمره ونهيه، والمدخلون هم الملائكة؛ أي: وأدخلت الملائكة الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾؛ أي بساتين تسيل من تحت أشجارها وقصورها الأنهار الأربعة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: ماكثين فيها أبدًا لا يتحولون عنها ولا يزولون منها ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿أُدْخِلَ﴾؛ أي: ادخلوها بإذن ربهم؛ أي: أدخلتهم الملائكة بأمر ربهم وإذنه وتوفيقه ولطفه وهدايته، هذا على قراءة الجمهور؛ لأنهم قرؤوا: ٢٣ - ﴿وَأُدْخِلَ﴾ على البناء للمفعول. وقرأ الحسن شاذًا: ﴿وأُدخِلُ﴾ على صيغة المتكلم والبناء للفاعل؛ أي: وأنا أدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وعلى هذه القراءة فقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾؛ أي: تحييهم الملائكة بالسلام بإذن ربهم تعظيمًا لشأنهم وعناية بأمرهم. ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ التحية (١): دعاء بالتعمير، وإضافتها إلى الضمير من إضافة المصدر إلى المفعول؛ أي: تحييهم الملائكة في الجنات بالسلام من

стр. 6325

الآفات، أو يحيي المؤمنون بعضهم بعضًا بالسلام، واللام تحية المؤمنين في الدنيا أيضًا، وأصله صدر من أبينا آدم ﵇ لما روى وهب بن منبه أن آدم لما رأى ضياء نور نبينا محمد ﷺ سأل الله عنه، فقال: هو نور النبي العربي محمد من أولادك، فالأنبياء كلهم تحت لوائه، فاشتاق آدم إلى رؤيته، فظهر نور النبي ﵇ في أنملة مسبِّحة آدم، فسلم عليه، فرد الله سلامه من قبل النبي ﵇، فمن هنا بقي السلام سنة لصدوره عن آدم، وبقي رده فريضة، لكونه عن الله تعالى. ٢٤ - ولما شرح الله أحوال الأشقياء وأحوال السعداء (١) .. ضرب مثلًا فيه حكم هذين القسمين، فقال جلّ وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمد وتنظر بعين قلبك، فتعلم (٢) علم يقين بإعلامي إياك، فعلى هذا يحتمل أن يكون الخطاب فيه للنبي ﷺ ، ويدخل معه غيره، ويحتمل أن يكون الخطاب لكل فرد من الناس، فيكون المعنى: ألم تر أيها الإنسان ﴿كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾؛ أي: كيف جعل الله تعالى كلمة طيبة - وهي لا إله إلا الله - مثلًا. وقيل (٣): هي كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة إلى الله قاله الزمخشري. وضرب هنا بمعنى جعل وصير، فهو متعد إلى اثنين ﴿كَلِمَةً﴾ المفعول الأول، وأخرت عن المفعول الثاني، وهو ﴿مَثَلًا﴾ لئلا تبعد عن صفتها، و ﴿مَثَلًا﴾ المفعول الثاني بمعنى جعلها مثلًا، وعلى هذا ﴿كَشَجَرَةٍ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي كشجرة طيبة كما قاله ابن عطية، وأجازه الزمخشري، و ﴿كَيْفَ﴾ منصوب على الحال من المفعول الثاني الذي هو ﴿مَثَلًا﴾، والتقدير: ألم تر ضرب الله مثلًا حالة كونه كيف؛ أي: حال كونه مسؤولًا عن حاله من غرابته. والاستفهام في ﴿كَيْفَ﴾ للتعجب، وفي ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ للتقرير. والمثل عبارة عن قولٍ في شيء يشبه قولًا في شيء آخر بينما مشابهة

стр. 6326

لتبيين أحدهما من الآخر وتصويره، وقيل هو على قول سائر المفسرين تشبيه شيء بشيء آخر. اهـ. "خازن". وهذا المعنى هو المراد هنا. والمعنى: ألم تعلم يا محمد كيف جعل الله وصير كلمة طيبة مثلًا؛ أي: شبها لشيء آخر، وهي؛ أي: الكلمة الطيبة ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ في الإثمار وهي النخلة. وقرىء شاذًا: ﴿كلمةٌ طيبةٌ﴾ بالرفع قال أبو البقاء على الابتداء و ﴿كَشَجَرَةٍ﴾ خبره. انتهى، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير: هو؛ أي: المثل كلمة طيبة، وكشجرةٍ نعت لكلمة ذكره في "البحر". وجملة قوله: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ مع ما عطف عليها صفة لـ ﴿شَجَرَةٍ﴾؛ أي: أسفلها ذاهب بعروقه في الأرض متمكن فيها. ﴿وَفَرْعُهَا﴾؛ أي: أعلاها ورأسها طالع ثابت ﴿فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: في الهواء ٢٥ - ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾؛ أي: تعطي هذه الشجرة ثمرها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾؛ أي: كل وقت (١) وقته الله تعالى لإثمارها، وهي السنة الكاملة؛ لأن النخلة تثمر في كل سنة مرة، ومدة إطلاعها إلى وقت صرامها ستة أشهر. وقيل المعنى (٢): تؤتي أكلها كل وقت وكل ساعة ليلًا أو نهارًا شتاء أو صيفًا، فيؤكل منها الجمار والطلع والبلح والخلال والبسر والنصف والرطب، وبعد ذلك يؤكل التمر اليابس إلى حين الطري الرطب، فأكلها دائم كل وقت ﴿بِإذنِ رَبِّهَا﴾؛ أي: بإرادة خالقها وتيسيره وتكوينه، فكذلك كلمة التوحيد ثابتة في قلب المؤمن بالبرهان، وعمل المؤمن المخلص يرفع إلى السماء وفي كل وقت وحين يعمل خيرًا بأمر ربه. وحكمة تمثيل كلمة التوحيد بالشجرة أن الشجرة تكون ثلاثة أشياء: عرق راسخ، وأصل قائم، وفرع عال، كذلك التوحيد يكون ثلاثة أشياء: تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان. والحاصل: أن الله شبه (٣) الكلمة الطيبة: وهي الإيمان

стр. 6327

الثابت في قلب المؤمن الذي يرفع به عمله إلى السماء، وتنال بركته وثوابه في كل وقت وحين بالشجرة الطيبة المثمرة الجميلة المنظر الشذية الرائحة التي لها أصل راسخ في الأرض به يؤمن قلعها وزوالها، وفروعها متصاعدة في الهواء، فيكون ذلك دليلًا على ثبات الأصل ورسوخ العروق، على بعدها عن عفونات الأرض وقاذورات الأبنية، فتأتي الثمرة نقية خالية من جميع الشوائب، وتثمر في كل حين بأمر ربها، وإذنه، وإذا اجتمع لهذه الشجرة كل هذه المميزات كثر رغبة الناس فيها. وخلاصة ذلك: أنه تعالى شبه كلمة الإيمان بشجرة ثبتت عروقها في الأرض وعلت أغصانها إلى السماء، وهي ذات ثمر في كل حين ذاك أن الهداية إذا حلت قلبًا فاضت منه على غيره وملأت قلوبًا كثيرة، فكأنها شجرة أثمرت كل حين؛ لأن ثمراتها دائمة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وكل قلب يتلقى عما يشاكله ويأخذ منه بسرعة أشد من سرعة إيقاد النار في الهشيم، أو سريان الكهرباء في المعادن، أو الضوء في الأثير. وقد روي عن ابن عباس أن الكلمة الطيبة هي قول: لا إله إلا الله، وأن الشجرة الطيبة هي: النخلة. وعن ابن عمر قال: (كنا عند رسول الله ﷺ ، فقال: "أخبروني عن شجرة تشبه الرجل المسلم لا يتحات ورقها لا صيفًا ولا شتاء، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها" قال ابن عمر فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئًا قال رسول الله ﷺ : "النخلة"، فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، قال: ما منعك أن تتكلم، قلت: لم أركم تتكلمون، فكرهت أن أتكلم، أو أقول شيئًا، قال: لأن تكون قلتها أحب إلى من كذا وكذا). رواه البخاري. ثم نبه سبحانه إلى عظم هذا المثل ليكون ذلك داعية تدبره ومعرفة المراد منه، فقال: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ﴾ ﴿الْأَمْثَالَ﴾ والأشباه ويبينها ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: يتفكرون في أحوال المبدأ والمعاد، وبدائع صنعه سبحانه الدالة على وجوده ووحدانيته، ويتعظون؛ لأن في ضربها زيادة إفهام وتذكير، فإنه تصوير للمعاني بصور المحسوسات وتقريب لها من الحسن؛ لأن أنس النفوس بها أكثر، فهي تخرج المعنى من خفي إلى جلي ومما يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع، وبها يطبق المعقول على المحسوس، فيحصل العلم التام

стр. 6328

بالشيء الممثل له، فتكون عبرة لمن اعتبر وعظة لمن اتعظ. ٢٦ - ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾؛ أي: صفة كلمة قبيحة وهي كلمة الكفر بأنواعه، ويدخل (١) فيها كل كلمة قبيحة من الدعاء إلى الكفر وتكذيب الحق ونحوهما ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾؛ أي: كمثل شجرة رديئة؛ أي: صفتها كصفتها، ويدخل فيها كل ما لا يطيب أكلها ولا ينتفع بها. قيل: هي شجرة الحنظلة، وقيل: الكمأة، وقيل: الطحلبة، وقيل: هي الكشوث - بالضم - وآخره مثلثة، وهي شجرة (٢) لا ورق لها ولا عروق في الأرض، أو هي نبت (٣) يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض. وقرىء (٤): ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ﴾ بالنصب عطفًا على ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾. ﴿اجْتُثَّتْ﴾؛ أي: اقتلعت واستؤصلت ﴿مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ﴾ لكون عروقها في وجه الأرض؛ أي: ليس (٥) لها أصل ولا عرق يغوص في الأرض، فتسميتها شجرة للمشاكلة، فكذلك الشرك بالله ليس له حجة ولا قوة ﴿مَا لَهَا﴾؛ أي: لهذه الشجرة ﴿مِنْ قَرَارٍ﴾؛ أي: من (٦) ثبات على الأرض؛ لأنها ليس لها أصل ثابت في الأرض ولا فرع صاعد إلى السماء، كذلك الكافر ليس فيه خير، ولا يصعد له قول طيب ولا عمل صالح، ولا لاعتقاده أصل ثابت، فهذا وجه تمثيل الكافر بهذه الشجرة الخبيثة؛ أي: ومثل (٧) كلمة الكفر وما شاكلها مثل شجرة خبيثة كالحنظل ونحو مما ليس له أصل ثابت في الأرض، بل عروقها لا تتجاوز سطحها، وقد اقتلعت من فوق الأرض؛ لأن عروقها قريبة منه ولا عروق لها في الأرض، فكما أن هذه لا ثبات لها ولا دوام، فكذلك الباطل لا يدوم ولا يثبت، بل هو زائل ذاهب وثمره مر كريه كالحنظل، وفي الحقيقة تسميتها شجرة مجاز، لأن الشجرة ما له ساق، والنجم ما لا ساق له، وهي من النجم، فتسميتها شجرة

стр. 6329

للمشاكلة، وما أقوى الحق وأثبته وأكثر نفعه للناس، فهو ثابت الدعائم متين الأركان. والخلاصة: أن أرباب النفوس العالية، وكبار الفكرين هم أصحاب الكلمة الطيبة، وعلومهم تعطي أممهم نعمًا ورزقًا في الدنيا، وهي مستقرة في نفوسهم، وفروعها ممتدة إلى العوالم العلوية والسفلية، وتثمر كل حين لأبناء أمتهم ولغيرهم، فيهتدي بها المؤمنون، وما أشبههم بالنخلة التي لها أصل مستقر وفروع عالية وثمر دائم، ويأكل الناس منها صيفًا وشتاء، وأرباب الشهوات والنفوس الضعيفة والمقلدون في العلم هم أصحاب الكلمة الخبيثة التي لا ثبات لها كالحنظل. ٢٧ - وبعد أن وصف الله الكلمة الطيبة بما سلف .. أخبر بفوز أصحابها ببغيتهم في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ وصدقوا بوحدانيته وبما جاءت به رسله على دينهم، وهذا راجع للمثل الأول، وقوله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ﴾. إلخ. راجع للمثل الثاني: ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الذي ثبت عندهم بالحجة، وتمكن في قلوبهم، وهو قول: لا إله إلا الله. ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: قبل (١) موتهم، فإذا ابتلوا وافتتنوا في الحياة الدنيا .. ثبتوا عليه، ولم يرجعوا عنه، ولو عذبوا أنواع العذاب كمن تقدمنا من الأنبياء والصالحين مثل زكريا ويحيى، والذين قتلهم أصحاب الأخدود، والذين مشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وكما جرى لبلال وغيره من أصحاب رسول الله ﷺ ﴿و﴾ يثبتهم على دينهم الحق ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: في القبر عند سؤال منكر ونكير، وفي سائر المواطن وقت المسألة يوم القيامة، والقبر من الآخرة، فإنه أول منزل من منازل الآخرة. وقيل: ﴿في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني (٢): في القبر عند السؤال ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يعني: يوم القيامة عند البعث والحساب، وهذا القول واضح.

стр. 6330

والمعنى: أي يثبتهم بالكلمة الطيبة التي ذكرت صفاتها العجيبة فيما سلف من مدة حياتهم إذا وجد من يفتنهم عن دينهم ويحاول زللهم، كما جرى لبلال وغيره من أصحاب النبي ﷺ ، وبعد الموت في القبر الذي هو أول منزل من منازل الآخرة حين يقال له: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله وديني الإِسلام ونبيي محمد ﷺ ، وفي مواقف القيامة فلا يضطربون إذا سئلوا عن معتقدهم، ولا تدهشهم الأهوال. أخرج ابن أبي شيبة عن البراء بن عازب أنه قال في الآية: التثبيت في الحياة الدنيا إذا جاء الملكان إلى الرجل في القبر، فقالا له: من ربك؟ قال: ربي الله، وقالا: وما دينك؟ قال: ديني الإسلام، وقالا: وما نبيّك؟ قال: نبيي محمد ﷺ . وعن عثمان بن عفان قال: كان رسول الله إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل" أخرجه أبو داود. وقد وردت أحاديث كثيرة في سؤال الملائكة للميت في قبره وفي جوابه لهم وفي عذاب القبر وفتنته، وليس هذا موضعها نسأل الله التثبيت في القبر وحسن الجواب بمنه وكرمه إنه على ما يشاء قدير. وعلى هذا (١): فالمراد بالحياة الدنيا مدة الحياة قبل الموت، وبالآخرة ما بعد الموت من القبر ويوم القيامة والعرض للحساب. وبعد أن وصف الكلمة الخبيثة في الآية المتقدمة بين حال أصحابها بقوله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: يضلهم (٢) عن حجتهم التي هي القول الثابت، فلا يقدرون على التكلم بها في قبورهم ولا عند الحساب، كما أضلهم عن اتباع الحق في الدنيا. والمراد بالظالمين هنا الكفرة؛ لأنهم ظلموا أنفسهم بتبديلهم فطرة الله التي فطر الناس عليها، وعدم اهتدائهم إلى القول الثابت. وقيل: كل من ظلم نفسه ولو بمجرد الإعراض عن البينات الواضحة، فإنه لا يثبت في مواقف الفتن، ولا يهتدي إلى الحق. وقيل معنى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: يخلق (٣) الله في الكفرة

стр. 6331

والمشركين الضلال، فلا يهديهم إلى الجواب بالصواب، كما ضلوا في الدنيا، ثم ذكر سبحانه أنه يفعل ما يشاء من التثبيت والخذلان، لا راد لحكمه ولا يسأل عما يفعل، فقال: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ﴾ في عباده ﴿مَا يَشَاءُ﴾ ويريد من تثبيت وإضلال؛ أي: خلق ثبات في بعضٍ، وخلق ضلالٍ في آخرين من غير اعتراض عليه. وأخرج (١) ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس ﵄: أن الكافر إذا حضره الموت تنزل عليه الملائكة ﵈ يضربون وجهه ودبره، فإذا دخل قبره أقعد، فقيل له: من ربك؟ لم يرجع إليهم شيئًا، وأنساه الله تعالى ذكر ذلك، وإذا قيل له: من الرسول الذي بعث إليك؟ لم يهتد له، ولم يرجع إليهم شيئًا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾؛ أي: وبيده تعالى الهداية والإضلال بحسب ما تقتضيه سننه العامة التي سنها في عباده بحسب استعداد النفوس وقبولها لكل منهما، فلا تنكروا قدرته على اهتداء من كان ضالًا وإضلال من كان منكم مهتديًا، فإن بيده تعالى تصريف خلقه وتدبيرهم وتقليب قلوبهم، يفعل فيهم ما يشاء من إرشاد وإضلال، لا يسئل عما يفعل وهم يسألون، فسبحانه من حكيم عليم. الإعراب ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣)﴾. ﴿وَقَالَ اَلَذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿لِرُسُلِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بقالوا. ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَوْحَى﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ﴾: (اللام): موطئة للقسم. ﴿نُخْرِجَنَّكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به في محل الرفع؛ لتجرده عن الناصب والجازم مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. ﴿مِنْ أَرْضِنَا﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الكفار، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، وجملة

стр. 6332

القسم في محل النصب مقول قالوا: ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتخيير. ﴿لَتَعُودُنَّ﴾: (اللام): موطئة للقسم. ﴿تَعُودُنَّ﴾: فعل مضارع ناقص؛ لأنه من أخوات صار مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين في محل الرفع اسمها، والنون المشددة حرف تأكيد. ﴿في مِلَّتِنَا﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر عاد تقديره: أو لتعودن داخلين في ملتنا، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم في محل النصب معطوفة على جملة القسم الأول على كونها مقولًا لقالوا. ﴿فَأَوْحَى﴾: (الفاء): حرف عطف وتفريع. ﴿أَوْحَى﴾: فعل ماضٍ. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق به. ﴿رَبُّهُمْ﴾: فاعل، والجملة معطوفة مفرغة على جملة قالوا. ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾: (اللام): موطئة للقسم. ﴿نُهْلِكَنَّ﴾: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿الظَّالِمِينَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، وجملة القسم في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: وقال لنهلكن الظالمين. ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾. ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ﴾ (الواو): عاطفة. (اللام): موطئة للقسم. ﴿نُسْكِنَنَّكُمُ﴾: فعل مضارع، ومفعول به مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿الْأَرْضَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق به. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق به أيضًا، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ على كونها مقولًا لقول محذوف. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لقول محذوف. ﴿خَافَ مَقَامِي﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة صلة الموصول، ﴿وَخَافَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿خَافَ﴾ الأول. ﴿وَعِيدِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاءً عنها بالكسرة الممنوعة بسكون الوقف.

стр. 6333

﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦)﴾. ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَنِيدٍ﴾: صفة لـ ﴿جَبَّارٍ﴾، والجملة معطوفة على جملة محذوفة تقديره: واستفتحوا فنصروا وسعدوا وربحوا، وخاب كل جبار عنيد. ﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿جَهَنَّمُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿جَبَّارٍ﴾، ويجوز أن تكون الصفة وحدها الجار، و ﴿جَهَنَّمُ﴾: فاعل به. ﴿وَيُسْقَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿جَبَّارٍ﴾. ﴿مِنْ مَاءٍ﴾: متعلق به. ﴿صَدِيدٍ﴾: عطف بيان، أو بدل من ﴿مَاءٍ﴾، والجملة في محل الجر معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها صفة لـ ﴿جَبَّارٍ﴾، عطف جملة فعلية على جملة فعلية. ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (٧)﴾. ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿جَبَّارٍ﴾، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿مَاءٍ﴾، أو مستأنفة. ﴿وَلَا يَكَادُ﴾: فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير يعود على ﴿الجبار﴾. ﴿يُسِيغُهُ﴾: فعل مضارع ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿الجبار﴾، والجملة الفعلية في محل النصب خبر كاد، وجملة كاد في محل النصب حال من فاعل ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾، أو من مفعوله، أو منهما جميعًا، وقيل: كاد هنا صلة لا عمل لها. ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ﴾: فعل ومفعول وفاعل. ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بيأتي، والجملة معطوفة على جملة ﴿يتجرعه﴾. ﴿وَمَا﴾ (الواو): حالية. ﴿ما﴾: حجازية، أو تميمية. ﴿هُوَ﴾: في محل الرفع اسمها، أو مبتدأ، ﴿بِمَيِّتٍ﴾؛ خبرها، أو خبره، والباء زائدة، والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿يَأْتِيهِ﴾. ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿غَلِيظٌ﴾: صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ﴾، أو مستأنفة.

стр. 6334

﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿بِرَبِّهِمْ﴾: متعلق به، وخبر المبتدأ محذوف تقديره: مثل الذين كفروا بربهم كائن فيما يتلى، والجملة الاسمية مستأنف. ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿كَرَمَادٍ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر تقديره: وما ذلك المثل، فقال: مثل أعمالهم كرماد. وفي "السمين" قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ...﴾ إلخ فيه أوجه: أحدها: وهو مذهب سيبويه أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره: فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا، وتكون الجملة في قوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ مستأنفة جوابًا لسؤال مقدر، كأنه قيل: كيف مثلهم؛ فقيل: كيت وكيت. والثاني: أن يكون ﴿مَثَلُ﴾: مبتدأ أول، و ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾: مبتدأ ثان، و ﴿كَرَمَادٍ﴾: خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول. والثالث: أن يكون ﴿مَثَلُ﴾ مبتدأ، و ﴿أعْمَالُهُمْ﴾: بدل منه بدل اشتمال، و ﴿كَرَمَادٍ﴾ الخبر اهـ. ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿رَمَادٍ﴾. ﴿في يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾: جار ومجرور وصفة متعلق بـ ﴿اشْتَدَّتْ﴾. ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة كما ذكره أبو البقاء. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور حال من شيء؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿كَسَبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: مما كسبوه. ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَقْدِرُونَ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل. ﴿الضَّلَالُ﴾: خبر. ﴿الْبَعِيدُ﴾: صفة لـ ﴿الضَّلَالُ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾.

стр. 6335

﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: للاستفهام التقريري. ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم. ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على أي مخاطب، والجملة مستأنفة. ﴿أَنَّ اللهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾: فعل ومفعول به. ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهَ﴾. ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾، أو حال من فاعل ﴿خَلَقَ﴾، أو من المفعول؛ أي: حال كونه متلبسًا بالحق، وجملة ﴿خَلَقَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي رأى. ﴿إِنْ يَشَأْ﴾: جازم وفعل مجزوم على كونه فعل شرط لـ ﴿أَنَّ﴾ الشرطية، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهَ﴾. ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾: فعل ومفعول مجزوم على كونه جواب الشرط، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهَ﴾، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿وَيَأْتِ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهِ﴾. ﴿بِخَلْقٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَأْتِ﴾. ﴿جَدِيدِ﴾: صفة ﴿خَلْقٍ﴾. ﴿وَمَا﴾ الواو عاطفة ﴿ما﴾: حجازية، أو تميمية. ﴿ذَلِكَ﴾: اسمها، أو مبتدأ. ﴿عَلَى اللهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَزِيزٍ﴾. ﴿بِعَزِيزٍ﴾: خبرها، أو خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾. ﴿وَبَرَزُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق به. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من فاعل ﴿بَرَزُوا﴾. ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾: فعل وفاعل، و (الفاء): حرف عطف وترتيب، والجملة معطوفة على جملة ﴿بَرَزُوا﴾. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ إلى قوله: ﴿قَالوا﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بما بعده. ﴿تَبَعًا﴾: خبر كان، وجملة كان في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿فَهَلْ﴾: (الفاء): حرف عطف وتفريع.

стр. 6336

وفي "روح البيان"، و (الفاء): للدلالة على سببية الإتباع للاعتناء. اهـ. ﴿هل﴾: حرف للاستفهام التوبيخي. ﴿أَنْتُمْ مُغْنُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها مقول ﴿قال﴾. ﴿عَنَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُغْنُونَ﴾. ﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿شَيْءٍ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿مِن﴾: زائدة. ﴿شَيْءٍ﴾: مفعول ﴿مُغْنُونَ﴾؛ لأنه اسم فاعل يعمل عمل الفصيح الصحيح. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿هَدَانَا اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾. ﴿لَهَدَيْنَاكُمْ﴾: (اللام): رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾. ﴿هَدَيْنَاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿سَوَاءٌ﴾: خبر مقدم لمبتدأ متصيد من الجملة التي بعدها. ﴿عَلَيْنَا﴾: جار ومجرور متعلق به؛ لأنه بمعنى مستو. ﴿أَجَزِعْنَا﴾: (الهمزة): لتأكيد التسوية. ﴿جَزِعْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿أَمْ﴾: متصلة عاطفة. ﴿صَبَرْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿جَزِعْنَا﴾، وجملة ﴿جَزِعْنَا﴾ مع ما عطف عليه: في تأويل مصدر مرفوع على كونه مبتدا مؤخرًا لـ ﴿سَوَاءٌ﴾، والتقدير: جزعنا وصبرنا مستو علينا، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مَا﴾: حجازية، أو تميمية. ﴿لَنَا﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿مَا﴾، أو للمبتدأ. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿مَحِيصٍ﴾: اسم ﴿مَا﴾ مؤخر، أو مبتدأ مؤخر، والتقدير: ما محيص كائنًا لنا، أو كائن لنا. ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَمَّا﴾: حينية في محل النصب على الظرفية. ﴿قُضِيَ الْأَمْر﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه.

стр. 6337

﴿وَعَدَكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿وَعْدَ الْحَقِّ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: في محل النصب مقول ﴿قال﴾. و ﴿وَوَعَدْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب معطوفة على جمة ﴿إِنَّ﴾ على كونها مقول ﴿قال﴾. ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿أخلفتكم﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَعَدْتُكُمْ﴾. ﴿وَمَا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿لِيَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿كَانَ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿سُلْطَانٍ﴾؛ لأنه بمعنى تسلط. ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾: اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخر، و ﴿من﴾: زائدة، والتقدير: وما كان سلطان عليكم كائنًا لي، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أخلفتكم﴾ على كونها مقول ﴿قال﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿دَعَوْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل النصب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء، والتقدير: وما كان لي عليكم من سلطان إلا دعوتي إياكم، فالاستثناء منقطع؛ لأن دعوته إياهم ليست من جنس السلطان حتى تستثنى منه؛ أي: لكن دعوتكم فاستجبتم لي. ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿استجبتم﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿دَعَوْتُكُمْ﴾. ﴿لِيَ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿فَلَا﴾: (الفاء): حرف عطف وتفريع. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَلُومُونِي﴾: فعل وفاعل ومفعول ونون وقاية مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾. ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على قوله ﴿فَلَا تَلُومُونِي﴾. ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾. ﴿مَا﴾: نافية، أو حجازية. ﴿أَنَا﴾: مبتدأ، أو اسم ﴿مَا﴾. ﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾: خبر المبتدأ، أو خبر ﴿مَا﴾، والباء: زائدة، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة. ﴿ما﴾: حجازية، أو تميمية. ﴿أَنْتُمْ﴾: اسم ﴿ما﴾، أو مبتدأ. ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾: (الياء): زائدة. ﴿مُصْرِخِيَّ﴾: خبر ﴿مَا﴾

стр. 6338

الحجازية منصوب، وعلامة نصبه الياء الممنوعة لاشتغال المحل بالياء المجلوبة لحرف جر زائد، وياء المتكلم في محل الجر مضاف إليه، لأن أصله ما أنتم بمصرخين لي كما سيأتي في مباحث الصرف، والجملة في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿كَفَرْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿بِمَا﴾: (الباء): حرف جر. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿أَشْرَكْتُمُونِ﴾: فعل ماض مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، التاء ضمير لجماعة المخاطبين في محل الرفع فاعل، الميم: حرف دال على الجمع، الواو: حرف زائد لإشباع حركة الميم، والنون: نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول به. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَشْرَكْتُمُونِ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها: في تأويل مصدر مجرور بالباء، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿كَفَرْتُ﴾، والتقدير: إني كفرت بإشراككم إياي بالله من قبل. ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة له وجملة الابتداء في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾: في محل النصب مقول ﴿قال﴾ إن قلنا: إنه من تمام كلام إبليس اللعين، أو مستأنفة إن قلنا: إنه من كلام الله. ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾. ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الوصول. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿جَنَّاتٍ﴾: منصوب على الظرفية المكانية متعلق بـ ﴿أُدْخِلَ﴾. ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع. ﴿الْأَنْهَارُ﴾: متعلق به. ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾، ولكنها سببية. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من اسم

стр. 6339

الموصول الواقع نائب فاعل لـ ﴿أُدْخِلَ﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَلِدِينَ﴾. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أُدْخِلَ﴾. ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور حال من ضمير الغائبين. ﴿سَلَامٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو حال من مرفوع ﴿أدخل﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤)﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: (الهمزة): للاستفهام التقريري. ﴿لمْ تَرَ﴾: جازم ومجزوم، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على أي مخاطب، والجملة مستأنفة. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام تعجبي في محل النصب على الحال من المفعول الثاني الذي هو ﴿مَثَلًا﴾. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل بمعنى: صير يتعدى إلى مفعولين. ﴿مَثَلًا﴾: مفعول ثان. ﴿كَلِمَةً﴾: مفعول أول، وأخرت عن المفعول الثاني، وهو ﴿مَثَلًا﴾، لئلا تبعد عن صفتها. ﴿طَيِّبَةً﴾: صفة لـ ﴿كَلِمَةً﴾، والتقدير: ألم تر كيف صير كلمة طيبة مثلًا حالة كون ذلك المثل كيف؛ أي: حالة كونه مسؤولًا عن حاله من غرابته وإحكامه وتوضيحه، وجملة ﴿ضَرَبَ﴾: في محل النصب سادة مسد مفعولي رأى. ﴿كَشَجَرَةٍ﴾: جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي؛ أي: الكلمة الطيبة كائنة كشجرة طيبة، والجملة الاسمية جملة مفسرة للمثل، لا محل لها من الإعراب. ﴿طَيِّبَةٍ﴾ مضاف إليه ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿شجرة﴾. ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها صفة لـ ﴿شجرة﴾. ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾. ﴿تُؤْتِي﴾: فعل مضارع بمعنى تعطي، وفاعله ضمير يعود على ﴿شَجَرَةٍ﴾. ﴿أُكُلَهَا﴾: مفعول ثان لأتى، والأول محذوف تقديره تؤتي أصحابها أكلها. ﴿كُلَّ حِينٍ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿تُؤْتِي﴾، وجملة ﴿تُؤْتِي﴾: في محل الجر صفة لـ ﴿شجرة﴾. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تُؤْتِي﴾. ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة.

стр. 6340

﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق به. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. وجملة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿لعل﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾. ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿خَبِيثَةٍ﴾: صفة لـ ﴿كلمةٍ﴾. ﴿كَشَجَرَةٍ﴾: جار ومجرور خبر مبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿خَبِيثَةٍ﴾: صفة أولى لـ ﴿شجرة﴾. ﴿اجْتُثَّتْ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿شجرة﴾. ﴿مِن فَوْقِ اَلأَرضِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿شجرة﴾. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿لَهَا﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنْ قَرَارٍ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿مِنْ﴾: زائدة، والجملة الاسمية في محل الجر صفة لـ ﴿شجرة﴾، أو في محل النصب حال من الضمير في ﴿اجْتُثَّتْ﴾، وهذه الجملة بمنزلة التعليل. ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾. ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿بِالْقَوْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُثَبِّتُ﴾. ﴿الثَّابِتِ﴾: صفة لـ ﴿القول﴾. ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾: متعلق بـ ﴿يُثَبِّتُ﴾ أيضًا. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةِ﴾. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يُثَبِّتُ﴾. ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يُثَبِّتُ﴾. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما يشاء، والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ من عاد بمعنى صار؛ أي: لتصيرن داخلين في ملتنا، أصله لتعودونن، حذفت نون علامة الرفع لتوالي الأمثال وواو الجماعة لالتقاء الساكنين، فصار لتعودن، والملة: الدين والشريعة.
следующие страницы →